← Адаб

Адаб · id 120922

أمالي ابن الشجري ت الطناحي

ابن الشجري

Полный текст (1 931 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وأصل الفيفاء على هذا القول: فيفاى، كما أن الضّوضاء أصلها: ضوضاو (١). ومن قال: الفيف، فهمزة الفيفاء (٢) للتأنيث، فوزنها فعلاء، وفى القول الأول وزنها فعلال، مصروفة، وكونها مضاعفة أوجه؛ وذلك لقلّة (٣) باب سلس وقلق. والدّلهمس: الأسد، والسّميدع: السيّد، والفدوكس: الشّديد، فى قول ثعلب، وقال أبو زيد: هو الغليظ الجافى، وقد نظمت فيه بيتا لئلاّ يشذّ عن الحفظ، وهو: فدوكس عن ثعلب شديد (٤) ... وعن أبى زيد غليظ جافى ...

стр. 982

مسألة إن سمّيت بحبلوىّ، لم يجز ترخيمه على لغة من قال: يا حار، بالضمّ، لأنه يلزمك إذا حذفت ياءي النّسب أن تضمّ الواو، فتقلب ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فتقول: يا حبلى، فتصير ألف فعلى منقلبة، وألف فعلى لم تكن قطّ إلاّ زائدة للتأنيث، لا أصل لها. قال: أبو العباس المبرّد (١): فإن قال قائل: فيكون ألف حبلى هذه لغير التأنيث؛ لأنها ترخيم حبلويّ. قيل: هذا محال؛ لأن فعلى لم تستعمل لغير التأنيث. وقوله هذا محتاج إلى تفسير، وذلك أن هذا المثال مخالف لمثال فعلى وفعلى؛ لأنّ هذين المثالين قد جاءت ألفاهما للتأنيث وللإلحاق، فألف علقى وأرطى للإلحاق بسلهب وشرجب، وألف معزى وذفرى للإلحاق بدرهم وهجرع، ودلّ على ذلك شيئان؛ أحدهما صرفهنّ، والآخر: قولهم فى واحدة العلقى والأرطى/علقاة وأرطاة، فلو كانت الألف للتأنيث لم تحلقها تاء التأنيث. فأمّا مجىء ألفها للتأنيث، ففى نحو الغضبى والشّبعى والشّكوى والدّفلى والشّعرى والذّكرى، والفعلى مباينة لهما؛ فى مجىء ألفيهما للإلحاق؛ لأنه لم يأت مثال فعلل فيكون ألفها للإلحاق به، فخلصت ألف حبلى وأنثى وخنثى وصغرى وكبرى ونظائرهنّ للتأنيث. فإن قيل: قد جاء عنهم برقع وجخدب وجندب وقعدد وجؤذر. قيل: إنما روى الفتح فى لامات هذه الأسماء الأخفش أبو الحسن، وأبى سيبويه إلا الضّمّ.

стр. 983

العلقى: شجر، وكذلك الأرطى: شجر من شجر الرّمل يدبغ به. والهجرع: الكلب الخفيف، والرّجل الطويل الأحمق. والسّلهب: الفرس الطويل. . والشّرجب: الرجل الطويل. والذّفرى: أصل الأذن من خلفها. والقعدد: أقرب القوم إلى جدّهم، والقعدد أيضا: اللئيم، سمّى بذلك لقعوده عن المكارم. والجندب: الجراد. والجخدب: الجرادة الذّكر. والجؤذر: ولد البقرة الوحشيّة. ...

стр. 984

مسألة إن سمّيت باسم فى آخره ألف ونون زائدان، قبلهما واو، كقطوان ونزوان، أو ياء، كصميان وغليان، حذفت فى ترخيمه الألف والنون، وتركت الواو والياء على فتحهما، فى اللغة المختارة، فقلت: يا قطو، ويا نزو، ويا صمى، ويا غلى، فلم تغيّره لأن الألف مرادة. فإن رخّمته على اللغة الأخرى، قلبت الياء والواو ألفين؛ لأنك قدّرت الضمّة فيهما، فجعلتهما منتهى الاسم، فقلت: يا قطا، ويا نزا، ويا صما، ويا غلا. /القطوان: البطيء فى مشيه، حمار قطوان، أخذ من القطو، وهو تقارب الخطو. والصّميان: الشّجاع، وقيل: هو الأهوج الشديد الذى لا يهاب. والنّزوان: مصدر نزا الفحل على الأنثى. ...

стр. 985

مسألة إن سميّت بترقوة وعرقوة، قلت على لغة من قال: يا حار: يا ترقو، ويا عرقو، فلم تغيّر الواو؛ لأنها، وإن تطرّفت، بمنزلة المتحصّن، لتقدير تاء التأنيث بعدها، من حيث دلّت الفتحة عليها، وتقول على اللغة الأخرى: يا ترقى، ويا عرقى؛ لأنك أردت: يا ترقو، ويا عرقو، بضم الواو، لجعلك المرخّم اسما على حياله، فوجب إبدال الضمّة كسرة، وقلب الواو ياء، كما فعلت فى أدل وقلنس، كراهة لوقوع واو قبلها ضمّة فى آخر اسم مظهر، وقد تقدّم شرح (١) هذا. فإن سمّيته شقاوة أو نهاية، قلت فى ترخيمه على اللغة العليا: يا شقاو، ويا نهاي، فأقررت الواو والياء، فلم تهمزهما لأنهما فى التقدير غير متطرّفين، وذلك لدلالة الفتحة على تاء التأنيث، وقلت فى ترخيم اللغة الأخرى: يا شقاء، ويا نهاء، فهمزت الواو والياء لتطرّفهما بعد ألف زائدة، كما فعلت ذلك فى كساء ورداء، وهما من الكسوة والرّدية. التّرقوتان: العظمان المشرفان فى أعلى الصدر من رأس المنكبين إلى طرف ثغرة النّحر. والعرقوة: الخشبة المعروضة على الدّلو. ...

стр. 986

فصل يتضمّن ما اختصّ به النّداء فممّا لم يجيء إلاّ فى النّداء: فل، فى قولهم: يا فل أقبل، لم يستعملوه إلاّ مضموما. قال أبو العباس المبرّد (١): وليس بترخيم فلان، لأنه لو كان ترخيمه لقيل: يا فلا، كما تقول فى ترخيم حباب وهلال: يا حبا ويا هلا، قال: وممّا يزيد ذلك وضوحا/قولهم فى مؤنّثه: يا فلة أقبلى، قال: وقد جاء فى غير النّداء فذّا فى قوله (٢): فى لجّة أمسك فلانا عن فل اللّجّة: الجلبة. وذكر أبو العباس هذا الاسم مع الأسماء الوصفيّة التى جاءت على مثال فعل فى معنى فاعل أو فعيل، وخصّوا بها النّداء إلاّ فى الشذوذ، كقولهم: يا فسق، ويا خبث، فكأنّ أصله عنده فلو، بوزن فسق، فحذفوا الواو وضمّوا اللام فى النداء، كما يضمّون القاف إذا قالوا: يا فسق. وأقول: إنه، وإن لم يكن أصله فلان، فإنه بمعناه، وإنما استحسنوا ترخيمه، وإن لم يكن علما، لأن هذا الاسم-أعنى فلانا-كناية عن الأعلام، ومن ذلك قولهم: يا هناه، لم يستعملوا هذه اللفظة فى غير النداء، فهى بمنزلة قولهم:

стр. 987

يا نومان ويا ملأمان، يريدون: يا لئيم، فعدلوا عن فعيل إلى مفعلان، للمبالغة فى لؤمه، وكذلك يا مكذبان ويا مخبثان، عدلوهما عن كاذب وخبيث، ولا يقال: هذا هناه، ولا مررت بهناه، وإنما يكنون بهذه الكلمة عن اسم نكرة، كما يكنون بفلان عن الاسم العلم، وهى مع ذلك كلمة ذمّ، قال امرؤ القيس (١): وقد رابنى قولها يا هنا ... هـ ويحك ألحقت شرّا بشرّ فمعنى يا هناه: يا رجل سوء. واختلف البصريّون فى أصل تركيب هذه الكلمة ووزنها، فذهب بعضهم (٢) إلى أن أصلها هناو، فعال من هنوك، فأبدلوا من الواو الهاء. وقال آخرون: بل أبدلت من الواو الهمزة، لوقوع الواو طرفا بعد ألف زائدة، ثم أبدلت من الهمزة الهاء، كما قالوا فى إيّاك: هيّاك، وهذا عندى هو الصّواب. وقال قوم منهم: إن الهاء أصليّة، وليست ببدل، وجعلوها من الكلم التى جاءت لامها فى لغة هاء، وفى أخرى واوا، كسنة وعضة. وقال من رغب عن هذا/المذهب: إن هذا القول ضعيف؛ لأنّ باب «سلس وقلق (٣)» قليل فلا يقاس عليه. وذهب بعضهم إلى أنّ الهاء فى قولهم: يا هناه، هاء السكت، وهذا قول ضعيف جدّا، لأن هاء السكت لا تحرّك فى حال السّعة.

стр. 988

وقال الفراء وغيره من الكوفيّين-وهو مذهب أبى الحسن الأخفش، وأبى زيد الأنصارىّ-: إن الألف والهاء زائدان، ولام الكلمة محذوفة، كما حذفت فى هن وهنة، فوزنها على هذا القول: فعاه، وقد ردّ هذا القول ابن جنى فى الكتاب اللطيف التصريفيّ، الذى سمّاه (الملوكىّ) (١)، ولم يذكر الوجه فى ردّه. وعلى هذا المذهب تأتى مسائل التثنية والجمع فى المذكّر والمؤنث، والألف والهاء فى كونهما زائدين فيه، كالألف والهاء فى النّدبة، إلا أن هذه الهاء ليست بهاء السّكت لما ذكرناه، فإذا ثنّيت على هذا قلت: يا هنانيه أقبلا، فالألف فى هنانيه علامة التثنية، وصارت ألف هناه بعد نون التثنية ياء، لانكسار النون، ثم انكسرت الهاء لمجاورة الياء، كما انكسرت هاء الضمير فى عليه وإليه، ونحوهما، وتقول فى الجمع: يا هنوناه أقبلوا، فالواو علامة الجمع، وثبتت ألف هناه بعد نون الجمع؛ لانفتاح النون، وبقيت الهاء على ضمّتها. فإن قيل: كيف جاز جمع هذا الاسم بالواو والنون، وهو بمعنى رجل، ونحن لا نقول: رجلون؟. فالجواب: أنه إنما جاز ذلك فيه، لأنه فى هذا القول، من الأسماء التى دخلها التغيير بحذف لاماتها، فعوّضوها الجمع بالواو والنون، على حدّ قولهم فى جمع سنة: سنون. وتقول فى تأنيثه: يا هنتاه أقبلى، كما تقول: يا مرأة، فإذا ثنّيت قلت: يا هنتانيه أقبلا، صارت الألف التى فى هنتاه ياء، لانكسار نون التثنية قبلها، وانكسرت الهاء، لما تقدّم ذكره من وقوعها بعد الياء الساكنة. وإذا جمعت/قلت: يا هناتوه أقبلن، فالألف فى هناتوه ألف جمع التأنيث، وانقلبت ألف هنتاه واوا لانضمام التاء قبلها، كما تنضمّ فى قولك: يا ثبات

стр. 989

أقبلن، وانحذفت التاء التى في هنتاه، لمجيء تاء جمع التأنيث بعدها، كما انحذفت تاء مسلمة في مسلمات (١). ومما خصّوا به النداء، قولهم: اللهمّ (٢)، ولم يستعملوا فيه حرف النداء، إلا أن يضطرّ شاعر، كما قال: إنّى إذا ما حدث ألمّا ... أقول يا اللهمّ يا اللهمّا (٣) وإنما لم يجمعوا بين الميم وحرف النداء؛ لأنهم إنما ضمّوا الميم إلى هذا الاسم، تعالى مسمّاه، عوضا من حرف النداء. هذا قول البصريّين، وهو الصّواب، لا ما ذهب إليه يحيى بن زياد الفراء، من قوله: إن هذه الميم مأخوذة من فعل، وأنهم أرادوا: يا الله أمّنا بخير، أى اقصدنا، فخذفوا همزة «أمّ» تخفيفا. وهذا القول يبطل بما سأذكره لك، فلك أن تقول: يا الله، بقطع الهمزة، ويا الله، بوصلها، ولك أن تقول: اللهمّ، وإنما ثقّلوا الميم، ليعوّضوا حرفين من حرفين. وقال أبو علىّ فى مذهب الفرّاء: ليس هذا القول بشىء، لقول الله : ﴿وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ (٤) فلو كان المراد: يا الله أمّنا، لأغنى هذا الفعل عن جواب الشرط، وكانت الميم سادّة مسدّ الجواب، كما تقول: يا ربّنا قابل فلانا إن كان باغيا.

стр. 990

وأقول: إن هذه الآية تدفع قول الفرّاء من الوجه الذى ذكره أبو عليّ، وتدفعه أيضا من قبل أن التقدير عنده: يا الله أمّنا بخير، ثم جاء بعد هذا ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ اِئْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ فالكلام الآخر ينقض الأوّل، على ما قدّره الفراء. ودفع أبو عليّ قول الفراء بشىء آخر، وهو أنه قال: لو كان المراد ما قاله، لما حسن: اللهمّ أمّنا بخير، وفى حسنه دليل على أن الميم ليست/مأخوذة من أمّ، إذ لو كانت مأخوذة منه لكان فى الكلام تكرير، ثم قال: والاستدلال بالآية فيه كفاية. وأقول: إنّ هذا الاسم مخالف للأسماء الأعلام، فى جواز حذف حرف النداء منها، فيجوز: زيد أقبل، كما جاء ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا﴾ (١) ولا يجوز: الله اغفر لى، وإنما لم يجز أن ينادى بغير حرف النداء، لأن أصله: الإلاه، على ما بيّنته لك فيما تقدّم (٢)، فإذا (٣) قلت: الله اغفر لى، فكأنك قلت: الإله اغفر لى. وإذا ثبت أنه لا يجوز: الله اغفر لى، حتى تقول: يا الله، أو تقول: اللهمّ، علمت أن الميم عوض من حرف النداء. فهذا دليل قاطع بأن الذى ذهب إليه البصريون هو الصحيح. وممّا لم يستعملوه إلاّ فى النداء إدخال تاء التأنيث على الأب والأم، تقول: يا أبت لا تفعل، ويا أمّت لا تفعلى، كما جاء فى التنزيل: ﴿يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ (٤) و ﴿يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ (٥) ولا يجوز الجمع فيهما بين تاء

стр. 991

التأنيث وياء المتكلم، لا تقول: يا أبتى، ولا يا أمّتى؛ لأن تاء التأنيث فيهما صارت عوضا من الياء (١). فإن قيل: فقد جاء يا أبتا، ويا أمّتا، وأنشدوا فيه قول الراجز: يا أبتا علّك أو عساكا (٢) وأنشدوا قول جارية من العرب: يا أمّتا أبصرنى راكب ... يسير فى مسحنفر لا حب (٣) فقمت أحثو التّرب فى وجهه ... عمدا وأحمى حوزة الغائب فقالت أمّها: الحصن أولى لو تأيّيته ... من حثيك التّرب على الراكب (٤) قيل: إنما جاز: يا أبتا ويا أمّتا، ولم يجز: يا أبتى، ويا أمّتى، وإن كانت الألف مبدلة/من الياء؛ لأن إبدال الألف من الياء يخرجهما من صريح الإضافة،

стр. 992

لتغيّر لفظ الياء، ولشبه الألف بألف النّدبة، فكما جاز: وا أبتاه، ووا أمّتاه، جاز: يا أبتا ويا أمّتا. فإن قيل: فقد قالوا: يا عمّتى، ويا خالتى، فهلاّ جاز ذلك فى يا أبت ويا أمّت. قيل: إنما جاز ذلك فى العمّة والخالة؛ لأنّ دخول تاء التأنيث فيهما ليس بمختصّ بالنداء، وإذا كان دخولها فيهما غير مختصّ بالنداء، لم تكن التاء فيهما عوضا من الياء، فيكون الجمع بينهما جمعا بين العوض والمعوّض. ومن قال منهم: يا أبت ويا أمّت، ففتح التاء، أراد: يا أبتا، ويا أمّتا، فحذف الألف اجتزاء بالفتحة. فإن قيل: كيف دخلت تاء التأنيث على الأب، وهو مذكر؟ قيل: ليس ذلك ببعيد، ألا ترى أنهم قالوا: رجل ربعة، ورجل صرورة، للذى لم يحجّ، وقالوا بعكس هذا: امرأة طالق وحائض، وناقة بازل، ومهرة ضامر، قال (١): عهدى بها فى الحىّ قد سربلت ... بيضاء مثل المهرة الضّامر وفى الوقف عليهما مذهبان: مذهب البصريّين، الوقف على الهاء، كما يوقف على الهاء، إذا قيل: يا عمّة ويا خاله، وقال الكوفيّون: الوقف عليهما: يا أبت ويا أمّت (٢)؛ لأن تاء التأنيث فيهما لمّا كانت عوضا من ياء المتكلم، شبّهوها بتاء الإلحاق (٣) فى بنت وأخت.

стр. 993

وقال البصريّون: هذا لا يلزم؛ لأن التاء فى قولهم: يا أبت، ويا أمّت، مفتوح ما قبلها، كما فتح فى عمّة وخالة، فخالفت بذلك التاء فى بنت وأخت. قول الجارية: يسير فى مسحنفر لاحب أى فى طريق بيّن واضح. ويقال: حثوت التّراب أحثوه، وحثيته أحثيه. وقولها: «وأحمى حوزة الغائب». عنت بالغائب فرجها (١). والحصن (٢): العفّة. وقولها: «لو تأيّيته» معناه: لو تعمّدته، ويروى: لو تريدينه. ...

стр. 994

المجلس السابع والخمسون /يتضمّن ذكر ما عدل عن مثال إلى مثال [للمبالغة (١)] وذكر ما يتّصل بذلك. إذا أرادوا المبالغة فى الوصف، عدلوا عن بناء إلى بناء أدلّ على المبالغة من الأول، وذلك على ضربين: ضرب استعملوه فى الخبر، وضرب اختصّوا به النّداء. فعدولهم فى الخبر كعدولهم عن فاعل إلى فعيل، فى قولهم: رحيم وقدير وسميع وخبير وعليم. وعدولهم عن مفعل إلى فعيل، فى قولهم: بصير، وفى قولهم: سميع، من قول عمرو بن معد يكرب: أمن ريحانة الدّاعى السّميع ... يؤرّقنى وأصحابى هجوع (٢) معناه الداعى المسمع (٣). وعدلوا عن فاعل إلى فعلان، فى قولهم: الرحمن، فالرحمن أبلغ فى الوصف

стр. 995

بالرّحمة من الرّحيم، والرّحيم أبلغ من الراحم، فلشدّة المبالغة فى الرّحمة اختصّ بالرحمن القديم تعالى (١). ومن ذلك فعول وفعّال، عدلوا إليهما عن فاعل، فى قولهم: غفور وشكور وصبور وضروب، وضرّاب وقتّال وصبّار، كما جاء فى التنزيل: ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ (٢) ومثله: ﴿عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ (٣). وقال أبو طالب بن عبد المطلب، فى مدح (٤) النبىّ ﵌: ضروب بنصل السّيف سوق سمانها ... إذا عدموا زادا فإنّك عاقر ومن ذلك مفعال، كقولهم: مطعان ومطعام، فمطعان معدول عن فاعل، ومطعام عن مفعل، وقالوا: امرأة ميلاد وولود، إذا وصفوها بكثرة الولاد. ومن ذلك فعل، كفهم وأشر وحذر، والأشر: البطر، وفى التنزيل: ﴿كَذّابٌ أَشِرٌ﴾ (٥) قرن فعلا/بفعّال، وأنشد سيبويه (٦): حذر أمورا لا تضير وآمن ... ما ليس منجيه من الأقدار

стр. 996

وممّا اختصّ بالنداء عدولهم عن فاعل وفعيل إلى مفعلان، كقولهم: يا مكذبان ويا مخبثان ويا ملأمان، يريدون: يا كاذب ويا خبيث ويا لئيم، بالغوا فى وصفه بالكذب والخبث واللّؤم، وقالوا: يا مكرمان، فبالغوا فى وصفه بالكرم. ومن الأمثلة التى عدلوا إليها فى النّداء: فعل وفعال، كقولهم للرجل: يا فسق ويا خبث ويا غدر ويا لكع، وللمرأة: يا فساق ويا خباث ويا غدار ويا لكاع، ولا يكادون يستعملون شيئا من هذين الضّربين فى غير النداء، إلاّ على سبيل الشذوذ، كقوله (١): أطوّف ما أطوّف ثم آوى ... إلى بيت قعيدته لكاع وقولهم: يا لكع، معناه: يا لئيم، يقال: لكع الرجل لكاعة، إذا لؤم، وقولهم: بنو اللّكيعة، قيل: اشتقاق هذه اللفظة من اللّكع، وهو الوسخ، وقال رجل للحسن البصرىّ: يا با سعيد، إنّ العامّة تزعم أنك تبغض عليّا، فأكبّ يبكى طويلا، ثم رفع رأسه وقال: والله لقد فارقكم بالأمس رجل كان سهما من مرامى الله على أعدائه، ربّانيّ هذه الأمة، ذو شرفها وفضلها، وذو قرابة من رسول الله ﷺ قريبة، لم يكن بالنّومة عن حقّ الله، ولا بالغافل عن أمر الله، ولا بالسّروقة من مال الله، أعطى القرآن عزائمه في ما له وعليه، فأشرف منها على رياض مونقة، وأعلام بيّنة. ذلك علىّ بن أبى طالب يا لكع (٢). قوله: «مونقة» حسنة معجبة. وجملة الأمر أنّ كلّ واحد من مثالى فعل وفعال ينقسم إلى ثمانية أقسام: أمّا فعل فيكون اسم جنس، كجرذ ونغر وصرد.

стр. 997

ويكون جمعا كغرف وظلم/وحجر. ويكون مصدرا، كهدى وتقى وسرى. ويكون صفة كحطم، فى قوله: قد لفّها اللّيل بسوّاق حطم (١) ولبد، فى قوله تعالى: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً﴾ (٢) اللّبد: الكثير. والسّواق الحطم: الذى يحطم من شدّة سوقه ما يسوقه، والحطم: الكسر. والصّرد: طائر، وكذلك النّغر طائر أصغر من العصفور. وكان فى حجر أمّ سليم (٣) يتيم يكنى أبا عمير، فدخل رسول الله ﵌ يوما عليها فوجده يبكى، فقال: ما باله؟ فقالت: يا رسول الله، طار نغره، فقال ﵇ يداعبه: «يا أبا عمير، ذهب (٤) النّغير». فهذه الأقسام الأربعة مصروفة، والأربعة الأخر معدولة.

стр. 998

فالأول: العلم المعدول عن فاعل، كعمر، وقثم وزحل، عدلوا عمر عن عامر، وقثم عن قاثم، وزحل عن زاحل، فقثم من القثم، وهو الإعطاء، يقال: قثم له من ماله. ويقال: زحل عن المكان فهو زاحل، إذا تنحّى عنه متباطئا. والقسم الثانى: فعل المعدول عن أفعل من كذا، وهو أخر، فأخر جمع أخرى فى قوله تعالى: ﴿وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ (١) وفى قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ (٢) الأصل: من أيّام أخرى، كما قال: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرى﴾ (٣) فأخر معدولة عن آخر من كذا. ومعنى قولنا: معدولة عن آخر من كذا: أنّ قولك: جاءنى الهندات ونساء أخر، أصله: ونساء آخر منهنّ، كما تقول: جاء الهندات ونساء أفضل منهنّ، لأن الآخر، والأخرى من باب الأفضل والفضلى، والأكبر والكبرى، ولكنه شذّ عن نظائره، فعرّى من الألف واللام، ومن «من». والقسم الثالث: فعل، فى قولهم: جاء النساء جمع كتع بصع، فجمع معدولة عن جمع، فى قول أبى عثمان المازنىّ؛ لأنه جعل أجمع وجمعاء، من باب أحمر وحمراء، وهذا الباب قياس جمعه: فعل، كحمر وصفر، فعدلوا على قول أبى عثمان جمع المفتوح/العين عن جمع الساكنة عينه. وخالفه النحويّون فى هذا القول، لمخالفة أجمع لباب أحمر، من حيث قالوا: أجمعون، ولم يقولوا: أحمرون، لم يجمعوه بالواو والنون، كما لم يجمعوا مؤنّثه بالألف والتاء، فجمعاء عندهم كصحراء، فجمعها فى القياس جماعى،

стр. 999

كصحارى، فجمع إذا معدولة [عن] (١) جماعى، وإن لم ينطقوا بجماعى. ولو أنهم قالوا فى جمع جمعاء: جمعاوات، كان قياسا كصحراوات. فإن قيل: فما العلّة التى انضمّت إلى العدل فى جمع، حتى امتنع من الصرف؟ قيل: هى التّعريف. فإن قيل: وما وجه التعريف فيه، وليس بعلم ولا مضمر ولا اسم إشارة؟ فالجواب: أن هذه الألفاظ الموضوعة للتوكيد، حقّها الإضافة إلى ضمير غيبة، كالكلّ والنّفس والعين، فى قولك: جاء القوم كلّهم، وجاء زيد نفسه وعينه، وكذلك قولهم: جاء الجيش أجمع، إضافة «أجمع» إلى الضمير مرادة، وكذلك: جاء القوم أجمعون، وجاءت القبيلة جمعاء، وجاء النساء جمع، التقدير: جاء الجيش أجمعه، والقوم أجمعوهم، والقبيلة جمعاؤها، والنساء جمعهنّ، فحذف المضاف إليه، وبقى التعريف فيهنّ لتقدير إضافتهن إلى الضمير، كما حذف الضمير من كلّ فى قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ (٢) التقدير: وكلّهم، كما قال: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً﴾ (٣). ولإرادة التعريف فيهنّ بتقدير إضافتهنّ إلى الضمير أتبعن المعارف دون النكرات، فلا يجوز: جاء جيش أجمع، ولا قبيلة جمعاء، ولا قوم أجمعون، ولا نساء جمع، فأجمع على هذا حكمه حكم أحمد، ولم ينصرف للتعريف والوزن، وجمعاء كعفراء: اسم امرأة، ولو لم يكن فيها غير همزة التأنيث لامتنعت من

стр. 1000

الصّرف؛ لأن التأنيث بالهمزة علّة تقوم مقام علّتين، لكونه تأنيثا لازما، فلزومه يقوم مقام علّة أخرى. فأما كتع بصع فحكمهما حكم جمع فى تقدير العدل فيهما/وتقدير الإضافة إلى الضمير، فمن النحويّين من قال: إن المراد بهما شدّة التوكيد، فهما تابعان غير مشتقّين، ومنهم من قال: إنّ كتع مأخوذ من قولهم: كتع فلان فى أمره: إذا شمّر فيه، وبصع مأخوذ من قولهم: بصع الماء، إذا سال، وتبصّع عرقه، وقد روى: بضع عرقه وتبضّع، بالضاد المعجمة. والقسم الرابع من [هذه] (١) الأقسام المعدولة: فعل، المختصّ بالنداء، كقولهم: يا فسق ويا غدر ويا خبث، فهذا مبنىّ معرفة؛ لأنه منادى قصد قصده، فلذلك تقول: يا فسق الخبيث. وفعال حكمه حكم فعل، فى الانقسام إلى ثمانية أقسام، الأول: كونه اسما مفردا مذكّرا، كغزال وفدان (٢)، ومفردا مؤنّثا، كعناق وأتان. والثانى: كونه وصفا لمذكّر، كجواد وجبان، ولمؤنّث كحصان ورزان. والثالث: كونه مصدرا، كذهاب وضمان. والرابع: كونه جمعا (٣)، كجراد وبنان وسحاب، وفى التنزيل:

стр. 1001

﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ (١). فهذه الأربعة معربة مصروفة، كما ترى، والأربعة الباقية (٢) معدولة مبنيّة، لا خلاف فى بنائهنّ، إلاّ فى القسم الرابع، على ما ستراه، إن شاء الله. فالأول: فعال المسمّى بها فعل الأمر للمواجه، كنزال ونظار ومناع وحذار وتراك ودراك، هذه معدولة عن انزل وأنظر وامنع واحذر واترك وأدرك، وحكمها فى اللّزوم والتعدّي حكم مسمّياتها، قال ربيعة بن مقروم الضّبّىّ: (٣) فدعوا نزال فكنت أوّل نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل وقال آخر (٤): حذار من أرماحنا حذار وقال آخر: نظار كى أركبها نظار (٥) أراد بقوله: «نظار» أنظر، بفتح الهمزة وكسر الظاء، وليس من نظر

стр. 1002

العين، وإنما المراد به الانتظار، كما جاء فى التنزيل: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ (١) /أي ينتظرون، وكما قال الشاعر يخاطب ميّتا: هل انت ابن ليلى إن نظرتك رائح ... مع الرّكب أو غاد غداة غد معى (٢) أراد: انتظرتك، وقال آخر (٣) فى المتعدّى: تراكها من إبل تراكها ... أما ترى الموت لدى أوراكها أراد: أنّ أوراكها من شدّة السير، كأنّها فى استرخائها قد شارفت الموت، ومثله فى المتعدّى قول الآخر (٤): مناعها من إبل مناعها ... أما ترى الموت لدى أرباعها الأرباع: جمع الرّبع، وهو ولد الناقة الذى تلده فى الرّبيع، والهبع: الذى تلده فى أول الصيف، وجمعه أهباع، كرطب وأرطاب. وحقّ هذه الأسماء فى الأصل أن تبنى على الوقف (٥)؛ لأنها أعلام لأفعال موقوفة، فاحتاجوا إلى تحريكها لالتقاء الساكنين، فحرّكوها بالكسرة، لأمرين: أحدهما أنّ الكسرة أصل فى حركة التقاء الساكنين، والثانى: أنها أسماء مؤنّثة،

стр. 1003

والكسرة من علامات التأنيث فى نحو أنت فعلت، و ﴿كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ﴾ (١) وذلك أن الكسرة من الياء، والياء قد استعملت علامة للتأنيث فى قولهم: تفعلين، وهذى أمة الله، ويدلّك على تأنيث هذه الأسماء قول زهير (٢): ولنعم حشو الدّرع أنت إذا ... دعيت نزال ولجّ فى الذّعر وقول زيد الخيل (٣): وقد علمت سلامة أنّ سيفى ... كريه كلّما دعيت نزال وعلّة بناء هذا الضّرب أنه صيغة نابت عن صيغة تضمّنت معنى الحرف، فنزال ناب عن انزل، وانزل ناب عن فعل الأمر المجزوم باللام؛ لأنّ القياس/كان فى أمر المواجه: لتنزل، حملا على قولنا: لينزل، وللمتكلّم: لننزل، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ (٤) ولكنّ الأمر للمواجه كثر استعماله، فاستثقلوا مجىء اللام فيه مع كثرة الاستعمال، فحذفوها مع حرف المضارعة، واجتلبوا للفعل إذا كان ثانيه ساكنا همزة الوصل، وبنوه لتضمّنه معنى اللاّم؛ وربما استعملوه على الأصل، فقد روى عن النبىّ ﵌ أنه قال في بعض مغازيه: «لتأخذوا

стр. 1004

مصافّكم (١)» وجاء فى بعض القراءات: «فبذلك فلتفرحوا» (٢). وزعم الكوفيّون أن فعل الأمر للمواجه مجزوم بتقدير اللام الأمريّة، وهو قول مناف للقياس، وذلك أن الجزم فى الفعل نظير الجرّ فى الاسم، فحرف الجرّ أقوى من حرف الجزم، كما أن الاسم أقوى من الفعل، وحرف الجرّ لا يسوغ إعماله مقدّرا، إلاّ على سبيل الشذوذ (٣)، وإذا امتنع هذا فى القوىّ فامتناعه فى الضعيف أجدر. وممّا يبطل ما قالوه أن الفعل المضارع إنما استحقّ الإعراب لمضارعته للاسم، ووجه مضارعته له بوجود حرف المضارعة فيه، لأنه بذلك يتخصّص بدخول السين أو سوف عليه، بعد شياعه، كما يتعرّف الاسم بالألف واللام بعد تنكّره، ولأنك تقول: إنّ زيدا لينطلق، كما تقول: إن زيدا لمنطلق، فتدخل عليه لام التوكيد، ولا يصحّ دخول هذه اللام على الفعل الأمرىّ، كما لا يصحّ دخولها على الماضى، والماضى أقوى من فعل أمر المواجه، بدلالة الوصف به والشرط به، وبنائه على حركة

стр. 1005

تشبه حركة الإعراب، من حيث لا تلحق آخره هاء السّكت، كما لا تلحق أواخر الأسماء المعربة. هذا ما جرّه شرح القسم الأول من أقسام فعال، المعدولة عن الفعل، من الفوائد. /فأمّا القسم الثاني: ففعال التى عدلوها عن المصدر للمبالغة، كما عدلوا فعال عن الفعل لذلك، وذلك قولهم: لا مساس، أى لا مماسّة، وجاء فى بعض القراءات: ﴿فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ (١) وقال الشاعر: فقلت امكثى حتّى يسار لعلّنا ... نحجّ معا قالت أعاما وقابله (٢)

стр. 1006

عدل يسار عن الميسرة، وقال النابغة (١): أنّا اقتسمنا خطّتينا بيننا ... فحملت برّة واحتملت فجار الخطّة: الحال الصّعبة، يقال: وقعوا فى خطّة سوء. وبرّة: اسم علم للبرّ. وفجار: اسم للفجرة. ومثله جماد اسم للجمود، وحماد اسم للحمد، فى قوله (٢): جماد لها جماد ولا تقولوا ... طوال الدّهر ما ذكرت حماد بالحاء، أراد: قولوا لها جمودا، ولا تقولوا لها حمدا، ومنه قول الآخر: وذكرت من لبن المحلّق شربة ... والخيل تعدو بالصّعيد بداد (٣)

стр. 1007

أراد: بددا. وقوله: من لبن المحلّق: أى من لبن النّعم الذى عليه وسوم كأمثال الحلق. والقسم الثالث: فعال المعدولة عن الصّفة الغالبة، وذلك أن الصفة والمصدر فى الدلالة على الفعل، بمنزلة اسم الفعل الذى هو نزال، فى دلالته على انزل، وذلك قولهم للضّبع: جعار، اسم لها خاصّة، مأخوذ من الجعر، وهو ذو (١) بطنها، وبطن الذئب والكلب، وخصّوها بهذا الاسم دونهما؛ لكثرة جعرها، قال الشاعر: فقلت لها عيثى جعار وجرّرى ... بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره (٢) عيثى: من العيث، وهو الإفساد. /ومثل «جعار» فى كونها معدولة عن صفة غالبة، قولهم للمنيّة: حلاق، عدلوها عن الحالقة، كما عدلوا جعار عن الجاعرة، قال (٣):

стр. 1008

لحقت حلاق بهم على أكسائهم ... ضرب الرّقاب ولا يهمّ المغنم قوله: «ضرب الرّقاب» من إضافة المصدر إلى المفعول، أراد تضرب الرقاب ضربا، ومثله فى التنزيل: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ (١) أى فاضربوا الرّقاب ضربا. ومن إضافة المصدر إلى الفاعل قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ (٢) أى صنع الله صنعا و ﴿وَعْدَ اللهِ حَقًّا﴾ (٣) أى وعد الله وعدا حقّا. الأكساء: جمع كسء، وهو آخر الشىء وعقبه. وقوله: «ولا يهمّ المغنم» أراد: أنهم إنما قصدوا الأنفس، دون الأموال، وقال مهلهل بن ربيعة: ما أرجّى بالعيش بعد ندامى ... كلّهم قد سقوا بكأس حلاق (٤) وإنما الحالقة نعت غالب، أى غلب على الاسمية، فاختصّ بالمنيّة، ومثله النابغة، هو نعت فى الأصل، وغلب حتى صار اسما، فلذلك حذف الألف واللام منه فى قول الشاعر (٥):

стр. 1009

ونابغة الجعدىّ بالرّمل بيته ... عليه صفيح من تراب منضّد الصّفيح: الحجارة الرّقاق العراض، وهى الصّفّاح أيضا. والقسم الرابع: فعال، العلم المعلّق على النساء، المعدول عن مثال فاعلة، نحو حذام (١) وقطام، ورقاش وغلاب، عدلوهنّ عن حاذمة وقاطمة وراقشة وغالبة. واشتقاق حذام: من الحذم، وله معنيان: القطع، والمشى الخفيف. وقطام: من القطم، وهو القطع أيضا، أو من القطم (٢)، وهو الشّهوة، يقال: فحل قطم، إذا كان يشتهى الضّراب. ورقاش: من الرّقش، وهو مثل النّقش، ومنه حيّة رقشاء، إذا كانت منقّطة. وفى فعال هذه لغتان، فأهل الحجاز يبنونه على الكسر، كقوله: /إذا قالت حذام فصدّقوها ... فإنّ القول ما قالت حذام (٣) وكقول النابغة (٤): أتاركة تدلّلها قطام ... وضنّا بالتّحيّة والسّلام (٥)

стр. 1010

وبنو تميم يعربونه غير مصروف، فيقولون: هذه قطام، ورأيت قطام، ومررت بقطام. فإن كان آخر شيء من هذا النوع راء أجمع الفريقان على بنائه، وذلك قولهم: حضار، فى اسم كوكب، وسفار، فى اسم ماء، وإنما جنح بنو تميم إلى بناء هذين الاسمين، فوافقوا أهل الحجاز فى بنائهما؛ لأنّ الإمالة لغة بنى تميم، ولا تصحّ الإمالة فيما آخره راء مضمومة ولا مفتوحة، فعدلوا إلى كسر آخرهما لتصحّ الإمالة فيهما. هذا قول أبى العباس المبرّد. وقد جاء اسم ثالث آخره راء، وهو وبار، اسم إقليم تسكنه الجنّ، مسخ أهله، وقد أعربه الأعشى، وصرفه للضّرورة فى قوله: (١) ومرّ دهر على وبار ... فهلكت جهرة وبار وإنما امتنعت الإمالة ممّا آخره راء مضمومة أو مفتوحة؛ لأنّ الراء فيها تكرير، فالحركة تقوم فيها مقام حركتين، فإذا كانت الضمّة فى هذا الحرف تقوم مقام الضمتين، والضّمة من موانع الإمالة، وكذلك الفتحة، رفضوا (٢) إمالة ما آخره راء مضمومة أو مفتوحة، كقولك: هذا حمار، وركبت حمارا، وحسنت الإمالة لمّا انكسرت الراء فى نحو: ﴿كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً﴾ (٣). ولأبى العباس فى علّة بناء فعال هذه، مذهب قد أخذ عليه (٤)، وهو أنه جعل علّة بنائها اجتماع ثلاثة أسباب من الأسباب الموانع للصّرف، وهى التعريف والتأنيث والعدل، فقال: إنّ التنوين إذا سقط بعلّتين، التعريف والتأنيث، أسقط العدل الحركة

стр. 1011

التى هى إعراب، فجعل انضمام العدل إلى التعريف والتأنيث موجبا للبناء. /وقد أبطلوا (١) ما ذهب إليه بقول العرب: أذربيجان، فأعربوها وفيها خمس علل؛ العجمة والتأنيث والتعريف والتركيب والألف والنون. وقال من أفسد قول أبى العباس: إنّما بنيت فعال هذه، وفعال المعدولة عن المصدر، والمعدولة عن الصّفة الغالبة، حملا على باب نزال؛ لأن المشابهة بينهما من أربعة أوجه: أحدها: الموازنة، والثانى: العدل، والثالث: التأنيث، والرابع: أنهنّ كلّهنّ أعلام وضعن لمسمّيات [بهنّ] (٢). ولعليّ بن عيسى الرّبعىّ، فى بناء حذام، ونظائرها، علّة لم يسبق إليها، وهى تضمّنهنّ معنى علامة التأنيث التى فى حاذمة وقاطمة وراقشة، فلما عدلن عن اسم مقدّرة فيه تاء التأنيث، وجب بناؤهنّ لتضمّنهنّ معنى الحرف والقول الذى قدّمناه هو المعمول عليه، ألا ترى أنهم قد عدلوا جماد عن الجمود، وهو خال من تاء التأنيث. واعلم أنّك إذا سمّيت مذكّرا باسم من باب فعال المبنيّة بنيته، وإن سمّيته باسم من باب قطام، على لغة بنى تميم، منعته الصّرف، كما منعته إياه، وهو متعلّق (٣) على امرأة. ...

стр. 1012

المجلس الثامن والخمسون يتضمّن الكلام فى أصل حركة التقاء الساكنين [وفرعها (١)] وذكر مسائل (٢) استفتيت فيها، بعد ما استفتى المكنّى بأبى نزار (٣)، فجاء بخلاف ما عليه أئمّة النحويّين أجمعين، وكذلك خالف العرب قاطبة فى كلمة أجمعوا عليها، وأثبت خطّه بما سنح له من هذيانه، وأثبت بعده خطّه الشيخ أبو منصور موهوب بن أحمد [المعروف بابن الجواليقى (٤)]. نسخة الفتوى ما يقول السّادة النحويّون، أحسن الله توفيقهم فى قول العرب: «يا أيّها الرجل»، /هل ضمّة اللام فيه ضمّة إعراب؟. وهل الألف واللام فيه للتعريف؟ وهل يأمل ومأمول، وما يتصرّف منهما جائز؟ وهل يكون سوى بمعنى غير؟

стр. 1013

نسخة جواب الجاهل المكنّى بأبى نزار الضمّة فى اللام من قولهم: يا أيّها الرجل، ضمّة بناء، وليست ضمّة إعراب، لأن ضمّة الإعراب لا بدّ لها من عامل يوجبها، ولا عامل هنا يوجب هذه الضمّة. والألف واللام ليست هاهنا للتعريف؛ لأن التعريف لا يكون إلاّ بين اثنين فى ثالث، والألف واللام هنا فى اسم المخاطب، والصّحيح أنها دخلت بدلا من يا، وأيّ وإن كان منادى فنداؤه لفظيّ، والمنادى على الحقيقة هو الرجل، ولمّا قصدوا تأكيد التنبيه، وقدّروا تكرير حرف النداء، كرهوا التكرير فعوّضوا عن حرف النداء ثانيا «ها» فى أيّها، وثالثا الألف واللام، فالرجل مبنيّ بناء عارضا، كما أنّ قولك: يا زيد، يعلم منه أنّ الضمة فيه ضمّة بناء عارض. وأمّا «أمل ويأمل» فلا يجوز؛ لأن الفعل المضارع إذا كان على يفعل، بضم العين، كان بابه أنّ ماضيه على فعل، بفتح العين، وأمل، لم أسمعه فعلا ماضيا. فإن قيل: نقدّر أنّ يأمل فعل مضارع، ولم يأت ماضيه، كما أنّ يذر ويدع كذلك. قلت: قد علم أنّ يذر ويدع، على هذه القضيّة جاءا شاذّين، فلو كان معهما كلمة أخرى شاذّة لنقلت (١) نقلهما، ولم يجز أن لا تنقل، وما سمعنا أنّ ذلك ملحق بما ذكرنا. فلا يجوز: يأمل ولا مأمول، إلاّ أن يسمعنى الثّقة أمل، خفيف الميم. وأمّا «سوى»، فقد نصّ على أنها لا تأتى إلاّ ظرف مكان، وأنّ استعمالها اسما

стр. 1014

منصرفا بوجوه الإعراب، بمعنى «غير»، خطأ. وكتب أبو نزار النّحويّ. / نسخة جواب الشيخ أبى منصور موهوب بن أحمد ضمّة اللام من قولك: يا أيّها الرجل وشبهه، ضمّة إعراب، ولا يجوز أن تكون ضمّة بناء، ومن قال ذلك فقد غفل عن الصّواب، وذلك أنّ الواقع عليه النداء «أىّ» المبنىّ على الضمّ لوقوعه موقع الحرف، والرجل، وإن كان مقصودا بالنّداء، فهو صفة «أيّ» فمحال أن يبنى أيضا لأنه مرفوع رفعا صحيحا، ولهذا أجاز فيه أبو عثمان النصب على الموضع (١)، كما يجوز فى يا زيد الظريف، وعلّة رفعه أنه لما استمرّ الضمّ فى كلّ منادى معرفة، أشبه ما أسند إليه الفعل، فأجريت صفته على اللفظ، فرفعت، ومحال أن يدّعى تكرير حرف النداء مكان «ها» ومكان الألف واللام؛ لأن المنادى واحد، وإنما تقدّر الألف واللام بدلا من حرف النداء، فيما عطف بالألف واللام، نحو يا زيد والرجل؛ لأنّ المنادى الثانى غير الأول، فيحتاج أن يقدّر فيه تكرير حرف النداء، فقد صارت الألف واللام هناك كالبدل منه، وليس كذلك يا أيّها الرجل؛ لأنه بمنزلة: يا هذا الرجل، والألف واللام فيه للتعريف. وأمّا أمل يأمل فهو آمل، والمفعول مأمول، فلا ريب فى جوازه عند العلماء، وقد حكاه الثّقات، منهم الخليل (٢) وغيره، والشاهد عليه كثير، قال بعض المعمّرين: المرء يأمل أن يعي ... ش وطول عيش قد يضرّه (٣) وقال الآخر (٤):

стр. 1015

ها أنا ذا آمل الخلود وقد ... أدرك عقلى ومولدى حجرا وقال كعب بن زهير (١): والعفو عند رسول الله مأمول وقال المتنبى، وهو من العلماء بالعربيّة: «حرموا الذى أملوا (٢)». وأمّا «سوى»، فلم يختلفوا فى أنها تكون بمعنى «غير» وتكون أيضا بمعنى الشىء نفسه، /تقول: رأيت سواك، أي غيرك، وحكى ذلك أبو عبيد عن أبى عبيدة، وقال الأعشى: وما قصدت من أهلها لسوائكا (٣) أى لغيرك، فهذه بمعنى غير، وهى أيضا غير ظرف، وتقدير الخليل (٤) لها بالظّرف فى الاستثناء بمعنى مكان وبدل، لا يخرجها عن أن تكون بمعنى غير، وفيها لغات: إذا فتحت مدّت لا غير، وإذا ضمّت قصرت لا غير، وإذا كسرت جاز المدّ، والقصر أكثر. وما يحمل المتكلّم بالقول الهراء إلاّ فشوّ الجهل. وكتب موهوب بن أحمد.

стр. 1016

نسخة جوابى الجواب والله سبحانه الموفّق للصّواب. إنّ ضمّة اللام فى قولنا: يا أيّها الرجل، ضمّة إعراب؛ لأن ضمّة المنادى المفرد المعرفة، لها باطّرادها منزلة بين منزلتين، فليست كضمّة حيث؛ لأن ضمّة حيث غير مطّردة، وذلك لعدم اطّراد العلّة التى أوجبتها، ولا كضمّة زيد، فى نحو خرج زيد؛ لأن هذه حدثت بعامل لفظىّ، ولو ساغ أن توصف «حيث» لم يجز وصفها بمرفوع حملا على لفظها؛ لأن ضمّتها غير مطّردة، ولا حادثة عن عامل. ولمّا اطّردت الضمّة فى قولنا: يا زيد، يا عمرو، يا محمد، يا بكر ﴿يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ (١) ﴿يا نُوحُ اِهْبِطْ﴾ (٢) ﴿يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمّا تَقُولُ﴾ (٣) وكذلك اطّردت فى النّكرات المقصود قصدها، نحو: يا رجل، يا غلام، يا مرأة ﴿يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ (٤) ﴿يا أَرْضُ اِبْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي﴾ (٥) إلى مالا يحصى كثرة، تنزّل الاطّراد فيها منزلة العامل المعنويّ الرافع للمبتدإ، من حيث اطّردت الرّفعة فى كلّ اسم ابتدئ به مجرّدا من عامل لفظىّ، وجيء له بخبر، كقولك: زيد منطلق، عمرو ذاهب، جعفر جالس، محمد صادق، إلى مالا يدركه الإحصاء، فلما استمرّت ضمّة المنادى فى معظم الأسماء، كما استمرّت فى الأسماء المعربة الضمّة الحادثة عن/الابتداء، شبّهتها العرب بضمّة المبتدأ، فأتبعتها ضمّة الإعراب فى صفة المنادى، فى نحو: يا زيد الطويل، وجمع بينهما أيضا أن

стр. 1017

الاطّراد معنى كما أن الابتداء معنى، ومن شأن العرب أن تحمل الشىء على الشىء، مع حصول أدنى تناسب بينهما، حتى إنهم قد حملوا أشياء على نقائضها (١): ألا ترى أنّهم قد أتبعوا حركة الإعراب حركة البناء فى قراءة من قرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ (٢) بكسر الدال، وكذلك أتبعوا حركة البناء حركة الإعراب في قراءة من قرأ ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ بضم اللام (٣)، وكذلك أتبعوا حركة البناء حركة الإعراب فى نحو: يا زيد ابن عمرو، فى قول من فتح الدال من زيد. وقد كان شافهنى هذا المتعدّى طوره بهذا الهراء الذى ابتدعه، والهذاء الذى اختلقه واخترعه، فقلت له: إنّ ضمّة المنادى لها منزلة بين منزلتين، فقال منكرا لذلك: وما معنى المنزلة بين المنزلتين؟ فجهل معنى هذا القول، ولم يحسّ بأنّ هذا الوصف يتناول أشياء كثيرة من العربية، كهمزة بين بين، التى هى بين الهمزة والألف، أو الهمزة والياء، أو الهمزة والواو، وكألف الإمالة، التى هى بين ألف التفخيم والياء، وكالصاد المشربة صوت الزاى، وكالقاف التى بين القاف الخالصة والكاف. وأما قوله: إنّ الألف واللام هنا ليست للتعريف؛ لأن التعريف لا يكون إلاّ بين اثنين فى ثالث، والألف واللام هنا فى اسم المخاطب، والصحيح أنها دخلت بدلا من

стр. 1018

«يا» فقول فاسد، بل الألف واللام هنا لتعريف الحضرة، كالتعريف فى قولك: جاء هذا الرجل، ولكنها لمّا دخلت على اسم المخاطب صار الحكم للخطاب، من حيث كان قولنا: يا أيّها الرجل، معناه: يا رجل، ولما كان الرجل هو المخاطب فى المعنى، غلب حكم الخطاب، فاكتفى باثنين؛ لأنّ أسماء الخطاب/لا تفتقر فى تعرّفها إلى حضور ثالث، ألا ترى أنّ قولك: خرجت يا هذا، وانطلقت، ولقيتك، وأكرمتك، لا حاجة به إلى ثالث، وليس كلّ وجوه التعريف تقتضى أن تكون بين اثنين فى ثالث، ألا ترى أنّ ضمائر المتكلّمين نحو: أنا خرجت، ونحن ننطلق، لا يوجب تعريفها حضور ثالث. فقد وضح لك بهذا أنّ قوله: «التعريف لا يكون إلاّ بين اثنين فى ثالث»، كلام ظاهر الفساد؛ لأنه أطلق هذا اللفظ على جميع التّعاريف. فتأمّل سدّدك الله هذه الفطرة (١) التى عمى عنها هذا الغبىّ، وعمّا صدّرت به، حتى خطّأ بجهله الأئمة المبرّزين فى علم العربيّة، المتقدّمين منهم والمتأخّرين. ومن شواهد إعراب الرجل، فى قولنا: يا أيّها الرجل، نعته بالمضاف المرفوع، فى قولك: يا أيّها الرجل ذو المال، وعلى ذلك أنشدوا: يا أيّها الجاهل ذو التّنزّى (٢) فهذا دليل على إعراب «الرجل» قاطع، لأنّ الصفة المضافة فى باب النداء لا يجوز حملها على لفظ المبنيّ، ولا تكون إلاّ منصوبة أبدا، كقولك: يا زيد ذا المال. وقد عارضته بهذا الدليل الجليّ، الذى تناصرت به الروايات، عن النّحوىّ

стр. 1019

واللّغوىّ، فزعم أنه لا يرفع هذه الصفة، ولا ينشد إلاّ (١): «ذا التّنزّى»، ولا يعتدّ بإجماع النحويّين واللغويّين، على سماع الرفع فيها عن العرب، فدلّ ذلك على أن هذا العديم الحسّ هو المقصود بالنداء فى قول القائل: يا أيّها الجاهل ذو التّنزّى وأما قوله: ولمّا قصدوا تأكيد التنبيه وقدّروا تكرير حرف النداء، كرهوا التكرير، فعوّضوا عن حرف النداء، ثانيا «ها» وثالثا الألف واللام. فهذا من دعاويه الباطلة؛ لأنه زاعم أن أصل يا أيّها الرجل: يا أىّ يا يا رجل، فعوّضوا من «يا» الثانية «ها»، ومن الثالثة الألف واللام، وليس الأمر على ما قاله وابتدعه من هذا المحال، ولكنّ العرب كرهوا أن يقولوا: يا الرّجل، وما أشبه ذلك، /فيولوا حرف النّداء الألف واللام، فأدخلوا أىّ، فجعلوها وصلة إلى نداء المعارف بالألف واللام، وألزموها حرف التنبيه عوضا لها ممّا منعته من الإضافة. هذا قول النحويّين، فمن تكلّف غيره بغير دليل فهو مبطل، فلا حاجة بنا إلى أن نقدّر أن الأصل: يا أىّ يا يا رجل، فإنه مع مخالفته لقول الجماعة خلف من القول، يمجّه السمع، وينكره الطبع. وأمّا قوله فى أمل ويأمل، إنهما لا يجوزان عنده؛ لأنه لم يسمع فى الماضى منهما أمل، خفيف الميم، فليت شعرى ما الذى سمع من اللغة ووعاه حتى أنكر أن يفوته هذا الحرف؟ وإنما ينكر مثل هذا من أنعم النّظر فى كتب اللغة كلّها، ووقف على تركيب «أم ل» فى كتاب العين، للخليل بن أحمد، وكتاب الجمهرة، لأبى بكر بن دريد، والمجمل، لأبى الحسين بن فارس، وديوان الأدب، لأبى إبراهيم الفارابىّ، وكتاب الصّحاح، لأبى نصر إسماعيل بن حمّاد الجوهرىّ النّيسابورىّ، وغير ذلك

стр. 1020

من كتب اللغة، فإذا وقف على أمهات كتب هذا العلم، التى استوعب كلّ كتاب منها اللغة، أو معظمها، فرأى أن هذا الحرف قد فات أولئك الأعيان، ثم سمع قول كعب بن زهير: والعفو عند رسول الله مأمول (١) سلّم لكعب، وأذعن له، صاغرا قميئا. فكيف يقول من لم يتولّج سمعه عشرة أسطر من هذه الكتب التى ذكرتها: لم أسمع أمل، ولا أسلّم أن يقال: مأمول (٢)؟ وأمّا قوله: إنه لا يجوز يأمل ولا مأمول، إلاّ أن يسمعنى الثّقة أمل، فقول من لم يعلم بأنهم قالوا: فقير، ولم يقولوا فى ماضيه: فقر (٣)، ولم يأت فعله إلاّ بالزيادة، أفتراه ينكر أن يقال: فقير؛ لأن الثّقة لم يسمعه فقر؟ ولعله يجحد أن يكونوا قد نطقوا
следующие страницы →