Полный текст (1 102 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الأكبر يوم الرجف والزلزال، واغفر لنا ولوالدينا، ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصل الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
وصايا وفوائد ومواعظ وآداب
أوصى بعضهم، فقال إذا عصيت الله بموضع بأن حصل منك ذنب فاعمل في ذلك الموضع طاعة كاستغفار وذكر لله ونحو ذلك فكما يشهد عليك يشهد لك.
قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] . وكلما تذكرت ذنبًا صدر منك فتب عقب ذكرك إياه توبة نصوحًا وأكثر من الاستغفار.
قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] .
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] . وقال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [النساء: ١١٠] .
احرص على أن تنوي فعل الخير، وإذا حدثتك نفسك بشر فاعزم على تركه لله.
فعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: قال: الله : «إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل، فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها» . ومما أوصى به بعضهم قال عليك بذكر الله قائمًا وقاعدًا وعلى جنبك في السر والعلانية وفي الملا.
стр. 72
قال الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] . وقال: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٣٥] . وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] .
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُواْ اللهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥] .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يقول الله : «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبرًا، تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» .
احرص على صيانة الوقت وثابر على إتيان جميع ما يقربك إلى الله من الأعمال وبالأخص الإكثار من كلمة الإخلاص وهي لا إله إلا الله.
واعلم أنها كلمة التوحيد والتوحيد لا يماثله شيء، وهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وهي كلمة الحق، ودعوة الحق.
وهي أعلا كلمة وأشرف كلمة وأحسن كلمة وأفضل كلمة وأنجى كلمة وما أنعم الله على عبد نعمة أفضل من أن عرفه لا إله إلا الله وفهمه معناها ووفقه للعمل بمقتضاها وعليك بالقيام بما افترض الله عليك وملازمته على الوجه الأكمل الذي أمرك الله جل وعلا أن تقوم به.
قال الله جل وعلا: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] . وفي حديث سفيان بن عبد الله قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدًا غيرك قال: «قل آمنت بالله ثم استقم» . رواه مسلم.
وفي حديث ثوبان عن النبي ﷺ قال: «استقيموا ولن تحصوا واعلموا
стр. 73
أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» . وفي رواية للإمام أحمد "سددوا وقاربوا ولا يحافظ على الصلاة إلا مؤمن". وعليك بمراعاة أقوالك كما تراعي أعمالك فإن أقوالك من جملة أعمالك قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٢] .
وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] واحذر الإقامة بين أظهر الكفار فإن ذلك تشجيعًا للكفار وإهانة لدين الإسلام وإعلاء لكلمة الكفر.
قال النبي ﷺ : «أنا برئ من كل مسلم يقيم بَيْنَ أظهر المشركين لا ترآءى ناراهما» رواه أبو داود والترمذي. وقال ﷺ : «من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله» . رواه أبو داود.
وعليك بتلاوة القرآن بتفهم وتدبر وتفكر ونظر فيما تتلوه إلى ما حمد فيه من النعوت والصفات التي وصف الله جل وعلا بها من أحبه من عباده فاتصف بها.
وما ذمه الله في القرآن من الصفات فاجتنبها فإن الله جل وعلا ما أنزلها في كتابه وذكرها لك وعرفك بها إلا لتعمل بها.
فإذا قرأت القرآن فاجمع قلبك وحضره وفكر فيما تتلو وما أشكل عليك فطالع معناه في التفسير إن كنت تحسن ذلك وإلا فأسأل أهل الذكر.
قال الله جل وعلا وتقدس: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] . ولا أفضل من تلاوة كلام الله فأفضل الكلام كلام الملك العلام جل وعلا وتقدس.
وكل ذكر ورد فضله في خبر أو أثر فهو بعد كلام الله فالتسبيح
стр. 74
والتهليل والتكبير والتحميد بعد التلاوة وبعدهن الصلاة على رسول الله ﷺ . وعليك بمجالسة من تنتفع بمجالسته في دينك من علم تستفيده أو عمل يكون فيه أو خلق حسن يكون عليه تكسبه من صحبته.
وعليك بالبذاذة فإنها من الإيمان وهي ترك الزينة وعدم الترفه ورثاثة الهيئة والرضا بالدون من الثياب لما ورد في الحديث: «إن البذاذة من الإيمان» وفي الحديث الآخر: «إن الله يحب المتبذل الذي لا يبالي ما لبس» وفي الحديث الآخر: «ومن ترك لبس ثوب جمال وهو يقدر عليه -أحسبه قال تواضعًا- كساه الله حلة الكرامة» رواه أبو داود. ومن يرتضي أدنى اللباس تواضعًا سيكسى الثياب العبقريات في غد.
اللهم يا حي يا قيوم طهر قلوبنا من النفاق وعملنا من الرياء وألسنتنا من الكذب وأعيننا من الخيانة إنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وأغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصل الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[فائدة عظيمة النفع]
اعلم أن من كان داؤه المعصية، فشفاؤه الطاعة، ومن كان داؤه الغفلة، فشفاؤه اليقظة، ومن كان داؤه كثرة الأشغال، فشفاؤه في تفريغ المال.
فمن تفرغ من هموم الدنيا قلبه، قل تعبه، وتوفر من العبادة نصيبه، واتصل إلى الله مسيره، وارتفع في الجنة مصيره، وتمكن من الذكر والفكر والورع والزهد والاحتراس من وساوس الشيطان، وغوائل النفس.
ومن كثر في الدنيا همه، أظلم طريقه، ونصب بدنه، وضاع وقته، وتشتت شمله، وطاش عقله، وانعقد لسانه عن الذكر، لكثرة همومه وغمومه،
стр. 75
وصار مقيد الجوارح عن الطاعة، من قلبه في كل واد شعبة، ومن عمره لكل شغل حصة.
فاستعذ بالله من فضول الأعمال والهموم فكل ما شغل العبد عن الرب فهو مشئوم، ومن فاته رضى مولاه فهو محروم، كل العافية في الذكر والطاعة، وكل البلاء في الغفلة والمخالفة، وكل الشفاء في الإنابة والتوبة، وانظر أو أن طبيبًا نصرانيًا نهاك عن شرب الماء البارد لأجل مرض في جسدك لأطعته في ترك ما نهاك عنه، وأنت تعلم أن الطبيب قد يصدق وقد يكذب وقد يصيب وقد يخطئ وقد ينصح وقد يغش، فما بالك لا تترك ما نهاك عنه أنصح الناصحين وأصدق القائلين وأوفى الواعدين لأجل مرض القلب الذي إذا لم تشف منه فأنت من أهلك الهالكين.
تَْغِي الوُصُولَ بِسَيْرَ فِيه تَقْصِيْرُ … لَا شَكَّ أَنَّكَ فِيْمَا رُمْتَ مَغْرِوْرُ
قَدْ سَارَ قَبْلَكَ أَبْطَالُ فَمَا وَصَلُوا … هَذا وَفِي سَيْرِهِم جِدٌ وَتَشْمِيْرُ
يَا مُدَّعِي الْحُبَّ فِي شَرْعِ الغَرامِ وَقَد … أَقَامَ بَيِّنَةً لَكِنَّهَا زُوْرُ
أَفْنَيْتَ عُمْرَكَ فِي لَهْوٍ وَفِي لَعِبٍ … هَذَا وَأَنْتَ بَعِيْدُ الدَّارِ مَهْجُوْرُ
لَوْ كَانَ قَلْبُكَ حَيًّا ذُبْتَ مِن كَمَدٍ … مَا لِلْجِرَاحِ بِجِسْمِ الْمَيْتِ تَأْثِيْرُ
وقال ابن القيم ﵀ إن الذي يحسم مادة رجاء المخلوقين من قلبك هو الرضى بحكم الله وقسمه لك.
فمن رضي بحكم الله وقسمه لم يبق لرجاء الخلق في قلبه موضع.
والذي يحسم مادة الخوف هو التسليم لله فإن من سلم لله واستسلم له وعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه.
وما أخطأه لم يكن ليصيبه وعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له لم يبق
стр. 76
لخوف المخلوقين في قلبه موضع أيضًا.
فإن نفسه التي يخاف عليها قد سلمها إلى وليها ومولاها وعلم أنه لا يصيبها إلا ما كتب لها.
وأن ما كتب لها لا بد أن يصيبها فلا معنى للخوف من غير الله.
والذي يحسم مادة المبالات بالناس شهود الحقيقة.
وهو رؤية الأشياء كلها من الله وبالله وفي قبضته وتحت قهره وسلطانه.
لا يتحرك منها شيء إلا بحوله وقوته ولا ينفع ولا يضر شيء إلا بإذنه ومشيئته فما وجه المبالات بالخلق.
اللهم إنا نسألك العافية في الدنيا والآخرة اللهم إنا نسألك العفو والعافية في ديننا ودنيانا وآخرتنا وأهلنا ومالنا اللهم استر عوراتنا وأمن روعاتنا واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال أحد العلماء: لا يكن هم أحدكم في كثرة العمل، ولكن ليكن همه في إحكامه وإتقانه، وتحسينه.
فإن العبد قد يصلي وهو يعصي الله في صلاته، وقد يصوم وهو يعصي الله في صيامه.
وقيل لآخر: كيف أصبحت فبكى، وقال أصبحت في غفلة عظيمة عن الموت مع ذنوب كثيرة قد أحاطت بي، وأجل يسرع كل يوم في عمري، وموئل لست أدري علاما أهجم ثم بكى.
وقال آخر: لا تغتم إلا من شيء يضرك غدًا (أي في الآخرة) ولا تفرح بشيء لا يسرك غدًا، وأنفع الخوف ما حجزك عن المعاصي، وأطال الحزن
стр. 77
منك على ما فاتك من الطاعة، وألزمك الفكر في بقية عمرك.
وقال آخر: عليك بصحبة من تذكرك الله رؤيته، وتقع هيبته على باطنك ويزيد في عملك منطقه.
ويزهدك في الدنيا عمله، ولا تعصي الله ما دمت في قربه، يعظك بلسان فعله ولا يعظك بلسان قوله.
قال إسرافيل: حضرت ذي النون المصري وهو في الحبس وقد دخل الشرطي بطعام له، فقام ذو النون فنفض يده (أي قبضها عن الطعام) .
فقيل له: إن أخاك جاء به، فقال: إنه على يدي ظالم، قال: وسمعت رجلاً سأله ما الذي أتعب العباد وأضعفهم؟
فقال: ذكر المقام وقلة الزاد، وخوف الحساب، ولم لا تذوب أبدان العمال وتذهل عقولهم، والعرض على الله جل وعلا أمامهم، وقراءة كتبهم بين أيديهم.
والملائكة وقوف بين يدي الجبار ينتظرون أمره في الأخيار والأشرار، ثم مثلوا هذا في نفوسهم وجعلوه نصب أعينهم.
وقال: سقم الجسد في الوجاع، وسقم القلوب في الذنوب، فكما لا يجد الجسد لذة الطعام عند سقمهن كذلك لا يجد القلب حلاوة العبادة مع الذنوب.
وقال: من لم يعرف قدر النعم، سلبها من حيث لا يعلم.
ما خلع الله على عبد خلعة أحسن ولا أشرف من العقل ولا قلده قلادة أجمل من العلم ولا زينة بزينة أفضل من الحلم وكمال ذلك التقوى.
وقال آخر: أدركت أقوامًا يستحيون من الله في سواد الليل من طول الهجعة، إنما هو على الجنب فإذا تحرك قال لنفسه: ليس لك قومي خذي
стр. 78
حظك من الآخرة.
وقال أبو هاشم الزاهد: إن الله وسم الدنيا بالوحشة، ليكن أنس المريدين به دونها، وليقبل المطيعون له بالإعراض عنها، وأهل المعرفة بالله فيها مستوحشون، وإلى الآخرة مشتاقون.
فتفكر يا أخي في ذلك عسى الله أن ينفعنا وإياك واستعن بالله واصبر واجتهد وشمر وبادر بالأعمال الصالحة قبل أن يحال بينك وبينها فلا تجد إليها سبيلاً.
وكن حذرا من مفاجأة الأجل فإنك غرض للآفات وهدف منصوب لسهام المنايا وإنما رأس مالك الذي يمكنك إن وفقك الله أن تشتري به سعادة الأبد هذا العمر.
إخواني المؤمن يتقلب في الدنيا على جمرات الحذر في نيران الخوف، يرهب العاقبة، ويحذر المعاقبة، فالخوف من النار متمكن من سويداء قلبه.
فإن هفا بأن حصل منه زلة توقدت في قلبه نار الندم، وإن تذكر ذنبًا إضطرمت نار الحزن في باطنه، وإن تفكر في مصيره ومنقلبه التهبت نار الحذر في قلبهن وصار لا يهنؤه طعام ولا شراب.
خُذْ مَا صَفَا لَكَ فَالْحَيَاةُ غُروْرُ … وَالْمَوتُ آَتٍ وَاللَّبِيْبُ خَبِيْرُ
لَا تَعْتِبَنَّ عَلَى الزَّمَانِ فَإِنَّهُ … فَلَكٌ عَلَى قُطْبِ الْهِلاكِ يَدورُ
تَعْفُو السُّطوْرُ إِذَا تَقَادَمَ عَهْدُهَا … وَالْخَلْقُ فِي رِقِّ الْحَيَاةِ سُطُوْرُ
كُلّ يَفرُ مِن الرَّدَى لِيَفُوتَهُ … وَلَه إِلَى مَا فَر مِنْهُ مَصِيْرُ
فَانْظُرْ لنَفْسُكَ فَالسَّلَامَة نُهْزَةٌ … وَزَمَانُهَا ضَافِي الْجَنَاحِ يَطِيْرُ
مِرْآةُ عَيْشِكَ بِالشَّبَابِ صَقِيْلَةٌ … وَجَناحُ عُمْرَك بِالْمَشِيْبِ كَسِيْرُ
стр. 79
بَادِرْ فَإِنَّ الوَقْتَ سَيْفٌ قَاطِعٌ … وَالعُمْرُ جَيْشٌ وَالشَّبَابُ أَسِيْرُ
والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
[فائدة عظيمة النفع]
قال بعض العلماء: ذكر الله تعالى في ابتداء الأقوال والأفعال أنسة من الوحشة وهداية من الضلال.
وحمده جل وعلا فرض لازم لكل أحد على كل حال لأنه أهل أن يحمد إن ابتلى، وإن منع، وإن أنال.
ففضله جل وعلا عم النساء والرجال والكهول والأطفال.
ولطف في قدره وقضائه بأهل أرضه وسمائه فلم يخل من لطفه سافل ولا عال.
اللهم يا من لا تمد الأيدي بالرغبة والمسألة إلا إليه، ولا يعول في كشف الشدائد والكروب في الدنيا والآخرة إلا عليه.
يا من كل الرغائب والمطالب لديه، وجميع المواهب لديه، ليس لضرنا سواك كاشف ولا على ضعفنا سواك عاطف.
المعافى من عافيته، فعافنا يا مولانا من موجبات سخطك وعقابك، والمهدي من هديته فأهدنا يا ربنا سبل الواصلين إلى مرضاتك.
بذكر الله تحيا القلوب من موت غفلتها فالله الله بالمداومة على ذكر الله سرًا وجهارًا ليلاً ونهارًا قيامًا وقعودًا ماشين ومضطجعين.
ذاكر الله لا يستطيع الشيطان في ظله مقيلا، ذاكر الله لا يجد الشيطان إلى إغوائه سبيلا، ذاكر الله لا يزال شيطانه مدحورًا ذليلا، ذاكر الله قد تكفل الله بحفظه وكيف يضيع من كان الله به كفيلا، بذكر الله تطمئن القلوب
стр. 80
وتحيا، قال الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] . وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] .
ذِكْرُ إِلَه الزَمْ هُدِيْتَ لِذِكْرِهِ … فِيْهِ الْقُلوبُ تَطِيْبُ وَالأفْوَاهُ
آخر:
وَالذِّكرُ فِيْهِ حَيَاةٌ لِلْقُلُوبِ كَمَا … تَحْيَا البِلَادُ إِذَا مَا جَاءَهَا الْمَطَرُ
اللهم إن نواصينا بيديك وأمورنا ترجع إليك وأحوالنا لا تخفي عليك، وأنت ملجؤنا وملاذنا، وإليك نرفع بثنا وحزننا وشكايتنا، يا من يعلم سرنا وعلانيتنا نسألك أن تجعلنا ممن توكل عليك فكفيته واستهداك فهديته وهب لنا من فضلك العظيم وجد علينا بإحسانك العميم، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[فوائد ومواعظ]
أعلم يا أخي أن الناس عند الموت ثلاثة أقسام: الأول: ذو بصيرة علم أن الإنسان وإن طال عمره في الدنيا فهو كخطفة برق لمعت في السماء ثم عادت للاختفاء.
فلا يثقل على العاقل اللبيب الخروج من الدنيا إلا بقدر ما يفوته من خدمة ربه ، والازدياد من ما يقربه إليه، والإشفاق مما يقول أو يقال له.
كما قال بعضهم لما قيل له لم تجزع قال: لأني أسلك طريقًا لم أعهده، وأقدم على ربي جل وعلا ولا أدري ما أقول وما يقال لي.
стр. 81
ومثل هذا الشخص لا ينفر من الموت بل إذا عجز عن العبادة ربما اشتاق إليه.
وقال بعضهم في مناجاته: إلهي إن سألتك الحياة في دار الممات فقد رغبت في البعد عنك، وزهدت في القرب منك.
فقد قال نبيك وصفيك ﷺ : «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» .
الثاني: رجل رديء البصيرة متلطخ السريرة منهمك في الدنيا منكر للبعث، قد رضي بالحياة الدنيا واطمأن بها ويئس من الآخرة.
فهذا مصيره كما ذكر الله: ﴿إَنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ [يونس: ٧] .
القسم الثاني: من خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا واعترفوا بذنوبهم وهؤلاء أيضًا مصيرهم كما ذكر الله، قال الله جل وعلا وتقدس: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢] .
ثم أعلم أن طول العمر محبوب ومطلوب إذا كان في طاعة الله، لقوله ﵊ «خيركم من طال عمره وحسن عمله» وكلما كان العمر أطول في طاعة الله، كانت الحسنات أكثر والدرجات أرفع.
وأما طوله في غير طاعة، أو في المعاصي، فهو شر وبلاء، تكثر السيئات، وتضاعف الخطيئات.
ومن زعم أنه يحب طول البقاء في الدنيا ليستكثر من الأعمال الصالحة المقربة إلى الله تعالى فإن كان مع ذلك حريصًا عليها ومشمرًا فيها ومجانبًا لما يشغل عنها من أمور الدنيا فهو بالصادقين أشبه.
стр. 82
وإن كان متكاسلاً عنها ومسوفًا فيها أي الأعمال الصالحة فهو من الكاذبين المتعللين بما لا يغني عنه.
لأن من أحب أن يبقى لأجل شيء وجدته في غاية الحرص عليه مخافة أن يفوته ويحال بينه وبينه.
ولا سيما والعمل الصالح محله الدنيا ولا يمكن في غيرها لأن الآخرة دار جزاء وليست بدار عمل.
فتفكر يا أخي في ذلك عسى الله أن ينفعنا وإياك واستعن بالله واصبر واجتهد وشمر وبادر بالأعمال الصالحة قبل أن يحال بينك وبينها فلا تجد إليها سبيلا.
وكن حذرًا من مفاجأة الأجل فإنك غرض للآفات وهدف منصوب لسهام المنايا وإنما رأس مالك الذي يمكنك إن وفقك الله أن تشتري به سعادة الأبد هذا العمر.
قال الله جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧] . فإياك أن تنفق أوقاته وأيامه وساعاته وأنفاسه فيما لا خير فيه ولا منفعة فيطول تحسرك وندمك وحزنك بعد الموت.
إِذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عُمْركَ فَاحْتَرِزْ … عَلَيْهِ مِن الإِنْفَاقِ فِي غَيْرِ وَاجِبٍ
قال محمد بن القاسم خادم محمد بن أسلم قال محمد بن أسلم:
مَا لِي وَلِهَذَا الْخَلْق كنت فِي صلب أبي وحدي … ...
ثم صرت في بطن أمي وحدي … ...
ثم دخلت الدنيا وحدي … ...
ثم تقبض روحي وحدي … ...
стр. 83
ثم أدخل في قبري وحدي … ...
ثم يأتيني منكر ونكير فيسألاني وحدي … ...
فإن صرت إلى خير صرت وحدي … ...
ثم يوضع عملي وذنوبي في الميزان وحدي … ...
وإن بعثت إلى الجنة بعثت وحدي … ...
فما لي وللناس؟!! … ...
ثم تفكر ساعة فوقعت عليه الرعدة حتى خشيت أن يسقط قال وسمعته يحلف كذا وكذا مرة يقول: لو قدرت أن أتطوع حيث لا يراني ملكاي لفعلت.
ولكني لا أستطيع ذلك خوفًا من الرياء.
وكان يدخل بيته ويغلق بابه ويدخل معه كوزًا من ماء فلم أدري ما يصنع.
حتى سمعت ابنًا له صغيرًا يحكى بكاءه فنهته أمه فقلت لها: ما هذا البكاء؟
فقالت: إن أبا الحسن يدخل هذا البيت فيقرأ القرآن ويبكي فيسمعه الصبي فيحكيه (أي يقلده) .
وكان إذا أراد أن يخرج غسل وجهه واكتحل لئلا يرى عليه أثر البكاء.
بلغ يا أخي الذين يذكرون أعمالهم للناس من حج وصدقة وصيام رياء وسمعة.
وكان يصل قومًا ويعطيهم ويكسوهم فيبعث إليهم ويقول للرسول: انظر أن لا يعلموا من بعثه إليهم ويأتيهم هو بالليل فيذهب به إليهم ويخفي نفسه.
стр. 84
ولا يعلمون من الذي أعطاهم ولا أعلم أنه وصل أحدًا بأقل من مائة درهم إلا أن يمكنه ذلك.
ودخلت عليه قبل موته بأربعة أيام فقال: يا أبا عبد الله أبشر بما صنع الله بأخيك من الخير قد نزل بي الموت وقد من الله علي أنه ليس عندي درهم يحاسبني الله عليه.
وقد علم ضعفي فإني لا أطيق الحساب، فلم يدع عندي شيئًا يحاسبني الله عليه ثم أغلق الباب ولا تأذن لأحد علي حتى أموت.
واعلم أني أخرج من الدنيا وليس أدع ميراثًا غير كسائي، وإنائي الذي أتوضأ فيه وكتبي.
وكانت معه صرة فيها نحو ثلاثين درهما، فقال: هذا لابني أهداه إليه قريب له ولا أعلم شيئًا أحل لي منه لأن النبي ﷺ قال: «أنت ومالك لأبيك» .
فكفنوني منها وابسطوا على جنازتي لبدي وغطوا علي بكسائي وتصدقوا بإنائي أعطوه مسكينًا يتوضأ منه ثم مات باليوم الرابع ﵀.
٤- موعظة
كان السلف ﵏ ومن سار على نهجهم من الخلف احرص الناس على حفظ الوقت، وتعبيته بالأعمال الصالحة سواء في ذلك العالم، وطالب العلم، والعابد.
وكانوا يقتدي بعضهم ببعض ويوصي أحدهم الآخر على صيانته وملئه بالخير وكانوا يسابقون الساعات، ويبادرون اللحظات، حرصًا منهم على الوقت، وأن لا يذهب هدرًا.
стр. 85
لعلمهم أنه يمر مر السحاب ويجري جري الريح.
قيل إن نوحًا عليه وعلى نبينا محمد أفضل الصلاة والسلام جاء ملك الموت ليقبض روحه بعد ألف سنة أو أقل أو أكثر الله أعلم.
فسأله ملك الموت قال له يا أطول الأنبياء عمرًا كيف وجدت الدنيا فقال كدارٍ لها بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر.
قال الله جل وعلا وتقدس: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥] .
وقال ﵎: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦] .
وقال ﵎ وتقدس: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥] .
ومن خصائص الوقت أن كل ساعة أو يوم أو لحظة تمر ليس يمكن استرجاعها.
وقال الحسن البصري ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي يا ابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فتزود مني فإني إذا مضيت لا أعود.
وَمَا الْمَرْءُ إِلاَّ رَاكِبٌ ظَهْرَ عُمْرِه … عَلَى سَفَرٍ يُفِنْيِه بِاليَوْمِ وَالشَّهْرِ
يَبِيْتُ وَيُضْحِى كَل يَومٍ وَلَيْلَةٍ … بَعِيْدًا عَنْ الدُّنْيَا قَرَيْبًا إِلَى القَبْرِ
فالذي ينبغي للإنسان أن يحافظ على وقته أعظم من محافظته على ماله، وأن يحرص على الاستفادة منه في كل لحظة فيما ينفعه في دينه وفي دنياه، مما هو وسيلة إلى الدار الآخرة.
قال عمر بن عبد العزيز إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما.
стр. 86
وقال حكيم من أمضى يومًا من عمره في غير حق قضاه، أو فرض أداه، أو مجد أثله، أو حمد حصله، أو خير أسسه، أو علم اقتبسه، فقد عق يومه وظلم نفسه.
والذي يعين على اغتنام الزمان، العزلة مهما أمكن، إلا لضرورة، أو حاجة لمن يلقاه، أو يزوره، وقلة الكل.
لأن كثرته تكسل البدن، وسبب للنوم الطويل، وضياع الليل، وفوات التهجد، أو تقليله. والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
[فصل]
ولقد كانت همم السلف عالية يدل عليها كثرة مصنفاتهم التي هي خلاصة أعمارهم.
وقد أمر الله باستباق الخيرات والمسارعة إليها قبل أن تشغل عنها الشواغل أو تعوق العوائق.
قال الله جلا وعلا: ﴿فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] .
وقال عز من قائل: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] .
وقال جل وعلا: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١] .
ومدح الصالحين من أهل الكتاب بأنهم ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٤] .
وقد حث النبي ﷺ على المبادرة بالعمل قبل حلول العوائق والفتن.
стр. 87
فقال: «هل تنتظرون إلا غنى مطغيًا أو فقر منسيًا أو مرضًا مفسدًا أو هرمًا مفندًا أو موتًا مجهزًا أو الدجال فشر غائب ينتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمر» . رواه الترمذي.
وقال ابن القيم ﵀ وعمارة الوقت الاشتغال في جميع آنائه بما يقرب إلى الله تعالى أو يعين على ذلك من مأكل ومشرب أو منكح أو منام أو راحة.
فإن متى أخذها بنية القوة على ما يحبه الله وتجنب ما يسخطه كانت من عمارة الوقت.
وغن كان له فيها أتم لذة فلا تحسب عمارة الوقت بهجر اللذات والطيبات المباحة.
قال بعض العلماء أغلق باب التوفيق عن الخلق من ستة أشياء.
انشغالهم بالنعمة عن شكرها.
ورغبتهم في العلم وتركهم العمل.
وإقبال الآخرة وهم معرضون عنها.
والاغترار بصحبة الصالحين وترك الاقتداء بفعالهم.
وإدبار الدنيا عنهم وهم يتبعونها.
والمسارعة إلى المعاصي والذنوب وتأخير التوبة.
وَكَمْ ذِيْ مَعَاصٍ نَالَ مِنْهُنَّ لَذَّةً … وَمَاتَ وَخضلاَّهَا وَذَاقَ الدَّوَاهِيَا
تَصَرَّمُ لذات المعاصي وتنقضي … وتبقى تباعات المعاصي كما هيا
فَيَا سَوْءَتَا وَاللهِ رَاءٍ وَسَامِعٌ … لِعَبْدٍ بِعَيْنِ اللهِ يَغْشَى الْمَعَاصِيَا
стр. 88
آخر:
تَوَارَىْ بِجِدْرَانِ الْبِيوتِ عَن الوَرَى … وَأَنْتَ بعَيْنِ اللهِ لَا شَكَّ تُنْظَرُ
وقال آخر: إن لله عبادًا جعلوا ما كتب عليهم من الموت مثالاً بين أعينهم وقطعوا الأسباب المتصلة بقلوبهم من علائق الدنيا فهم أنضاء عبادته حلفاء طاعته.
قد أنضجوا خدودهم بوابل دموعهم وافترشوا جباههم في محاريبهم يناجون ذا الكبرياء والعظمة في فكاك رقابهم.
ومر إبراهيم بن أدهم برجل يتحدث فيما لا يعنيه فوقف عليه فقال كلامك هذا ترجو به الثواب.
قال لا فقال أفتأمن عليه العقاب قال لا.
قال فما تصنع بكلام لا ترجو عليه ثوابًا وتخاف منه عقابًا.
قال بعضهم لو بعت لحظة من إقبالك على الله بمقدار عمر نوح في ملك قارون لكنت مغبونًا في العقد.
قال سفيان الثوري دخلت على جعفر الصادق فقلت له ما لي أراك سكنت دارك ولا تخالط الناس.
فقال نعم يا ابن سعيد في العزلة دعة وفي الدعة القناعة وما قدر لك يأتيك.
يا سفيان فسد أهل الزمان وتغير الأصدقاء فرأيت الانفراد أسكن للفؤاد. والله أعلم وصل الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 89
(فصل)
أعلم أن قصر الأمل ديدن العلماء العاملون المتقون الورعون المبعدون عن التكالب على الدنيا الزاهدون في حطامها الفاني وكذلك أرباب القلوب الواعية وإن لم يكونوا علماء يقصرون أملهم ويحتقرون الدنيا ويعلمون أنها زائلة عكس ما عليه أكثر أهل الزمان عبيد الدنيا للبطون والفروج.
قال ﷺ : «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع» . رواه مسلم.
وعن ابن عمر ﵄ قال أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: «كن في الدنيا كَأَنَّكَ غريب أو عابر سبيل» وكان ابن عمر ﵄ يقول إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك. رواه البخاري.
قالوا في شرح هذا الحديث معناه لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطنًا ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها ولا تشتغل فيها إلا بما يشتغل به الغريب فقط الذي يريد الذهاب إلى أهله، وأحوال الإنسان ثلاث: حال لم يكن فيها شيئًا وهي قبل أن يوجد.
وحال أخرى وهي من ساعة موته إلى ما لا نهاية له في البقاء السرمدي فإن لنفسك وجود بعد خروج الروح من البدن إما في الجنة وإما في النار وهو الخلود الدائم وبين هاتين الحالتين حالة متوسطة وهي أيام حياته في الدنيا فانظر إلى مقدار ذلك بالنسبة إلى الحالتين يتبين لك أنه أقل من طرفة عين في مقدار عمر الدنيا.
ومن رأى الدنيا بهذه الصفة وبهذا التفكير السليم لم يلتفت إليها ولم
стр. 90
يبالي كيف انقضت أيامه بها في ضرر وضيق أو سعة ورخاء ورفاهية ولهذا لم يضع النبي ﷺ لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة.
وقال عيسى ﵇ الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها هذا مثل واضح فإن الدنيا معبر إلى الآخرة والمهد هو الركن الأول على أول القنطرة واللحد هو الركن الثاني على آخر القنطرة.
شعرًا:
يَا غَافِلَ الْقَلْبِ عَنْ ذِكْرِ الْمَنَيَّاتِ … عَمَّا قَلِيْل سَتُلْقَى بَيْنَ أَمْوَاتِ
فَاذْكُر مَحَلَّكَ مِن قَبْل الْحُلُولِ بِهِ … وَتُبْ إِلَى الله مِنْ لَهْوٍ وَلَذَّاتِ
إِنَّ الْحَمَامَ لَهُ وَقْتٌ إِلَى أَجَلٍ … فَاذْكُرْ مَصَائِبَ أَيَّامٍ وَسَاعَاتِ
لَا تَطْمَئِنَّ إِلَى الدُّنْيَا وَزِيْنَتَهَا … قَدْ آنَ لِلمَوْتِ يَا ذَا اللَبِّ أَنْ يِأْتِي
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فصل)
ومن الناس من قطع نصف القنطرة ومنهم من قطع ثلثها ومن الناس من قطع الثلثين ومنهم من قطع ثلاثة أرباع المسافة ومنهم من لم يبق له إلا ثمن المسافة ومنهم من لم يبق له إلا خطوة واحدة وهو غافل عنها وكيف ما كان فلابد من العبور فمن وقف يبني على القنطرة ويزينها وهو يستحث على العبور عليها فهو في غاية الجهل والحمق والسفه.
وروي عن الحسن قال بلغني عن رسول الله ﷺ : «أنه قال إنما مثلي ومثلكم ومثل الدنيا كمثل قوم سلكوا مفازة غبراء حتى إذا لم يدروا ما سلكوا منها أكثر أو ما بقي أنفذوا الزاد وخسروا الظهر وبقوا بَيْنَ ظهراني
стр. 91
المفازة لا زاد ولا حمولة فأيقنوا بالهلكة فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رجل في حلة يقطر رأسه فقالوا أن هذا قريب عهد بريف وما جاء هذا إلا من قريب فلما انتهى إليهم قال يا هؤلاء علام أنتم قالوا على ما ترى قال أرأيتكم إن هديتكم إلى ماء رواء ورياض خضر ما تعملوا قالوا لا نعصيك شيئًا قال عهودكم ومواثقكم بالله فأعطوه عهودهم ومواثيقهم بالله لا يعصونه شيئًا قال فأوردهم ماء ورياضًا خضراء فمكث فيهم ما شاء الله ثم قال يا هؤلاء الرحيل قالوا إلى أين قال إلى ماء ليس كمائكم وإلى رياض ليست كرياضكم فقال أكثر القوم والله ما وجدنا هذا حتى ظننا أن لن نجده وما نصنع بعيش خير من هذا وقالت طائفة ألم تعطوا هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم بالله لا تعصوه وقد صدقكم في أول حديثه فو الله ليصدقنكم في آخره قال فراح فيمن اتبعه وتخلف بقيتهم فنزل بهم عدو فأصبحوا من بَيْنَ أسير وقتيل» .
وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال «ما حق امرء مسلم له شيء يوصى فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» . متفق عليه.
وعن أنس ﵁ قال خط النبي ﷺ خطًا مريعًا وخط خطًا في الوسط خارجًا منه وخط خططًا صغارًا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه فقال هذا الإنسان وهذا أجله محيط به –أو قد أحاط به. وهذا الذي هو خارج أمله وهذه الخطط الصغار الأعراض فإن أخطاه هذا نهشه هذا وإن أخطاه هذا نهشه هذا رواه البخاري.
وَالْمَرْءُ يَبْلَيِه فِي الدُّنْيَا وَيَخْلقُهُ … حِرْصٌ طَوِيْلٌ وَعُمْرُ فِيْه تَقْصِيْرُ
يَطَوِّقُ النَّحْرِ بِالآمالِ كَاذِبَةً … وَلَهْذَمُ الْمَوْتِ دُوْنَ الطَّوْق مَطْرُوْرُ
стр. 92
جَذْلَانَ يَبْسِمُ فِي أَشْرَاكِ مِيْتَتِه
ِ … إِنْ أَفْلَتَ النَّابُ أَرْدَتْهُ الأَظَافِيْرُ
وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء. رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
وقال ﷺ "مالي وللدنيا أنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة في يوم صائف ثم راح وتركها".
وفي صحيح مسلم من حديث المستورد بن شداد قال قال رسول الله ﷺ "ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في أليم فلينظر بم يرجع" وأشار بالسبابة.
وليس العجب من انهماك الكفرة في حب الدنيا والمال فإن الدنيا جنتهم وإنما العجب أن يكون المسلمون يصل حب المال والدنيا في قلوبهم إلى حد أن تذهل عقولهم وأن تكون الدنيا هي شغلهم الشاغل ليلاً ونهارًا وهم يعرفون قدر الدنيا من كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ أليس كتاب الله هو الذي فيه ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] .
ويقول: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً﴾ [الإسراء: ١٩] .
وتقدمت الأحاديث عن النبي ﷺ المبينة لحقارة الدنيا وليس المعنى أن نترك الدنيا ونبقى جياعًا عارين محتاجين بل معناه أن لا نجعلها مقصدًا كما جعلها الكفار بل نجعل الدنيا وما فيها وسيلة إلى تلك الحياة الأبدية فنكون
стр. 93
من الفريق الذي يحب المال لأجل الآخرة.
وقد كان على هذا المبدأ الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وكذلك التابعون لهم اتخذوا الدنيا مطية للآخرة فسادوا بها أهل الدنيا ولما تخلفنا عنهم في هذا المبدأ وجعلنا المال هو المقصد سكنًا إلى الدنيا وأحببنا الحياة ولذائذها والداهية العظيمة هي أنا ضربنا بالذل.
ولذلك قال النبي ﷺ : «إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض» . رواه البخاري ومسلم.
وقال ﷺ : «فو الله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم» . متفق عليه.
اللهم إنا ظلمنا أنفسنا فاغفر لنا ذنوبنا وهب لنا تقواك واهدنا بهداك، ولا تكلنا إلى أحد سواك، واجعل لنا من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا.
اللهم أعذنا بمعافاتك من عقوبتك، وبرضاك من سخطك، واحفظ جوارحنا من مخالفة أمرك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 94
(فصل)
فائدة نفيسة قال أحد العلماء رحمه الله تعالى أعلم أن الدنيا رأس كل خطيئة كما قال ﷺ وقد صارت عدوة لله وعدوة لأوليائه وعدوة لأعدائه، أما عداوتها لله تعالى فلأنها قطعت الطريق بينه وبين أوليائه.
ولهذا فإنه لم ينظر إليها منذ خلقها، وأما عداوتها لأوليائه فلأنها تزينت لهم بزينتها وغمرتهم بزهرتها وتزهت لهم بنضارتها حتى تجرعوا مرارات الصبر في مقاطعتها وتحملوا المشاق في البعد منها.
وأما عداوتها لأعدائه فلأنها استدرجتم بمكرها ومكايدها واقتنصتهم بحبائلها وأقصدتهم بسهامها حتى وثقوا بها وعولوا عليها.
فخذلتهم أحوج ما كانوا إليها وغدرت بهم أسكن ما كانوا إليها فاجتنوا منها حسرة تنقطع دونها الأكباد. وحرمتهم السعادة الأخروية على طول الآماد فانتبه يا من اغتر بها قبل أن يصيبك مثل ما أصاب المغترين بها.
وقال بعض العارفين إذا كان أبونا آدم بعد ما قيل له أسكن أنت وزوجك الجنة صدر منه ذنب واحد فأمر بالخروج من الجنة فكيف نرجوا دخولها مع ما نحن مقيمون عليه من الذنوب المتتابعة والخطايا المتواترة.
كان أبو الفتح المنهى قد برع في الفقه وتقدم عند العوام وحصل له مال كثير ودخل بغداد وفوض إليه التدريس بالنظامية وأدركه الموت بهمدان.
فلما دنت وفاته قال لأصحابه أخرجوا فلما خرجوا عنه جعل يلطم وجهه ويقول "يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله" ويقول لنفسه موبخًا لها يا أبا الفتح ضيعت العمر في طلب الدنيا وتحصيل المال والجاه والتردد إلى
стр. 95
السلاطين وينشد هذين البيتين:
عَجِبْتُ لأَهَلِ العِلم كَيْفَ تَغَافُلُوا … يَجُرُوْنَ ثَوْبَ الْحَرْصِ حَوْلَ الْممالِكِ
يَدُوْرُوْنَ حَوْلَ الظَّالِمِيْنَ كَأَنَّهُم … يَطُوْفُونَ حَوْلَ الْبَيْتِ وَقْتَ الْمَنَاسِكِ
أرسل عثمان بن عفان ﵁ مع عبد له كيسًا من الدراهم إلى أبي ذر ﵁ وقال لعبده إن قبل هذا أبو ذر فأنت حر أي عتيق فأتى بالكيس إلى أبي ذر وألح عليه في قبوله فلم يقبل فقال الغلام لأبي ذر إنه علق عتقي على قبولك هذا الكيس فقالوا أبو لكن في قبوله رقي.
هذه القصيدة الشيبانية عدلنا فيها بعض أبيات وكان بعضها في شيء لا يصلح.
سَأَحْمِدُ رَبِّي طَاعَةً وَتَعَبُّدًا … وَانْظِمُ عَقْدًا فِي العَقِيْدَةِ أَوْحَدَا
وَأَشْهَدُ أَنَّ اللهَ لَا رَبَّ غَيْرَه … تَعَزَّزَ قِدْمًا بِالْبَقَاء وَتَفرَّدًا
هُوَ الأَوَّلُ المُبْدِى بِغَيْرِ بِدَايَةٍ … ولا بعده شَيْءٌ علا وتوحَدَا
سمِيعٌ بَصِيرٌ عَالِمٌ مُتَكَلِّمٌ … قَدِيرٌ يُعِيدُ الْعَالَمِينِ كَمَا بَدَا
مُرِيدٌ أَرَادَ الْكَائِنَاتِ لِوَقْتِهَا … قَدير فَأَنْشَا ما أَرَادَ وَأَوْجَدَا
إِلَه عَلَى عَرْشِ السَّمَاءِ قَدِ اسْتَوَى … وَيَايَنَ مَخْلُوقاتِهِ وَتَوَحَّدَا
إِذَا الْكَوْنُ مَخْلُوقٌ وَرَبي خَالِقٌ … لَقَدْ كَانَ قَبْلَ الْكَوْنِ رَبًّا وَسَيِّدَا
وَلَيْسَ كَمِثْلِ الله شَيْءٌ وَلَا لَهُ … شَبيهٌ تَعَالى رَبُّنَا وتَوحَّدَا
وَمَنْ قَالَ في الدُّنْيا يَرَاهُ بِعَيْنِهِ … فَذَلِكَ زِنْديقٌ طَغى وَتَمَرَّدَا
وَخَالَفَ كُتْبَ الله وَالرُّسْلَ كُلَّهُمْ … وَزَاغَ عَن الشَّرْعِ الشَّرِيف وَأَبْعَدَا
وَذَلِكَ مِمَّنْ قَالَ فِيهِ إِلهُنَا … يَرَى وَجْهُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَسْوَدَا
стр. 96
وَلَكِنْ يَرَاهُ فِي الجِنَانِ عِبادُهُ … كما صَحَّ فِي الأَخْبَارِ نَرْوِيهِ مُسْنَدَا
وَنَعْتَقِدُ الْقُرْآنَ تَنْزِيلَ رَبَّنَا … بِهِ جاءَ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ (مُحَمَّدَا)
وَأَنْزَلَهُ وَحْيًا إِليْهِ وَأَنَّهُ … هُدَى الله يَا طُوبى بِهِ لِمَنْ اهْتَدَى
كلام كريم مُنْزَلٌ من إلهنا … بِأَمْرٍ وَنَهْيٍ وَالدَّلِيلُ تَأَكَّدَا
كَلَامُ إِلهِ الْعَالَمِينَ حَقِيقَة … فَمَنْ شَكَّ فِي هَذا فَقَدْ ضَلَّ وَاعْتَدَى
وَمِنْهُ بَدَا قَوْلاً وَلَا شَكَّ انهُ … يَعُودُ إِلَى الْرَّحْمنِ حَقًا كما بَدَا
فَمنْ شَكَّ فِي تَنْزِيلِه فَهْوَ كافِرٌ … وَمَْ زَادَ فِيْهِ قَدْ طَغَى وَتَمَرَّدَا
وَمَنْ قالَ مَخْلُوقُ كَلَامُ إِلهِنَا … فَقَدْ خَالَفَ الإِجْمَاعَ جَهْلاً وَأَلْحَدَا
وَنُؤْمِنُ بِالْكُتُبِ الَّتِي هِيَ قَبْلَهُ … وَبِالْرُّسُلِ حَقَّا لَا نُفَرِّقُ كالْعِدَا
وَإِيمَانُنَا قَوْلٌ وَفِعْلٌ وَنِيِّةٌ … وَيَزْدَادُ بِالتَّقْوَى وَيَنْقُصُ بِالرَّدَى
فَلَا مَذْهَبَ التَّشْبِيِه نَرْضَاهُ مَذْهَبًا … وَلَا مَقْصدَ التَّعْطِلِ نَرْضَاهُ مَقْصِدَا
وَلَكِنْ بِالقُرْآنِ نَهْدِي وَنَهْتَدِي … وَقَدْ فَازَ بِالقُرْآنِ عَبْدٌ قَدْ اهْتَدَى
وَنُؤْمِنُ أَنْ الخَيرَ وَالشَّرَ كُلَّهُ … مِنَ الله تَقْدِيرًا عَلَى العَبْدِ عُدِّدَا
فَمَا شَاءَ رَبُّ العَرْشِ كَانَ كَمَا يَشَا … وَمَا لَمْ يَشَا لَا كَانَ فِي الْخَلْقِ مَوْجُدَا
وَنُؤْمِنُ أَنَّ المَوْتَ حَقٌّ وَأَنَّنَا … سَنُبْعَثُ حَقًّا بَعْدَ مَوْتِنَا غَدَا
وَأَنَّ عَذَابَ الْقَبْرَ حَقٌّ وَأَنَّهُ … عَلَى الْجِسْمِ وَالرَّوحِ الذِّي فِيهِ أَلْحِدَا
وَمُنْكَرُهُ ثُمَّ النَّكِيرُ بِصُحْبَةِ … هُما يَسْألَانِ الْعَبْدَ فِي الْقَبْرِ مَقْعَدَا
وَمِيْزَانُ رَبِّي وَالصِّرَاطُ حَقِيقَةً … وَجََّتُهُ وَالنَّارُ لَمْ يُخْلَقَا سُدَى
وَأَنَّ حِسَابَ الخَلْقِ حَقٌّ أَعَدَّهُ … كَمَا أَخْبَرَ القُرْآنُ عَنْهُ وَشَدَّدَا
وَحَوْضُ رَسُولِ الله حَقًّا أَعَدَّهُ … لَهُ الله دُونَ الرُّسلِ مَاءً مُبَرْدَا
стр. 97
وَيَشْرَبُ مِنْهُ الْمُؤْمِنونَ وَكِلُّ مَنْ … سُقِي مِنْهُ كَأَسًا لَمْ يَجِدْ بَعْدَهُ صدَا
أَبارِيقُهُ عَدُّ النُّجُومِ وَعَرْضُهُ … كَبُصْرَى وَصَنْعًا فِي المَسَافَةِ حُدِّدَا
وَأَنَّ رَسُولَ الله أَفْضَلُ مَنْ مَشَى … عَلَى الأَرْضِ مِنْ أَوْلَادِ آدَمَ أَو غَدَا
وَأَرْسَلَهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ رَحْمَةً … إِلَى الثَّقَلَيْنِ الإِنْسِ وَالْجِنِّ مُرْشَدَا
وَأْسَرى بِهِ لَيْلًاً إِلَى الْعَرْشِ رِفْعَةً … وَأَدَْاهُ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنَ مُصْعِدَا
وَخَصَّصَ ُموسى رَبُّنَا بِكَلَامِهِ … عَلَى الطورِ نَادَاهُ وَأَسْمَعَهُ النَّدَا
وَكِلُّ نَبِي خَصَّهُ بِفَضِيلَةٍ … وَخَصَّصَ بالقرآن رَبِّي مُحَمَدَا
وَأَعْطَاهُ فِي الحَشْرِ الشَّفَاعَةَ مِثْلَ ما … رُوِي في الصَّحِيحَيْنِ الحَدِيثُ وَأَسْنِدَا
فَمَنْ شَكَّ فيْهَا لَمْ يَنَلْهَا وَمَنْ يَكُنْ … شَفِيْعًا لَهُ قَدْ فَازَ فَوْزًا وَأَسْعَدَا
وَيَشْفَعُ بَعْدَ المُصْطَفى كُلُّ مُرْسَلٍ … لِمَن عَاشَ فِي الدُّنْيَا وَمَاتَ مُوَحدَا
وَكِلُّّ نَبِيٍّ شَافِعٌ وَمُشَفَّعٌ … وَكُلُّ وَلِيٍّ فِي جَمَاعَتِهِ غَدَا
وَيَغْفِرُ دُونَ الشَّرْكِ رَبِّي لِمَن يَشَا … وَلَا مُؤْمِنٌ إِلَّا لَهُ كافِرٌ فِدَا
وَلَمْ يَبْقَ فِي نَارِ الجَحِيمِ مُوَحِّدٌ … وَلَوْ قَتَلَ النَّفْسَ الحَرَامَ تَعَمُّدَا
وَنَشْهَدُ أَنَّ الله خَصَّ رَسُولَهُ … بِأَصْحَابِهِ الأَبْرَارِ فَضْلاً وَأَيَّدَا
فَهُمْ خَيْرُ خَلْقِ الله بَعْدَ أَنْبِيَائِهِ … بِهِم يَقْتدِي فِي الدَّينِ كُلُّ مَنِ اقْتَدَى
وَأَفْضَلُهُمْ بَعْدَ النَبِيِّ (مُحَمَّدٍ) … أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ذُو الفضلِ والنَّدَى
لَقَدْ صَدَّقَ الْمُخْتَارَ في كُلِّ قَوْلِهِ … وَآمَنَ قَبْلَ النَّاسِ حَقًّا وَوَحَّدَا
وَفادَاهُ يَوْمَ الْغَارِ طَوْعًا بِنَفْسِهِ … وَوَاساهُ بِالأَمْوَالِ حَتَّى تَجَرَّدَا
وَمَنْ بَعْدِهِ الفَارُوقُ لَا تَنْسَ فَضْلَهُ … لَقَدْ كَانَ لِلإِسْلَامِ حِصْنًا مُشَيَّدَا
لَقَدْ فَتَحَ الفَارُوقُ بَالسَّيْفِ عَنْوَةً … كثير بِلَادِ المُسْلِمِينَ وَمَهَدَّا
стр. 98
وَأَظْهَرَ دِيْنَ الله بَعْدَ خَفَائِهِ … وَأَطْفَأَ نَارَ المُشْرِكِينَ وَأَخْمَدَا
وَعُثْمَانُ ذُو النَّورَيْنِ قَدْ مَاتَ صَائِمًا … وَقَدْ قَامَ بِالقُرْآنِ دَهْرًا تَهَجُّدَا
وَجَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرِ يَوْمًا بِمَالِهِ … وَوَسَّعَ لِلْمُخْتارِ والصَّحْبِ مَسْجِدَا
وَبَايَعَ عَنْهُ المُصْطَفَى بِشِمَالِهِ … مُبَايَعَةَ الرَّضْوَانِ حَقًّا وَأَشْهَدَا
وَلَا تَنْسَ صِهْرَ المُصْطَفَى وَابْنَ عَمَّهِ … فَقَدْ كَانَ حَبْرًا لِلْعُلُومِ وَسيدَّا
وَفادَى رَسُولَ الله طَوْعًا بِنَفْسِهِ … عَشِيَّةَ لِمَا بالْفِرَاشِ تَوَسَّدَا
وَمَنْ كانَ مَوْلَاهُ النَّبِيُّ فَقَدْ غَدَا … عَليُّ لَهُ بِالحَقِّ مَوْلًى وَمُنْجِدَا
وَطَلْحَتُهُمْ ثُمَّ الزُّبَيْرُ وَسَعْدُهُمْ … كَذا وَسَعِيدٌ بِالسَّعَادَةِ أُسْعِدَا
وكانَ ابْنُ عَوْفٍ باذِلَ المَالِ مُنْفِقًا … وكانَ ابْنُ جَرَّاحٍ أَمينًا مؤيَّدًا
وَلَا تَنْسَ بَاقِيَ صَحْبِهِ وَأَهْلَ بَيْتِهِ … وَأَنْصَارَهُ وَالتَّابِعِينَ عَلَى الهُدَى
فَكُلَّهُمُ أَثْنَى الإِلَهُ عَلَيْهِمُ … وَأَثْنَى رَسُولُ الله أَيْضًا وَأَكَّدَا
فَلَا تَكُ عَبْدًا رَافِضِيًا فَتَعْتَدِى … فَوَيْلٌ وَوَيْلٌ فِي الْورَىَ لِمَنْ اعْتَدَى
وَنَسْكُتَ عَنْ حَرْبِ الصَّحَابَةِ فالَّذِي … جَرَى بَيْنَهُمْ كانَ اجْتِهادًا مُجَرَّدَا
وَقَدْ صَحَّ فِي الأَخْبَارِ أَنَّ قَتِيلَهُمْ … وَقَاتِلَهُمْ فِي جَنَّةِ الخُلْدِ خُلَّدَا
فَهذَا اعْتِقَادُ الشَّافِعِيِّ إِمامِنَا … وَمالِك والنُّعْمانِ أَيْضًا وَأَحْمَدَا
فَمَنْ يَعْتَقِدْهُ كُلَّّهُ فَهْوَ مُؤْمِنٌ … وَمَنْ زَاغَ عَنْهُ قَدْ طَغَى وَتَمَرَّدَا
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 99
قصة
توجه عافية بن يزيد الأودي القاضي إلى المهدي يومًا في وقت الظهيرة لمقابلته على عجل.
فلما أذن له إذا به يحمل أوراقه بين يديه ويسأل المهدي أن يعفيه من القضاء ويستأذنه في تسليم الأوراق التي في حوزته إلى من يأمر الخليفة بتسليمها له.
وظن الخليفة أن القاضي عافية قد أقدم على طلب الاستعفاء من القضاء لأن أحد رجال حاشيته ومن هم محسوبون على الخليفة قد تطاول عليه أو نال منه أو أساء معاملته أو أبدى عدم احترام له أو تدخل في شأن من شؤون قضائه فأضعف سلطانه في تنفيذ أحكامه ولشد ما كانت دهشة الخليفة حينما عرف انه لم يقع شيء من ذلك.
فأحب الخليفة أن يتعرف من ذلك السبب الحقيقي الذي دفع القاضي إلى الاستعفاء على عجل في ذلك الوقت الذي يلجأ الناس فيه إلى الراحة وهو وقت الظهيرة.
ولما أصر الخليفة على طلب معرفة السبب لم يجد القاضي بدًا من أن يروي له ما جرى له مما كان سببًا في طلب الإعفاء حرصًا على دينه وطهارة لنفسه.
فقال القاضي عافية منذ شهرية وأنا أتابع البحث في إحدى القضايا المعضلة محاولاً أن أصل فيها إلى وجه الحق فقد تقدم إلي خصمان موسران وجيهان في قضية معضلة مشكلة.
وكل منها يدعي بينة وشهودًا ويدلي بحجج تحتاج إلى تأمل وتثبت.
ولما لم يتبين لي وجه الحق رددت الخصوم رجاء أن يصلحوا أو يتبين لي
стр. 100
وجه فصل بينهما.
وأثناء ذلك وقف أحد الخصمين من خبري على أني أحب الرطب السكري.
فعمد في وقتنا هذا وهو أول وقت الرطب وجمع رطبًا سكريًا لا يتهيأ في هذا الوقت لأحد جمع مثله إلا لأمير المؤمنين وحقًا ما رأيت أحسن منه.
ثم عمد إلى بوابي فرشاه جملة دراهم ليدخل الطبق إلي على أنه لا يبالي بعد ذلك أن أقبل الطبق أو أرده.
فلما أدخل الطبق إلي أنكرت أمره وطردت بوابي وأمرت برد الطبق فرده لساعته.
فلما كان اليوم تقدم إلي هذا الرجل مع خصمه فهالني أنهما لم يتساويا في قلبي ولا في عيني.
وهذا يا أمير المؤمنين وأنا لم أقبل فكيف يكون حالي لو قبلت ولا آمن أن يقع عليّ حيلة في ديني فأهلك وقد فسد الناس فأقلني أقالك الله واعفني.
ولم يسع الخليفة وهو يستمع إلى ذلك الكلام المنبى عن شدة الورع والحرص الخالص على نزاهة الحكم وبعد القاضي عن المؤثرات أيا كان نوعها إلا أن يستجيب لطلب القاضي النقي النبيل فأعفاه من القضاء.
فتأمل هذه القصة بدقة. وقارن بينه وبين كثير من قضاة هذا الزمن يتبين لك الفرق العظم والبون الشاسع نسأل الله العافية.
اللهم أحي قلوبنا ونورها بنور الإيمان وزينها بمحبتك وجمل ألسنتنا بذكرك وشكرك وحسن أعمالنا ووفقنا لحفظ أوقاتنا وأحيينا حياة طيبة وتوفنا مسلمين وألحقنا بعبادك الصالحين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 101
(فصل)
٥ [موعظة]
عباد الله يجب على من لا يدري متى يبغته الموت أن يكون مستعدًا له ولا يغتر بشبابه وصحبته فإن أقل من يموت الشيوخ الطاعنين في السن.
وأكثر من يموت الشبان خصوصًا في زمننا الذي كثرت فيه الحوادث ولهذا يندر من يكبر وقد أنشدوا:
يَعَمَّرُ وَاحدٌ فَيَغُرُّ قَوْمًا … وَيُنْسَى مَن يَمُوتُ مِن الشَّبَابِ
آخر:
لَا تَغْتَرِرْ بِشَبَابٍ نَاعِمٍ خَضِلٍ … فَكَمْ تَقَدَّمَ قَبْلَ الشَّيْبِ شُبَّانُ
ومما يعنيك على الجد والاجتهاد في الطاعة تصور قصر عمرك وكثرة الأشغال، وتصور قوة الندم على التفريط والإضاعة عند الموت، وطول الحسرة على البدار بعد الفوت.
وتصور عظم ثواب السابقين الكاملين وأنت ناقص، والمجتهدين وأنت متكاسل، واجعل نصب عينيك ما يلي: قوله تعالى: ﴿تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠] .
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً﴾ [آل عمران: ٣٠] .
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ: ٤٠] .
وقوله تعالى: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] .
وقوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ
стр. 102
لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] . فتصور الحسرة والندامة والحزن عندما ترى الفائزين.
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَرْحَلْ بِزَادٍ مِن التُّقَى … وَأَبْصَرْتَ بَعْدَ الْمَوتِ مَن قَد تَزَودَّا
نَدِمْتَ عَلَى أَنْ لَا تَكُونَ كَمِثْلِهِ … وَأَنَّكَ لَمْ تُرْصَدْ كَمَا كَانَ أَرْصَدَا
فالبدار البدار والحذر الحذر من الغفلة والتسويف وطول الأمل فإنه لولا طول الأمل ما وقع إهمال أصلاً.
وإنما يقدم على المعاصي ويؤخر التوبة لطول الأمل وتبادر الشهوات.
وتنسى التوبة والإنابة لطول الأمل وتفقد أوقاتك وما عملت فيها من الذنوب.
وتنسى التوبة والإنابة لطول الأمل فيا أيها المهمل وكلنا كذلك انتهز فرصة الإمكان وتفقد أوقاتك وما عملت فيها من الذنوب.
فبادر في محوها بالتوبة النصوح وأكثر من الدعاء والاستغفار كل وقت خصوصًا أوقات الإجابة.
ومن أوقات الإجابة ثلث الليل الآخر. قال تعالى: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] .
- ويوم الجمعة عند صعود الإمام المنبر للخطبة.
- وفي آخر ساعة من يوم الجمعة وعند دخول الإمام للخطبة وعندما تسمع الأذان إلى أن يفرغ.
- وبين الأذان والإقامة.
- وبعد الصلاة الفريضة وبعد النافلة.
- وعند الفطر للصائم وفي أيام رمضان ولياليه.
стр. 103
- وعند نزول الغيث.
- وعشية عرفة.
- وفي السجود.
- وعند ختم القرآن وفي ليلة القدر.
- وعند البكاء والخشية من الله.
فعلى الإنسان أن يكثر من الدعاء والإلحاح فيه، فإن الدعاء له أثر عظيم، وموقع جسيم، وهو مخ العبادة.
لا سيما مع حضور قلب، وإخبات، وخشوع وذل، وانكسار، ورقة، وتضرع وخشية، واستقبال القبلة حال دعائه، وعلى طهارة، ويجدد التوبة، ويكثر من الاستغفار، ويبدأ بحمد الله وتنزيهه، وتمجيده، وتقديسه، والثناء عليه، وشكره، ثم يصلي على النبي ﷺ بعد الثناء على الله.
ويدعو بالدعاء المشروع باسم من أسماء الله الحسنى، مناسب لمطلوبه، فإن كان يريد علمًا قال يا عليم علمني، وإن كان يطلب رحمة قال يا رحمن ارحمني، وإن كان يسأل رزقًا قال يا رزاق ارزقني ونحو ذلكن ويوقن بالإجابة، فإن الله جل وعلا أصدق القائلين وقد قال : ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] . وقال لرسوله ﷺ : «وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان» . وقال عز من قائل: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] . وقال: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢] . وهو سبحانه أوفى الواعدين. قال تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الروم: ٦] . وقال جل وعلا: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً﴾ [النساء: ١٢٢] ، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً﴾ [النساء: ٨٧] . وقال أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] .
стр. 104
وإذا وقعت في محنة يصعب الخلاص منها، فليس لك إلا الدعاء واللجوء إلى الله، بعد أن تقدم التوبة من الذنوب، فإن الزلل يوجب العقوبة، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] .
فإذا زال الذنب بالتوبة الصادقة النصوح، ارتفع السبب. فإذا أثبت ودعوت ولم تر لإجابة الدعاء أثرًا، فتفقد نفسك فربما كانت التوبة ما صحت فصححها.
ثم ادع ولا تضجر ولا تمل من الدعاء فإنه عبادة، وربما كانت المصلحة في تأخير الإجابة، وربما لم تكن المصلحة في الإجابة، قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] .
فأنت تثاب وتجاب إلى منافعك ومن منافعك أن لا تعطى ما طلبت بل تعوض غيره.
فإذا جاءك الشيطان فقال إلى متى تدعو ولا تجاب فقل: أنا أتعبد بالدعاء، الدعاء مخ العبادة وأنا واثق كل الثقة بالإجابة لأن الله أصدق القائلين.
وقد قال جل وعلا وتقدس لنبيه: «وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان» . وقال ﵎: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] .
واعلم أنه ربما كان التأخير لبعض المصالح فهو يجيء في وقت مناسب وإذا سألت شيئًا فأقرنه بسؤال الخيرة فربما كان المطلوب سببًا للهلاك.
وإذا كنت قد أمرت بالمشاورة في أمور الدنيا ليبين لك صاحبك في بعض الآراء ما يعجز رأيك عنه ثم ترى أن ما وقع لك لا يصلح فكيف لا
стр. 105
تسأل الخير ربك الذي أحاط بكل شيء علمًا، والاستخارة من حسن المشاورة.
كُلُّ الوُجُوِد لِعِزِّ قَهْرَكَ خَاضِعٌ … وَالْكُلُّ فِي صَدقاتِ جُوْدِكَ طَامِعُ
يَا مَعْشَرَ الفُقَرَاءِ أَمُّوا بَابَهُ … فَهُنَاكَ فَضْلٌ لِلْبَرِيَّةِ وَاسِعُ
يُعْطِي العَطَاءَ فَلَا يَمَانِعُ مَانِعٌ … يَقْضِي القَضَاءَ فَلا يُدَافِعُ دَافِعُ
مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ … كَلاَّ وَلَا سَعْيٌ لَدَيْهِ ضَائِعُ
إِنْ عُذِّبُوا فَبعَدْ له أَوْ نُعِّمُوا … فَبِفَضْلِهِ وَهْوُ الكَرِيْمُ الوَاسِعُ
الزَمْ طَرِيْقَ الذِّكْرِ عُمْرَكَ دَائِبًا … فَالذِكْرُ فِي القَلْبِ الْمَحبَّة زَارعُ
قال أحد الوعاظ هذا نذير الموت قد غدا يقول الرحيل غدا، كأنكم بالأمر وقد قرب ودنا، فطوبى لعبد استيقظ من غفلته ووعا.
كيف بكم إذا صاح إسرافيل ونفخ في الصور قال جل وعلا: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] .
فتصور خروجك مذعورًا تسعى من تحت المدر وقد رجت الأرض وبست الجبال وشخصت الأبصار لتلك العظائم والأهوال والمزعجات ﴿وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً﴾ [طه: ١٠٨] .
فقلق الخائف، وشاب الصغير، وزفرت النار، وأحاطت الأوزار، ونصب الصراط، ووضع الميزان، وحضر الحساب.
وجيء بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، قال تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣] .
وشهد الكتاب وتقطعت الأسباب، فكم من كبير يقول واشيبتاه، وكم
стр. 106
من كهل ينادي بأعلى صوته واخيبتاه، وكم من شاب يصيح واشباباه.
وبرزت النار، قال الله جل وعلا وتقدس: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ [الشعراء: ٩١] . وقال جل وعلا وتقدس: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى﴾ [النازعات: ٣٦] .
وسمع الخلائق حسيسها إلا من سبقت له الحسنى من الله. قال تعالى: … ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] .
وأيقن بالردى والهلاك كل فاجر، قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ [غافر: ١٨] . وقامت ضوضاء الجدل، وأحاط بصاحبه العمل. قال جل وعلا وتقدس: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً﴾ [الكهف: ٥٣] .
وحالت الألوان، وتوالت المحن على الإنسان، فأين عدتك يا غافل عن هذا الزمان، أين تصحيح اليقين والإيمان.
أترضى بالخسران والهوان، أما علمت أنك كما تدين تدان أما تخاف أن تقول: ﴿يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] . أما علمت أعظم الخسران.
قال جل وعلا وتقدس: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] .
كم في كتابك من خطأ وزلل، وكم في عملك من سهو وخلل، هذا وشمس عمرك على أطراف الذوائب وقد قرب الأجل، كم ضيعت واجبًا وفرضًا، وكم نقضت عهدًا محكمًا نقضًا، وكم أتيت حرامًا صريحًا محضًا، يا
стр. 107
أجسادًا صحاحًا فيها قلوب مرضى.
اللهم اجعل الإيمان هادمًا للسيئات، كما جعلت الكفر عادمًا للحسنات ووفقنا للأعمال الصالحات، واجعلنا ممن توكل عليك فكفيته، واستهداك فهديته ودعاك فأجبته، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
[فصل]
نبذة مما جرى لأولياء الله من المحن والقتل والضرب من الظلمة والطغاة والمجرمين جازاهم الله بما يستحقون.
لما قتل الحجاج بن يوسف عبد الله بن الزبير أمر بخشبة فصلبه عليها.
فلما أقبلت أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ إلى الخشبة فعانقتها وجلست تبكي وتقول واغوثاه.
يا لله ما أعظم ما نزل بنا بعدك يا محمد يا رسول الله لو تدرك ما نزل بعدك بأصهارك وأرحامك وأبناء المهاجرين لرأيت أمرًا عظيمًا.
اللهم فبلغ عنا نبيك ﷺ في عظيم ما نزل فأخبر بمقالتها عبد الله بن عمر فبكى حتى كادت نفسه تفيض.
ثم قال لابنه قدني إليها وقد كبر وكان يرتعش من الكبر وكان قد عمر فقاده ابنه إليها فلما أشرف على الخشبة نظر إليه مصلوبًا.
قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ليقتلني أمير جائر على طاعة أحب إلي من أموت مجاهدًا في سبيل الله فأتى شقي من الأشقياء فبلغ ذلك إلى الحجاج فبلغ منه قول ابن عمر كل مبلغ.
فركب إلى خشبة بن الزبير فأصاب أمه عندها تبكي وابن عمر وابنه
стр. 108
سالمًا فقال ليس مثله يبكى عليه فقال ابن عمر قومي فقامت ولم تكلمه وانصرف ابن عمر إلى منزله.
فدعا الحجاج رجاله فقال إن ابن عمر بن خليفة وصاحب رسول الله ﷺ وأخاف إن خرجنا أن يستحل منا ما استحل ابن الزبير وعلماء العراق.
قالوا فما ترى قال هذا أعظم مما كان منا إنما عمدنا إلى جبل الإسلام وحاجب محمد ومن عرضت عليه الخلافة فلم يقبلها ومن حج أربعين حجة ومن سمته قريش حمامة البيت يريد بن عمر.
وقدره في العرب كما علمتم وحب الأوس والخزرج لأبيه عمر بن الخطاب. نعوذ بالله من الظلمة وأعوانهم.
فبعث الحجاج غلامه أن يركب فرسًا جامحًا وأمره أن يطحنه بالفرس ويقتله.
فركب الغلام الفرس فنظر إلى ابن عمر وهو سائر يوم الجمعة فحمل عليه وصدمه ورضه.
فبادر الناس إليه وقالوا يا غلام أهلكت المسلمين في علمهم فطلبك الله وأقام الحجاج ينتظر موته.
فلما أبطأ عليه عمد إلى الحديدة التي في الرمح فسمها سمًا ناقعًا وجعلها في عصا وقال لأحد رجاله ضعه على ظهر قدمه واتكئ عليه حتى يدخل.
فإن قال أهلكتني فقل ما علمت أن رجلك ها هنا.
ففعل ذلك ثم خرج عنه فاشتعل جسد ابن عمر سمًا فأقام ثلاثة أيام فمات رحمة الله عليه.
ودخل الحجاج على ابن عمر يعوده قبل موته فقال ابن عمر أنت قتلتني، حسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 109
ومن الذين أوذوا في سبيل الله وقتلوا سعيد بن جبير وقصته أشهر من أن تذكر فلا نطيل بذكرها وكان قد دعا من قبل أن يذبحه الحجاج فقال اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي.
وقيل إنه عاش بعد قتله لسعيد ستة عشر يومًا فقط وقعت الآكلة في بطنه.
وكان ينادي في بقية حياته مالي ولسعيد بن جبير كلما أردت النوم أخذ برجلي.
وقيل دعا عليه بالزمهرير البرد العظيم فكانوا يجعلون حوله الكوانين تلتهب جمرًا مع ما عليه من الثياب التي يدثرونه بها.
فما زال في العذاب الأليم ثم أرسل في طلب الحسن البصري التابعي المشهور فأتاه واشتكى إليه ما نزل به من الألم، فقال قد نهيتك مرة بعد أخرى لا تتعرض للصالحين، ولا تكن منهم إلا بسبيل خير فأبيت ولججت (ليقضي الله أمرًا كان مفعولاً) .
وذكر في كتاب المحن أن الحجاج أرسل إلى أبي صالح ماهان المسبح فلما أتاه قال: بلغني عنك صلاح وخير وإني أريد أن أوليك القضاء.
قال له: أنا قال: نعم قال: أنا لا أحسن أعد عشرة قال: يا مرائي علي تتباله.
قال والفرات قد مد فعدا من بين يديه وهو شيخ كبير يجنح حتى وقف على جرف الفرات.
فقال اللهم إن كنت مرائيًا كما زعم الحجاج فغرقني قال فرمى بنفسه. فقام على متن الماء فلم تغب قدماه قال فو الله ما نهنهه ذلك فأخذه وصلبه على بابه.
стр. 110
وممن ضرب مالك ابن أنس ﵁ وذلك أن الحساد دسوا إلى أبي جعفر بن سليمان من قال له إن مالكًا يفتي الناس أن أيمان البيعة لا تلزمهم لمخالفتك واستكراهك إياهم عليها.
فدس عليه جعفر من يسأله عن ذلك فأفتاه مالك طمأنينة إليه وحسبة منه.
فجاءه رسول جعفر بن سليمان وأتى به منتهك الحرمة مهانا فأمر به جعفر فضربه سبعين سوطًا.
ومما جرى على عبد الله بن عون البصري الذي قيل ما كان بالعراق أعلم بالسنة منه.
وكان ورعًا تزوج امرأة عربية فضربه بلال بن أبي بردة عشرة أسواط وقال له انزل عنها قال لا أفعل فقال له بلال والله لا أبرح أضربك حتى تطلقها.
فقال ابن عون والله لا أبرح أصبر ولا أطلقها حتى أعجز قال وكان رجلاً نحيفًا لا يحتمل الضرب بالسوط قال فضربه أيضًا عشرة أسواط وقال بلال هو ما ترى.
قال فأمر به فضرب عشرة أسواط وقال يا ابن عون هو ما ترى حتى تطلقها قال هي طالق قال بتتها.
وممن امتحن عطاء بن أبي رباح وذلك أن رجلاً أتى من الحجاج إلى مسجد مكة. فنام فكشفت الريح الثوب عن بطنه فظهر جراب الفلوس فمر به أصحابه فخافوا عليه فنزعوا الجراب. وبعد قليل انتبه الرجل فنظر فإذا جرابه مأخوذ فنظر يمينًا وشمالاً فلم يرى حوله إلا عطاء بن أبي رباح قائمًا يصلي. فجاءه فأخذ بتلابيبه وضيق عليه وقال له يا عدو الله فعلت الذي فعلت بي فلما رهقتك قمت تصلي.
следующие страницы →