Полный текст (1 102 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
كل ما سواه ملأ القلوب حب هذا المال حتى لم يبق في القلوب متسع لسواه فمن أجله تستباح الأعراض ومن أجله تراق الدماء ومن أجله يكون الصفا والمعاداة هو القطب الذي تدور حوله أفعال العباد في هذا الزمان.
فالقلوب في سرور ما دام المال سالمًا وإن أنهار بناء الشرف والدين والنفوس في هدوء وطمأنينة ما ابتعد عن المال فإذا قرب حوله هاجوا هيجان الجمال وهم في تواصل ما لم يتعرض للمال فإذا تعرض له انقطعت الصلات حتى بين الأقربين من آباء وأمهات وأولاد وإخوان.
وهذا من ثمرات البخل قال بعضهم البخيل يستعجل الفقر الذي هرب منه ويفوته الغنى الذي يطلبه فيعيش في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب حساب الأغنياء فالبخيل هو الوحيد الذي يستبشر ورثته بمرضه وموته وتجده ليله ونهاره مستغرق في جمع المال لا يفتر خوفًا من الفقر وهذا هو الفقر كما قيل:
ومَنْ يُنْفِقِ السَاعَاتِ فِي جَمْعِ مَالِهِ … مَخَافةَ فَقْرٍ فالذي فَعَلَ الفَقْرُ
آخر:
يُفْنِي البَخِيْل بِجَمْعِ المَالِ مُدَّتَهُ … وِلِلْحَوادِثِ وَالوُرَّاثِ مَا يَدَعُ
كَدُوْدَةِ القَزِّ مَا تَبْنِِيْهِ يَهْدِمُهَا … وَغَيْرُهَا بِالذي تَبْنِيْهِ يَنْتَفِعُ
آخر:
وذِيْ حِرْصٍ تَرَاهُ يُلِمُّ وَفْرًا … لِوَارِثِهِ وَيَدْفَعُ عَن حِمَاُه
كَكَلْبِ الصَّيْدِ يُمْسِكُ وهْوَ طَاوٍ … فَرِيسَتَهُ لِيَأكُلَهَا سِوَاهُ
أما علم هؤلاء أن المال الذي كان بأيدينا كان قبلنا بيد إخواننا في الإنسانية الذين سبقونا إلى الدنيا ثم انتقل إلى من بعدهم ثم انتقل من جيل إلى جيل إلى أن وصل إلينا سعد به من صرفه في مراضي الله وشقي به من صرفه
стр. 212
في ما يغضب الله.
ولعلك يا أخي تتكدر إذا علمت أنه سينتقل عنك في أسرع وقت فلا تفزع ولا تتكدر ووطن نفسك وأعلم أنك والله ميت وموروث عنك ما جمعت ومنعت رغم أنفك يتمتع به ذلك الوارث العاق أو البار وأنت تسأل عنه هللة وقرشًا قرشًا.
وتكون النتيجة إن كنت جموعًا منوعًا شقاءً تستغيث منه فلا تغاث وتتمنى لو كانت الدنيا بأسرها بيدك وافتديت نفسك بها تكون النتيجة ذلك إن كنت من المغرورين الغافلين الذين ظنوا أن السعادة كلها تيسير جمع المال وتكديسه عندك آلافًا وملايين وعمائر وفلل وأراضي وبيوت كدأب أهل هذا العصر الغافل المظلم بالمعاصي والبدع والمنكرات.
الذي اعتاض أهله عن كتاب الله وسنة رسوله العكوف على الجرائد حمالة الكذب والمجلات الخليعات والكتب الهدامات والجلوس حول الملاهي والمنكرات فسوف تندم وتتحسر حينما ينكشف عنك الغطا ويتبين لك ذلك الخطأ وتتمنى أنك أمضيت أوقاتك في طاعة مولاك وهيهات أن يحصل لك مناك ذهب الأوان وبقي الندم والحرمان.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ﴾ [سبأ: ٥٤] .
لقد أنسى الناس حب هذا المال ما لهم من شرف ومروءة ودين
стр. 213
وجعلهم حول حطام الدنيا كما وصفهم الشافعي ﵀:
وَمَا هِيَ إِلا جِيْفَةٌ مُسْتَحِيْلَةٌ … عَلَيْهَا كِلابٌ هَمُّهِنَّ اجْتِذَابُهَا
فَإِنَّ تَجْتَنبهَا كُنْتَ سِلْمًا لِأَهْلِهَا … وَإِنْ تَجْتَذبها نَازَعَتْكَ كِلابُهَا
أما علموا أن المال من خدم الدين فإذا تجاوز ذلك كان نكبة على أصحابه وكذاك الأولاد إن كانوا غير صالحين فهم ضرر على أبيهم وعلى أنفسهم وكذلك الزوجة ولذلك ورد عن داود ﵇ أنه كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من جار السوء ومن مال يكون علي عذابًا ومن ولد يكون وبالاً ومن زوجة تشيبني قبل المشيب ومن خليل ماكر عينه ترعاني وقلبه يشناني إن رأى خيرًا أخفاه وإن رأى شرًا أفشاه» .
وقيل إنه سئل عيسى ﵇ عن المال فقال لا خير فيه قيل ولم يا نبي الله قال لأنه يجمع من غير حل قيل فإن جمع من حل قال لا يؤدى حقه قيل فإن أدى حقه قال لا يسلم صاحبه من الكبر والخيلاء قيل فإن سلم قال يشغله عن ذكر الله قيل فإن لم يشغله قال يطيل عليه حسابه يوم القيامة.
فتأمل هذه العقبات الخمس وقليل من يتجاوزها سالمًا وورد عن عطاء ابن السائب عن أبي البختري قال كان بين عمار بن ياسر وبين رجل كلام في المسجد فقال عمار أسأل الله تعالى إن كنت كاذبًا أن لا يميتك حتى يكثر مالك وولدك ويوطئ عقبك. وورد عن حذيفة قال رسول الله ﷺ : «خياركم في المائتين كل خفيف الحاذ» قالوا يا رسول الله وما الخفيف الحاذ قال: «الذي لا أهل له ولا ولد» .
стр. 214
شعرًا:
يَقُولُ الذِيْ يَرْجُو مِن اللهِ عَفْوَهُ … وَيَرْجُوهُ نَصْرًا عَاجِلاً غَيْرَ آجِلِ
لِمَنْ يَتَّقِيْ المَوْلَى وَيَرْجُو لِقَاءِهُ … وَعَمَّا يَقُولُ النَّاسُ لَيْسَ بِسَائِلِ
أَقُولُ بِحَمْدِ اللهِ قَوْلاً مُنَقَّحًا … وَلَوْ أَنَّ فَهْمِي قَاصِر في المَسَائِلِ
عَلَيْهِ مِن النَّصِّ الصَّرِيحِ شَوَاهِدٌ … إِذَا قُلْتُهُ يَهْوَي لَهُ كُلُّ عَاقِلِ
أَسِرُّ بِمَا بِي وَالعُيُونُ عَوَابِرٌ … بِدَمْعٍ عَلَى الخَدَّيْنِ ثَجَا بِوَابِلِ
وَفِي مُدَّعِي الإِسْلامِ قَلْبِي كَأَنَّهُ … عَلَى المُهْلِ مِنْهُمْ لَيْسَ عَنْهُم بِذَاهِلِ
فَمَا بَيْنَ دَهْرِيٍّ وَمَا بَيْنَ مُشْرِكٍ … وَلَم يَعْرِفِ الإِسْلامَ غَيْرُ القَلائِلِ
وَلَو بَذَلُوا الأَمْوَالَ نَفْلاً لِرَبِّنَا … إِذَا الفَرْضُ ضَاعَ لا غِنَى بِالنَّوَافِلِ
تَرَكْنَا الكِتَابَ وَالحَدِيثَ وَرَاءَنَا … لِأَجْلِ مَجَلاتٍ أَتَتْ بِالتَّهَازِلِ
لَقَدْ حَصَّلَ المَقْصُودَ مِنَّا عَدُوُنَا … وَمَقْصُودُنَا مِنْهُمْ فَلَيْسَ بِحَاصِلِ
مَشَيْنَا جَمِيْعًا في فَسَادِ صَلاحِنَا … وَرُمْنَا مَرَامًا خَاسَرًا غَيْرَ طَائِلِ
وَتَسْتَعْجِبُ الأَعْدَاءُ مِنَّا لأَنَّنَا … كَمِثْلِ القَطَا تَصْطَادُنَا بِالحَبَائِلِ
أَحَاطَتْ بِنَا الأَعْدَاءُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ … كَأَنَّا طَعَامٌ قَدَّمُوهُ لَأَكِلِ
وَصَارُوا بِحَارًا يُغْرِقُ الفُلْكَ مَوْجُهَا … وَنَحنُ لَهُمْ صِرْنَا كَمِثْلِ الجَدَاوِلِ
وَتَخْتَرِعُ الأَعْدَاءُ لِلْحَرْبِ قُوَّةً … وَقَدْ هَدَّدَتْ مَنْ لَمْ يُطِعْ بِالقَنَابِلِ
وَلَيْسَ لَنَا مِنَّا زَعِيْمٌ مُصَادِمٌ … أَتَتْ تَتَمطَّى مَا لَهَا مِنْ مُقَابِلِ
وَنَحْنُ هَبَطْنَا لِلْتُّرَابِ تَوَاضُعًا … نُرِيْدُ نَجَاحًا مِنْ خَفِيْفِ القَسَاطِلِ
فَتَبًّا لِعِبَادِ الدَّنَانِيْرِ كُلَّهِمْ … وَتَبًّا لِخَبٍّ جَاهِلٍ مُتَعَاقِلِ
وَتَبًّا لِعَبْدٍ مُشْرِكٍ خَانَ رَبَّهُ … وَضَيَّعَ دِيْنًا مَا لَهُ مِنْ مُمَاثِلِ
وَتَبًّا لِقَوْمٍ عَزَّ فِيْهِمْ سَفيْهُهُمْ …
стр. 215
وَصَارَ ذَلِيْلاً عِنْدَهُمْ كُلُّ فَاضِلِ
وَمِنْ أَعْظَمِ الخُسْرَانِ عِزُّ عَدُوِّهِمْ … وَذُلِّهُم مِنْ بَعْدِ عِزِّ الأَوَائِلِ
فَيَا لَيْتَ للإِسْلامِ في الحَالِ شَوْكَةً … ذَوْوا نَجْدَةٍ يَخْشاهُمُ كُلُّ جَاهِلِ
رُجَالٌ يَرَوْنَ المَوْتَ مَجْدًا وَجُنَّةً … عَن الذُّلِّ مِنْ فِعْلِ الصُّقُوْرِ الحَلاحِلِ
تَذُوْدُ عَنِ الدِّيْنِ القَوِيْمِ بِسَيْفِهَا … وَمِنْ أَرْضِهَا تَنْفِي جَمِيْعَ الأَرَاذِلِ
اللهم اختم بالسعادة آجالنا وحقق بالزيادة أعمالنا واقرن بالعافية غدونا وآصالنا واجعل إلى رحمتك مصيرنا ومآلنا واصبب سجال عفوك على ذنوبنا ومن بإصلاح عيوبنا واجعل التقوى زادنا وفي دينك اجتهادنا وعليك توكلنا واعتمادنا إلهنا ثبتنا على نهج الاستقامة وأعذنا من موجبات الندامة يوم القيامة واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
١٢- موعظة
روى أبو الدرداء ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «تفرغوا من الدنيا، فإنه من كانت الدنيا أكبر همه، فرق الله عليه أمره وجعل فقره بَيْنَ عينيه ومن كانت الآخرة أكبر همه جمع الله له أموره وجعل غناه في قلبه وما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا جعل الله قلوب المؤمنين تفد إليه بالود والرحمة وكان الله إليه بكل خير أسرع» . ولما دخل أبو الدرداء الشام قال يا أهل الشام اسمعوا قول أخ ناصح فاجتمعوا إليه فقال ما لي أراكم تبنون ما لا تسكنون وتجمعون ما لا تأكلون وتؤملون ما لا تدركون إن الذين كانوا قبلكم بنوا مشيدًا وأملوا بعيدًا وجمعوا عتيدًا فأصبح أملهم غرورا
стр. 216
ومساكنهم قبورا. وقال بعضهم:
إن كل يوم يمر بكم يحمل ما ثبت فيه من خير أو شر ثم يمضي فلا يعود أبدًا فإن قدرتم أن تحظوا كل يوم بمكرمة وتثبتوا فيه حسنة فلا تؤخروا فإن الأيام صحائف فخلدوا فيها الجميل فقد رأيتم حفظها لما استودعت من المحامد والمحاسن والمكارم في قديم الدهر وحديثه.
شعرًا:
لَيْسَ الغَرِيْبُ غَرِيْبَ الشَّامِ وَاليَمَنِ … إِنَّ الغَرِيْبَ غَرِيْبُ اللَّحْدِ والكَفَنِ
تَمُرُ سَاعَاتُ أَيَّامِيْ بِلَا نَدَمٍ … وَلا بُكاءٍ ولا خَوفٍ ولا حَزَنِ
سَفَرِيْ بَعِيْدٌ وَزَادِيْ لا يُبَلِّغُنِي … وَقَسْمَي لم تَزَلْ وَالموتُ يَطْلُبُنِي
مَا أَحْلَمَ اللهَ عَني حَيْثُ أَمْهَلَنِي … وَقَدْ تَمَادَيْتُ في ذَنْبِي وَيَسْتُرنِي
أَنَا الذِي أُغْلِقُ الأَبْوَابَ مُجْتَهِدًا … عَلَى المعاصِي وَعَيْنُ اللهِ تَنْظُرُنِي
يا زَلةً كُتِبَتْ يا غَفْلَةً ذَهَبَتْ … يَا حَسْرَةً بَقِيَتْ في القَلْبِ تَقْتُلُنِي
دَعْ عَنْكَ عَذْلِي يا مَن كَانَ يَعْذِلُنِي … لَوْ كُنْتَ تَعْلَمُ مَا بِي كُنْتُ تَعْذُرُنِي
دَعْنِي أَنُوْحُ على نَفْسِي وَأَنْدِبُهَا … وَأَقْطَعُ الدَّهْر بالتَّذْكَارِ وَالحَزَنِ
دَعْنِي أَسِحُّ دُمُوعًا لا انْقطاع لَهَا … فَهَل عَسَى عَبْرَةٌ مِنْهَا تُخَلِّصُنِي
كَأَنَّنِي بَيْنَ تِلْكَ الأَهْلِ مُنْطَرِحًا … عَلَى الفِرَاشِ وَأَيْدِيهِمْ تُقَلِّبُنِي
وَقَدْ أَتَوْا بِطَبِيْبٍ كَيْ يُعَالِجُنِي … وَلَم أَرَ مِن طَبِيْبِ اليَومِ يَنْفَعُنِي
وَاشْتَدَّ نَزْعِي وَصَارَ الموتُ يَجْذِبُها … مِن كُلِّ عِرقٍ بِلا رِفْقٍ وَلا هَوَنِ
وَاسْتَخْرَجَ الرُوْحُ مِنِّي في تَغَرْغُرِهَا … وَصَارَ في الحَلْقَ مُرًا حِيْنَ غَرْغَرنِي
وَغَمَّضُونِي وَرَاحَ الكُلُّ وَانْصَرَفُوا … بَعدَ الإِيَاسِ وَجَدُّوا في شِرَا كَفَنِي
وَقَامَ مَنْ كَانَ أَوْلَى الناسِ في عَجَلٍ …
стр. 217
إِلى المُغَسِّلِ يأتِيْنِي يُغَسِلُنِي
وَقَالَ يا قَوْمُ نَبْغِي غَاسِلاً حَذقًا … حُرًّا أَدِيْبًا أَرِيْبًا عَارِفًا فَطِني
فَجَاءَنِي رَجُلٌ مِنْهُمْ فَجَردَنِي … مِن الثِيَابِ وَأعْرَانِي وَأفردَنِي
واطَّرحُونِي عَلَى الأَلْواحِ مُنْفَرِدًا … وَصَارَ فَوْقِي خَرِيْرُ المَاءِ يُنْظِفُنِي
وَأَسْكَبَ المَاءَ مِنْ فَوْقِي وَغَسَّلَنِي … غُسْلاً ثَلاثًا وَنَادَى القَوْمَ بِالكَفَنِي
وَأَلْبَسُونِي ثِيْابًا لا كُمُومَ لَهَا … وَصَارَ زَادِي حَنُوْطًا حِيْنَ حَنَّطَنِي
وَقَدَّمُونِي إِلى المِحْرَابِ وانصرفُوا … خَلْفَ الأمَامِ فَصَلَّى ثِم وَدَّعْنِي
صَلَّوا عَلَي صَلاةً لا رُكُوعَ لَهَا … وَلا سُجُودَ لَعَلَّ اللهَ يَرْحَمُنِي
وَأَنْزَلُونِي في قَبْرِي عَلَى مَهَل … وَأَنْزَلُوا وَاحِدًا مِنْهُم يُلَحِّدُنِي
وَكَشَّفَ الثَوْبَ عن وَجْهِي لِيْنَظُرنِي … وَأَسْبَلَ الدَّمْعَ مِِن عَيْنَيْهِ أَغْرَقَنِي
فَقَامَ مُحْتَرِمًا بِالعَزْمِ مُشْتَمِلاً … وَصَفَّفَ اللِّبنَ مِن فَوقِي وَفَارَقَنِي
وَقَالَ هُلُّوا عَلَيْهِ التُّرَبَ واغْتَنِمُوا … حُسْنَ الثَّوَابِ مِن الرحمنِ ذِي المِنَنِ
في ظُلْمَةِ القَبْرِ لا أُمُّ هُنَاكَ وَلا … أَبٌ شَفِيْقٌ وَلا أَخٌ يُؤَنِّسُنِي
وَأَوْدَعُونِي وَلَجُوا في سُؤالِهمُوا … مَا لِي سِوَاكَ إِلهي مَن يُخَلِّصُنِي
وَهَالَنِي صُوْرةٌ في العَيْنِ إِذْ نَظَرَتْ … مِن هَوْلِ مَطْلَعِ مَا قَدْ كَانَ أَدْهَشَنِي
من مُنْكَرٍ وَنَكِيْرٍ مَا أَقُولُ لَهُم … إِذْ هَالَنِي مِنْهُمَا مَا كَانَ أَفْزَعَنِي
فامْنُن عَلَيَّ بِعَفْو مِنْكَ يَا أَمَلِي … فَإِنَّنِي مُوثَقٌ بِالذَّنْبِ مُرْتَهَنِ
تَقَاسَمَ الأَهْلُ مالِيْ بَعْدَمَا انْصَرَفُوا … وَصَارَ وزْرِي عَلى ظَهْرِي فَأثْقَلَنِي
فَلا تَغُرَّنَكَ الدُّنْيَا وَزِيْنَتُهَا … وانْظُرْ إلى فِعْلِهَا في الأَهْلِ والوَطَنِ
وانْظُر إلى مَن حَوَى الدُّنْيَا بِأَجْمَعِهَا … هَلْ رَاحَ مِنْهَا بِغَيْرِ الزَّادِ وَالكَفَنِ
خُذْ القَنَاعَةَ مِنْ دُنْيَاكَ وَارْضَ بِها …
стр. 218
لَوْ لَمْ يَكُنْ لَكَ إِلا رَاحَةُ البَدَنِ
يَا نَفْسُ كَفِّيْ عَنِ العِصْيَانِ واكْتَسِبِي … فِعْلاً جَمِيْلاً لَعَلَّ اللهَ يَرْحَمُنِي
اللهم أيقظنا من غفلتنا بفضلك وإحسانك وتجاوز عن جرائمنا بعفوك وغفرانك وألحقنا بالذين أنعمت عليهم في دار رضوانك وارزقنا كما رزقتهم من لذيذ مناجاتك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فصل)
ثم أعلم أيها الأخ أنه ما من ساعة تمر على العبد لا يذكر الله فيها إلا تأسف وتحسر على فواتها بغير ذكر الله ولذلك ينبغي للعاقل أن يجعل معه شيئًا يذكره لذكر الله كلما غفل عنه.
ويقال إن العبد تعرض عليه ساعات عمره في اليوم والليلة فيراها خزائن مصفوفة أربع وعشرين خزانة فيرى في كل خزانة أمضاها في طاعة الله ما يسره. فإذا مرت به الساعات التي غفل فيها عن ذكر الله رآها فارغة ساءه ذلك وتندم حين لا يفيده الندم.
وأما الساعات التي كان يذكر الله فيها فلا تسأل عن سروره فيها وفرحه بها حتى يكاد أن يقتله الفرح والسرور. قال بعضهم أوقات الإنسان أربعة لا خامس لها النعمة، والبلية، والطاعة، والمعصية.
ولله عليك في كل وقت منها سهم من العبودية.
فمن كان وقته الطاعة لله فسبيله شهود المنة من الله عليه أن هداه ووفقه للقيام بها.
стр. 219
ومن كان وقته المعصية فعليه بالتوبة والندم والاستغفار.
ومن كان وقته النعمة فسبيله الشرك والحمد لله والثناء عليه.
ومن كان وقته البلية فسبيله الرضا بالقضاء والصبر والرضا رضى النفس عن الله، والصبر ثبات القلب بين يدي الرب. اهـ.
العمر إذا مضى لا عوض وما حصل لك منه لا قيمة له. فعمر الإنسان هو ميدانه للأعمال الصالحة المقربة من الله تعالى والموجبة له جزيل الثواب في الآخرة. ولكن ما يعرف قدر العمر إلا نوادر العلماء.
قال الله جل وعلا وتقدس: ﴿ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] . وقال ﵎: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الطور: ١٩] . وقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: ١٦] . الآيات.
وهذه هي السعادة التي يكدح العبد ويسعى من أجلها وليس لها منها إلا ما سعى كما قال جل وعلا وتقدس: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] .
فكل جزء يفوته من العمر خاليًا من عمل صالح. يفوته من السعادة بقدره ولا عوض له منه.
فالوقت لا يستدرك وليس شيء أعز منه وكل جزء يحصل له من العمر غير خال من العمل الصالح يتوصل به إلى ملك كبير لا يفنى ولا قيمة لما يوصل إلى ذلك لأنه في غاية الشرف والنفاسة.
ولأجل هذا عظمت مراعاة السلف الصالح ﵃ لأنفاسهم ولحظاتهم وبادروا إلى اغتنام ساعاتهم وأوقاتهم ولم يضيعوا أعمارهم في البطالة والتقصير ولم يقنعوا لأنفسهم إلا بالجد والتشمير فلله درهم ما أبصرهم
стр. 220
بتصريف أوقاتهم.
تَبْغِي الوُصُولَ بِسَيْرٍ فيه تَقْصِيْرُ … لا شَكَّ أَنَّكَ فِيْمَا رُمْتَ مَغْرُورُ
قَدْ سَارَ قَبْلَكَ أَبْطَالٌ فَمَا وَصِلُوا … هَذا وفي سَيْرهم جدٌّ وَتَشْمِيْرُ
قال بعضهم أدركت أقوامًا كانوا على ساعاتهم أشفق منكم على دنانيركم ودراهمكم فكما لا يخرج أحدكم دينارًا ولا درهمًا إلا فيما يعود نفعه عليه فكذلك السلف لا يحبون أن تخرج ساعة بل ولا دقيقة من أعمارهم إلا فيما يعود نفعه عليهم ضد ما عليه أهل هذا الزمان من قتل الوقت عند المنكرات.
بَقِيَّةُ العُمْرِ عندِي مَا له ثَمنٌ … وإِنْ غَدَا غَيْرَ مَحْسُوبٍ مِن الزمَنِ
يَسْتدَرِكُ المرءُ فِيهَا كلَّ فائِتةٍ … مِن الزمانِ وَيَمْحُو السُوءَ بِالحَسَنِ
آخر:
لا يحْقِر الرَّجُلُ الرَّفِيْعُ دَقِيْقَةً … في السَّهْو فيها لِلْوَضِيْعِ مَعَاذِرُ
فَكَبَائِرُ الرَّجُلِ الصَّغِير صَغِيْرَةٌ … وَصَغَائِرُ الرجُلِ الكَبير كَبَائِرُ
رأى أحد الزهاد إنسانًا يأكل فطوره وهو يحتاج إلى مضغ فقال هذا يستغرق وقتًا طويلاً فلما أخرج فطوره وإذا هو ما يستغرق إلا وقتًا يسيرًا.
فقال له ما حملك على هذا فقال إني حسبت ما بين المضغ والسف سبعين تسبيحة.
لله دره على هذه الملاحظة ولقد بلغنا أن أحد علماء السلف كان يأكل باليمنى والكراس باليسرى.
وإذا دخل الخلا أمر القارئ أن يرفع صوته كل هذا محافظة على الوقت.
стр. 221
بلغ يا أخي قتالة الأوقات عند الملاهي والمنكرات من تلفاز ومذياع وكورات وجرائد ومجلات وقيل وقال ونحو ذلك.
ويا أخي إن كنت ممن عصمهم الله من هذه الشرور والبلايا والمنكرات فكثر من حمد الله وشكره وذكره واسأله الثبات حتى الممات.
وانصح إخوانك المسلمين واجتذبهم عن ضياع الأوقات فلعلك أن تكون سببًا لهدايتهم.
وَلا يَذْهَبَنَّ العُمْرُ مِنْكَ سَبَهْلَلا … وَلا تُغْبَنَنْ بالنَّعْمتينَ بَل اجْهِدِ
فَمَنْ هَجَر اللذَّاتِ نَالَ المُنَى ومَنْ … أَكَبَّ على اللذَّاتِ عَضَّ عَلَى اليَدِ
فَفِي قَمْعِ أَهْوَاءِ النُفُوسِ اعْتِزَازُهَا … وفي نَيْلِها ما تشتهِي ذِلُ سَرْمَدِ
ثم اعلم أيها الأخ إن الوقت ليس من ذهب كما يقول الناس فإنه أغلى من الذهب والفضة مهما بلغا كثرة إنه الحياة من ساعة الميلاد إلى ساعة الوفاة فتنبه لذلك وحافظ عليه واقتد بالسلف الصالح الذين عرفوا قيمة الوقت.
قال ابن مسعود ﵁ ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه عمري ولم يزد فيه عملي.
وقال آخر كل يوم يمر بي لا أزداد فيه علمًا يقربني من الله فلا بورك لي في طلوع شمسه.
وقال آخر من أمضى يومًا من عمره في غير حق قضاه أو فرض أداه أو مجد أثله أو حمد حصله أو خير أسسه أو علم اقتبسه فقد عق يومه وظلم نفسه. ولا تسأل عن ندمه يوم ينظر المرء ما قدمت يداه.
وإذا كان هذا حرص السلف على الوقت والمحافظة عليه وتقديره عندهم فإن مما يحزن المسلم ويجرحه ويدمي القلب ويمزق الكبد أسى وأسفًا
стр. 222
نشاهده عند كثيرين من المؤمنين من إضاعة للوقت تعدت حد التبذير والإسراف والتبديد.
وبالحقيقة أن السفيه هو مضيع الوقت لأن المال له عوض أما الوقت فلا عوض له.
فالعاقل من حفظ وقته وتجنب ما يضيعه عليه كالجلوس عند الملاهي والمنكرات ومطالعة في الكتب الهدامات إن من أخسر الناس أعمارًا من شغلتهم شهواتهم عن أمور دينهم ومصالح أمورهم قال الله جل وعلا وتقدس: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف: ٢٨] .وقال عز من قائل: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾ [فاطر: ٨] .
اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، ووفقنا للعمل بما فهمتنا، اللهم إن كنا مقصرين في حفظ حقك، والوفاء بعهدك، فأنت تعلم صدقنا في رجاء رفدك، وخالص ودك، اللهم أنت أعلم بنا منا، فبكمال جودك تجاوز عنا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والميتين، برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
شعرًا: قصيدة زهدية وعظية سقط بعضها وعوضناها عنه ما بين الأقواس:
لا تَأْسَفَنَّ عَلَى الدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا … فَالمَوْتُ لا شَكَّ يُفْنِيْنَا وَيُفْنِيْهَا
وَمَنْ يَكُنْ هَمُّهُ الدُّنْيَا لِيَجْمَعَهَا … فَسَوْفَ يَوْمًا عَلَى رَغْمٍ يُخَلِّيْهَا
لا تَشْبَعُ النَّفْسُ مِنْ دُنْيَا تُجَمِّعُهَا … وَبُلَغَةٌ مِنْ قِوَامِ العِيْشِ تَكْفِيْهَا
إعْمَلْ لِدَارِ البَقَا رِضْوَانُ خَازنُهَا … الجَارُ أحْمِدُ والرَّحمنُ بَانِيْهَا
أَرْضٌ لَهَا ذَهَبٌ والمِسْكُ طِيْنَتُهَا … وَالزَّعْفَرانُ حَشِيْشٌ نَابِتٌ فِيْهَا
أَنْهَارُهَا لَبَنٌ محْضَّ وَمِنْ عَسَلٍ …
стр. 223
والخَمْرُ يَجْرِي رَحَيْقًا في مَجَارِيْهَا
وَالطَّيْرُ تَجْرِي عَلَى الأَغْصَانِ عَاكِفَةً … تُسَبِّحُ اللهَ جَهْرًا في مَغَانِيْهَا
مَنْ يَشْتَرِي قُبَّةً في العَدْنِ عَالِيةً … في ظَلِّ طُوبى رَفِيْعَاتٍ مَبَانِيْهَا
دَلالُهَا المُصْطَفَى واللهُ بَائِعُهَا … وَجُبْرَئِيْل يُنَادِي في نَوَاحِيْهَا
مَنْ يَشْتَرِيْ الدَّارِ في الفِرْدَوْسِ يَعْمُرَهَا … بِرَكْعَةٍ في ظَلامِ اللَّيْلِ يُخْفِيْهَا
أَو سَدِّ جَوْعَةِ مِسْكِينٍ بِشِبْعَتِهِ … في يَوْم مَسْغَبَةٍ عَمَّ الغَلا فِيْهَا
النَّفْسُ تَطْمَعُ في الدَّنْيَا وَقَدْ عَلِمَتْ … أَنَّ السَّلامَةَ مِنْهَا تَرْكُ مَا فِيْهَا
وَاللهِ لَو قَنِعَتْ نَفْسِي بِمَا رُزِقَتْ … مِنَ المَعِيْشَةِ إِلا كَانَ يَكْفِيْهَا
وَاللهُ واللهِ أَيْمَانٌ مُكَرَّرَةٌ … ثَلاثَةٌ عَنْ يَمِيْنٍ بَعْدَ ثَانِيْهَا
لَوْ أَنْ في صَخْرَةٍ صَمَّا مُلَمْلَمَةٍ … في البَحْر رَاسِيَةٌ مِلْسٌ نَوَاحِيْهَا
رِزْقًًا لِعَبْدٍ بَرَاهَا اللهُ لانْفَلَقَتْ … حَتَّى تُؤدِيْ إِلَيْهِ كُلُّ مَا فِيْهَا
أَوْ كَانَ فَوْقَ طِباقِ السَّبْعِ مَسْلَكُهَا … لَسَهَّلَ اللهُ في المَرْقَى مَرَاقِيْهَا
حَتَّى يَنَال الذِي في اللَّوحِ خُطَّ لَهُ … فَإِنْ أَتَتْهُ وإِلا سَوْفَ يَأْتِيْهَا
أَمْوَالُنَا لِذَوِي المِيْرَاثِ نَجْمَعُهَا … وَدَارُنا لِخَرَاِب البُومِ نَبْنِيْهَا
لا دَارَ لِلْمَرْءِ بَعْدَ المَوتِ يَسْكُنُهَا … إِلا التي كانَ قَبْلَ المَوْتِ يَبْنِيْهَا
فَمَنْ بَنَاهَا بِخَيْر طَابَ مَسْكَنُهُ … وَمَنْ بَنَاهَا بِشرِّ خَابَ بِانِيْهَا
وَالنَّاسُ كَالحَبِّ والدُّنْيَا رَحَى نَصُبِتْ … لِلْعَالمِيْنَ وَكفُّ المَوْتِ يُلْهِيْهَا
فَلا الإِقَامَةُ تُنْجِي النَّفْسَ مِنْ تَلَفٍ … وَلا الفِرَارُ مِنَ الأَحْدَاثِ يُنجِيْهَا
ولِلنُّفُوسِ وَإَن كَانَتْ عَلَى وَجَلٍ … مِن المنية آمَالٌ تُقَوِّيْهَا
فَالمَرْء يَبْسُطُهَا والدَّهْرُ يَقْبِضُهَا … وَالبِشْرُ يَنْشُرهَا وَالمَوْتُ يَطْوِيْهَا
وَكُلُّ نَفْسٍ لَهَا زَوْرٌ يُصَبِّحُهَّا …
стр. 224
مِنَ المَنِيَّةِ يَوْمًا أَوْ يُمَسِّيْهَا
تِلْكَ المَنَازِلُ في الآفَاقِ خَاوِيَةٌ … أَضْحَتْ خَرَابًا وَذَاقَ المَوْتَ بَانِيْهَا
كَمْ مِن عَزيزٍ سَيَلْقَى بَعد عزته … ذُلاً وضَاحِكَةٍ يَوْمًا سَيُبْكِيْهَا
وَلِلْمَنَايَا تُرَبِّي كُلُّ مُرضِعَةٍ … وَلِلْحِسَاب بَرَى الأَرْواحَ بارِيْهَا
لا تَبْرَحَ النَّفْسُ تَنْعَى وهي سَالمةٌ … حَتَّى يَقُومَ بِنَادِ القَومِ نَاعِيْهَا
وَلَنْ تَزَالَ طِوَالَ الدَّهْرِ ظَاعِنَةً … حَتَّى تُقِيْمَ بِوَادٍ غَيْرِ وَادِيْهَا
أَيْنَ المُلوكُ الَّتِي عَنْ حَظِّهَا غَفَلَتْ … حَتَّى سَقَاهَا بِكَأسِ المَوْتِ سَاقِيْهَا
أَفْنَى القُرونَ وَأَفْنَى كُلَّ ذِي عُمُرٍ … كَذَلِكَ المَوتُ يُفْنِي كُلَّ مَا فِيْهَا
فَالمَوتُ أَحْدَقَ بِالدُّنْيَا وَزُخْرُفِهَا … وَالنَّاسُ في غَفْلَةٍ عَنْ كُلَّ مَا فِيْهَا
لَوْ أَنَّهَا عَقَلَتَ مَاذَا يُرَادُ بِهَا … مَا طَابَ عَيْشٌ لَهَا يَوْمًا وَيُلْهِيْهَا
"تَجْني الثَمَارَ غَدًا في دَارِ مَكْرُمَةٍ … لا مَنَّ فِيْهَا وَلا التَّكْدِيْرُ يَأْتِيْهَا"
"فِيْهَا نَعِيْمٌ مُقِيْمٌ دَائِمًا أَبَدًا … بِلا انْقِطَاعٍ وَلا مَن يُدَانِيْهَا"
"الأُذْنُ وَالعَيْنُ لَمْ تَسْمَعْ وَلَمْ تَرَهُ … وَلَمْ يَدْر في قُلُوبِ الخَلْقِ مَا فِيْهَا"
"فَيَا لَهَا مِنْ كَرَامَاتٍ إِذَا حَصَلَتْ … وَيَا لَهَا مِنْ نُفُوسِ سَوْفَ تَحْوِيْهَا"
"وَهَذِهِ الدَّارُ لا تَغْرُرْكَ زَهْرَتُهَا … فَعَنْ قَرِيْبٍ تَرَى مُعْجِبكَ ذَاوِيْهَا"
"فَارْبَأ بنَفْسُكَ لا يَخْدَعكَ لامِعُهَا … مِنَ الزَّخَارِفِ وَاحْذَرْ مِنْ دَوَاهِيْهَا"
"خَدَّاعَةٌ لَمْ تَدُمْ يَوْمًا عَلَى أَحَدٍ … وَلا اسْتَقَرَّتْ عَلَى حَالٍ لَيَالِيْهَا"
"فَانْظُرْ وَفَكَّرْ فَكَمْ غَرَّتْ ذَوي طَيْشِ … وَكَمْ أَصَابَتْ بِسَهْم المَوْتِ أَهْلِيْهَا"
اعْتَزَّ قَارُون في دُنْيَاهُ مِنْ سَفَهٍ … وَكَانَ مِنْ خَمْرِهَا يَا قَوْمُ ذَاتِيْهَا
يَبِيْتُ لَيْلَتَهُ سَهْرَانَ مُنْشَغِلاً … في أَمْرِ أَمْوَالِهِ في الهَمِّ يَفْدِيْهَا
وَفي النَّهَارِ لَقَدْ كَانَتْ مُصِيْبَتُهُ …
стр. 225
تَحُزُّ في قَلْبِه حَزًّا فَيُخْفِيْهَا
فَمَا اسْتَقَامَتْ لَهُ الدُّنْيَا وَلا قَبِلتْ … مِنْهُ الودَادَ وَلَمْ تَرْحَمْ مُجِبِّيْهَا
"ثُمَّ الصَّلاةُ عَلَى المَعْصُومِ سَيِّدِنَا … أَزْكَى البَرِّيةِ دَانِيْهَا وَقَاصِيْهَا"
١٣- (موعظة)
قال الله جل وعلا: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] . الاعتبار: النظر في الأمور ليعرف بها شيء من غير جنسها، والأبصار: العقول والمعنى تدبروا.
إخواني: الدنيا دار عبرة ما وقعت فيها حبرة إلا وردفتها عبرة أين من عاشرناه كثيرًا وألفنا، أين من ملنا إليه بالوداد وانعطفنا، أين ما ذكرناه بالمحاسن ووصفنا ما نعرفهم لو عنهم كشفنا، ما ينطقون لو سألناهم وألحفنا.
وسنصير كما صاروا فليتنا أنصفنا، كم أغمضنا من أحبابنا على كرههم جفنا، كم ذكرتنا مصارع من فنى من يفني، كم عزيز أحببنا دفناه وانصرفنا، كم مؤنس أضجعناه في اللحد وما وقفنا، كم كريم علينا إذا مررنا عليه انحرفنا.
ما لنا نتحقق الحق فإذا أيقنا صدفنا، أما ضر أهله التسويف، وها نحن قد سوفنا، أما التراب مصيرنا فلماذا منه أنفنا، ألام تغرنا السلامة وكأن قد تلفنا.
أين حبيبنا الذي كان وانتقل، أما غمسه التلف في بحره وارتحل، أما خلا في لحده بالعمل، أين من جر ذيل الخيلاء غافلاً، ورفلن أما سافر عنا وإلى الآن ما قفل.
стр. 226
أين من تنعم في قصره وفي قبره قد نزل، فكأنه بالدار ما كان وفي اللحد لم يزل، أين الجبابرة الأكاسرة الأول الذين كنزوا الكنوز العتاة الأول، ملك الأموال سواهم والدنيا دول.
شعرًا:
تَنَامُ وَقَدْ أُعِدَّ لكَ السُهَادُ … وَتُوقِنُ بِالرَّحِيْلُ وَلَيْسَ زَادُ
وَتُصِبْحُ مِثْلَ ما تُمْسِيْ مُضِيْعًا … كَأَنَّكَ لَسْتَ تدْرِيْ مَا المُرَادُ
أَتَطْمَعُ أَنْ تَفُوْزَ غَدًا هَنِيًا … وَلَمْ يَكُ مِنْكَ في الدُّنْيَا اجْتِهَادُ
إِذَا فَرَّطْتَ في تَقْدِيمِ زَرْعٍ … فَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ عَدَمٍ حَصَادُ
اللهم اجعل في قلوبنا نورًا نهتدي به إليك وتولنا بحسن رعايتك حتى نتوكل عليك وارزقنا حلاوة التذلل بين يديك فالعزيز من لاذ بعزك والسعيد من التجأ إلى حماك وجودك والذليل من لم تؤيده بعنايتك والشقي من رضي بالإعراض عن طاعتك اللهم نزه قلوبنا عن التعلق بمن دونك واجعلنا من قوم تحبهم ويحبونك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
١٤- موعظة
عباد الله سيجيء يوم يتغير فيه هذا العالم تنفطر فيه السماء وتنتثر فيه الكواكب وتطوى السماء كطي الصحيفة يزيلها الله ويطويها جل وعلا وتبدل الأرض غير الأرض وينفخ في الصور فيقوم الناس من قبورهم أحياء كما كانوا في هذه الدنيا حفاة عراة غرلاً.
وحينئذ يحشر الكافر أعمى لا يرى أصم لا يسمع أخرس لا يتكلم
стр. 227
يمشي على وجهه ليعلم من أول أنه أهل للإهانة ويكون أسود الوجه أزرق العينين في منتهى العطش في يوم مقداره خمسين ألف سنة ليس بينه وبين الشمس إلا مقدار ميل إذا ذاك يقف ذاهل العقل شاخص البصر لا يرتد إليه طرفه وفؤاده هواه ويعطى كتابه بشماله أو من وراء ظهره فيتمنى أنه لم يعطه.
ثم يؤمر به إلى النار ويسلك في سلسلة ذرعها سبعون ذراعًا وبعد دخولها لا يخرج أبدًا ولا يزيده إلا عذابًا إذا استغاث من العطش يغاث بماء كالمهل يشوي الوجوه ويذيب الأمعاء والجلود تحيط به جهنم من كل ناحية وكلما نضج جلده بدل غيره.
وله مقامع من حديد، كل هذا العذاب يعانيه ولا يموت ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ كما قال تعالى: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى: ١٣] . وسواء صبر أو لم يصبر هو خالد في هذا العذاب خلودًا لا نهاية له هذا أقصى عذاب يتصور لأنه جزاء أقصى جريمة هي الكفر بالله هذا عذاب مجرد تصوره يطيش العقول ويذهل النفوس ويفتت الأكباد فاستعذ بالله منه أيها المؤمن واسأل الله التثبيت على الإسلام وحسن الاعتقاد.
شعرًا:
إِذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلا تَقُلْ … خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيْبُ
وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ يَغْفَلُ سَاعَةً … وَلا أَنَّ مَا يَخْفَى عَلَيْهِ يَغِيْبُ
لَهَوْنَا لَعَمْرُ اللهِ حَتَّى تَتَابَعَتْ … ذُنُوبٌ عَلَى آثَارِهِنَّ ذُنُوْبُ
فَيَا لَيْتَ أَنَّ اللهَ يَغْفِرُ مَا مَضَى … وَيَأْذَنَ في تَوْبَاتِنَا فَنَتُوْبُ
أَقُوْلُ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيَّ مَذَاهِبِيْ … وَحَلَّ بِقَلْبِيْ لِلْهُمُومِ نُدُوْبُ
لِطُوْلِ جِنَايَاتِيْ وَعُظْمِ خَطِيْئَتِيْ …
стр. 228
هَلَكْتُ وَمَا لِي في المَتَابِ نَصِيْبُ
وَيَذْكِرُنِي عَفْوَ الكَريْمِ عَنْ الوَرَى … فَأَحْيَا وَأَرْجُوْ عَفْوَهُ وَأَنِيْبُ
فَأَخْضَعُ في قِولي وَأَرَغْبُ سائلاً … عَسَى كَاشِفُ البَلْوى عَلَيَّ يَتُوبُ
١٥- موعظة
خطب علي ﵁ على المنبر فقال في خطبته: اتقوا الله عباد الله، وبادروا آجالكم بأعمالكم، وابتاعوا ما يبقى بما يزول عنكم –أي: اشتروا ما يبقى من النعيم الأبدي- مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بما يفني من لذة الحياة الدنيا، وشهواتها الزائلة، وترحلوا فقد جد لكم الانتقال-أي: حثثتم وأزعجتم إلى الرحيل –واستعدوا فانتبهوا واعلموا أن الدنيا ليست بدار إقامة، فاستبدلوها بدار الآخرة فإن الله سبحانه لم يخلقكم عبثًا، ولم يترككم سدى- أي: مهملين، بلا راع يزجركم عما يضركم، ويسوقكم إلى ما ينفعكم- وما بين أحدكم وبين الجنة أو النار إلا الموت أن ينزل به، وإن غاية هي الأجل، تنقصها اللحظة، وتهدمها الساعة لجديرة بقصر المدة، وإن غائبًا يحدوه الجديدان الليل والنهار لحري بسرعة الأوبة، وإن قادمًا يقدم بالفوز أو الشقوة، لمستحق لأفضل العدة فتزودوا في الدنيا من الدنيا، ما تحرزون به أنفسكم غدًا، فاتقى عبد ربه، نصح نفسه، قدم توبته وغلب شهوته، فإن أجله مستور عنه، وأمله خادع له، والشيطان موكل به، يزين له المعصية ليركبها ويمنيه التوبة ليسوفها حتى تهجم منيته عليه، أغفل ما يكون عنها. اللهم اجعلنا ممن لا تبطره النعمة، ولا تطغيه، ولا تسدل على بصيرته حجب الغفلة عما هو صائر إليه، ولا تقصر به عن طاعة ربه
стр. 229
غاية، ولا تحل به بعد الموت ندامة، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
هذه قصيدة بليغة جدًا وهي زهدية وعظية ألق لها سمعك
سِهَامُ المَنَايَا في الوَرَى لَيْسَ تُمْنَعُ … فَكُلُّ لَهُ يَوْمًا وَإِنْ عَاشَ مَصْرَعُ
وَكُلُّ وَإِنْ طَالَ المَدَى سَوْفَ يَنْتِهِي … إِلى قَعْر لَحْدٍ في ثَرَى مِنْهُ يُوْدَعُ
فَقُلْ لِلَّذِي قَدْ عَاشَ بَعْدَ قَرِيْنِهِ … إِلى مِثْلِهَا عَمَّا قَلِيْلٍ سَتُدْفَعُ
فَكُلُّ ابْنِ أُنْثَى سَوْفَ يُفْضِي إِلى الرَّدَى … وَيَرْفَعُهُ بَعْدَ الأَرائِكِ شَرْجَعُ
وَيُدْرِكُهُ يَوْمًا وَإِنْ عَاشَ بُرْهَةً … قَضَاءٌ تَسَاوَي فِيْهِ عَوْدٌ وَمُرْضَعُ
فَلا يَفْرَحَنْ يَوْمًا بِطُولِ حَيَاتِهِ … لَبِيْبٌ فَمَا في عَيْشِهِ المَرْءُ مَطْمَعُ
فَمَا العَيْشُ إِلا مِثْلُ لَمْحَةِ بَارِقٍ … وَمَا المَوْتُ إِلا مِثْلُ مَا العَيْن تَهْجعُ
وَمَا النَّاسُ إِلا كَالنَّبَاتِ فَيَابِسٌ … هَشِيْمٌ وَغَضُّ إِثرَ مَا بَادَ يَطْلَعُ
فَتَبًا لِدَارٍ مَا تَزَالُ تَعُلُّنَا … أَفَاوِيْقَ كَأْسٍ مُرَّةً لَيْس تُقْنِعُ
سَحَابُ أَمَانِيْهَا جَهَامٌ وَبَرْقُهَا … إِذَا شِيْمَ بَرْقٌ خَلَّبٌ لَيْسَ يَهْمَعُ
تَغُرُّ بَنِيْهَا بالمُنَى فَتَقُودُهُمْ … إِلى قَعْرِ مَهْوَاةٍ بِهَا المَرْءُ يُوْضَعُ
فَكَمْ أَهْلَكَتْ في حُبَّها مِنْ مُتَيَّمٍ … وَلَمْ يَحْظَ مِنْهَا بِالمُنَى فَيُمَتَّعُ
تُمَنِّيْهِ بالآمَالِ في نَيْل وَصْلِهَا … وَعَنْ غَيَّهِ في حُبِّهَا لَيْسَ يَنْزِعُ
أَضَاعَ بِهَا عُمْرًا لَهُ لَيْسَ رَاجِعًا … وَلَمْ يَنَلِ الأَمْرَ الذِي يُتَوقَّعُ
فَصَارَ لَهَا عَبْدًا لِجَمْعٍ حُطَامِهَا … وَلَمْ يَهْنَ فِيها بِالذِي كَانَ يَجْمَعُ
وَلَوْ كَانَ ذَا عَقْلٍ لأغْنَتْهُ بُلْغَةٌ … مِنَ العَيْشِ في الدَّنْيَا وَلَم يَكُ يَجْشَعُ
إِلى أَنْ تُوَافِيْهِ المَنِيَّةُ وَهُوَ بَالْ … قَنَاعَةٍ فِيْهَا آمِنًا لا يُرِوَّعُ
مَصَائِبُهَا عَمَّتْ فَلَيْسَ بِمُفْلَتٍ …
стр. 230
شُجَاعٌ وَلا ذُو ذِلّةٌ لَيْسَ يَدْفَعُ
وَلا سَابِحٌ في قَعْرِ بَحْرٍ وَطَائِرٌ … يُدَوِّمُ في بُوْحِ الفَضَاءِ وَيَنْزِعُ
وَلاذُو امْتِنَاعٍ في بُرُوجٍ مُشِيْدَةٍ … لَهَا في ذُرَى جَو السَّمَاءِ تَرَفُّعُ
أَصَارَتْهُ مِنْ بَعْدِ الحَيَاةِ بِوَهْدَةٍ … لَهُ مِنْ ثَرَاهَا آخِرَ الدَّهْرِ مَضْجَعُ
تَسَاوَى بِهَا مَنْ حَلَّ تَحْتَ صَعِيْدِهَا … عَلَى قُرْبِ عَهْدٍ بِالمَمَاتِ وَتُبَّعُ
فَسِيَّانِ ذُو فَقْرٍ بِهَا وَذَوُوا الغِنَى … وَذُوْ لَكَنْ عِنْدَ المَقَالِ وَمِصْقَعُ
وَمَنْ لَمْ يَخَفْ عِنْدَ النَّوَائِب حَتْفَهُ … وَذُوْ جُبُنٍ خَوْفًا مِنَ المَوْتِ يُسْرِعُ
وَذُوْ جَشَعٍ يَسْطُو بِنَابٍ وَمَخْلَبٍ … وَكُلُّ بُغَاثٍ ذَلَّةً لَيْسَ يَمْنَعُ
وَمَنْ مَلَكَ الآفَاقَ بَأْسًا وَشِدَّةً … وَمَنْ كَانَ مِنْهَا بِالضَّرُوْرَةِ يَقْنَعُ
وَلَوْ كَشَفَ الأَجْدَاثَ مُعْتَبِرًا لَهُمْ … لِيَنْظُرَ آثَارَ البِلَى كَيْفَ يَصْنَعُ
لِشَاهَدَ أَحْدَاقًا تَسِيْل وَأَوْجُهًا … مُعَفَّرَةً في التُّرْبِ شُوهًا تُفَزعُ
غَدَتْ تَحْتَ أَطْبَاقِ الثَّرَى مُكْفَهِرَّةً … عَبُوْسًا وَقَدْ كَانَتْ مِنَ البَشْرِ تَلْمَعُ
فَلَمْ يُعْرَفِ المَوْلَى مِنَ العَبْدِ فِيْهِم … وَلا خَامِلاً مِنَ نَابِهٍ يَتَرَفَّعُ
وَأَنَّى لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ بَعْدَمَا … تَبَيَّنَ مِنْهُم مَا لَهُ العَيْنُ تَدْمَعُ
رَأَى مَا يَسُوءُ الطَّرْفَ مِنْهُم وَطَالَمَا … رَأَي مَا يَسُرُّ النَّاظِرِيْنَ وَيُمْتِعُ
رَأَى أَعْظُمًا لا َتْسَتطِيْعُ تَمَاسُكًا … تَهَافَتَ مِنْ أَوْصَالِهَا وَتَقَطَّعُ
مُجَرَّدَةً مِنْ لَحْمِهَا فَهِي عِبْرَةٌ … لِذِي فِكْرَةٍ فِيْمَا لَهُ يَتَوقَّعُ
تَخَوَّنَها مَرُّ الليَالِي فَأصْبَحَتْ … أَنَابِيْبَ مِنْ أَجْوَافِهَا الرِّيْحُ تُسْمَعُ
إلى حَالَةٍ مُسْوَدَّةٍ وَجَمَاجِمٍ … مَطَأْطَأَةٍ مِنْ ذِلَّةٍ لَيْس تُرْفَعُ
أُزِيْلَتْ عَنِ الأَعْنَاقِ فَهِي نَوَاكِسٌ … عَلَى التُّرْبِ مِنْ بَعد الوَسَائِدِ تُوْضَعُ
عَلاهَا ظَلامٌ لِلْبِلَى وَلَطَالَمَا …
стр. 231
غَدَا نُورُهَا في حِنْدِسِ الظُّلْمِ يَلْمَعُ
كَأَن لَمْ يَكُنْ يَوْمًا عَلا مَفْرِقًا لها … نَفَائِسُ تِيْجَانٍ وُدُرٍ مُرَصَّعُ
تَبَاعَدَ عَنْهُمْ وَحْشَةًَ كُلُّ وَامِقٍ … وَعَافَهُمْ الأَهْلُونَ وَالنَّاسُ أَجْمَعُ
وَقَاطَعَهُمْ مَنْ كَانَ حَالَ حَيَاتِهِ … بِوَصْلِهِمُ وَجْدا بِهِمْ لَيْسَ يَطْمَعُ
يُبَكِّيْهِمْ الأَعْدَاءُ مِنْ سُوءِ حَالِهِمْ … وَيَرْحَمُهُمْ مَنْ كَانَ ضِدًا وَيَجْزَعُ
فَقُلْ لِلذِي قَدْ غَرَّهُ طُوْلُ عُمْرِهِ … وَمَا قَدْ حَوَاهُ مِنْ زَخَارِفَ تَخْدَعُ
أَفِقْ وَانْظُرِ الدُّنْيَا بِعَيْنٍ بَصِيْرَةٍ … تَجِدْ كُلَّ مَا فِيْهَا وَدَائِعَ تَرْجِعُ
فَأَينَ المُلُوكُ الصَّيْدُ قِدْمًا وَمَنْ حَوَى … مِنَ الأَرْضِ مَا كَانَتْ بِهِ الشَّمْسُ تَطْلَعُ
حَوَاهُ صَرِيحٌ مِنْ فَضَاءِ بَسِيْطِهَا … يُقَصِّرُ عَنْ جُثْمَانِهِ حِيْنَ يُذْرَعُ
فَكَمْ مَلِكٍ أَضْحَى بِهَا ذَا مَذَلَّةٍ … وَقَدْ كَانَ حَيًّا لِلْمَهَابَةِ يُتْبَعُ
يَقُودُ عَلَى الخَيْل العِتَاقِ فَوَارِسًا … يَسُدُّ بِهَا رَحْبَ الفَيَافِي وَيُتْرِعُ
فَأَصْبَحَ مِنْ بَعْدِ التَّنَعُّمِ فِي ثَرَى … تُوارِي عِظَامًا مِنْهُ بَهْمَاءُ بَلْقَعُ
بَعِيْدًا عَلَى قُرْبِ المَزَارِ إِيَابُهُ … فَلَيْسَ لَهُ حَتَّى القِيَامَةَ مَرْجِعُ
غَرِيْبًا عَنِ الأَحْبَابِ وَالأَهْلِ ثَاوِيًا … بَأَقْصَى فَلاةٍ خَرْقُهُ لَيْسَ يُرْقَعُ
تُلِحُّ عَلَيْهِ السَّافِيَاتُ بِمَنْزِلٍ … جَدِيْبٍ وَقَدْ كَانَتْ بِهِ الأَرْضُ تُمْرِعُ
رَهِيْنًا بِهِ لا يَمْلِكُ الدَّهْرَ رَجْعَةً … وَلا يَسْتَطِيْعَنَّ الكَلامَ فَيُسْمَعُ
تَوَسَّدَ فِيْهِ التُّرْبَ مِنْ بَعْدِ مَا اغْتَدَى … زَمَانًا عَلَى فُرُشٍ مِنَ الخَزِّ يُرْفَعُ
كَذَلِكَ حُكْمُ اللهِ في الخَلْقِ لَنْ تَرَى … مِنَ النَّاسِ حَيًّا شَمْلُهُ لَيْسَ يَصْدَعُ
اللهم انهج بنا مناهج المفلحين وألبسنا خلع الإيمان واليقين وخصنا منك بالتوفيق المبين ووفقنا لقول الحق وإتباعه وخلصنا من الباطل وابتداعه وكن له
стр. 232
مؤيدًا ولا تجعل لفاجر علينا يدًا واجعل لنا عيشًا رغدًا ولا تشمت بنا عدوًا ولا حاسدًا وارزقنا علمًا نافعًا وعملاً متقبلاً وفهمًا ذكيًا وطبعًا صفيًا وشفا من كل داء واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
١٦- "موعظة "
عباد الله من تكبر أذله ومن تواضع لله رفعه الله والمتكبرون يحشرون يوم القيامة في صور الذر تطؤهم الناس لهوانهم على الله تعالى المتكبرون شرار الخلق وأهل النار كل جعظري جواظ مستكبر، المتكبر يشمخ بأنفه إذا تكلم، ويجافي مرفقيه عن جنبيه لاويًا عنقه، يقارب خطاه إذا مشى، متطاولاً على إخوانه، مترفعًا على أقرانه، ينظر الناس شزرًا بمؤخر العين، متقدمًا عليهم إذا مشى، محتقرًا للعامة، ولا فرق عنده بينهم وبين الحمير استجهالاً منه له، فالمتكبر لا يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه، لأنه لا يقدر على ذلك، ولا يقدر على التواضع وهو رأس أخلاق المتقين، ولا يقدر على ترك الحقد، ولا يقدر أن يدوم على الصدق، ولا يقدر على ترك الغضب، ولا على كظم الغيظ، ولا يسلم من الازدراء بالناس واحتقارهم ولا يسلم من اغتيابهم، وتنقصهم، لأن فيه من العظمة والعزة والكبرياء، ما يمنعه من ذلك، فما من خلق ذميم إلا وصاحب الكبر والعظمة مضطر إليه، ليحفظ به عزه وعظمته، وما من خلق محمود إلا وهو عاجز عنه خوفًا من أن يفوته عزه وعظمته، ولذلك ورد في الحديث أنه لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، ومما جاء في وصية لقمان لابنه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨] . ومن تعاليم ربنا لهذه الأمة ونبيها ﵊، يقول تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن
стр. 233
تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً﴾ [الإسراء: ٣٧] . فيا أيها المتكبر الناظر في عطفيه، المتعاظم في نفسه، إن شأنك حقير، وقدرك صغير ولست بمحسوب في العير، ولا في النفير، وما لك عند عاقل من حساب، ولا تقدير، لا قليل ولا كثير، فهون عليك، وارفق بنفسك، فإنك مغرور، يا مسكين وتدبر كلام رب العالمين ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢] . وذم الكبر في القرآن كثير، والمتكبر عدو لله ولنفسه، وللناس، يقصر في الواجب ويدعي ما ليس له ويتشدق في الكلام، ويتألق في اللباس، وإنه لثقيل في حركاته، وسكناته، بغيض في أمره ونهيه، ومجالسته، ومؤاكلته ومشاربته، والويل كل الويل لمن صاهره أو شاركه أو ربطته به صلة، لأن داء الكبر يعدي ويسري فتبعد السلامة من المقترب منه رأى بعض أهل العلم من يختال في مشيته فغمز جنبه، ثم قال ليست هذه مشية من في بطنه خراء، وكيف يتكبر من أوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة وهو مع ذلك يحمل البول والعذرة، هذا أكبر برهان على أنه دنس جاهل مجهول نكرة ممتلئًا كبرًا وإعجابًا بنفسه وسمعة، ورياء ولؤمًا وشؤمًا وشرها فهو أشبه شيء بالدخان يملأ الفضاء ويتك صدور الناس وأصله من القمامات والأوساخ المبعثرة نسأل الله أن يقلل هذا النوع المنحط وأن يكثر ضده من أهل التواضع واللين والعطف والحنان: قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] .
نُحْ وابْكِ فالمعروف أقْفَرَ رَسْمُهُ … وَالمنكرُ اسْتَعْلَى وَأَثَّرَ وَسْمُهُ
لَمْ يَبْقَ إِلا بِدعةٌ فَتَّانَةٌ …
стр. 234
بهوى مُضِل مُسْتَطِيْر سُمُّهُ
وَطَعَامُ سُوْءٍ من مَكَاسِبَ مُرَّةٍ … يُعْمِي الفؤادَ بِدَائِهِ ويُصِمُّهُ
فَفَشَا الرَّيَاءُ وغِيْبَةُ ونَمِيْمَةٌ … وقَسَاوةَ مِنْهُ وأثْمَر إِثْمُهُ
لَمْ يَبْقَ زَرْعٌ أَوْ مَبِيْعٌ أَوْ شِرَى … إِلا أُزِيْلَ عَن الشَّرِيْعَةِ حُكْمُهُ
فَلِكَيْفَ يُفْلحُ عَابِدٌ وعِظَامُهُ … نَشَأَتْ عَلَى السُّحْتِ الحَرَامِ وَلَحْمُهُ
هذا الذي وَعَدَ النَّبِيُّ المُصْطَفَى … بظُهُوْرِهِ وَعْدًا تَوثقَ حَتْمُهُ
هذا لعَمْرُ إِلهِكَ الزَّمن الذِي … تَبدُو جَهَالَتُهُ وَيُرْفَعُ عِلْمُهُ
هذا الزمانُ الآخِرُ الكَدِرُ الذِي … تَزْدَادَ شِرَّتُهُ ويَنْقُصُ حِلْمُهُ
وَهَتِ الأَمَانَةُ فِيْهِ وانْفَصَمَتْ عُرَى التَّ … ـقْوَى بِهِ والبِرُّ أَدْبَرَ نَجْمُهُ
كَثُرَ الرِّيَا وَفَشا الزِّنَا ونَمَا الخَنَا … وَرَمَي الهَوَى فيهِ فَأَقْصد سَهْمُهُ
لَمْ يَبْقَ إِلا ظَالِمٌ هُوَ مُرْتَشٍ … أَوْ حَاكِمٌ تَخْشَى الرِّعيَّةُ ظُلْمَهُ
وَالصَّالِحُونَ عَلَى الذَّهَابِ تَتَابَعُوا … فَكَأَنَّهُم عِقْدٌ تَنَاثَرَ نَظْمُهُ
لَمْ يَبْقَ إِلا رَاغِبٌ هو مُظْهِرٌ … لٍلزُّهْدِ والدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ هَمُّهُ
لَوْلا بَقَايَا سُنَّةٍ ورِجَالِهَا … لَمْ يَبْقَ نَهْجٌ وَاضِحٌ نأَتَّمُهُ
يَا مُقْبِلا في جَمْعِ دُنْيَا أَدْبَرَتْ … كَبِنَاءٍ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ هَدْمُهُ
هَذِي أَمَاراتُ القِيَامَةِ قَدْ بَدَتْ … لِمُبَصَّر سَبَقَ العَوَاقَبَ فَهْمُهُ
ظَهَرَتْ طُغَاتُ التُركِ وَاجتَاحُوا الوَرَى … وَأبادَهُم هَرْجٌ شَدِيْدٌ حَطْمُهُ
الصغير منا والكبير الكمال في نفسه ومن اعتقد ذلك في نفسه هوى لأنه لا يلتفت إلى ما به كمال الرجال، ومرض ينتج مرضًا آخر هو مرض الكبر وصف الأنذال والأرذال والجهال، والمتكبر لا ينظر إليه بعين الرضا
стр. 235
والكبر ينشأ عنه مرض الحسد والحسود يتمنى زوال نعمة الله عن خلقه، والحسد يولد الحقد الذي ربما حمل صاحبه على قتل من لا ذنب له إلا ما أولاه الله من النعم، وليس هذا كل ما في قلوبنا من الأمراض بل فيها مرض البخل والشح الذي وصل بنا إلى منع الزكاة أو بعضها، وغير ذلك كثير وكلها أمراض مهلكات، ونحن لا نهتم بقلوبنا ولا بأمراضها وإنما نهتم بأمراض أجسامنا، ونبادر في علاجها إلى المستشفيات، وأمراضها يسيرة بسيطة بالنسبة إلى أمراض القلوب، ونهتم أيضًا بجمال ظواهرنا فنبالغ في تحسين ملابسنا ومراكبنا ومساكننا ومجالسنا وأبداننا، أنظر إلينا عند الذهاب إلى مقر العمل لتتعجب من تغفيلنا وانخداعنا، ولو كانت عنايتنا بالقلوب كعنايتنا بالملابس فقط ما كنا بهذه الحالات المحزنات.
اللهم يا عالم الخفيات ويا سامع الأصوات ويا باعث الأموات ويا مجيب الدعوات ويا قاضي الحاجات يا خالق الأرض والسموات أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد الوهاب الذي لا يبخل والحليم الذي لا يعجل لا راد لأمرك ولا معقب لحكمك نسألك أن تغفر ذنوبنا وتنور قلوبنا وتثبت محبتك في قلوبنا وتسكننا دار كرامتك إنك على كل شيء قدير وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
١٧- "موعظة "
عباد الله إن داء الحسد من أعظم الأدواء، والابتلاء به من أشد البلوى، يحمل صاحبه على مركب صعب ويبعده عن التقوى، ويركبه الأهواء فيظل ويغوى، يضيق صدر الحسود وينفطر قلبه إذا رأى نعمة الله على أخيه المسلم فيعاني من البؤس واللأوى، ما لا يستطيع أن يبث معه ما يجده من الحزن
стр. 236
والقلق، ولا يقدر على الشكوى، إلا إلى الشيطان ونفسه الأمارة بالسوء أو من هو مثله في الحسد، فقاتل الله الحسود لا يفعل الخير ولا يحبه لإخوانه المسلمين، غاية أمنيته زوال نعمة الله عن عباده إنه بعمله سالك طريق إبليس لعنه الله، فما أوقع الشيطان في معصية الله إلا حسده لأبينا آدم وامتناعه من السجود بعد ما أمره الله، وما حمل قابيل على قتيل هابيل إلا حسده لأخيه حيث تقبل الله منه قربانه الذي أراد به وجه الله والدار الآخرة وما منع المشركين والمترفين من إتباع الرسل إلا الحسد والكبر، وما حمل أهل الكتاب على كراهة الدين الإسلامي وصرف المسلمين عن كتاب الله والإيمان بسيد الرسل وخاتمهم إلا ما ذكره الله عنهم ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ البقرة: ١٠٩] . الآية، وقال ﷺ : «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» الحاسد لا يضمر إلا غدرًا ولا يعمل إلا شرًا ولا يدبر إلا مكرًا وجملة القول أن الحاسد ميسر للعسرى لا تجدي معه المواعظ والنصائح وقد قيل إن بضاعة إبليس خمسة أصناف يبيعها من قوم معروفين، وهي الحسد وأهله العلماء، وأهل الحرفة الواحدة، أي كل من يتفق عملهم مسلمين أو غير مسلمين، والكبر وأهله الأنذال والسفلة والسفهاء والحمقاء ومن لا خير فيه من المحترفين.
والجور والطغيان، وأهله الملوك والأمراء والوزراء والعظماء، وأعوانهم من الفسقة والمجرمين، والكيد، وأهله النساء، والنمامين والدلالين، والمتسببين وبئست البضاعة بضاعة الشيطان، ويا حسرة المشترين، ويا ندامتهم ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [الدخان: ٤١] . ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] قيل إنه كان رجل يغشى أحد الملوك
стр. 237
فيقوم بحذاء الملك فيقول أحسن إلى المحسن بإحسانه، فإن المسيء سيكفيكه إساءته، فحسده رجل على ذلك المقام، والكلام فسعى به إلى الملك، فقال إن هذا الذي يقوم بحذائك ويقول ويقول ما يقول يزعم أنك أبخر، فقال له الملك وكيف يصح ذلك عندي، قال تدعوه إليك فإنه إذا دنا منك وضع يده على أنفه لئلا يشم رائحة البخر، فقال له انصرف حتى أنظر وأتحقق ذلك، فخرج من عند الملك، فدعا الحاسد ذلك الرجل إلى منزله فأطعمه طعامًا فيه ثوم فخرج الرجل من عنده وذهب إلى الملك على عادته وقام بحذاء الملك فقال أحسن إلى المحسن بإحسانه فإن المسيء سيكفيكه إساءته فقال له الملك إدن مني، فدنا منه ووضع يده على فيه، مخافة أن يشم الملك منه رائحة الثوم فقال الملك في نفسه ما أرى فلانًا إلا صدق، قال وكان الملك لا يكتب بخطه إلا بجائزة أو صلة، فكتب له كتابًا بخطه إلى عامله: قال فيه إذا أتاك حامل كتابي هذا فاذبحه، واسلخه، وأحش جلده تبنًا وابعث به إلي، وأخذ الكتاب وخرج فلقيه الرجل الذي سعى به إلى الملك وكذب عليه، فقال له ما هذا الكتاب قال خط الملك لي به صلة فقال هبه لي فقال هو لك فأخذه، الساعي ومضى به إلى عامل الملك، فقال له العامل: في كتابك أني أذبحك، وأسلخك فقال إن الكتاب ليس لي، فالله الله في أمري حتى تراجع الملك فقال ليس لكتاب الملك مراجعة فذبحه وسلخه وحشى جلده تبنًا، وأرسله للملك، ثم عاد الرجل إلى الملك كعادته وقال مثل قوله، فتعجب الملك، وقال له ما فعل الكتاب، فقال لقيني رجل هو فلان فاستوهبه مني فوهبته له، قال له الملك إنه ذكر لي أنك تزعم أني أبخر قال ما قلت ذلك قال فلم وضعت يدك على فيك قال لأنه أطعمني طعامًا فيه ثوم فكرهت أن تشمه، قال صدقت، ارجع إلى مكانك، فقد كفى المسيء إساءته فانظر يا أخي كيف دارت على الباغي الدوائر
стр. 238
واسأل ربك أن يعافيك من هذه الأمراض الفتاكة التي ربما قضت على حياته وأوصلته في الآخرة نار جهنم.
وختامًا فعلى اللبيب أن يتجنب الحسد فإنه من خُلُق الأدنياء وصفة الجهلاء فإن أبصرت بقائم بالحق فاعضده ويسر له السبيل حسب استطاعتك وإن رأيت نعمة أسبغها الله على عبد من عباده فاسع إلى مثلها بقلب طاهر ووجدان نقي لعلك أن تبلغها بإذن الله.
فعزيز النفس إن أبصر غيره في أمر يثنى عليه به، أو رآه في منزلة يغبط عليها فلا يجول في وهمه أن يحسده على نعمته أو يحط من منزلته بل يسعى كل السعي لينال مثل مناله ويرقى مثل رقيه فإن زادت فيه عزة النفس والإباء فلا يرضى لنفسه إلا بما فوق ذلك المقام.
اللهم وفقنا توفيقًا يقينا عن معاصيك وأرشدنا إلى السعي فيما يرضيك وأجرنا يا مولانا من خزيك وعذابك وهب لنا ما وهبته لأوليائك وأحبابك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
١٨- موعظة
عباد الله ما بال الكثير اليوم لا يسمعون، وإذا سمعوا لا ينتفعون، أفي آذانهم صمم، أم هم في الأمر متهاونون، ولأي شيء يجتمعون، ويقوم فيهم الخطباء المجيدون، والوعاظ المبلغون، ويذكرونهم أيام الله فلا يخشع الوعاظ ولا الموعظون، ويرغبونهم في الخير فلا يسارعون، وينذرونهم عواقب السوء فلا يتأثرون ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٣] لقد كان السلف الصالح إذا وعظوا تأثر المستمع لهم تأثرًا عظيمًا، وفارق ما
стр. 239
عنده من المنكرات، والمحرمات، وفارق من أصر عليها من أقاربه، وأولاده، وإخوانه، وآبائه، وجدد توبة نصوحًا، عما سلف له من الأعمال، التي لا يرتضيها الدين الإسلامي، فأين أولئك من هؤلاء الخلف، الذين ضيعوا تعاليم الدين الإسلامي، وضيعوا العمل به، وتركوا الانقياد لكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، تأمل كيف ترى أكثرهم أضاعوا الصلاة، وعطلوا الأحكام، وتساهلوا بأمر الحرام، يمرون بالمساجد، وقت الصلاة، فلا يعيرونها أي اهتمام أما الملاهي والمنكرات فإليها يسرعون وعليها يعكفون وإلى ما فيها من الأغاني والمجون والسخف يتسابقون فإنا لله وإنا إليه راجعون، أين الخوف من الجبار، أين الحيا من فاطر الأرض والسموات، أين المروءة والاعتصام بالقرآن، وما كان عليه آباؤكم وأجدادكم العباد الكرام، الذين كانت المساجد تغص بهم شيوخًا وشبانًا، وكانت تعج بأصواتهم تسبيحًا، وتحميدًا وتهليلاً، وتكبيرًا، واستغفارًا، وقرآنا، وكانوا يؤمون المساجد قبل الآذان زرافات ووحدانا، ولا يتخلف منهم إلا معذور، إما مريض أو غائب، أو نحو ذلك، وكان المار ببيوتهم ليلاً يسمع زجل التسبيح، والتهليل، والبكاء والأنين والتضرع إلى بديع السموات والأرض، والإلحاح بدعائه، والالتجاء إليه والإنابة، عكس ما عليه هؤلاء الخلف، الذين صدق عليهم قول الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم: ٥٩] . الذين إن بحثت عنهم في الليل، وجدتهم حول الملاهي والمنكرات، متربعين أمام التليفزيون، وغناء المطربين، وإن بحثت عنهم في صلاة الفجر وجدتهم في فرشهم، إثر سهرهم حول تلك المنكرات، وإن بحثت عنهم وقت صلاة الظهر ففي شؤون الدنيا، وما يتعلق بها، وإن أردتهم في صلاة العصر، وجدت بعضهم عند الكورة، والبعض عند التلفزيون، والبعض عند المذياع، وأغانيه
стр. 240
وملاهيه، وإن سألت عنهم وقت صلاة المغرب وجدت بعضهم يمشي مترددًا، والبعض في الملعب، والبعض عند التلفزيون، أو المذياع، وأما العشاء الآخرة فتلك هم فيها أقسام أكثرهم حول التلفزيون أو في الأسواق، أو يلعبون ورقة، أو نحو ذلك من المنكرات وهكذا قتلوا أوقاتهم الثمينة، وضيعوها، وقضوا على مستقبلهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله والله أعلم بما أراده بعباده، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١] والحالة هذه مخيفة لذوي العقول والفهوم، لا سيما وقد توالت أسباب الهناء والراحة، والسرور، والاطمئنان، وقد قيل إذا رأيت الله تعالى أنعم على عبد وهو مقيم على معصيته فاعلم أنه مستدرج وروى عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيت الله يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معصيته فإنما ذلك استدراج ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] » وقال قتادة ما أخذ الله قومًا إلا عند سكرتهم وغرتهم، ونعمتهم، فلا تغتروا بالله، فإنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون.
١٩- موعظة
عباد الله لقد توعد الله الذين يخالفون أمره وينصرفون عن ذكره ويجترؤن على معاصيه بشديد غضبه وعظيم سخطه وحذرهم بأسه وانتقامه فما بال كثير من الناس بعد القرون الأولى عمدوا إلى محارم الله فارتكبوها ومأموراته فاجتنبوها ثم عادوا بمر الشكوى من تغير الأحوال وانتزاع البركة من الأرزاق والأموال.
стр. 241
أحسبت أنك يا ابن آدم تهمل وتترك فلا تعاقب، وتظلم وتتقلب في النعيم كيف شئت ولا تحاسب أنسيت قول النبي ﷺ : «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» كل هذا من جهالتك وانطماس بصيرتك ولكن اعمل ما شئت فسيرى الله عملك ثم ترد إليه ويجازيك بما تستحق، جهلت في حال النعيم وكان الواجب عليك أن تتعرف إلى الله في الرخاء ليعرفك في الشدة، ولكن لم تفعل، وأصبحت بعد زوالها منك تشكو لمن؟ تشكو لمن عصيته بالأمس تشكو لمن خالفت أوامره وفعلت نواهيه مع علمك انه المنتقم الجبار تشكو لمن حاربته بالمعاصي المتنوعة وقد أسبغ عليك نعمه ظاهرة وباطنه ولو شاء لمنعها عنك لأنه الفعال لما يريد تشكو لمن تأكل نعمه في أرضه مستعينًا بها على معاصيه أليس عملك هذا في منتهى اللآمة والخساسة يمدك بالنعم وتبارزه بالمعاصي، ألك صبر على جهنم وزمهريرها، ألك طاقة بالويل والغساق والزقوم والحميم والضريع، عباد الله هذا الذي نحن فيه من الانهماك في الدنيا وقتل كل الوقت في جمعها والابتعاد عن الآخرة وانتشار المعاصي بسرعة هائلة ما هو والله إلا بما كسبت أيدينا، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١] . الآية. عباد الله إن غلاء الأسعار، وانتشار الأمراض، وما رأيتم من الفتن والتعقيد في الممتلكات والتقاطع والعقوق، ما هو والله إلا جزاء عملنا وما هو إلا قليل من كثير فقد تمادينا في المعاصي والله يغار على أوامره أن تجتنب ومحارمه أن ترتكب قال ﷺ : «لا أحد أغير من الله» الحديث.
اللهم توفنا مسلمين وألحقنا بعبادك الصالحين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 242
٢٠- "موعظة "
عباد الله ما للألسن عن شكر نعم الله المتتالية قاصرة، وما للعيون إلى زهرة الحياة الدنيا الفانية ناظرة، وما للأقدام عن طريق الهداية الواضحة حائرة وما للعزائم والهمم عن العمل الصالح فاترة وما للنفوس لا تتزود من التقوى وهي مسافرة وما لها لا تتأهب وتستعد للنقلة إلى الدار الآخرة، أركونا إلى الدنيا وقد فرقت الجموع وكسرت أعناق الأكاسرة وقصرت آمال القياصرة وأدارت على أهلها من تقلبها الدائرة أم اغترارًا بالإقامة، ومطايا الأيام بكم في كل لحظة سائرة أم تسويفًا بالتوبة والأعمال فهذه والله الفكرة والصفقة الخاسرة لقد رانت على القلوب قبائح الأعمال، وضربت عليها وعلى المسامع من الذنوب أقفال فيا خجلة من سئل فعدم الجواب أو بجواب يستحق عليه أليم العذاب ويا حسرة من نوقش عن الدقيق والجليل في الآخرة الحساب، ويا ندامة من لم يحصل إلا على الغضب من الكريم الوهاب ويا خيبة من مآله إلى نار تلتهب إلى إحراقه التهابا، فمتى تقبلون على الله بقلوب صادقة لا تنتهون من مفارقة الذنوب بعزمة صادقة، لا في الصادقين تيقنون أنه ثابت لكم قدم، ولا في التائبين صحت لكم توبة وإقلاع وعزم وندم. ولا عند تلاوة كتاب الله تقشعر منكم الجلود ولا عند سماع المواعظ ترق منكم القلوب، التي هي أقسى من الجلمود فبماذا ترجون لحاق السعداء؟ وكيف تطعمون في الفوز والنجاة معهم غدًا؟ وأنتم تتبعون الخطايا بالخطايا وتبارزون الله بها في البكر والعشيا، فيا حسرة نفوس أطمأنت إلى الدنيا دار الغرور، ويا خراب قلوب عمرت بأماني كلها باطل وزور، ويا نفاذ أعمار ينقص منها كل يوم وساعة ولا يزاد ويا خيبة مسافر يسير السير السريع وهو بلا زاد، فالبدار البدار عباد
стр. 243
الله بالتوبة البدار والغنيمة الغنيمة قبل خروج وقت الاختيار، وإتيان وقت لا تقال فيه العثار:
نَسِيرُ إِلى الآجَالِ في كُلِّ لَحْظَةٍ … وَأَيَّامُنا تُطْوَى وَهُنَّ مَرَاحِلُ
وَلَم نَرَ مِثْلَ المَوِت حَقًّا كَأَنَّهُ … إِذَا مَا تَخَطَّتُهْ الأَمَانِيُّ بَاطِلُ
تَرَحَّلْ مِن الدُّنْيَا بِزَادٍ مِنَ التَّقَى … فَعُمْركَ أَيَّامٌ تُعَدُّ قَلائِلُ
اللهم يا حي ويا قيوم فرغنا لما خلقتنا له، ولا تشغلنا بما تكفلت لنا به، واجعلنا ممن يؤمن بلقائك، ويرضى بقضائك، ويقنع بعطائك، ويخشاك حق خشيتك.
اللهم اجعل رزقنا رغدًا، ولا تشمت بنا أحدًا.
اللهم رغبنا فيما يبقى، وزهدنا فيما يفنى، وهب لنا اليقين الذي لا تسكن النفوس إلا إليه، ولا يعول في الدنيا إلا عليه.
اللهم إنا نسألك بعزك الذي لا يرام وملكك الذي لا يضام وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفينا شر ما أهمنا وما لا نهتم به وأن تعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
٢١- "موعظة "
عباد الله إن لكم بأبدانكم عناية عظيمة لا تساميها العنايات بل كل حياتكم ذاهبة فيما تبذلونه لخدمة هذا البدن من مجهودات أليس ليلكم ونهاركم في كد مديم لجمع الأموال وهل كل تلك الأموال إلا وسيلة تصلون بها ما لهذا البدن من ملذوذات.
لا بأس بالاعتناء بالبدن لكن بدون هذا الإفراط الذي لا يرتضيه العاقل
стр. 244
اللبيب لأن البدن مهما أكرم مآله إلى التراب تتمتع بلذيذ لحمه الديدان والذي ينبغي أن تهتم به وتصرف عنايتك به نفسك قبل جسمك التي أنت بها من صفوة هذا العالم وعلى العناية بها تتوقف سعادتك في هذه الحياة وبعد الممات.
ولهذه النفس غذاء ولعلك تود أن تعرفه وهو جدير بالاعتناء منك والتقدير والجد له والتشمير لأن منفعته دنيا وأخرى ولا نسبة بينها وبين منفعة هذه الأبدان.
ذلك الغذاء أو القوت هو أنواع الطاعات كإخلاص الأعمال لله والذكر له والشكر له ومحبته وتعظيمه والقيام التام بأركان الإسلام الشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحج وسائر الباقيات الصالحات وأنواع العلوم والمعارف أوحاها الله وأودعها هذه المصنوعات.
والاعتناء بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم وما إلى ذلك من أنواع القربات والذي يظهر لنا من حالك وسيرتك أنك في شغل شاغل عن الإقبال على النفس وتغذيتها بما قلنا من أنواع الطاعات ذلك أن قلبك متعلق بتحصيل غذاء الجسم والاعتناء به فهو الذي نصب عينيك.
ولذلك تشب وتشيب وتموت وأنت جاهل بضروريات الدين الإسلامي وربما مر عليك مدة طويلة بدون أن تتفكر بنعم الله وتذكره بلسانك وتشكره على ما أولاك وكذلك الآخرة ربما أنها تمضي المدة لا تذكرها ولا تستعد لها.
وكما أن للأبدان أمراض كثيرة فللنفس أمراض أكثر وأعظم وأخطر وتلك الأمراض هي السيئات التي من وقيها رحم قال الله تعالى: ﴿وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر: ٩] .
وكذلك من أمراض النفس رذائل الأخلاق والجهل بالشرع الحكيم
стр. 245
ولهذه الأمراض دواء نافع بإذن الله أن تتوب توبة نصوحًا إلى الله وتتخلق بضد الفعل أو الخلق الذميم فهل لك شوق إلى هذا الدواء الشافي بإذن الله كما أنك تشتاق بل تهرول وتسرع إلى طبيب الأبدان ومعك ما معك من المال إذا أحسست بمرض في بدنك وإن لم تجد في بلادك ذهبت تطلب الشفاء ولو في بلاد الحرية والكفر محكمة القوانين أعداء الله ورسوله والمؤمنين.
أما بديع السموات والأرض فلا أراك تلتجي له إلا عند الشدائد وهذا والله قبيح ممن يدين بدين الإسلام ويؤمن بالبعث والنشور، فالتفت يا أخي لنفسك وذكرها بنعم الله عليك لتتمكن محبته منها واقبل عليها وعودها على الآداب الشرعية.
شعرًا:
للهِ قومٌ أَخْلَصُوْا في حُبِّهِ … فَكَسَا وجُوهَهُمُ الوَسِيْمَةَ نُوْرًا
ذَكَرُوا النَّعِيْمَ فَطَلَّقُوا دُنْْيَاهُمُوا … زُهْدًا فَعَوضَهُم بِذَاكَ أَجُوْرًا
قَامُوا يُنَاجُونَ الإلهَ بِأَدْمُعٍ … تَجْري فَتَحْكِيْ لُؤلُؤًا مَنْثُوْرًا
سَتَروا وُجُوهَهُمُوا بِأَسْتَارِ الدُّجَى … لَيْلاً فَأَضْحَتْ في النَّهَارِ بُدُوْرًا
عَمِلُوا بِمَا عَلِمُوا وَجَادُوْا بِالذِي … وَجَدُوا فَأَصْبَحَ حَظهُم مَوفُورًا
وَإِذَا بَدَا لَيْلٌ سَمِعْتَ حَنِيْنَهُمْ … وَشِهَدْتَ وجْدًا مِنْهُمُوا وَزَفِيرًا
تَعِبُوا قَلِيلاً في رِضَا مَحْبُوبِهِم … فَأَرَاحَهُم يَوْمَ اللِّقَاءِ كَثِيْرًا
صَبَرُوا عَلى بَلْوَاهُمُوا فَجَزَاهُمُوا … يَوْمَ القِيَامَةِ جَنَّةً وَحَرِيْرًا
يَا أَيُّهَا الغِرُّ الحَزِيْنُ إِلى مَتَى … تُفْنِي زَمَانَكَ بَاطِلاً وَغُرُوْرًا
بَادِرْ زَمَانَكَ واغْتَنِمْ سَاعَاتِهِ … وَاحْذَرْ تَوانًا كَي تَحَوُزَ أَجُوْرًا
وَاضْرعْ إِلى المَولى الكَريمِ وَنَادِهِ … يَا وَاحِدًا في مُلكِهِ وَقَدِيْرًا
مَا لي سِوَاكَ وَأَنْتَ غَايَةُ مَقْصَدِي …
стр. 246
وَإِذَا رَضِيْتَ فَنِعْمَةٌ وَسُرُوْرًا
اللهم اجعلنا من المتقين الأبرار وأسكنا معهم في دار القرار، اللهم وفقنا بحسن الإقبال عليك والإصغاء إليك ووفقنا للتعاون في طاعتك والمبادرة إلى خدمتك وحسن الآداب في معاملتك والتسليم لأمرك والرضا بقضائك والصبر على بلائك والشكر لنعمائك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله أجمعين.
٢٢- "موعظة "
عباد الله طلب الرزق الحلال فريضة على كل مسلم فالتمس الرزق أيها المسلم من حله وإياك وما نهاك الله عنه وحرمه فمتاع الدنيا قليل، أيها المسلم إن جمعك للمال من حله عبادة إذا كنت تريد به إعفاف نفسك، والقيام بما أوجبه الله عليك من الحقوق، واحذر من ترك العمل، وافعل الأسباب التي بها يحصل الرزق بإذن الله، واعلم أن من ترك العمل وغلب عليه الكسل حتى صار كلا على الخلق يعده أهله ثقلاً ويراه صاحبه بغيضًا، ولا يلقاه أحد إلا وكره لقياه قال تعالى حاثًا على طلب الرزق ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] ، وقال تعالى: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] .
والمؤمن المحترف الكسوب الذي يأكل من عمل يده مكرم محبوب محترم، عند أهله، والأولاد، وكان نوح وداود ﵉ يحترفان التجارة ومحمد ﷺ رعى الغنم، وموسى كان أجيرًا عند صاحب مدين وكان إدريس خياطًا، وما أبعد هذه الأعمال الشريفة عن الكسل والبطالة وكان السلف ﵃ عمالاً مكتسبين، فكلهم ما بين غني شريف وفقير شريف
стр. 247
عفيف، لا تشغلهم الدنيا عن الآخرة ولا يمنعهم الدين عن طلب الكسب، والقيام بالواجبات، وهم مع هذا من أقوى الناس توكلاً على الله ورضا بما قدر الله وقضاه.
اللهم يا من لا تضره المعصية ولا تنفعه الطاعة أيقظنا من نوم الغفلة ونبهنا لاغتنام أوقات المهلة ووفقنا لمصالحنا واعصمنا من قبائحنا ولا تؤاخذنا بما انطوت عليه ضمائرنا وأكنته سرائرنا من أنواع القبائح والمعائب التي تعلمها منا، وامنن علينا يا مولانا بتوبة تمحو بها عنا كل ذنب واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
٢٣- "موعظة "
عباد الله للعلم الديني آثار جليلة كم جل بها رجل حقير وكلما كان الرجل أعلم بالعلم الديني كان عند الله وعند العقلاء جليل مضى السلف الصالح الذين يطيب المجلس بذكرهم لقدرهم المنقطع النظير كأنوار رجالاً مثلنا ولكن ببركات ما وهبهم مولاهم من العلم الديني وآثاره الجليلة كانوا خير الناس بعد النبيين كانوا أغنى العالم لأنهم رضوا بقسمة مولانا الحكيم الخبير وكانوا أشجع الناس لأنهم علموا أن الأجل لا يطيله الجبن الذميم فكم من قتلة قرنت بالجبن كما قيل:
كَمْ مَخْلَصٍ وَعُلاً في خَوْضِ مَهْلَكَةٍ … وَقَتْلَةٍ قُرِنَتْ بِالذَّمِ في الجُبُنِ
وكانوا في الحلم والعقل كالجبال الرواسي وكانوا محط رحال الجود والكرم لأنهم يعلمون أن البخيل بعيد من الله بعيد من الناس وأن الذي يرضى بالبخل ويحث عليه إبليس لعنه الله وكانوا يستقبلون البلايا مهما قست بالصبر
стр. 248
الجميل لعلمهم أنها تصرف الحكيم الخبير وكانوا يستقبلون النعم بالحمد والشكر لجزمهم أنها لله ومن الله وأنه يزيد الشاكرين ويرضى عن الحامدين وكانوا أبعد الناس عن الشر ولا يحبون أهله لعلمهم أن ذلك يغضب الله وكانوا يحبون الخير لإخوانهم المسلمين وكانوا لا يضمرون حسدًا ولا شرًا لأحد من إخوانهم المؤمنين لعلمهم أن الله يحيط علمًا بما يسرون وما يعلنون وكانوا إذا قالوا أو فعلوا يتحرون ما يرضي الله تعالى فيما يقولونه ويفعلونه وكانوا لا يشهدون المنكر والزور بل ينكرون على من يحضرون وكانوا يحنون إلى مجالس الذكر حنين الإلف فارقه الإلف وهكذا كانوا إذا أرادوا أن يتحركوا أو يسكنوا باستشارة العلم الديني يتحركون ويسكنون لهذا كانوا لليوم موضع إعجاب الشرق والغرب ونالوا فوق هذا رضى رب العالمين هكذا كانوا ببركات ما وهبهم الله من العلم الديني أما نحن فقد كنا موضع إعجاب من ناحية أن هدفنا في التعليم هو الحطام الفاني لا غير، لهذا كان الواحد منا إذا رسب يكاد ينتحر ويقول فات علي سنة محصول رواتبها لا يقل عن خمسة آلاف ولو كان قصده العلم بما جهله وتوجيه عباد الله عندما ينجح كان عنده يتساوى السرعة والبطء لأجل أن يمهر في المعلومات لهذا القصد ماتت الفضائل وانتزعت بركة العلم وفقدت هيبة العالم عند كل أحد وصار كل يفتي وكل يرشح نفسه للفتيا فورًا ولكن الناس الورعين لا يطمئنون إلا إلى النوادر ممن يوثق بدينهم وأمانتهم ويتركون المرائين والمحبين للظهور والشهرة الذين ضاعوا وضيعوا عباد الله.
وختامًا فلو أننا أحيينا طريقة سلفنا في العلم المطابق للعمل لأصبحنا وقد أحيينا عزهم وشرفهم الدفين رحمة الله على تلك الأرواح العاملة بما علمت.
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَبْكِ العُلُومَ وَأْهَلَهَا …
стр. 249
وَقَدْ غَيَّبْتَهَا في التُّرَابِ لُحُودُ
فَأَنْتَ بَهِيْمِيُّ الطِّبَاعِ وَإِنَّما … قُصَارَاكَ ثَوْبٌ نَاعِمٌ وَثَرِيْدُ
سَتَبْكِيْ العُلا قَوْمًا تَسَامَوا لِنَيْلِهَا … كَأَنَّ لَهُمْ دَمْعَ العُيُونِ هُجُودُ
يُعِيْدُوْنَ مِنْهَا مَا تَعَفَّتْ رُسُوْمُهُ … فَتُضْحِيْ عَلَيْهَا لِلْفِخَارِ بُرُوْدُ
كَفَى غُرْبَةً لِلِّدْيِن هَذَا الذِي نَرَى … فَلَيْسَ عَلَى ذَا الاغْتِرَابِ مَزِيٍدُ
اللهم يا مثبت القلوب ثبت محبتك في قلوبنا وقوها ووفقنا لمحبة أوليائك وبغض أعدائك ويسرنا لليسرى وجنبنا العسرى واجعلنا هداة مهتدين وبكتابك وبرسلك مقتدين واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
٢٤- "موعظة "
عباد الله نحن في عصر بارك الله فيه بركة عمت المشارق والمغارب وكل ما للأرض من أنحاء مما نعلمه وجه بقدرته وإرادته أفكار بني آدم إلى ما أودعه في خلقه من أسرار تفوت الإحصاء ويسر لهم السبيل فوصلوا من التراقي في الاختراع والاطلاع إلى ما يدهش الأفكار وتزداد به عقيدة المؤمن قوة لا يعتريه أدنى شك في ما أخبر الله به ورسوله.
أصبحت الدنيا كلها كأنها بيت واحد يكلم الناس بعضهم بعضًا مع بعد المسافة ويسافرون برًا وبحرًا فيقطعون بالمراكب البرية والبحرية في مدة يسيرة ما يحتاج إلى مدة طويلة فيما مضى وتنقل تلك المراكب التي خلقها الله لنا من الأثقال بقوة وسرعة تقف أمامها الألباب حائرات بل لو أرادوا مسابقة الطير في السماء لسبقوه بالطائرات.
стр. 250
فسبحان من أرشد عباده إلى صنع هذه المخترعات قال تعالى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] .
وانظر إلى الكهرباء وفائدته العظيمة في الليل والنهار فقد صار الليل بأنواره وكأنه نهار وما فيه من أسباب الراحة والمنافع العظيمة التي لم تحصل لمن قبلنا أليس هذا من أعظم البراهين والأدلة على صدق ما أخبر الله به بقوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] .
وعلى صدق ما أخبر به الصادق المصدوق من أن الزمان يتقارب وها أنت لا تمشي شرقًا ولا غربًا إلا وأنت ترى وتسمع من تلك الأسرار ما تحار به الأفكار فنحن اليوم نتقلب في كل أحوالنا في نعيم لم يظفر به عصر من الأعصار حتى إنك ترى حيوان هذا العصر في راحة وإكرام لم تتمتع بها بنو العصور الماضيات إن حقًا علينا إزاء كل هذا أن نكون أسبق الأجيال في ميدان شكر الله ليبرهن كل منا أنه يحس ويشعر بما اختصه به مولاه. اهـ.
ولكن يا للأسف لم يكن منا شكر هذه النعم واستعمالها في طاعة الله ومراضيه ودليل ذلك ما ترى وتسمع من المعاصي والمنكرات التي تكاد أن تبكي من فشوها وازديادها الجمادات.
فيا لله للمسلمين إنها لتجرح قلب المؤمن السالم منها جرحًا يوشك أن يوصله إلى القبر اللهم وفق ولاتنا لإزالة هذه المنكرات ولتأييد الإسلام والمسلمين في جميع الجهات ووفقهم للرفق في رعاياهم والنصح لهم وسدد خطاياهم ولله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه.
следующие страницы →