← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 120

مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار

عبد العزيز السلمان

Полный текст (1 102 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وَإِذَا رَضِيْتَ فَنِعْمَةٌ وَسُرُوْرًا اللهم اجعلنا من المتقين الأبرار وأسكنا معهم في دار القرار، اللهم وفقنا بحسن الإقبال عليك والإصغاء إليك ووفقنا للتعاون في طاعتك والمبادرة إلى خدمتك وحسن الآداب في معاملتك والتسليم لأمرك والرضا بقضائك والصبر على بلائك والشكر لنعمائك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله أجمعين. ٢٢- "موعظة " عباد الله طلب الرزق الحلال فريضة على كل مسلم فالتمس الرزق أيها المسلم من حله وإياك وما نهاك الله عنه وحرمه فمتاع الدنيا قليل، أيها المسلم إن جمعك للمال من حله عبادة إذا كنت تريد به إعفاف نفسك، والقيام بما أوجبه الله عليك من الحقوق، واحذر من ترك العمل، وافعل الأسباب التي بها يحصل الرزق بإذن الله، واعلم أن من ترك العمل وغلب عليه الكسل حتى صار كلا على الخلق يعده أهله ثقلاً ويراه صاحبه بغيضًا، ولا يلقاه أحد إلا وكره لقياه قال تعالى حاثًا على طلب الرزق ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] ، وقال تعالى: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] . والمؤمن المحترف الكسوب الذي يأكل من عمل يده مكرم محبوب محترم، عند أهله، والأولاد، وكان نوح وداود ﵉ يحترفان التجارة ومحمد ﷺ رعى الغنم، وموسى كان أجيرًا عند صاحب مدين وكان إدريس خياطًا، وما أبعد هذه الأعمال الشريفة عن الكسل والبطالة وكان السلف ﵃ عمالاً مكتسبين، فكلهم ما بين غني شريف وفقير شريف

стр. 247

عفيف، لا تشغلهم الدنيا عن الآخرة ولا يمنعهم الدين عن طلب الكسب، والقيام بالواجبات، وهم مع هذا من أقوى الناس توكلاً على الله ورضا بما قدر الله وقضاه. اللهم يا من لا تضره المعصية ولا تنفعه الطاعة أيقظنا من نوم الغفلة ونبهنا لاغتنام أوقات المهلة ووفقنا لمصالحنا واعصمنا من قبائحنا ولا تؤاخذنا بما انطوت عليه ضمائرنا وأكنته سرائرنا من أنواع القبائح والمعائب التي تعلمها منا، وامنن علينا يا مولانا بتوبة تمحو بها عنا كل ذنب واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين. ٢٣- "موعظة " عباد الله للعلم الديني آثار جليلة كم جل بها رجل حقير وكلما كان الرجل أعلم بالعلم الديني كان عند الله وعند العقلاء جليل مضى السلف الصالح الذين يطيب المجلس بذكرهم لقدرهم المنقطع النظير كأنوار رجالاً مثلنا ولكن ببركات ما وهبهم مولاهم من العلم الديني وآثاره الجليلة كانوا خير الناس بعد النبيين كانوا أغنى العالم لأنهم رضوا بقسمة مولانا الحكيم الخبير وكانوا أشجع الناس لأنهم علموا أن الأجل لا يطيله الجبن الذميم فكم من قتلة قرنت بالجبن كما قيل: كَمْ مَخْلَصٍ وَعُلاً في خَوْضِ مَهْلَكَةٍ … وَقَتْلَةٍ قُرِنَتْ بِالذَّمِ في الجُبُنِ وكانوا في الحلم والعقل كالجبال الرواسي وكانوا محط رحال الجود والكرم لأنهم يعلمون أن البخيل بعيد من الله بعيد من الناس وأن الذي يرضى بالبخل ويحث عليه إبليس لعنه الله وكانوا يستقبلون البلايا مهما قست بالصبر

стр. 248

الجميل لعلمهم أنها تصرف الحكيم الخبير وكانوا يستقبلون النعم بالحمد والشكر لجزمهم أنها لله ومن الله وأنه يزيد الشاكرين ويرضى عن الحامدين وكانوا أبعد الناس عن الشر ولا يحبون أهله لعلمهم أن ذلك يغضب الله وكانوا يحبون الخير لإخوانهم المسلمين وكانوا لا يضمرون حسدًا ولا شرًا لأحد من إخوانهم المؤمنين لعلمهم أن الله يحيط علمًا بما يسرون وما يعلنون وكانوا إذا قالوا أو فعلوا يتحرون ما يرضي الله تعالى فيما يقولونه ويفعلونه وكانوا لا يشهدون المنكر والزور بل ينكرون على من يحضرون وكانوا يحنون إلى مجالس الذكر حنين الإلف فارقه الإلف وهكذا كانوا إذا أرادوا أن يتحركوا أو يسكنوا باستشارة العلم الديني يتحركون ويسكنون لهذا كانوا لليوم موضع إعجاب الشرق والغرب ونالوا فوق هذا رضى رب العالمين هكذا كانوا ببركات ما وهبهم الله من العلم الديني أما نحن فقد كنا موضع إعجاب من ناحية أن هدفنا في التعليم هو الحطام الفاني لا غير، لهذا كان الواحد منا إذا رسب يكاد ينتحر ويقول فات علي سنة محصول رواتبها لا يقل عن خمسة آلاف ولو كان قصده العلم بما جهله وتوجيه عباد الله عندما ينجح كان عنده يتساوى السرعة والبطء لأجل أن يمهر في المعلومات لهذا القصد ماتت الفضائل وانتزعت بركة العلم وفقدت هيبة العالم عند كل أحد وصار كل يفتي وكل يرشح نفسه للفتيا فورًا ولكن الناس الورعين لا يطمئنون إلا إلى النوادر ممن يوثق بدينهم وأمانتهم ويتركون المرائين والمحبين للظهور والشهرة الذين ضاعوا وضيعوا عباد الله. وختامًا فلو أننا أحيينا طريقة سلفنا في العلم المطابق للعمل لأصبحنا وقد أحيينا عزهم وشرفهم الدفين رحمة الله على تلك الأرواح العاملة بما علمت. إِذَا أَنْتَ لَمْ تَبْكِ العُلُومَ وَأْهَلَهَا …

стр. 249

وَقَدْ غَيَّبْتَهَا في التُّرَابِ لُحُودُ فَأَنْتَ بَهِيْمِيُّ الطِّبَاعِ وَإِنَّما … قُصَارَاكَ ثَوْبٌ نَاعِمٌ وَثَرِيْدُ سَتَبْكِيْ العُلا قَوْمًا تَسَامَوا لِنَيْلِهَا … كَأَنَّ لَهُمْ دَمْعَ العُيُونِ هُجُودُ يُعِيْدُوْنَ مِنْهَا مَا تَعَفَّتْ رُسُوْمُهُ … فَتُضْحِيْ عَلَيْهَا لِلْفِخَارِ بُرُوْدُ كَفَى غُرْبَةً لِلِّدْيِن هَذَا الذِي نَرَى … فَلَيْسَ عَلَى ذَا الاغْتِرَابِ مَزِيٍدُ اللهم يا مثبت القلوب ثبت محبتك في قلوبنا وقوها ووفقنا لمحبة أوليائك وبغض أعدائك ويسرنا لليسرى وجنبنا العسرى واجعلنا هداة مهتدين وبكتابك وبرسلك مقتدين واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ٢٤- "موعظة " عباد الله نحن في عصر بارك الله فيه بركة عمت المشارق والمغارب وكل ما للأرض من أنحاء مما نعلمه وجه بقدرته وإرادته أفكار بني آدم إلى ما أودعه في خلقه من أسرار تفوت الإحصاء ويسر لهم السبيل فوصلوا من التراقي في الاختراع والاطلاع إلى ما يدهش الأفكار وتزداد به عقيدة المؤمن قوة لا يعتريه أدنى شك في ما أخبر الله به ورسوله. أصبحت الدنيا كلها كأنها بيت واحد يكلم الناس بعضهم بعضًا مع بعد المسافة ويسافرون برًا وبحرًا فيقطعون بالمراكب البرية والبحرية في مدة يسيرة ما يحتاج إلى مدة طويلة فيما مضى وتنقل تلك المراكب التي خلقها الله لنا من الأثقال بقوة وسرعة تقف أمامها الألباب حائرات بل لو أرادوا مسابقة الطير في السماء لسبقوه بالطائرات.

стр. 250

فسبحان من أرشد عباده إلى صنع هذه المخترعات قال تعالى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] . وانظر إلى الكهرباء وفائدته العظيمة في الليل والنهار فقد صار الليل بأنواره وكأنه نهار وما فيه من أسباب الراحة والمنافع العظيمة التي لم تحصل لمن قبلنا أليس هذا من أعظم البراهين والأدلة على صدق ما أخبر الله به بقوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] . وعلى صدق ما أخبر به الصادق المصدوق من أن الزمان يتقارب وها أنت لا تمشي شرقًا ولا غربًا إلا وأنت ترى وتسمع من تلك الأسرار ما تحار به الأفكار فنحن اليوم نتقلب في كل أحوالنا في نعيم لم يظفر به عصر من الأعصار حتى إنك ترى حيوان هذا العصر في راحة وإكرام لم تتمتع بها بنو العصور الماضيات إن حقًا علينا إزاء كل هذا أن نكون أسبق الأجيال في ميدان شكر الله ليبرهن كل منا أنه يحس ويشعر بما اختصه به مولاه. اهـ. ولكن يا للأسف لم يكن منا شكر هذه النعم واستعمالها في طاعة الله ومراضيه ودليل ذلك ما ترى وتسمع من المعاصي والمنكرات التي تكاد أن تبكي من فشوها وازديادها الجمادات. فيا لله للمسلمين إنها لتجرح قلب المؤمن السالم منها جرحًا يوشك أن يوصله إلى القبر اللهم وفق ولاتنا لإزالة هذه المنكرات ولتأييد الإسلام والمسلمين في جميع الجهات ووفقهم للرفق في رعاياهم والنصح لهم وسدد خطاياهم ولله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه.

стр. 251

٢٥- "موعظة " عباد الله إنما حرم الله عليكم الخمر، لما فيه من الأضرار والأخطار، وما منعكم من شربها إلا لما ينشأ عن ذلك من المفاسد والشرور والأضرار، فشارب الخمر ملعون على لسان نبيكم محمد ﷺ ، وبائعها، وشاربها، وعاصرها ومعتصرها، وساقيها، وحاملها، والمحمولة إليهن ومدمن شربها لا يدخل الجنة، بل يدخل النار ويسقى من طينة الخبال -عرق أهل النار- وورد أن مدمن الخمر كعابد وثن فشارب الخمر مفسد لدينه، ومفسد لجسمه، وصحته، وجان على نفسه، وعلى أولاده، وأقاربه، وأهله وجيرانه ومفرط في ماله ومسرف فيه وعابث بكرامته، وساع إلى الشر والفساد بيده، ورجله، ولسانه، وصائل، خبيث، على الأخلاق والأديان شارب الخمر عضو مسموم في جسم مواطنيه، إذا لم يبادروه بالعلاج أو يقطعوه أصابهم ضرره، شارب الخمر يزين الشر ويحسنه، لبنيه، وبناته، وأصدقائه ويدعوهم بلسان حاله ومقاله، وأنتم تعلمون أن داعي الفساد مجاب في كل زمان ومكان وأنصاره بلا عد ولا حسبان، وإذا دبت الخمر في رأس شاربها فقد شعوره، وزنى، ولاط، أو ليط به، وجاء بأنواع الفحش، والفجور، وسب وشتم، وقذف، ولعن، وطلق وسب الدين والمسلمين، بل ربما وقع على أمه، أو بنته أو أخته أو على نساء جيرانه، أو على بهائمه، وربما كفر بالله وارتد عن الإسلام، وترك الصلاة، وأفطر في رمضان، وسب القرآن، وبالجملة أن من تعاطى الخمر سقط من شاهق مجده إلى مستوى الخنازير، والقردة يصدق بهذا من عاين شارب الخمر وقد استولى عليه الشراب وغطى عقله فترى من يقوده متعب، يجره كما يجر الدابة الحرون بل الدابة تمشي أحيانًا هادئة إذا جرت لا

стр. 252

تتعب القائد دائمًا، وأما السكران فيميل بقائده هكذا وهكذا، حتى يكلفه متاعب عظيمة، والدابة إذا رأت حفرة امتنعت عنها وتباعدت عنها، أما شارب الخمر فتكون الحفرة أمامه ويسقط فيها، والدابة ربما دافعت عن طعامها وشارب الخمر تسلب منه النقود، ولا يحصل منه أدنى ممانعة، ومعنى هذا أن البهيمة أرجح وأحسن حالاً منه، وقد قال الخبير بأحوال شراب الخمر، من أردا أن يعرف قدر السكير، فلينظر إلى قهقهته، وضحكه، والخمار يوالي الصفعات على قفاه، ولينظر رقصه أمام البزور، كأنه قرد يرقصه صاحبه، ليضحك من يراه، ولينظره وهو يجري وراء أمه، أو بنته، ليقضي منها حاجته ومناه، ولينظره وامرأته تكنس ملابسه، وتمسحها من الأوساخ، التي يقذفها على ثيابه، والقاذورات، هذا قدر شارب الخمر عندنا، أما عند الله فهو كعابد وثن ملعون، نسأل الله جل وعلا أن يعصمنا وإخواننا المسلمين منها ومن سائر المعاصي وأن يلطف بنا ويوفقنا لما يرضيه عنا ويغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمته إنه أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. شعرًا: نَبْنِي وَنَجْمَعُ وَالآثارُ تَنْدَرِسُ … وَنَأَمَلُ اللُّبْثَ والأعمارُ تُخْتَلَسُ ذَا اللُّبِّ فَكِّرْ فَمَا في العَيْشِ مِن طَمَعٍ … لا بُدَّ مَا يَنْتَهِي أَمْرٌ وَيَنْعَكِسُ أَيْنَ المُلُوْكُ وَأَبْنَاءُ المُلوكِ وَمَن … كانُوا إِذَا النَّاسُ قَامُوا هَيْبَةً جَلَسُوا وَمَنْ سُيُوفُهُم في كُلِّ مُعْتَرَكٍ … تَخْشَى وَدُوْنَهُم الحُجَّابُ وَالحَرَسُ أَضْحَوْا بِمَهْلَكَةٍ في وَسْطِ مَعْرَكَةٍ … صَرْعَى وَصَاُروا بِبَطْنِ الأَرْضِ واْنَطَمُسوا وَعَمَّهُهُم حَدَثٌ وَضَمَّهُمْ جَدَثٌ … بَاتُوْا فَهُم جُثَثٌ في الرَّمْسِ قَدْ حُبِسُوا كَأَنَّهُم قَطُ مَا كَانَوا وَمَا خَلَقُوْا …

стр. 253

وَمَاتَ ذِكْرُهم بَيْنَ الوَرَى وَنُسُوا واللهِ لَو عَايَنَتْ عَيْنَاكَ مَا صَنَعَتْ … أَيْدِي البِلَى بِهِمُوا وَالدُودُ يَفْتَرِسُ لَعَايَنَتْ مَنْظِرًا تُشٍجَى القُلُوْبُ لَهُ … وَأَبْصَرَتْ مُنْكَرًا مِنْ دُوْنِه البَلَسُ مِن أَوْجُهٍ نَاظِرَاتٍ حَارَ نَاظِرُهَا … في رَوْنَقِ الحُسْنِ مِنْهَا كَيْفَ يَنْطَمِسُ (فصل) قال بعض العلماء ليس في العالم منذ كان إلى أن يتناهى أحد يستحسن الهم ولا يريد إلا طرحه عن نفسه. فلما استقر في نفسي هذا العلم الرفيع وانكشف لي هذا السر العجيب وأنار الله تعالى لفكري هذا الكنز العظيم. بحثت عن سبيل موصلة -على الحقيقة- إلى طرد الهم الذي هو المطلوب النفيس الذي اتفق جميع أنواع الإنسان الجاهل منهم والعالم والصالح والطالح على السعي له فلم أجد إلا التوجه إلى الله بالعمل للآخرة. وإلا فإنما طلب المال طلابه ليطردوا به هم الفقر عن أنفسهم. وإنما طلب الصيت من طلبه ليطرد به عن نفسه هم الاستعلاء عليها. وإنما طلب العلم من طلبه ليطرد به عن نفسه هم الجهل. وإنما هش إلى سماع الأخبار ومحادثة الناس من يطلب ذلك ليطرد بها عن نفسه هم التوحد ومغيب أحوال العالم عنه. وإنما أكل من أكل وشرب من شرب ونكح من نكح ولبس من لبس ولعب من لعب واكتنز من اكتنز وركب من ركب ومشى من مشى وتودع من تودع.

стр. 254

ليطردوا عن أنفسهم أضداد هذه الأفعال وسائر الهموم. وفي كل ما ذكرنا لمن تدبره هموم حادثة لا بد لها من عوارض تعرض في خلالها وتعذر ما يتعذر منها. وقال ﵀: وجدت العمل للآخرة سالمًا من كل عيب خالصًا من كل كدر موصلاً إلى طرد الهم على الحقيقة. ووجدت العامل للآخرة إن امتحن بمكروه في تلك السبيل لم يهتم بل يسر. إذ رجاؤه في عاقبة ما ينال به عون على ما يطلب وزائد في الغرض الذي إياه يقصد. ووجدته إن عاقه عما هو بسبيله عائق لم يهتم إذ ليس مؤاخذًا بذلك فهو غير مؤثر فيما يطلب ورأيته إن قصد بالأذى سر. وإن نكبته نكبة سر وإن تعب فيما سلك فيه سر فهو في سرور متصل أبدًا وغيره بخلاف ذلك أبدًا. وقال رحمه الله تعالى: ولو تدبر العالم في مرور ساعاته ماذا كفاه العلم من الذل بتسليط الجهال. ومن الهم بمغيب الحقائق عنه ومن الغبطة بما قد بان له وجهه من الأمور الخفية عن غيره. لزاد حمدًا وشكرًا وذكرًا لله وغبطة بما لديه من العلم ورغبة في المزيد منه. أَجَلَّ العلوم ما قربك إلى خالقك جل وعلا وما أعانك على الوصول إلى رضاه. العلوم الغامضة كالدواء القوي يصلح الأجساد القوية ويهلك الأجساد

стр. 255

الضعيفة. وكذلك العلوم الغامضة تزيد العقل القوي جودة وتصفيه من كل آفة وتهلك ذا العقل الضعيف. العاقل في الدنيا متعب ومن جهة أخرى مستريح. ووجه ذلك أنه متعب ومتكدر فيما يرى من انتشار الباطل وغلبة دولته وبما يحال بينه من إظهار الحق. وأما وجه راحته فمن كل ما يهتم به سائر الناس من فضول الدنيا. إذا حققت أمر الدنيا لم تجدها إلا الآن الذي هو فصل بين زمانين فقط. وأما ما مضى وما لم يأت فمعدومان كما لم يكن. فمن أضل ممن يبيت باقيًا خالدًا بمدة هي أقل من كر الطرف. من شغل نفسه بأدنى العلوم وترك أعلاها وهو قادر عليه كان كغارس الأثل والسدر في الأرض التي يجود ويزكوا فيها النخيل والتين والموز والعنب. نشر العلم عند من ليس من أهله مفسد لهم كإطعامك العسل والسكر والتمر من به مرض السكر ومن به احتراق وحمى. وكتشميمك المسك والعنبر لمن به صداع الصفراء، أو به شقيقة وهو وجع نصف الرأس. من أراد الآخرة وحكمة الدنيا وعدل السيرة والاحتواء على محاسن الأعمال والأخلاق والآداب كلها واستحقاق الفضائل بأسرها فليقتدي بمحمد ﷺ وليستعمل أخلاقه وسيره. والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 256

(فصل) وقال ﵀: منفعة العلم في استعمال الفضائل عظيمة وهو أن يعلم حسن الفضائل فيأتيها ويعلم قبح الرذائل فيجتنبها ويستمع الثناء الحسن فيرغب في مثله والثناء الردي فينفر منه. فعلى هذه المقدمات وجب أن يكون للعمل حصة في كل فضيلة وللجهل حصة في كل رذيلة. وقال: وقد رأيت من غمار العامة من يجري من الاعتدال وحميد الأخلاق إلى ما لا يتقدمه فيه حكيم عالم رائض لنفسه ولكنه قليل جدًا. ورأيت ممن طالع العلوم وعرف عهود الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ووصايا الحكماء وهو لا يتقدمه في خبث السيرة. وفساد العلانية والسيرة شرار الخلق وهذا كثير جدًا فعلمت أنهما مواهب وحرمان من الله تعالى. وقال: من جالس الناس لم يعدم إثمًا وهمًا يؤلم نفسه وغيظًا ينضج كبده وذلاً ينكس همته. فما الظن بعد بمن خالطهم وداخلهم واندمج معهم. وإنما يندم ويحزن ويتحسر على ذلك في معاده. فالعز والسرور والأنس والراحة والسلامة في الإنفراد عنهم. ولكن اجعلهم كالنار تدفأ بها ولا تخالطها. وقال آخر: من مضار مجالسة الناس ومخالطتهم الانهماك في الغيبة. ثانيًا: ضياع الوقت في الآثام. ثالثًا: فوات الأعمال النافعة في الآخرة أو الأعمال الدنيوية التي يعود

стр. 257

نفعها في الآخرة ولا سبيل إلى السلامة من ذلك إلا بالانفراد عن مجالستهم جملة. مَن جَنَّبَ النَّاس يَسْلَمْ مِن غَوَائِلهم … وَعَاشَ وَهْوَ قَرِيْرُ العَيْنِ جَذْلان وقال لا تحقرن شيئًا من عمل غد بأن تخففه وتعجله اليوم وإن قل فإن من قليل الأعمال يجتمع كثيرها. لا تُحَقِّرَنَّ مِن الأُمُورِ صِغَارَهَا … فَالقَطْرُ مِنْهُ تَدَفَّقُ الخِلْجَانِ وربما أن الأعمال إذا لم تخفف يعجز أمرها فيبطل الكل. ولا تحقر شيئًا مما تثقل به ميزانك يوم البعث أن تعجله الآن وإن قل. فإنه يحط عنك كثيرًا لو اجتمع لقذف بك في النار. اجتهد في أن تستعين في أمورك بمن يريد منها لنفسه مثل ما تريد منها لنفسك. أَبْلَغَ في ذمك من مدحك بما ليس فيك لأنه نبه على نقصك. وأبلغ في مدحك من ذمك بما ليس فيك لأنه نبه على فضلك ولقد انتصر لك من نفسك بذلك وباستهدافه إلى الإنكار واللائمة. ولو علم الناقص نقصه لكان كاملاً إذا عدله. من عيب حب الذكر أنه ربما يحبط الأعمال إذا أحب أن يذكر بها لأنه يعمل لغير الله . وهو يطمس الفضائل لأن صاحبه لا يكاد يفعل الخير حبًا للخير لكن ليذكر به. من أفضل نعم الله على العبد أن يحبب إليه العدل ويوفقه للعمل به ويحبب إليه الحق وإيثاره والعمل به.

стр. 258

ومن قلة توفيق العبد وخذلانه أن يطبع على الجور واستسهاله وعلى الظلم واستخفافه. ومن كان كذلك فلييئس من أن يصلح نفسه أو يقوم طباعه أبدًا إلا أن يشأ الله. إذا حضرت مجلس علم فلا يكون حضورك إلا حضور مستزيد علمًا وأجرًا لا طالبًا لعثرة أو زلة تشنعها أو غريبة تشيعها. فإن تتبع العثرات والزلات أفعال الأراذل والسفل الذين لا يفلحون في العلم فإذا حضرتها على طلب الاسترشاد فقد حصلت خيرًا. وإن لم تحضرها على نية صالحة فجلوسك في منزلك أحسن وأروح لبدنك وأكرم لخلقك وأسلم لدينك. فإذا حضرتها فالتزم أحد ثلاثة أوجه أحدها إما أن تسكت فتحصل على أجر النية بالمشاهدة وعلى الثناء عليك بقلة فضول الكلام وعلى كرم المجالسة ومودة من تجالس. وإذا سألت فاسأل سؤال المتعلم عما لا تدري فإن السؤال عما تدري سخف وقلة عقل ولا تخلو من العجب. وفيه شغل عما هو أولى وفيه قطع لزمانك بما لا فائدة فيه لا لك ولا لغيرك وربما ترتب عليه مفسدة أو مفاسد. وإذا أردت أن تراجع فراجع مراجعة العالم. وصفة ذلك أن تعارض جوابه بما ينقضه نقضًا بينًا فإن لم يكن عندك إلا تكرار قولك أو لمعارضة بما لا يراه خصمك معارضة فأمسك. لأنك لا تحصل بتكرار ذلك على أجر زائد ولا على تعليم بل ربما حصلت على ما يسؤك من الغيظ والعداوة.

стр. 259

واحذر سؤال التعنت ومراجعة المكابر الذي يطلب الغلبة بغير علم فهما خلقا سوء دليلان على قلة الدين وضعف العقل وقوة السخف وكثرة الفضول. والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. (فصل) صلاح القلب بتقوى الله وطاعته والتوكل عليه وتوحيده وإخلاص العمل لوجهه الكريم. وفساد القلب بعدم التقوى والتوكل والطاعة والتوحيد والإخلاص. ومما يورث فساد القلب وانتكاسه وفساد الأخلاق مجالسة أموات القلوب وأهل الآراء الفاسدة وأهل البدع كالأشاعرة والمعتزلة والرافضة والفسقة كأهل الملاهي والمنكرات. عليك بمجالسة أهل الدين والصلاح فإنهم هم الناس لأن أعقل خلق الله من امتثل أمره واجتنب نهيه. وأجهل خلق الله من عصى الله. العلماء العاملون المخلصون هم السالكون طريقة الرسل عليهم الصلاة والسلام. الذين لا يطلبون من الناس أجرًا على أعمالهم بل يريدون وجهه قال الله جل وعلا لنبيه ﷺ : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] ، وقال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً﴾ [الإنسان: ٩] . قلوب صافية طاهرة معرضة عن الخلق مقبلة على الخالق ذاكرة له ناسية للدنيا ذاكرة للآخرة.

стр. 260

الجلوس مع الذين يطيعون الله نعمة من الله على عبده والجلوس مع المنافقين والمكذبين نقمة على العبد نعوذ بالله من مجالسة أهل الضلال والبدع والأخلاق المنحرفة وأهل الملاهي والمنكرات. فالواجب هجرانهم والابتعاد عنهم والتحذير منهم. واهجر أيضًا أقران السوء واقطع المودة والصلة بينك وبينهم وواصلها بينك وبين الصالحين. قال بعضهم لا تغتر بموضع صالح فلا مكان أصلح من الجنة فلقي فيها آدم ما لقي ولا تغتر بكثرة العبادة فإن إبليس لعنه الله بعد طول تعبده لقي ما لقي. ولا تغتر بكثرة العلم فإن بُلْعَام كان يحسن الاسم الأعظم فانظر ماذا لقي. ولا تغتر برؤية الصالحين فلا شخص أكبر من المصطفى ﷺ ولم ينتفع بلقائه أعداؤه وبعض أقاربه. وقال إذا سمعت بحال الكفار وخلودهم في النار فلا تأمن على نفسك فإن الأمر على الخطر ولا تدري ماذا يكون من العاقبة وماذا سبق لك في حكم الغيب. ولا تغتر بصفاء الأوقات فإن تحتها غوامض الآفات. والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 261

(فصل) كتب أبو حامد العزالي إلى أبي الفتح بن سلامة فقال: قرع سمعي بأنك تلتمس مني كلامًا وجيزًا في معرض النصح والوعظ وإني لست أرى نفسي أهلاً له. فإن الوعظ زكاة نصابه الاتعاظ فمن لا نصاب له كيف يخرج الزكاة وفاقد النور كيف يستنير به غيره ومتى يستقيم الظل والعود أعوج. وقد أوصى الله جل وعلا عيسى بن مريم ﵉ يا ابن مريم عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني. وقال نبينا ﷺ "تركت فيكم ناطقًا وصامتًا" فالناطق هو القرآن والصامت هو الموت وفيهما كفاية لكل متعظ فمن لم يتعظ بهما كيف يعظ غيره. ولقد وعظت نفسي بهما وقبلت وصدقت قولاً وعلمًا وأبت وتمردت تحقيقًا وفعلاً. فقلت لنفسي أما أنت مصدقة بأن القرآن هو الواعظ وأنه كلام الله المنزل الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] . فقالت بلى فقلت لها قد قال الله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥،: ١٦] . فقد وعد الله جل وعلا بالنار على إرادة الدنيا وكل ما لا يصحب بعد الموت فهو من الدنيا فهل تنزهت عن حب الدنيا وإرادتها.

стр. 262

ولو أن طبيبًا نصرانيًا وعدك بالموت أو بالمرض على تناول ألذ الشهوات لتحاميتيها وأنفت منا وجنبتها أفكان النصراني عندك أصدق من الله جل وعلا؟ فإن كان كذلك فما أكفرك أم كان المرض أشد عليك من النار؟ فإن كان كذلك فما أجهلك، فصدقت ثم ما انتهت بل أصرت على الميل إلى العاجلة واستمرت. ثم أقبلت عليها فوعظتها بالواعظ فقلت لها قد قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة: ٨] . وقلت لها هبي أنك ملت إلى العاجلة أفلست مصدقة بأن الموت لا محالة يأتيك قاطعًا عليك ما أنت متمسكة به وسالبًا منك كل ما أنت راغبة فيه. وأن كل ما هو آت قريب وقد قال الله ﷻ : ﴿أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] . وقال مخبرًا عن نفسه عندما وعظها ولم تجتهد في التزود للآخرة كاجتهادها في تدبير العاجلة ولم تجتهد في رضا الله كاجتهادها في طلب رضاها وطلب رضا الخلق. ولم تستحي من الله تعالى كما تستحي من واحد من الخلق ولم تشمر للاستعداد للآخرة كتشميرها في الصيف لأجل الشتاء، وفي الشتاء لأجل الصيف فإنها لا تطمئن في أوائل الشتاء ما لم تتفرغ عن جميع ما تحتاج إليه فيه مع أن الموت ربما يخطفها والشتاء لا يدركها. فقلت لها ألست تستعدين للصيف بقدر طوله وتصنعين له آلة الصيف

стр. 263

بقدر صبرك على الحر قالت نعم. ثم استمرت على سجيتها ولما رأيتها متمادية في الطغيان غير منتفعة بموعظة الموت والقرآن رأيت أهم الأمور التفتيش عن سبب تماديها مع اعترافها وتصديقها فإن ذلك من العجائب العظيمة. فطال تفتيشي عنه حتى وقفت على سببه وها أنا ذا موصي نفسي وإياك بالحذر منه فهو الداء العظيم وهو السبب الداعي إلى الغرور والإهمال. وهو اعتقاد تراخي الموت واستبعاد هجومه على القرب فإنه لو أخبر صادق في بياض نهاره أنه يموت في ليلته أو يموت بعد أسبوع أو شهر لاستقام واستوى على الصراط المستقيم. فانكشف لي تحقيقًا أن من أصبح وهو يؤمل أنه يمسي أو أمسى وهو يؤمل أن يصبح لم يخل من الفتور والتسويف. فأوصيك ونفسي بما أوصى به رسول الله ﷺ حيث قال: «صل صلاة مودع» ولقد أوتي جوامع الكلم وفصل الخطاب ولا ينتفع بوعظ إلا به. ومن غلب على ظنه في كل صلاة أنها آخر صلاته حضر معه خوفه من الله تعالى وخشيته منه. بخلاف من لم يخطر بخاطره قصر عمره وقرب أجله وغفل قلبه عن صلاته وسئمت نفسه فلا يزال في غفلة دائمة وفتور مستمر وتسويف متتابع إلى أن يدركه الموت ويهلكه حسرة الفوت. فعلى الإنسان العاقل أن يحذر مواقع الغرور ويحترز من خداع النفس فإن خداعها لا يقف عليه إلا الأكياس وقليل ما هم. والوصايا وإن كانت كثيرة والمذكورات وإن كانت كبيرة فوصية الله أكملها وأنفعها وأجمعها وقد قال الله جل وعلا وتقدس: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ

стр. 264

أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللهَ﴾ [النساء: ١٣١] . فما أسعد من قبل وصية الله وعمل بها وادخرها ليجدها يوم مردها ومنقلبها. عصمنا الله وإياكم من الزلل ووفقنا لصالح العمل وهدانا بفضله سبيل الرشاد وطريق السداد إنه جل شأنه نعم المولى ونعم النصير وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين. (فصل) وقال ابن القيم ﵀: لا يتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بعد نظرين صحيحين: نظر في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها واضمحلالها ونقصها وخستها وألم المزاحمة عليها والحرص عليها وما في ذلك من الغصص والنغص والأنكاد. وآخر ذلك الزوال والانقطاع مع ما يعقب ذلك من الحسرة والأسف فطالبها لا ينفك من هم قبل حصولها وهم في حال الظفر بها وغم بعد فواتها فهذا أحد النظرين. النظر الثاني: النظر في الآخرة وإقبالها ومجيئها ولا بد ودوامها وبقائها وشرف ما فيها من الخيرات والمسرات والتفاوت الذي بينه وبين ما ههنا فهي كما قال الله سبحانه: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٧] . فهي خيرات كاملة دائمة، وهذه خيالات ناقصة، منقطعة مضمحلة. فإذا تم له هاذان النظران آثر ما يقتضي العقل إيثاره وزهد فيما يقتضي الزهد فيه فكل أحد مطبوع على أن لا يترك النفع العاجل واللذة الحاضرة إلى النفع الآجل واللذة الغائبة المنتظرة إلا إذا تبين له فضل الآجل على العاجل وقويت رغبته في الأعلى الأفضل فإذا آثر الفاني الناقص، كان ذلك إما لعدم

стр. 265

تبين الفضل له وإما لعدم رغبته في الأفضل. وكل واحد من الأمرين يدل على ضعف الإيمان وضعف العقل والبصيرة فإن الراغب في الدنيا الحريص عليها المؤثر لها إما أن يصدق أن ما هناك أشرف وأفضل وأبقى وإما أن لا يصدق فإن لم يصدق بذلك ولم يؤثره كان فاسد العقل سيء الاختيار لنفسه. وهذا تقسيم حاضر ضروري لا ينفك العبد من أحد القسمين منه فإيثار الدنيا على الآخرة إما من فساد في الأيمان وإما من فساد في العقل وما أكثر ما يكون منهما ولهذا نبذها رسول الله ﷺ وراء ظهره هو وأصحابه، وصرفوا عنها قلوبهم وأطرحوها ولم يألفوها وهجروها ولم يميلوا إليها وعدُّوها سجنًا لا جنة فزهدوا فيها حقيقة الزهد ولو أرادوها لنالوا منها كل محبوب ولوصلوا منها إلى كل مرغوب. فقد عرضت عليه مفاتيح كنوزها فردها وفاضت على أصحابه فأثروا بها ولم يبيعوا بها حظهم من الآخرة بها وعلموا أنها معبر وممر لا دار مقام ومستقر وأنها دار عبور لا دار سرور وأنها سحابة صيف تنقشع عن قليل وخيال طيف ما استتم الزيارة حتى آذن بالرحيل. قال النبي ﷺ : «ما لي وللدنيا إنما أنا كراكب مال في ظل شجرة ثم راح وتركها» وقال: «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم ترجع» . وقال خالقها سبحانه: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ

стр. 266

وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] . فأخبر عن خسة الدنيا وزهد فيها وأخبر عن دار السلام ودعا إليها وقال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [الكهف: ٤٦] . وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠] . وقال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ١٤،: ١٥] . وقال تعالى: ﴿وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦] . وقد توعد سبحانه أعظم الوعيد لمن رضي بالحياة الدنيا واطمأن بها وغفل عن آياته ولم يرج لقاءه فقال: ﴿إَنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٨] .

стр. 267

وعبر سبحانه من رضي بالدنيا من المؤمنين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨] . وعلى قدر رغبة العبد في الدنيا ورضاه بها يكون تثاقله عن طاعة الله وطلب الآخرة ويكفي في الزهد في الدنيا قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] . وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥] . وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] . وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦] . وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] . وقوله: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٤] . وقوله: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً﴾ [طه: ١٠٤] . والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وسلم. خُلِقْنَا لأَحْدَاثِ الليَالِي فَرائِسًا …

стр. 268

تَزَفُّ إِلى الأَجْدَاثِ مِنَّا عَرائِسًا تُجَهِّز مِنَّا لِلْقُبُورِ عَسَاكِرًا … وَتُرْدِفُ أَعْوَادُ المَنَايَا فَوَارِسًا إِذَا أَمَلٌ أَرْخَى لَنَا مِنْ عَنَانِهِ … غَدا أَجَلٌ عَمَّا نُحَاوِلُ حَابِسًا أَرَى الغُصْنَ لَمَّا اجْتُثَّ وَهْوَ بِمَائِهِ … رَطِيْبًا وَمَا إِنْ أَصْبَحَ الغُصْنُ يَابِسًا نَشِيدُ قُصُورًا لِلْخُلُودِ سَفَاهَةً … وَنَصْبِرُ ما شِئْنَا فُتُورًا دَوَارِسًا وَقَدْ نَعَتِ الدُّنْيَا إِلينَا نُفُوسَنا … بِمَنْ مَاتَ مِنَّا لَوْ أَصَابَتْ أَكَايِسًا لَقَدْ ضَرَبَتْ كِسْرَى المُلُوكِ وَتُبَّعًا … وَقَيْصَرُ أَمْثَالاً فَلَم نَرَ قَائِسًا نَرَى ما نَرَى مِنْهَا جَهَارًا وَقَدْ غَدَا … هَوَاهَا عَلَى نُوْرِ البَصِيرةِ طَامِسًا وَقَدْ فَضَح الدنيا لَنَا الموتُ وَاعِظًا … وَهَيْهَاتَ مَا نَزْدَادُ إِلا تَقَاعُسًا الله يا حي يا قيوم يا بديع السموات والأرض نسألك أن توفقنا لما فيه صلاح ديننا ودنيانا وأحسن عاقبتنا وأكرم مثوانا واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. موعظة عباد الله إن الناس في هذه الحياة انقسموا قسمين قسم جعلوا غايتهم الأكل والشرب والتمتع بملاذ الدنيا من مساكن وملابس وقضاء وطر وليس وراء هذه الغاية عندهم غاية أخرى فهم يقضون أوقاتهم يصرمون أعمارهم ليتمتعوا ما وسعهم التمتع فما بعد نظرهم الكليل الحسير وقلوبهم الميتة إلا العدم والفناء. وهؤلاء هم جند الشيطان شر خلق الله وأشقاهم قال تعالى: ﴿وَذَرْنِي

стр. 269

وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾ [المزمل: ١١] . وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ [محمد: ١٢] . فهم صاروا كالأنعام لا يختلفون عنها إلا في الصورة والشكل وإلا في دخولهم النار ولذلك قال الله جل وعلا: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان: ٤٤] . تلك هي غاية هذا الصنف أما مركزهم بين الناس فهو مركز الإفساد والإضلال ومآلهم جميعًا دخول النار، قال تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلَادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٩٧] . وقال: ﴿قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠] . الصنف الثاني الذين عرفوا الحقيقة والغاية التي خلقوا لها عرفوا أن الله خلقهم لعبادته كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . أيقنوا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦] . فغايتهم كما تقدم عبادة الله. ومنها الجهاد في سبيل الله والدعوة إليه وعمارة الأرض بفعل الخير وهداية الحيارى إلى الحق وقيادتهم في دروب الحياة الدنيا ووراءها الغاية العظمى والعليا وهي ابتغاء مرضاة الله وحده ﷻ . قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨] .

стр. 270

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف: ١٢] . هذه مهمة المسلم وغايته فيها عبادة الله وحده وجهاده في سبيله يجاهد نفسه حتى يحملها على طاعة الله ويبعدها عن المعصية جهده ويجاهد بقلمه ولسانه وماله ويده في سبيل الله حتى تعلو كلمة الله ويستنير البشر بنور الإسلام. وقد اختار الله المسلمين لهذه المهمة الخطيرة مهمة دلالة الناس وقيادتهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور فلا مجال للتخلي عن هذه المهمة الشريفة هذه طريقة الرسل عليهم أفضل الصلاة والسلام قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] . وقال ﷺ "بلغوا عني ولو آية" فكل واحد من المسلمين عليه على قدر حاله ولا يعذر وقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة: ١٤٣] . فالذي يقول إنه مسلم عليه أن يبلغ ويدعو ويؤدي هذه الشهادة لهذا الدين شهادة تؤيد حق هذا الدين في البقاء ويؤيد الخير الذي يحمله هذا الدين للبشر. وهو لا يؤيد هذه الشهادة تمامًا حتى يجعل من نفسه ومن خلقه ومن سلوكه ومن حياته صورة لهذا الدين صورة يراها الناس فيرون فيها مثلاً رفيعًا يشهد لهذا الدين الإسلامي بالأحقية في الوجود بالخيرية وبالأفضلية على سائر ما في الأرض.

стр. 271

فالشهادة في النفس أولاً بمجاهدتها حتى تكون ترجمة له ترجمة حية في شعورها وسلوكها حتى صورة الأيمان في هذه النفس فيقولوا ما أطيب هذا الإيمان وما أحسنه وما أزكاه. وهو يصوغ أصحابه على هذا الشكل من الخلق والكمال فتكون هذه شهادة لهذا الدين في النفس يتأثر بها الآخرون والشهادة له بدعوة الناس إليه وبيان فضله ومحاسنه ومزيته بعد تمثل هذا الفضل. وهذه المزية في نفس الداعية فما يكفي أن يؤدي المؤمن الشهادة للإيمان في ذات نفسه إذا هو لم يدع إليها الناس وما يكون قد أدى الدعوة والتبليغ والبيان قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ [النحل: ١٢٥] . وقال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] . ثم الشهادة لهذا الدين بمحاولة إقراره في الأرض منهجًا للجماعة المؤمنة ومنهجًا للبشرية جميعًا والمحاولة بكل ما يملك الفرد من وسيلة وبكل ما تملك الجماعة من وسيلة. فإقرار هذا المنهج في حياة البشر هو كبرى الأمانات بعد الإيمان الذاتي ولا يعفى من هذه الأمانة الأخيرة فرد ولا جماعة ومن ثم فالجهاد ماض إلى يوم القيامة اهـ. اللهم خفف عنا الأوزار وارزقنا عيشة الأبرار واصرف عنا شر الأشرار واعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا من النار يا عزيز يا غفار يا كريم يا ستار ويا حليم يا جبار واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 272

شعرًا: لَقَدْ عَفَتْ مِنْ دِيَارِ العِلْمِ آثَارُ … فَأَصْبَحَ العِلْمُ لا أَهْلٌ وَلا دَارُ يَا زَائِرِيْنَ دِيَارَ العِلْمِ لا تَفِدُوا … فَمَا بِذَاكَ الحِمَى وَالدَّارِ دَيَّارُ تَرَحَّلَ القَوْمُ عنهَا واسْتَمَرَّ بِهِم … مُشَمِّرٌ مِنْ حُدَاةِ البَيْنِ سَيَّارُ قَدْ أَوْرَدَ القَوْمَ حَادِيْهم حِياضَ رَدَى … فَمَا لَهُم بَعْدَ ذَاكَ الوِرْدِ اصْدَارُ لَهَفِيْ عَلَى سُرُجِ الدُّنْيَا الَّتِي طَفِئَتْ … وَلا يَزَالُ لَهَا في النَّاسِ أَنْوَارُ لَهْفِيْ عَلِيْهِم رِجَالاً طَالَمَا صَبَرُوا … وَهَكَذَا طَالِبُ العَلْيَاءِ صَبَّارُ لَهْفِيْ عَلَيْهِم رِجَالاً طَالَمَا عَدَلُوا … بَيْنَ الأَنَامِ وَمَا حَابَوْا وَلا جَارُوْا مَالوُا يَمِيْنًا عَنِ الدُّنْيَا وَزَهْرَتَهَا … لأَنْهَا في عُيُونِ القَوْمِ أَقْذَارُ وَصَاحَبُوهَا بِأَجْسَادٍ قُلُوبُهُم … طَيْرٌ لَهَا في ظِلالِ العَرْشِ أَوْكَارُ هُمُ الذِيْنَ رَعَوا لِلْعِلْمِ حُرْمَتَهُ … لِلْعِلْمِ بَيْنَهُم شَأَنٌ وَمِقْدَارُ صَانُوْهُ طَاقَتَهُم عَنْ مَا يُدَنِّسُهُ … كَمَا يَصُونُ نَفِيْسَ المَالَ تُجَّارُ وَأَحْسَنُوا فِيْهِ تَصْرِيفًا لأَنَّهُم … لَهُم مِنَ اللهِ تَوْفِيْقٌ وَإِقْدَارٌ رَأوهُ كَالنَّجْمِ بُعْدًا لَيْسَ يُدْرِكُهُ … بَاعٌ قَصِيْرٌ وَفَهْم فيْهِ إِقْصَارُ اللهم ألهمنا القيام بحقك، وبارك لنا في الحلال من رزقك، ولا تفضحنا بين خلقك، يا خير من دعاه داع وأفضل من رجاه راج يا قاضي الحاجات ويا مجيب الدعوات هب لنا ما سألناه، وحقق رجاءنا فيما تمنيناه وأملناه يا من يملك حوائج السائلين ويعلم ما في ضمائر الصامتين، أذقنا برد عفوك، وحلاوة مغفرتك، يا أرحم الراحمين وصل الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 273

٢٦- "موعظة " عباد الله كلنا يعلم أن الزنا من كبائر الذنوب وأن فيه فسادًا للزاني والزانية أما فساده للزانية فهو واضح لأنها بذلك الجرم العظيم -جرم الزنا- تجد حلاوة، فتفسد كل من اتصل بها، فيصبحون في تعلقهم بالنساء كالكلب المسعور هذا من جهة ومن جهة أخرى تفسد فراش زوجها إن كانت ذات زوج وربما أدخلت عليه أولادًا من الزناة ينفق عليهم طول حياته ويرثون منه بعد وفاته، ويتفوضون حرم الزوج، وربما تولوا عقد نكاح لهن، أو صاروا محارم لهن في حج أو نحو ذلك نسأل الله العافية ومن جهة فساد الزاني، فإنه بالزنا ينكلب، ويتولع فيه، وكل أنثى يتعدى عليها يحلو لها هذا السفاح فتفسد كالأولى كثيرين من الناس تنبهوا بعد أن كانوا غافلين فيفسدون من النساء كثيرات وهكذا فالزاني لص يسرق ثروة الناس في حياتهم وبعد الممات بما يدخله عليهم من أولاد يعولونهم، وإن كانت المرأة التي تعدى عليها غير متزوجة، فقد أفسد حياتها، بهتك عرضها، وصرف أنظار راغبي الزواج عنها، فتعيش بعد جرم الزنا عيشة ذل وهوان لا زوج يحصنها ولا عائل يعولها هذا مضافًا إلى سوء السمعة وإلى الجناية على شرفها وأهلها فيقفون منه موقف الانتقام غالبًا وربما قضوا عليه أو على ابنتهم وإن لم يقضوا وثبت ذلك بطريق الشرع فإما جلد مائة، وإما رجم يؤدي بالنفسين، هذا عاقبة هذه الكبيرة عصمنا الله وإياكم منها ومن جميع المعاصي فعلى الإنسان أن يفكر ويعرف عواقب الجنايات على الأعراض ليحذر ويحذر عنها أجنبية أو قريبة ولا أدري كيف يقدم الزاني على الزنا وهو يؤمن أن الله مطلع عليه لا تخفى عليه منه خافية وأن جزاءه إن لم يتب توبة نصوحًا الهاوية نسأل الله السلامة منها ولا

стр. 274

أدري كيف يزني وهو لا يشك أنه سيجازى على فعله في الدنيا قبل الآخرة، ومن كان الزنا من أعماله فلا يؤمن حتى على محارمه ولا يرغب في مصاهرته ولا مجاورته ولا مشاركته ولا معاملته ولا الاجتماع معه في محل عمله قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٣٢] . وقال ﷺ : «إذا ظهر الزنا والربا في قرية، فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله» . رواه الحاكم اللهم احمنا من الفواحش ما ظهر منها وما بطن واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ٢٧- "موعظة " عباد الله إن صفات الشر وخصال السوء ما وجدت في قوم إلا كانوا أهلاً لغضب الله وسخطه فاستحقوا الشقاء والذل في الدنيا والآخرة وإن من أقبح الخصال وأشنع الخلال الغيبة والنميمة وقد انهمك الناس فيهما وصارت مجالسهم لا تعمر إلا بهما يسمع المرء من أخيه الكلمة ليفرج بها من كربه ويخفف بها من آلامه فينقلها إلى صاحبها قصد الإيقاع به والتفريق بين المؤمنين هذه يا عباد الله غاية الدناءة، ومنتهى الخسة والنذالة واللآمة، ألا شهامة تحمل النمام على كتمانه سر أخيه ألا مروءة تمنعه من أن ينم على أخيه المسلم، إن النمام لا يعرف للشهامة سبيلاً، ولا للمروءة طريقًا، إن من ينم على المسلمين ليبدل الود جفا وبغضًا والصفو كدرًا وحقدًا ويفتح أبواب الشرور والجنايات على مصراعيها بين المؤمنين من أكبر المصائب، وأشد الرزايا على هذا المجتمع الإنساني، وكذلك الغيبة فإنها تذهب الحسنات، وأنت إذا قلت في أخيك كلمة يكرهها فأنت له بها مغتاب وهو لا يكره كلمة إلا

стр. 275

إذا كانت متضمنة عيبًا، ذلك العيب الذي أنت تريد أن تكشفه للناس تريد منهم أن يحقروه ويزدروه ويحترسوا منه أن يكون يومًا لهم من الأصحاب أنت تريد منهم أنه أن خطب منهم منعوه لتحقيرك إياه عندهم تريد من غيبتك له أن يبعد منهم ويكون منطويًا عنهم لما لقنتهم مما ذكرته فيه ويكون في وحشية منهم وتريد من غيبتك أنه إذا احتاج لا يدلي عليهم بشيء يقضي فيه حاجته بل تريد منهم أن لا يردوا ﵇ إذا سلم لما عندهم له مما لقنتهم من الازدراء والاحتقار وإن كان صانعًا فيسبب غيبتك له أن يجفوا صنعته فتقف، وإن كان تاجرًا فتريد بعيبتك أن تخسر تجارته لإعراضهم عنه، وتريد أنه إذا كان له أولاد أو بنات يرغب في تزويجهم أن يأنف الناس منهم فيبورون، هذا والله شيء يؤلم النفوس الزكية لأنها مضار عظيمة جدًا تنزل بمن تغتابه فعلى العاقل أن لا يصدق المغتاب وأن يرده خائبًا ولا يظن بأخيه المسلم إلا خيرًا والله أعلم. شعرًا: حَيَاتُكَ في الدُّنْيَا قَلِيْلٌ بَقَاؤُهَا … وَدُنْيَاكَ يَا هَذَا شَدِيْدٌ عَنَاؤُهَا وَلا خَيْرَ فيْهَا غَيْرَ زَادٍ مِنَ التَّقَى … يَنَالُ بِهِ جَنَّاتُ عَدْنٍ وَمَاؤُهَا بَلَى إِنَّهَا لِلْمُؤْمِنِيْنَ مَطِيَّةٌ … عَلَيْهَا بُلُوغُ الخَيْرِ والشَّرُ دَاؤُهَا وَمَنْ يَزْرَعُ التَّقْوى بِهَا سَوْفَ يَجْتَنِي … ثِمَارًا مِنَ الفِرْدَوْسِ طَابَ جَنَاؤُهَا نُؤَمِلُ أَنْ نَبْقَى بِهَا غَيْرَ أَنَّنَا … عَلَى ثِقَةٍ أَنَّ المَمَاتَ انْتَهَاؤُهَا فَكُنْ أَيَّهَا الإِنْسَانُ في الخَيْرِ رَاغِبًا … يَلُوحُ مِن الطَّاعَاتِ فِيْكَ بَهَاؤُهَا وَجَانِبْ سَبِيْلَ الغَي واتْرَكْ مَعَاصِيًا … يُذِيبُكَ مِنَ نَارِ الجَحِيْمِ لَظَاؤُهَا اللهم توفنا مسلمين وألحقنا بعبادك الصالحين الذين لا خوف عليهم ولا

стр. 276

هم يحزنون واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ٢٨- "موعظة " عباد الله نحن في زمن بلغ فيه الفساد مبلغًا ما كان يدور في خلد إنسان وهان على كثير من الناس اليوم أن يتقدموا إلى المعاصي مطمئنين وخف عليهم جدًا أن يرتكبوا ما حرم الله عليهم غير هيّابين وسهل كل السهولة عليهم أن يقتحموا حتى موبقات الأوزار غير خائفين من الله تعالى ولا مبالين بنواهيه. ولعل زمننا هذا ينطبق عليه ما في حديث أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «يأتي على الناس زمان القابض على دينه كالقابض على الجمر» وما في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء» . أخرجه مسلم. وأخرجه الإمام أحمد وابن ماجه من حديث بن مسعود بزيادة في آخره وهي –قيل يا رسول الله ومن الغرباء قال: «النزاع من القبائل» . وأخرجه أبو بكر الآجري وعنده- قيل ومن هم يا رسول الله، قال: «الذين يصلحون إذا فسد الناس» . وخرجه غيره وعنده قال: «الذين يفرون بدينهم من الفتن» . وخرجه الترمذي من حديث كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ : «إن الدين بدأ غريبًا وسيرجع غريبًا فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي» . وفي حديثه قيل ومن هم يا رسول الله قال: «الذين يصلحون حين فساد الناس» .

стр. 277

أما الحديث الأول فهو واضح ومنطبق كل الانطباق على هذا الزمان فيما أرى والله أعلم وذلك أنك ترى الشر والفساد في كل مكان منتشرًا والخير نادر الوجود فالفتن في البيوت والأسواق والدكاكين والسيارات والقطارات والطائرات فتن شهوات نساء سافرات وفتن شكوك وإلحاد وشبهات من أناس منحرفين وكتب ضلال ومجلات تحمل في طيها البلايا والشرور وفديوات تعلم الفساد أبلغ تعليم وتهيج عليه، حدث فتن يرقق بعضها بعضًا وحوادث الأخرى أعظم من الأولى ومن أعظم ما حدث كثرة الخدامين والخدامات والسواقين والطباخين والمربين فإن ضررهم عظيم على الدين والأخلاق والدنيا. فأنتبه يا من زين له سوء عمله وأتى بالكفار أعداء الله ورسوله والمؤمنين وأمنهم على محارمه خدامين أو سواقين أو مربين أو نحو ذلك عياذًا بالله من ذلك. يَا غَافِلاً عَنْ سَاعَةً مَقْرُوْنَةٍ … بِنَوَادِبٍ وصَوَارِخٍ وَثَوَاكِلِ قَدِّمْ لنَفْسُكَ قَبْلَ مَوْتِكَ صَالِحًا … فَالمَوْتُ أَسْرَعُ مِن نُزُولِ الهَاطِلِ حَتَّامَ سَمْعُكَ لا يَعِي لِمُذَّكِرٍ … وَصَمِيْمُ قَلْبِكَ لا يَلِيْنُ لِعَاذِلِ ذ تَبْغِي مِنَ الدُّنْيَا الكَثيْرَ وإِنَّمَا … يَكْفِيْكَ مِنْ دُنْيَاكَ زَادُ الرَّاحِلِ آيُ الكِتَابِ يَهُزُّ سَمْعَكَ دَائِمًا … وَتَصُمُّ عَنْهَا مُعْرِضًا كَالغَافِلِ كَمْ لِلإلهِ عَلَيْكَ مِن نِعَمٍ تُرَى … وَمَوَاهِبٍ وفَوَائِدٍ وَفَوَاضِلِ كَمْ قَدْ أَنَالَكَ مِن مَوانِحِ طَوْلِهِ … فَاسْأَلْهُ عَفْوا فَهُوَ غَوثُ السَّائِلِ اللهم مكن حبك في قلوبنا وألهمنا ذكرك وشكرك ووفقنا لامتثال طاعتك وأمرك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 278

٢٩- "موعظة " عباد الله من تكبر أذله ومن تواضع لله رفعه الله والمتكبرون يحشرون يوم القيامة في صور الذر تطؤهم الناس لهوانهم على الله تعالى المتكبرون شرار الخلق وأهل النار كل جعظري جواظ مستكبر، المتكبر يشمخ بأنفه إذا تكلم ويجافي مرفقيه عن جنبيه. لاويًا عنقه، يقارب خطاه إذا مشى، متطاولاً على إخوانه، مترفعًا على أقرانه ينظر الناس شزرًا بمؤخر العين، متقدمًا عليهم إذا مشى، محتقرًا للعامة، ولا فرق عنده بينهم وبين الحمير استجهالاً منه لهم، فالمتكبر لا يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه، لأنه لا يقدر على ذلك، ولا يقدر على التواضع وهو رأس أخلاق المتقين، ولا يقدر على ترك الحقد، ولا يقدر أن يدوم على الصدق، ولا يقدر على ترك الغضب، ولا على كظم الغيظ، ولا يسلم من الازدراء بالناس واحتقارهم ولا يسلم من اغتيابهم، وتنقصهم، لأن فيه من العظمة والعزة والكبرياء، ما يمنعه من ذلك فما من خلق ذميم إلا وصاحب الكبر والعظمة مضطر إليه، ليحفظ به عزه وعظمته، وما من خلق محمود إلا وهو عاجز عنه خوفًا من أن يفوته عزه وعظمته، ولذلك ورد في الحديث أنه لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، ومما جاء في وصية لقمان لابنه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨] . ومن تعاليم ربنا لهذه الأمة ونبيها ﵊، بقول تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً﴾ [الإسراء: ٣٧] . فيا أيها المتكبر الناظر في عطفيه، المتعاظم في نفسه، إن شأنك حقير، وقدرك صغير ولست بمحسوب في العير، ولا في النفير، وما لك عند عاقل من

стр. 279

حساب، ولا تقدير، لا قليل ولا كثير، فهون عليكن وارفق بنفسك، فإنك مغرور، يا مسكين وتدبر كلام رب العالمين: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣] . ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] : ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢] . وذم الكبر في القرآن كثير، والمتكبر عدو لله ولنفسه، وللناس، يقصر في الواجب ويدعي ما ليس له ويتشدق في الكلام، ويتألق في اللباس، وإنه لثقيل في حركاته، وسكناته، بغيض في أمره ونهيه، ومجالسته، ومؤاكلته ومشاربته، والويل كل الويل لمن صاهره أو شاركه أو ربطته به صلة، لأن داء الكبر يعدي ويسري فتبعد السلامة من المقترب منه. ومن آثار الكبر تصعير الخد، والنظر شزرًا، وإطراق رأسه، وجلوسه متربعًا أو متكئًا ويظهر الكبر أيضًا في أقوال المتكبر حتى في صوته ونغمته وصيغة كلامه في الإيراد وقيل لإحمق تكبر وقام ساخطًا على أستاذه لماذا قمت فقال دخلت ولم يحترمني وجلست فلم يكرمني ولم يدر من أنا واستشهد بقول من جنبه، قال ليست هذه مشية من في بطنه خراء، وكيف يتكبر من أوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة وهو مع ذلك يحمل البول والعذرة، هذا أكبر برهان على أنه دنس جاهل مجهول نكرة ممتلئًا كبرًا وإعجابًا بنفسه وسمعة، ورياء، ولؤمًا وشؤمًا وشرها فهو أشبه شيء بالدخان يملأ الفضاء ويتك صدور الناس وأصله من القمامات والأوساخ المبعثرة نسأل الله أن يقلل هذا النوع المنحط وأن يكثر ضده من أهل التواضع واللين والعطف والحنان. قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] . اللهم انظمنا في سلك عبادك الأخيار ونجنا برحمتك من عذاب النار

стр. 280

وأسكنا الجنة مع أوليائك الأبرار واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (فصل) وللكبر آثار تظهر على الجوارح كلها تدور حول ذلك النظر، فترى المتكبر إن سمح بممشاه مع الناس يكون متقدمًا عليهم، حريصًا جدًا أن يكونوا كلهم خلفه، وتراه إن جلس معهم ورضي أن يكونوا جلساءه، محتفظًا بصدر المجلس مستقلاً به ويسره أن يصغوا إلى كلامه، ويؤلمه كلام غيره وتجده ينتظر من الناس أن يتلقوا كلامه بالقبول والتصديق. الشاعر: وَلَوْ كَانَ إِدْرَاَُ الهُدَى بِتَذَلُّلٍ … رَأَيْتُ الهُدَى أَنْ لا أَمِيْلَ إِلى الهُدَى ويظهر أيضًا أثر الكبر في مشيه وتبختره وقيامه وجلوسه وحركاته وسكناته وفي تعاطيه لأفعاله، وفي سائر تقلباته في أحواله وأقواله وأعماله. وفي كتاب الخمول والتواضع لابن أبي الدنيا عن أبي بكر الهذلي قال: بينما نحن مع الحسن، إذ مر عليه ابن الأهتم يريد المنصور وعليه جباب خز، قد نضد بعضها فوق بعض على ساقه، وانفرج عنها قباؤه وهو يمشي ويتبختر، إذ نظر إليه الحسن نظرة فقال: أف أف، شامخ بأنفه ثاني عطفه، مصعر خده، ينظر في عطفيه أي حميق ينظر في عطفيه في نعم غير مشكورة ولا مذكورة، غير المأخوذ بأمر الله فيها، ولا المؤدي حق الله منها والله أن يمشي أحدهم طبيعته يتلجلج تلجلج المجنون في كل عضو منه نعمة وللشيطان بها لعنة، فسمعه ابن الأهتم، فرجع يعتذر إليه، فقال لا تعتذر إلي وتب إلى ربك، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ

стр. 281

الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً﴾ [الإسراء: ٣٧] . اللهم امنن علينا بإصلاح عيوبنا واجعل التقوى زادنا وفي دينك اجتهادنا وعليك توكلنا واعتمادنا واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد على آله وصحبه أجمعين. ٣٠- "موعظة " عباد الله لقد كانت القلوب موضع العناية التامة عند السلف الصالح لأنهم يعلمون أنها كما قال النبي ﷺ : «إذا صلحت صلح الجسد كله» وذلك لأنها مبدأ الحركات البدنية، والإرادات النفسانية، فإن صدرت من القلوب إرادة صالحة تحرك البدن حركة طاعة، وإن صدرت عنها إرادة فاسدة تحرك البدن حركة فاسدة، فهو كملك والأعضاء كالرعية، ولا شك أن الرعية تصلح بصلاح الملك وتفسد بفساده، وكان واجبًا علينا أن نكون كما كان سلفنا في العناية بهاتيك القلوب لأن بها سعادتنا بإذن الله وبها شقاؤنا، ولكن يا للأسف ما كان من ذلك شيء والذي كان منا أننا أهملنا قلوبنا إهمالاً تتجرح له القلوب، وتذوب له الأكباد ولذلك نشأ فينا نتيجة الإهمال كثرة الأمراض في القلوب وتشعبت وأعضلت وصعب شفاؤها، وانعدم أطباؤها ومن وصل إلى هذا الحد فهو في خطر عظيم. فمن الأمراض التي أزمنت في قلوبنا مرض الرياء الذي لا يكاد يسلم منه إلا النوادر، ومن الأمراض التي أصبنا بها مرض العجب، ولهذا يعتقد الصغير منا والكبير الكمال في نفسه ومن اعتقد ذلك في نفسه هوى لأنه لا يلتفت إلى ما به كمال الرجال، ومرض ينتج مرضًا آخر هو مرض الكبر وصف

стр. 282

الأنذال والأرذال والجهال، والمتكبر لا ينظر إليه بعين الرضا، والكبر ينشأ عنه مرض الحسد والحسود يتمنى زوال نعمة الله عن خلقه، والحسد يولد الحقد الذي ربما حمل صاحبه على قتل من لا ذنب له إلا ما أولاه الله من النعم، وليس هذا كل ما في قلوبنا من الأمراض بل فيها مرض البخل والشح الذي وصل بنا إلى منع الزكاة أو بعضها، وغير ذلك كثير وكلها أمراض مهلكات، ونحن لا نهتم بقلوبنا ولا بأمراضها وإنما نهتم بأمراض أجسامنا، ونبادر في علاجها إلى المستشفيات، وأمراضها يسيرة بسيطة بالنسبة إلى أمراض القلوب، ونهتم أيضًا بجمال ظواهرنا فنبالغ في تحسين ملابسنا ومراكبنا ومساكننا ومجالسنا وأبداننا، انظر إلينا عند الذهاب إلى مقر العمل لتتعجب من تغفيلنا وانخداعنا، ولو كانت عنايتنا بالقلوب كعنايتنا بالملابس فقط ما كنا بهذه الحالات المحزنات. اللهم يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه اجمع بيننا وبين الصدق والنية الصالحة والإخلاص والخشوع والمراقبة واليقين والعلم والمعرفة والفصاحة والبيان والفهم في القرآن وخصنا منك بالمحبة والاصطفائية ووفقنا للعمل الصالح الرشيد والرزق الهنيء الذي لا حجاب به في الدنيا ولا حساب ولا سؤال ولا عقاب عليه في الدنيا والآخرة واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، ووفقنا للعمل بما فهمتنا، اللهم إن كنا مقصرين في حفظ حقك، والوفاء بعهدك، فأنت تعلم صدقنا في رجاء رفدك، وخالص ودك، اللهم أنت أعلم بنا منا، فبكمال جودك تجاوز عنا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والميتين، برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 283

٣١- (موعظة) عباد الله بما أن الله جل وعلَا منّ عليكم بالإسلام فيجب عليكم أن تحبوه، فإنه الذي بيده خير الدنيا والآخرة، وأن تحبوا رسوله ﷺ الذي لولا الله ثم لولاه لكنتم من حطب جهنم تلتهب بكم أبد الآبدين، وأن تحبوا أحباب الله، وأحبابه هم الذين لزموا طاعة مولاهم وتباعدوا عن معصيته كما يتباعد الإنسان عما يقتله من سم ونحوه بل السم أهون وأخف من كثير من المعاصي كيف لا والمعاصي لا تسلم فاعلها إلا إلى العذاب الأليم إن لم يتجاوز عنه مولاه، مضى في صدر هذه الأمة أناس قال الله فيهم: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] . وهم الذين كانوا بأرواحهم في سبيل الله يجودون، وكانوا يرون السعادة كل السعادة في ذلك الجود وإذا لم يستطيعوا كانوا لذلك يحزنون وكان هؤلاء الناس يحبون رسولهم فوق محبتهم لأموالهم وأنفسهم وكان حب أحدهم لأخيه أعظم من حبه لآثاثه وماله يحب له ما يحب لنفسه ولذلك كانوا في كل المنافع لا يعرفون إلا خلق الإيثار، كما حكى الله عنهم بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] . سل التاريخ عنهم يخبر عنهم أخبارًا ما سمعت قط بمثلها يخبرك أنهم كانوا سادة الدنيا يعترف بذلك العدو قبل الصديق اعتراف إقرار وإذعان يخبرك أنهم كانوا إذا اتجهوا لغزو جهة ينهزم أهلها وبينهم وبينهم مسافة عظيمة وكيف لا يعزهم ربهم وقلوبهم كانت وقفًا على حبه وحب رسوله ﷺ وحب كل ما يرضيه من مبار، هؤلاء كانوا عبيد الله عبودية ما رأت الدنيا عبودية مثلها في سائر العبيد عدا الرسل الكرام لذلك كانوا يحنون لطاعته حنينًا لا ينقضي عجبه وهو مخلص وشديد كانوا لا يشبعون من العبادة بالنهار فيستقبلون الليل

стр. 284

بعزائمهم بعثتها همم عالية، لا تكل ولا تمل من العبادة، بل هي في العبادة كالسمك في البحر، والليل على ذلك شهيد ومن الذي يقوم إن الحبيب يشبع من خدمة حبيبه وسيده ومولاه الذي بيده الخير كله خير الدنيا والآخرة هؤلاء الذين هم خيرة الله من خلقه هم سلفنا الصالح، فينبغي أن نقفوا آثارهم، ونكون على مثل ما كانوا عليه من المحبة الفائقة والطاعة الفريدة لمولانا. اللهم يا عظيم العفو يا واسع المغفرة يا قريب الرحمة يا ذا الجلال والإكرام فرغنا لما خلقتنا له، ولا تشغلنا بما تكفلت لنا به، وهب لنا العافية في الدنيا والآخرة، واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين. ٣٢- موعظة عباد الله فتشوا قلوبكم بتأن وائتاد، وابحثوا عما تغلغل فيها من الأضغان والأحقاد، فإذا وجدتم شيئًا من ذلك فاجتهدوا واعملوا على سرعة إزالته ومحوه بجد واجتهاد وأعرضوا بكليتكم عن وحي الشيطان ووساوسه، واستعيذوا بالله القوي القدير من همزاته وهواجسه، فإنه لا يريد إلا إيقاعكم في البلاء، وتعريضكم لسخط الله ومقته الشديد، ماذا يضركم إن تنازلتم عن بعض حقوقكم، وتجاوزتم وصفحتم عمن أساء إليكم من إخوانكم، وقصدتم وجه الله وثوابه في صفحكم وتنازلكم، وبذلك تكونون قد أرضيتم الله رب العالمين، وأبعدتم شبح الشر عنكم. وعن إخوانكم المسلمين وكنتم أصحاب الفضل والمنة، يشكر الله والناس لكم هذا الخلق الطيب الحميد، ألا فاحرصوا عباد الله على الفضل العظيم، وأقبلوا سراعًا إليه، واكظموا غيظكم، وابذلوا

стр. 285

جهدكم في التغلب عليه، واعلموا أن الجزاء من جنس العمل، فالله يغفر من ذنوب العافين عن الناس، ويمجد الكاظمين الغيظ، ويتولاهم بالفضل والكرامة، ويزوجهم من حور الجنان ما يشاءون يوم القيامة، ويدعوهم يوم القيامة على رءوس الخلائق إلى تلك الكرامة، ليعلم فضلهم، ويشهد مجدهم القريب والبعيد. فإذا ما علمتم هذا فقارنوا بينه وبين ما يعامل الله به المشاحن الحقود الحسود، الذي أجاب داعي الشيطان، وأعرض عن نصيحة ربه الذي خلقه ورزقه، ويسر له أموره، وأصر على ما هو عليه من التقاطع والشحناء والصدود، وسترون أنه بعناده وإبائه واستكباره قد خسر الدنيا والآخرة عرض نفسه في الدنيا لنقم الله المتعاقبة، وأبقى لها بعد الموت جهنم يلقى فيها العذاب الأليم، وقد ورد عن النبي ﷺ : أن المتهاجرين المتشاحنين يُعرض الله عنهما، وإذا أفاض على خلقه رحمته كان الحرمان نصيبهما، ولا يزالان هكذا. حتى يزيلا ما بينهما من الخصام، ويعودا إلى ما كانا عليه من قبل من الصفاء والوئام، والله عفو غفور: تفهموا يا إخواني جيدًا، واقرعوا قلوبكم بما سمعتم من الزواجر والعظات، واعلموا أن أقرب المتصافيين إلى الله أسبقهما إلى الصفح، وتناسي ما فات، وأعظمهما أجرًا من بدأ بالسعي إلى إزالة الأضغان والأحقاد، فإن استجاب خصمه للصلح، ولم يتأخر، فبها ونعمت، واستحق نصيبه من الأجر والثواب، وإن أبى وامتنع فقد احتمل الإثم والعقاب فاتقوا الله عباد الله، واعملوا بهذه النصيحة، وسارعوا بالاعتذار إلى ربكم، واستجيبوا إلى داعي الهدى والرشاد، وأصلحوا ذات بينكم، وهلموا سراعًا إلى مصافاة من خاصمتم من إخوانكم، وبذلك تصونون بيوتكم من الخراب، وتحفظون أموالكم من التلاشي والذهاب، وترجون رضا ربكم وعفوه يوم البعث والحساب، ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ
следующие страницы →