← Адаб

Адаб · id 120922

أمالي ابن الشجري ت الطناحي

ابن الشجري

Полный текст (1 931 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

أحدهما (١): أن يراد به معنى حقّا، فى قولهم: أما والله لأفعلنّ. والآخر: أن تكون افتتاحا للكلام، بمنزلة ألا، كقولك: أما إنّ زيدا منطلق، وأكثر ما يحذف ألفها إذا وقع بعدها القسم؛ ليدلّوا على شدّة اتصال الثانى بالأول؛ لأنّ الكلمة إذا بقيت على حرف واحد لم تقم بنفسها، فعلم بحذف ألف «ما» افتقارها إلى الاتصال بالهمزة. ومن الحروف المركّبة «لولا (٢)» فلو معناها امتناع الشىء لامتناع غيره، و «لا» معناها النفى، فلما ركّبوهما بطل معنياهما، ودلّت «لولا» على امتناع الشىء لوجود غيره، واختصّت بالاسم، وعلى التحضيض، واختصت بالفعل. ومثل ذلك تركيبهم للهمزة مع «لا» فبطل الاستفهام والنفى، ودلّ مجموعهما على ثلاثة معان، الأول: استفتاح الكلام به، كقوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ﴾ (٣). والثانى: التمنّى، كقولهم: ألا ماء (٤) أشربه. والثالث: العرض، كقولك: ألا تنزل عندنا تصب من طعامنا؟ جزمت الفعلين على الجواب؛ جواب التمنى وجواب العرض. ومن الألفات التى حذفوها ألف «تبالى» فى قولهم «لا تبل (٥)» حذفوا ياءه أولا

стр. 947

للجزم، فقالوا: لا تبال، كقولك: لا ترام، ثم اختصروه لكثرة استعماله، فجزموه جزما ثانيا بإسكان لامه، فسقطت ألفه لالتقاء الساكنين، وقالوا فيه أيضا: لم أبله (١)، كان/قياسه أوّلا: لم أبال، كقولك: لم أرام، فحذفوا كسرة اللام، كما حذفوا ضمّة الإعراب فى نحو أجاب وأعان، فانحذفت الألف لما سكنت اللام، فصار: لم أبل، كقولك: لم أجب، ولم أعن، ثم ألحقوه فى الوقف عليه هاء السّكت، فوجب تحريك لامه؛ لسكونها وسكون الهاء، فحرّكوها بالكسر، لأنه الأصل فى حركة التقاء الساكنين، ولم يردّوا ألف «أبالى» فيقولوا: لم أبا له؛ لأن حركة التقاء الساكنين لا اعتداد بها، من حيث كانت عارضة تزول إذا زال التقاء الساكنين، والحركة العارضة لا يردّ لها المحذوف، ألا ترى أنهم لم يردّوا ألف رمى فى قولهم: رمت المرأة، مع تحرك التاء التى أوجب سكونها حذف الألف، وذلك لما ذكرناه من كون هذه الحركة لا اعتداد بها، لأنك تقول: رمت مرأة، فتزول الكسرة. وقد اعترض فى دخول هاء السكت فى لم أبله، على اللام وهى ساكنة، وهاء السكت لا تدخل إلاّ على متحرّك لتبيّن حركته، كقولهم فى عمّ ولم: عمّه ولمه وفى كتابى وحسابى: كتابيه وحسابيه، وفى قولهم: اسع وادن: اسعه وادنه، وتدخل على الألف، لأن الألف لخفائها تشبه الحركة، وذلك فى النّدبة. والجواب عن هذا الاعتراض: أن لام «أبالى» مكسورة كسرا أصليّا، كما ترى، والجازم أوجب حذف الياء منه وحدها، كحذفها فى لم أرام، فحذف الكسرة بعد حذف الياء حذف بغير استحقاق؛ لأنّ علم الجزم فى «أبالى» إنما هو حذف يائه، ولمّا حذفوا الياء ثم أتبعوها الكسرة، كان ذلك جزما بغير جزم، فالجزم

стр. 948

الثانى غير مستحقّ، وإذا كان إسكان اللام بغير استحقاق، وكانت الكسرة المحذوفة مقدّرة فى اللام، فكأنها موجودة لفظا، وإذا كانت فى تقدير الوجود صارت هاء السكت كأنها دخلت على متحرّك. وشبيه هذا، وإن كان بعكسه، /تقدير السكون والعمل بمقتضى وجوده، وذلك أن «هلمّ (١)» مركّب من حرف وهو «ها» وفعل وهو «المم» فهمزة الوصل سقطت فى الدّرج، والميم الأولى ألقيت ضمّتها على اللام، ثم أدغمت فى الثانية بعد تحريك الثانية بالفتح، فصار إلى هالمّ، فلم يعتدّوا بضمّة اللام؛ لأنها منقولة إليها من الميم، فنزّلت اللام منزلة الساكن، حيث لم تكن ضمّتها أصليّة، فكأنه التقى ساكنان، فحذفوا ألف حرف التنبيه، الذى هو «ها» لمّا كانت اللام ساكنة تقديرا. فكما حذفوا هذه الألف لسكون مقدّر، كذلك أدخلوا هاء السكت على «أبل» لحركة مقدّرة، أسقطت بغير حقّ، لأنهم أسقطوها لجزم ثان، فكأنها لذلك موجودة لفظا. وهذا الجواب عن هذا الاعتراض مما استخرجته. ...

стр. 949

فصل فى الحذف المسمّى ترخيما هذا الاسم مأخوذ من قولهم: امرأة رخيم الكلام، ويحتمل هذا الوصف معنيين، أحدهما: أن يكون كلامها مرتّلا محذوف الفضول، فيكون موافقا لهذا الحذف المسمّى ترخيما. والثانى: أن تكون ليّنة الكلام، خفيضة الصوت. ناعمة النّغمة، ومن هذا قولهم للحجر الأملس: رخامة، ولضرب ليّن من النّبت: رخامى، ومنه قولهم: ألقى فلان على فلان رخمته، أى محبّته وتعطّفه ولين منطقه، فسمّى هذا الحذف ترخيما، لأنه تخفيف اللفظ وتسهيله، قال ذو الرّمّة (١): لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشى لا هراء ولا نزر الحواشى: الأطراف، فيحتمل أن يريد أن أطراف منطقها محذوفة الفضول، ويحتمل أن يريد أن منطقها ناعم المقاطع، فيوافق هذا قوله: «لها بشر مثل/ الحرير» فتكون بشرتها ومنطقها متّفقين فى اللّين والنّعومة. والبشرة: ظاهر الجلد. والهراء: المنطق الفاسد، يقال منه: أهرأ فى منطقه. وللترخيم شرائط (٢)، فالشّريطة الأولى: اختصاصه بالنداء، إلاّ ما شذّ ففارق القياس.

стр. 950

والثانية: كون الاسم علما في الأغلب الأشهر. والثالثة: كونه مفردا. والرابعة: كونه رباعيّا فما زاد، إلاّ أن تكون ثالثة تاء التأنيث. والخامسة: بناؤه على الضمّ بالنداء؛ لأن التغيير يؤنس بالتغيير، فلا يجوز إذن ترخيم المضاف، ولا المضارع للمضاف، وهو العامل فيما بعده الرفع أو النصب، ولا ترخيم النكرة المنصوبة بالنداء، ولا ترخيم المستغاث به؛ لأنه معرب، ولا المندوب؛ لزوال معنى النّدبة، ولا ترخيم مبهم نحو: يا هذا ويا هذه ويا هؤلاء، ولا مضمر، نحو: يا أنتما ويا أنتم؛ لما ذكرناه من اختصاصهم بالترخيم الأعلام فى الأغلب، ولأن المبهم والمضمر ليسا ممّا يغيّره النّداء، قال الشاعر فى نداء الضمير: يا أقرع بن حابس يا أنتا ... أنت الذى طلّقت عام جعتا (١) وإنما خصّوا النداء بالترخيم، لأنّ النداء معنى كثر استعماله، فاعتمدوا فيه هذا التخفيف، ألا ترى أن المتكلّم يقدّمه إذا أخبر أو استخبر، أو نهى أو أمر، فيقول: يا فلان، عرفت كذا، ويا فلان، هل عرفت كذا؟ ويا فلان، افعل كذا، ويا فلان، لا تفعل كذا، فلما كثر استعماله هذه الكثرة خصّوا ضربا من الأسماء كثير الاستعمال بتخفيف لفظه فيه.

стр. 951

وللعرب فيه مذهبان: منهم من حذف آخر الاسم، وترك ما قبله على حركته أو سكونه، إلاّ أن يؤدّى السكون إلى الجمع بين ساكنين فيلزم التحريك، وسترى بيان ذلك إن شاء الله تعالى. ومنهم من يحذف ما يحذفه ويضمّ ما قبل المحذوف، إن صحّ فيه الضّمّ، فيجعله اسما قائما بنفسه، كأنه لم يحذف منه شيء. /والمذهب الأول هو اللغة العليا، ومعظم العرب عليه، وذلك قولك فى حارث: يا حار، ويا حار، وفى جعفر: يا جعف ويا جعف، وفى هرقل: يا هرق، ويا هرق أقبل، ويتّفق المذهبان فى ما قبل آخره ضمّة لفظا، ويختلفان تقديرا، وذلك قولك فى بلبل: يا بلب، فالضمة فى قول من قال: يا حار، ضمّة الأصل، وفيمن قال: يا حار، ضمّة حادثة، كالضمّة فى قولك: يا زيد، وعلى المذهبين ينشدون قول زهير (١): يا حار لا أرمين منكم بداهية ... لم يلقها سوقة قبلى ولا ملك وقول امرئ القيس (٢): أحار بن عمرو كأنّى خمر أى كأنّى قد خامرنى شرّ من ذا، وقول حسان (٣): حار بن كعب ألا أحلام تزجركم ... عنّا وأنتم من الجوف الجماخير

стр. 952

الجوف: جمع أجوف، وهو الذى لا رأى له ولا حزم، وواحد الجماخير: جمخور، وهو الضعيف العقل، وجاء المذهب الأوجه وحده فى قول الأعشى (١): كن كالسّموءل إذ طاف الهمام به ... فى جحفل كسواد اللّيل جرّار إذ سامه خطّتى خسف فقال له ... مهما تقله فإنى سامع حار فقال ثكل وغدر أنت بينهما ... فاختر وما فيهما حظّ لمختار ومثله لعمرك ما خشيت على عديّ ... سيوف بنى مقيّدة الحمار (٢) ولكنّى خشيت على عديّ ... رماح الجنّ أو إيّاك حار رماح الجنّ: كناية (٣) عن الطاعون، ومثله قول النابغة (٤): قالت بنو عامر خالوا بنى أسد ... يا بؤس للجهل ضرّارا لأقوام فصالحونا جميعا إن بدا لكم ... ولا تقولوا لنا أمثالها عام معنى خالوا: فارقوا.

стр. 953

وروى عن بعض من لا بصيرة له أنه قال، وقد سمع عليّا ﵇، وابن مسعود، ويحيى بن وثّاب والأعمش قرءوا: «ونادوا يا مال ليقض علينا ربّك» (١) فقال: إنّ عند أهل النار لشغلا عن الترخيم! فقال له من سمعه: ويحك! إنّ فى هذا الاختصار من أهل النار لمعنى لا يعرفه إلاّ ذو فطانة، وذلك أنهم لما ذلّت نفوسهم، وتقطّعت أنفاسهم، وخفيت أصواتهم، وضعفت قواهم، ولم تنفع شكواهم، قصرت ألسنتهم عن إتمام الاسم، وعجزوا عمّا يستعمله المالك لقوله، والقادر على التصرّف فى منطقه. ومن أبيات الكتاب قول أوس بن حجر (٢): تنكّرت منّا بعد معرفة لمى ... وبعد التّصابى والشّباب المكرّم وقول آخر (٣): فقلتم تعال يا يزى بن مخرّم ... فقلت لكم إنّى حليف صداء حذفا السّين والدال من لميس ويزيد، على المذهبين. واختلف النحويّون فى الثلاثيّ المتحرّك الأوسط، نحو عمر وحسن، فأجاز الكوفيّون والأخفش ترخيمه، لأنّ حركة أوسطه قامت مقام الحرف الرابع، كما قامت حركة القاف من سقر، والظاء من لظى، والدال من قدم (٤)، اسم امرأة،

стр. 954

مقام الحرف الرابع من زينب، فلم ينصرف فى التعريف، ففارق بذلك الثلاثيّ الساكن الأوسط، كهند ودعد. ولم يجز الخليل وسيبويه (١)، ومن أخذ أخذهما ترخيم هذا النحو؛ لخروجه عن حيّز الأصول، إذ أكثرها خمسة، وأقلّها ثلاثة. واتفق الجميع على أن الثلاثيّ الساكن الأوسط، كبشر وبكر، لا يجوز ترخيمه لأجل الإجحاف به، لسكون أوسطه، وقلّة عدده. وأجمعوا على ترخيم العلم الثلاثيّ، كهبة، وثبة/وعزة، لأنّ تاء التأنيث بمنزلة اسم ضمّ إلى اسم، فجرت مجرى الثانى من الاسمين المركّبين، نحو بعلبك ودرابجرد (٢)، تقول: ياهب، وياثب، كما لو ناديت بعلبك أو درابجرد، كما نادى النابغة الدار فى قوله: يا دارميّة بالعلياء فالسّند (٣) فرخّمته، لقلت: يا بعل، ويا دراب، فحذفت العجز، وأبقيت الصّدر. وإنما نزّلوا تاء التأنيث منزلة الثانى من المركّبين، حتى إنهم استجازوا حذفها وإبقاء الاسم على حرفين؛ لأنّ ما قبلها يلزمه الفتح، كما يلزم الفتح آخر الصّدر، ولأنك إذا نسبت إلى هذا الضّرب حذفت العجز، فقلت: درابىّ، وبعلىّ، كما تحذف تاء التأنيث فى قولك: مكّىّ، وكوفىّ، وإذا حقّرت حقّرت الصّدر، وأبقيت فتحته، فقلت: بعيلبك، كما تبقى الفتحة قبل تاء التأنيث، فى قولك: طليحة، فلا تكسر الحاء كما تكسر فاء جعفر، فى قولك: جعيفر.

стр. 955

وإذا عرفت هذا فلك أن تقول: ياثب، كقولك: يا حار، ولك أن تضمّ آخره، كما تقول: يا حار، فإن ناديت شاة علما أو نكرة مقصودا قصدها، قلت على لغة من قال: يا حار، فكسر: يا شا، وعلى اللّغة الأخرى: يا شاه ما أفرهك! تردّ لامها، وقد عرفت أنها هاء بظهورها فى التحقير والتكسير، وإنما وجب ردّ اللام فى لغة من قال: يا حار، لأن أهل هذه اللغة يجعلون المرخّم بمنزلة اسم قائم بنفسه، وليس فى العربية اسم معرب على حرفين، الثانى منهما حرف مدّ ولين. واعلم أن ترخيم ما فيه تاء التأنيث أكثر من ترخيم غيره، لكثرة ما يلحق تاء التأنيث من التغيير والحذف، والتغيير إبدال الهاء منها فى الوقف، والحذف حذفهم إيّاها فى التكسير، كقولك فى جمع مقدحة: مقادح، وفى جمع فاطمة: فواطم، وكذلك تحذفها فى جمع التأنيث، كقولك: فاطمات ومسلمات، فلها أحكام تخالف فيها غيرها من الحروف، ألا ترى أنك إذا سمّيت بمرجان/ومكّىّ، فرخّمتهما حذفت الألف والنون، وحذفت ياءي النّسب، فقلت: يا مرج، ويا مكّ، لأنهما زائدان، زيدا معا، فإن ألحقتهما تاء التأنيث لم تحذف غيرها؛ لأنها كالاسم المضموم إلى اسم، فقلت: يا مرجان، ويا مكىّ. ولك فى نداء طلحة وأشباهه، بعد قولك: يا طلحة، ثلاثة أوجه: الأول: يا طلح، بالترخيم وفتح الحاء، على اللغة المشهورة. والثانى: يا طلح، بالضم. والثالث: يا طلحة أقبل، بفتح التاء وإقحامها، وعليه أنشدوا للنابغة (١): كلينى لهمّ يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطىء الكواكب

стр. 956

فإن قيل: إن المعروف من الإقحام إقحام حرف بين حرفين، كإقحام تيم، بين تيم وعدىّ، فى قوله (١): يا تيم تيم عدىّ لا أبا لكم ... لا يلقينّكم فى سوأة عمر فى قول من نصب تيما الأول، وكإقحام اللام بين بؤس والجهل، فى قول النابغة: يا بؤس للجهل ضرّارا لأقوام (٢) أراد: يا بؤس الجهل، بدلالة إسقاط تنوين بؤس، وكذلك حكم اللام فى قول سعد بن مالك (٣): يا بؤس للحرب التى ... وضعت أراهط فاستراحوا وقال أبو العباس محمد بن يزيد (٤): إنما قالوا: يا ويح لزيد، ويا بؤس للحرب، فأقحموا اللام توكيدا، لأنها لام الإضافة، ألا ترى أن قولك: المال لزيد، كقولك: مال زيد، فى المعنى، لأن المراد مال لزيد، وكذلك قوله: «يا تيم تيم عدىّ»، أقحم الثانى توكيدا، وكذلك يا طلحة، أراد: يا طلح، فأقحم التاء توكيدا، وأقرّ الفتحة. انتهى كلامه.

стр. 957

وأقول: إن الإقحام إذا كان على ما قرّروه، فما الذى أقحمت تاء طلحة بينه وبين الحاء؟ والجواب أن التاء زيدت ساكنة بين حركتها والحاء، ألا ترى أنه يمكنك/أن تقول فى الوقف: يا طلحت، بسكون التاء، كما روى عن العباس ﵇، أنه قال فى ندائه المسلمين، لمّا انهزموا يوم حنين: يا أصحاب بيعة الشّجرت، يا أصحاب سورة البقرت، فقال المجيب له منهم: والله ما أحفظ منها آيت (١). فلما سمع منهم طلحت، صارت التاء بين فتحتها والحاء، وكذلك: يا أميمت، زيدت التاء بين فتحتها والميم. وهذا من الدّقائق التى نبّه عليها أبو علىّ. ومن ترخيم هذا الضّرب قول امرئ القيس: أفاطم مهلا بعض هذا التدلّل (٢) وقول هدبة بن خشرم (٣): عوجى علينا واربعى يا فاطما

стр. 958

[أراد يا فاطمة فرخّم (١)] وقول الشّماخ (٢): أعائش ما لأهلك لا أراهم ... يضيعون السّوام مع المضيع ...

стр. 959

المجلس الخامس والخمسون يتضمّن ذكر فصول من الحذف للترخيم، وتفسير أبيات من الباب فصل إذا كان قبل (١) آخر الاسم واو أو ياء أو ألف حذفته مع الطّرف ، باجتماع أربع شرائط، الأولى: سكون حرف العلّة، الواو والياء. والثانية: بقاء الاسم بعد الحذف على ثلاثة أحرف، فما زاد. والثالثة: أن يكون الحرف المعتلّ زائدا، لا أصلا. والرابعة: أن يكون ما قبل الواو مضموما، وما قبل الياء مكسورا. فهذه الشرائط مجتمعة فى منصور ومسعود ومحمود وموهوب، وفى عمّار وسلاّم وحمّاد وعبّاد، وفى مسكين ومعطير ومحضير وزحليل، إذا نقلن إلى العلميّة-كما قالوا: مسكين الدارميّ (٢) -رخّمن، قالوا: امرأة معطير، أى كثيرة التعطّر، وفرس محضير، أى شديد الحضر، وهو العدو، وزحليل: زلاّقة الصّبيان. تقول: يا منص ويا مسع ويا محم ويا موه، ويا عمّ ويا سلّ ويا حمّ ويا عبّ، ويا مسك ويا معط/ويا محض ويا زحل، بحذف حرف العلّة، إتباعا للطّرف، وتبقى الفتحة فى عمّار ونظائره، والكسرة فى مسكين ونظائره، على لغة من قال: يا حار، وتضمّها فى اللغة الأخرى.

стр. 960

وأما ضمّة الصاد فى قولك: يا منص، فتختلف تقديرا، فتكون فى لغة من قال: يا حار، هى الضمّة الأصلية، وفى لغة من قال: يا حار، هى ضمّة حادثة كالضمّة فى قولك: يا زيد، كما أن كسرة الهاء فى قولك: ناقة هجان ككسرة الكاف من كتاب، والكسرة فيها إذا قلت: نوق هجان (١) -وهى البيض الكرام-ككسرة الكاف من كلاب، وكما أن ضمّة الفاء من الفلك فى قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ﴾ (٢) غير ضمّة الفاء منه، فى قوله: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ (٣) لأن ضمّة الفاء من ﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ ضمّة الواحد، فى نحو قفل وبرد، وضمّة فائه فى الآية الأخرى ضمّة الجمع من نحو حمر وخضر. فإن رخّمت مختارا ومنقادا وما أشبههما، مما ألفه أصليّة منقلبة عن ياء عين، أو واو عين، نحو مغتاظ ومعتاد، لم تحذف ألفه كما حذفت ألف حمّاد وعمّار، ألا ترى أن مختارا أصله: مختير مفتعل، أو مختير مفتعل من الاختيار، ومنقادا أصله: منقود، منفعل من القود، فلما لم تكن زائدة أقرّت فقيل: يا مختا، ويا منقا. وكذلك تبقى حرف العلّة إذا كان يبقى بعد حذفه حرفان، وذلك فى نحو سعيد وجميل وعقيل، وهلال وبلال، وثمود وعجوز، إذا سمّيت به، تقول: يا سعى ويا جمى ويا عقى، ويا هلا ويا بلا ويا ثمو ويا عجو، فى لغة من قال: يا حار، وفى اللغة الأخرى: يا ثمى ويا عجى، لأن المنادى فى هذه اللغة بمنزلة اسم تامّ، على ما عرّفتك، وذلك من حيث لم يكن المحذوف مرادا، وليس فى العربية اسم ظاهر معرب آخره واو قبلها ضمّة، فمتى أدّى إلى ذلك قياس رفضوه، فأبدلوا من ضمّته

стр. 961

كسرة، فصارت واوه ياء، كما فعلوا فى جمع دلو وحقو، [فقالوا: أدل وأحق (١)] وأصلهما: أدلو، وأحقو، كأكلب، وإنما كرهوا/وقوع الواو طرفا بعد ضمّة، فى اسم يضاف تارة وينوّن تارة، وينسب إليه تارة. فيعتوره التنوين إذا قيل: أدلو، والإضافة إلى ياء المتكلم إذا قيل: أدلوى، والاتصال بياء النّسب إذا قيل: أدلوىّ، فتتوالى فيه أشياء مستثقلة، الضمّة على اللام وبعدها ضمة الواو أو كسرتها مع التنوين، أو ياء المتكلم أو ياء النسب، ولم يستثقلوا ذلك فى الفعل، نحو يغزو، وسرو الرجل يسرو، من السّرو-وهو سخاء فى مروءة-وذلك لأن الفعل لا يلحقه شيء ممّا ذكرناه، وكذلك وقوع الواو المضموم ما قبلها فى آخر المضمر، نحو هو وهمو، وأنتمو، فى لغة من ألحق الميم الواو فى الوصل؛ لأن المضمرات لا يلحقها التنوين، ولا تضاف ولا ينسب إليها، ولا اعتراض بقولهم: أبوك وأخوك ونحوهما، لأن الواو فى هذا الضّرب إنما تثبت غير متطرّفة، ولا يلحقها مع ذلك حركة. وأما ترخيم الذى قبل آخره واو أو ياء مفتوح ما قبلها، فالتغيير أيضا يلحقه فى لغة من قال: يا حار، بالضم، فمثال ذوات الواو: برذون، وخنّوص، وهو ولد الخنزير، وعجّول، وهو العجل. ومثال ذوات الياء: غرنيق، وهو طائر، وجمّيز، وهو شيء يشبه التّين، وعلّيق، وهو شجر من الأراك، تقول فى لغة من قال: يا حار: يا برذو، ويا خنّو، ويا عجّو، ويا غرنى ويا جمّي ويا علّي، تدع الواو والياء بحالهما؛ لأن المحذوف مراد وتقول فى اللغة الأخرى: يا برذا، ويا خنّا، ويا عجّا، ويا غرنا (٢)، ويا علاّ، تقلب الياء والواو ألفا، لإرادة الحركة فيهما مع انفتاح ما قبلهما.

стр. 962

وأما ما قبل آخره حرف علّة متحرّك، فمثاله: حولايا، وبردرايا، وجرجرايا. وتقول فى ترخيم هذا الضّرب فى قول من قال: يا حار: يا حولاي، ويا بردراي، ويا جرجراي، فلا تحذف الياء لقوّتها بالحركة، ومن قال: يا حار، أبدل الياء همزة لتطرّفها بعد ألف زائدة، فقال: يا حولاء، ويا بردراء، ويا جرجراء. /فإن كان فى آخر الاسم زائدان، زيدا معا حذفتهما معا، وذلك ينقسم إلى ضروب، أحدها: ما فى آخره الألف والنون الزائدان، كعثمان وعمران وسلمان وحمدان ومروان. والثانى: ما فى آخره الألف والهمزة المبدلة من ألف التأنيث، كظمياء ولمياء وعفراء وأسماء، التى أصلها وسماء، مأخوذة من الوسامة، وهو الحسن والجمال وليست بأسماء، جمع اسم، لأن هذه زنتها أفعال. والثالث: ما فى آخره الياءان المزيدتان للنّسب، كزيديّ ومكّيّ، علمين. والرابع: ما فى آخره الواو والنون المزيدتان للجمع، كزيدون وحمدون. والخامس: ما فى آخره الألف والتاء المزيدتان لجمع المؤنث، كهندات وصالحات، قال الفرزدق يخاطب مروان بن الحكم: يا مرو إنّ مطيّتى محبوسة ... ترجو الحباء وربّها لم ييأس (١) وقال آخر (٢):

стр. 963

أفق عثم من بعض تعذالكا وتقول فى حمراء علما وأسماء: يا حمر ويا أسم، قال: يا أسم صبرا على ما كان من حدث ... إنّ الحوادث ملقى ومنتظر (١) وقال عمر بن أبى ربيعة (٢): قفى فانظرى يا أسم هل تعرفينه ... أهذا المغيرىّ الذى كان يذكر وتقول فى مكّىّ: يا مكّ ويا مكّ، وفى حمراوىّ اسم رجل أو امرأة: يا حمراو، فى لغة من قال: يا حار، فلا تحذف إلاّ ياء النّسب، كما لم تحذف من مرجانة ومكّيّة إلا تاء التأنيث، وتقول فى لغة من ضمّ: يا حمراء، تقلب الواو همزة لوقوعها طرفا بعد ألف زائدة. وأهل التحقيق من البصريّين يقولون: لو سمّيت بحمراء هذه المرخّمة لصرفتها/فى التنكير، لأنّ همزتها ليست منقلبة عن ألف التأنيث، وإنما هى منقلبة عن واو منقلبة عن همزة منقلبة عن ألف. ومما استجيز ترخيمه من النّكرات المقصود قصدها كلّ مؤنّث بالتاء، كقولك فى جارية وجالسة: يا جارى هلمّى، ويا جالس قومى، وجاء عليه قوله (٣):

стр. 964

جارى لا تستنكرى عذيرى ... سيرى وإشفاقى على بعيرى العذير: الأمر الذى يحاوله الإنسان فيعذر فيه، أى لا تستنكرى ما أحاوله معذورا فيه، وقد فسّره بالبيت الثانى، ويقولون: من عذيرى من فلان؟ أى من ينتحى باللائمة عليه، ويعذرنى فى أمره. ولم يأت ترخيم منكّر (١) قصد قصده إلا ترخيم «صاحب» وذلك لكثرة استعماله، وتشبيهه بالعلم؛ من حيث وهّنه النداء بالبناء، فاستجازوا فيه: يا صاح، ولا يجوز: يا صاح، لأنّ من يضمّ المنادى يجعله بعد الحذف كاسم قائم بنفسه، لا دلالة فيه على المحذوف، فلم تحتمل النكرة أن يفعل بها هذا، قال امرؤ القيس (٢): أصاح ترى برقا أريك وميضه ... كلمع اليدين فى حبىّ مكلّل الحبيّ: السحاب المشرف. والمكلّل: الذى بعضه على بعض. وأما النكرات التى لم يقصد قصدها، فلم يجز ترخيمها لشياعها، وأنها معربة، وكذلك المضاف كقولك: يا جعفر تميم، لم يجز ترخيمه؛ لأنه معرب فى النداء، ولأن المضاف والمضاف إليه كاسم واحد، فآخر المضاف بمنزلة وسط الاسم، ووسط الاسم لا يرخّم، ولا يجوز أنّ يرخّم المضاف إليه؛ لأنه ليس بمنادى. وأجاز الكوفيون ترخيم المضاف إليه، وأنشدوا شاهدا عليه: خذوا حذركم يا آل عكرم واذكروا ... أواصرنا والرّحم بالغيب تذكر (٣)

стр. 965

/رخّم عكرمة، فأجازوا على هذا فى سعة الكلام: يا أبا (١) عرو أقبل، وهذا لا يجيزه البصريّون إلاّ فى الشّعر، ومثله مما أنشده البصريّون: ألا ما لهذا الدّهر من متعلّل ... عن الناس مهما شاء بالناس يفعل (٢) وهذا ردائى عنده يستعيره ... ليسلبنى عزّى أمال بن حنظل أراد: يا مالك بن حنظلة، فرخّم حنظلة، على لغة من قال: يا حار، فجعله اسما قائما بنفسه متصرّفا، فخفضه بعد الترخيم، لخروجه عن النداء. الآصرة: القرابة، أو إسداء منّة، يقال: ما يعطفنى على فلان آصرة، أى ما يعطفنى عليه قرابة ولا منّة أسداها إليّ، والعرب تقول: فلان يستعير رداء فلان، إذا أراد أن يبقى بعده، وفلان قد استعار رداء أخيه، إذا بقى بعده. وممّا رخّمته العرب فى غير النداء، فضالة وكلدة، فى قول أوس بن حجر (٣): وفدت أمّى وما قد ولدت ... غير مفقود فضال بن كلد ومنه قول آخر: أرقّ لأرحام أراها قريبة ... لحار بن كعب لا لجرم وراسب (٤) وأنشد أبو العباس المبرّد: علىّ دماء البدن إن لم تفارقى ... أبا حردب ليلا وأصحاب حردب (٥)

стр. 966

قال: والاسم حردبة، فرخّمه على لغة من قال: يا حار، ومنع المبرّد (١) من الترخيم فى غير النداء على لغة من قال: يا حار، بالكسر، وأنشد بيتا أنشده سيبويه مرخّما فيه «أمامة»، على هذا المذهب، وهو: ألا أضحت حبالكم رماما ... وأضحت منك شاسعة أماما (٢) قال: هكذا وضعه سيبويه، ولا وجه له، وإنما الشعر: وما عهد كعهدك يا أماما وأنشد المبرّد قول عنترة (٣): يدعون عنتر والرّماح كأنها ... أشطان بئر فى لبان الأدهم بضم الراء وفتحها، ثم قال: وذهب أحد من يقول: «عنتر والرّماح» إلى أن اسمه عنتر فى أصل وضعه، ولم تكن فيه هاء التأنيث، قال: وكذلك يقولون فى قول ذى الرّمّة (٤): ديار ميّة إذ ميّ تساعفنا ... ولا يرى مثلها عجم ولا عرب

стр. 967

إنه كان مرّة يسمّيها ميّا، ومرّة يسمّيها ميّة (١). قال: ويجوز أن يكون أجراه فى غير النّداء على: يا حار، ثم صرفه لمّا احتاج إلى صرفه، قال: وهذا الوجه عندى، لأنّ الرواة كلّهم ينشدون: فيا ميّ ما يدريك أين مناخنا ... معرّقة الألحى يمانية سجرا (٢) انتهى كلامه. وأقول: إنّ من زعم فى روايته «يدعون عنتر والرّماح» أن الأصل: عنتر، فزعمه محال، لقوله (٣): أنا الهجين عنتره ... كلّ امرئ يحمى حره أسوده وأحمره ... والشّعرات الواردات مشفره والوجه عندى: يدعون عنتر، مفتوح الراء، وذلك يحتمل وجهين. أحدهما: أن يكون منادى مرخّما على لغة من يقول: يا حار، بالكسر، لأنّ الدعاء قول، فكأنه قال: يقولون يا عنتر، وحذف حرف النداء، كما جاء فى التنزيل: ﴿فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي﴾ (٤). والوجه الثانى: أن لا يكون منادى، بل يكون مفعولا، والناصب له يدعون، فى غير النداء، على: يا حار، كما قال أوس بن حجر: «فضال بن كلد» وكما قال الآخر: «لحار بن كعب (٥)»

стр. 968

وأمّا من قال: يدعون عنتر، بالضم، فرخّم على لغة من قال: يا حار، كما تقول: /يا طلح أقبل. وأمّا قول ذى الرّمّة: «إذ ميّ تساعفنا» فيحتمل الوجهين اللذين ذكرهما المبرّد. أحدهما: أنه كان يسمّيها مرّة ميّة، ومرّة ميّا، فيصرف «ميّا» كما يصرفون دعدا، لأنه ثلاثيّ ساكن الأوسط، ويجوز أن يكون مرخّما فى غير النداء، على لغة من قال: يا حار، وصرفه كما صرف الآخر حنظلة، فى قوله: «أمال بن حنظل» وكما قال الآخر: أبا حردب ليلا وأصحاب حردب (١) واعلم أن الشاعر إذا اضطرّ إلى الترخيم فى غير النداء، فإنه من الضرورات المستقبحة؛ لأن الترخيم إنما يستحقّه المنادى، وليس كلّ منادى يرخّم، وإذا لم يكن كلّ منادى يرخّم، فغير المنادى بعيد من الترخيم، فمن اضطرّ إليه فجعل الاسم قائما بنفسه، فهو أسهل؛ لأنه كأنه غير مرخّم إذا لم يبق فيه للترخيم دلالة، كقوله: أبا حردب ليلا وأصحاب حردب ومن ترك فيه دلالة على الترخيم، فقد أساء؛ لمخالفته للأصول، وإنما يجوز فى الضرورات مراجعة الأصول، كصرف مالا ينصرف، وكقصر الممدود؛ لأن القصر هو الأصل، كما أن الصرف فى الاسم هو الأصل، فإذا رخّمت فى غير النداء على قول من قال: يا حار، بالضم، فهو الأوجه؛ لأن من يقول هذا يجعل الاسم بمنزلة ما لم يحذف منه شيء، فهو لا يريد المحذوف، فهذا أشبه بالخبر، فإذا وقع الحذف

стр. 969

منه على لغة من يقول: يا حار، فالمحذوف مراد، فالخبر والنداء يتجاذبانه، فالنداء يجذبه من قبل اللفظ، والخبر يجذبه من جهة المعنى، وسيبويه أجاز ذلك فى الشّعر، على بعده، وأنشد عليه: وأضحت منك شاسعة أماما (١) على ما سمعه من العرب، وإن كان بعيدا فى القياس، وفيما أنشده سيبويه أيضا من هذا قوله: أتانى عن أميّ نثا حديث ... وما هو في المغيب بذى حفاظ (٢) وأنشد: إنّ ابن حارث إن أشتق لرؤيته ... أو أمتدحه فإن الناس قد علموا (٣) وأنشد لابن أحمر: أبو حنش يؤرّقنى وطلق ... وعمّار وآونة أثالا (٤) قال: أراد: أثالة وقال بعض اللغويّين: ليس فى العرب أثالة علما، وإنما هو أثال، سمّى بجبل يقال له: أثال (٥). وقال المبرّد: ذهب سيبويه إلى أنّ أثالا مرخّم، وليس القول عندى كما قال، ولكنه نصبه لأنه مفعول معطوف على ما قبله من الضمير المنصوب.

стр. 970

فهذا القول من المبرّد وفاق لقول من زعم أنه ليس فى العرب أثالة علما، فإن صح هذا فقد بطل كونه مرخّما، وبطل أيضا قول أبى العباس إنه مفعول معطوف على المضمر المنصوب فى قوله: «يؤرقنى» لأن أثالا من الجماعة المؤرّقين لابن أحمر، فلم يرد يؤرّقنى ويؤرّق أثالا، فإنما ذكر عظيم ما يلاقيه لفراق هؤلاء المذكورين من الشوق والسّهر، إن كانوا فارقوه أحياء، أو ما يلاقيه من الهمّ والحزن، إن كانوا فارقوه بالموت، كما قال بعض رواة شعره، ولم يخبر ابن أحمر بما فى قلب أثال، وما يقاسيه من الأرق أوانا بعد أوان، لفراق أبى حنش وطلق وعمّار. وإذا بطل قول سيبويه، وقول أبى العباس أن أثالا من المؤرّقين، وثبت أنه من المؤرّقين، فانتصابه بفعل مضمر دلّ عليه الكلام، تقديره: وأتذكّر آونة أثالا، وقد مرّ بى أن الأثالة من الشىء بقيّته، إلاّ أنهم نصّوا على أن العرب لم يسمّوا به. وزعم بعض رواة الشعر وأخبار العرب، أن هؤلاء الأربعة أصيب بهم ابن أحمر. وقال راوية آخر: ليس الأمر على ما قال؛ لأن فى الشعر الذى فيه هذا البيت ما يدلّ على أنهم فارقوه أحياء، /وذلك قوله: وأيام المدينة ودّعونا ... فلم يدعوا لقائلة مقالا (١) فأيّة ليلة تأتيك سهوا ... فتصبح لا ترى منهم خيالا ليلة سهو: أى ليّنة ساكنة، وقوله: «أية ليلة» استفهام مراد به النفى، أى ما من ليلة تأتيك ساكنة ليس فيها مانع من الرّقاد إلاّ وأنت ترى فيها خيالاتهم، ثم قال: أبو حنش يؤرّقنى وطلق ... وعمّار وآونة أثالا

стр. 971

أراهم رفقتى حتى إذا ما ... تجافى اللّيل وانخزل انخزالا تجافى الليل: تقضّى، وانخزل: انقطع. إذا أنا كالذى يسعى لورد ... إلى آل فلم يدرك بلالا أراد: أراهم فى المنام كأنهم رفقة لى، فإذا تقضّى الليل كنت كساع إلى سراب ظنّه ماء، فلم يدرك ما يبلّ شفته. ثم مدحهم فقال: غطارف لا يصدّ الضيف عنهم ... إذا ما طلّق البرم العيالا غطارف: جمع غطريف، وهو السيّد المفتخر، يقال: تغطرف، إذا افتخر، وكان حقّ جمعه غطاريف، فحذف الياء، كما حذفها الآخر من الخلاخيل، فى قوله: لم يبق إلاّ الغبط والخلاخل (١) الغبط: جمع غبيط، وهو المحمل، قال (٢): تقول وقد مال الغبيط بنا معا ... عقرت بعيرى يا امرأ القيس فانزل أى لم تدع شدّة السّير إلاّ المحامل والخلاخل، وبالعكس من حذف الياء من لغطاريف والخلاخيل، إثباتها فى الصياريف من قوله: تنفى يداها الحصى فى كلّ هاجرة ... نفى الدّراهم تنقاد الصّياريف (٣)

стр. 972

وقد روى بعضهم: نفي الدّراهيم، وهذا يقوله من يأبى طبعه الزّحاف. وقوله: / «لا يصدّ الضيف عنهم» أى ينزل بهم الضيف إذا طلّق البرم عياله، وذلك فى سنة الجدب؛ لأن البرم هو الذى لا يدخل مع القوم فى الميسر، فيقامر فى نحر الجزر لشحّه. أرى ذا شيبة حمّال ثقل ... وأبيض مثل صدر السّيف نالا رجل نال: إذا كان ذا نائل، كقولهم: رجل مال: إذا كان كثير المال، وما جاء من هذا الضّرب فأصله: فعل، نول ومول، ومثله: يوم طان، ويوم راح، أى ذو طين وذو ريح. وبيض لم يخالطهنّ فحش ... نسين وصالنا إلاّ سؤالا أى تركن وصالنا إلاّ السّؤال عنّا، ومثل نسين بمعنى تركن، قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ (١) أى ترك، ومثله: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (٢) أى تركوا طاعة الله فتركهم من رحمته. وجرد يعله الدّاعى إليها ... إذا ركب الفوارس أو متالا (٣) يعله إليها: أى يذهب قلبه إليها، يقال: رجل علهان، وامرأة علهى. وقوله: أو متى لا، أراد: أو متى لم يركبوا، فوضع «لا» فى موضع «لم» وحذف الجملة، ومثل وضعه «لا» فى موضع «لم» قول الآخر (٤):

стр. 973

لاهمّ إنّ الحارث بن جبله ... زنى على أبيه ثمّ قتله وكان فى جاراته لا عهد له ... فأيّ أمر سيّئ لا فعله أى لم يفعله، ومثله فى التنزيل: ﴿فَلا اِقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ (١) أى فلم يقتحم، وأجود ما يجيء ذلك مكرّرا، كقوله: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى﴾ (٢) أى: فلم يصدّق ولم يصلّ، ومنه قول الراجز: إن تغفر اللهمّ تغفر جمّا ... وأيّ عبد لك لا ألمّا (٣) /أى لم يلمّ بالذّنوب. وقوله: «زنى (٤) على أبيه» أى زنا بامرأته. فهذا ما أدّى إليه بيت عمرو بن أحمر الباهلي، من الفوائد، وإن كان قد تقدّم ذكر هذا البيت فيما أمليته قبل (٥). وأمّا قول عنترة: «أنا الهجين» فالهجين: الذى أبوه عربيّ وأمّه غير عربيّة. وقوله: كلّ امرئ يحمى حره أراد يحمى نساءه، فكنى عن النساء بما لا يكون إلا لهنّ. وقوله: أسوده وأحمره

стр. 974

أراد سودهنّ وبيضهنّ، لأنهم إذا قالوا: الأسود والأحمر، أرادوا بالأحمر الأبيض، وقال النبيّ ﵇: «بعثت إلى الأسود والأحمر (١)». وأما قول ذى الرّمّة: أيا ميّ ما يدريك أين مناخنا ... معرّقة الألحى يمانية سجرا فقوله: «مناخنا» معناه: إناختنا، كقولهم: المقام بمعنى الإقامة، والمدخل والمخرج، بمعنى الإدخال والإخراج، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ (٢). ونصب «معرّقة» بالمصدر الذى هو المناخ. والألحى: جمع اللّحى (٣). ومعرّقة: من قولهم: عرقت العظم: إذا أخذت ما عليه من اللّحم. والسّجر: جمع سجور، وهى الحنون من النّوق، يقال: سجرت الناقة: إذا حنّت إلى ولدها (٤) وإلى عطنها الذى ألفته، ويجوز أن تكون السّجر جمع سجراء،

стр. 975

وهى البيضاء التى تخالط بياضها حمرة، ويقال أيضا: عين سجراء، إذا كانت بهذا الوصف. ...

стр. 976

المجلس السادس والخمسون (*) يتضمّن مسائل الترخيم ، وما يتّصل بها، وما لم تستعمله العرب إلاّ فى النداء. كنت حدّدت المذهب المختار من مذهبى الترخيم، فقلت: من العرب من يحذف آخر الاسم، ويترك ما قبله على حركته أو سكونه، إلاّ أن يؤدّى/السّكون إلى الجمع بين ساكنين، فيلزم حينئذ التحريك، ووعدت ببيان ذلك. وبيانه أنك إذا سمّيت بمادّ أو شادّ، وناديته ورخّمته على اللّغة المختارة، التقى بعد حذف الطّرف ساكنان، على أحد الشرطين فى التقاء الساكنين، وهما كون الأول حرف مدّ ولين، والثانى مدغما، فوجب لذلك التحريك، ولا يخلو المدغم أن يكون فى الأصل مكسورا أو مفتوحا أو مضموما، فإن كان أصله الكسر، أعدت إليه كسرته، وإن كان أصله الفتح أو الضمّ، أعدت إليه حركته، فقلت فى شادّ: يا شاد أقبل، فكسرت الدال؛ لأن أصله شادد، ومثله اسم الفاعل من السّباب، تقول: يا مساب، فإن أردت اسم المفعول منه، قلت: يا مساب، ففتحت الباء، لأن أصله مسابب، فإن سمّيته بتسابّ، مصدر تسابّ القوم، قلت: يا تساب، فضممت، لأن أصله: تسابب.

стр. 977

مسألة إن سمّيت بقاضون ونحوه، فناديته ورخّمته، حذفت الواو والنون، لأنهما زائدان، زيدا معا، وأعدت ياء قاض؛ لأنك إنما حذفتها من قاضون لسكونها بعد حذف حركتها وسكون الواو، فلما حذفت للترخيم الحرف الذى لأجله حذفتها، رددتها، فقلت: يا قاضى (١). ...

стр. 978

مسألة إن سمّيت بطيلسان، فى لغة من كسر (١) لامه، وفتحها أجود، قلت فى ترخيمه، فى المذهب المختار: يا طيلس تعال، ولا يجوز: يا طيلس، بالضم، لأنك تجعله فى هذه اللغة اسما قائما بنفسه، وليس فى كلامهم فيعل صحيح العين، إنما جاء ذلك فى المعتلّ، كسيّد وميّت وهيّن وليّن، وقد تقدّم ذكر هذا (٢). فإن رخّمته فى لغة من قال: طيلسان، ففتح اللام، جاز ترخيمه على اللغتين؛ لأنّ مثال فيعل متّسع/في الصحيح، كجيدر، وصيرف، وضيغم، وقد تقدّم ذكر هذا أيضا. فإن سمّيته هيّبان، رخّمته على اللّغة المختارة، فقلت: يا هيّب، ولم يجز: يا هيّب بالضمّ، لأنه ليس فى الكلام فيعل معتلّ العين، وإنما جاز ذلك فى لغة من قال: يا حار، لأن الألف مرادة، بدلالة الفتحة عليها، وكذلك إن سميته بريهقان، لم يجز ترخيمه على لغة من قال: يا حار، لأنه ليس فى الصحيح ولا المعتلّ اسم على مثال فيعل. وأجاز أبو سعيد السّيرافىّ: يا طيلس، بكسر اللام، على لغة من ضمّ آخر المرخّم، وإن لم يكن فى الصحيح اسم على فيعل، قال: كما جاز: يا منص، فجىء به على مفع، وليس مثله فى الكلام. وهذا تشبيه فاسد؛ لأنه شبّه مثالا تامّا بمثال ناقص، محذوف اللام، وإنما يشبّه التّامّ بالتامّ، كتشبيه طيلس بحيدر. الرّيهقان: الزّعفران.

стр. 979

والهيّبان: الجبان، والهيّبان: لغام البعير، والهيّبان: الراعى. وقد (١) تقدّم أن الجيدر الرجل القصير. والصّيرف: المتصرّف فى الأمور. والضّيغم: الأسد، أخذوه من الضّغم، وهو العضّ. ...

стр. 980

مسألة إن سمّيت بهبيّخ وقنوّر (١)، فرخّمت قلت: يا هبىّ، ويا قنوّ، فحذفت طرفيهما؛ الخاء والراء، فإن ألحقتهما تاء التأنيث قلت فى هبيّخة: يا هبيّخ، وفى قنوّرة: يا قنوّر، حذفت التاء وحدها؛ لأن تاء التأنيث على ما عرّفتك بمنزلة الاسم المضموم إلى الصّدر. ولا يخلو هبيّخ أن يكون مثاله فعيّل، أو فعيلل، وكذلك قنوّر: فعوّل، أو فعولل، ولا يجوز فيهما فعيلل وفعولل، كسميدع وفدوكس؛ لأنّ الياء والواو لا تكونان أصلا فى بنات الأربعة، إلاّ أن يكون فى الكلمة تضعيف، كصيصية، وفيفاء، ووزوزة، وضوضاء، فثبت أنهما فعيّل وفعوّل (٢)، ملحقان بدلهمس وسفرجل. /الهبيّخ: الوادى العظيم (٣)، والهبيّخة: الجارية. والقنوّر: السيّئ الخلق، وقيل القنوّر: الضّخم، والأول هو الأعرف. والصّيصية: واحدة الصّياصى، وهى الحصون، والصّيصية: القرن، وصيصية الدّيك معروفة. والوزوزة: سرعة الوثب، ورجل وزواز: خفيف. والفيفاء: المفازة (٤). والضّوضاء: الجلبة.

стр. 981

وأصل الفيفاء على هذا القول: فيفاى، كما أن الضّوضاء أصلها: ضوضاو (١). ومن قال: الفيف، فهمزة الفيفاء (٢) للتأنيث، فوزنها فعلاء، وفى القول الأول وزنها فعلال، مصروفة، وكونها مضاعفة أوجه؛ وذلك لقلّة (٣) باب سلس وقلق. والدّلهمس: الأسد، والسّميدع: السيّد، والفدوكس: الشّديد، فى قول ثعلب، وقال أبو زيد: هو الغليظ الجافى، وقد نظمت فيه بيتا لئلاّ يشذّ عن الحفظ، وهو: فدوكس عن ثعلب شديد (٤) ... وعن أبى زيد غليظ جافى ...

стр. 982

مسألة إن سمّيت بحبلوىّ، لم يجز ترخيمه على لغة من قال: يا حار، بالضمّ، لأنه يلزمك إذا حذفت ياءي النّسب أن تضمّ الواو، فتقلب ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فتقول: يا حبلى، فتصير ألف فعلى منقلبة، وألف فعلى لم تكن قطّ إلاّ زائدة للتأنيث، لا أصل لها. قال: أبو العباس المبرّد (١): فإن قال قائل: فيكون ألف حبلى هذه لغير التأنيث؛ لأنها ترخيم حبلويّ. قيل: هذا محال؛ لأن فعلى لم تستعمل لغير التأنيث. وقوله هذا محتاج إلى تفسير، وذلك أن هذا المثال مخالف لمثال فعلى وفعلى؛ لأنّ هذين المثالين قد جاءت ألفاهما للتأنيث وللإلحاق، فألف علقى وأرطى للإلحاق بسلهب وشرجب، وألف معزى وذفرى للإلحاق بدرهم وهجرع، ودلّ على ذلك شيئان؛ أحدهما صرفهنّ، والآخر: قولهم فى واحدة العلقى والأرطى/علقاة وأرطاة، فلو كانت الألف للتأنيث لم تحلقها تاء التأنيث. فأمّا مجىء ألفها للتأنيث، ففى نحو الغضبى والشّبعى والشّكوى والدّفلى والشّعرى والذّكرى، والفعلى مباينة لهما؛ فى مجىء ألفيهما للإلحاق؛ لأنه لم يأت مثال فعلل فيكون ألفها للإلحاق به، فخلصت ألف حبلى وأنثى وخنثى وصغرى وكبرى ونظائرهنّ للتأنيث. فإن قيل: قد جاء عنهم برقع وجخدب وجندب وقعدد وجؤذر. قيل: إنما روى الفتح فى لامات هذه الأسماء الأخفش أبو الحسن، وأبى سيبويه إلا الضّمّ.

стр. 983

العلقى: شجر، وكذلك الأرطى: شجر من شجر الرّمل يدبغ به. والهجرع: الكلب الخفيف، والرّجل الطويل الأحمق. والسّلهب: الفرس الطويل. . والشّرجب: الرجل الطويل. والذّفرى: أصل الأذن من خلفها. والقعدد: أقرب القوم إلى جدّهم، والقعدد أيضا: اللئيم، سمّى بذلك لقعوده عن المكارم. والجندب: الجراد. والجخدب: الجرادة الذّكر. والجؤذر: ولد البقرة الوحشيّة. ...

стр. 984

مسألة إن سمّيت باسم فى آخره ألف ونون زائدان، قبلهما واو، كقطوان ونزوان، أو ياء، كصميان وغليان، حذفت فى ترخيمه الألف والنون، وتركت الواو والياء على فتحهما، فى اللغة المختارة، فقلت: يا قطو، ويا نزو، ويا صمى، ويا غلى، فلم تغيّره لأن الألف مرادة. فإن رخّمته على اللغة الأخرى، قلبت الياء والواو ألفين؛ لأنك قدّرت الضمّة فيهما، فجعلتهما منتهى الاسم، فقلت: يا قطا، ويا نزا، ويا صما، ويا غلا. /القطوان: البطيء فى مشيه، حمار قطوان، أخذ من القطو، وهو تقارب الخطو. والصّميان: الشّجاع، وقيل: هو الأهوج الشديد الذى لا يهاب. والنّزوان: مصدر نزا الفحل على الأنثى. ...

стр. 985

مسألة إن سميّت بترقوة وعرقوة، قلت على لغة من قال: يا حار: يا ترقو، ويا عرقو، فلم تغيّر الواو؛ لأنها، وإن تطرّفت، بمنزلة المتحصّن، لتقدير تاء التأنيث بعدها، من حيث دلّت الفتحة عليها، وتقول على اللغة الأخرى: يا ترقى، ويا عرقى؛ لأنك أردت: يا ترقو، ويا عرقو، بضم الواو، لجعلك المرخّم اسما على حياله، فوجب إبدال الضمّة كسرة، وقلب الواو ياء، كما فعلت فى أدل وقلنس، كراهة لوقوع واو قبلها ضمّة فى آخر اسم مظهر، وقد تقدّم شرح (١) هذا. فإن سمّيته شقاوة أو نهاية، قلت فى ترخيمه على اللغة العليا: يا شقاو، ويا نهاي، فأقررت الواو والياء، فلم تهمزهما لأنهما فى التقدير غير متطرّفين، وذلك لدلالة الفتحة على تاء التأنيث، وقلت فى ترخيم اللغة الأخرى: يا شقاء، ويا نهاء، فهمزت الواو والياء لتطرّفهما بعد ألف زائدة، كما فعلت ذلك فى كساء ورداء، وهما من الكسوة والرّدية. التّرقوتان: العظمان المشرفان فى أعلى الصدر من رأس المنكبين إلى طرف ثغرة النّحر. والعرقوة: الخشبة المعروضة على الدّلو. ...
следующие страницы →