← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 120

مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار

عبد العزيز السلمان

Полный текст (1 102 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وفي الحديث أنه دفن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمر وأبو جابر في قبر واحد، فخرب السيل قبورهم، فحفر عنهم بعد ست وأربعين سنة فوجدوا لم يتغيروا كأنهم ماتوا بالأمس. عن أنس بن مالك قال: كنا جلوسًا مع رسول الله ﷺ فقال: يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنة، فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد علق نعليه بيده الشمال. فلما كان الغد قال النبي ﷺ : «مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى. فلما كان اليوم الثالث قال النبي ﷺ مثل مقالته أيضًا فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى فلما قام النبي ﷺ تبعه عبد الله بن عمرو، فقال: إني لاحيت أبي، فأقسمت أني لا أدخل عليه ثلاثًا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت. قال: نعم". قال أنس: فكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الثلاث الليالي فلم يره يقوم من الليل شيئًا غير أنه إذا تعار تقلب على فراشه ذكر الله ، وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر. قال عبد الله: غير أني لم أسمعه إلا خيرًا، فلما مضت الثلاث الليالي، وكدت أن احتقر عمله. قلت: يا عبد الله لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول لك ثلاث مرات: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فطلعت أنت الثلاث المرات، فأردت أن آوى إليك. فأنظر ما عملك، فأقتدى بك، فلم أرك عملت كبير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ﷺ ؟. قال: ما هو إلا ما رأيت، فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت

стр. 177

غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًا ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه. فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك، رواه أحمد بإسناد على شرط البخاري ومسلم والنسائي. عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ بعث جيشًا فيهم رجل يقال له: حدير. وكانت تلك السنة قد أصابتهم سنة من قلة الطعام، فزودهم رسول الله ﷺ ونسى أن يزود حديرًا. فخرج حدير صابرًا محتسبًا وهو في آخر الركب يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ويقول: نعم الزاد هو يا رب. فهو يرددها وهو في آخر الركب. قال: فجاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال له: إن ربي أرسلني إليك يخبرك أنك زودت أصحابك ونسيت أن تزود حديرًا، وهو في آخر الركب يقول: لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله. فدعا النبي ﷺ رجلاً فدفع إليه زاد حدير وأمره إذا انتهى إليه حفظ عليه ما يقول، وإذا دفع إليه الزاد حفظ عليه ما يقول، ويقول له: إن رسول الله ﷺ يقرئك السلام ورحمة الله، ويخبرك أنه كان نسي أن يزودك، وإن ربي ﵎ أرسل إلى جبريل يذكرني بك، فذكره جبريل وأعلمه مكانك. فانتهى إليه وهو يقول: لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله، ويقول: نعم الزاد هذا يا رب. قال: فدنا منه ثم قال له: إن رسول الله ﷺ يقرئك السلام ورحمة الله وقد أرسلني إليك بزاد معي، ويقول: إني إنما نسيتك فأرسل إلى جبريل من السماء يذكرني بك. قال: فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ .

стр. 178

ثم قال: الحمد لله رب العالمين، ذكرني ربي من فوق سبع سموات، ومن فوق عرشه، ورحم جوعي وضعفي، يا رب كما لم تنس حديرًا فاجعل حديرًا لا ينساك. قال: فحفظ ما قال ورجع إلى النبي ﷺ فأخبره بما سمع منه حين أتاه، وبما قال حين أخبره، فقال رسول الله ﷺ : أما إنك لو رفعت رأسك إلى السماء لرأيت لكلامه ذلك نورًا ساطعًا ما بين السماء والأرض. وعن محمد بن سعد قال: كان ذو البجادين يتيمًا لا مال له. فمات أبوه ولم يورثه شيئًا، وكفله عمه حتى أيسر. فلما قدم النبي المدينة جعلت نفسه تتوق إلى الإسلام ولا يقدر عليه من عمه حتى مضت السنون والمشاهد. فقال لعمه: يا عم إني قد انتظرت إسلامك فلا أراك تريد محمدًا، فأذن لي في الإسلام. فقال: والله لئن اتبعت محمدًا لا أترك بيدك شيئًا كنت أعطيتكه إلا نزعته منك، حتى ثوبيك. قال: فأنا والله متبع محمدًا وتارك عبادة الحجر، وها ما بيدي فخذه، فأخذ ما أعطاه حتى جرده من إزاره. فأتى أمه فقطعت بجادًا لها باثنين فأتزر بواحد وارتدى بالآخر ثم أقبل إلى المدينة وكان بورقان فاضطجع في المسجد في السحر. وكان رسول الله ﷺ يتصفح الناس إذا انصرف من الصبح فنظر إليه فقال: من أنت؟ فانتسب له، وكان اسمه عبد العزى. فقال: أنت عبد الله ذو البجادين. ثم قال: انزل مني قريبًا. فكان يكون في أضيافه حتى قرأ قرآنًا كثيرًا.

стр. 179

فلما خرج النبي ﷺ إلى تبوك قال: ادع لي بالشهادة. فربط النبي ﷺ على عضده لحى سمرة وقال: اللهم إني أحرم دمه على الكفار. فقال: ليس هذا أردت. قال النبي ﷺ : إنك إذا خرجت غازيًا فأخذتك الحمى فقتلتك فأنت شهيد، أو وقصتك دابتك فأنت شهيد. فأقاموا بتبوك أيامًا ثم توفي. قال بلال بن الحارث: حضرت رسول الله ﷺ ومع بلال المؤذن شعلة من نار عند القبر واقفًا بها. وإذا رسول الله ﷺ وهو يقول: "أدنيا إلي أخاكما. فلما هيأه لشقه في اللحد قال: اللهم إني قد أمسيت عنه راضيًا فارض عنه". فقال ابن مسعود: ليتني كنت صاحب اللحد. وعن أبي وائل، عن عبد الله قال: والله لكأني أرى رسول الله ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبر عبد الله ذي البجادين، وأبو بكر وعمر يقول: أدنيا إلى أخاكما. وأخذه من القبلة حتى أسكنه في لحده ثم خرج النبي ﷺ وولياهما العمل. فلما فرغ من دفنه استقبل القبلة رافعًا يديه يقول: "اللهم إني أمسيت عنه راضيًا فارض عنه". وكان ذلك ليلاً فو الله لوددت أني مكانه، ولقد أسلمت قبله بخمس عشر سنة. عن محمد بن سعد قال: أتى واثلة رسول الله ﷺ فصلى معه الصبح. وكان رسول الله ﷺ إذا صلى وانصرف تصفح أصحابه. فلما دنا من واثلة قال: من أنت؟ فأخبره. فقال: ما جاء بك؟ قال: جئت أبايع. فقال رسول الله ﷺ : فيما أحببت

стр. 180

وكرهت؟ قال: نعم. قال: فيما أطقت؟ قال: نعم. فأسلم وبايعه. وكان رسول الله ﷺ يتجهز يومئذ إلى تبوك فخرج واثلة إلى أهله فلقي أباه الأسقع فلما رأى حاله قال: قد فعلتها؟ قال: نعم. قال أبوه: والله لا أكلمك أبدًا. فأتى عمه فسلم عليه فقال: قد فعلتها؟ قال: نعم. قال: فلامه أيسر من ملامة أبيه وقال: لم يكن ينبغي لك أن تسبقنا بأمر. فسمعت أخت واثلة كلامه فخرجت إليه وسلمت عليه بتحية الإسلام. فقال واثلة: أني لك هذا يا أخية؟ قالت: سمعت كلامك وكلام عمك فأسلمت. فقال: جهزي أخاك جهاز غاز فإن رسول الله ﷺ على جناح سفر. فجهزته فلحق برسول الله ﷺ قد تحمل إلى تبوك وبقي غبرات من الناس وهم على الشخوص. فجعل ينادي بسوق بني قينقاع: من يحملني وله سهمي؟ قال: وكنت رجلا لا رحلة بي. قال: فدعاني كعب بن عجرة فقال: أنا أحملك عقبة بالليل وعقبة بالنهار ويدك أسوة يدي وسهمك لي. قال واثلة: نعم. قال واثلة: جزاه الله خيرًا لقد كان يحملني ويزيدني وآكل معه ويرفع لي حتى إذا بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل. خرج كعب في جيش خالد وخرجت معه فأصبنا فيئًا كثيرًا فقسمه خالد بيننا فأصابني ست قلائص فأقبلت أسوقها حتى جئت بها خيمة كعب بن عجرة فقلت: اخرج رحمك الله فانظر إلى قلائصك فاقبضها.

стр. 181

فخرج وهو يبتسم ويقول: بارك الله لك فيها ما حملتك وأنا أريد أن آخذ منك شيئًا. عن بشر بن عبد الله عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: كنا أصحاب الصفة في مسجد رسول الله ﷺ وما فينا رجل له ثوب. ولقد اتخذ العرق في جلودنا طرقًا من الغبار، إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «ليبشر فقراء المهاجرين» ثلاثًا. عن نعيم بن ربيعة بن كعب قال: كنت أخدم رسول الله ﷺ وأقوم له في حوائجه نهاري أجمع، حتى يصلي رسول الله ﷺ العشاء الآخرة. فأجلس على بابه إذا دخل بيته، أقول: لعلها أن تحدث لرسول الله ﷺ حاجة. فما أزال أسمعه سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله وبحمده حتى أمل فأرجع أو تغلبني عيني فأرقد. فقال لي يومًا لما رأى من حفتي (أي العناية والخدمة) له وخدمتي إياه، يا ربيعة سلني أعطك. قال: فقلت: أنظر في أمري يا رسول الله ثم أعلمك ذلك. فقال: ففكرت في نفسي فعلمت أن الدنيا منقطعة وزائلة وأن لي فيها رزقًا سيأتيني، قال: فقلت أسأل رسول الله ﷺ لآخرتي فإنه من الله بالمنزل الذي هو به. فجئته فقال: ما فعلت يا ربيعة؟ فقلت: أسألك يا رسول الله أن تشفع لي إلى ربك فيعتقني من النار. فقال: من أمرك بهذا يا ربيعة؟ فقلت: لا والذي بعثك بالحق ما أمرني به أحد ولكنك لما قلت سلني أعطك وكنت من الله بالمنزل الذي أنت به نظرت في أمري فعرفت أن الدنيا منقطعة وزائلة وأن لي فيها رزقًا سيأتيني. فقلت أسأل رسول الله ﷺ لآخرتي. قال: فصمت رسول الله ﷺ طويلاً

стр. 182

ثم قال لي: إني فاعل فأعني على نفسك بكثرة السجود. وأخرجا في الصحيحين، من حديث قيس بن عبادة قال: كنت جالسًا في مسجد المدينة في ناس فيهم بعض أصحاب النبي ﷺ . فجاء رجل في وجهه أثر خشوع، فقال بعض القوم: هذا رجل من أهل الجنة. فصلى ركعتين تجوز فيهما. ثم خرج فاتبعته فدخل منزله فدخلت فأخبرته. فقال: لا ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم، وسأحدثك لم ذاك؟ رأيت رؤيا على عهد رسول الله ﷺ فقصصتها عليه. رأيتني في روضة، وسط الروضة عمود من حديد، أسفله في الأرض وأعلاه عروة. فقيل لي ارقه. فقلت: لا أستطيع. فجاءني منصف، يعني خادمًا، فقال بثيابي من خلفي، فأخذت بالعروة. فقصصتها على رسول الله ﷺ فقال: تلك الروضة الإسلام، وذاك العمود عمود الإسلام، وتلك العروة، العروة الوثقى، وأنت على الإسلام حتى تموت، والرجل عبد الله بن سلام. وعن أبي بردة بن أبي موسى قال: قدمت المدينة فأتيت عبد الله بن سلام، فإذا رجل متخشع، فجلست إليه فقال: يا بن أخي إنك جلست إلينا وقد حان قيامنا، أفتأذن؟ اللهم ارحم غربتنا في القبور وأمنا يوم البعث والنشور واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 183

هذه قصيدة وعظية ألق لها سمعك آخر: انِسْتُ بِلأ واءِ الزمانِ وَذِلِهِ … فيا عِزَّةَ الدنيا عليكِ سَلامُ إلىَ كَمْ أُعَانِي تِيْهَهَا ودَلَالَهَا … أَلَم يَأَنِ عَنْهَا سَلْوةُ وَسَآمُ وقد أَخْلَقَ الأَيَامُ جِلْبِاب حُسْنِهَا … وَأضْحَتْ وديبَاجُ البَهَاءِ مَسَامُ عَلَى حِيْنَ شَيْبٌ قد أَلَمَّ بِمَفْرِقِي … وعَادَ رُهَامُ الشَّعْرِ وهُوَ ثَغَامُ طَلائِعُ ضَعْفٍ قَدْ أَغَارَتْ عَلَى القُوَى … وَثَارَ بِمَيْدَانِ المِزَاجِ قَتَامُ فَلا هِي في بُرْجِ الجَمَالِ مُقِيْمَةٌ … ولا أَنَا في عَهْدِ المُجُونَ مُدَامُ تَقَطَّعَتْ الأَسْبَابُ بَيْنِي وَبَيْنَها … وَلَمْ يَبْقَ فِيْنَا نِسْبَةٌ وَلِئَامُ وعادَتْ قَلُوصُ العَزْمِ عَنِّي كَلِيْلَةً … وَقَدْ جُبَّ مِنْهَا غَارِبٌ وَسَنَامُ كأَنِي بِهَا وَالقَلْبُ زُمَّتْ رِكَابهُ … وَقُوِّضَ أَبْيَاتٌ لَهُ وَخِيَامُ وسِيْقَتْ إلى دَارِ الخُمُولِ حُمُولهُ … يَحُنُّ إليها والدُمُوعُ رُهَامُ حَنِيْنَ عُجُول غَرَّهَا البَوُّ فَانْثَنَتْ … إِليْهِ وَفِيْهَا أَنَّةٌ وضُغَامُ تَوَلَّتْ لَيَالٍ لِلْمَسَرَّاتِ وانْقَضَتْ … لِكُلِ زَمَانٍ غَايَةٌ وَتَمَامُ فَسَرْعَانَ مَا مَرَّتْ وَوَلَّتْ وَلَيْتَهَا … تَدُوْمُ وَلَكِنْ مَا لَهُنَّ دَوَامُ دُهُورٌ تَقَضَّتْ بِالمسَرَّاتِ سَاعَةً … وَيَومٌ تَوَلَّى بِالمَسَاءَةِ عَامُ فَلِلِّهِ دَرُّ الغَمِّ حَيْثُ أَمَدَّنِي … بِطُولِ حَيَاةٍ وَالهُمُومُ سِهَامُ أَسِيْرُ بِتَيْمَاءِ التَّحَيُرِ مُفْرَدًا … وَلِي مَعَ صَحْبِيْ عِشْرَةٌ وَنَدَامُ وَكَمْ عِشْرَةٍ مَا أوْرَثَتْ غَيْرَ عُسْرَةٍ … وَرُبَّ كَلامِ في القُلُوبِ كُلامُ فَمَا عِشْتُ لا أَنْسَى حُقُوقَ صَنِيْعِهِ … وَهَيْهَاتَ أَنْ يُنْسَى لَدَيَّ ذِمَامُ كَمَا اعْتَادَ أَبْنَاءُ الزَّمَانِ وَأَجْمَعَتْ …

стр. 184

عَلَيْهِ فِئَامٌ إِثْرَ ذَاكَ قِيَامُ خَبَتْ نَارُ أَعْلامِ المَعَارِفِ والهُدَى … وَشُبَّ لِنِيْرَانِ الضَّلالِ ضُرَامُ وكَانَ سَرِيرَ العِلْمِ صَرْحًا مُمِرَّدًا … يُنَاغِي القِبابَ السَّبْعَ وَهْيَ عِظامُ مَتيْنًا رَفيْعًا لا يُطَارُ غُرابُهُ … عَزيْزًا مَنِيْعًا لا يَكَادُ يُرَامُ يَلوحُ سَنَا بَرْقِ الهُدَى مِن بُرُوْجِهِ … كَبَرْقٍ بَدَا بَيْنَ السَّحَابِ يُشَامُ فَجَرَّتْ عَلَيْهِ الراسِيَاتُ ذُيُولَهَا … فَخَرَّتْ عُرُوشٌ مِنْهُ ثُمَّ دَعَامُ وسِيْقَ إلىَ دَارِ المهَانَةِ أَهْلُهُ … مَسَاقَ أَسَيْرٍ لا يَزَالُ يُضَامُ كَذَا تَجْرِي الأَيْامُ بَيْنَ الوَرَى عَلَى … طَرَائِقَ مِنْهَا جائِرٌ وقوامُ فَما كُلُّ مَا قَدْ قِيْلَ عِلْمٌ وحِكْمَةٌ … وما كُلُّ أَفْرَادِ الحَدِيْدِ حُسَامُ ولِلْدَّهْرِ ثاراتٌ تَمْرُّ عَلَى الفَتَى … نَعِيْمٌ وَبُؤْسٌ، صِحَّةٌ وَسَقَامُ ومَن يَكُ في الدُنيا فَلَا يَعْتِبَنَّهَا … فَلَيْسَ عَلَيْهَا مُعْتَبٌ وَمَلامُ أَجِدَّكَ مَا الدنيا وماذَا مَتَاعُهَا … وَماذَا الذي تَبْغِيْهِ فَهْوَ حُطَامُ تَشَكَّلَ فِيْهَا كُلُّ شَيءٍ بِشَكْلِ مَا … يُعَانِدُهُ والنَّاسُ عَنْهُ نِيَامُ تَرَى النَّقْصَ في زِيِ الكَمَالِ كَأَنَّمَا … عَلَى رَأَسٍ رَبَّاتِ الحِجَالِ عِمَامُ فَدَعْهَا ونَعْمَاهَا هَنِيْئًا لأَهِلْهَا … وَلاتَكُ فِيْهَا رَاعيًا وسَوَامُ تَعَافُ العَرانِيْنُ السِمَّاطَ عَلَى الخِوى … إذَا ما تَصَدَّى لِلْطَّعَامِ طَغَامُ عَلَى أَنَّهَا لا يُسْتَطَاعُ مَنَالُهَا … لِمَا لَيْسَ فِيْهِ عُرْوَةٌ وَعِصَامُ ولَوْ أَنْتَ تَسْعَى إِثْرَهَا أَلْفَ حَجَّةٍ … وَقَدْ جَاوَزَ الطِبْيَيْنِ مِنْكَ حِزَامُ رَجَعْتَ وَقَدْ ضَلَّتْ مَساعِيْكَ كَلُّها … بِخُفَيْ حُنَينٍ لا تَزَالُ تُلامُ هَبْ إِنَّ مَقَالِيْدَ الأُمُورِ مَلَكْتَهَا … ودَانَتْ لَكَ الدُنْيا وَأَنْتَ هُمَامُ ومُتِّعْتَ باللذاتِ دَهْرًا بِغِبْطَةٍ …

стр. 185

أَلَيْسَ بِحَتْمٍ بَعْدَ ذَاكَ حِمَامُ فَبَيْنَ البَرايَا والخُلُودِ تَبَايُنٌ … وَبَيْنَ المنايَا والنُّفُوسُ لِزَامُ قَضيَّة انْقَادَ الأَنَامُ لِحكْمِهَا … وما حَادَ عَنْهَا سَيِدٌ وَغُلامُ ضرورية تقضي العقولُ بِصدْقها … سَلْ إن كانَ فيها مِرْيَةٌ وخِصَامُ سَل الأَرْضَ عن حالِ الملوكِ التي خَلَتْ … لهم فَوقَ فَوقَ الفرقدين مَقَامُ بأبوابهم لِلوافِدِين تَراكُم … باعتابِهم للعاكِفين زِحامُ تُجْبكَ عن أسرار السيوفِ التي جَرَتْ … عَليْهم جَوابًا لَيْسَ فِيه كَلامُ بِأَنَّ المنايَا أَقَصْدَتهُم نِبَالُها … وما طَاشَ عن مَرْمَى لَهُنَّ سِهَامُ وَسِيقُوا مَسَاق الغابِرينَ إلى الردى … وأقفرَ منهم مَنزَلٌ وَمَقَامُ وحَلُوا محلاً غَيْرَ ما يَعهدُونه … فَلَيْسَ لهم حتى القيام قِيَامُ أَلَمَّ بِهم رَيبُ المنونِ فَغَالَهُم … فهم بَيْنَ أَطباقِ الرُغَامِ رُغَامُ انتهى (فصل) اعلم وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين لما يحبه ويرضاه أن من رضي عن نفسه استحسن حالها وسكن إليها ومن استحسن حال نفسه وسكن إليها استولت عليه الغفلة. وبالغفلة ينصرف قلبه عن التفقد والمراعاة لخواطره فتثور حينئذ دواعي الشهوة على العبد. وليس عنده من المراقبة والملاحظة والتذكير ما يدفعها به ويقهرها. فتصير الشهوة غالبة له بسب بذلك ومن غلبته شهوته وقع في المعاصي.

стр. 186

وأصل ذلك كله رضاه عن نفسه ومن لم يرض عن نفسه لم يستحسن حالها ولم يسكن إليها. ومن كان بهذا الوصف كان متيقظًا متنبهًا للطوارئ وبالتيقظ والتنبه يتمكن من تفقد خواطره ومراعاتها. وعند ذلك تخمد نيران الشهوة فلا يكون لها غلبة ولا قوة فيضعف العبد حينئذ بصفة العفة. فإذا صار عفيفًا كان مجتنبًا لكل ما نهاه الله عنه محافظًا على جميع ما أمره به وهذا هو معنى الطاعة لله وأصل هذا كله عدم الرضا عن نفسه. فإذا يجب على الإنسان أن يعرف نفسه ويلزم من ذلك عدم الرضا عنها وبقدر تحقق العبد في معرفة نفسه يصلح له حاله ويعلوا مقامه. وكان العلماء المخلصون يذمون نفوسهم ويتهمونها ولا يرضون عنها. قال بعضهم من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات ولم يخالفها ولم يجرها إلى مكروهها فهو مغرور ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها. وكيف يرضى عنها عاقل وهي الأمارة بالسوء وقال بعض العلماء لا تسكن إلى نفسك وإن دامت طاعتها لك في طاعة الله. وقال آخر: ما رضيت عن نفسي طرفة عين. وقال آخر: إن من الناس ناس لو مات نصف أحدهم ما انزجر النصف الآخر ولا أحسبني إلا منهم. وقال آخر: فائدة الصحبة إنما هي للزيادة في الحال وعدم النقصان فيها فإياك وصحبة من لا ينهضك حاله ولا يدلك على الله مقاله. فصحبة من يرضى عن نفسه وإن كان عالمًا شر محض ولا فائدة فيها

стр. 187

لأن علمه في الغالب غير نافع له. وجهله الذي أوجب رضاه عن نفسه صار غاية الضرر لأنه فاته العلم الذي يريه عيبه حتى لا يرضى عن نفسه الأمارة بالسوء. وقال ابن القيم ﵀ لما ذكر النفس الأمارة بالسوء قال منها أن يعرف أنها جاهلة ظالمة وأن الجهل والظلم يصدر عنهما كل قول وعمل قبيح. ومن وصفه الجهل والظلم لا مطمع في استقامته واعتداله البتة فيوجب له ذلك بذل الجهد في العلم النافع الذي يخرجها به عن وصف الجهل والعمل الصالح الذي يخرجها به عن وصف الظلم ومع هذا فجهلها أكثر من علمها وظلمها أعظم من عدلها. فحقيق بمن هذا شأنه أن يرغب إلى خالقها وفاطرها أن يقيه شرها وأن يؤتيها تقواها ويزكيها فهو خير من زكاها وأن لا يكله إليها طرفة عين فإنه إن وكله إليها هلك فما هلك من هلك إلا حيث وكل إلى نفسه. وقال النبي ﷺ لحصين بن المنذر: «قل اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي» . وفي خطبة الحاجة: «ونعوذ بالله من شرور أنفسنا» . وقد قال تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] . وقال: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] . فمن عرف حقيقة نفسه وما طبعت عليه علم أنها منبع كل شر ومأوى كل سوء وأن كل خير فيها ففضل من الله من به عليها لم يكن منها كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ [النور: ٢١] . وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ

стр. 188

إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧] . فهذا الحب وهذه الكراهة لم يكونا في النفس ولا بها. ولكن هو الله الذي مَنَّ بهما فجعل العبد بسببهما من الراشدين ﴿فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٨] . عليم بمن يصلح لهذا الفضل ويزكوا عليه وبه ويثمر عنده حكيم فلا يضعه عند غير أهله انتهى بتصرف يسير. فعلى العاقل اللبيب محاسبة نفسه دائمًا والمحاسبة هي مطالعة القلب وأعمال اللسان وأعمال الجوارح. فاجعل ذنوبك نصب عينيك فإن غفلت عنها اجتمعت بسرعة وكثرت. وتأمل وفكر فلو أنك وضعت في كل معصية تحدثها حجرًا في دارك لامتلأ بيتك في مدة يسيرة. فمثلاً عندك غيبة أو عندك كذب أو عندك رياء أو عندك عقوق أو قطيعة رحم أو ظلم لمسلم أو لنفسك أو لأهلك أو لأولادك أو لجيرانك أو تعامل معاملة لا تجوز. أو عندك كفار خدام أو سواقين أو عندك ملاهي كالتلفاز والفيديو أو عندك صور أو تشرب الدخان أو حلق لحية أو إسبال أو تشبه بكفار أو سفر لبلادهم. أو لك أولاد يدرسون عندهم برضا منك أو أكلك وشربك ولبسك من شركات تتعامل بالربا أو أن عملك لا تؤديه كاملاً مكملاً وتأخذ ما عليه كاملاً. أو لا تتنسخ من الزكاة أو نحو ذلك مما لا يحصره العد.

стр. 189

فتيقظ وحاسب نفسك وفتش عليها بدقة وأسأل الله الحي القيوم أن يتجاوز عنك. فإِنْ تَنْجُ مِنْهَا تَنْجُ مِن ذِي عَظيمَةٍ … وإِلَّا فِإنِّي لا إخَالُكَ نَاجِيًا قال ﵎: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] . قيل إن هذه الآية أعظم آية في المؤاخذة. ولما نزلت بكى عبد الله بن عمر ﵄ فقال ابن عباس يرحم الله أبا عبد الرحمن وإن الله ﵎ يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . وقال ابن القيم ﵀ فمن له بصيرة بنفسه وبصيرة بحقوق الله وهو صادق في طلبه لم يبق له نظره في سيئاته حسنة البتة فلا يلقى الله إلا بالإفلاس المحض والفقر الصرف. لأنه إذا فتش عن عيوب نفسه وعيوب عمله علم أنها لا تصلح لله وأن تلك البضاعة لا تشترى بها النجاة من عذاب الله فضلاً عن الفوز بعظيم ثوابه. فإن خلص له عمل وحال مع الله وصفا له معه وقت شاهد منة الله عليه به ومجرد فضله وأنه ليس من نفسه ولا هي أهل لذاك. فهو دائمًا مشاهد لمنة الله عليه ولعيوب نفسه وعمله لأنه متى تطلبها رآها وهذا من أجل أنواع المعارف وأنفعها للعبد. ولذلك كان سيد الاستغفار «اللهم أنت ربي لا إله إلا أَنْتَ خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» .

стр. 190

فتضمن هذا الاستغفار الاعتراف من العبد بربوبية الله وإلهيته وتوحيده والاعتراف بأنه خالقه العالم به إذ أنشأه نشأة تستلزم عجزه عن أداء حقه وتقصيره فيه والاعتراف بأنه عبده الذي ناصيته بيده وفي قبضته لا مهرب له منه ولا ولي له سواه. ثم التزم الدخول تحت عهده وهو أمره ونهيه الذي عهده إليه على لسان رسوله ﷺ وإن ذلك بحسب استطاعتي لا بحسب أداء حقك فإنه غير مقدور للبشر إنما هو جهد المقل وقدر الطاقة. ومع هذا فأنا مصدق بوعدك ثم أنزع إلى الاستعاذة والاعتصام بك من شر ما فرطت فيه من أمرك ونهيك فإنك إن لم تعذني من شره وإلا أحاطت بي الهلكة فإن إضاعة حقك سبب الهلاك وأنا أقر لك والتزم وأبخع بذنبي. فمنك المنة والإحسان والفضل ومني الذنب والإساءة فأسألك أن تغفر لي بمحو ذنبي وأن تعفيني من شره إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فلهذا كان هذا الدعاء سيد الاستغفار. وهو متضمن لمحض العبودية فأي حسنة تبقى للبصير الصادق مع مشاهدته عيوب نفسه وعمله ومنة الله عليه فهذا هو الذي يعطيه نظره إلى نفسه ونقصه اهـ. قال بعض الزهاد لا يكون العبد من المتقين حين يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك لشريكه والشريكان يتحاسبان بعد العمل. وقال الحسن المؤمن قوام على نفسه يحاسبها لله تعالى وإنما خف الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا وإنما شق الحساب على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة. وفي حديث أبي طلحة أنه لما شغله الطين في صلاته فتدبر شغله فجعل

стр. 191

حائطه صدقة لله تعالى ندمًا ورجاء لعوض مما فاته وتأديبًا لنفسه. المهم أن يعلم العبد أن أعدى عدو له نفسه التي بين جنبيه وقد خلقت أمارة بالسوء أمارة بالشر فرارة من الخير. والإنسان مأمور بتزكيتها وتقويمها وقودها بسلاسل العبر إلى عبادة ربها وخالقها ومنعها عن لذاتها وشهواتها المهلكة. فإن أهملها شردت وجمحت ولم يظفر بها بعد ذلك وإن لازمها بالتوبيخ والتقريع والمعاتبة والعذل والملامة ولم يغفل عن تذكيرها وعتابها اعتدلت بإذن الله تعالى. والنَّفْسُ كَالطِفْلِ إِنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى … حُبِّ الرَّضَاعِ وَإِنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ ورَاعِهَا وَهي في الأعْمَالِ سَائمةً … وَإِنْ هِيَ اسْتَحْلَتِ المَرْعَى فلا تُسِمِ كَمْ حَسَّنَتْ لَذَّةً لِلْمَرْءِ قَاتِلَةً … مِنْ حَيْثُ لَمْ يَدْرِي أَنَّ السُّم في الدَّسَمِ فالعاقل اللبيب من يوبخ نفسه ويعاتبها ويوضح لها عيوبها كلها ويقرر عندها جهلها وحماقتها فإنها إذا أراد الله تعذر وترعوي وترجع. فيقول لها ما أعظم جهلك تدعين الحكمة والفطنة وأنت من أجهل الناس وأحمقهم. وأكبر برهان على ذلك إهمالك واستهانتك أما تعرفين ما بين يديك من الأهوال والعظائم والمزعجات والمخاوف. أما تقرئين وتسمعين قول أصدق القائلين وأوفى الواعدين وأقدر القادرين ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيماً وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً﴾ [المزمل: ١٤] . وقوله تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ

стр. 192

الذِّكْرَى يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤] . وقوله عز من قائل: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾ [الفرقان: ١٣] . وقوله جل وعلا: ﴿مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧] . وقوله ﵎: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] . وقوله جل وعلا ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣] . ونحو هذه الآيات المخوفة ثم يقول لنفسه فمالك تفرحين وتضحكين وتشتغلين باللهو وأنت مطلوبة لهذا الأمر العظيم والخطب الجسيم وبين يديك إحدى منزلتين الجنة أو النار فكيف يهنؤك نوم أو يلذ لك مأكول أو مشروب وأنت لا تدرين في أي الفريقين تكونين "فريق في الجنة وفريق في السعير". وكَيْفُ تَنَامُ العَينُ وهي قَريْرَةٌ … وَلَمْ تَدْرِ في أيِّ المَكانيْنِ تَنْزلُ وقل لها أما تعلمين أن كل ما هو آت قريب وأن البعيد ما ليس آت. أما تعلمين أن الموت يأتي بغتة من غير تقديم رسول ومن غير مواعدة وأنه لا يأتي في شتاء دون صيف ولا في صيف دون شتاء ولا في نهار دون ليل ولا في ليل دون نهار ولا يأتي في الصبا دون الكبر ولا في الكبر دون الصبا. بل كل نفس يمكن أن يأتيها الموت بغتة فإن لم يأت الموت بغتة جاءه المرض لا محالة ثم المرض يفضي إلى الموت. فما لك يا نفس لا تستعدين والموت أقرب إليك من حبل الوريد.

стр. 193

فهكذا معاملة الزهاد والعباد في توبيخ أنفسهم وعتابها فإن مطلبهم من المناجاة الاسترضاء ومقصودهم من المعاتبة التنبيه والاسترعاء. فمن أهمل معاتبة نفسه وتوبيخها وأهمل مناجاتها لم يكن لنفسه مراعيًا فنسأل الله العظيم الحي القيوم معرفة حقيقة بأحوال أنفسنا وغرورها. وختامًا فالعاقل من بذل وسعه في التفكر التام وعلم أن دار الدنيا رحلة فجمع للسفر رحله. فمبدأ السفر من ظهور الآباء إلى بطون الأمهات ثم إلى الدنيا ثم إلى القبر ثم الحشر ثم إلى دار الإقامة الأبدية. فدار الإقامة للمؤمن هي دار السلام من جميع الآفات وهي دار الخلود والعدو سبانا منها إلى دار الدنيا. فالواجب علينا الاجتهاد في فكاك أسرنا ثم في حث السير إلى الوصول إلى دارنا الأولى في مثل هذا قيل: فحَيَّ على جَنَّاتِ عَدْنٍ فإنَّها … مَنَازلُكَ الأُوْلَى وفيها المُخَيَّمُ وَلَكِنَّنَا سَبْي العَدُوِّ فَهَل تَرَى … نُرَدُّ إِلى أَوْطَانِنَا وَنُسَلَّمُ آخر: تَرَكْتُ هَوَى لَيْلَى وَسُعْدَى بِمَعْزِل … وعُدْتُ إلى تَصْحِيحِ أَوْلَ مَنْزِلِ وَنَادَتْ بي الأشْوَاقُ مَهْلاً فَهَذِهِ … مَنَازِلُ مَنْ تهوى رُوَيْدَكِ فَانْزلِ ثم أعلم أن مقدار السير في الدنيا يسير ويقطع بالأنفاس كما قيل: وما نَفَسٌ إِلَّا يُبَاعِدُ مَوْلِدًا … ويُدْنِي المَنَايَا لِلنُّفوس فَتَقْرُبُ ويسير الإنسان في هذه الدنيا سير السفينة لا يحس بسيرها وهو جالس فيها كما قيل: وإنَّا لَفِي الدنيا كَرَكْبِ سَفِيْنَةٍ …

стр. 194

تَظُنُّ وقُوْفًا والزمانُ بها يَجْرِى ويقول الآخر: نَسِيْرُ إلى الآجالِ في كُلّ لَحْظَةٍ … وَأَيَّامُنَا تُطْوَى وهُنَّ مَرَاحِلُ والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. فصل اعلم أيها الأخر أن جميع مصيبات الدنيا وشرورها وأحزانها كأحلام نوم أو كظل زائل. إن أضحكت قليلاً أبكت كثيرًا وإن سرت يومًا أو أيامًا ساءت أشهرًا أو أعوامًا وإن متعت قليلاً منعت طويلاً. وما حصل للعبد فيها من سرور إلا أعقبه أحزان وشرور كما قيل: "من سره زمن ساءته أزمان". وقال بعض العلماء لبعض الملوك إن أحق الناس بذم الدنيا وقلاها من بسط له فيها وأعطي حاجته منها. لأنه يتوقع آفة تعدو على ماله فتجتاحه، أو على جمعه فتفرقه، أو تأتي سلطانه فتهدمه من قواعده. أو تدب إلى جسمه فتسقمه، أو تفجعه بشيء هو ضنين به من أحبابه. فالدنيا أحق بالذم هي الآخذة لما أعطت، والراجعة لما وهبت. بينما هي تضحك صاحبها إذا هي تضحك منه غيره. وبينما هي تبكي له إذ بكت عليه. وبينما هي تبسط كفه بالإعطاء إذ بسطتها بالاسترداد.

стр. 195

تعقد التاج على رأس صاحبها اليوم وتعفره بالتراب غدًا. سواء عليها ذهاب ما ذهب وبقاء ما بقي تجد في الباقي من الذاهب خلفا وترضى بكل بدلاً. شعرًا: بأَمْرِ دُنْياك لا تَغْفُلْ وكُنْ حَذِرًا … فَقَدْ أَبانَتْ لأَرْباب النُّهَي عِبَرًا فأيُّ عَيْشٍ بِهَا ما شَابَهُ غِيَرٌ … وَأَيُّ صَفْوٍ تَنَاهَى لَم يَصِرْ كَدِرًا كَمْ سَالِم أَسْلَمَتْهُ لِلرَّدَى فَقَضَى … حَتْفًا وَلَم يَقْضِ مِن لَذَّاتها وَطِرًا ومُتْرَفٍ قَلَبَتْ ظَهْرَ المِجَنِّ لَهُ … فَعَادَ بَعْدَ عُلوِّ القَدْرِ مُحْتِقَرًا فابْعِدَنْهَا ولا تَحْفَلْ بِزخُرُفِهَا … وَغُضَّ طَرْفَكَ عَنْهُ قَلَّ أو كَثُرًا فَكُلُّ شَيءٍ تَرَاهُ العَيْنُ مِن حَسَنٍ … كَرُ الأَهِلَّةِ لا يُبٍقي لَهُ أَثَرًا واصْحَبْ وصَلّ وَوَاصِلْ كُلّ أَونَةٍ … عَلَى النبي سَلامًا طَيِّبًا عَطِرًا وَصَحْبِهِ ومَنِ اسْتَهْدَى بِهَدْيِهِمُوْا … فَهُمْ أَئِمَّةُ مَن صَلَّى ومَن ذَكَرًا ثم اعلم أيها الأخ أن من بورك له في عمره أدرك في يسير الزمن من منن الله ما لا يدخل تحت دوائر العبارة. فبركة العمر أن يرزق الله العبد من الفطنة واليقظة ما يحمله على الجد والاجتهاد على اغتنام أوقات عمره وانتهاز فرصة إمكانه. فيبادر إلى الأعمال القلبية والأعمال البدنية ويستفرغ في ذلك مجهوده بالكلية وكل ذلك في عمر قصير وزمن يسير. والخذلان كل الخذلان أن تتفرغ من الشواغل ثم لا تتوجه إلى الله جل وعلا. ومن الخذلان أيضًا أن تصدك العوائق والشواغل عن التوجه إلى الله تعالى.

стр. 196

والواجب عليك أن تبادر إلى التوجه إلى الله بالأعمال الصالحة وأن ترمي بالعوائق والشواغل خلف ظهرك. وقد قيل سيروا إلى الله عرجًا ومكاسير ولا تنتظروا الصحة فإن انتظار الصحة بطالة والعاقل من بادر إلى الأعمال الصالحة قال الشاعر حاثًا على اغتنام الوقت: وخُذ مِن قَرِيْبٍ واسْتَجِبْ واجْتَنِبْ غَدًا … وشَمِّرْ عن السَّاقِ اجْتِهَادًا بِنَهْضَةِ وَكُنْ صَارِمًا كَالْوَقْتِ فالمَقْتُ في عَسَى … وإيَّاكَ مَهْلاً فَهْيَ أَخْطَرُ عِلَّةِ وسِرْ زَمنًا وانْهَضْ كَسِيْرًا فَحَظُّكَ الـ … ـبَطَالَةُ مَا أَخَّرْتَ عَزْمًا لِصِحِّةِ وَجُذَّ بسَيْفِ العَزْمِ سَوْفَ فإنْ تَجُدْ … تَجِدْ نَفَسًا فَالنَّفْسُ إِنْ جُدْتَ جَدَّتِ اللهم انظمنا في سلك عبادك المخلصين ووفقنا للقيام بأركان دينك القويم ونجنا من لفحات الجحيم وأسكنا في جنات النعيم واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (فصل) قال ابن الجوزي تباعد عن أهل السوء وباعد أولادك عنهم لا يعادونك بأفعالهم وأقوالهم وطباعهم ولا يزال يقسو قلبك حتى يستأنس بهم فهناك الهلاك. والسوء يتفاوت فمن أهله أهل الفواحش ومنهم أهل اللهو ومنهم أهل الغيبة والنميمة ومنهم أهل الملاهي وآلات الطرب. فإنهم يسبون أهل العقول عقولهم حتى ينحلوا عن دينهم ومروءتهم

стр. 197

فيعسر عليهم الخلاص لما يجدونه من لذة النغمات والأصوات. حتى يكون عادة وطبعًا فربما يجلس الرجل إليهم وهو كاره لسماع لغوهم مستوحش من نفسه ثم لا يزال على ذلك حتى يراه حسنًا. من كيد الشيطان أن يورد ابن آدم الموارد التي يخيل إليه أن فيها منفعته ثم يصدره المصادر التي فيها عطبه ويتخلى عنه ويسلمه للهلاك ويقف يتشمت به ويضحك منه. فيأمره بالسرقة والقتل واللواط والزنا ويدل عليه ويفضحه قال الله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ﴾ [الحشر: ١٦] . وقال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨] . ذكر ابن القيم ﵀ الأسباب التي يعتصم بها من الشيطان. الأول: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم. قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦] . والمراد بالسمع هنا سمع الإجابة لا السمع العام. الثاني: قراءة المعوذتين فإن لهما تأثيرًا عجيبًا في الاستعاذة بالله من شر الشيطان ودفعه. ولهذا قال النبي ﷺ : «ما تعوذ المتعوذون بمثلهما وكان ﷺ يتعوذ بهما كل ليلة عند النوم» . وأمر عقبة بن عامر أن يتعوذ بهما دبر كل صلاة وذكر ﷺ أن من قرأهما

стр. 198

مع سورة الإخلاص ثلاثًا حين يمسى وثلاثًا حين يصبح كفتاه من كل شر. الثالث: قراءة آية الكرسي. الرابع: قراءة سورة البقرة ففي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان» الخامس: خاتمة سورة البقرة فقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» . السادس: أول سورة حم المؤمن إلى قوله: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ٣] ، ففي الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من قرأ حم المؤمن إلى قوله: ﴿غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ٣] . وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح. السابع: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة. ففي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة. كانت عدل عشر رقاب وكتب له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكان حرزًا له من الشيطان» . يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل منه إلا رجل عمل أكثر من ذلك. الثامن: وهو أنفع الحروز من الشيطان كثرة ذكر الله وهذا بعينه هو الذي دلت عليه سورة الناس. فإنه وصف الشيطان فيها بأنه الخناس الذي إذا ذكر العبد ربه انخنس

стр. 199

فإذا غفل عن ذكر الله ألتقم القلب وألقى إليه الوساوس. فما أحرز العبد نفسه من الشيطان بمثل ذكر الله . الحرز التاسع: الوضوء والصلاة وهذا من أعظم ما يحترز العبد به ولا سيما عند الغضب والشهوة فإنها نار تصلى في قلب ابن آدم. كما روى الترمذي عن النبي ﷺ أنه قال ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم فما أطفأ العبد جمرة الغضب والشهوة بمثل الوضوء والصلاة. فإن الصلاة إذا وقعت بخشوعها والإقبال على الله فيها أذهبت أثر ذلك جملة وهذا أمر تجربته تغني عن إقامة الدليل عليه. الحرز العاشر: إمساك فضول الكلام فإنها تفتح أبوابًا من الشر كلها مداخل للشيطان فإمساك فضول الكلام يسد عنك تلك الأبواب. والله أعلم وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. فوائد ونصائح ومواعظ وحكم وآداب ووصايا من أخلاق المؤمن حسن الحديث، وحسن الاستماع إذا حدث، وحسن البشر إذا لقي، ووفاء بالوعد إذا وعد ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. سوء الخلق سبب النكد في الحياة والشرور والآثام، فعلى العاقل اللبيب أن يعرف الأخلاق السيئة ليجتنبها، وهي كثيرة ولا يخلو أحد منها فتفقد نفسك وأزل ما فيها. فمن ذلك المكر، والخديعة والخيانة والغش، والكذب، والغيبة، والنميمة، والسعاية، والظلم والرياء والعقوق، والقطيعة، والكبر، والعجب، والزهو، والأنفة من المسكنة.

стр. 200

والنفاق، والخيانة، والغدر، والحسد، والغل، والحقد، والشماتة، والبغضاء، وسوء الظن، والتجسس على المسلمين. وإضمار السوء، والتربص بالدوائر ومساعدة الهوى، ومخالفة الحق والرضى بالهوى والحب والبغض بالهوى، والجفاء. والقسوة، وقلة الرحمة، والحرص، والشره والطمع والطيرة، والطغيان بالمال، والفرح بإقبال الدنيا، واستقلال الرزق. واحتقار النعم، والاحتقار بمصائب الدين، واستعظام الدنيا، والحزن على ما فات منها. والاستهانة بعلم الله عند فعلك للذنب والاستهانة بسماعه ما يصدر منك من المعاصي قولاً وفعلاً. وقلة الحياء من اطلاع الله عليك ومن اطلاع من عن اليمين وعن الشمال قعيد. وأنت لو أطلع عليك مخلوق ضعيف وأنت تعمل معصية الله لانزعجت. فتنبه لذلك وراقب الله جل وعلا وتقدس وكن منه على حذر. تَوَارَى بِجُدْرَانِ البُيُوتِ عَن الوَرَى … وَأَنْتَ بِعَيْنِ الله لا شَك تُنْظَرُ وقال ابن القيم ﵀: وَهُوَ الحليمُ فَلا يُعَاجِلُ عَبْدَهُ … بَعَقُوبِةٍ لِيَتُوبَ مِن عِصْيانِ لَكِنَّهُ يُلْقِي عَليه سِتْرَهُ … فَهو السَّتِيْرُ وَصَاحِبُ الغُفْرانِ وهُوَ العَفَّوُ فعَفْوُهُ وسِعَ الوَرَى … لَوْلاهُ غَارَ الأرْضُ بالسُّكَانِ وَهُوَ الصَّبُورُ عَلَى أَذَى أَعْدَائِهِ … شَتَمُوهُ بَلْ نَسَبُوهُ لِلْبُهْتَانِ قَالُوا لَهُ ولَدٌ وَلَيْسَ يُعِيْدُنَا … شَتْمًا وَتَكْذِيْبًا مِن الإِنسانِ هَذَا وَذَاكَ بِسَمْعِهِ وَبِعِلْمِهِ …

стр. 201

لَوْ شَاءَ عَاجَلهُم بِكُلِّ هَوَانِ لَكِنْ يُعَافِيْهِم ويَرْزُقُهُم وَهُمْ … يُؤْذُونَهُ بِالشِرْكِ وَالكُفْرانِ قال بعض العلماء إخواني إذا تقرب الناس إلى الله بأنواع البر الظاهرة مثل الجهاد والحج والصوم والزكاة والصدقة وتلاوة القرآن وغير ذلك. فنافسوهم فيها واجعلوا أعظم الرغبة في طاعة القلوب التي لا يطلع عليها الإنس ولا الملائكة ولا الجن، ولا يعلمها إلا علام الغيوب. فإن القليل من أعمال البر كثير لسلامته من الرياء وجميع المكدرات. ألا فتقربوا إلى الله بطاعة القلوب فإن فيها المعرفة بعظمة الله وكبريائه وجلاله وقدرته وعظيم قدره سبحانه. وتقربوا إليه بمحابه، وبغض مكارهه والرضا والغضب له وفيه، وتقربوا إليه بشدة الحب له. والحب فيه والبغض من أجله، وتقربوا إلى الله بالمعرفة بأياديه الحسنة ونعمه الظاهرة والباطنة، وأفعاله الجميلة. ومننه المتواترة على تواتر الإساءة منا، وهو جل وعلا وتقدس يعود بأنواع النعم علينا. ألا فتقربوا إليه بالخوف من زوال النعم، وشدة الحياء من التقصير في الشكر. وتقربوا بالوجل من مكر الله تعالى والإشفاق على إيمانكم. وتقربوا إلى الله بشدة الخوف منه. وحقيقة الرجاء فيه، والسرور بذكره، ومناجاته، والشوق إليه، والرغبة في جواره. وتقربوا إلى الله بصدق اليقين والتوكل عليه والثقة به والطمأنينة إليه

стр. 202

والأنس به والانقطاع إليه. وتقربوا إليه بالوفاء ولين الجانب والجناح والتواضع والخشوع والخضوع. وتقربوا إليه بالحلم والاحتمال وكظم الغيظ وتجرع المرارة. وتقربوا إليه بسلامة الصدر وإرادة الخير للأمة وكراهة الشر لهم. وتقربوا إلى الله بالرأفة والرحمة والشفقة والحوطة على المسلمين. وتقربوا إليه بالجود والكرم والتفضل والإحسان وصدق الوفاء. وتقربوا إليه بالقناعة والعفاف والكفاف والرضى بالبلغة واليأس من نائل الناس. وتقربوا إليه بالتدبر لكتابه وتفهمه والعمل به والإخلاص. وتقربوا إليه بمجاهدة إبليس -لعنه الله- ومخالفة الهوى والنفس الأمارة بالسوء والتفقد لأحوالكم والتقوى في كل أموركم وتقربوا إلى الله بأداء الأمانات. وتقربوا إليه بالإحسان إلى المسيء والإيثار على أنفسكم وإن كان بكم خصاصة. وارغبوا في مكارم الأخلاق. وتقربوا إلى الله بالتواضع والابتعاد عن الترفع على عباد الله المؤمنين. وتقربوا إلى الله بالفرح بمصائب الدنيا، والرضا بقضاء الله وقدره. وتقربوا إلى الله بالاستعداد للموت والبعث والنشور والحساب والميزان. أَلَمْ تَر أنَّ المرء يِحبسُ ماله … وَوَراثِةُ فيه غدًا يَتَمَتَّعُ كَأَنَّ الحماة المشفقين عَلَيْكَ … قَدْ غَدَوا بكَ أَوْ رَاحُوا رَوَاحًا فَأَسْرَعُوا وما هُوَ إِلا النَّعْشُ لَوْ قَدْ أَتَوَا بِهِ …

стр. 203

تُقَلَّ فَتَلْقَى فوْقَهُ ثُم تُرْفَعُ وَمَا هُوَ إلا حَادِث بَعْدَ حَادثٍ … عَلَيْكَ فَمِنْ أَيِّ الحَوَادِثِ تَجْزِعُ وَمَا هُوَ إِلا المَوْتُ يَأتِي لِوَقْتِهِ … فَمَالكَ في تَأخِيْرهِ عَنْكَ مَدْفَعُ أَلا وإذا وُدِّعْتَ تَوْدِيْعَ هَالِكٍ … فَآخِرُ يَوْمٍ مِنْكَ يَوْمٌ تُوَدَّعُ أَلا وَكَمَا شَعَّيْتَ يَوْمًا جَنَائِزًا … فَأَنْتَ كَمَا شَيَّعْتَهُم سَتُشَيَّعُ رَأَيْتُكَ في الدُنْيَا عَلَى ثِقَةٍ بِهَا … وَإِنَّكَ في الدُنْيَا لأَنْتَ المُرَوَّعُ وَصَفْتَ التُّقَى وَصْفًا كَأَنَّكَ ذُو تُقَى … وَرِيْحُ الخَطَايَا مِنْ ثِيَابِكَ تَسْطَعُ وَلَمْ تُعْنَ بِالأَمْرِ الذي هُوَ وَاقِعُ … وَكُلُّ امْرئٍ يَعْنَي بِمَا يَتَوقَّعُ وَإِنَّكَ لَلْمَنْقُوْصِ في كُلُّ حَالةٍ … وَكلُّ بَني الدُّنْيَا عَلى النَّقْصِ يُطْبَعُ وَمَا زِلْتُ أَرْمى كُلُّ يَوْمٍ بِعْبِرَةٍ … تَكادُ لَهَا صُمُّ الجِبَالِ تَصَدَّعُ فَمَا بَالُ عَيْنِي لا تَجُوْدُ بِمَائِهَا … وَمَا بَالُ قَلْبِي لا يَرِقُّ وَيَخْشَعُ تَبَارَكَ مَنْ لا يَمْلِكُ المُلْكَ غَيْرُهُ … مَتَى تَنْقَضي حَاجَاتُ مَنْ لَيْسَ يَقْنَعُ وَأَيُّ امْرِءٍ في غَايَةٍ لَيْسَ نَفْسُهُ … إِلى غَايَةٍ أُخْرَى سِوَاهَا تَطَلَّعُ وَبَعُْض بَنِي الدُّنْيَا لِبَعْضٍ ذَرِيْعَةٌ … َوَكُلٌّ بِكُل قَلَّمَا يَتَمَتَّعُ يُحِبُّ السَّعِيْدُ العَدْلَ عِنْدَ احْتِجَاجِهِ … َوَيَبْغِي الشَّقِيُّ البَغْيَ والبَغْيُ يَصْرَعُ اللهم ثبتنا على نهج الاستقامة وأعذنا من موجبات الحسرة والندامة يوم القيامة وخفف عنا ثقل الأوزار، وارزقنا عيشة الابرار واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصل الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 204

٩- موعظة عباد الله كلنا نعلم أن حياتنا مهما امتدت وصفت للزوال، وكذلك كل واحد منا يعلم أنه أتى للدنيا للاختبار بما كلفنا به من العبادات والمعاملات، وسيصبح الواحد منا عما قريب في حفرة وحيدًا ليس معه أولاد ولا أموال، وحينئذ تكون أيها الأخ كأنك ما رأيت الدنيا ولا هي رأتك لحظة من اللحظات. ويا ليتك إذا زالت الحياة تزول دون أن يترتب عليها آثار لو كان ذلك لأحب بعضنا الموت، لأنه يكون بشيرًا بانتهاء الأمراض والمصائب والآلام، لكنك تعلم أنه يعقب ذلك الموت أهوال، وأمور مزعجات، تلاقي جزاء ما كان منك قبل الموت في الاختبار. فإن كنت قد أحسنت، رأيت قبرك روضة نعيم، وإن كنت مسيئًا رأيته نيرانًا محرقات. عن البراء بن عازب قال كنا في جنازة رجل من الأنصار ومعنا رسول الله ﷺ فانتهينا إلى القبر ولم يلحد، ووضعت الجنازة، وجلس رسول الله ﷺ ، فقال «إن المؤمن إذا احتضر، أتاه ملك الموت في أحسن صورة، وأطيب ريحًان فجلس عنده، لقبض روحه، وأتاه ملكان بحنوط من الجنة وكانا منه على بعيد فاستخرج ملك الموت روحه من جسده رشحًا. فإذا صارت إلى ملك الموت ابتدرها الملكان فأخذاها منه فحنطاها بحنوط من الجنة وكفناها بكفن من الجنة ثم عرجا بها إلى الجنة، فتفتح له أبواب السماء، وتستبشر الملائكة بها ويقولون لمن هذه الروح الطيبة التي فتحت لها أبواب السماء.

стр. 205

ويسمى بأحسن الأسماء التي كان يسمى بها في الدنيا، فيقال هذه روح فلان فإذا صعدا بها إلى السماء شيعها مقربو كل سماء، حتى توضع بَيْنَ يدي الله عند العرش، فيخرج عملها من عليين فيقول الله للمقربين اشهدوا أني قد غفرت لصاحب هذا العمل، ويختم كتابه فيرد في عليين. فيقول الله ردوا روح عبدي إلى الأرض، فإني وعدتهم أني أردهم فيها. ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] . فإذا وضع المؤمن في لحده تقول له الأرض إن كنت لحبيبًا إلي وَأَنْتَ على ظهري، فكيف إذا صرت اليوم في بطني سأريك ما أصنع بك، فيفسح له في قبره مد بصره. وقال رسول الله ﷺ إذا وضع الكافر في قبره أتاه منكر ونكير فيجلسانه فيقولان له من ربك، فيقول لا أدري، فيقولان له لا دريت، فيضربانه ضربة فيصير رمادًا، ثم يعاد فيجلس فيقال له ما قولك في هذا الرجل، فيقول أي رجل فيقولان محمد ﷺ فيقول قال الناس إنه رسول الله ﷺ فيضربانه ضربة فيصير رمادًا» . ويا ليت الأمر ينتهي، ويقف عند هذا الحد، فتبقى في قبرك على الدوام، فإنه أخف مما بعده، فتكون آلامك فيه أخف إن كنت من أهل الشقاء والآثام، ولكن تعلم أن ما أخبر به الله سيقع، وهو القيام من القبور، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] . وحينئذ تسوقك نتيجة اختبارك إما إلى الجنة وإما إلى السعير، من كان مكذبًا بهذا والعياذ بالله فلا كلام لنا معه، لأن مآله إلى جهنم وبئس المهاد

стр. 206

لأنه من الكافرين، وإن كان مؤمنًا بذلك كما أخبر الله ورسوله فهو الذي تفيد فيه المواعظ وضرب الأمثال ويقال لماذا نراك متصفًا بما يخالف قولك: يَا قَسْوةَ القَلْبِ مَالِي حِيْلةٌ فِيْكَ … مَلَكْتِ قَلْبِي فأَضْحَى شَرَّ مَمْلُوكِ حَجَبْتِ عَنِي إِفادَاتِ الخُشُوعِ فَلا … يَشْفِيْكِ ذِكْرٌ وَلا وَعْظٌ يُدَاوِيْكِ وَمَا تَمَادِيْكِ مِن كُثْفِ الذُنُوبِ وَلَـ … ـكِنَّ الذُنُوبَ أَرَاهَا مِن تَمَادِيْكِ لَكِن تَمَادِيْكِ مِن أَصْلِ نَشَأتِ بِهِ … طَعام سُوْءٍ عَلَى ضَعْفٍ يُقَوِّيْكِ وَأَنْتَ يا نَفسُ مَأْوَى كُلِّ مُعْضِلةٍ … وَكُلُ دَاءٍ بِقلبِي مِن عَوادِيْكِ أَنتِ الطَّلِيْعَةُ لِلشَّيْطَانِ في جَسَدِي … فَلَيْسَ يَدْخُلُ إِلا مِن نَواحِيْكِ لَمَا فَسَحْتِ بِتَوفِيْرِ الحظُوظِ لَهُ … أَضْحَى مَعَ الدَّم يَجْرِيْ في مَجَارِيْكِ وَالَيْتِهِ بِقَبُوْلِ الزُورِ مِنْكِ فَلَنْ … يُوَالِي الله إِلا مَن يُعَادِيْكِ ما زِلْتِ في أسْرِهِ تَهْوِيْنَ مَوْثقَةٌ … حَتَّى تَلِفْتِ فَأَعيانِي تَلافِيْكِ يَا نَفْسُ تُوبِي إلى الرحمنِ مُخْلِصَةً … ثم اسْتَقِيْمِيْ عَلَى عَزْمٍ يُنَجِيْكِ واسْتَدِركِي فَارِطَ الأوْقَاتِ واجْتَهِدِيْ … عَسَاكِ بالصِدْقِ أنْ تَمْحَيْ مَسَاوِيْكِ واسْعَيْ إِلَى البِرَّ والتَّقْوىَ مُسَارِعَةً … فَرُبَّما شُكِرَتْ يَومًا مَسَاعِيْكِ وَلَنْ يَتِمْ لَكِ الأَعْمَالُ صَالِحةً … إِلا بِتَركِكِ شَيْئًا شَرّ مَتْرُوْكِ حُبُّ التَّكَاثُرِ في الدُّنْيَا وَزِيْنَتهَا … فَهْيَ التِي عَن طِلابِ الخَيرِ تُلْهِيْكِ لا تُكْثِريْ الحِرْصَ في تَطْلابِهَا فَلَكَمْ … دَمٌ لَهَا بِسُيُوفِ الحِرْصِ مَسْفُوْكِ بَل اقْنَعِي بِكَفَافِ الرِّزْقِ رَاضِيَةٌ … فَكُلَّمَا جَاَز مَا يَكْفِيْكِ يُعْطِيْكِ ثُمَّ اذْكُرِيْ غُصصَ الموتِ الفَظِيْع تَهُنْ … عَلَيْكِ أَكْدَارُ دُنْيا لا تُصَافِيْكِ وَظُلْمَةَ القَبُرِ لا تَخْشَيْ وَوَحْشَتَهُ … عِنْدَ انْفِرَادِكِ عَن خِلِ يُوَالِيْكِ والصَّالِحَاتِ لِيَوْمِ الفَاقَةِ ادَّخِرِيْ …

стр. 207

في مَوْقفٍ لَيْسَ فَيْهِ مِن يُوَاسِيْكِ وأَحْسِنِي الظَّنَّ بِالرحمنِ مُسْلِمَةً … فَحُسْنُ ظَنِّكِ بِالرحمنِ يَكْفِيْكِ اللهم إنا نسألك نفسًا مطمئنة تؤمن بلقائك وترضى بقضائك، اللهم إنا نسألك باسمك الطاهر الطيب المبارك الأحب إليك الذي إذا دعيت به أجبت، وإذا سئلت به أعطيت، وإذا استرحمت به رحمت، وإذا استفرجت به فرجت أن تغفر سيئاتنا وتبدلها لنا بحسنات يا أرحم الراحمين وصل الله على محمد وآله وصحبه أجمعين. ١٠- موعظة كتب علي بن أبي طالب ﵁ إلى ولده الحسين من عبد الله علي أمير المؤمنين الوالد الفاني الذام للدنيا الساكن مساكن الموتى، إلى الولد المؤمل ما لا يدرك السالك سبيل من قد هلك، عرضة الأسقام ورهينة الأيام وأسير المنايا وقرين الرزايا وصريع الشهوات ونصب الآفات وخليفة الأموات. يا بني إن بقيت أو فنيت فإني أوصيك بتقوى الله وعمارة قلبك بذكره والاعتصام بحبله فإن الله يقول: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٣] . وأي سبب يا بني أوثق من سبب بينك وبين الله . أحي قلبك بالموعظة ونوره بالحكمة وقوه بالزهد وذلله بالموت وقرره بالفناء وحذره صولة الدهر وتقلب الليالي. واعرض عليه أخبار الماضين وسر في ديارهم وآثارهم فانظر ما فعلوا وأين حلوا فأنك تجدهم قد انتقلوا من دار الغرور ونزلوا دار الغربة.

стр. 208

وكأنك عن قليل يا بني قد صرت كأحدهم فبع دنياك بآخرتك ولا تبع آخرتك بدنياك ودع القول فيما لا تعرف والأمر فيما لا تكلف ومر بالمعروف بيدك ولسانك وكن من أهله وأنكر المنكر بيدك ولسانك وباين من فعله. وخض الغمرات إلى الحق ولا تأخذك في الله لومة لائم وأحفظ وصيتي فلا خير في علم لا ينفع واعلم أنه لا غنى بك عن حسن الارتياد مع بلاغك من الزاد. فإن أصبت من أهل الفاقة من يحتمل عنك زادك فيوافيك به في معادك فاغتنمه فإن أمامك عقبة كئودًا لا يجاوزها إلا أخف الناس حملاً. وأجمل في الطلب وأحسن في المكسب فرب طلب قد جر إلى حرب وإنما المحروب من حرب دينه والمسلوب من سلب يقينه واعلم أنه لا غنى يعدل الجنة ولا فقر يعدل النار والسلام عليك ورحمة الله. قال الناظم ﵀: وكُنْ بَيْنَ خَوْفٍ والرَّجَا عَاملاً لِمَا … تَخَافُ وَلا تَقْنَطْ وُثُوقًا بِمَوْعِدِ تَذَكَّرْ ذُنوبًا قَدْ مَضَيْنَ وَتُبْ لَهَا … وَتُبْ مُطْلقًا مَعْ فَقْدِ عِلْمِ التَّعَمُّدِ وبادِرْ مَتَابًا قَبْلَ يُغْلَقُ بَابُه … وَتُطوَى عَلَى الأَعْمَالِ صُحْفُ التزَوُّدِ فحِيْنَئِذٍ لا يَنْفَعُ المَرْءَ تَوْبَةٌ … إِذَا عايَنَ الأَمْلاكَ أو غَرْغَرْ الصَّدِي وَلا تَجْعَلِ الآمَالَ حِصْنًا فَإِنَّها … سَرَابٌ يَغُرُّ الغافلَ الجاهلَ الصَّدِي ويستحب أن يقول لهم في وقت بعد وقت متى رأيتم مني تقصيرًا في شيء انهوني عنه برفق ولطف لأن النفس تضعف في ذلك الوقت وأدوا إلي النصيحة في ذلك فإني معرض للغفلة والسهو والكسل والإهمال فإذا قصرت

стр. 209

فنشطوني وعاونوني على التأهب لهذا السفر البعيد والتغرب المخيف. وإذا حضره النزع فليكثر من قول لا إله إلا الله لتكون آخر كلامه فيا له من ختام ويا له من طابع، فعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» . ويستحضر أحاديث الرجل مثل حديث أبي ذر قال أتيت النبي ﷺ وعليه ثوب أبيض وهو نائم ثم أتيته وقد استيقظ فقال: «ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة قلت وإن زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق» الحديث متفق عليه. وحديث ابن عباس أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا وزنوا وأكثروا فأتوا محمدًا ﷺ فقالوا إن الذي تدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزل ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الآيتين – ونزل ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] . الآية ونحو هذه الآية والأحاديث التي سبقت. شعرًا: إِذَا أَتَى الله يَومَ الحَشْرِ في ظُلَلٍ … وَجِيءَ بالأُمَمِ المَاضِينَ وَالرُّسُلِ وَحاسَبَ الخَلْقَ مِنْ أَحْصَى بِقُدرَتِهِ … أَنْفَاسَهُم وتَوفَّاهُم إلى أَجَلِ وَلم أَجِدْ فِي كِتَابِي غَيْرَ سَيْئَةٍ … تَسُوءنِي وَعَسَى الإِسْلامُ يَسْلَمُ لِي رَجَوْتُ رَحْمَةَ رَبِّي وَهي وَاسِعُةٌ … وَرَحْمَةُ الله أَرْجَى لِي مِنَ العَمَلِ اللهم اجعل في قلوبنا نورًا نهتدي به إليك وتولنا بحسن رعايتك حتى نتوكل عليك وارزقنا حلاوة التذلل بين يديك فالعزيز من لاذ بعزك والسعيد

стр. 210

من التجأ إلى حماك وجودك والذليل من لم تؤيده بعنايتك والشقي من رضي بالإعراض عن طاعتك اللهم نزه قلوبنا عن التعلق بمن دونك واجعلنا من قوم تحبهم ويحبونك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ١١- موعظة عباد الله لقد كان سلفنا في محبة بعضهم بعضًا آية من الآيات وكان التراحم بينهم بالغًا مبلغًا يعده أهل الأنصاف غاية الغايات لذلك كانوا في محبة الخير لبعضهم على أرقى ما يتصور في الدرجات. وهل يتصور أن يكون أحدهم في أشد الجوع ويؤثر أخاه بماله من طعام عاملين بقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] . وقوله ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ [الإنسان: ٨] . وبقوله ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» . وإن الخجل ليعلو وجوهنا إذا نحن قارنا بين هؤلاء وبين أبناء هذا الزمان، نحن في حالة تصور حقيقتها فقط يثير في قلوب المؤمنين الأحزان. كيف ونحن إذا فتشنا ثم فتشنا لا نجد قلبين مع بعضهما معية الإخاء التام يكون الجار في نهاية الفقر ولا يلتفت إليه جاره المثري وينزل بالأخ الشقيق أو العم الشقيق أو نحوهما ما ينزل من الكوارث ولا أثر لنزولها عند أخيه ولا كأنه يرى تلك المصائب الفادحة ولعلك منتظر الجواب ما هو السبب في ذلك فألق سمعك وأحضر قلبك. فأقول لكل الناس اليوم شغل واحد هو المال شغلهم عما عداه وأنساهم

стр. 211

كل ما سواه ملأ القلوب حب هذا المال حتى لم يبق في القلوب متسع لسواه فمن أجله تستباح الأعراض ومن أجله تراق الدماء ومن أجله يكون الصفا والمعاداة هو القطب الذي تدور حوله أفعال العباد في هذا الزمان. فالقلوب في سرور ما دام المال سالمًا وإن أنهار بناء الشرف والدين والنفوس في هدوء وطمأنينة ما ابتعد عن المال فإذا قرب حوله هاجوا هيجان الجمال وهم في تواصل ما لم يتعرض للمال فإذا تعرض له انقطعت الصلات حتى بين الأقربين من آباء وأمهات وأولاد وإخوان. وهذا من ثمرات البخل قال بعضهم البخيل يستعجل الفقر الذي هرب منه ويفوته الغنى الذي يطلبه فيعيش في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب حساب الأغنياء فالبخيل هو الوحيد الذي يستبشر ورثته بمرضه وموته وتجده ليله ونهاره مستغرق في جمع المال لا يفتر خوفًا من الفقر وهذا هو الفقر كما قيل: ومَنْ يُنْفِقِ السَاعَاتِ فِي جَمْعِ مَالِهِ … مَخَافةَ فَقْرٍ فالذي فَعَلَ الفَقْرُ آخر: يُفْنِي البَخِيْل بِجَمْعِ المَالِ مُدَّتَهُ … وِلِلْحَوادِثِ وَالوُرَّاثِ مَا يَدَعُ كَدُوْدَةِ القَزِّ مَا تَبْنِِيْهِ يَهْدِمُهَا … وَغَيْرُهَا بِالذي تَبْنِيْهِ يَنْتَفِعُ آخر: وذِيْ حِرْصٍ تَرَاهُ يُلِمُّ وَفْرًا … لِوَارِثِهِ وَيَدْفَعُ عَن حِمَاُه كَكَلْبِ الصَّيْدِ يُمْسِكُ وهْوَ طَاوٍ … فَرِيسَتَهُ لِيَأكُلَهَا سِوَاهُ أما علم هؤلاء أن المال الذي كان بأيدينا كان قبلنا بيد إخواننا في الإنسانية الذين سبقونا إلى الدنيا ثم انتقل إلى من بعدهم ثم انتقل من جيل إلى جيل إلى أن وصل إلينا سعد به من صرفه في مراضي الله وشقي به من صرفه

стр. 212

في ما يغضب الله. ولعلك يا أخي تتكدر إذا علمت أنه سينتقل عنك في أسرع وقت فلا تفزع ولا تتكدر ووطن نفسك وأعلم أنك والله ميت وموروث عنك ما جمعت ومنعت رغم أنفك يتمتع به ذلك الوارث العاق أو البار وأنت تسأل عنه هللة وقرشًا قرشًا. وتكون النتيجة إن كنت جموعًا منوعًا شقاءً تستغيث منه فلا تغاث وتتمنى لو كانت الدنيا بأسرها بيدك وافتديت نفسك بها تكون النتيجة ذلك إن كنت من المغرورين الغافلين الذين ظنوا أن السعادة كلها تيسير جمع المال وتكديسه عندك آلافًا وملايين وعمائر وفلل وأراضي وبيوت كدأب أهل هذا العصر الغافل المظلم بالمعاصي والبدع والمنكرات. الذي اعتاض أهله عن كتاب الله وسنة رسوله العكوف على الجرائد حمالة الكذب والمجلات الخليعات والكتب الهدامات والجلوس حول الملاهي والمنكرات فسوف تندم وتتحسر حينما ينكشف عنك الغطا ويتبين لك ذلك الخطأ وتتمنى أنك أمضيت أوقاتك في طاعة مولاك وهيهات أن يحصل لك مناك ذهب الأوان وبقي الندم والحرمان. قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ﴾ [سبأ: ٥٤] . لقد أنسى الناس حب هذا المال ما لهم من شرف ومروءة ودين

стр. 213

وجعلهم حول حطام الدنيا كما وصفهم الشافعي ﵀: وَمَا هِيَ إِلا جِيْفَةٌ مُسْتَحِيْلَةٌ … عَلَيْهَا كِلابٌ هَمُّهِنَّ اجْتِذَابُهَا فَإِنَّ تَجْتَنبهَا كُنْتَ سِلْمًا لِأَهْلِهَا … وَإِنْ تَجْتَذبها نَازَعَتْكَ كِلابُهَا أما علموا أن المال من خدم الدين فإذا تجاوز ذلك كان نكبة على أصحابه وكذاك الأولاد إن كانوا غير صالحين فهم ضرر على أبيهم وعلى أنفسهم وكذلك الزوجة ولذلك ورد عن داود ﵇ أنه كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من جار السوء ومن مال يكون علي عذابًا ومن ولد يكون وبالاً ومن زوجة تشيبني قبل المشيب ومن خليل ماكر عينه ترعاني وقلبه يشناني إن رأى خيرًا أخفاه وإن رأى شرًا أفشاه» . وقيل إنه سئل عيسى ﵇ عن المال فقال لا خير فيه قيل ولم يا نبي الله قال لأنه يجمع من غير حل قيل فإن جمع من حل قال لا يؤدى حقه قيل فإن أدى حقه قال لا يسلم صاحبه من الكبر والخيلاء قيل فإن سلم قال يشغله عن ذكر الله قيل فإن لم يشغله قال يطيل عليه حسابه يوم القيامة. فتأمل هذه العقبات الخمس وقليل من يتجاوزها سالمًا وورد عن عطاء ابن السائب عن أبي البختري قال كان بين عمار بن ياسر وبين رجل كلام في المسجد فقال عمار أسأل الله تعالى إن كنت كاذبًا أن لا يميتك حتى يكثر مالك وولدك ويوطئ عقبك. وورد عن حذيفة قال رسول الله ﷺ : «خياركم في المائتين كل خفيف الحاذ» قالوا يا رسول الله وما الخفيف الحاذ قال: «الذي لا أهل له ولا ولد» .

стр. 214

شعرًا: يَقُولُ الذِيْ يَرْجُو مِن اللهِ عَفْوَهُ … وَيَرْجُوهُ نَصْرًا عَاجِلاً غَيْرَ آجِلِ لِمَنْ يَتَّقِيْ المَوْلَى وَيَرْجُو لِقَاءِهُ … وَعَمَّا يَقُولُ النَّاسُ لَيْسَ بِسَائِلِ أَقُولُ بِحَمْدِ اللهِ قَوْلاً مُنَقَّحًا … وَلَوْ أَنَّ فَهْمِي قَاصِر في المَسَائِلِ عَلَيْهِ مِن النَّصِّ الصَّرِيحِ شَوَاهِدٌ … إِذَا قُلْتُهُ يَهْوَي لَهُ كُلُّ عَاقِلِ أَسِرُّ بِمَا بِي وَالعُيُونُ عَوَابِرٌ … بِدَمْعٍ عَلَى الخَدَّيْنِ ثَجَا بِوَابِلِ وَفِي مُدَّعِي الإِسْلامِ قَلْبِي كَأَنَّهُ … عَلَى المُهْلِ مِنْهُمْ لَيْسَ عَنْهُم بِذَاهِلِ فَمَا بَيْنَ دَهْرِيٍّ وَمَا بَيْنَ مُشْرِكٍ … وَلَم يَعْرِفِ الإِسْلامَ غَيْرُ القَلائِلِ وَلَو بَذَلُوا الأَمْوَالَ نَفْلاً لِرَبِّنَا … إِذَا الفَرْضُ ضَاعَ لا غِنَى بِالنَّوَافِلِ تَرَكْنَا الكِتَابَ وَالحَدِيثَ وَرَاءَنَا … لِأَجْلِ مَجَلاتٍ أَتَتْ بِالتَّهَازِلِ لَقَدْ حَصَّلَ المَقْصُودَ مِنَّا عَدُوُنَا … وَمَقْصُودُنَا مِنْهُمْ فَلَيْسَ بِحَاصِلِ مَشَيْنَا جَمِيْعًا في فَسَادِ صَلاحِنَا … وَرُمْنَا مَرَامًا خَاسَرًا غَيْرَ طَائِلِ وَتَسْتَعْجِبُ الأَعْدَاءُ مِنَّا لأَنَّنَا … كَمِثْلِ القَطَا تَصْطَادُنَا بِالحَبَائِلِ أَحَاطَتْ بِنَا الأَعْدَاءُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ … كَأَنَّا طَعَامٌ قَدَّمُوهُ لَأَكِلِ وَصَارُوا بِحَارًا يُغْرِقُ الفُلْكَ مَوْجُهَا … وَنَحنُ لَهُمْ صِرْنَا كَمِثْلِ الجَدَاوِلِ وَتَخْتَرِعُ الأَعْدَاءُ لِلْحَرْبِ قُوَّةً … وَقَدْ هَدَّدَتْ مَنْ لَمْ يُطِعْ بِالقَنَابِلِ وَلَيْسَ لَنَا مِنَّا زَعِيْمٌ مُصَادِمٌ … أَتَتْ تَتَمطَّى مَا لَهَا مِنْ مُقَابِلِ وَنَحْنُ هَبَطْنَا لِلْتُّرَابِ تَوَاضُعًا … نُرِيْدُ نَجَاحًا مِنْ خَفِيْفِ القَسَاطِلِ فَتَبًّا لِعِبَادِ الدَّنَانِيْرِ كُلَّهِمْ … وَتَبًّا لِخَبٍّ جَاهِلٍ مُتَعَاقِلِ وَتَبًّا لِعَبْدٍ مُشْرِكٍ خَانَ رَبَّهُ … وَضَيَّعَ دِيْنًا مَا لَهُ مِنْ مُمَاثِلِ وَتَبًّا لِقَوْمٍ عَزَّ فِيْهِمْ سَفيْهُهُمْ …

стр. 215

وَصَارَ ذَلِيْلاً عِنْدَهُمْ كُلُّ فَاضِلِ وَمِنْ أَعْظَمِ الخُسْرَانِ عِزُّ عَدُوِّهِمْ … وَذُلِّهُم مِنْ بَعْدِ عِزِّ الأَوَائِلِ فَيَا لَيْتَ للإِسْلامِ في الحَالِ شَوْكَةً … ذَوْوا نَجْدَةٍ يَخْشاهُمُ كُلُّ جَاهِلِ رُجَالٌ يَرَوْنَ المَوْتَ مَجْدًا وَجُنَّةً … عَن الذُّلِّ مِنْ فِعْلِ الصُّقُوْرِ الحَلاحِلِ تَذُوْدُ عَنِ الدِّيْنِ القَوِيْمِ بِسَيْفِهَا … وَمِنْ أَرْضِهَا تَنْفِي جَمِيْعَ الأَرَاذِلِ اللهم اختم بالسعادة آجالنا وحقق بالزيادة أعمالنا واقرن بالعافية غدونا وآصالنا واجعل إلى رحمتك مصيرنا ومآلنا واصبب سجال عفوك على ذنوبنا ومن بإصلاح عيوبنا واجعل التقوى زادنا وفي دينك اجتهادنا وعليك توكلنا واعتمادنا إلهنا ثبتنا على نهج الاستقامة وأعذنا من موجبات الندامة يوم القيامة واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ١٢- موعظة روى أبو الدرداء ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «تفرغوا من الدنيا، فإنه من كانت الدنيا أكبر همه، فرق الله عليه أمره وجعل فقره بَيْنَ عينيه ومن كانت الآخرة أكبر همه جمع الله له أموره وجعل غناه في قلبه وما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا جعل الله قلوب المؤمنين تفد إليه بالود والرحمة وكان الله إليه بكل خير أسرع» . ولما دخل أبو الدرداء الشام قال يا أهل الشام اسمعوا قول أخ ناصح فاجتمعوا إليه فقال ما لي أراكم تبنون ما لا تسكنون وتجمعون ما لا تأكلون وتؤملون ما لا تدركون إن الذين كانوا قبلكم بنوا مشيدًا وأملوا بعيدًا وجمعوا عتيدًا فأصبح أملهم غرورا
следующие страницы →