Полный текст (1 102 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
من كهل ينادي بأعلى صوته واخيبتاه، وكم من شاب يصيح واشباباه.
وبرزت النار، قال الله جل وعلا وتقدس: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ [الشعراء: ٩١] . وقال جل وعلا وتقدس: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى﴾ [النازعات: ٣٦] .
وسمع الخلائق حسيسها إلا من سبقت له الحسنى من الله. قال تعالى: … ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] .
وأيقن بالردى والهلاك كل فاجر، قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ [غافر: ١٨] . وقامت ضوضاء الجدل، وأحاط بصاحبه العمل. قال جل وعلا وتقدس: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً﴾ [الكهف: ٥٣] .
وحالت الألوان، وتوالت المحن على الإنسان، فأين عدتك يا غافل عن هذا الزمان، أين تصحيح اليقين والإيمان.
أترضى بالخسران والهوان، أما علمت أنك كما تدين تدان أما تخاف أن تقول: ﴿يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] . أما علمت أعظم الخسران.
قال جل وعلا وتقدس: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] .
كم في كتابك من خطأ وزلل، وكم في عملك من سهو وخلل، هذا وشمس عمرك على أطراف الذوائب وقد قرب الأجل، كم ضيعت واجبًا وفرضًا، وكم نقضت عهدًا محكمًا نقضًا، وكم أتيت حرامًا صريحًا محضًا، يا
стр. 107
أجسادًا صحاحًا فيها قلوب مرضى.
اللهم اجعل الإيمان هادمًا للسيئات، كما جعلت الكفر عادمًا للحسنات ووفقنا للأعمال الصالحات، واجعلنا ممن توكل عليك فكفيته، واستهداك فهديته ودعاك فأجبته، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
[فصل]
نبذة مما جرى لأولياء الله من المحن والقتل والضرب من الظلمة والطغاة والمجرمين جازاهم الله بما يستحقون.
لما قتل الحجاج بن يوسف عبد الله بن الزبير أمر بخشبة فصلبه عليها.
فلما أقبلت أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ إلى الخشبة فعانقتها وجلست تبكي وتقول واغوثاه.
يا لله ما أعظم ما نزل بنا بعدك يا محمد يا رسول الله لو تدرك ما نزل بعدك بأصهارك وأرحامك وأبناء المهاجرين لرأيت أمرًا عظيمًا.
اللهم فبلغ عنا نبيك ﷺ في عظيم ما نزل فأخبر بمقالتها عبد الله بن عمر فبكى حتى كادت نفسه تفيض.
ثم قال لابنه قدني إليها وقد كبر وكان يرتعش من الكبر وكان قد عمر فقاده ابنه إليها فلما أشرف على الخشبة نظر إليه مصلوبًا.
قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ليقتلني أمير جائر على طاعة أحب إلي من أموت مجاهدًا في سبيل الله فأتى شقي من الأشقياء فبلغ ذلك إلى الحجاج فبلغ منه قول ابن عمر كل مبلغ.
فركب إلى خشبة بن الزبير فأصاب أمه عندها تبكي وابن عمر وابنه
стр. 108
سالمًا فقال ليس مثله يبكى عليه فقال ابن عمر قومي فقامت ولم تكلمه وانصرف ابن عمر إلى منزله.
فدعا الحجاج رجاله فقال إن ابن عمر بن خليفة وصاحب رسول الله ﷺ وأخاف إن خرجنا أن يستحل منا ما استحل ابن الزبير وعلماء العراق.
قالوا فما ترى قال هذا أعظم مما كان منا إنما عمدنا إلى جبل الإسلام وحاجب محمد ومن عرضت عليه الخلافة فلم يقبلها ومن حج أربعين حجة ومن سمته قريش حمامة البيت يريد بن عمر.
وقدره في العرب كما علمتم وحب الأوس والخزرج لأبيه عمر بن الخطاب. نعوذ بالله من الظلمة وأعوانهم.
فبعث الحجاج غلامه أن يركب فرسًا جامحًا وأمره أن يطحنه بالفرس ويقتله.
فركب الغلام الفرس فنظر إلى ابن عمر وهو سائر يوم الجمعة فحمل عليه وصدمه ورضه.
فبادر الناس إليه وقالوا يا غلام أهلكت المسلمين في علمهم فطلبك الله وأقام الحجاج ينتظر موته.
فلما أبطأ عليه عمد إلى الحديدة التي في الرمح فسمها سمًا ناقعًا وجعلها في عصا وقال لأحد رجاله ضعه على ظهر قدمه واتكئ عليه حتى يدخل.
فإن قال أهلكتني فقل ما علمت أن رجلك ها هنا.
ففعل ذلك ثم خرج عنه فاشتعل جسد ابن عمر سمًا فأقام ثلاثة أيام فمات رحمة الله عليه.
ودخل الحجاج على ابن عمر يعوده قبل موته فقال ابن عمر أنت قتلتني، حسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 109
ومن الذين أوذوا في سبيل الله وقتلوا سعيد بن جبير وقصته أشهر من أن تذكر فلا نطيل بذكرها وكان قد دعا من قبل أن يذبحه الحجاج فقال اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي.
وقيل إنه عاش بعد قتله لسعيد ستة عشر يومًا فقط وقعت الآكلة في بطنه.
وكان ينادي في بقية حياته مالي ولسعيد بن جبير كلما أردت النوم أخذ برجلي.
وقيل دعا عليه بالزمهرير البرد العظيم فكانوا يجعلون حوله الكوانين تلتهب جمرًا مع ما عليه من الثياب التي يدثرونه بها.
فما زال في العذاب الأليم ثم أرسل في طلب الحسن البصري التابعي المشهور فأتاه واشتكى إليه ما نزل به من الألم، فقال قد نهيتك مرة بعد أخرى لا تتعرض للصالحين، ولا تكن منهم إلا بسبيل خير فأبيت ولججت (ليقضي الله أمرًا كان مفعولاً) .
وذكر في كتاب المحن أن الحجاج أرسل إلى أبي صالح ماهان المسبح فلما أتاه قال: بلغني عنك صلاح وخير وإني أريد أن أوليك القضاء.
قال له: أنا قال: نعم قال: أنا لا أحسن أعد عشرة قال: يا مرائي علي تتباله.
قال والفرات قد مد فعدا من بين يديه وهو شيخ كبير يجنح حتى وقف على جرف الفرات.
فقال اللهم إن كنت مرائيًا كما زعم الحجاج فغرقني قال فرمى بنفسه. فقام على متن الماء فلم تغب قدماه قال فو الله ما نهنهه ذلك فأخذه وصلبه على بابه.
стр. 110
وممن ضرب مالك ابن أنس ﵁ وذلك أن الحساد دسوا إلى أبي جعفر بن سليمان من قال له إن مالكًا يفتي الناس أن أيمان البيعة لا تلزمهم لمخالفتك واستكراهك إياهم عليها.
فدس عليه جعفر من يسأله عن ذلك فأفتاه مالك طمأنينة إليه وحسبة منه.
فجاءه رسول جعفر بن سليمان وأتى به منتهك الحرمة مهانا فأمر به جعفر فضربه سبعين سوطًا.
ومما جرى على عبد الله بن عون البصري الذي قيل ما كان بالعراق أعلم بالسنة منه.
وكان ورعًا تزوج امرأة عربية فضربه بلال بن أبي بردة عشرة أسواط وقال له انزل عنها قال لا أفعل فقال له بلال والله لا أبرح أضربك حتى تطلقها.
فقال ابن عون والله لا أبرح أصبر ولا أطلقها حتى أعجز قال وكان رجلاً نحيفًا لا يحتمل الضرب بالسوط قال فضربه أيضًا عشرة أسواط وقال بلال هو ما ترى.
قال فأمر به فضرب عشرة أسواط وقال يا ابن عون هو ما ترى حتى تطلقها قال هي طالق قال بتتها.
وممن امتحن عطاء بن أبي رباح وذلك أن رجلاً أتى من الحجاج إلى مسجد مكة. فنام فكشفت الريح الثوب عن بطنه فظهر جراب الفلوس فمر به أصحابه فخافوا عليه فنزعوا الجراب. وبعد قليل انتبه الرجل فنظر فإذا جرابه مأخوذ فنظر يمينًا وشمالاً فلم يرى حوله إلا عطاء بن أبي رباح قائمًا يصلي. فجاءه فأخذ بتلابيبه وضيق عليه وقال له يا عدو الله فعلت الذي فعلت بي فلما رهقتك قمت تصلي.
стр. 111
فقال له ما بالك يا هذا قال منطقتي حللتها (أي الجراب) قال له وكم فيها قال مائتا دينار قال فهل سمع بهذا غيرك قال لا. قال فاذهب معي حتى أعطيك ما ذهب لك قال فذهب فعَدَّ له مائتي دينار فذهب إلى أصحابه فأخبرهم الخبر.
فقالوا له ظلمت والله الرجل كان من قصتنا كيت وكيت ثم حللنا عنك خوفًا عليها وها هي هذه.
فقاموا بأجمعهم إلى الرجل فوقفوا عليه فسألوا عنه فقيل لهم هو عطاء بن أبي رباح فقيه أهل مكة وسيدهم.
فاعتذروا إليه وسألوه أن يجعل الرجل في حل ويقبل الدنانير.
فقال لهم هيهات ما كانت بالتي ترجع إلي اذهب فأنت في حل وهي لك.
شَمَّر عَسَى أَنْ يَنْفَعَ التَّشْمِيرُ … وانْظُرْ بِفْكركَ مَا إليْهِ تَصِيْرُ
طوَّلْتَ آمالاً تكَنَّفَهَا الهَوَى … ونسِيتَ أنَّ العُمْرَ منكَ قصِيْرُ
قد أفْصَحَتْ دُنْيَاكَ عن غدَرَاتِها … وأَتَى مَشِيْبُكَ وَالمشِيْبُ نَذِيْرُ
دَارٌ لَهَوْتَ بِزَهْوهَا مُتَمَتِّعًا … تَرْجُوْ المقامَ بهَا وَأَنْتَ تسيْرُ
واعْلَمْ بأنكَ رَاحِلٌ عَنْهَا ولَوْ … عُمِّرْت فيها مَا أقامَ ثَبِيْرُ
لَيْسَ الغِنَى في العَيشِ إلا بُلْغَةَ … وَيسِيْر ما يَكْفِيْكَ منه كثيْرُ
لا يَشْغَلَنَّكَ عَاجلٌ عَن آجلٍ … أبَدًا فَمُلْتَمِسُ الحَقِيْرِ حَقِيْرُ
وَلَقَدْ تَسَاوَى بَيْنَ أَطْبَاقِ الثَّرى … في الأرْضِ مأمُوْرٌ بهَا وأمِيْرُ
والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 112
[فصل]
بعث أبو جعفر في طلب أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق فقيل له إن أمير المؤمنين متغيظ عليك فدخل وهو يحرك شفتيه.
فلما رآه أبو جعفر نهض إليه واعتنقه وأجلسه معه ثم عانقه.
وقال له يا أبا عبد الله ما هذا الذي يبلغني عنك لقد هممت.
فقال له إن أيوب ابتلى فصبر وإن سليمان أعطى فشكر وأنت من ذلك السنح.
قال، فيرفع إلي أن الأموال تجبى إليك بلا سوط ولا عصا ثم أمر بالرافع فأحضر.
فقال أبو عبد الله أحقًا رفعت إلى أمير المؤمنين قال نعم، قال فاستحلفه يا أمير المؤمنين قال أبو عبد الله رد اليمين عليه.
فقال له أبو جعفر احلف فقال والله الذي لا إله إلا هو فقال له أبو عبد الله ليس هو كذا إن العبد إذا مجد الله في يمينه أمهله في العقوبة.
ولكن قل أنا برئ من الله والله برئ مني وأنا خارج من حول الله وقوته راجع إلى حول نفسي وقوتها.
قال فحلف فو الله ما رُفع إلا ميتا فراع ذلك أبا جعفر وقال انصرف يا أبا عبد الله فلست أسألك بعدها.
وسئل عما حرك به شفتيه حينما دخل عليه فقال قلت اللهم بك أستفتح وبك أستنج اللهم ذلل حزونته وكل حزونة وسهل لي صعوبته وكل صعوبة.
اللهم أعطني منه من الخير ما أرجو واصرف عني منه من الشر ما أحذر
стр. 113
فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب ولا حول ولا قوة إلا بالله.
كان صفوان بن سليم قد كف بصره في آخر عمره فبينما هو ذات يوم بالسوق يقاد إذ دخل بلال بن أبي بردة فسمع الطريق والجلاوزة بين يديه.
فقال ما هذا فقيل بلال فقال سحائب صيف عن قريب تقشع فسمعه بلال. فقال والله لأذيقنك من بردك شؤبونا فلما نزل بهيكله بعث في طلبه ثم ضربه بالسياط نعوذ بالله من الظلمة وأعوانهم.
عن مالك بن أنس أنه قال لو قيل لصفوان بن سليم غدًا يوم القيامة ما قدر على أن يزيد على ما هو فيه من العبادة شيئًا.
ومن ذلك ما امتحن به أبو مسلم الخولاني لما ألقي في النار وذلك أن الأسود العنسي تنبأ باليمن فدعا أبا مسلم الخولاني فقال اشهد أني رسول الله.
قال لا أسمع قال اشهد أن محمدًا رسول الله قال نعم فأمر الأسود بنار فقذف فيها أبا مسلم فخرج يرشح عرقًا.
فقيل للأسود انفه عنك لا يفسد عليك الناس فأخرجوه ثم قدم المدينة وبها أبو بكر وعمر ﵄.
فقال له عمر من أين أقبل الرجل قال من اليمن قال ما فعل الرجل الذي أحرقه الكذاب قال ذلك عبد الله بن ثوب.
قال له عمر أنشدك بالله أنت هو قال نعم قال فأدخله وأجلسه بينه وبين أبي بكر.
وقال الحمد لله الذي أراني في هذه الأمة من فعل به مثل ما فعل بإبراهيم خليل الرحمن.
وممن قتل صبرًا كميل بن زياد النخعي الكوفي كان شجاعًا زاهدًا قتله الحجاج بن يوسف.
стр. 114
وذلك أن الحجاج نقم عليه لأنه طلب من عثمان بن عفان القصاص من لطمة لطمها إياه فلما مكنه عثمان من نفسه عفا عنه.
فقال له الحجاج أو مثلك يسأل من أمير المؤمنين القصاص ثم أمر به فضربت عنقه نسأل الله العافية.
وذكر أن رياح بن يزيد كان على أتانه في سفر إذا غشيته السلابة (أي قطاع الطريق) وهو يسير فأخذوا أتانه ونزعوا ثيابه إلا واحدًا ثم ذهبوا عنه.
فمال رياح إلى موضع فأحرم بتكبيرة ثم أقبل يصلي فبينما هو يصلي إذا أظلمت السماء فلم تدري السلابة أين يتوجهون.
فلما طوَّل في الصلاة قالوا أحسن صلاتك يا عبد الله أما ترى ما نزل بنا ولا نحسب ذلك إلا من أجلك.
فسلم ثم التفت إليهم فقال ما تريدون أخذتوا ثيابي وحماري فردوا عليه ثيابه ودابته فانجلت عنهم الظلمة.
فرغبوا عند ذلك إليه وسألوه من هو وأقسموا عليه فقال لهم رياح بن يزيد.
طَالِعْ تَوارِيخ مَن في الدهر قد وُجِدُوا … تَجِدْ خُطُوْبًا تُسَلِّيْ عَنْكَ مَا تَجدُ
تجِدْ أَكَابِرَهُمْ قَدْ جُرِّعُُوا غُصَصًا … مِنَ الرَّزَايا بِهَا قَدْ فُتِّتَتْ كُبُدُ
عَزْلٌ ونَهْبٌ وضَرْبٌ بالسِّياط يَليْ … حَبْسٌ وَقَتْلٌ وَتَشْرِيْدٌ لِمَنْ زَهِدُوْا
وإِنْ وُقِيْتَ بحَمْد الله شِرَّتَهُمْ … فَلْتَحْمدِ الله في العُقْبَى كَمَنْ حَمِدُوْا
آخر:
إِنَّ الشَّدَائِدَ قَدْ تَغْشَى الكَرِيْمَ لِأنْ … تُبيْنُ فَضْلَ سَجَيَاهُ وتُوْضِحُهُ
стр. 115
كَمُبْرِدَ القَيْن إِذْ يَعْلُوْ الحَدِيْدَ بِهِ … وليْسَ يأكُلُه إلَّا لِيُصْلِحَهُ
والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
[فصل]
قال ابن القيم ومن تجريبات السالكين التي جربوها فألفوها صحيحة أن من أدمن (أي أكثر) من قول "يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت" أورثه ذلك حياة القلب والعقل.
وكان شيخ الإسلام شديد اللهج بها جدًا وقال لي يومًا لهذين الاسمين وهما "الحي القيوم" تأثير عظيم في حياة القلب.
وكأنه يشير إلى أنهما الاسم الأعظم وسمعته يقول من واظب على أربعين مرة كل يوم بين سنة الفجر وصلاة الفجر "يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث" حصلت له حياة القلب ولم يمت قلبه.
قال العلماء اعلم أنه لا يقف على الدواء من لا يقف على الداء إذ لا معنى للدواء إلا مناقضة أسباب الداء ولا يبطل الشيء إلا بضده.
وسبب الإصرار الغفلة والشهوة ولا تضاد الغفلة إلا بالعلم.
ذكر ابن القيم ﵀ أن من كيده العجيب أنه يشام النفس حتى يعلم أي القوتين تغلب عليه قوة الإقدام والشجاعة أم قوة الانكفاف والإحجام والمهانة.
فإن رأى الغالب على النفس المهانة والإحجام أخذ في تثبيطه وإضعاف همته وإرادته عن المأمور به وثقله عليه فهون عليه تركه جملة أو يقصر فيه ويتهاون به.
وإن رأى الغالب عليه قوة الإقدام وعلو الهمة أخذ يقلل عنده المأمور
стр. 116
ويوهمه أنه لا يكفيه وأنه يحتاج معه إلى مبالغة وزيادة ينقص بالأول ويتجاوز بالثاني.
كما قال بعض السلف: ما أمر الله تعالى بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان، إما إلى تفريط وتقصير، وإما إلى مجاوزة وعلو، ولا يبالي بأيهما ظفر.
وقد اقتطع أكثر الناس إلا أقل القليل في هذين الواديين، وادي التقصير ووادي المجاوزة والتعدي.
والقليل منهم جدًا الثابت على الصراط المستقيم الذي كان عليه النبي ﷺ وأصحابه.
فقوم قصر بهم عن واجبات الطهارة.
وقوم تجاوز بهم إلى مجاوزة الحد بالوسواس.
وقوم قصر بهم عن إخراج الواجب من المال.
وقوم تجاوز بهم حتى أخرجوا جميع ما بأيديهم.
وقوم قصر بهم حتى عن تناول ما يحتاجون إليه من الطعام والشراب واللباس حتى أضروا بأبدانهم وقلوبهم.
وقوم تجاوز بهم حتى أخذوا فوق الحاجة فأضروا بقلوبهم وأبدانهم.
وقصر بقوم في حق الأنبياء وورثتهم حتى قتلوهم.
وتجاوز بآخرين حتى عبدوهم.
وقصر بقوم في خلطة الناس حتى اعتزلوهم في الطاعات كالجمعة والجماعات والجهاد وتعلم العلم.
وتجاوز بقوم حتى خالطوهم في الظلم والمعاصي والآثام.
وقصر بقوم حتى امتنعوا من ذبح عصفور أو شاة ليأكله.
وتجاوز بآخرين حتى جرّأهم على الدماء المعصومة.
стр. 117
وقصر بقوم حتى منعهم من الاشتغال بالعلم النافع.
وقصر بقوم حتى منعهم من الاشتغال بالعلم النافع.
وتجاوز بآخرين حتى جعلوا العلم وحده هو غايتهم دون العمل به.
وقصر بقوم حتى أطعمهم من العشب ونبات البرية دون غذاء بني آدم.
وتجاوز بآخرين حتى أطعمهم الحرام الخالص.
وقصر بقوم حتى زين لهم ترك سنة النبي ﷺ من النكاح فرغبوا عنه بالكلية.
وتجاوز بآخرين حتى ارتكبوا ما وصلوا إليه من الحرام.
وقصر بقوم حتى جفوا الشيوخ من أهل الدين والصلاح وأعرضوا عنهم ولم يقوموا بحقهم.
وتجاوز بآخرين حتى عبدوهم مع الله.
وقصر بقوم حتى منعهم قبول أقوال أهل العلم.
وتجاوز بآخرين حتى جعلوا الحلال ما حللوه والحرام ما حرموه وقدموا أقوالهم على سنة رسول الله ﷺ الصحيحة الصريحة.
وعد ﵀ أشياء كثيرة يطول ذكرها اقتصرنا على ذكر بعضها والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
(موعظة)
قال الله جل ذكره: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] . وقال جل وعلا: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩] . وقال عز من قائل: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] . وقال ﵎: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] .
стр. 118
وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] . وقال جل وعلا: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ﴾ [إبراهيم: ٥] . وقال جل وعلا وتقدس: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً﴾ [النور: ١٧] .
وكان النبي ﷺ يتخول أصحابه بالموعظة فالوعظ والتذكير فريضتان واجبتان ماضيتان على أهلهما بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وقد أمر الله الموعوظين بالاستماع والإصغاء للموعظة لما فيها من المنافع العظيمة.
فعلى كل إنسان مهما جل قدره وعظم خطره أن يحرص ويجتهد على استماع الموعظة وقبول النصيحة لأنه إذا فعل ذلك فاز بقسطه الأوفر وحظه الأجزل واستحق من الله البشرى في العاجل والثواب في الآجل ومن عقلاء خلقه الثناء الحسن والمدح والإكرام والدعاء.
فإن الله جل ذكره يقول: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧] ، ثم قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨] .
وقد شبه الله الكفرة المعرضين عن القرآن الذي هو مشتمل على التذكرة الكبرى والموعظة العظمى بالحمر قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥١] . فليحذر المسلم أن يتشبه بهم ويعرض عن الموعظة.
وقد جعل الله جل ذكره الخير في الاعتبار والاعتبار بالتفكير وحث عليه في عدة مواضع من كتابه قال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] . وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٤] .
وقال جلا وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ
стр. 119
وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [الروم: ٨] . وقال جل وعلا وتقدس: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: ٣] .
وقال عز من قائل: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] . وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢] .
فمن قريب ما يجب أن يفكر فيه اللبيب ويتدبره أن يتذكر أحوال الأمم والقرون الماضية والملوك الأولين الذي كانوا من أشد خلق الله قوة وأكثر جمعًا وأبين آثارًا وأطول أعمارًا الذين بنوا المدائن وجمعوا الخزائن وحفروا الأنهار وعمروا الديار وشيدوا القصور.
ودبروا الأمور وجمعوا الجموع وقادوا الجيوش وساقوا الخيول ودوخوا البلاد وأذلوا العباد ومشوا في الأرض مرحًا واختالوا بما أوتوا فرحًا فأخذهم الله بما كانوا يكسبون.
فأصبحوا بعد العز والمنعة والملك والرفعة والصيت والسطوة والذكر والصولة عظامًا رميمًا ورفاتًا هشيمًا وأصبحت منازلهم خاوية وقصورهم خالية وأجسادهم بالية وأصواتهم هادئة.
تخبرك آثارهم معاينة وتقرع سمعك أخبارهم مجاهرة فلم يصحبهم من الدنيا ما جمعوا ولم يدفع عنهم الردى ما كسبوا ولعلهم ندموا حيث لم تنفعهم الندامة وتلهفوا حيث لا يغني عنهم التلهف شيئًا.
وإن الباقي عما قليل كالفاني والغابر عما قليل كالماضي وما بينهما إلا أنفاس معلومة وأيام معدودة سريعة الانقضاء قريبة الانتهاء.
فليحذر المغتر بملكه والمتمتع بعزه هذه الصرعة وليستعد لهذه الوجبة
стр. 120
ولينته لهذه الموعظة فإن الله جعلها في أوائل مواعظه.
وكررها في مواضع من كتابه حيث جل وعلا وتقدس يقول: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم: ٩] .
وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر: ٨٢] .
وقال جل وعلا وتقدس: ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ [غافر: ٢١] .
وعد جل وعلا كثيرًا منهم في كتابه ووصفهم وسماهم في خطابه حيث يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَاد﴾ [الفجر: ١٤] .
وقال: ﴿وَعَاداً وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً﴾ [الفرقان: ٣٨] ، هذا خبر أصدق القائلين وهذا قول حق وقد جعل الله بكل ما شوهد في أيامه وعوين في زمانه ممن رفعوا ثم وضعوا وعلوا ثم صرعوا ودارت عليهم الدوائر ونابتهم النوائب ما في بعضه مقنع لمعتبر وبلاغ لمدكر.
قالوا وأشرف أبو الدرداء صاحب رسول الله ﷺ على أهل حمص فقال يا أهل حمص أتبنون ما لا تسكنون وتأملون ما لا تدركون وتجمعون ما لا تأكلون.
стр. 121
إن من كان قبلكم بنوا شديدًا وأملوا بعيدا وجمعوا كثيرا فأصبحت اليوم مساكنهم قبورًا وأملهم غرورا وجمعهم بورا.
وقد قال أحد فصحاء الملوك في خطبته: ألم تروا مصارع من كان قبلكم كيف استدرجتهم الدنيا بزخارفها ونفتهم ثم تركتهم وقد تخلت عنهم فهم في حيرة وظلمة مدلهمة تركوا الأهلين والأولاد والعيال والأموال.
مساكنهم القبور وقد خلت منهم الدور وتقطعت منهم الأوصال والصدور وصاروا ترابًا باليًا وكان الله لهم ناهيًا قال تعالى: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] ﴾ [فاطر: ٥] .
شعرًا:
نَبْكِي على الدنيا وما مِن مَعْشَرٍ … جَمَعَتْهُم الدنيا فِلَمْ يَتفرَّقُوا
أَيْنَ الأكاسِرَةُ الجَبَابِرةُ الأُولى … كَنُزوا الكُنوزَ فما بَقِينَ ولا بَقُوا
مِن كُلِ مَن ضاقَ الفَضَاءُ بِجَيشِهِ … حَتَّى ثَوى فَحَواهُ لَحْدٌ ضَيِّقُ
خُرُسٌ إذا نُوُدُوا كَأنْ لم يَفْهَمُوا … أَنَّ الكلامَ لهُم حَلالٌ مُطْلَقُ
فالموتُ آتٍ والنفُوسُ نَفَائِسٌ … والمُسْتَغِرُ بِمَا لَدَيْهِ الأَحْمَقُ
آخر:
أَجِدكَ مَا الدنيَا ومَاذا نَعِيْمُها … وهَلْ هِيَ إِلَّا جَمْرَةً تَتَوقَدُ
لَعَمِري لَقَدْ شَاهَدتُ فِيهَا عَجَائِبًا … وصَاحَبنَي فيها مَسوْدٌ وسَيدُ
رأيتُ بها أهْلَ المَواهِبِ مَرَّة … وقد طَابَ عَيْشٌ والسُّرور يُجَدَّدُ
فما رَاعَهُم إلا الرَّزا يا ثَوابِتٌ … عَلَيهِم وَقَامَت في أذاهم تُحَشَّدُ
وأَسْقَتْهُمُوا كأسًا مِن الذُلِ مُتْرَعًا … وَكانَ لَهُم فَوقَ السِّمَاكَينِ مَقْعَدُ
стр. 122
وَدانَتْ لِمَنْ ناوَاهُمُ بَعْضَ بُرهَةٍ … عَلَى نَكَدٍ فِي كُلَّ يَومٍ يُجَدَّدُ
اللهم وفقنا للزوم الطريق الذي يقربنا إليك وهب لنا نورًا نهتدي به إليك ويسر لنا ما يسرته لأهل محبتك وأيقظنا من غفلاتنا وألهمنا رشدنا واسترنا في الدنيا والآخرة واحشرنا في زمرة عبادك المتقين وألحقنا بعبادك الصالحين واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فصل)
قال علي بن أبي طالب من هوان الدنيا وحقارتها أن الله أخرج أطايبها من خسائسها فالدنيا سبعة أشياء: مأكول ومشروب وملبوس ومشموم ومنكوح ومسموع ومبصر.
أما المأكولات فأشرفها العسل وهو لعاب ذباب وأطيب المشروبات الماء ويستوي في شربه الآدمي والكلب والخنزير والحمار.
وأفضل الملبوسات الحرير والإبريسم وهو لعاب دودة وأشرف المناكح النساء وحقيقتها مبال في مبال وأشرف المشمومات المسك وهو دم غزال والمسموع والمبصر مشترك بين ذلك وبين البهائم.
قَدْ أوْلَعَ الناسُ في الدنيا بأرْبَعَةٍ … أَكلٍ وشُرْبٍ ومَلْبُوسٍ وَمْنكُوحٍ
وَغَايَةُ الكُلِّ إنْ فَكرتَ فِيهِ إِلى … رَوْثٍ وبَولٍ وَمَطْرُوح ومَفضوحٍ
فإن قيل ما السبب في حب الدنيا والتعلق بها والتكالب عليها مع كثرة همومها وغمومها وأنكادها فالجواب قلة المعرفة بعيوبها فلو كشف الغطاء لهربوا منها فإن قيل ما سبب زهد الأمراء في أبواب العلماء ورغبة العلماء فيما
стр. 123
عند الأمراء قيل سبب زهدهم لقلة رغبتهم ومعرفتهم بالعلم وأما رغبة العلماء فلمعرفتهم بفضيلة المال عند الحاجة إليه والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم (فائدة في معالجة حب الدنيا المستغرق للوقت)
أعلم أن حب الدنيا يندر من يسلم منه وهو ينبعث من طول الأمل لأن الإنسان يقول الأيام بين يدي وأفعل غدًا كذا وبعد غد سأفعل وأتمتع بالدنيا والتوبة مفتوح بابها وتتمادى به الأيام في جمع الأموال وبناء القصور ونحو ذلك وتشعب آماله إلى أن ينسى أن النفس الواحد يبعده من الدنيا ويدنيه من الآخرة.
وما نَفَسٌ إِلَّا يُباعِدُ مَوْلِدًا … ويُدْنِي المَنَايَا لِلنُّفوسِ فَتَقْرُبُ
ولكن من العلاج النافع أن يقول الموت ليس بيدي فكيف اعتمد على الحياة فربنا قضى والموت لا يتأخر بكراهتي قال الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١] . وقال عز من قائل: ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١] .
ومن ذلك أن يقول هبني جمعت الدنيا أليس عند الموت أترك ذلك وأسأل عنه ويتمتع فيه غيري فلما لا أفكر في ذلك أجمع الدنيا لغيري وأبوء بحسابها وأضرارها. وأكون كما قال الشاعر:
كَدُوْدٌ كَدُودِ القَزِّ يَنْسِجُ دَائِمًا … ويَهْلِكُ غَمًّا وَسْط ما هُوْ نَاسِجُ
آخر:
وذِي حِرصٍ تَرَاهُ يُلِمُّ وفرًا … لِوَارِثِهِ وَيَدْفَعُ عَن حِمَاهُ
ككَلْبِ الصَّيِّد يُمْسِكُ وَهُو طَاوٍ … فَرِيْسَتَهُ لِيَأَكَلَها سِوَاهُ
ومن العلاج أن يعلم أن من كانت دنياه أكثر فحسرته أشد وخوفه
стр. 124
أعظم بخلاف من كان أخف منه دنيا فأمره أسهل فصاحب الألفين أشد حسابًا من صاحب الألف وهلم جرا.
ومن العلاج زيارة المقابر والنظر في مصارع الآباء والأمهات والأخوة والأخوات وسائر القرابات والأقران والزملاء والأصدقاء ويزور المستشفيات والمرضى والسجون والمستوصفات ليشكر الله على نعمه العظيمة.
تَزَوَّدْ مِن الدُنَيا فِإِنكَ رَاحِلُ … وَبَادِرْ فإنَّ الموتَ لا شَكَّ نَازِلُ
آخر:
خَلتْ دُورُهُم منهم وَأقْوَتْ عِراصُهُم … وساقَهُمُ نَحْو المنايَا المَقَادِرُ
وَخَلَّوْا عَن الدُنَيا وما جَمَعُوا لَها … وضَمَّهُمُ تَحْتَ التُرابِ الحَفائِرُ
آخر:
وعَضَتَكَ أجْدَاثٌ وهُنَّ صُمُوْت … وَأَصْحَابُهَا تَحْتَ التُراب خُفُوْتُ
أيا جَامِعَ الدنيا ومُهْمِلَ نَفْسِهِ … لِمَنْ تَجْمَعِ الدُنْيَا وَأَنْتَ تَمُوْتُ
ومن العلاج أن ينظر الإنسان إلى جسمه وانحلال قواه واشتعال الشيب الذي هو بريد الموت وضعف نظره وسمعه وتقارب خطاه وسقوط أسنانه.
تَسَاقَطُ أَسْنِانٌ وَيَضْعُفُ ناظِرٌ … وتَقْصُرُ خُطْواتٌ ويَثْقُلُ مَسْمَعُ
ومن العلاج أن تقول الرسل أعلم مني قنعوا بالقوت ورضوا بالكفاف وما طلبوا الدنيا فلماذا أنهمك فيها وأحرق نفسي وأغفل عن ما قدامي من الأهوال والعظائم التي أنا مقبل عليها في الآخرة.
أين الملوك أين الجبابرة أين الطغاة وأعوانهم انظري يا نفس هل بقى منهم أحد قال تعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ [مريم: ٩٨] .
стр. 125
ومن العلاج أن تقول نفرض أنك ملكتي الدنيا بأسرها وصفا لك عذبها وزلالها وأدركت الأماني أليس آخر ذلك الموت وعاقبته الفوت فلماذا تحرق نفسك في طلب ما هو عارية ووديعة ولا تذهب إلا بالكفن فقط.
فَقُلْ لِلِّذِي قد غَرَّهُ طُولُ عُمْرهِ … وَمَا قَدْ حَوَاهُ مِن زَخَارِفَ تَخْدَعُ
أفِقْ وانظُر الدُنيا بعَيْنِ بَصِيْرةٍ … تَجِدْ كُلَّ ما فيها وَدَائعَ تَرْجِعُ
آخر:
وَمَا المالُ والأَهْلُوْنَ إِلا وَدَائعٌ … وَلَا بُدَّ يومًا أَنْ تُرَدَّ الوَدَائِعُ
آخر:
هَوِّنْ عَلَْيَك فما الدُنْيا بِدَائمةٍ … ِ … وَإِنَّمَا أَنْتَ مِثْلَ الناسِ مَغْرُوْرُ
وَلَو تَصَوَّرَ أَهْلُ الدهْرِ صُورَتَهُ … لم يُمْسِ منهُمْ لَبيبٌ وَهْوَ مَسْرُورُ
آخر:
لَمَا تُؤْذِنُ الدُّنْيا به مِن صُرُوْفهَا … يَكُونُ بُكَاءَ الطِفْلِ سَاعَةَ يُوْلَدُ
آخر:
نَصِيْبُكَ مِمَّا تَجْمَعَ الدَّهْرَ كُلَّهُ … رِدَاآنِ تُطْويَ فِيْهمَا وحَنُوطُ
والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وسلم
(فصل)
عن إبراهيم التيمي قال ينبغي لمن لا يحزن أن يخاف أن يكون من أهل النار لأن أهل الجنة قالوا: "الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن" وينبغي لمن لم يشفق أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنة لأنهم قالوا:"إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين".
стр. 126
وعن الفضيل بن عياض قال قيل لسليمان التيمي أنت وأنت أي يثنون عليه قال لا تقولوا هكذا فإني لا أدري ما يبدو لي من ربي سمعت الله يقول: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] . وإني أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أكن احتسب.
وعن عكرمة عن محمد بن المنكدر أنه جزع عند الموت فقيل له لم تجزع فقال أخشى آية من كتاب الله قال الله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] . وإني أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أكن أحتسب.
قلت وفيه آيات أخرى ينبغي أن تكون نصب عيني العاقل اللبيب وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] .
وقوله تعالى: ﴿يوم تبلوا كل نفس ما أسلفت﴾ [وقوله: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] .
وقوله جل وعلا وتقدس: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] .
وقال عبد الأعلى التيمي شيئان قطعا عني لذة الدنيا ذكر الموت والوقوف بين يدي الله .
وعن أبي إسحاق قال أوى أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل إلى فراشه فقال يا ليت أمي لم تلدني فقالت له امرأته أبا ميسرة أليس الله قد أحسن إليك هداك للإسلام وفعل بك كذا قال بلى ولكن الله أخبرنا أنا واردون على النار ولم يبين لنا أنا صادرون عنها.
стр. 127
وقال الحسن إن المؤمن يصبح حزينًا ويمسي حزينًا وينقلب باليقين في الحزن ويكفيه ما يكفي العنيزة الكف من التمر والشربة من الماء.
وقال حبيب ابن أبي ثابت ما استقرضت من أحدٍ شيئًا أحب إلى من نفسي أقول لها أمهلي حتى يجئ من حيث أحب.
شعرًا:
إذا رُمتَ أنْ تَستَقْرِضَ المَالَ مُنْفِقًا … على شهواتِ النَّفْسِ في زَمَنِ العُسْرِ
فَسَلْ نَفْسُكَ الإِنفاقَ مِن كَنْزِ صَبْرِها … عَلَيْكَ وإِنْظَارًا إلى زَمَنِ اليُسْرِ
فإن فَعَلَتْ كُنْتَ الغَنيَّ وإن أَبَتْ … فكُلَّ مَنَوُع بَعْدَها واسِعُ العُذْرِ
وقال الثوري ما ضرهم ما أصابهم في الدنيا جبر الله لهم كل مصيبة بالجنة، وسأل رجل سفيان الثوري فلم يكن معه ما يعطيه فبكى سفيان فقال له مسعر بن كدام ما يبكيك قال وأي مصيبة أعظم من أن يؤمل فيك رجل خيرًا فلا يصيبه عندك.
وبكى ثابت حتى كادت عينه تذهب فجاءوا برجل يعالجها فقال الرجل أعالجها على أن تطيعني قال وأي شيء قال على أن لا تبكي قال فما خيرهما إن لم تبكيا وأبى أن يعالجها.
وكان شقيق بن سلمة إذا صلى في بيته ينشج –أي يخشع ويبكي- ولو جعلت له الدنيا على أن يفعله وأحد يسمعه أو يراه ما فعله- أي يخشى من الرياء.
روى شداد بن أوس أن النبي ﷺ قال: «أخوف ما أخاف على أمتي الرياء» .
وكان عمرو بن عتبة بن فرقد يخرج على فرسه ليلاً إلى المقبرة فيقف على القبور فيقول يا أهل القبور قد طويت الصحف وقد رفعت الأعمال ثم
стр. 128
يبكي ويصف قدميه حتى يصبح فيرجع فيشهد صلاة الصبح.
وقالت امرأة حسان بن سنان كان يجئ فيدخل معي في فراشي ثم يخادعني كما تخادع المرأة صبيها فإذا علم أني نمت سل نفسه فخرج ثم يقوم فيصلي قالت فقلت له يا أبا عبد الله كم تعذب نفسك ارفق بنفسك فقال اسكتي ويحك فيوشك أن أرقد رقدة لا أقوم منها زمانا.
عن عبد الله بن المبارك قال حدثنا وهيب قال ما اجتمع قوم في مجلس أو ملأ إلا كان أولاهم بالله الذي يفتتح بذكر الله حتى يفيضوا في ذكره وما اجتمع قوم في مجلس أو ملأ إلا كان أبعدهم من الله الذي يفتتح بالشر حتى يخوضوا فيه وفي الحديث طوبى لمن كان مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر وويل لمن كان مفتاحًا للشر مغلاقًا للخير.
(فصل)
كتب عمر بن عبد العزيز إلى سالم بن عبد الله أن اكتب إلي بشيء من رسائل عمر بن الخطاب فكتب أن يا عمر اذكر الملوك الذين تفقأت أعينهم الذين كانت لا تنقضي لذاتهم وانفقأت بطونهم التي كانوا لا يشبعون بها وصاروا جيفًا في الأرض وتحت أكنافها أن لو كانت إلى جنب مسكين لتأذى بريحهم.
وقال بلال بن سعد: رب مسرور مغبون ورب مغبون لا يشعر فويل لمن له الويل ولا يشعر يأكل ويشرب ويضحك ويلعب وقد حق عليه في قضاء الله أنه من أهل النار.
عن عون بن عبد الله بن عتبة أنه كان يقول: يا ويح نفسي كيف أغفل ولا يغفل عني أم كيف تهنيني معيشتي واليوم الثقيل ورائي أم كيف يشتد
стр. 129
عجبي بدار في غيرها قراري.
وكان داود الطائي في دار واسعة خربة ليس فيها إلا بيت وليس على بيته باب فقال بعض القوم أنت في دار وحشة فلو اتخذت لبيتك هذا بابًا أما تستوحش فقال حالت وحشة القبر بيني وبين وحشة الدنيا.
وقال محمد بن كعب: الدنيا دار فناء، منزل بلغة رغبت عنها السعداء وأسرعت من أيدي الأشقياء فأشقى الناس بها أرغب الناس فيها وأسعد الناس فيها أزهد الناس بها هي المعذبة لمن أطاعها المهلكة لمن اتبعها الخائنة لمن انقاد لها علمها جهل وغناؤها فقر وزيادتها نقصان وأيامها دول.
وعن بكر بن محمد قال: قلت لداود الطائي أوصني قال: عسكر الموتى ينتظرونك.
وقال أبو حازم: من عرف الدنيا لم يفرح فيها برخاء ولم يحزن على بلوى.
وقال ابن المبارك: أهل الدنيا خرجوا من الدنيا قبل أن يتطعموا أطيب ما فيها قيل له وما أطيب ما فيها قال المعرفة بالله .
وقال شداد بن أوس ﵁: إنكم لم تروا من الخير إلا أسبابه ولم تروا من الشر إلا أسبابه، الخير كله بحذافيره في الجنة والشر كله بحذافيره في النار وإن الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر والآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قاهر ولكل بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا.
وقال عمر بن ذر اعملوا لأنفسكم رحمكم الله في هذا الليل وسواده فإن المغبون من غبن خير الليل والنهار والمحروم من حرم خيرهما وإنما جعلا سبيلاً للمؤمنين إلى طاعة ربهم ووبالاً على الآخرين للغفلة عن أنفسهم فأحيوا لله
стр. 130
أنفسكم بذكره فإنما تحيا القلوب بذكر الله كم من قائم في هذا الليل قد اغتبط بقيامه في حفرته وكم من نائم في هذا الليل قد ندم على طول نومه عند ما يرى من كرامة الله للعابدين غدًا فاغتنموا ممر الساعات والليالي والأيام.
وقال رجل لداود الطائي أوصني فدمعت عيناه ثم قال له يا أخي إنما الليل والنهار مراحل تنزل بالناس مرحلة مرحلة حتى ينتهي بهم ذلك إلى آخر سفرهم فإن استطعت أن تقدم في كل يوم مرحلة زادًا لما بين يديك فافعل.
فإن انقطاع السفر عن قريب والأمر أعجل من ذلك فتزود لسفرك واقض ما أنت قاض من أمرك فكأنك بالأمر قد بغتك إني لأقول هذا وما أعلم أحدًا أشد تضييعًا مني لذلك ثم قام.
وجاء داود الطائي أحد أصحابه بألفي درهم وقال هذا شيء جاء الله به لم تطلبه ولم تشره له نفسك قال داود إنه لمن أمثل ما يأخذون قال فما يمنعك منه قال لعل تركه أن يكون أنجى.
وقال محمد بن واسع: لقد أدركت رجالاً كان الرجل يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة قد بل ما تحت خده من دموعه لا تشعر به امرأته ولقد أدركت رجالاً يقوم أحدهم في الصف فتسيل دموعه على خده ولا يشعر به الذي إلى جنبه.
وقال سلمان الفارسي ﵁ أضحكني ثلاث وأبكاني ثلاث ضحكت من مؤمل الدنيا والموت يطلبه وغافل لا يغفل عنه وضاحك ملء فيه لا يدري أمُسخطٌ ربه أم مرضيه.
وأبكاني ثلاث فرقة الأحبة محمد وحزبه وهول المطلع عند غمرات الموت والوقوف بين يدي رب العالمين حين لا أدري إلى النار انصرافي أم إلى الجنة.
стр. 131
وقال أحد السلف لأن أعلم أن الله تقبل مني مثقال حبة من خردل أحب إلي من الدنيا وما فيها لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] .
وقال إبراهيم التيمي مثلت نفسي في النار أعالج أغلالها وسعيرها وأكل من زقومها وأشرب من حميمها فقلت يا نفس أي شيء تشتهين قالت أرجع إلى الدنيا أعمل عملاً أنجو به من هذا العذاب.
ومثلت نفسي في الجنة مع حورها ألبس من سندسها واستبرقها وحريرها فقلت يا نفس أي شيء تشتهين قالت أرجع إلى الدنيا فأعمل عملاً أزداد به من هذا الثواب فقلت الآن أنت في الدنيا وفي الأمنية. والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وسلم.
٧ -[موعظة]
عباد الله إن مفتاح سعادة المرء في دنياه وأخراه أن يراقب مولاه بحيث يكون في كل حال من أحواله مستحضرًا عظمة ربه وجلاله ولا ينساه مؤمنًا بأنه تعالى يراه أينما كان ويعلم سره ونجواه فمن كان هكذا أورثه ذلك خشية ربه في سره وعلانيته، فإذا خاف الإنسان ربه خوفًا صحيحًا وقف ولا بد عندما حد له من حدود يفعل أوامره ويجتنب نواهيه، لا يحمله على ذلك إلا إجلاله لربه، ومن أبعد البعد أن يقرب المعصية من كان هكذا، لأنه يستحضر أن الله تعالى يراه، ويوقن أن الله تعالى يجازيه على كل ما قدم من طاعة أو معصية فإذا وصل العبد إلى هذه الحالة كان مع توفيق الله له من صفوة خلق الله المتقين الذين لله تعالى بهم عناية فوق ما يتصوره المتصورون هو أنه تعالى أخبره عن مبلغ هذه العناية في الكتاب المبين أخبر تعالى أنه معهم
стр. 132
لما هم عليه مما وفقهم له من تقوى وإحسان، وإذا كان الأمر هكذا. فمن يغلب التقي ومعه القاهر الغلاب ومن يذله ومعه من بيده ناصية كل مخلوق ومن يحوجه ومعه من كل العوالم تتقلب في بحبوحة جوده وكرمه الباهر، ومن يشقيه ومعه من لا سعادة إلا وهي من فيض كرمه وإحسانه. فعليك بلزوم تقوي الله وطاعته تنل السعادة في الدنيا والآخرة، قال ﷺ : «أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت» . رواه الطبراني.
شعرًا:
أَعَارَتْكَ دُنْيَا مُسْتَردٌ مُعارُهَا … غَضَارَة عَيشِ سَوْفَ يَذْوِي اخْضِرَارُها
وهَلْ يَتَمَنَّى المُحْكَمُ الرأي عِيْشَةً … وقد حَانَ مِن دُهم المَنايا مَزارُهَا
وكَيفَ تَلذُّ العَينُ هَجْعَةَ سَاعَةٍ … وقد طَالَ فِيمَا عَايَنَتْهُ اعْتِبَارُهَا
وكَيفَ تَقِرُّ النَّفْسُ فِي دَارِ نُقْلَةٍ … قَدْ اسْتَيقَنَتْ أَنْ لَيْسَ فِيهَا قَرَارُهَا
وأَنّىَ لهَا في الأَرضِ خَاطِرُ فِكْرَةٌ … ولَمْ تَدْرِ بَعْدَ الموتِ أَيْنَ مَحَارُهَا
أَلَيْسَ لَهَا فِي السَّعْي لِلْفَوزِ شَاغِلٌ … أَمَا في تَوقِّيِهَا العَذابَ ازْدِجَارُهَا
فَخَابَتْ نُفُوسُ قَادَهَا لَهُو سَاعَةٍ … إِلَى حَرِّ نَارٍ لَيْسَ يَطْفَى أُوَارُهَا
لَهَا سَائِقٌ حَادِ حَثِيْثٌ مُبَادِرٌ … إِلَى غَيْرَ ما أضْحَى إليهِ مَدَارُهَا
تُرادُ لِأَمْرٍ وَهْيَ تَطْلُبُ غَيَرهُ … وَتَقْصِدْ وَجْهًا فِي سِوَاهُ سِفَارُهَا
أَمُسْرِعَةٌ فِيمَا يَسُوءُ قِيامُهَا … وَقَدْ أَيْقَنَتْ أنَّ العَذَابَ قُصَارُهَا
تُعَطِّلُ مَفُرُوْضًا وَتَعْنَى بِفَضْلَةٍ … لَقَدْ شَفَّهَا طُغْيَانُها وَاغْترارُهَا
إِلَى مَا لهَا مِنْهُ البَلاءُ سُكُونُهَا … وَعَمَّا لَهَا مِنْهُ النَّجَاحُ نِفَارُهَا
وتُعْرضُ عن رَبٍّ دَعَاهَا لِرُشْدِهَا … وتَتَبعُ دُنْيًا جَدَّ عنها فِرَارُهَا
فيأَيُها المَغْرُوْرُ بادِرْ برَجْعَةٍ …
стр. 133
فِلِلَّهِ دَارٌ لَيْسَ تَخْمُدُ نَارُهَا
وَلا تَتَخيَّرْ فَانِيًا دُوْنَ خَالِدٍ … دَلِيلٌ على مَحْضِ العُقولِ اخْتِيَارُهَا
أَتَعْلَمُ انَّ الحقَّ فِيْمَا تَركْتَهُ … وتَسْلُكُ سُبْلاً لَيْسَ يَخْفَى عِوَارُهَا
وتَتْرُكَ بَيْضَاءَ المَنَاهِجَ ضِلَّةً … لِبَهْمَاءَ يُؤْذِيْ الرِّجْلَ فيها عِثَارُهَا
تُسَرُّ بِلَهْوٍ مُعْقِبٍ بِنَدَامَةٍ … إِذَا مَا انْقَضَى لَا يَنْقَضِيْ مُسْتَشَارُهَا
وتَفْنَى اللَّيالِي والمَسرَّاتُ كُلُّهَا … وَتَبْقَى تِبَاعَاتُ الذُّنوبِ وَعَارُهَا
فَهَلْ أَنْتَ يَا مَغْبُونُ مُسْتَيْقِظٌ فَقَدْ … تَبَّينَ مِن سِرّ الخُطُوبَ اسْتِتَارُهَا
فَعَجِّلْ إِلَى رِضْوانِ رَبِّكَ واجْتَنِبْ … نَوَاهِيَهُ إِذْ قَدْ تَجَلَّى مَنَارُهَا
تَجدُّ مُرُوْرُ الدهر عَنْكَ بلَاعِب … وتُغْرى بدُنيا سَاءَ فِيْكَ سِرَارُهَا
َفَكَمْ أُمَّةٍ قَدْ غَرَّهَا الدَّهْرُ قَبْلَنَا … وَهَاتِيْكَ مِنْهَا مُقْفِرَاتٌ دِيَارُهَا
إِذَا حَفُّهُمْ عَفْوُ الإِلهِ وفَضْلُهُ … وَأَسْكَنَهُم دَارًا حَلَالاً عَقَارُهَا
يَفزُّ بَنُو الدنيا بِدُنُياهُم الَّتِي … يَظُنُّ عَلَى أهل الحظوظِ اقْتِصَارُهَا
هِيَ الأُمُّ خَيرُ البرِّ فيها عقُوقُهَا … وَلَيْسَ بِغَيْرِ البَذلِ يُحْمَى ذِمَارُهَا
فَمَا نَالَ مِنْهَا الحَظَّ إِلا مُهِيْنُهَا … وَمَا الهُلْكُ إِلَّا قُرْبُها واعْتِمارُهَا
تَهَافَتَ فيها طَاِمعٌ بَعْدَ طَامِعٍ … وقد بانَ لِلُّبِ الذَّكِيّ اخْتِبَارُهَا
تَطَامَنْ لِغَمْرٍ الحادِثاتِ ولا تَكُنْ … لَهَا ذَا اعْتِمَارٍ يَجْتَنِبْكَ غِمَارُهَا
وَإِيَّاكَ اَنْ تَغْتَّرَ منها بما تَرَى … فَقَدْ صَحَّ في العقل الجَلي عِيارُهَا
رَأَيْتُ مُلُوكَ الأرضِ يَبْغُونَ عُدَّةً … وَلَذَّة نَفْسٍِ يُسْتَطابُ اجْتِرارُهَا
وَخَلَّوا طَرِيْقَ القَصْدِ في مُبْتَغَاهُمُ … لِمُتْبِعَةِ الصِفارُ جَمٌ صِغَارُهَ
وإِن الَّتِي يَبغُون نَهْجَ بَقِيَّة … مَكِيْن لِطُلاب الخَلاصِ اخْتِصَارُهَا
هَل العِزُّ إِلا هِمةٌ صَحَّ صَوْنُها …
стр. 134
إِذَا صَانَ هَمَّاتِ الرِجال انْكسَارُهَا
وهَلْ رَابحٌ إِلا امْرُؤٌ مُتَوكِّلٌ … قَنُوعٌ غَنِيُّ النِّفْسِ بَادٍ وَقَارُهَا
ويَلْقَى وُلاةُ المُلْكِ خَوفًا وَفكرةً … تَضِيْقُ بها ذَرْعًا وَيَفْنَى اصْطِبَارُهَا
عِيانًا نَرَى هَذا ولَكِنْ سَكْرَةً … أَحَاطَتْ بِنَا مَا إِن يُفيْقُ خُمَارُهَا
تَدَبَّرْ مَن البانِي عَلَى الأَرْضَ سَقْفَهَا … وَفِي عِلْمِهِ مَعْمُورُهَا وَقفِارُهَا
ومَن يُمْسِكُ الأَجرامَ والأَرضَ أَمْرُهُ … بِلا عَمَدٍ يُبْنَي عَلَيهِ قَرارُهَا
ومَن قدَّرَ التَّدبِيْرَ فِيهَا بحِكْمَةٍ … فَصَحَّ لَدَيْهَا لَيْلُها ونَهارُهَا
ومنَ فَتقَ الأَمواهَ في صَفْحِ وَجْهِهَا … فَمِنها يُغَذَّي حَبُها وثمِارُهَا
ومنَ صَيَّر الألوانَ في نَوْرِ نَبْتِها … فأشرقَ فِيهَا وَرْدُهَا وَبَهَارُهَا
فَمِنْهنَّ مُخْضرٌّ يَرُوقُ بَصِيْصُهُ … وَمِنْهنَّ مَا يَغْشَى اللِّحَاظَ احْمَرارُهَا
وَمَن حَفَرَ الأَنْهَارَ دُوْنَ تَكلُفِ … فَثَارَ مِن الصُّمِّ الصِّلاب انْفِجَارُهَا
وَمَن رتَّبَ الشمسَ المنير ابْيِضَاضُهَا … غُدوًّا وَيبْدُو بالعَشِيّ اصْفَرارُهَا
ومَن خَلقَ الأفلاكَ فامْتدَّ جَرْيُهَا … وَأَحْكَمَهَا حتى اسْتَقَامَ مَدَارُهَا
تَذَكَّرْ عَلَى مَا قَدْ مَضَى واعْتِبَرْ بِهِ … فإِنَّ المُذَكِّيْ لِلْعُقُولِ اعْتِبَارُهَا
تَحَامَى ذُراهَا كُلَّ بَاغٍ وَطَالِبٍ … وَكَانَ ضَمَانًا في الأَعَادِي انْتِصَارُهَا
تَوَافَتْ بِبَطْنِ الأَرضِ وَانْشَتَّ شَمْلُهَا … وَعَادَ إِلَى ذِي مُلكةِ مُسْتَعَارُهَا
وَكَمْ رَاقُدٍ في غَفَلَةٍ عَن مُنْيَّةٍ … مُشَمَّرَةٍ في القَصْدِ وَهْوَ سِعَارُهَا
وَمَظْلَمَةٍ قَدْ نَالَهَا مُتَسِلِّطٌ … مُدِلٌ بِأَيْدٍ عِنْدَ ذِي العَرشِ ثَارُهَا
أَرَاكَ إِذَا حَاوَلْتَ دُنْيَاكَ سَاعِيًا … على أَنَّهَا بَادٍ إِليْكَ أَزْوُرَارُهَا
وَفي طَاعَةِ الرحمنِ يُقْعِدُكَ الوَنَى … وتُبْدِيْ أَنَاةً لا يَصْحُّ اعْتِذَارُهَا
تُحَاذِرُ إِخْوَانًا سَتَفْنَى وَتَنْقَضِي …
стр. 135
وَتَنْسَى الَّتِي فَرْضٌ عَلَيْكَ حِذارُهَا
كَأَنَّي أَرَى مِنْكَ التَّبَّرمَ ظَاهِرًا … مُبِيْنًا إِذَا الأَقْدَارُ حُلَّ اضْطِرَارَهُا
هُنَاكَ يَقُولُ المَرْءُ مَن لِي بَأَعْصُرٍ … مَضَتْ كَانَ مِلْكًا في يَدَيَّ خِيَارُهَا
تَنَبَّهْ لِيَومٍ قَدْ أَظَلَّكَ وِرْدُهُ … عَصِيْبٍ يُوافِي النَّفْسَ فِيْهِ احْتِضَارُهَا
تَبَرّا فِيْهِ مِنْكَ كُلُّ مُخَالِطٍ … وَإِنَّ مِنْ الآمَالِ فِيْهِ انْهِيَارُهَا
فَأُوْدِعَتْ في ظَلْمًا ضَنْكٍ مَقَرُّهَا … يَلُوْحُ عَلَيْهَا لِلْعُيُونِ اغْبِرَارُهَا
تُنَادَى فَلا تَدرِي المُنادي مُفْردًا … وقد حُطَّ عَن وَجْهِ الحَيَاةِ خِمَارُهَا
تُنَادَى إِلى يومٍ شَدِيْدٍ مُفَزّعٍ … وَسَاعةِ حَشْرٍ لَيْسَ يَخْفَي اشْتَهَارُهَا
إِذَا حُشرتْ فيه الوُحُوشُ وَجُمّعَتْ … صَحَائِفُنَا وانْثَالَ فِيْنَا انْتِثَارُهَا
وَزُيّنَتِ الجنَّاتُ فِيهِ وأُزْلفَتْ … وأُذِكيَ مِن نَارِ الجحيمِ اسْتِعَارُهَا
وَكُوِّرتِ الشَّمْسُ المُنِيْرةُ بالضُّحَى … وَأُسْرِعَ مِن زُهْرِ النُجُومِ انْكِدَارُهَا
لَقَدْ جَلَّ أَمْرٌ كَانَ مِنه انْتِظَامُهَا … وَقَدْ عُطِّلَتْ مِن مَالِكِيْهَا عِشَارِهُا
فإِمَّا لِدَارٍ لَيْسَ يَفْنَى نَعِيْمُهَا … وَإِمَّا لِدَارٍ لا يُفَكُّ إِسَارُهَا
بِحَضْرَةِ جَبّارٍ رَفِيْقٍ مُعَاقِبٍ … فَتُحْصَى المَعَاصِي كُبْرُهَا وصِغَارُهَا
وَيَنْدَمُ يَوْمَ البَعْثِ جَانِي صِغَارهَا … وَتُهْلِكَ أَهْلَيْهَا هُنَاكَ كِبَارُهَا
سَتُغْبَطُ اَجْسَادٌ وَتَحْيَا نُفُوسُهَا … إِذَا ما اسْتَوى أَسْرَارُهَا وَجِهَارُهَا
وَمَن إِنْ أَلمتْ بِالعُقُولِ رَزِيَّةٌ … فَلَيْسَ إِلَي حَيٍّ سِواهُ افْتِقَارُهَا
تَجِدْ كُلَّ هَذا رَاجِعٌ نَحْوَ خَالِقٍ … لَهُ مُلْكُهَا مُنْقَادَةً وَائْتِمَارُهَا
أَبَانَ لَنَا الآيَاتِ فِي أَنْبِيَائِهِ … فَأَمْكَنَ بَعْدَ العَجْز فيها اقْتِدَارُهَا
فَأَنْطَقَ أَفْواهًا بَأَلْفَاظِ حِكْمَةٍ … وَمَا حَلها إِثْغَارُهَا وَاتِّغارُهَا
وأبرزَ مِن صُمٍّ الحِجَارةِ نَاقَةً …
стр. 136
وأَسْمَعمُ في الحِين منها حُوَارُهَا
لِيُوقِنَ أَقوامٌ وَتكفُر عُصبةٌ … أَتَاهَا بِأسْبَابِ الهَلاكِ قَدَارُهَا
وشَقَّ لِمُوسَى البَحْرَ دُونَ تَكَلُّفُ … وَبَانَ مِن الأَمواجِ فِيه انْحِسَارُهَا
وسَلَّم مِن نَارِ الأَنوق خَلِيْلَهُ … فَلَمْ يُؤذهِ إِحراقُهَا واعْتِرَارُهَا
ونَجَّىَ مِن الطُوفَانِ نُوحًا وقد هَدَتْ … بِهِ أُمةٌ أَبْدَى الفُسُوقَ شِرارُهَا
وَمَكَّنَ دَاوُدًا بأَيْدٍِ وَابْنَهُ … فَتَعْسِيرهَا مُلْقَى لَهُ وبِذَارُهَا
وذلَّلَ جبَّارَ البِلادِ بِأَمْرِهِ … وَعَلَّمَ طَيْرًا فِي السَّمَاءِ حِوَارُهَا
وَفَضَّلَ بِالقُرْآنِ أُمَّةَ أَحْمدٍ … وَمَكَّنَ فِي أَقْصَى البِلادِ مُغَارُهَا
وَشَقَّ لَهُ بَدْرَ السَّمَاءِ وَخَصَّهُ … بآياتٍ حَقٍّ لا يُخَلُ مُعَارُهَا
وَأَنْقَذَنَا مِن كُفْرٍ أَربابِنَا بِهِ … وَقَدْ كَانَ مِن قُطْبٍ الهَلاكِ مَنارُهَا
فَمَا بَالُنا لا نَتْرُكُ الجهلَ ويْحَنَا … لِنُسْلَمُ مِن نارٍ تَرامَى شِرَارُهَا
اللهم تب علينا قبل أن تشهد علينا الجوارح ونبهنا من رقدات الغفلات وسامحنا فأنت الحليم المسامح وانفعنا بما علمتنا وعلمنا ما ينفعنا فمنك الفضل والمنائح واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله أجمعين.
[فصل]
قال الفضيل بن عياض الدخول في الدنيا هين ولكن الخروج منها شديد وقال آخر عجبًا لمن عرف أن الموت حق كيف يفرح وعجبًا لمن عرف النار وأنها حق كيف يضحك، وعجبًا لمن رأى تقلب الدنيا بأهلها كيف يطمئن إليها، وعجبًا لمن يعلم أن القدر حق كيف ينصب.
стр. 137
قال مالك بن دينار: اصطلحنا على حب الدنيا، فلا يأمر بعضنا بعضًا، ولا ينهى بعضنا بعضًا، ولا يدعنا الله على هذا فليت شعري أي عذاب الله ينزل علينا.
وقيل لبشر مات فلان فقال، جمع الدنيا وذهب إلى الآخرة وضيع نفسه.
وقال آخر: الدنيا تبغض إلينا ونحن نحبها فكيف لو تحببت إلينا.
وقال آخر: لا يصبر عن شهوات الدنيا إلا من كان في قلبه ما يشغله بالآخرة.
وقال آخر: يعظ أخًا له في الله ويخوفه بالله، فقال يا أخي إن الدنيا دحض مزلة، ودار مذلة، عمرانها إلى الخراب صائر، وعامرها إلى القبور زائر، شملها على الفرقة موقوف، وغناها إلى الفقر مصروف، الإكثار فيها إعسار والإعسار فيها يسار.
فافزع إلى الله وارضى برزق الله، لا تتسلف من دار فنائك إلى دار بقائك فإن عيشك في الدنيا فيء زائل وجدار مائل أكثر من عملك وأقلل من أملك.
وقال يحيى بن معاذ العقلاء ثلاثة من ترك الدنيا قبل أن تتركه، وبنى قبره قبل أن يدخله وأرضى خالقه قبل أن يلقاه.
وقال بندار إذا رأيت أبناء الدنيا يتكلمون بالزهد فاعلم أنهم في سخرية إبليس.
وذكر أناس الدنيا وأقبلوا على ذمها عند رابعة العدوية، فقالت اسكتوا عن ذكرها فلولا موقعها من قلوبكم ما أكثرتم من ذكرها، إن من أحب شيئًا أكثر من ذكره.
стр. 138
شعرًا:
أَلا إنما الدنيا كجيْفَة مَيْتَةٍ … وَطُلابُهَا مِثْلُ الكِلاب الهَوامِسِ
وَأَعظمُهَمْ ذَمًّا لَهَا وأشدُهُمْ … بهَا شَغَفًا قَومٌ طِوالُ القلانُسِ
وقال آخر: الدنيا مزبلة ومجمع كلاب وأقل من الكلاب من عكف عليها، فإن الكلب يأخذ من الجيفة حاجته وينصرف والمحب للدنيا لا يفارقها بحال.
وقيل لإبراهيم بن أدهم كيف أنت فقال:
نُرقِعُ دُنْيَانَا بِتَمْزِيْق دِيْنِنَا … فَلا دِيْنُنَا يَبْقَى وَلا مَا نُرَقّعُ
فَطَوبَى لِعَبْدٍ آثَر الله وَحْدَهُ … وَجَادَ بِدُنْيَاه لِمَا يُتَوَقْعُ
وقال آخر:
أَرَىَ طالبَ الدُّنْيَا وَإِن طَالَ عمْرُهُ … ونالَ مِن الدُّنْيَا سُرورًا وَأَنْعُمَا
كَبَانٍ بَنَى بُنْيَانَهُ فَأقامَهُ … فَلمَّا اسْتَوى ما قَدْ بَناه تَهَدَّمَا
وقال لقمان لابنه: يا بني بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعًا ولا تبع آخرتك بدنياك تخسرهما جميعًا.
وقال محمد بن الحسين لما علم أهل الفضل والعلم والمعرفة والأدب أن الله قد أهان الدنيا وأنه لم يرضها لأوليائه وأنها عنده حقيرة ذليلة.
وأن رسول الله ﷺ زهد فيها، وحذر أصحابه من فتنتها أكلوا منها قصدا وقدموا فضلا وأخذوا منها ما يكفي، وتركوا ما يلهي، لبسوا من الثياب ما ستر العورة، وأكلوا من الطعام أدناه مما سد الجوعة.
ونظروا إلى الدنيا بعين أنها فانية وإلى الآخرة أنها باقية، فتزودوا من الدنيا كزاد الراكب، فخربوا الدنيا وعمروا بها الآخرة.
стр. 139
ونظروا إلى الآخرة بقلوبهم فعلموا أنهم سينظرون إليها بقلوبهم وأعينهم، ولما علموا أنهم سيرتحلون إليها بأبدانهم تعبوا قليلاً وتنعموا طويلاً كل ذلك بتوفيق مولاهم الكريم أحبوا ما أحب لهم وكرهوا ما كره لهم.
قال عبد الله بن مسعود نام رسول الله ﷺ على حصير فقام وقد أثر في جنبه فقلنا يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء فقال مالي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها.
اعلم بأن طَرِيْقَ الحقِّ مُنْفَرِدٌ … والسَّالِكُونَ طَرِيْقَ الحقِّ أَفْرَادُ
لا يَطْلُبُونَ ولا تُطْلَبْ مَسَاعِيْهُمْ … فَهُمْ على مَهَلٍ يَمشُون قُصَّادُ
وَالنَّاسُ في غَفْلةٍ عَمَّا لهُ قَصَدُوا … فَجُلْهُمْ عَن طَرِيْقِ الحَقِ رُقَّادُ
وخطب عمر بن عبد العزيز ﵀ فقال: يا أيها الناس إنكم خلقتم لأمر إن كنتم تصدقون به وهذا عملكم فإنكم حمقى، وإن كنتم تكذبون به فإنكم هلكى فما خلقتم للأبد ولكنكم من دار إلى دار تنقلون.
عباد الله إنكم في دار لكم فيها من طعامكم غصص ومن شرابكم شرق لا تصفوا لكم نعمة تسرون بها إلا بفراق أخرى تكرهون فراقها، فاعملوا لما أنتم صائرون إليه وخالدون فيه ثم غلبه البكاء ونزل.
وقال بعضهم في وصف مراحل السلوك: إن المؤمن إذا آمن بالله واستحكم إيمانه خاف الله تعالى فإذا خاف الله تعالى تولد من الخوف الهيبة.
فإذا سكنت غلبة الهيبة دامت طاعته لربه، فإذا أطاع ربه تولد من الطاعة الرجاء.
فإذا سكنت درجة الرجاء في القلب تولد من الرجاء المحبة.
فإذا استحكمت المحبة في قلب العبد سكن بعدها مقام الشوق، فإذا
стр. 140
اشتاق أداه الشوق إلى الأنس بالله، فإذا أنس بالله اطمأن إلى الله، فإذا اطمأن إلى الله كان ليله في نعيم ونهاره في نعيم وسره في نعيم وعلانيته في نعيم.
وقال بعضهم يا ابن آدم ما أنصفت إذ يدعوك داعي الدنيا بكلمة واحدة لشيء ذاهب فتجيبه مسرعًا، ويدعوك داعي الآخرة لشيء باقي صافي ثابت فلا تجيبه مسرعًا، فليتك إذ لم تقدر الآخرة سويت بينهما.
وقال آخر: العلماء العاملون أرأف بأمة محمد من آبائهم وأمهاتهم وأشفق عليهم، قيل له كيف ذلك، قال لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا، والعلماء يحفظونهم من نار الآخرة وأهوالها.
وقال آخر: من أقوى القوى أن تغلب نفسك، من عجز عن أدب نفسه كان عن أدب غيره أعجز، وقال: من علامات الاستدراج للعبد عماه عن عيبه، وتطلعه إلى عيوب الناس، وقال من النذالة أن يأكل العبد بدينه.
وقال آخر: وقد سئل عن الطريق إلى الله، فقال: توبة تحل الإصرار، وخوف يزيل الغرور ورجاء ينهض الخيرات، ثم مراقبة الله في خواطر القلوب.
قال أحمد بن عاصم: أنفع اليقين ما عظم في عينيك ما به أيقنت وأنفع الخوف ما حجزك عن المعاصي، وأطال منك الحزن على ما فات، وألزمك الفكر في بقية عمرك وخاتمة أمرك.
وأنفع الصدق أن تقر لله بعيوب نفسكن وأنفع الحياء أن تستحي أن تسأله ما تحب وتأتي ما يكره.
وأنفع الصبر ما قواك على خلاف هواك وأفضل الجهاد مجاهدتك نفسك لتردها إلى قبول الحق.
وأوجب الأعداء منك مجاهدة أقربهم منك دنوا وأخفاهم عنك شخصًا وأعظمهم لك عداوة وهو إبليس.
стр. 141
قلت: فما ترى في الأنس بالناس؟ قال: إن وجدت عاقلاً مأمونًا فأنس به واهرب من سائرهم كهربك من السباع.
قلت: فما أفضل ما أتقرب به إلى الله ؟ قال: ترك معاصيه الباطنة.
قلت: فما بال الباطنة أولى من الظاهرة؟ قال: لأنك إذا أجتنبت الباطنة بطلت الظاهرة والباطنة.
قلت: فما أضر الطاعات لي؟ قال: ما نسيت بها مساوئك، وجعلتها نصب عينيك إدلالاً بها وأمنًا.
قال: وسمعته يقول: استكثر من الله لنفسك قليل الرزق تخلصًا إلى الشكر، واستقلل من نفسك لله كثير الطاعة إزراء على النفس وتعرضًا للعفو.
واستجلب شدة التيقظ بشدة الخوف؛ وادفع عظيم الحرص بإيثار القناعة، واقطع أسباب الطمع بصحة اليأس؛ وسد سبيل العجب بمعرفة النفس.
واطلب راحة البدن بإجمام القلب، وتخلص إلى إجمام القلب بقلة الخلطاء، وتعرض لرقة القلب بدوام مجالسة أهل الذكرن وبادر بانتهاز البغية عند إمكان الفرصة وأحذرك "سوف".
وكُنْ صَارِمًا كَالْوَقْتِ فَالمَقْتُ في عَسَى … وَإِيَّاكَ مَهْلاً فَهي أخْطَرُ عِلَّتِي
وَجُذَّ بسَيْف العَزْمِ سَوْفَ فإن تَجُدْ … تَجِدْ نَفَسًا فَالنَّفْسُ إِن جُدْتَ جدَّتِ
عن الأوزاعي أنه وعظ فقال في موعظته: أيها الناس تقووا بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة.
стр. 142
فإنكم في دار الثواء فيها قليل وأنتم فيها مؤجلون خلائف من بعد القرون الذين استقبلوا من الدنيا أنفها وزهرتها.
فهم كانوا أطول منكم أعمارًا وأمد أجسامًا وأعظم آثارًا فخددوا الجبال وجابوا الصخور ونقبوا في البلاد مؤيدين ببطش شديد وأجسام كالعماد.
فما لبثت الأيام والليالي أن طوت مددهم وعفت آثارهم وأخوت منزلهم وأنست ذكرهم، فما تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزًا.
كانوا بلهو الأمل آمنين لبيات قوم غافلين أو لصباح قوم نادمين، ثم إنكم قد علمتم الذي نزل بساحتهم بياتًا من عقوبة الله .
فأصبح كثير منهم في ديارهم جاثمين وأصبح الباقون ينظرون في آثار نقمة وزوال نعمة ومساكن خاوية فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم وعبرة لمن يخشى.
وأصبحتم من بعدهم في أجل منقوص ودنيا مقبوضة في زمان قد ولى عفوه وذهب رخاؤه.
فلم تبق منه إلا حمة شر وصبابة كدر، وأهاويل عبر، وعقوبات غير وأرسال فتن، وتتابع زلازل ورذلة خلف بهم ظهر الفساد في البر والبحر.
فلا تكونوا أشباهًا لمن خدعه الأمل وغر بطول الأجل وتبلغ بالأماني. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن وعى نذره، وعقل فمهد لنفسه.
اللهم انظمنا في سلك عبادك المفلحين واحشرنا مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 143
(فصل)
كتب بعضهم إلى أخ يوصيه: أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله، والعمل بما علمك الله ، والمراقبة حيث لا يراك أحد إلا الله والاستعداد لما ليس لأحد فيه حيلة، ولا تنفع الندامة عند نزوله.
فاحسر عن رأسك قناع الغافلين، وانتبه من رقدة الموتى، وشمر للسباق غدًا فإن الدنيا ميدان المسابقين، ولا تغتر بمن أظهر النسك، وتشاغل بالوصف، وترك العمل بالموصوف.
واعلم يا أخي أنه لا بد لي ولك من المقام بين يدي الله ، ولست آمن أن يسألني وإياك عن وساوس الصدور، ولحظات العيون، وإصغاء الأسماع، وما عسى أن يعجز مثلي عن صفته.
واعلم أنه مما وصف به منافقوا هذه الأمة أنهم خالطوا أهل الدنيا بأبدانهم وطابقوهم عليها بأهوائهم، وخضعوا لما طمعوا من نائلهم، وداهن بعضهم (بعضًا) في القول والفعل، فأشر وبطر قولهم، ومر خبيث فعلهم، تركوا باطن العمل بلا تصحيح فحرمهم الله تعالى بذلك الثمن الربيح.
وأعلم يا أخي أنه لا يجزى من العمل القول، ولا من البذل العدة، ولا من التقوى ولا من التوقى التلاوم.
وقد صرنا في زمان هذه صفة أهله فمن كان كذلك فقد تعرض للمقت وصد عن سواء السبيل. وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى، انتهى والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 144
[فائدة]
كلما قويت حاجة الناس إلى الشيء ومعرفته يسر الله أسبابه كما ييسر ما كانت حاجتهم إليه في أبدانهم أشد.
فلما كانت حاجتهم إلى النفس والهوى أعظم منها إلى الماء كان مبذولاً لكل احد في كل وقت.
ولما كانت حاجتهم إلى الماء أكثر من حاجتهم إلى القوت كان وجود الماء أكثر لذلك.
فلما كانت حاجتهم إلى معرفة الخالق أعظم كانت آياته ودلائل ربوبيته وقدرته وعلمه ومشيئته وحكمته أعظم من غيرها.
ولما كانت حاجتهم إلى معرفة صدق الرسل بعد ذلك أعظم من حاجتهم إلى غير ذلك.
أقام الله من دلائل صدقهم وشواهد نبوتهم وحسن حال من اتبعهم وسعادته ونجاته وبيان ما يحصل له من العلم النافع والعمل الصالح.
وقبح حال من خالفهم وشقاوتهم وجهله وظلمه ما يظهر لمن تدبر ذلك ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ [النور: ٤٠] .
وختامًا فالواجب على الإنسان المبادرة إلى الأعمال الصالحة وأن ينتهز فرصة الإمكان قبل هجوم هادم اللذات.
وأن يستعين بالله ويتوكل عليه ويسأله العون في تيسير الأعمال الصالحة وصرف الموانع الحائلة بينه وبينها.
وليحرص على حفظ القرآن، وتدبره، وتفهمه، والعمل به، وكذلك السنة، ويحرص على أداء الصلاة في جماعة.
стр. 145
ويحرص على مجالس الذكر، ويحفظ لسانه عن الغيبة والنميمة والسعاية والكذب وجميع الأعمال والأخلاق السيئة.
ويتهيأ للرحيل، ويتفقد نفسه بما عليه وما له فإن كان عنده حقوق لله كزكاة أو لخلقه كأمانات أو عواري أو وصايا أداها بسرعة خشية أن يفجاءه الموت وهي عنده.
فإذا لم تؤدها أنت في حياتك، فمن بعدك من أولاد أو إخوان يبعد اهتمامهم بذلك، لأنهم يهتمون ويشتغلون بما خلفته لهم وضيعت بسببه نفسك.
فالله الله البدار بالتفتيش على النفس، والمبادرة بالتوبة والإكثار من الاستغفار.
ومما يحثك على ذلك ذكر مرارة الموت الذي سماه رسول الله ﷺ هادم اللذات، وتذكر شدة النزع والتفكر في الموتى الذي حبسوا على أعمالهم ليجازوا بها فليس فيهم من يقدر على محو خطيئة، ولا على زيادة حسنة.
وعاد بعضهم مريضًا فقال له كيف تجد؟ \قال: هو الموت. قال له: وكيف علمت أنه الموت؟ قال: أجدني اجتذب اجتذابًا، وكأن الخناجر في جوفي، وكأن جوفي تنور محمى يتلهب.
قال له: فاعهد (أي أوصى) ، قال: أرى الأمر أعجل من ذلك فدعا بدواة وصحيفة قال: فو الله ما أتى بها حتى شخص بصره فمات.
وقال إبراهيم بن يزيد العبدي: أتاني رياح القيسي فقال: يا أبا إسحاق انطلق بنا إلى أهل الآخرة نحدث بقربهم عهدًا.
فانطلقت معه، فأتى المقابر فجلسنا إلى بعض تلك القبور، فقال: يا أبا إسحاق ما ترى هذا متمنيًا لو منء، قلت: أن يرد والله إلى الدنيا فيستمتع من
следующие страницы →