← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 120

مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار

عبد العزيز السلمان

Полный текст (1 102 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قلت: فما ترى في الأنس بالناس؟ قال: إن وجدت عاقلاً مأمونًا فأنس به واهرب من سائرهم كهربك من السباع. قلت: فما أفضل ما أتقرب به إلى الله ؟ قال: ترك معاصيه الباطنة. قلت: فما بال الباطنة أولى من الظاهرة؟ قال: لأنك إذا أجتنبت الباطنة بطلت الظاهرة والباطنة. قلت: فما أضر الطاعات لي؟ قال: ما نسيت بها مساوئك، وجعلتها نصب عينيك إدلالاً بها وأمنًا. قال: وسمعته يقول: استكثر من الله لنفسك قليل الرزق تخلصًا إلى الشكر، واستقلل من نفسك لله كثير الطاعة إزراء على النفس وتعرضًا للعفو. واستجلب شدة التيقظ بشدة الخوف؛ وادفع عظيم الحرص بإيثار القناعة، واقطع أسباب الطمع بصحة اليأس؛ وسد سبيل العجب بمعرفة النفس. واطلب راحة البدن بإجمام القلب، وتخلص إلى إجمام القلب بقلة الخلطاء، وتعرض لرقة القلب بدوام مجالسة أهل الذكرن وبادر بانتهاز البغية عند إمكان الفرصة وأحذرك "سوف". وكُنْ صَارِمًا كَالْوَقْتِ فَالمَقْتُ في عَسَى … وَإِيَّاكَ مَهْلاً فَهي أخْطَرُ عِلَّتِي وَجُذَّ بسَيْف العَزْمِ سَوْفَ فإن تَجُدْ … تَجِدْ نَفَسًا فَالنَّفْسُ إِن جُدْتَ جدَّتِ عن الأوزاعي أنه وعظ فقال في موعظته: أيها الناس تقووا بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة.

стр. 142

فإنكم في دار الثواء فيها قليل وأنتم فيها مؤجلون خلائف من بعد القرون الذين استقبلوا من الدنيا أنفها وزهرتها. فهم كانوا أطول منكم أعمارًا وأمد أجسامًا وأعظم آثارًا فخددوا الجبال وجابوا الصخور ونقبوا في البلاد مؤيدين ببطش شديد وأجسام كالعماد. فما لبثت الأيام والليالي أن طوت مددهم وعفت آثارهم وأخوت منزلهم وأنست ذكرهم، فما تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزًا. كانوا بلهو الأمل آمنين لبيات قوم غافلين أو لصباح قوم نادمين، ثم إنكم قد علمتم الذي نزل بساحتهم بياتًا من عقوبة الله . فأصبح كثير منهم في ديارهم جاثمين وأصبح الباقون ينظرون في آثار نقمة وزوال نعمة ومساكن خاوية فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم وعبرة لمن يخشى. وأصبحتم من بعدهم في أجل منقوص ودنيا مقبوضة في زمان قد ولى عفوه وذهب رخاؤه. فلم تبق منه إلا حمة شر وصبابة كدر، وأهاويل عبر، وعقوبات غير وأرسال فتن، وتتابع زلازل ورذلة خلف بهم ظهر الفساد في البر والبحر. فلا تكونوا أشباهًا لمن خدعه الأمل وغر بطول الأجل وتبلغ بالأماني. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن وعى نذره، وعقل فمهد لنفسه. اللهم انظمنا في سلك عبادك المفلحين واحشرنا مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 143

(فصل) كتب بعضهم إلى أخ يوصيه: أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله، والعمل بما علمك الله ، والمراقبة حيث لا يراك أحد إلا الله والاستعداد لما ليس لأحد فيه حيلة، ولا تنفع الندامة عند نزوله. فاحسر عن رأسك قناع الغافلين، وانتبه من رقدة الموتى، وشمر للسباق غدًا فإن الدنيا ميدان المسابقين، ولا تغتر بمن أظهر النسك، وتشاغل بالوصف، وترك العمل بالموصوف. واعلم يا أخي أنه لا بد لي ولك من المقام بين يدي الله ، ولست آمن أن يسألني وإياك عن وساوس الصدور، ولحظات العيون، وإصغاء الأسماع، وما عسى أن يعجز مثلي عن صفته. واعلم أنه مما وصف به منافقوا هذه الأمة أنهم خالطوا أهل الدنيا بأبدانهم وطابقوهم عليها بأهوائهم، وخضعوا لما طمعوا من نائلهم، وداهن بعضهم (بعضًا) في القول والفعل، فأشر وبطر قولهم، ومر خبيث فعلهم، تركوا باطن العمل بلا تصحيح فحرمهم الله تعالى بذلك الثمن الربيح. وأعلم يا أخي أنه لا يجزى من العمل القول، ولا من البذل العدة، ولا من التقوى ولا من التوقى التلاوم. وقد صرنا في زمان هذه صفة أهله فمن كان كذلك فقد تعرض للمقت وصد عن سواء السبيل. وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى، انتهى والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 144

[فائدة] كلما قويت حاجة الناس إلى الشيء ومعرفته يسر الله أسبابه كما ييسر ما كانت حاجتهم إليه في أبدانهم أشد. فلما كانت حاجتهم إلى النفس والهوى أعظم منها إلى الماء كان مبذولاً لكل احد في كل وقت. ولما كانت حاجتهم إلى الماء أكثر من حاجتهم إلى القوت كان وجود الماء أكثر لذلك. فلما كانت حاجتهم إلى معرفة الخالق أعظم كانت آياته ودلائل ربوبيته وقدرته وعلمه ومشيئته وحكمته أعظم من غيرها. ولما كانت حاجتهم إلى معرفة صدق الرسل بعد ذلك أعظم من حاجتهم إلى غير ذلك. أقام الله من دلائل صدقهم وشواهد نبوتهم وحسن حال من اتبعهم وسعادته ونجاته وبيان ما يحصل له من العلم النافع والعمل الصالح. وقبح حال من خالفهم وشقاوتهم وجهله وظلمه ما يظهر لمن تدبر ذلك ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ [النور: ٤٠] . وختامًا فالواجب على الإنسان المبادرة إلى الأعمال الصالحة وأن ينتهز فرصة الإمكان قبل هجوم هادم اللذات. وأن يستعين بالله ويتوكل عليه ويسأله العون في تيسير الأعمال الصالحة وصرف الموانع الحائلة بينه وبينها. وليحرص على حفظ القرآن، وتدبره، وتفهمه، والعمل به، وكذلك السنة، ويحرص على أداء الصلاة في جماعة.

стр. 145

ويحرص على مجالس الذكر، ويحفظ لسانه عن الغيبة والنميمة والسعاية والكذب وجميع الأعمال والأخلاق السيئة. ويتهيأ للرحيل، ويتفقد نفسه بما عليه وما له فإن كان عنده حقوق لله كزكاة أو لخلقه كأمانات أو عواري أو وصايا أداها بسرعة خشية أن يفجاءه الموت وهي عنده. فإذا لم تؤدها أنت في حياتك، فمن بعدك من أولاد أو إخوان يبعد اهتمامهم بذلك، لأنهم يهتمون ويشتغلون بما خلفته لهم وضيعت بسببه نفسك. فالله الله البدار بالتفتيش على النفس، والمبادرة بالتوبة والإكثار من الاستغفار. ومما يحثك على ذلك ذكر مرارة الموت الذي سماه رسول الله ﷺ هادم اللذات، وتذكر شدة النزع والتفكر في الموتى الذي حبسوا على أعمالهم ليجازوا بها فليس فيهم من يقدر على محو خطيئة، ولا على زيادة حسنة. وعاد بعضهم مريضًا فقال له كيف تجد؟ \قال: هو الموت. قال له: وكيف علمت أنه الموت؟ قال: أجدني اجتذب اجتذابًا، وكأن الخناجر في جوفي، وكأن جوفي تنور محمى يتلهب. قال له: فاعهد (أي أوصى) ، قال: أرى الأمر أعجل من ذلك فدعا بدواة وصحيفة قال: فو الله ما أتى بها حتى شخص بصره فمات. وقال إبراهيم بن يزيد العبدي: أتاني رياح القيسي فقال: يا أبا إسحاق انطلق بنا إلى أهل الآخرة نحدث بقربهم عهدًا. فانطلقت معه، فأتى المقابر فجلسنا إلى بعض تلك القبور، فقال: يا أبا إسحاق ما ترى هذا متمنيًا لو منء، قلت: أن يرد والله إلى الدنيا فيستمتع من

стр. 146

طاعة الله ويصلح. قال: فها نحن، ثم نهض فجد واجتهد، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى مات. ومما يحثك على التأهب والاستعداد لهادم اللذات أن تصور لنفسك عرضها على ربك وتخجيله إياك بمضيق العتاب على فعل ما نهاك عنه قال جل وعلا: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم: ٩٥] . اللهم إنا نسألك نفسًا مطمئنة تؤمن بلقائك وترضى بقضائك، اللهم إنا نسألك باسمك الطاهر الطيب المبارك الأحب إليك الذي إذا دعيت به أجبت وإذا سئلت به أعطيت وإذا استرحمت به رحمتن وإذا استفرجت به فرجت أن تغفر سيئاتنا وتبدلها لنا بحسنات يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين. (فصل) قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ﵎ ليس بينه وبينه ترجمان» . وعن صفوان بن محرر قال: كنت آخذًا بيد ابن عمر إذ عرض له رجل، فقال كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى يوم القيامة. فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه، ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه. ويقول له أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك. قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» . ومما يحثك على الاستعداد للموت والابتعاد عن المعاصي أن تتخايل وتتصور شهادة المكان الذي تعصي فيه عليك يوم القيامة.

стр. 147

فعن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله ﷺ : ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤] . فقال "أتدرون ما أخبارها، أن تشهد على كل عبد بما عمل على ظهرها، أن تقول عمل كذا وكذا في يوم كذا وكذا، فهو أخبارها". ومما يحثك على التأهب والاستعداد للموت والابتعاد عن المعاصي أن تمثل نفسك عند بعض زللك كأنه يؤمر بك إلى النار التي لا طاقة لمخلوق بها. وتصور نفاد اللذة وذهابها وبقاء العار والعذاب. تَفنى اللَّذَاذَةُ مِمَّنْ نَالَ شَهْوَتَهُ … مِن الحَرَامِ ويَبْقَى الإِثم والعَارُ تَبْقَى عَوَاقِبُ سُوْءٍ في مَغَبَّتِهَا … لا خَيْرَ في لَذَّةٍ مِن بَعْدِهَا النَّارُ عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «ناركم هذه ما يوقد بنوا آدم جزء واحد من سبعين جزءًا من حر جهنم» قالوا: والله إن كانت لكافية. وقال بعض السلف: ربما مثل لي رأسي بين جبلين من نار وربما رأيتني أهوى فيها حتى أبلغ قعرها فكيف تهنا الدنيا من كانت هذه صفته. وكان عمر ﵁ ربما توقد له النار ثم يدني يديه منها ثم يقول: يا ابن الخطاب هل لك على هذا صبر. ومما يحثك على الاستعداد وتفقد شئونك وأمرك ذكر أحوال كثير من السلف الصالح الذي أقلقهم خوف الحساب والعذاب في البرزخ والنار. لما أهديت معاذة العدوية إلى زوجها صلة بن أشيم ادخله ابن أخيه الحمام ثم أدخله بيتًا مطيبًا فقام يصلي حتى أصبح وفعلت زوجته معاذة مثله. فلما أصبح عاتبه ابن أخيه على فعله ليلة الزواج فقال له: أدخلتني بالأمس بيتًا ذكرتني به النار ثم أدخلتني بيتًا ذكرتني به الجنة فما زالت فكرتي فيهما حتى أصبحت.

стр. 148

ونظر عمر بن عبد العزيز إلى رجل عنده متغير اللون، فقال له ما الذي بك؟ فقال: إني ذقت حلاوة الدنيا فصغر في عيني زهرتها وملاعبها، واستوى عندي حجارتها وذهبها. ورأيت كأن الناس يساقون إلى الجنة، وأنا أساق إلى النار فأسهرت لذلك ليلي، وأظمأت نهاري، وكل ذلك صغير حقير في جنب عفو الله، وثوابه وجب عقابه. وقال إبراهيم التيمي مثلث نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها وأعالج سلاسلها وأغلالها. فقلت لنفسي أي شيء تريدين، قالت أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحًا، قال: فلت أنت في الأمنية فاعملي. وسمع عمر بن الخطاب رجلاً يتهجد في الليل ويقرأ سورة الطور، فلما بلغ قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِن دَافِعٍ﴾ [الطور: ٨] . قال عمر: قسم ورب الكعبة حق، ثم رجع إلى بيته فمرض شهرًا يعوده الناس، ولا يدرون ما سبب مرضه. وكان جماعة من السلف مرضوا من الخوف ولزموا منازلهم وبعضهم صار صاحب فراش. وكان الحسن يقول في وصف الخائفين: قد براهم الخوف فهم أمثال القداح ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى وما بهم مرض ويقول قد خولطوا وقد خالط القوم من ذكر الآخرة أمر عظيم. هذه القصيدة عدلنا فيها بعض الأبيات: وحَقِّكَ ياذَ الجُودِ مَالي مَلْجَؤٌ … وَلا لي إلى أبْوَابِ غَيركَ مَطْلَبُ إِذَا لَم تَكُنْ لِي عِنْدَ غَيْرِكَ حَاجَةٌ …

стр. 149

فَكَيْفَ إلى أَبْوَابِ غَيْرَكَ أَذْهَبُ إِذَا لَم يَكُنْ مُعْطٍ سِوَاكَ بِمَطْلَبِي … فَكَيْفَ سِوَى مَعْرُوْفِ جُوْدِكَ أَطْلُبُ عَذُوْ لِي فيهِ مَا يَرَى مَا رَأَيْتَهُ … فَيُكْثِرُ مِن لَوْمِي عَلَيه ويُطْنِبُ سَلَكْتُ سَبيْلاً مَا اهْتَدَى لسُلُوْكِهَا … فَأَعْجَبُ مِنْهُ وَهْوَ مِنِّي يَعْجَبُ وَكَيْفَ سُلُّوٌ عَن جَمَالٍ مُحَجَّبٍ … أَيَادِيْه عن كُلِ الوَرَى ليس تُحْجَبُ إِذَا اسْتَأَنَسَ الحَادُوْنَ لِلرَكْبِ بِاسْمِه … فكُلُّهُمُوْا حَتى الركائبِ تَطْرَبُ يَطيْبُ وَيَحْلُوْ لِلْمُحِبِّيْنَ ذِكْرُهُ … فَلا طَيِّبٌ إِلا وذكْرُكَ أَطْيبُ فإِنْ قُلْتُ شَهْدًا فَهو أحْلَى مَذَاقَةً … وَإِنْ قُلْتُ مَاءً فَهو أصْفَى وأعْذَبُ سَأَلْتُكَ يَا حَادِي الرَكَائِبِ حَاجَةً … إِذَا مَا بَدَتْ يَوْمًا لِعَيْنَيْكَ يَثْرِبُ فَسَلِّم عَلى مَنْ قَدْ حَوَتْهُ قِبَابُهَا … وَشِرْعَتُه في الكَونِ تُمْلَى وتُكْتَبُ مُحَمَّدٌ المُخْتَارُ وَالمَاجِدُ الذي … إلى فَخْرهِ كُلُّ المناسِبِ تُنْسَبُ هو الصادِقُ الدَّاعِي إِلى الله وَحْدَهُ … فَمَنْ لَم يُجِبْهُ فَهْوَ فِي الحَشْرِ يُنْدَبُ فَصَلُّوا عَلَيْهِ دَائِمًا فَصَلاتِكُم … ثَوابُكُمُوا فِيهَا مِن الله يُطْلَبُ وختامًا فالواجب على العاقل المبادرة إلى الأعمال الصالحة ما دام في قيد الحياة وخصوصًا الصلاة التي فرضها الله جل وعلا على عباده آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين ومحلها من الدين محل الرأس من الجسد. فكما أن لا حياة لمن لا رأس له فكذلك لا دين لمن لا صلاة له وهي خاتمة وصية النبي ﷺ عند آخر عهده من الدنيا. فعن أنس ﵁ قال: كانت عامة وصية رسول الله ﷺ حين حضرته الوفاة وهو يغرغر بنفسه «الصلاة وما ملكت أيمانكم» . رواه أحمد وأبو داود.

стр. 150

وهي أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة كما ورد بذلك الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر» . الحديث رواه الترمذي. والصلاة أكبر عون للعبد على مصالح دينه ودنياه قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] . فالصلاة سعادة وسرور للمؤمن الخاشع المحب لربه، فقد قال رسول الله ﷺ : «وجعلت قرة عيني في الصلاة» وكان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، فالصلاة جسد وروح. أما جسدها فهو كلام اللسان وحركات الأعضاء وأما روحها فهو الخشوع، قال الله جل وعلا: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] . والخشوع حضور الذهن وأن يتصور الإنسان أن ربه أمامه يسمعه ويناجيه فلا يشغل فكره بشيء من الدنيا ما دام في صلاته ويجمع فكره إلى تأمل ما يتلو وما يسمع من الإمام ويحرص كل الحرص على طرد الهواجس. قال أحد العلماء: إن من المعلوم أن المنتصب لخطاب ملك من ملوك الدنيا يجمع قلبه للإقبال عليه ويحسن التودد إليه ويتحرز التحرز الكلي عن أن تفرط منه كلمة مستهجنة أو التفاتة غير مستحسنة أو ذهول عما يخاطبه به أو يتلقاه من خطابه وإن كان لا يخاف نقمته ولا يرجو نعمته. فيا عجبًا من منتصب لمناجات ملك السموات والأرض وهو يعلم أنه حاضر لديه ورقيب عليه وأنه محتاج في كل لحظة إليه غير مستغن عنه وإن إحسانه إليه فوق كل إحسان.

стр. 151

وعاقبة عصيانه إنه الخلود في قعر النيران وإن عظمته لا تدانيها عظمة سلطان ومع ذلك يترك الإقبال عليه ويعرض له الذهول عنه لخواطر دنيوية ووساوس غير نافعة ولا مرضية حتى لا يشعر بمعاني ما يتلوه في صلاته ولا يعقل ما المطلوب بها ويسهو عن أركانها وأذكارها هذا مما تحار فيه العقول. ولعل السبيل إلى ذلك هو التحفظ عن تلك الشواغل في حالة الصلاة التي هي عماد الدين والفارقة بين الكفرة والمؤمنين التي فرضها الله ليتطهر بها عباده عما اقترفوه فيما بين أوقاتها من الذنوب ويغسلوا بها أبدانهم وأرواحهم عن درن الحوب. كما يشعر به قوله ﷺ : «مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار يمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات. وفي رواية فماذا ترون أيبقى عليه من الدرن بعد ذلك» . والمهم أن يصرف العبد ذهنه إلى أن قيامه للوضوء والصلاة إنما هو لخطاب ملك الملوك والاعتذار إليه من التقصير في الحياء منه في أحواله السابقة وليطلب منه العفو والمسامحة والإحسان ولداء ما كلفه من العبادة. اللهم إنا نسألك نفسًا مطمئنة تؤمن بلقائك وترضى بقضائك، اللهم إنا نسألك باسمك الطاهر الطيب المبارك الأحب إليك الذي إذا دعيت به أجبت، وإذا سئلت به أعطيت، وإذا استرحمت به رحمت، وإذا استفرجت به فرجت أن تغفر سيئاتنا وتبدلها لنا بحسنات يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 152

[فصل] قال شيخ الإسلام: القلب لا يصلح ولا يفلح ولا يسر ولا يلتذ ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه. ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه من حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه. وبذلك يحصل له الفرح والسرور واللذة والنعمة والسكون والطمأنينة. وهذا لا يحصل إلا بإعانة الله له ولا يقدر على تحصيل ذلك له إلا الله فهو دائمًا مفتقر إلى حقيقة إياك نعبد وإياك نستعين. فهو مفتقر إليه من حيث هو المطلوب المحبوب المعبود ومن حيث هو المستعان به المتوكل عليه. فهو إلهه لا إله له غيره وهو ربه لا رب له سواه ولا تتم عبوديته إلا بهذين. وقال: إعراض القلب عن الطلب من الله والرجا له يوجب إنصراف قلبه عن العبودية لله لا سيما من كان يرجو المخلوق ولا يرجو الخالق. بحيث يكون قلبه معتمدًا إما على رئاسته وجنوده وأتباعه وإما على أهله وأصدقائه وإما على أمواله أو غيرهم ممن مات أو يموت قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] . وقال على كل مؤمن أن لا يتكلم في شيء من الدين إلا تبعًا لما جاء به الرسول ﷺ ولا يتقدم بين يديه. بل ينظر ما قال فيكون قوله تبعًا لقوله وعمله تبعًا لأمره فمن قول الله

стр. 153

وقول رسوله يتعلم به ويتكلم. وكل من خالف ما جاء به الرسول لم يكن عند علم بذلك ولا عدل بل لا يكون عنده إلا جهل وظلم وظن وما تهوى الأنفس ﴿وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣] . وقال ﵀: من ابتلي ببلاء قلبي أزعجه فأعظم دواء له قوة الالتجاء إلى الله ودوام التضرع والدعاء بأن يتعلم الأدعية المأثورة ويتوخى الدعاء في مظان الإجابة. مثل آخر الليل وأوقات الأذان والإقامة وفي سجوده وأدبار الصلوات ويضم إلى ذلك الاستغفار. وليتخذ وردًا من الأذكار طرفي النهار وعند النوم وليصبر على ما يعرض له من الموانع والصوارف. فإنه لا بد أن يؤيده الله بروح منه ويكتب الإيمان في قلبه. وليحرص على إكمال الفرائض من الصلوات الخمس بباطنه وظاهره فإنها عمود الدين. وليكن هجيراه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فإنه بها يحمل الأثقال ويكابد الأهوال وينال رفيع الأحوال. ولا يسأم من الدعاء والطلب فإن العبد يستجاب له ما لم يعجل. وليعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا. وقال ابن القيم: مراقبة الرب علم العبد وتيقنه باطلاع الله على ظاهره وباطنه فاستدامته لهذا العلم واليقين هي المراقبة. وهي ثمرة علمه بأن الله سبحانه رقيب عليه ناظر إليه سامع لقوله ومطلع على عمله كل وقت وكل لحظة.

стр. 154

قال النبي ﷺ : «ذاق طعم الإيمان من رضيّ بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولا» . وقال: من قال حين يسمع النداء رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا غفرت ذنوبه. وهذا الحديثان عليهما مدار مقامات الدين وإليهما ينتهي. وقد تضمنها الرضا بربوبيته سبحانه وألوهيته والرضا برسوله والرضا بدينه والتسليم له. ومن اجتمعت له فهو الصديق حقًا وقال: الأدب اجتماع خصال الخير في العبد وهي ثلاثة أنواع: أدب مع الله بأن يصون قلبه أن يلتفت إلى غيره أو تتعلق إرادته بما يمقته عليه، ويصون معاملته أن يشوبها بنقيصه. وأدب مع الرسول بكمال الانقياد، وتلقى خبره بالقبول والتصديق وأن لا يعارضه بغيره بوجه من الوجوه. وأدب مع الخلق بمعاملتهم على اختلاف مراتبهم بما يليق بهم ويناسب حالتهم. وقال ﵀: المقبول من العمل قسمان: أحدهما أن يصلى العبد ويعمل سائر الطاعات وقلبه متعلق بالله ذاكر الله على الدوام فعمله في أعلى المراتب. الثاني: أن يعمل العبد الأعمال على العادة والغفلة وينوي بها الطاعة والتقرب إلى الله. فأركانه مشغولة بالطاعة وقلبه لاه عن ذكر الله وكذلك سائر أعماله فهذا عمله مقبول ومثاب عليه بحسبه.

стр. 155

اللهم اجعلنا من المتقين الأبرار وأسكنا معهم في دار القرار، اللهم وفقنا بحسن الإقبال عليك والإصغاء إليك ووفقنا للتعاون في طاعتك والمبادرة إلى خدمتك وحسن الآداب في معاملتك والتسليم لأمرك والرضا بقضائك والصبر على بلائك والشكر لنعمائك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وآله أجمعين. فوائد ومواعظ ونصائح قال أحد العلماء اعلم أنه لا يسلم إنسان من النقص إلا من عصمه الله كالرسل قال الله جل وعلا عن الإنسان: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب: ٧٢] . وقال ﷺ : «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون» . فمن خفيت عليه عيوبه فقد سقط. وصار من السخف والرذالة والخسة وضعف التمييز والعقل وقلة الفهم بحيث لا يتخلف عنه متخلف من الرذائل. وعليه أن يتدارك نفسه بالبحث عن عيوبه والسؤال عنها بدقة وأكثر من يفهم عيوب الإنسان أعداؤه لأنهم دائمًا ينقبون عنها. وكذلك الأصدقاء الناصحين الصادقين المنصفين يفهمونها غالبًا. فالعاقل يشتغل بالبحث عنها والسعي في إزالتها ولا يتعرض لعيوب الناس التي لا تضره لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا من باب النصيحة. كما لو رأى إنسانًا معجبًا بنفسه فيبدي له النصح وجهًا لوجه لا خلف ظهره. واحذر أن تقارن بينك وبين من هو أكثر منك عيوبًا فتستهل الرذائل وتهاون بعيوبك.

стр. 156

لكن قارن بين نفسك ومن هو أفضل منك لتسلم من عجبك بنفسك وتفيق من داء الكبر والعجب الذي يولد عليك الاستحقار والاستخفاف بالناس مع العلم بأن فيهم من هو خير منك. فإذا استخففت بهم بغير حق استخفوا بك بحق لأن الله جل وعلا وتقدس يقول: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] . فتسبب على نفسك أن تكون أهلاً للاستخفاف بك مع ما تجنيه من الذنوب وطمس ما فيك من فضيلة. فإن كنت معجبًا بعقلك ففكر وتأمل في كل فكرة سوء تحل بخاطرك وفي أضاليل الأماني الطائفة بك فإنك تعلم نقص عقلك حينئذ. وإن أعجبت بآرائك فتأمل وفكر في غلطاتك وسقطاتك واحفظها وتذكرها ولا تنسها. وفي رأي كنت تراه صوابًا فتبين لك خطؤك وصواب غيرك والغالب أن خطأك أكثر من الصواب. وهكذا ترى الناس غير الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وإن أعجبت بعملك فتفكر في معاصيك هل بيتك خال من الملاهي والمنكرات مثل الصور والتلفاز والمذياع وأغانيه والمجلات والجرائد التي فيها صور ذوات الأرواح. وهل هو خال من الأولاد الذين لا يشهدون الجماعة وهل أنت سالم من الغيبة وإخلاف الوعد والكذب والحسد والكبر والرياء. والعقوق وقطيعة الرحم والظلم والرباء والدخان وحلق اللحية والغش وقول الزور وسوء الظن بالمسلمين والتجسس عليهم والاحتقار لهم ونحو ذلك.

стр. 157

فأنت إذا تفقدت نفسك وبيتك وأولادك وجدت عندك من الشرور والآثام ما بعضه يغلب على ما أعجبت به من عملك الذي لا تدري هل هو مقبول أو مردود. وإن أعجبت بعلمك أو عملك فاعلم أنه موهبة من العزيز العليم وهبك إياها فلا تقابلها بما يسخطه عليك. قال الله جل وعلا: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] . وقال : ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥] . وأسأل الله أن يزيد منه، وأن يجعله حجة لك لا عليك، قال ﵎: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه: ١١٤] . وتفكر فيما تحمله من العلم هل أنت عامل به أم لا واجعل مكان عجبك بنفسك استنقاصًا لها واستقصارًا فهو أولى بك. وتفكر فيمن كان أعلم منك تجدهم كثيرًا، ثم أعلم أن العلم الذي تفتخر فيه ربما يكون وبالاً عليك. فيكون الجاهل أحسن حالاً ومآلاً وأعذر منك فبذلك التفكير يزول العجب والكبر عنك وتهون نفسك عندك حينئذ. وإن أعجبت بشجاعتك وقوتك فتكفر فيمن هو أشجع وأقوى منك ثم انظر في تلك النجدة التي منحك الله تعالى فيم صرفتها. فإن كنت صرفتها في معصية الله فأنت جاهل آثم لأنك بذلك نفسك فيما ليس ثمنًا لها. وإن كنت صرفتها في طاعة فقد أفسدتها بإعجابك بعملك. ثم تفكر في زوالها عنك وقت الكبر عندما تنحل قوتك ويضعف جسمك. نَساقَطُ أَسْنَانٌ وَيَضْعُفُ نَاظِرٌ …

стр. 158

وَتَقْصُرُ خُطْوَاتٌ وَيَثْقُل مَسْمَعُ قال الله جل وعلا وتقدس: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤] . وقال وصاحب التعبد المطلق ليس له غرض في تعبد بعينه يؤثره على غيره. بل غرضه تتبع مرضاة الله تعالى أينما كانت فمدار تعبده عليها فلا يزال متنقلاً في منازل العبودية كلما رفعت له منزلة عمل على سيره إليها واشتغل بها. اللهم وفقنا لسلوك سبيل أهل الطاعة وارزقنا الثبات عليه والاستقامة وعافنا من موجبات الحسرة والندامة وأمنا من فزع يوم القيامة واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ٨- موعظة اسمع يا غائب في صلاته، يا شتيت الهم في جهاته يا مشغولاً بآفاته عن ذكر وفاته، يا قليل الزاد مع قرب مماته. يا من يرحل عن الدنيا في كل لحظة مرحلة، وكتابه قد حوى حتى مقدار الخردلة، وما ينتفع بالنذير والنذر متصلة. وما يرعوي لنصيح وكم قد عذله، ودرعه متخرقة والسهام مرسلة، ونور الهدى قد يُرى وما رآه ولا تأمله وهو يأمل البقاء وقد رأى مصير من أمله. وأجله قد دني ولكن أمله قد شغله، وقد عكف على العيب بعد الشيب بصبابة ووله، ويحضر بدنه في الصلاة وأما القلب فقد أهمله.

стр. 159

كن كيف شئت فبين يديك الحساب والزلزلة، ونعم جسمك فلا بد للدود أن يأكله. يا عجبًا من فتور مؤمن بالجزاء والمسألة، أيقين بالنجاة أم غرور وبله، بادر ما بقي من عمرك واستدرك أوله، فبقية عمر المؤمن لا قيمة له. وَمُسْنَدُوْنَ تَعاقَروا كَأْسَ الرَّدي … وَدَعَا بِشُرْبهُم الحِمَامُ فَأسُرَعُوْا بَرَكَ الزَّمانُ عَلَيْهُمُوْا بِجِرَانِهِ … وَهَفَتْ بِهم رِيحُ الخُطُوب الزَّعْزَعُ خُرُسٌ إِذَا نَادَيْتَ إِلَّا أَنَّهُمْ … وعَظُوْا بِمَا يَزِعُ اللَّبِيْبَ فَأَسْمَعُوْا والدَّهْرُ يَفْتِكُ بالنُفُوسِ حَمامُهُ … فَلِمَنْ تُعَدُّ كَرِيْمَةٌ أَوْ تُجْمَعُ عَجَبًا لِمَنْ يُبْقِي ذَخَائِرَ مَالِهِ … وَيَظَلُّ يَحْفظُهُنَّ وهْوَ مُضَيَّعُ وِلِغَافِلٍ وَيَرَى بِكُلِّ ثَنِيَّةٍ … مُلْقًى لَه بَطْنُ الصَّحَائِفِ مَضْجَعُ أَتَراهُ يحْسُب أنَّهُم مَا أسْأَرُوْا … مِن كَأسِهِ أَضْعَافَ مَا يَتَجرَّعُ عباد الله كم أخلى الموت دارًا، وترك المعمور قفارًا، كم أوقد من الأسف في الجوانح نارا، وكم أذاق الغصص المرة مرارا. لقد جال يمينًا ويسارًا فما حابى فقرًا ولا يسارًا، أين الجيش العرموم، أين الكبير المعظم، ألحق الأخير بمن تقدم. قال محمد بن كعب القرظي إنما الدنيا سوق خرج الناس منها بما يضرهم وبما ينفعهم. وكم اغتر ناس فخرجوا ملومين واقتسم ما جمعوا من لم يحمدهم وصاروا إلى من لا يعذرهم. فيحق لنا أن ننظر إلى ما نغبطهم به من الأعمال فنعملها، وإلى ما نتخوف فنتجنبها. ذَهَبَ الشَّبَابُ بِجْهلِهِ وَبعارِهِ …

стр. 160

وَأَتَى المَشِيْبُ بِحِلْمِهِ وَوَقَارِهِ شَتَّانَ بَيْنَ مُبِعِّدٍ مِن رَبَّهِ … بِغُرُورِهِ وَمُبَشِّرٍ بِجِوارِهِ مَا زِلْت اَمُرَحُ بالشبابِ جَهَالَةً … كَالطَّرْفِ يَمْرَحُ مُعْجَبًا بِعِذَارِهِ وسَحَبْت أثواب البَطَالَةِ لاهِيًا … وَجَررت مِن بَطَرٍ فُضولَ أَزارِهِ حتى تَقَلْصَ ظِلُه فَتكشَفَتْ … عَوْرَاتُه وبَدَا قبيحُ عَوَارِهِ لَمْ أُحْظَ مِنْهُ بِطَائِلٍ غَيْرُ الأسَى … وتَنَدمٌ مِنِّي عَلَى أَوْزَارِهِ والآنَ قَدْ خَطَّ المشيبُ بِمَفْرقِي … بِمَوَاعِظٍ والحقُّ في تَذْكَارِهِ وَالنَّفْسُ تَرْكَبُ غيَّهَا لا تَرعَوي … عنه ولا تُصْغِ إلى إِنْذَارِهِ لَهْفِي عَلى عُمْر يَمُرُّ مُضَيَّعًا … مُحْصًى على بلَيْلِهِ ونَهَارِهِ قال علي بن أبي طالب ﵁ ميدانكم نفوسكم فإن انتصرتم عليها كنتم على غيرها أقدر، وإن خذلتم فيها كنتم على غيرها أعجز، فجربوا معها الكفاح أولاً. كان سفيان الثوري ما ينام إلا أول الليل، ثم ينتفض فزعًا مرعوبًا ينادي النار النار شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات. ثم يتوضأ ويقول على أثر وضوئه، اللهم إنك عالم بحاجتي غير معلم وما أطلب إلا فكاك رقبتي من النار. قال عمر بن عبد العزيز أيها الناس إنما يراد الطبيب للوجع الشديد، ألا فلا وجع أشد من الجهل ولا داء أخبث من الذنوب ولا خوف أخوف من الموت. يروى عن الأصمعي قال قرأت «والسارق والسارقة قاطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله» والله غفور رحيم.

стр. 161

وبجنبي أعرابي فقال كلام من هذا فقلت كلام الله. قال أعد فأعدت فقال ليس هذا كلام الله، فانتبهت فقرأت "والله عزيز حكيم". فقال أصبت هذا كلام الله، فقلت أتقرأ القرآن، قال لا فقلت من أين علمت. فقال يا هذا عز فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع. كان أحد العلماء له وظيفة يأخذ عليها رابت جيد فاتفق أنه كان يأكل يومًا مع أصحابه طعامًا فجاء قط فرموا له شيئًا فأخذه وذهب سريعًا. ثم رجع فرموا له أيضًا شيئًا فانطلق به سريعًا ثم جاء أيضًا فرموا له شيئًا فعلموا أنه لا يأكل هذا كله فتبعوه فإذا هو يذهب به إلى قط آخر أعمى في سطح هناك فتعجبوا من ذلك. فقال الشيخ يا سبحان الله هذا حيوان بهيم قد ساق الله إليه رزقه على يد غيره أفلا يرزقني وأنا عبده وأعبده. ثم ترك ما كان له من الراتب وجمع حواشيه. وأقبل على العبادة والملازمة في غرفة في جامع عمرو بن العاص إلى أن مات. وكتب بعضهم إلى أخ له إياك وتأمير التسويف على نفسك وإمكانه من قلبك، فإنه محل الكلال وموئل التلف وبه تنقطع الآمال وفيه تنقطع الآجال وبادر يا أخي فإنه مبادر بك وأسرع فإنه مسرع بك وجد فإن الأمر جد وتيقظ من رقدتك وانتبه من غفلتك. وتذكر ما أسلفت وقصرت وفرطت وجنيت وعملت فإنه مثبت محصى فكأنك بالأمر قد بغتك فاغتبط بما قدمت أو ندمت على ما فرطت.

стр. 162

ثم اعلم أن في التسويف وتأخير الواجب آفات منها أنك لا تضمن أن تعيش إلى الغد ولا سيما في هذا العصر الذي كثرت فيه الحوادث برغم تقدم الطب وتوفر النعم وتقدم العلم. ولكن لا يمنع ذلك الموت بسبب الحوادث التي لا تحصى كل يوم من أسباب أدواب الحضارة: السيارات والطائرات والآلات والأجهزة الميكانيكية والكهربائية والقز والنفط وغيرها بل العلم هو الذي نشأت عنه هذه الأسباب بإذن الله حيث كان الإنسان قبل حصول هذه في أمان منها. ثانيًا: إنك إن بقيت إلى الغد لا تأمن من المعوقات من مرض طارئ أو شغل عارض أو بلاء نازل به فلهذا ينبغي للعاقل الحازم أن يبادر إلى اغتنام الفرص وفعل الخيرات وأداء الواجبات وكان العجز أن تؤخر وتؤجل حتى تفوتك الفرصة وتشكو من الغصة وقد قيل: ولا تُؤَخِّرْ إذَا مَا حَاجَةٌ عَرَضَتْ … فَهُمْ يَقولُونَ لِلتَّأَخير آفَاتُ آخر: عَليكَ بَأَمْرِ اليومِ لا تَنْتَظِرْ غَدًا … فَمَنْ لغَدٍ مِن حَادثٍ بِكَفِيْلٍ آخر: وَلا أُأَخِرُ شُغْل اليوم عن كَسَلٍ … إلى غَدٍ إِنَّ يَوْمَ العَاجزينَ غَدُ اللهم يا خالق الخلق يا قيوم نسألك بأسمائك الحسنى أن تنصر الإسلام والمسلمين وأن تعلي بفضلك كلمة الحق والدين وأن تشمل بعنايتك وتوفيقك كل من نصر الدين وأن تملأ قلوبنا بمحبتك ومحبة من يحبك وأن تأخذ بنواصينا إلى ما ترضاه وأن ترزقنا الاستعداد لما أمامنا وأن تهون أمر الدنيا علينا وأن تغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى أهله وصحبه أجمعين.

стр. 163

(فصل) قال بعضهم أعجب حالات الإنسان أنه يحسب لكل شيء حسابًا ويستعد له يخشى الفقر فيدخر له المال ويخشى البرد فيستعد له والحر كذلك. ويخشى الشيخوخة والكبر فيسعى في تحصيل الأولاد لعلهم يخدمونه عند العجز ويخلفونه في شؤونه الدنيوية والأخروية وهكذا. لكنه لا يدخل الموت الذي ربما فاجأه في حسابه فلا يستعد له مع أنه يشاهد الموتى يذهبون ولا يعودون. وهو مهدد بالموت في كل ساعة خصوصًا في زمننا الذي كثرت فيه أسباب موت الفجأة نسأل الله أن يوقظ قلوبنا للاستعداد له. وقال علي ﵁: أيها الناس اتقوا الله الذي إن قلتم سمع وإن أضمرتم علم، وبادروا الموت الذي إن هربتم عنه أدرككم، وإن أقمتم أخذكم، وإن نسيتموه ذكركم. وقال ﵁: إذا كنت في إدبار الموت في إقبال فما أسرع الملتقى. وقال آخر: الدنيا كطريق فيه شوك مغطى بالتراب يدوسه من لا يعرف مسلكه فينخسه ويضره ويؤلمه ويقف عنه من استراب به فيسلم من شره. وقال من مال إلى الدنيا تعجل التعب فيها وكان على يقين من فنائه. وقال ما أغفل من تيقن بالرحيل عن الدنيا وهو منهمك مجتهد في عمارتها والجدير بالعاقل أن يجعل جل أوقاته للآخرة ولا ينسى نصيبه من الدنيا. فمن جعل همه كله للدنيا ضيع نفسه، وفعل السبب لا ينافي التوكل قال

стр. 164

- ﷺ : «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا» . رواه الترمذي. ففي الحديث دلالة على طلب الرزق الكفاف وعمارة الآخرة تفيد الراحة في الدنيا والنعيم في الآخرة وعمارة الدنيا تكسب التعب فيها والشقاء بعد مفارقتها. والآخرة صبر قليل وسرور طويل. وقال آخر: الموت راحة لمن كان عبد شهوته ومملوك هواه لأنه كلما طالت حياته كثرت سيئاته وانبثت في العالم جناياته. وقال: الموت محمود على كل حال للبر والفاجر، فأما البر فيصل إلى ما قدم من صالح أعماله وجميل أفعاله، وأما الفاجر فيستريح العالم من فجوره وشروره ويقل تزيده من الأوزار. وختامًا فإن الإنسان عند موته ينكشف له الحجاب فإن كان ممن ﵁ ينكشف له من سعة رحمة الله وجلاله ما تكون الدنيا بالإضافة إليه كالسجن المضيق. يفتح له باب إلى الجنة ويأتيه من روحها وريحانها ويوسع له قبره مد بصره. وإن كان من أهل الشقاء فيرى نفسه محفوفة بالمخازي والفضائح والأنكال ويضيق عليه قبره. ويفتح له باب إلى النار ويأتيه من حرها وسمومها نعوذ بالله من ذلك. والعجب من غفلتنا وهذه العظائم بين أيدينا وأعجب من ذلك فرحنا بأموالنا وأهلينا وأولادنا وأصدقائنا مع العلم أننا سنفارق الجميع ولكننا في غفلة ولو لم يكن للعاقل هم ولا غم إلا التفكر والتأمل في خطر تلك الحالة

стр. 165

وهول المطلع لكان كافيًا في استغراق جميع العمر ولكن ما عرف قدر العمر وعرف الدنيا حقيقة إلا أفراد من الآلاف الذي تمسكوا بسيرة النبي ﷺ وأصحابه الذين جعلوا الدنيا مطية للآخرة نسأل الله العظيم أن يوفقنا لسلوك طريقهم وأن يجزيهم عنا وعن جميع المسلمين خيرًا، اللهم طهر قلوبنا من النفاق والحسد والكبر والعجب والرياء وأعيننا من الخيانة فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين وارحمنا برحمتك الواسعة يا رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال بعضهم موبخًا نفسه: دَعِ التَّشَاغُلَ بالْغِزْلَانِ وَالغَزَلِ … يَكْفِيكَ مَا ضَاعَ مِنْ أَيَّامِكَ الأَوَلِ ضَيَّعْتَ عُمْرَكَ لا دُنْيَا ظَفْرِتَ بِهَا … وَكُنْتَ عَنْ صَالِحٍ الأَعمَالِ في شُغُلِ تَرَكْتَ طُرْقَ الهُدَى كالشمسِ واضِحَةٍ … وَمِلْتَ عنها لِمُعْوَجٍّ مِنَ السُّبُلِ وِلم تَكُنْ نَاظَرًا في أمْرِ عَاقَبَةٍ … أَأنْتَ في غَفْلَةٍ أم أَنْتَ في خَبَلِ يَا عَاجِزًا يَتَمَادَى في مُتَابَعَةِ النَّـ … نَفْسِ اللجُوجِ ويَرْجُو أَكْرَمَ النُّزلِ هِلا تَشَبَّهْتَ بالأكياسِ إِذْ فَطِنُوا … فَقَدَّمُوا خَيْرَ مَا يُرْجَى مِنَ العَمَلِ فَرَّطْتَ يَا صَاحِ فَاسْتَدْرِكْ عَلَى عَجَلٍ … إِن المَنِيَّةَ لا تَأتِي عَلَى مَهَلِ هَلْ أَنْذَرَتْكَ يَقِينًا وَقْتَ زَوْرَتِهَا … أَوْ بَشَّرَتْكَ بِعُمْر غَيْرِ مُنْفَصِلِ هَيْهَات هَيْهَاتَ مَا الدُّنْيَا بِبَاقِيَةٍ … ولا الزَّمَانُ بِمَا أمَّلْتَ فيه مَلي لا تَحْسَبَنَّ الليَالِي سَالَمَت أَحَدًا … صَفْوًا فَمَا سَالَمَتْ إِلا على دَخَلِ ولا يَغُرَّنْكَ مَا أوِليتَ مِنْ نِعَمٍ … فَهَلْ رَأَيْتَ نَعِيمًا غَيْرَ مُنْتَقِلِ كَمْ مِن فَتَى جَبَرَتْهُ بَعْدَ كَسْرَتِهِ … فَقَابَلَتْهُ بِجُرْحٍ غَيْرِ مُنْدَمِلِ إِلَامَ تَرْفُلُ في ثَوْبِ الغُرُورِ عَلَى …

стр. 166

بُسَاطِ لَهْوَكَ بَيْنَ التِّيهِ والجَذَلِ والشَّيْبُ وَافَاكَ مِنْهَ نَاصِحٌ حَذِرٌ … فَمَا بِهِ كُنْتَ إِلا غَيْرَ مُهْتَبِلِ وَلَمْ تُرَعْ مِنْهُ بَلْ أَصْبَحْتَ تَنْشُدُهُ … إِنِّي أَتَّهَمْتُ نَصِيحَ الشَّيْبِ في عَذَلِ وَسِرْتَ تَطْلُبُ حَظَّ النَّفْسِ مِنْ سَفَهٍ … فَبَهْجَةُ العُمْرِ قدْ وَلَّتْ وَلَم تَصِلِ وَمَالَ عَصْرُ التَّصَابِي مِنْكَ مُرْتَحِلاً … وَحَالةٌ عَنْ طَرِيقِ الغَيِّ لَمْ تَحُلِ أَقْسَمْتُ بِالله لو أَنْصَفْتَ نَفْسُكَ مَا … تَرَكْتَهَا بِاكْتِسَابِ الوِزْرِ في ثِقَلِ اَمَا عَلِمْتَ بأنَّ الله مُطَّلِعٌ … عَلَى الضَّمَائِرِ وَالأَسْرَارِ والحِيَلِ وكُلُّ خَيْرٍ وَشَرٍّ أَنْتَ فَاعِلُهُ … يُحْصَى وَلَو كُنْتَ فِي الأَسْتَارِ وَالكَلَلِ أَمَا اعْتَبَرْتَ بِتَرْدَادِ المَنُونِ إِلى … هَذِي الخَلِيقَةِ في سَهْلٍ وَفِي جَبَلِ وَسَوْفَ تَاتي بِلا شَكٍّ إِليكَ فَمَا … أَخِّرْتَ عَمَّنْ مَضَى إِلا إِلى أَجَلِ لكِنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَدَيْكَ فَخُذْ … بالحزْمِ وانْهَضْ بِعَزْمٍ مِنْكَ مُكْتَمِلِ دَعِ البَطَالَةَ وَالتَّفْرِيطَ وَابْكِ على … شَرْخِ الشَّبَابِ الذي وَلَّى وَلَم يَطُلِ وَلَم تُحَصِّلْ بِهِ عِلْمًا ولا عَمَلاً … يُنْجِيكَ مِنْ هَوْلِ يَوْمِ الحَادِثِ الجَلِلِ وَابْخَل بِدِينكَ لا تَبْغِي به عِوَضًا … وَلَوْ تَعَاظَمْ وَاحْذَرْ بَيْعَةَ السِّفَلِ واتْلُ الكِتَابَ كِتِابَ الله مُنْتَهيًا … عَمَّا نَهَى وتَدَبَّرْهُ بِلا مَلَلِ وَكُلُّ مَا فِيْهِ مِن أَمْرٍ عَلَيْكَ بِهِ … فَهْوَ النَّجَاةُ لتَاليهِ مِنَ الضُلَلِ وَلازِمِ السُّنَّةَ الغَرَّاءَ تَحْظَ بِهَا … وَعَدِّ عَنْ طُرُقِ الأَهْوَاءِ واعْتَزِلِ وَجَانِبِ الخَوْضَ فِيمَا لَسْتَ تَعْلَمُهُ … وَاحْفَظْ لِسَانَكَ واحْذَرْ فِتْنَةَ الجَدَلِ وكُنْ حَريصًا على كَسْب الحَلَالِ وَلَوْ … حَمَّلْتَ نَفْسُكَ فِيْه غَيْرَ مُحْتَملِ واقنَعْ تَجدْ غُنْيَةً عن كل مَسْألَةٍ … فَفِي القَنَاعَةِ عِزٍّ غَيْرُ مُرْتَحِلِ واطْلُبْ مِنَ الله واتْرُكْ مَنْ سِوَاهُ تَجدْ …

стр. 167

مَا تَبْتَغِيهِ بِلا مَنٍّ وَلَا بَدَلِ ولا تُدَاهِنْ فَتىً مِنْ أَجْلِ نِعْمَتِهِ … يَوْمًا وَلَوْ نِلْتَ مِنْهُ غَايَةَ الأمَلِ واعْمَلْ بِعِلْمِكَ لا تَهْجُرْهُ تَشْقَ بِهِ … وانْشُرْهُ تَسْعَدْ بِذِكْرٍ غَيْرِ مُنْخَذِلِ وَمَن أَتَى لَكَ ذَنْبًا فَاعْفُ عَنْهُ وَلا … تَحْقُدْ عَلَيْهِ وفي عُتْبَاهُ لا تَطُلِ عَسَاكَ بِالعَفْوِ أَنْ تُجْزَى إذَا نُشِرَتْ … صَحَائِفٌ لَكَ مِنْهَا صِرْتَ في خَجَلِ وَلَا تَكُنْ مُضْمِرًا مَا لَسْتَ تُظْهُرُهُ … فَذَاكَ يَقْبحُ بَيْنَ النَّاسِ بالرَّجُلِ ولا تَكُنْ آيِسًا وارْجُ الكَرِيمَ لِمَا … أَسْلَفْتَ مِنْ زَلَّةٍ لَكِنْ عَلَى وَجَلِ وَقِفْ عَلَى بَابِهِ المَفْتُوحِ مُنْكَسِرًا … تَجْزِمْ بِتَسْكِينِ مَا فِي النَّفْسِ مِن عِلَلِ وارْفَعْ لَهُ قِصَّةَ الشَّكوَى وسَلْهُ إِذَا … جُنَّ الظَّلامُ بِقَلْبٍ غَيْرِ مُشْتَغِلِ ولازِمِ البَابَ واصْبِرْ لا تَكُنْ عَجِلاً … واخْضَعْ لَهُ وتَذَلَّلْ وَادْعُ وابْتَهِلِ وَنَادِ يَا مَالِكِي قَدْ جِئْتُ مُعْتَذِرًا … عَسَاكَ بِالعَفْوِ والغُفْرَانِ تَسْمَحُ لِي فَإِنَّنِي عَبْدُ سِوْءٍ قَدْ جَنَى سَفَهًا … وَضَيَّعَ العُمْرَ بَيْنَ النَّومِ والكَسَلِ وغَرَّهُ الحِلْمُ والإِمْهَالُ مِنْكَ لَهُ … حَتَّى غَدَا في المَعَاصِي غَايَةَ المُثُلِ وَلَيْسَ لِي غَيْرُ حُسْنِ الظَّنِّ فِيكَ فَإِنْ … رَدَدْتَنِي فَشَقَاءٌ كَانَ فِي الأَزَلِ حَاشَاكَ مِنْ رَدِّ مِثْلِي خَائِبًا جَزِعًا … والعَفْوُ أَوْسَعُ يَا مَوْلاي مِنْ زَلَلي وَلَمْ أكُنْ بِكَ يَومًا مُشْركًا وإلى … دينٍ سِوَى دينكَ الإِسْلامِ لَمْ أمِلِ وكَانَ ذَلكَ فَضْلاً مِنْكَ جُدْتَ بِهِ … وَلَيْسَ ذَاكَ بِسَعْي كَانَ مِنْ قِبَلي الله اعتقنا من رق الذنوب، وخلصنا من أشر النفوس، وأذهب عنا وحشة الإساءة، وطهرنا من دنس الذنوب، وباعد بيننا وبني الخطايا وأجرنا من الشيطان الرجيم.

стр. 168

اللهم طيبنا للقائك، وأهلنا لولائك وأدخلنا مع المرحومين من أوليائك، وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وتلاوة كتابك، واجعلنا من حزبك المفلحين، وأيدنا بجندك المنصورين، وارزقنا مرافقة الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. فوائد ومواعظ وإرشادات وأحكام قال ابن مسعود ﵁ إني لأكره أن أرى الرجل فارغًا لا في أمر دنياه ولا في أمر دينه. وقال عمر بن الخطاب ﵁ لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة. وكان محمد بن مسلمة يغرس في أرضه فقال عمر ﵁ أصبت استغن عن الناس يكون أصون لدينك وأكرم لك عليهم. وسئل إبراهيم النخعي عن التاجر الصدوق أهو أحب إليك أم المتفرغ للعبادة. قال التاجر الصدوق أحب إلي لأنه في جهاد يأتيه الشيطان من طريق المكيال والميزان، ومن قبل الأخذ والعطا فيجاهده. وقيل للإمام أحمد ما تقول فيمن جلس في بيته أو مسجده وقال لا اعمل شيئًا حتى يأتيني رزقي. فقال أحمد هذا رجل جهل العلم أما سمع قول النبي ﷺ : «إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي» . وقوله ﷺ حين ذكر الطير: «تغدوا خماصًا وتروح بطانا» فذكر أنها

стр. 169

تغدوا في طلب الرزق. وكان أصحاب رسول الله ﷺ يتجرون في البر والبحر ويعملون في نخيلهم والقدوة بهم. وجاءت ريح عاصفة في البحر فقال أهل السفينة لإبراهيم بن أدهم ﵀ وكان معهم في السفينة. أما ترى هذه الشدة فقال ما هذه شدة إنما الشدة الحاجة إلى الناس. وروي أن الأوزاعي لقي إبراهيم بن أدهم وعلى رأسه حزمة حطب فقال يا أبا إسحاق إلى متى هذا إخوانك يكفونك. فقال دعني عن هذا يا أبا عمرو فإنه بلغني أنه من وقف موقف مذلة في طلب الحلال وجبت له الجنة. وقال أبو سليمان الداراني ليس العبادة عندنا أن تصف قدميك، وغيرك يقوت لك، ولكن ابدأ برغيفيك فأحرزهما ثم تعبد. اهـ. فالإنسان البصير يتسبب ويسترزق الله ويبيع ويشتري بإخلاص ونصح لنفسه وللمسلمين. كان عند يونس بن عبيد حلل مختلفة الأثمان قسم منها قيمة الحلة أربعمائة، وقسم قيمة الحلة مئتان. فذهب مبادرًا إلى الصلاة وخلف ابن أخيه في الدكان فجاء أعرابي وطلب حلة بأربعمائة. فعرض عليه من حلل المئتين فاستحسنها ورضيها فاشتراها بأربعمائة وذهب بها. فلقيه يونس فقال بكم اشتريت هذه فقال بأربع مائة فقال لا تساوي أكثر من مائتين فارجع حتى تردها.

стр. 170

فقال هذه تساوي في بلدنا خمسمائة وأنا ارتضيتها فقال له يونس انصرف فإن النصح في الدين خير من الدنيا وما فيها. ثم رده إلى الدكان ورجع عليه مئتي درهم ووبخ ابن أخيه وقال له أما استحييت أما اتقيت الله تربح مثل الثمن وتترك النصح للمسلمين. فقال والله ما أخذها إلا وهو راض بها قال فهلا رضيت له ما ترضاه لنفسك. وكان يونس بن عبيد المذكور التابعي خزازًا (أي يبيع الخز) فطلب منه المشتري خزًا للشراء. فأخرج غلامه سفط الخز ونشره ونظر إليه وقال اللهم ارزقنا الجنة. فقال لغلامه رده إلى موضعه ولم يبعه، لأنه خاف أن يكون كلام الغلام تعريضًا بالثناء على السلعة ومدحًا لها فيكون من باب الغش والخداع. اللهم يا من لا تضره المعصية ولا تنفعه الطاعة أيقظنا من نوم الغفلة ونبهنا لاغتنام أوقات المهلة ووفقنا لمصالحنا واعصمنا من قبائحنا ولا تؤاخذنا بما انطوت عليه ضمائرنا وأكنته سرائرنا من أنواع القبائح والمعاتب التي تعلمها منا، وامنن علنيا يا مولانا بتوبة تمحو بها عنا كل ذنب واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين. (فصل) وكان لمحمد بن المنكدر قطع قماش بعضها بخمسة وبعضها بعشرة فباع غلامه قطعة من القطع التي على خمسة بعشرة. فلما علم محمد بذلك ذهب يطلب الذي اشترى من غلامه ليرد عليه

стр. 171

خمسة فلم يزل يطلبه طول النهار حتى وجده. فقال له إن الغلام قد غلط باعك ما يساوي خمسة بعشرة. فقال يا هذا أنا قد رضيت فقال له وإن رضيت فإنا لا نرضى لك إلا ما نرضاه لأنفسنا. فاختر إحدى ثلاث خصال إما أن تأخذ بدلها من القطع التي على عشرة بدراهمك وإما نرد عليك خمسة وإما أن ترد القطعة وتأخذ دراهمك. فقال أعطني خمسة فرجع عليه خمسة وأخذها وانصرف. فقال من هذا الرجل الناصح لنفسه وللمسلمين فقالوا هذا محمد بن المنكدر ﵀. هذا من رقم واحد في الزهد والورع. وكان ليونس بن عبيد غلام يجهز إليه السكر فكتب إليه مرة أن قصب السكر قد أصابته آفة هذه السنة فاشتر السكر قال فاشترى سكرًا كثيرًا. فلما جاء وقته ربح فيه ثلاثين ألفًا فانصرف إلى منزله، فأفكر ليلته وقال ربحت ثلاثين ألفًا وخسرت نصح رجل من المسلمين. فلما أصبح غدا إلى بائع السكر فدفع إليه ثلاثين ألفًا وقال بارك الله لك فيها فقال من أين صارت لي فقال إني كتمتك حقيقة الحال وكان السكر قد غلا في ذلك الوقت. فقال رحمك الله قد أعلمتني الآن وقد طيبتها لك قال فرجع بها إلى منزله وتفكر وبات ساهرًا وقال ما نصحته فلعله استحيا مني فتركها لي. فبكر إليه من الغد وقال عافاك الله خذ مالك إليك فهو أطيب لقلبي فأخذ منه ثلاثين ألفًا. هذا من رقم واحد في الورع والزهد. ونقل عن بعض الورعين أنه اشترى كر لوز وهو ستون قفيزًا بستين دينارًا. وكتب في دفتره ثلاثة دنانير ربحه. وكأنه رأى أن يربح على العشرة

стр. 172

نصف دينار فصار اللوز بتسعين. فأتاه الدلال فطلب اللوز فقال خذه قال بكم قال بثلاثة وستين دينارًا. فقال الدلال وكان من الصالحين الورعين قد صار اللوز بتسعين. فقال قد عقدت عقدًا لا أحله لست أبيعه إلا بثلاث وستين. فقال الدلال وأنا عقدت بيني وبين الله ألا أغش مسلمًا لست آخذه منك إلا بتسعين. فتفرقا بدون بيع. كل منهما ما يريد أن يفسد نيته وهذا من رقم واحد في الورع. وباع ابن سيرين شاة فقال للمشتري إن فيها عيبًا "إنها تقلب العلف برجلها" قلت فعلى المسلم الناصح أن يبين لأخيه المسلم كل ما يعلمه في المبيع من العيوب ككون الدابة تأكل العذرة أو تأكل الخرق أو ما تحلب إلا على نوع من الطعام. ويحكى أن واحدًا كان له بقرة يحلبها ويخلط لبنها بالماء ويبيعه فجاء سيل فغرق البقرة. فقال أحد أولاده إن تلك المياه المتفرقة التي غشينا فيها اللبن اجتمعت دفعة واحدة فأغرقت البقرة. وعن أحد التابعين أنه قال لو دخلت الجامع وهو غاص بأهله وقيل لي من خير هؤلاء لقلت أنصحهم لهم، فإذا قالوا هذا قلت هو خيرهم. ولو قيل لي من شرهم قلت أغشهم لهم فإذا قيل هذا قلت هو شرهم. وباع الحسن بن صالح وهو من رجال البخاري جارية فقال للمشتري إنها تنخمت عندنا دمًا. وختامًا فعلى المسلم أن يجتنب بيع المنكرات والملاهي كالصور والتلفاز

стр. 173

والفيديو وجميع المحرمات والمنكرات وأواني الذهب والفضة لمن يستعملها. والدخان وأوراق اللعب والطبول والمزامير وكل ما يشغل عن طاعة الله أو يعين على معاصي الله. وينصح من يتعاطى هذه وأمثالها نسأل الله أن يعافينا وجميع المسلمين. تَورَّعْ وَدَعْ مَا إِنْ يُريْبُكَ كُلَّهُ … جَمِيْعًا إِلَى مَا لا يَرِيْبُكَ تَسْلَمِ وَحَافِظْ عَلَى أَعْضائِكَ السَّبْعِ جُمْلَةً … وَرَاعِ حُقُوقَ اللهِ فِي كُلِّ مُسْلِمِ وَكُنْ رَاضِيًا بِاللهِ رَبًّا وَحَاكِمًا … وَفَوِّضْ إِلَيْهِ في الأَمُوْر وَسَلِّمِ اللهم وفقنا لصالح الأعمال، ونجنا من جميع الأهوال، وأمنا من الفزع الأكبر يوم الرجف والزلزال، واغفر لنا ولوالدينا، ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين. عن أبي برزة الأسلمي أن جليبيبا كان امرأ من الأنصار، وكان أصحاب النبي ﷺ إذا كان لأحدهم أيم (أي لا زوج لها) لم يزوجها حتى يعلم النبي ﷺ : هل له فيها حاجة أم لا؟ فقال رسول الله ﷺ ذات يوم لرجل من الأنصار: يا فلان زوجني ابنتك. قال: نعم ونعمة عين. قال: إني لست لنفسي أريدها قال: لمن؟ قال: لجليبيب. قال: يا رسول الله ﷺ حتى أستأمر (أي أشاورها) وأمها. فأتاها فقال: إن رسول الله ﷺ يخطب ابنتك. قالت: نعم ونعمة عين، زوج رسول الله ﷺ . قال: إنه ليس لنفسه يريدها. قالت: فلمن؟ قال: لجليبيب. قالت: حلقى ألجليبيب؟ لا لعمر الله لا أزوج جليبيًا.

стр. 174

فلما قام أبوها ليأتي النبي ﷺ قالت الفتاة من خدرها لأبويها: من خطبني إليكما؟ قالا: رسول الله ﷺ قالت: أفتردون على رسول الله ﷺ أمره؟ ادفعوني إلى رسول الله فإنه لن يضيعني. فذهب أبوها إلى النبي ﷺ فقال: شأنك بها. فزوجها جليبيبا. قال إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة لثابت: أتدري ما دعا لها به النبي ﷺ ؟ قال: وما دعا لها به النبي ﵇؟ قال: اللهم صب عليها الخير صبًا ولا تجعل عيشها كدًا كدًا. قال ثابت: فزوجها إياه، فبينما رسول الله ﷺ في مغزى له قال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نفقد فلانًا ونفقد فلانًا ونفقد فلانًا. ثم قال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نفقد فلانًا ونفقد فلانًا. ثم قال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: لا. قال: لكني أفقد جليبيبا فطلبوه في القتلى. فنظروا فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه. فقال رسول الله ﷺ : هذا مني وأنا منه، أقتل سبعة ثم قتلوه هذا مني وأنا منه أقتل سبعة ثم قتلوه هذا مني وأنا منه. فوضعه رسول الله ﷺ على ساعديه ثم حفروا له ما له سرير إلا ساعدي رسول الله ﷺ حتى وضعه في قبره. لله در هذه الأنفس فما أعزها وهذه الهمم فما أرفعها؟ وَلَمَّا رَأوَا بَعْضَ الحَياةِ مَذلةً … عليهم وعِز الموتِ غَيرَ مُحَرَّمِ أَبْوا أنْ يَذُوقُو العَيْشَ والذَمُّ وَاقعُ … عليه وماتُوا مِيْتَةً لَمْ تُذَمَّمِ ولا عَجَبٌ لِلأَسْدِ إِنْ ظَفِرَتْ بِهَا … كِلابُ الأَعَادِي مِنْ فَصِيحٍ وَأَعَجَمِ فَحَرْبةُ وحْشِىٍّ سَقَتْ حَمزةَ الرَّدَى …

стр. 175

وَحَتْفُ عَلىٍّ في حُسَامِ ابن مُلْجَمِ روى مسلم في أفراده من حديث أنس بن مالك قال: انطلق رسول الله ﷺ وأصحابه إلى بدر حتى سبقوا المشركين، وجاء المشركون، فقال رسول الله ﷺ : «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض» . قال: عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض؟! قال: نعم. قال: بخ بخ يا رسول الله. فقال: ما يحملك على قولك بخ بخ؟ قال [لا] والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها. قال: فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكلهن ثم قال: إن أنا حييت حتى أكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتل حتى قُتل. قال الواقدي: لما أراد عمرو بن الجموح الخروج إلى أحد، منعه بنوه، وقالوا: قد عذرك الله. فجاء إلى النبي ﷺ فقال: إن بني يريدون حبسي عن الخروج معك وإني لأرجو أن أطأ بعرجتي [هذه] في الجنة، فقال: "أما أنت فقد عذرك الله" ثم قال لبنيه: لا عليكم أن لا تمنعوه لعل الله يرزقه الشهادة. فخلوا سبيله. قالت امرأته هند بنت عمرو بن خزام: كأني أنظر إليه موليًا، قد أخذ درقته وهو يقول: اللهم لا تردني إلى خربي وهي منازل بني سلمة. قال أبو طلحة: فنظرت إليه حين انكشف المسلمون ثم ثابوا، وهو في الرعيل الأول، لكأني أنظر إلى ضلع في رجله وهو يقول: أنا والله مشتاق إلى الجنة!. ثم أنظر إلى ابنه خلاد [وهو] يعدو [معه] في أثره حتى قتلا جميعًا.

стр. 176

وفي الحديث أنه دفن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمر وأبو جابر في قبر واحد، فخرب السيل قبورهم، فحفر عنهم بعد ست وأربعين سنة فوجدوا لم يتغيروا كأنهم ماتوا بالأمس. عن أنس بن مالك قال: كنا جلوسًا مع رسول الله ﷺ فقال: يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنة، فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد علق نعليه بيده الشمال. فلما كان الغد قال النبي ﷺ : «مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى. فلما كان اليوم الثالث قال النبي ﷺ مثل مقالته أيضًا فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى فلما قام النبي ﷺ تبعه عبد الله بن عمرو، فقال: إني لاحيت أبي، فأقسمت أني لا أدخل عليه ثلاثًا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت. قال: نعم". قال أنس: فكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الثلاث الليالي فلم يره يقوم من الليل شيئًا غير أنه إذا تعار تقلب على فراشه ذكر الله ، وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر. قال عبد الله: غير أني لم أسمعه إلا خيرًا، فلما مضت الثلاث الليالي، وكدت أن احتقر عمله. قلت: يا عبد الله لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول لك ثلاث مرات: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فطلعت أنت الثلاث المرات، فأردت أن آوى إليك. فأنظر ما عملك، فأقتدى بك، فلم أرك عملت كبير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ﷺ ؟. قال: ما هو إلا ما رأيت، فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت

стр. 177

غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًا ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه. فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك، رواه أحمد بإسناد على شرط البخاري ومسلم والنسائي. عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ بعث جيشًا فيهم رجل يقال له: حدير. وكانت تلك السنة قد أصابتهم سنة من قلة الطعام، فزودهم رسول الله ﷺ ونسى أن يزود حديرًا. فخرج حدير صابرًا محتسبًا وهو في آخر الركب يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ويقول: نعم الزاد هو يا رب. فهو يرددها وهو في آخر الركب. قال: فجاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال له: إن ربي أرسلني إليك يخبرك أنك زودت أصحابك ونسيت أن تزود حديرًا، وهو في آخر الركب يقول: لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله. فدعا النبي ﷺ رجلاً فدفع إليه زاد حدير وأمره إذا انتهى إليه حفظ عليه ما يقول، وإذا دفع إليه الزاد حفظ عليه ما يقول، ويقول له: إن رسول الله ﷺ يقرئك السلام ورحمة الله، ويخبرك أنه كان نسي أن يزودك، وإن ربي ﵎ أرسل إلى جبريل يذكرني بك، فذكره جبريل وأعلمه مكانك. فانتهى إليه وهو يقول: لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله، ويقول: نعم الزاد هذا يا رب. قال: فدنا منه ثم قال له: إن رسول الله ﷺ يقرئك السلام ورحمة الله وقد أرسلني إليك بزاد معي، ويقول: إني إنما نسيتك فأرسل إلى جبريل من السماء يذكرني بك. قال: فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ .

стр. 178

ثم قال: الحمد لله رب العالمين، ذكرني ربي من فوق سبع سموات، ومن فوق عرشه، ورحم جوعي وضعفي، يا رب كما لم تنس حديرًا فاجعل حديرًا لا ينساك. قال: فحفظ ما قال ورجع إلى النبي ﷺ فأخبره بما سمع منه حين أتاه، وبما قال حين أخبره، فقال رسول الله ﷺ : أما إنك لو رفعت رأسك إلى السماء لرأيت لكلامه ذلك نورًا ساطعًا ما بين السماء والأرض. وعن محمد بن سعد قال: كان ذو البجادين يتيمًا لا مال له. فمات أبوه ولم يورثه شيئًا، وكفله عمه حتى أيسر. فلما قدم النبي المدينة جعلت نفسه تتوق إلى الإسلام ولا يقدر عليه من عمه حتى مضت السنون والمشاهد. فقال لعمه: يا عم إني قد انتظرت إسلامك فلا أراك تريد محمدًا، فأذن لي في الإسلام. فقال: والله لئن اتبعت محمدًا لا أترك بيدك شيئًا كنت أعطيتكه إلا نزعته منك، حتى ثوبيك. قال: فأنا والله متبع محمدًا وتارك عبادة الحجر، وها ما بيدي فخذه، فأخذ ما أعطاه حتى جرده من إزاره. فأتى أمه فقطعت بجادًا لها باثنين فأتزر بواحد وارتدى بالآخر ثم أقبل إلى المدينة وكان بورقان فاضطجع في المسجد في السحر. وكان رسول الله ﷺ يتصفح الناس إذا انصرف من الصبح فنظر إليه فقال: من أنت؟ فانتسب له، وكان اسمه عبد العزى. فقال: أنت عبد الله ذو البجادين. ثم قال: انزل مني قريبًا. فكان يكون في أضيافه حتى قرأ قرآنًا كثيرًا.

стр. 179

فلما خرج النبي ﷺ إلى تبوك قال: ادع لي بالشهادة. فربط النبي ﷺ على عضده لحى سمرة وقال: اللهم إني أحرم دمه على الكفار. فقال: ليس هذا أردت. قال النبي ﷺ : إنك إذا خرجت غازيًا فأخذتك الحمى فقتلتك فأنت شهيد، أو وقصتك دابتك فأنت شهيد. فأقاموا بتبوك أيامًا ثم توفي. قال بلال بن الحارث: حضرت رسول الله ﷺ ومع بلال المؤذن شعلة من نار عند القبر واقفًا بها. وإذا رسول الله ﷺ وهو يقول: "أدنيا إلي أخاكما. فلما هيأه لشقه في اللحد قال: اللهم إني قد أمسيت عنه راضيًا فارض عنه". فقال ابن مسعود: ليتني كنت صاحب اللحد. وعن أبي وائل، عن عبد الله قال: والله لكأني أرى رسول الله ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبر عبد الله ذي البجادين، وأبو بكر وعمر يقول: أدنيا إلى أخاكما. وأخذه من القبلة حتى أسكنه في لحده ثم خرج النبي ﷺ وولياهما العمل. فلما فرغ من دفنه استقبل القبلة رافعًا يديه يقول: "اللهم إني أمسيت عنه راضيًا فارض عنه". وكان ذلك ليلاً فو الله لوددت أني مكانه، ولقد أسلمت قبله بخمس عشر سنة. عن محمد بن سعد قال: أتى واثلة رسول الله ﷺ فصلى معه الصبح. وكان رسول الله ﷺ إذا صلى وانصرف تصفح أصحابه. فلما دنا من واثلة قال: من أنت؟ فأخبره. فقال: ما جاء بك؟ قال: جئت أبايع. فقال رسول الله ﷺ : فيما أحببت

стр. 180

وكرهت؟ قال: نعم. قال: فيما أطقت؟ قال: نعم. فأسلم وبايعه. وكان رسول الله ﷺ يتجهز يومئذ إلى تبوك فخرج واثلة إلى أهله فلقي أباه الأسقع فلما رأى حاله قال: قد فعلتها؟ قال: نعم. قال أبوه: والله لا أكلمك أبدًا. فأتى عمه فسلم عليه فقال: قد فعلتها؟ قال: نعم. قال: فلامه أيسر من ملامة أبيه وقال: لم يكن ينبغي لك أن تسبقنا بأمر. فسمعت أخت واثلة كلامه فخرجت إليه وسلمت عليه بتحية الإسلام. فقال واثلة: أني لك هذا يا أخية؟ قالت: سمعت كلامك وكلام عمك فأسلمت. فقال: جهزي أخاك جهاز غاز فإن رسول الله ﷺ على جناح سفر. فجهزته فلحق برسول الله ﷺ قد تحمل إلى تبوك وبقي غبرات من الناس وهم على الشخوص. فجعل ينادي بسوق بني قينقاع: من يحملني وله سهمي؟ قال: وكنت رجلا لا رحلة بي. قال: فدعاني كعب بن عجرة فقال: أنا أحملك عقبة بالليل وعقبة بالنهار ويدك أسوة يدي وسهمك لي. قال واثلة: نعم. قال واثلة: جزاه الله خيرًا لقد كان يحملني ويزيدني وآكل معه ويرفع لي حتى إذا بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل. خرج كعب في جيش خالد وخرجت معه فأصبنا فيئًا كثيرًا فقسمه خالد بيننا فأصابني ست قلائص فأقبلت أسوقها حتى جئت بها خيمة كعب بن عجرة فقلت: اخرج رحمك الله فانظر إلى قلائصك فاقبضها.
следующие страницы →