← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 120

مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار

عبد العزيز السلمان

Полный текст (1 102 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً﴾ [الإسراء: ٣٧] . اللهم امنن علينا بإصلاح عيوبنا واجعل التقوى زادنا وفي دينك اجتهادنا وعليك توكلنا واعتمادنا واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد على آله وصحبه أجمعين. ٣٠- "موعظة " عباد الله لقد كانت القلوب موضع العناية التامة عند السلف الصالح لأنهم يعلمون أنها كما قال النبي ﷺ : «إذا صلحت صلح الجسد كله» وذلك لأنها مبدأ الحركات البدنية، والإرادات النفسانية، فإن صدرت من القلوب إرادة صالحة تحرك البدن حركة طاعة، وإن صدرت عنها إرادة فاسدة تحرك البدن حركة فاسدة، فهو كملك والأعضاء كالرعية، ولا شك أن الرعية تصلح بصلاح الملك وتفسد بفساده، وكان واجبًا علينا أن نكون كما كان سلفنا في العناية بهاتيك القلوب لأن بها سعادتنا بإذن الله وبها شقاؤنا، ولكن يا للأسف ما كان من ذلك شيء والذي كان منا أننا أهملنا قلوبنا إهمالاً تتجرح له القلوب، وتذوب له الأكباد ولذلك نشأ فينا نتيجة الإهمال كثرة الأمراض في القلوب وتشعبت وأعضلت وصعب شفاؤها، وانعدم أطباؤها ومن وصل إلى هذا الحد فهو في خطر عظيم. فمن الأمراض التي أزمنت في قلوبنا مرض الرياء الذي لا يكاد يسلم منه إلا النوادر، ومن الأمراض التي أصبنا بها مرض العجب، ولهذا يعتقد الصغير منا والكبير الكمال في نفسه ومن اعتقد ذلك في نفسه هوى لأنه لا يلتفت إلى ما به كمال الرجال، ومرض ينتج مرضًا آخر هو مرض الكبر وصف

стр. 282

الأنذال والأرذال والجهال، والمتكبر لا ينظر إليه بعين الرضا، والكبر ينشأ عنه مرض الحسد والحسود يتمنى زوال نعمة الله عن خلقه، والحسد يولد الحقد الذي ربما حمل صاحبه على قتل من لا ذنب له إلا ما أولاه الله من النعم، وليس هذا كل ما في قلوبنا من الأمراض بل فيها مرض البخل والشح الذي وصل بنا إلى منع الزكاة أو بعضها، وغير ذلك كثير وكلها أمراض مهلكات، ونحن لا نهتم بقلوبنا ولا بأمراضها وإنما نهتم بأمراض أجسامنا، ونبادر في علاجها إلى المستشفيات، وأمراضها يسيرة بسيطة بالنسبة إلى أمراض القلوب، ونهتم أيضًا بجمال ظواهرنا فنبالغ في تحسين ملابسنا ومراكبنا ومساكننا ومجالسنا وأبداننا، انظر إلينا عند الذهاب إلى مقر العمل لتتعجب من تغفيلنا وانخداعنا، ولو كانت عنايتنا بالقلوب كعنايتنا بالملابس فقط ما كنا بهذه الحالات المحزنات. اللهم يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه اجمع بيننا وبين الصدق والنية الصالحة والإخلاص والخشوع والمراقبة واليقين والعلم والمعرفة والفصاحة والبيان والفهم في القرآن وخصنا منك بالمحبة والاصطفائية ووفقنا للعمل الصالح الرشيد والرزق الهنيء الذي لا حجاب به في الدنيا ولا حساب ولا سؤال ولا عقاب عليه في الدنيا والآخرة واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، ووفقنا للعمل بما فهمتنا، اللهم إن كنا مقصرين في حفظ حقك، والوفاء بعهدك، فأنت تعلم صدقنا في رجاء رفدك، وخالص ودك، اللهم أنت أعلم بنا منا، فبكمال جودك تجاوز عنا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والميتين، برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 283

٣١- (موعظة) عباد الله بما أن الله جل وعلَا منّ عليكم بالإسلام فيجب عليكم أن تحبوه، فإنه الذي بيده خير الدنيا والآخرة، وأن تحبوا رسوله ﷺ الذي لولا الله ثم لولاه لكنتم من حطب جهنم تلتهب بكم أبد الآبدين، وأن تحبوا أحباب الله، وأحبابه هم الذين لزموا طاعة مولاهم وتباعدوا عن معصيته كما يتباعد الإنسان عما يقتله من سم ونحوه بل السم أهون وأخف من كثير من المعاصي كيف لا والمعاصي لا تسلم فاعلها إلا إلى العذاب الأليم إن لم يتجاوز عنه مولاه، مضى في صدر هذه الأمة أناس قال الله فيهم: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] . وهم الذين كانوا بأرواحهم في سبيل الله يجودون، وكانوا يرون السعادة كل السعادة في ذلك الجود وإذا لم يستطيعوا كانوا لذلك يحزنون وكان هؤلاء الناس يحبون رسولهم فوق محبتهم لأموالهم وأنفسهم وكان حب أحدهم لأخيه أعظم من حبه لآثاثه وماله يحب له ما يحب لنفسه ولذلك كانوا في كل المنافع لا يعرفون إلا خلق الإيثار، كما حكى الله عنهم بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] . سل التاريخ عنهم يخبر عنهم أخبارًا ما سمعت قط بمثلها يخبرك أنهم كانوا سادة الدنيا يعترف بذلك العدو قبل الصديق اعتراف إقرار وإذعان يخبرك أنهم كانوا إذا اتجهوا لغزو جهة ينهزم أهلها وبينهم وبينهم مسافة عظيمة وكيف لا يعزهم ربهم وقلوبهم كانت وقفًا على حبه وحب رسوله ﷺ وحب كل ما يرضيه من مبار، هؤلاء كانوا عبيد الله عبودية ما رأت الدنيا عبودية مثلها في سائر العبيد عدا الرسل الكرام لذلك كانوا يحنون لطاعته حنينًا لا ينقضي عجبه وهو مخلص وشديد كانوا لا يشبعون من العبادة بالنهار فيستقبلون الليل

стр. 284

بعزائمهم بعثتها همم عالية، لا تكل ولا تمل من العبادة، بل هي في العبادة كالسمك في البحر، والليل على ذلك شهيد ومن الذي يقوم إن الحبيب يشبع من خدمة حبيبه وسيده ومولاه الذي بيده الخير كله خير الدنيا والآخرة هؤلاء الذين هم خيرة الله من خلقه هم سلفنا الصالح، فينبغي أن نقفوا آثارهم، ونكون على مثل ما كانوا عليه من المحبة الفائقة والطاعة الفريدة لمولانا. اللهم يا عظيم العفو يا واسع المغفرة يا قريب الرحمة يا ذا الجلال والإكرام فرغنا لما خلقتنا له، ولا تشغلنا بما تكفلت لنا به، وهب لنا العافية في الدنيا والآخرة، واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين. ٣٢- موعظة عباد الله فتشوا قلوبكم بتأن وائتاد، وابحثوا عما تغلغل فيها من الأضغان والأحقاد، فإذا وجدتم شيئًا من ذلك فاجتهدوا واعملوا على سرعة إزالته ومحوه بجد واجتهاد وأعرضوا بكليتكم عن وحي الشيطان ووساوسه، واستعيذوا بالله القوي القدير من همزاته وهواجسه، فإنه لا يريد إلا إيقاعكم في البلاء، وتعريضكم لسخط الله ومقته الشديد، ماذا يضركم إن تنازلتم عن بعض حقوقكم، وتجاوزتم وصفحتم عمن أساء إليكم من إخوانكم، وقصدتم وجه الله وثوابه في صفحكم وتنازلكم، وبذلك تكونون قد أرضيتم الله رب العالمين، وأبعدتم شبح الشر عنكم. وعن إخوانكم المسلمين وكنتم أصحاب الفضل والمنة، يشكر الله والناس لكم هذا الخلق الطيب الحميد، ألا فاحرصوا عباد الله على الفضل العظيم، وأقبلوا سراعًا إليه، واكظموا غيظكم، وابذلوا

стр. 285

جهدكم في التغلب عليه، واعلموا أن الجزاء من جنس العمل، فالله يغفر من ذنوب العافين عن الناس، ويمجد الكاظمين الغيظ، ويتولاهم بالفضل والكرامة، ويزوجهم من حور الجنان ما يشاءون يوم القيامة، ويدعوهم يوم القيامة على رءوس الخلائق إلى تلك الكرامة، ليعلم فضلهم، ويشهد مجدهم القريب والبعيد. فإذا ما علمتم هذا فقارنوا بينه وبين ما يعامل الله به المشاحن الحقود الحسود، الذي أجاب داعي الشيطان، وأعرض عن نصيحة ربه الذي خلقه ورزقه، ويسر له أموره، وأصر على ما هو عليه من التقاطع والشحناء والصدود، وسترون أنه بعناده وإبائه واستكباره قد خسر الدنيا والآخرة عرض نفسه في الدنيا لنقم الله المتعاقبة، وأبقى لها بعد الموت جهنم يلقى فيها العذاب الأليم، وقد ورد عن النبي ﷺ : أن المتهاجرين المتشاحنين يُعرض الله عنهما، وإذا أفاض على خلقه رحمته كان الحرمان نصيبهما، ولا يزالان هكذا. حتى يزيلا ما بينهما من الخصام، ويعودا إلى ما كانا عليه من قبل من الصفاء والوئام، والله عفو غفور: تفهموا يا إخواني جيدًا، واقرعوا قلوبكم بما سمعتم من الزواجر والعظات، واعلموا أن أقرب المتصافيين إلى الله أسبقهما إلى الصفح، وتناسي ما فات، وأعظمهما أجرًا من بدأ بالسعي إلى إزالة الأضغان والأحقاد، فإن استجاب خصمه للصلح، ولم يتأخر، فبها ونعمت، واستحق نصيبه من الأجر والثواب، وإن أبى وامتنع فقد احتمل الإثم والعقاب فاتقوا الله عباد الله، واعملوا بهذه النصيحة، وسارعوا بالاعتذار إلى ربكم، واستجيبوا إلى داعي الهدى والرشاد، وأصلحوا ذات بينكم، وهلموا سراعًا إلى مصافاة من خاصمتم من إخوانكم، وبذلك تصونون بيوتكم من الخراب، وتحفظون أموالكم من التلاشي والذهاب، وترجون رضا ربكم وعفوه يوم البعث والحساب، ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ

стр. 286

إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩] ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] . روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنًا فوق ثلاث، فإن مرت به ثلاث فليلقه فليسلم عليه، فإن رد ﵇ فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم وخرج المسلم من الهجر» . وروى الطبراني عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فمن مستغفر فيغفر له، ومن تائب فيتاب عليه، ويرد أهل الضغائن بضغائنهم حتى يتوبوا» . وورد عنه ﷺ أنه قال: «من كظم غيظًا وهو قادر أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق، حتى يخيره من الحور العين ما شاء» . والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. ٣٣- "موعظة " عباد الله إن شأن الصلاة عظيم جدًا في ديننا معشر المسلمين وفي كل دين وأسرارها العظيمة وبركاتها العميمة وفوائدها الكثيرة لا تخفى على كثير من المؤمنين وليست الصلاة مجرد أقوال يلوكها اللسان وحركات تؤديها الجوارح بلا تدبر من عقل ولا تفهم ولا خشوع من قلب ليست تلك التي ينقرها صاحبها نقر الديكة ويخطفها خطف الغراب ويمر بها مر السحاب كأن وراءه طالب حثيث ويلتفت فيها التفات الثعلب يمينًا وشمالاً وفوقًا وتحتًا. كلا فالصلاة المقامة تمامًا هي التي تأخذ حقها من التأمل والخشية والخضوع والسكون واستحضار عظمة المعبود ﷻ .

стр. 287

وذلك أن القصد من الصلاة وسائر العبادات هو تذكير الإنسان بربه الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى. والصلاة صلة بين العبد وربه تقوى بها محبة العبد لربه كلما تكررت قال ابن القيم ﵀ فإن المحب يتلذذ بخدمة محبوبه وتصرفه في طاعته وكلما كانت المحبة أقوى كانت لذة الطاعة والخدمة أكمل فليزن العبد إيمانه ومحبته بهذا الميزان ولينظر هل هو ملتذ بخدمة محبوبه أو متكره لها يأتي بها على السآمة والملل والكراهة فهذا محك إيمان العبد ومحبته لله. قال بعض السلف إني أدخل في الصلاة فأحمل هم خروجي منها ويضيق صدري إذا فرغت لأني خارج منها ولهذا قال النبي ﷺ : «وجعلت قرت عيني في الصلاة ومن كانت قرة عينه في شيء فإنه لا يود أن يفارقه ولا يخرج منه فإن قرة عين العبد نعيمه وطيب حياته به» . وقال بعض السلف إني لأفرح بالليل حين يقبل لما تتلذذ به عيشتي وتقر به عيني من مناجاة من أحب وخلوتي بخدمته والتذلل بين يديه وأغتم للفجر إذا طلع لما أشتغل به بالنهار عن ذلك فلا شيء ألذ للمحب من خدمة محبوبه وطاعته أين هؤلاء ممن لذتهم وأنسهم عند المنكرات. وقال بعضهم تعذبت بالصلاة عشرين سنة ثم تنعمت بها عشرين سنة وهذه اللذة والتنعم بالخدمة إنما تحصل بالمصابرة على التكره والتعب أولاً فإذا صبر عليه وصدق في صبره أفضى به إلى هذه اللذة. وقال أبو زيد سقت نفسي إلى الله وهي تبكي فما زلت أسوقها حتى انساقت إليه وهي تضحك اهـ. وقال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وقال ﷺ : «إنما فرضت الصلاة وأمر بالحج وأشعرت المناسك لإقامة

стр. 288

ذكر الله» . رواه أبو داود ولهذا كانت عنوان على الفلاح قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ [التوبة: ١٨] . الآية. والمراد بعمارتها بالصلاة والقربات وقال ﷺ : «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فشاهدوا له بالإيمان» ، فإن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨] . وجاء ذكر الصلاة في القرآن في مواضع كثيرة وأثنى جل وعلا على المقيمين لها والمحافظين عليها وأخبر أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ومن دعاء الخليل ﵇ أنه يسأل ربه أن يجعله مقيمًا لها قال تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠] . ومدح بها إسماعيل قال تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ [مريم: ٥٥] . وأمر جل وعلا موسى بإقامتها أول ما يأمره به في ساعات الوحي الأولى قال تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] . وقال له ولهارون: ﴿أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ﴾ [يونس: ٨٧] . وفي وصية لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [لقمان: ١٧] الآية وينطق الله عيسى وهو في مهده فيقول: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً﴾ [مريم: ٣١] . ويأمر الله بها صفوة خلقه وخاتم أنبيائه فيقول جل وعلا: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [العنكبوت: ٤٥] . ويقول جل وعلا وتقدس: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] .

стр. 289

ويبتدؤ بها أوصاف المؤمنين ويختم بها فيقول : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] . الآيات إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤] . ويؤكد المحافظة عليها حضرًا وسفرًا وفي الأمن والخوف والسلم والحرب ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ [البقرة: ٢٣٩] . وأخبر جل وعلا عمن أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات أن عاقبة أعمالهم وسوء مآلهم شر وخسران فقال: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم: ٥٩] . وجعلها النبي ﷺ الشعار الفاصل بين المسلم والكافر فقال بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة وقال العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر وفي الحديث الآخر من ترك الصلاة متعمدًا فقد برئت منه ذمة الله ورسوله وقال ﷺ : «من فاتته صلاة فكأنما وتر أهله وماله» . ومما يدل على عظم شأن الصلاة مع ما تقدم اهتمام المسلمين بتوجيه المحتضر وهو في سكرات الموت إلى القبلة وكذلك وضعه في قبره متجهًا إلى القبلة وما ذاك إلا لأنها الجهة التي يتجه إليها كلما أراد أن يتعرف إلى ربه ويدعوه ويجدد الصلة بينه وبين ربه في الصلاة. عَلَى الصَّلَواتِ الخَمْسِ حَافظْ فَإِنَّهَا … لآكَدُ مَفْرُوضِ عَلَى كُلِّ مُهْتَدِ فَلا رُخْصَةِ في تَرْكِهَا لِمُكَلَّفِ … وَأَوْلَ مَا عَنْه يُحَاسَبُ في غدِ بِإِهْمَالِها يَسْتَوجِبُ المَرَءُ قَرْنَهُ … بِفرعونَ مَعْ هَامانَ في شَرِّ مَوْرِدِ وَمَا زَالَ يُوصِي بِالصَّلاة نَبِيُّنَا … لَدَى الموتِ حَتَّى كَلَّ عن نُطْقِ مِذْوَدِ والله أعلم وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 290

٣٤- "موعظة " عباد الله ما بال الكثير اليوم لا يسمعون، وإذا سمعوا لا ينتفعون، أفي آذانهم صمم؟ أم هم في الأمر متهاونون؟ ولأي شيء يجتمعون ويقوم فيهم الخطباء المجيدون، والوعاظ المبلغون، ويذكرونهم أيام الله فلا يخشع الوعاظ ولا الموعظون، ويرغبونهم في الخير فلا يسارعون، وينذرونهم عواقب السوء فلا يتأثرون ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٣] . لقد كان السلف الصالح إذا وعظوا تأثر المستمع لهم تأثرًا عظيمًا، وفارق ما عنده من المنكرات، والمحرمات، وفارق من أصر عليها من أقاربه، وأولاده، وإخوانه وآبائه، وجدد توبة نصوحًا، عما سلف له من الأعمال، التي لا يرتضيها الدين الإسلامي، فأين أولئك من هؤلاء الخلف، الذين ضيعوا تعاليم الدين الإسلامي، وضيعوا العمل به، وتركوا الانقياد لكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، تأمل كيف ترى أكثرهم أضاعوا الصلاة، وعطلوا الأحكام، وتساهلوا بأمر الحرام، يمرون بالمساجد، وقت الصلاة، فلا يعيرونها أي اهتمام أما الملاهي والمنكرات فإليها يسرعون وعليها يعكفون وإلى ما فيها من الأغاني والمجون والسخف يتسابقون فإنا لله وإنا إليه راجعون، أين الخوف من الجبار، أين الحياء من فاطر الأرض والسموات، أين المروءة والاعتصام بالقرآن، وما كان عليه آباؤكم وأجدادكم العباد الكرام، الذين كانت المساجد تغص بهم شيوخًا وشبانًا، وكانت تعج بأصواتهم تسبيحًا، وتحميدًا وتهليلاً، وتكبيرًا، واستغفارًا، وقرآنًا، وكانوا يؤمون المساجد قبل الأذان زرافات ووحدانا، ولا يتخلف منهم إلا معذور، إما مريض أو غائب، أو نحو ذلك، وكان المار ببيوتهم ليلاً يسمع زجل التسبيح، والتهليل، والبكاء والأنين

стр. 291

والتضرع إلى بديع السموات والأرض، والإلحاح بدعائه، والالتجاء إليه والإنابة، عكس ما عليه هؤلاء الخلف، الذين صدق عليهم قول الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم: ٥٩] . الذين إن بحثت عنهم في الليل، وجدتهم حول الملاهي والمنكرات، متربعين أمام التلفزيون، وغناء المطربين، وإن بحثت عنهم في صلاة الفجر وجدتهم في فرشهم، إثر سهرهم حول تلك المنكرات، وإن بحثت عنهم وقت صلاة الظهر ففي شئون الدنيا، وما يتعلق بها، وإن أردتهم في صلاة العصر، وجدت بعضهم عند الكرة، والبعض عند التلفزيون، والبعض عند المذياع، وأغانيه وملاهيه، وإن سألت عنهم وقت صلاة المغرب، وجدت بعضهم يمشي مترددًا، والبعض في الملعب، والبعض عند التلفزيون، أو المذياع، وأما العشاء الآخرة فتلك هم فيها أقسام أكثرهم حول التلفزيون أو في الأسواق، أو يلعبون ورقة، أو نحو ذلك من المنكرات وهكذا قتلوا أوقاتهم الثمينة، وضيعوها، وقضوا على مستقبلهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله والله أعلم بما أراده بعباده، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١] . والحالة هذه مخيفة لذوي العقول والفهوم، لا سيما وقد توالت أسباب الهناء والراحة، والسرور، والاطمئنان، وقد قيل إذا رأيت الله تعالى أنعم على عبد وهو مقيم على معصيته فاعلم أنه مستدرج. وروى عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال «إذا رأيت الله يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معصيته فإنما ذلك استدراج» ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم

стр. 292

بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] . وقال قتادة ما أخذ الله قومًا إلا عند سكرتهم وغرتهم، ونعمتهم، فلا تغتروا بالله، فإنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ٣٥- "موعظة " إخواني إن في مواعظ الأيام والليالي لعبرة لذوي البصائر ركائب أموات تزعج عن مقصورات القصور ثم تحمل إلى مضائق القبور، فكم قد شاهدتم من شخصيات في الأرض، قد وضعت، وكم قد عاينتم من أبدان ناعمة في الأكفان قد لفت وإلى مضيق الألحاد قد زفت فيا لها من غاية يستبق إليها العباد ويا له من مضمار يتناوبه جواد بعد جواد ويا له من هول شديد يعقبه أهوال شداد فتنة قبور وحشر في موقف مهيل موقف فيه تنقطع الأنساب وتخضع فيه الرقاب وتنسكب فيه العبرات وتتصاعد فيه الزفرات ذلك موقف تنشر فيه الدواوين، وتنصب فيه الموازين، ويمد فيه الصراط، وحينئذ يقع الامتياز فناج مسلم ومكردس في النار. دخل عمر بن عبد العزيز ﵀ على سابق البربري وهو يتمثل بالأبيات المشهورة من قصيدة الأعشى. أَجِدَّكَ لمْ تَذْكُرْ وِصَاةَ مُحَمَّدٍ … نَبِيّ الإلهِ حِيْنَ أَوْصَى وَأَشْهَدَا إِذَا أَنْتَ لَمْ تَرْحَلْ بِزَادٍ مِنَ التَّقَى … وَأَبْصَرْتَ بَعْدَ المَوْتِ مَنْ قَدْ تَزَوَّدَا نَدِمْتَ عَلَى أَنْ لا تَكُوْنَ كَمِثْلِهِ …

стр. 293

وَأَنَّكَ لَمْ تُرْصِدْ كَمَا كَانَ أَرْصَدَا فغشي على عمر ﵀ فلما أفاق قال زدنا فقال القصيدة التي تلي: بِاسْمِ الذِي أَنْزِلَتْ مِنْ عِنْدِهِ السُّوَرُ … الحَمْدُ للهِ أَمَّا بَعْدُ يَا عُمَرُ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ مَا تُبْقِى وَمَا تَذَرُ … فَكُنْ عَلَى حَذَرٍ قَدْ يَنْفَعُ الحَذَرُ واصْبِرْ عَلَى القَدَرِ المَقْدُورِ وارْضَ به … وَإِنٍ أَتَاكَ بِمَا لا تَشْتَهِي القَدَرُ فَمَا صَفَى لامْرِئٍ عَيْشٌ يُسَرُّ بِهِ … إِلا وَأَعْقِبَ يَوْمًا صَفْوُهُ كَدَرُ قَدْ يَرعَوِي المَرْءُ يَوْمًا بَعْدَ هَفْوَتِهِ … وَتُحْكمُ الجَاهِلَ الأَيَّامُ والعِبَرُ إِن التُّقَى خَيْرُ زَادٍ أَنْتَ حَامِلُهُ … وَالبِرُّ أَفْضَلَ مَا تَأَتِي وَمَا تَذَرُ مَن يَطْلُبِ الجَوْرَ لا يَظْفُرْ بِحَاجَتِه … وَطَالِبُ العَدْلِ قَدْ يُهْدَى لَهُ الظَّفَرُ وَفي الهُدَى عِبَرٌ تُشْفَى القُلُوبُ بِهَا … كَالغَيْثِ يَحْيَى بِهِ مَنْ مَوتِهِ الشَّجَرُ وَلَيْسَ ذُو العِلْمِ بالتَّقْوَى كَجَاهِلِهَا … وَلا البَصِيرُ كَأَعْمَى مَالَهُ بَصَرُ وَالذِّكْرُ فِيْهِ حَيَاةٌ لِلْقُلُوبِ كَمَا … تَحْيَا البِلادُ إِذَا مَا جَاءَهَا المَطَرُ والعِلْمُ يَجْلُو العَمَى عَن قَلْبِ صَاحِبه … كَمَا يُجَلِّي سَوادَ الظُّلمَةِ القَمَرُ لا يَنْفَعُ الذِّكْرُ قَلْبًا قَاسِيًا أَبدًا … وَهَلْ يَلِيْنُ لِقَوْلِ الوَاعِظِ الحَجَرُ ما يَلْبَثُ المَرْءُ أَنْ يَبْلَى إِذَا اخْتَلَفت … يَوْمًا عَلَى نَفْسِهِ الرَّوْحَاتُ وَالبِكَرُ وَالَمْرءُ يَصْعَدُ رَيْعَانُ الشَّبَابِ بِهِ … وَكُلُّ مُصْعِدَةٍ يَوْمًا سَتَنْحَدِرُ وَكُلُّ بَيِتٍ سَبَيْلَى بَعْدَ جِدَّتِهِ … وَمِن وَرَاءِ الشَّبَابِ المَوْتُ والكِبَرُ والمَوْتُ جَسْرٌ لِمَنْ يَمْشِيْ عَلَى قَدَمِ … إِلى الأُمُورِ التِي تُخْشَى وَتَنْتَظَرُ فَهُمْ يَمُرُّونَ أَفْوَاجًا وَتَجْمَعُهَم … دَارٌ يَصِيْرُ إِلَيْهَا البَدْو والحَضَرُ كَمْ جَمْعُ قَوْمٍ أَشَتَّ الدَّهُر شَمْلَهُم … وَكُلُّ شَمْلٍ جَمِيْعٍ سَوْفَ يَنْتَثِرُ وَرُبَّ أَصْيَدَ سَامَ الطَّرْفِ مُقْتَضِبًا …

стр. 294

بَالتَّاج نِيْرانُه لِلْحَرْبِ تُسْتَعرُ يَظَلُّ مُفْتَرِشَ الدِّيْبَاجِ مُحْتَجِبًا … عَلَيْهِ تُبْنِى قِبَابُ المُلْكِ وَالحُجَرُ إِلى الفَنَاءِ وَإِن طَالَتْ سَلامَتُهُم … مَصِيْرُ كُلِّ بَنِي أنثَى وَإِنْ كَبُرُوا إِذَا قَضَتْ زُمْرٌ آجالَها نَزَلَتْ … عَلَى مَنَازِلِهِم مِنْ بَعْدِهَا زُمَرُ أَصْبَحْتُمْ جُزُرًا لِلْمَوْتِ يَأْخُذُكُمْ … كَمَا البَهَائِمُ فِي الدُّنْيَا لَكُمْ جُزُرُ أَبَعْدَ آدَمَ تَرْجُونَ الخُلُودَ وَهَل … تَبْقَى الفُرُوعُ إِذَا مَا الأَصْلُ يَنْعَقِرُ وَلَيْسَ يَزْجُرُكُمْ مَا تُوعَظُونَ بِهِ … وَالبَهْمُ يَزْجُرُهَا الرَّاعِي فَتَنْزَجِرُ لا تَبطُرُوا واهْجُروا الدُّنْيا فإِنَّ لهَا … غِبًا وَخِيْمًا وَكُفْرُ النِّعْمَةِ البَطَرُ ثُمَّ اقْتَدُوا بالأُوْلَى كَانُوا لَكُمْ غُرَرًا … وَلَيْسَ مِن أُمَّةٍ إِلا لَهَا غُرَرُ مَتَى تَكُونُوا عَلَى مِنْهَاجِ أَوَّلِكُمْ … وَتَصْبِرُوا عَن هَوَى الدُّنْيَا كَمَا صَبَرُوا مَالِي أَرَى النَّاسَ والدُّنْيَا مُوَليَّةٌ … وَكُلُّ حَبْلِ عَلَيْهَا سَوْفَ يَنْبَتِرُ لا يَشْعُرُونَ إِذَا مَا دِيْنَهُم نُقِصُوا … يَوْمًا وَإِنْ نُقِصَتْ دُنْيَاهُم شَعِرُوا حَتَّى مَتَى أَكُ في الدُّنْيا أَخَا كَلَفٍ … في الخَدِّ مِنِّي إِلى لَذَّاتِهَا صَعرُ وَلا أَرَى أَثَرًا لِلذكْرِ في جَسَدِي … وَالحَبْلُ في الحَجَرِ القَاسِي لَهُ أَثَرُ لَوْ كَانَ يَسْهِر لَيِْلي ذِكْرُ آخِرتِي … كَمَا يُؤرِّقَنِي لِلْعَاجِلْ السَّفَرُ إِذَا لِدَاوَيْتُ قَلْبًا قَدْ أَضَرَّ بِهِ … طُولُ السِّقامِ وَكَسْرُ العَظْمِ يَنْجَبِرُ ثُمَّ الصَّلاةُ عَلَى المَعْصُومِ سَيِّدِنَا … مَا هَبَّت الرِّيْحُ واهْتَزَّتْ بِهَا الشَّجَرُ اللهم ثبت إيماننا ثبوت الجبال الراسيات واشرح صدورنا للإسلام وثبتنا عليه واجعلنا من حزبك المفلحين وعبادك الصالحين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 295

٣٦- "موعظة " عباد الله: سنة الله في خلقه أن لا يؤاخذ مذنبًا بذنب اقترفه، أو جريمة اجترمها، أو جريرة ارتكبها إلا بعد أن يبين لهم ما ينبغي أن يتقوه من محارمه، ويجتنبوه من الموبقات، المؤدية بهم إلى هوة الهلاك والدمار، وقد أرسل الله جل وعلا إلى هذه الأمة الإسلامية محمدًا رسوله ﷺ النبي الأمي ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . وأنزل عليه كتابه الكريم: ﴿قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] ، ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦] . فيه هدى، وتبيانًا لكل شيء مما يحتاج إليه الناس في دنياهم وأخراهم، فاستمسك المسلمون مدة من الدهر بهديه، وتخلقوا بآدابه، فكانوا في ذلك الحين أهل الحول والطول والقوة والمنعة، تعنو لهم الوجوه، وتخضع لهم الرقاب فلم يقم لهم منازع إلا ابتزوا ملكه، واستباحوا مكان العزة منه، وأخذوا بطرفي الشرق والغرب، وكانوا خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله، كانوا في تلك الأزمان يعملون بطاعة الله ويتقونه، ويحسنون في عبادته وإلى عباده، ويصبرون عن معاصيه، وعلى أقداره، فكان الله معهم بعونه وتوفيقه، ونصره وتأييده وتسديده، يا عباد الله كان كبراء الناس وسادتهم في الصدر الأول أشد الناس ظهورًا بالتمسك بالدين تقتدي بهم العامة في توحيدهم وعباداتهم ومعاملاتهم، فانعكست علينا الآن القضية، وصار العامة أشد تمسكًا بالدين، وأرسى عقيدة، من أولئك، وأصبح كثير من المتعلمين الذين يزعمون أنهم مثقفون،

стр. 296

يحملون المؤهلات المعروفة أزهد الناس في الدين، وأبعدهم عن تعاليمه، نبذه كثير منهم كما تنبذ النواة، لا لأنهم وقفوا على عيب في الدين، أو هفوة في أصوله، ولكنهم مقلدون في هذا الضلال لقوم عرفوا ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧] . ورأوا تكاليف الدين وتعاليمه لا تتفق مع شهواتهم وملاذهم، فاتخذوا الخروج عن تكاليفه للحصول على ملاذ الحياة، ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠] . اللهم ارزقنا حبك وحب من يحبك وحب العمل الذي يقربنا إلى حبك وألهمنا ذكرك وشكرك ووفقنا للقيام بحقك وخلصنا من حقوق خلقك ورضنا باليسير من رزقك يا خير من دعاه داع وأفضل من رجاه راج، يا قاضي الحاجات ومجيب الدعوات هب لنا ما سألناه وحقق رجاءنا فيما تمنيناه يا من يملك حوائج السائلين ويعلم ما في صدور الصامتين أذقنا برد عفوك وحلاوة مغفرتك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ٣٧- "موعظة " عباد الله أين الذين سادوا وشادوا أوطانا، وحكموا وأحكموا بنيانًا، وجمعوا فحشدوا أموالاً وأعوانًا عوضوا بأرباح الهوى خسرانا، وبدلوا بإعزاز الكبر والتجبر هوانا وأخرجوا من ديارهم بعد الجموع وحدانا، وما استصحبوا مما جمعوا إلا أكفانا. نَصِيْبُك مِمَا تَجْمَعَ الدَّهْرَ كُلَّهُ … رِدَاءانِ تُطْوَي فِيْهَما وَحَنُوْطُ

стр. 297

آخر: فَمَا تَزودَ مِمِا كَانَ يَجْمَعُه … سِوَى حَنوط غداة البين في خرق وغير نِفحة أعوادٍ تشبُّ لَهُ … وَقَلّ ذلك مِن زاد لمنطلق يحملون على الأعناق ولا يسمون ركبانا، وينزلون بطون الإلحاد ولا يسمون ضيفانا، متقاربين في القبور ولا يسمون جيرانا. أو ليس قد رأينا كيف ينقلون ولا كفانا، فيا من قد بقي من عمره القليل ولا يدري متى يقع الرحيل، كأنك بطرفك حين الموت يسيل والروح تنزع والكرب ثقيل، والنقلة قد قربت وأين المقيل، أفي الجنة ونعيمها والسلسبيل أم في الجحيم وأنكالها وأغلالها وبئس المقيل. يا من تعد عليه أنفاسه استدركها، يا من ستفوته أيامه أدركها، إن أعز الخلق عليك نفسك فلا تهلكها كم أغلقت بابا على قبيح، وكم أعرضت عن قول المخلص النصيح، أعظم الله أجرك في عمر قد مضى ما رزقت فيه العفو ولا الرضى. انقضت فيه اللذات كمن قضى، وصارت الحسرات من الشهوات عوضا، قال الله جل وعلا وتقدس: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] . وقال تعالى: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] . والله أعلم وصلى الله على محمد.

стр. 298

٣٨- "موعظة " عباد الله ما هذه الغفلة وأنتم مستبصرون وما هذه الرقدة وأنتم مستيقظون كيف نسيتم الزاد وأنتم راحلون، أين ما كان قبلكم ألا تتفكرون أما رأيتم كيف نازلهم المنون ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٥٠] . عباد الله لو حضرت القلوب لجرت من العيون عيون فكأنكم بالآلام قد اعترضت، وبالأجسام قد انقضت، وبالأوصال قد فصلت، فرحم الله عبدًا أعتق نفسه من رق شهواتها ونظر لها قبل مماتها وأخذ من جدته عتادًا لفقره وادخر من صحته زاد لقبره قبل أن يفوت زمن الاستدراك بوقوع الهلاك. فكأنكم بالموت قد حل العراص، وأنشب مخاليبه في الأرواح للاقتناص، وأين لكم الفلات فلات حين مناص ثم يقومون للحساب والجزاء والقصاص. وإذا الخلائق قد حشرت، وإذا الصحف قد نشرت، وإذا جهنم قد سيقت ومرارة الندم قد ذيقت، فستنطق عليكم الجوارح وتنشر حين القضاء الفضائح. فيا خجل المقصرين ويا أسف المذنبين ويا حسرة المفرطين ويا سوء منقلب الظالمين، قال الله جل وعلا وتقدس ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء﴾ [إبراهيم: ٤٣] . وقال تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] . خَفِ اللهِ في ظلمِ الورَى واحْذَرَنَّهُ … وَخَفْ يومَ عض الظالمين على اليد

стр. 299

اللهم سلمنا من شرور أنفسنا التي هي أقرب أعدائنا وأعذنا من عدوك واعصمنا من الهوى ومن فتنة الدنيا ومكن محبتك في قلوبنا وقوها وألهمنا ذكرك وشكرك وفرح قلوبنا بالنظر إلى وجهك الكريم في جنات النعيم واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ٣٩- "موعظة " عباد الله اغتنموا مواسم الطاعات فأيام المواسم معدودة وانتهزوا فرص الأوقات فساعات الإسعاد محدودة وجدوا في طلب الخيرات فمناهل الرضوان مورودة وقوموا على قدم السداد واتقوا الله الذي إليه تحشرون. وكونوا من الذين يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ومما رزقهم ينفقون قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لَّا يَسْتَوُونَ أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٩] . فيا سعادة أولى الطاعات الذين اجتباهم مولاهم لدار السلام واصطفاهم لحظيرة قدسه وأوردهم مناهل الإنعام وأولاهم حلاوة الأنس ووالاهم بمواهب الإكرام وسقاهم من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. ويا مسرة من شاهد معالم الرشد فسلك مسالكه وكان من المستبشرين الذين يوم القيامة وجوهم مسفرة ضاحكة لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون. فتدبروا عباد الله الأمر وانظروا بعين الناقد البصير وتذكروا العرض يوم الفزع الأكبر بين يدي رب العالمين العليم الخبير واعلموا أن الظالمين ما لهم من

стр. 300

ولي ولا نصير "يوم يقال" ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] . شعرًا: لا تَبْكِ للدُّّنْيَا ولا أَهْلِهَا … وابْكِ لِيَوْمٍ تَسْكُنِ الحَافرة وابْكِ إذا صِيْحَ بِأهلِ الثَّرى … فاجْتَمَعُوا في سَاعَةِ السَّاهِرة وَيْلَكِ يَا دُنْيَا لَقَدْ قَصَّرَتْ … آمَالُ مَن يَسْكُنُكِ الآخرة آخر: واذْكُرْ مُنَاقَشِةَ الحِسَابِ فَإِنَّهُ … لا بُدَّ يُحْصَى مَا جَنَيْتَ وَيُكْتَبُ لَمْ يُنْسَهُ المَلَكَانِ حِيْنَ نَسِيْتَهُ … بَلْ أَثْبَتَاهُ وَأَنْتَ لاهٍ تَلْعَبُ اللهم ثبت محبتك في قلوبنا ثبوت الجبال الراسيات واشرح صدرنا ويسر أمورنا وألهمنا ذكرك وشكرك واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (فصل) إذا فهمت ذلك فاعلم أنه ينبغي لمن آيس من حياته بل يستحب له ويتأكد أن يكثر من قراءة القرآن والأذكار ويكره له الجزع وسوء الخلق والشتم والمخاصمة والمنازعة في غير الأمور الدينية في الدفاع عنها ويستحب أن يكون شاكرًا لله تعالى بقلبه ولسانه ويستحضر في ذهنه أن هذا آخر أوقاته من الدنيا فيجتهد على ختمها بخير ويكثر من قول لا إله إلا الله. ويبادر إلى أداء الحقوق إلى أهلها من رد المظالم والعواري والودائع والغصوب ويستحل أهله وزوجته ووالديه وأولاده وغلمانه وجيرانه

стр. 301

وأصدقاءه وزملاءه وكل من كانت بينه وبينه معاملة أو مصاحبة في سفر أو غيره أو له تعلق بشيء. وأخرج البيهقي وابن عساكر عن عبادة بن محمد بن عبادة بن الصامت قال لما حضرت عبادة ﵁ الوفاة قال أخرجوا إلي موالي وخدمي وجيراني ومن كان يدخل علي فجمعوا له فقال إن يومي هذا لا أراه إلا آخر يوم يأتي علي من الدنيا وأول ليلة من الآخرة. وإني لا أدري لعله قد فرط مني إليكم بيدي أو بلساني شيء وهو والذي نفسي بيده القصاص يوم القيامة وأحرج إلى أحد منكم في نفسه شيء من ذلك إلا اقتص مني من قبل أن تخرج نفسي فقالوا بل كنت والدًا وكنت مؤدبًا قال وما قال لخادم سوءًا قط فقال أعفوتم ما كان من ذلك؟ قالوا! نعم قال اللهم اشهد … إلخ. وورد أن عبد الله بن عمرو لما حضرته الوفاة قال انظروا فلانًا فإني كنت قلت له في ابنتي قولاً كشبه العدة فما أحب أن ألقى الله بثلث النفاق فأشهدكم أني قد زوجته. وينبغي أن يوصي بأمور أولاده إن لم يكن جد يصلح للولاية ويوصي بما لا يتمكن من فعله في الحال من قضاء الديون ونحو ذلك وأن يكون حسن الظن بالله تعالى راجيًا عفوه ومغفرته ورحمته وإحسانه. ويستحضر في ذهنه أنه حقير في مخلوقات الله تعالى وأن الله تعالى غني عن عذابه وعن طاعته وأنه عبده ولا يطلب العفو والإحسان والصفح والامتنان إلا منه جل وعلا وتقدس. ويستحب أن يكون متعاهدًا نفسه بقراءة آيات من القرآن العزيز في الرجاء وكذلك أحاديث الرجاء يقرؤها أو يجعل من يقرؤها عليه وأن يكون

стр. 302

خيره متزايدًا ويحافظ على الصلوات الخمس في أوقاتها. ويجتنب النجاسات ويحرص على التطهر ويصبر على مشقة ذلك وكذا باقي وظائف الدين يحرص على أدائها كاملة مكملة وليحذر من التساهل في ذلك فإنه أقبح القبائح أن يكون آخر عهده من الدنيا التي هي مزرعة الآخرة التفريط فيما وجب عليه أو ندب إليه. وليجتهد في ختم عمره بأكمل الأحوال ويستحب أن يوصي أهله وأصحابه بالصبر عليه في مرضه واحتمال عما يصدر منه ويوصيهم أيضًا بالصبر على مصيبتهم به ويوصيهم بالرفق بمن يخلفه من طفل وغلام وجارية ويوصيهم بالإحسان إلى أصدقائه ويعلمهم أن النبي ﷺ قال: «إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه» . وقد صح أن رسول الله ﷺ كان يكرم صواحبات خديجة ﵂ بعد وفاتها. ويوصيهم بتعاهده بالدعاء وفعل ما يقرب إلى الله وينوي الثواب له وذلك كالحج والصدقة والأضحية وطبع المصاحف والكتب الدينية المقوية للشريعة المحمدية والإعانة على بناء المساجد. وكالعين الجارية ونحو ذلك ويوصيهم بأن لا ينسوه بل يتعاهدوه بالدعاء له ولوالديه. ويتسحب أن يقول لهم في وقت بعد وقت متى رأيتم مني تقصيرًا في شيء انهوني عنه برفق ولطف لأن النفس تضعف في ذلك الوقت وأدوا إلي النصيحة في ذلك فإني معرض للغفلة والسهو والكسل والإهمال فإذا قصرت فنشطوني وعاونوني على التأهب لهذا السفر البعيد والتغرب المخيف. وإذا حضره النزع فليكثر من قول لا إله إلا الله لتكون آخر كلامه فيا

стр. 303

له من ختام ويا له من طابع، فعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» . ويستحضر أحاديث الرجاء مثل حديث أبي ذر قال أتيت النبي ﷺ وعليه ثوب أبيض وهو نائم ثم أتيته وقد استيقظ فقال «ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة قلت وإن زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق» الحديث متفق عليه. وحديث ابن عباس ﵄ أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا وزنوا وأكثروا فأتوا محمدًا ﷺ فقالوا إن الذي تدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] . الآيتين – ونزل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] الآية. ونحو هذه الآية والأحاديث التي سبقت. شعرًا: إِذَا أَتَى اللهُ يَومَ الحَشرِ في ظُلَلٍ … وَجِيءَ بِالأُمَمِ المَاضِينَ والرُّسُلِ وَحَاسَبَ الخَلْقَ مَنْ أَحْصَى بِقُدرَتِه … أَنْفَاسَهُم وتَوفَّاهُم إِلى أَجَلِ وَلَمْ أَجِدْ في كِتَابِي غَيْرَ سَيِّئَةٍ … تَسُوءني وَعَسَى الإِسْلامُ يَسْلَمُ لِي رَجَوتُ رَحْمَةَ رَبِّي وهي وَاسِعُةٌ … وَرَحْمَةُ اللهِ أَرْجَى لِي مِنَ العَمَلِ اللهم اجعل في قلوبنا نورًا نهتدي به إليك وتولنا بحسن رعايتك حتى نتوكل عليك وارزقنا حلاوة التذلل بين يديك فالعزيز من لاذ بعزك والسعيد من التجأ إلى حماك وجودك والذليل من لم تؤيده بعنايتك والشقي من رضي بالإعراض عن طاعتك اللهم نزه قلوبنا عن التعلق بمن دونك واجعلنا من قوم

стр. 304

تحبهم ويحبونك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ٤٠- "موعظة " عباد الله إن قوارع الأيام خاطبة، فهل أذن لعظاتها واعية، وإن فجائع الموت صائبة فهل نفس لأمر الآخرة مراعية، إن مطالع الآمال إلى المسارعة إلى الخيرات ساعية ألا فانظروا بثواقب الأبصار والبصائر في نواحي الجهات والأقطار فما ترون في حشودكم وجموعكم إلا الشتات ولا تسمعوا في ربوعكم إلا فلان مريض وفلان مات أين الآباء الأكابر أين العلماء العاملون بعلمهم الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم المناصحون لولاتهم وأمتهم الزاهدون في حطام الدنيا الفانية أين الكرماء الأفاضل الذين يغارون إذا انتهكت المحارم أين الهاجرون المصارمون للفاسق والفاجر أين المناصرون للقائم على أهل المعاصي والكبائر أين أهل الولاء والبراء المحبون في الله المبغضون لأعدائه. أين المنقون لمآكلهم وملابسهم ومساكنهم عن الحرام والمشتبه وهو ما كان القلب في الإقدام عليه والكف عنه حائر. أين الذين لا يسكنون إلا برضا صاحب الملك خوفًا من المخاطرة في صلاتهم وصيامهم ونكاحهم ومكثهم في الأملاك المسكونة قهرًا وغصبًا. أين المتفقدون للفقراء والمساكين الذين ليس لهم موارد. عثرت والله بهم العواثر وأبادتهم السنين الغوابر وبترت أعمارهم الحادثات البواتر واختطفهم عقبات كواسر. وخلت منهم المشاهد والمحاضر وعدمت من أجسادهم تلك الجواهر وطفئت من وجوههم الأنوار الزواهر

стр. 305

وابتلعتهم الحفر والمقابر إلى يوم تبلى السرائر فلو كشفت عنهم أغطية القبور بعد ليلتين أو ثلاث ليال لرأيت الأحداق على الخدود سائلة والأوصال بعضها عن بعض مائلة وديدان الأرض في نواعم تلك الأبدان جائلة والرءوس الموسدة على الأيمان زائلة ينكرها من كان عارفًا بها وينفر عنها من لم يزل آلفًا بها. فلا يعرف السيد من المسود ولا الملك من المملوك ولا الذكي من البليد ولا الغني من الفقير فرحم الله عبدًا بادر بالإقلاع عن السيئات وواصل الإسراع والمبادرة في الأعمال الصالحات قبل انقطاع مدد الأوقات وطي صحائف المستودعات ونشر فضائح الاقترافات والجنايات فلا تغتروا بحياة تقود إلى الممات فورب السماء والأرض إنما توعدون لأت فالبدار البدار قبل أن تتمنوا المهلة وهيهات. شعرًا: نَمْضِي عَلَى سُبُلٍ كَانُوا لَهَا سَلَكُوا … أَسْلافُنَا وَهُمْ لِلْدِّيْن قَدْ شَادُوْا لَنا بِهِمْ أُسْوَةٌ إِذْ هُمْ أَئِمَّتُنَا … وَنَحْنُ لِلْقَوْمِ أَبْنَاءٌ وَأَحْفَادُ وَالصَّبْرُ يَا نَفْسُ خَيْرٌ كَلُّهُ وَلَهُ … عَوَاقِبٌ كُلُّهَا نُجْح وَإِمْدَادُ فَاصْبِرْ هُدِيْتَ فَإنَّ المَوْتَ مُشْتَرَكٌ … بَينَ الأَنَامِ وإنْ طَاوَلْنَ آمَادُ وَالنَّاسُ في غَفَلاتٍ عَنْ مَصَارِعِهِمْ … كَأَنَهُمْ وَهُمْ الأَيْقَاظُ رُقَّادُ دُنْيا تَغُرُّ وَعَيْشٌ كُلُّهُ كَدَرٌ … لَوْلا النُّفُوسُ التِي لِلْوَهْمِ تَنْقَادُ كُنَّا عَدَدنَا لِهَذَا المَوْتِ عُدَّّّتَهُ … قَبْلَ الوَفَاةِ وَأَنْ تُحْفَرْنَ أَلْحَادُ فَالدَّارُ مِنْ بَعْدِ هَذِي الدَّارِ آخِرَةٌ … تَبْقَى دَوَامًا بِهَا حَشْرٌ وَمِيْعَادُ وَجَنَّةٌ أُزْلِفَتْ لِلْمُتَّقِيْنَ وَاَهْـ … ـلُ الحَقِّ وَالصَّبْرِ أَبْدَالٌ وَأَوْتَادُ فَاعْمَلْ لنَفْسُكَ مِنْ قَبْلِ المَمَاتِ وَلا … تَعْجَلْ وَتَكْسَلْ فَإِنَّ المَرْءَ جَهَّادُ لا يَنْفَعُ العَبْدَ إِلا مَا يُقَدِّمُهُ …

стр. 306

فَبَادِرِ الفَوْتَ وَاصْطَدْ قَبْلَ تَصْطَادُ وَالمَوْتُ لِلْمُؤْمِنِ الأَوَّابِ تُحْفَتُهُ … وَفِيْهِ كُلُّ الذِي يَبْغِي وَيَرْتَادُ اللهم يا عالم الخفيات ويا سامع الأصوات ويا باعث الأموات ويا مجيب الدعوات ويا قاضي الحاجات يا خالق الأرض والسموات أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد الوهاب الذي لا يبخل والحليم الذي لا يعجل لا راد لأمرك ولا معقب لحكمك نسألك أن تغفر ذنوبنا وتنور قلوبنا وتثبت محبتك في قلوبنا وتسكننا دار كرامتك إنك على كل شيء قدير وصلى على محمد وآله وصحبه أجمعين. ٤١- "موعظة " عباد الله لا شيء أغلى عليكم من أعماركم وأنتم تضيعونها فيما لا فائدة فيه. ولا عدو أعدى لكم من إبليس وأنتم تطيعونه، ولا أضر عليكم من موافقة النفس الأمارة بالسوء وأنتم تصادقونها، لقد مضى من أعماركم الأطايب، فما بقي بعد شيب الذوائب. يا حاضر الجسم والقلب غائب، اجتماع العيب مع الشيب من أعظم المصائب، يمضي زمن الصبا في لعب وسهو وغفلة، يا لها من مصائب، كفى زاجرًا واعظًا تشيب منه الذوائب، يا غافلاً فاته الأرباح وأفضل المناقب، أين البكاء والحزن والقلق لخوف العظيم الطالب أين الزمان الذي فرطت فيه ولم تخش العواقب، أين البكاء دما على أوقات قتلت عند التلفزيون والمذياع والكرة والسينماء والفيديو والخمر والدخان والملاعب واللعب بالورق والقيل والقال.

стр. 307

كم في يوم الحسرة والندامة من دمع ساكب على ذنوب قد حواها كتاب الكاتب، من لك يوم ينكشف عنك غطاؤك في موقف المحاسب، إذا قيل لك ما صنعت في كل واجب، كيف ترجو النجاة وأنت تلهو بأسر الملاعب، لقد ضيعتك الأماني بالظن الكاذب، أما علمت أن الموت صعب شديد المشارب، يلقي شره بكأس صدور الكتائب، وأنه لا مفر منه لهارب فانظر لنفسك واتق الله أن تبقى سليمًا من النوائب فقد بنيت كنسج العنكبوت بيتًا أين الذين علوا فوق السفن والمراكب أين الذين علوا على متون النجائب، هجمت عليهم المنايا فأصبحوا تحت النصائب وأنت في إثرهم عن قريب عاطب، فانظر وتفكر واعتبر وتدبر قبل هجوم من لا يمنع عنه حرس ولا باب ولا يفوته هرب هارب. اللهم اسلك بنا مسلك الصادقين الأبرار، وألحقنا بعبادك المصطفين الأخيار، وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. اللهم أحي قلوبًا أماتها البعد عن بابك، ولا تعذبنا بأليم عقابك يا أكرم من سمح بالنوال وجاد بالإفضال، اللهم أيقظنا من غفلتنا بلطفك وإحسانك، وتجاوز عن جرائمنا بعفوك وغفرانك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ٤٢- "موعظة " عباد الله لما كان الإنسان مكلفًا بالسعي والعمل لطلب الرزق من وجوهه المشروعة كان حقًا عليه أن يصون نفسه عن مسألة الناس. وأن لا يمد يده لسؤالهم ولا يتقدم إليه لطلب حطام الدنيا إلا عند

стр. 308

الضرورة أو الحاجة الشديدة لأنه إذا قعد عن العمل ولزم البطالة والكسل ونظر لما في أيدي الناس من أوساخهم ساءت حاله، وضاعت آماله، وضعف توكله، وضاق عيشه، وانحطت نفسه، واعتاد السؤال الذي لا ينفك عن ثلاثة أمور محرمة: الأول: إظهار الشكوى من الله تعالى، إذ السؤال إظهار للفقر وذكر لقصور نعمة الله عنه، وهو عين الشكوى، وكما أن العبد المملوك لو جعل يسأل وأنه ما يجد شيئًا لكان سؤاله تشنيعًا على سيده ولا يرضى بذلك ولله المثل الأعلى. ولا سيما إذا أتى إلى بيت الله يسأله من فضله، ثم قام من حين ما يسلم الإمام وجعل يشرح حاله وفقره وأوقف الناس عن تهليلهم، وتسبيحهم، وتكبيرهم، والمساجد لم تبن إلا لذكر الله، والصلاة فيها وقراءة القرآن. وهذا المنكر قل من ينتبه له. الأمر الثاني: أن في سؤال الناس إذلال لنفس السائل، وليس للإنسان أن يذل نفسه ويخضعها إلا لله، الذي في إذلالها عزه، فأما سائر الخلق فإنهم عباد أمثاله فلا يذل لهم نفسه. ثالثًا: أن فيه ظلم لنفسه إلا عند الضرورة أو الحاجة الشديدة وفيه أيضًا إيذاء للمسئول خصوصًا إذا كان مع إلحاح، والإيذاء حرام، فأي عاقل يرضى لنفسه بهذه الحالة التعسة، بل كيف يرضى أن يكون عضوًا أشلاً في الهيئة الاجتماعية لا يقام له وزن ولا تقام له قيمة. وقد أثنى الله على الذين لا يسألون الناس إلحافًا وقال ﷺ : «ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق

стр. 309

عليه ولا يقوم فيسأل الناس» . ففي زمننا الذي اختلط فيه الحابل بالنابل وصار عندهم الحلال ما وصل إلى اليد وذهب عنهم الورع والابتعاد عن الشبهات، على الإنسان أن يبذل جهده ويتثبت ولا يبذل زكاته إلى كل من مد يده، بل يسأل بدقة، ويتحقق من الأوراق التي تعرض عليه، التي صارت تصور وتباع وتشترى. وربما حصل المتسول على أضعاف ما فيها ولو أن هؤلاء المتسولين الشحاذين استعملوا في طريق منتج من تجارة أو غيرها ما يصل إلى أيديهم من الصدقات لما بقي في الأمة منهم متسول، ولكن هؤلاء قوم ألفوا هذا العيش وركنوا إليه لا يدفعهم إليه فقر ولا يردهم عنه غنى، وكم ممن اكتشف فصار عنده ثروة، وهذا سببه عدم التثبت وإجراء العادات بدون سؤال هل اغتنى أم لا؟ وقد بين ﷺ من يحل له السؤال وذلك فيما ورد عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال تحملت حمالة فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: «أقم حتى تأتينا الصدقة فآمر لك بها، ثم قال يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، أو رجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش أو قال سدادًا من عيش» . ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه يقولون لقد أصابت فلانًا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش أو قال سدادًا من عيش –فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتًا. رواه مسلم. وقد ذكرنا الأحاديث التي تتضمن التغليظ الشديد في السؤال من غير ضرورة وذلك في موضوع "من تحل له الصدقة".

стр. 310

شعرًا: غَفَلْتُ وَحَادِيْ المَوتِ فِي أَثَرِيْ يَحْدُو … فَإِنْ لَمْ أَرُُُُحْ يَوْمِيْ فَلا بُدَّ أَنْ أَغْدُ أَنَعِّمُ جِسْمِيْ بِاللَّبَاسِ وَلِيْنِهِ … وَلَيْسَ لِجِسْمِيْ مِنْ لِبَاسِ البِلَى بُدُّ كَأَنِّيْ بِهِ قَدْ مَرَّ في بَرْزخِ البِلَى … وَمِِنْ فَوْقِهِ رَدْمٌ وَمِنْ تَحْتِهِ لَحْدُ وَقَدْ ذَهَبَتْ مِنِّيْ المَحَاسِنُ وَانْمَحَتْ … وَلَمْ يَبْقَ فَوْقَ العَظْمِ لَحْمٌ وَلا جِلْدُ أَرى العُمْرَ قَدْ وَلَّى وَلَمْ أَدْرِك المُنَى … وَلَيْسَ مَعِيْ زَادٌ وَفي سَفَرِيْ بُعْدُ وَقَدْ كُنْتُ جَاهَرْتُ المُهَيْمِنَ عَاصِيًا … وَأَحْدَثْتُ أَحْدَاثًا وَلَيْسَ لَهَا رَدُّ وَأَرْخَيْتُ خَوْفَ النَّاسِ سِتْرًا مِنْ الحَيَا … وَمَا خِفْتُ مَنْ سِرّيْ غَدًا عِنْدَهُ يَبْدُو بَلَى خِفْتُهُ لَكِنْ وَثِقْتُ بِحِلْمِه … وَأَنْ لَيْسَ يَعْفُو غَيْرُهُ فَلَهُ الحَمْدُ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ شَيءٌ سِوَى المَوْتِ والبلى … عَن اللَّهْوِ لَكِنْ زَالَ عَنْ رَأْيِنَا الرُّشْدُ عَسَى غَافِرُ الزَّلاتِ يَغْفِرُ زَلَّتِي … فَقَدْ يَغْفِرُ المَوْلَى إِذَا أَذْنَبَ العَبْدُ أَنَا عَبْدُ سُوْءٍ خُنْتُ مَوْلاي عَهْدَهُ … كَذَلِكَ عَبْدُ السُّوءِ لَيْسَ لَهُ عَهْدُ فَكَيْفَ إِذَا أَحْرَقْتَ بِالنَّارِ جُثَّتِي … وَنَارُكَ لا يَقْوَى لَهَا الحَجَرُ الصَّلْدُ أَنَا الفََرْدُ عِنْدَ المَوْتِ وَالفَرْدُ في البِلَى … وَأَبَعَثُ فَرْدًا فَارْحَمْ الفَرْدَ يَا فَرْدُ اللهم افتح لدعائنا باب القبول والإجابة وارزقنا الإقبال على طاعتك والإنابة وبارك في أعمالنا وأعمارنا وأجزل لنا الأجر والإثابة وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 311

٤٣- (موعظة) عباد الله، اقتربت الساعة وقرب التحول والمسير، وأزفت الآزفة وليس هناك حميم ولا نصير وكتبت الصحيفة فلا نسيان لقليل ولا كثير ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥] . تالله لقد غرت الأماني أكثر خلق الله فتركوا سبيل الهدى وأعرضوا عن دار التهاني والقرار فوقعوا في شرك الردى وتمادوا على التواني وظنوا أن يتركوا سدى ونسوا قوله تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣] . وقوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣] ، وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] . عباد الله كيف حالكم إذا قمتم من القبور حيارى حفاة عراة غرلاً، وقد عظمت الأهوال ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى﴾ [الحج: ٢] . ولزمت الصحف الأعناق ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين. كيف أنتم إذا سمعتم قول الجبار ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٨] ، ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] . وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [يس: ٦٠] . فعند ذلك يؤخذ المجرمون بالنواصي والأقدام، ويطرح في الجحيم من كان له على المعاصي جراءة وإقدام. ويمرح بالنعيم من قدم الخيرات لدار السلام وعمل الباقيات الصالحات

стр. 312

ويحظى بجنة عرضها كعرض السماء والأرض فاتقوا الله عباد الله واسلكوا طريق الشرع القويم الذي لا اعوجاج فيه وقوموا بأوامر المنان ولا تتبعوا خطوات الشيطان. واحذروا أن تكونوا ممن غرتهم الحياة الدنيا بزخارفها الزائلة وزينتها العاطلة وأولئك هم الذين تنقص الأيام والليالي آجالهم وهم لاهون وتجري بهم الأعوام إلى مراقد قبورهم وهم نائمون وتتخطفهم المنايا وهم لاعبون وتناديهم العبر والمواعظ وهم لا يسمعون ولا يبصرون ويرون ما وقع بالأمم من قبلهم وما نزل بآبائهم ولكن لا يفقهون والله أعلم بمآلهم وما إليه صائرون، إذا هم وصلوا إلى الغاية المفهومة من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦] . شعرًا: يَا غَافِلاً عَمَّا خُلِقْتَ لَهُ انْتَبِهْ … جَدَّ الرَّحِيْلُ وَلَسْتَ بِاليَقْظَانِ سَارَ الرَّفَاقُ وَخَلّفُوكَ مَعَ الأَوُلَى … قَنِعُوا بِذَا الحَظِّ الخَسِيْسِ الفَانِ وَرَأَيْتَ أَكْثَرَ مَنْ تَرَى مُتَخَلِّّفًا … فَتَبِعْتَهُم وَرَضِيْتَ بِالحِرْمَانِ لَكِنْ أَتَيْتَ بِخُطَّتَي عَجْزٍ وَجَهْـ … ـلٍ بَعْدَ ذَا وَصَحِبْتَ كُلَّ أَمَانِ مَنَّتْكَ نَفْسُكَ بِاللَّحَاقِ مَعَ القُعُو … دِ عَن المَسِيْر وَرَاحَةِ الأَبْدَانِ وَلَسَوفَ تَعْلَمُ حِيْنَ يَنكِشفُ الغِطَا … مَاذَا صَنَعْتَ وَكُنْتَ ذَا إِمْكَانِ اللهم أيقظنا من غفلتنا بفضلك وإحسانك وتجاوز عن جرائمنا بعفوك وغفرانك وألحقنا بالذين أنعمت عليهم في دار رضوانك وارزقنا كما رزقتهم من لذيذ مناجاتك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 313

٤٤- "موعظة " عباد الله إن كنتم في سعة من العيش فاحمدوا الله تعالى أن جعلكم من أهل الإيسار وأديموا شكره يدم عليكم النعمة ويزدها، وهو الكريم الجواد. ومن تمام النعمة أن تنسخوا من الزكاة بإخراجها كاملة إلى ذوي الحاجات لعلكم أن تفوزوا بالخلف والثواب الجزيل من فاطر الأرض والسموات، أحسنوا إلى عباد الله كما أحسن الله إليكم وراعوا عند الإحسان الأدب فلا تمنوا على الفقير ولا تؤذوه فإن ذلك محبط للأعمال واستروا عطاءكم مخلصين متيقنيين أن حاجتكم إلى الثواب وتكفير الذنوب أشد من حاجة الفقير إلى ما تخرجون. واعلموا أن إحسانكم إنما هو لأنفسكم واعصوا الشيطان فإنه يأمر بالبخل وينهى عن العطف على المساكين، يخيفكم إن تصدقتم أن يذهب مالكم وأنتم تعلمون أن نصيحة العدو مهلكة، وقد أخبر الله جل وعلا أن الشيطان للإنسان عدو مبين، وأخبر ﷺ أنه ما من يوم يصبح العباد إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقًا خلفًا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكًا تلفًا. رواه البخاري ومسلم. اللهم اعصمنا عن المخالفة والعصيان وألهمنا ذكرك وشكرك يا كريم يا منان اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ٤٥- "موعظة " عباد الله إن وجود الموت بين الناس موعظة كبرى لو كانوا يعقلون فإنه بلسان الحال يقول لكل واحد منا: سأنزل بك يومًا أو ليلة كما ترى

стр. 314

الناس بعينك يموتون وقد يكون لأحدهم من المال والجاه والقوة والجمال والعلم والفصاحة والمركز الدنيوي ما يدهش الناظرين له، وقد يكون قد طال عمره وطال أمله حتى مل ومل منه. وبين ما هو في حال من النشاط قوي مشدود أسره، ذو همة تضيق بها الدنيا، قد أقبلت عليه الدنيا من كل جهة، وزهت له، إذا تراه جثة هامدة أشبه بأعجاز النخل الخاوية لا حس له ولا حركة ولا أقوال ولا أفعال قد ضيق على من حوله وإذا لم يسرعوا به إلى الدفن يكون جيفة من الجيف تؤذي رائحتها الكريهة كل من قرب منها، هذا كله يكون بعد ذلك النشاط والقوى لأن هادم اللذات نزل به. وبعد نزوله لا تسأل كان له ما كان، وفي الحال تصبح زوجته أرملة ويصبح أولاده أيتامًا. وفي الحال تقسم أمواله التي جمعها وقاسى على جمعها الشدائد. لأن الموت يزيل ملكه وينقله إلى ملك ورثته نقلاً تعجز عن نقضه الأيام، نعم إنه بالموت يزول ماله كله وهي أكبر مصيبة مالية. وأكبر منها أنه يسأل عنه كله داخلاً وخارجًا من حلال أم من حرام وبعد مدة يسيرة ينسى هو وينسى ماله وينسى جاهه وينسى مركزه ومكانته ولو كان ملكًا أو وزيرًا وما كأنه رأته العيون ولا سمعت كلامه الأذان. اللهم إنا نسألك التوبة ودوامها، ونعوذ بك من المعصية وأسبابها، اللهم أفض علينا من بحر كرمك وعونك حتى نخرج من الدنيا على السلامة من وبالها وارأف بنا رأفة الحبيب بحبيبه عند الشدائد ونزولها، وارحمنا من هموم الدنيا وغمومها بالروح والريحان إلى الجنة ونعيمها، ومتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم في جنات النعيم: مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 315

٤٦- "موعظة " عباد الله إن القلوب إذا قست واستولى عليها حب الدنيا دواؤها النافع بإذن الله ذكر الله جل وعلا وتلاوة كتابه العزيز وزيارة المقابر لترى فيها بعينك ما صار إليه الأكابر والأصاغر ترى فيها الملوك والوزراء والوجهاء والجبابرة والظلمة والمتكبرين والفسقة صرعى في ضيق تلك الحفائر وقد كانت الدنيا على سعتها تضيق عما لهم من آمال وأماني. وترى هناك أحباء الله وأولياءه وعباده الصالحين الكل حكم عليه العزيز الحكيم القهار بالموت فلبوا طائعين أو مكرهين وأصبح الكل منفردًا لا أنيس له إلا ما قدمه من الأعمال فالمطيع لله الذي امتثل ما أمر الله به وانتهى عما نهى الله عنه في روضة من رياض الجنة وعنده عمله الصالح. وأما الآخر فلو أنطقه الله لقال لك كلامًا تقطع له القلوب حسرات يقول إن الحكم العدل جازاني بما استحق وإني بعذاب لا تحتمله الجبال الراسيات وإني مستحق لذلك لأني اغتررت بالدنيا وزخارفها فلم أعبأ بأوامر ربي ولا نواهيه واقتحمت الموبقات لذا صرت إلى ما لو رأيته لصعقت وذهلت وغشي عليك، وملئت رعبًا واشتعل شعرك شيبًا ولم تنتفع بعد قوله بأكل وشرب ورأيت أحداقًا على الخدود سائلة، ورأيت أعظمًا غير متماسكة وأوصالاً متقطعة ورأيت جماجمًا قد علاها الدود والخشاش كأنها الأنابيب ورأيت ما كان مجتمعًا متفرقًا رميمًا ورأيت الصديد والقيح يجري فيا له من منظر ما أفزعه ويا له من سفر ما أطوله. والعجب ممن يزور القبور ويسمع ذلك ويصدق به ويأكل ويشرب وينام مطمئنًا ما كأنه سيساكنهم عن قريب، ماتت القلوب فأصبحت لا

стр. 316

تنتفع بالوعظ والتذكير ولا بزاجر الموت وهو أبلغ زاجر للأحياء فزر يا أخي القبور معتبرًا وانتبه من هذه الغفلة فالموت مهما مد في عمرك لا بد أن يأتيك فكن منه على حذر فإنه لا يؤمن أن يفجأك وأنت سارح في أوديه الدنيا. وما أكثر موت الفجأة في زمننا بواسطة السيارات والقز والكهرباء والطائرات ونحو ذلك. اللهم إنا نسألك التوبة ودوامها، ونعوذ بك من المعصية وأسبابها، اللهم أفض علينا من بحر كرمك وعونك حتى نخرج من الدنيا على السلامة من وبالها وارأف بنا رأفة الحبيب بحبيبه عند الشدائد ونزولها، وارحمنا من هموم الدنيا وغمومها بالروح والريحان إلى الجنة ونعيمها، ومتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم في جنات النعيم: مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ٤٧- "موعظة " أيها الغافل راقب من يراك في كل حال، وطهر سرك فهو عليم بما يخطر بالبال، إلى متى تميل مع الزخارف وإلى كم ترغب لسماع الملاهي والمعازف والمحرمات أما آن لك أن تجالس صاحب الدين والصلاح العاكف على عمله يقطع ليله بالقيام حتى الصباح ونهاره بالصيام لا يمل ولا يتوانى رجاء الفوز بالأرباح وأنت في غمرة هواك مفتونًا في الانهماك بدنياك وكأني بك وقد هجم عليك ما بدد شملك وأوهن قواك وافترسك من بين أهلك وعشيرتك وأخلائك وتخلى عنك خليلك وأصدقاؤك لا يستطيعون رد ما نزل بك ولا

стр. 317

تجد له كاشفًا فانتبه ما دام جسمك صحيحًا والعمل منك في إمكان. وَاذْكُرْ وقُوفَكَ في المَعَادِ وَأَنْتَ في … كَرْب الحِسَابِ وَأَنْتَ عَبْدًا مُفْْرَدًا سَوَّفْتَ حَتَّى ضَاعَ عُمْرُكَ بَاطِلاً … وَأَطَعْتَ شَيْطَانَ الغِوَايَةِ وَالعِدَا فَانْهَضْ وَتُبْ مِمَّا جَنَيْتَ وَقُمْ إلى … بَابِ الكَرِيْمِ وَلُذْ بِهِ مَتَفَرِّدًا وَادْعُوهُ في الأَسْحَارِ دَعْوَةَ مُذْنِبٍ … وَاعْزِمْ وَتُبْ وَاحْذَرْ تَكُنْ مُتَرَددًا وَاضْرَعْ وَقُلْ يَا رَبِّ جِئْتُكَ أَرْتجي … عَفْوًا وَمَغْفِرَةً بِهَا كَيْ أَسْعَدَا فَلَعَلَّ رَحْمَتَهُ تعُم فإِنَّهَا … تَسَعُ العِبَادَ وَمَنْ بَغَى وَمَن اعْتَدى وإِِذَا أَرَدْتَ بَأَنْ تَفُوزَ وَتَتَّقِي … نَارَ الجَحِيمِ وَحَرَّهَا المُتَوَقِدَا أَخْلِصْ لِمَنْ خَلَقَ الخَلائِقَ واعْتَلى … فَوْقَ السمواتِ العُلَى وَتَفَرِّدَا ثُمَّ الصَّلاة على النبيِّ مُحَمَّدٍ … خَيْرِ الوَرَى نَسَبًا وَأَكْرَمَ مَحْتَدًا ٤٨- "موعظة " عباد الله، إن بين أيديكم يوم لا شك فيه ولا مراء، يقع فيه الفراق وتنفصم فيه العرى، فتدبروا أمركم، قبل أن تحضروا، وانظروا لأنفسكم نظر من قد فهم ودرى، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً﴾ [آل عمران: ٣٠] . يا له من يوم يشيب فيه الولدان، وتسير فيه الجبال، وتظهر فيه الخفايا، وتنطق فيه الأعضاء، شاهدة بالأعمال، فانتبه يا من قد وهي شبابه، وامتلأ بالأوزار كتابه، عباد الله، أما بلغكم أن النار للكفار والعصاة أعدت، إنها لتحرق كل ما يلقى فيها، قال الله تعالى: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] . وقال ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣] .

стр. 318

عباد الله، أما بلغكم أن طعام أهلها الزقوم، وشرابهم الحميم، قال ﷺ : «لو أن قطرة من الزقوم قطرت في الأرض لأمرت على أهل الدنيا معيشتهم» . فكيف بمن هو طعامه، لا طعام له غيره، قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:: ٤٦] . أخرج الطبراني وابن أبي حاتم من طريق منصور بن عمار حدثنا بشير بن طلحة عن خالد بن الدريك عن يعلى بن منية رفع الحديث إلى النبي ﷺ قال "ينشء الله لأهل النار سحابة سوداء مظلمة، فيقال يا أهل النار أي شيء تطلبون، فيذكرون بها سحابة الدنيا، فيقولون يا ربنا الشراب، فتمطر أغلالاً تزيد في أغلالهم، وسلاسل تزيد في سلاسلهم، وجمرًا يلتهب عليهم". اللهم توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ٤٩- "موعظة " ابن آدم كأنك بالموت وقد فجأك وألحقك بمن قد سبقك من الأمم ونقلك من الفلل والعمائر إلى بيت الوحدة والوحشة والظلم ومن ذلك إلى عسكر الموتى مخيمة بين الخيم مفرقًا من مالك ما اجتمع ومن شملك ما انتظم وليس لك قدرة فتدفعه بكثرة الأموال ولا بقوة الخدم وندمت على التفريط ولات ساعة ندم. فيا عجبًا لعين تنام وطالبها مجد في طلبها لم ينم، متى تحذر مما توعد وتهدد، ومتى تضرم نار الخوف في قلبك وتتوقد إلى متى حسناتك تضمحل وسيئاتك تتجدد، وإلى متى لا يهو لك زجر الواعظ وإن شدد وإلى متى وأنت

стр. 319

بين الفتور والتواني تردد متى تحذر يومًا تنطق فيه الجلود وتشهد ومتى تقبل على ما يبقى وتترك ما يفنى وينفد. متى تهب بك في بحر الوجد ريح الخوف والرجا متى تكون في الليل قائمًا إذا سجى أين الذين عاملوا مولاهم بالإخلاص وانفردوا وقاموا في الدجى فركعوا وسجدوا وقدموا إلى بابه في الأسحار ووفدوا وصاموا هواجر النهار فصبروا واجتهدوا، لقد ساروا وتخلفت وفاتك ما وجدوا وبقيت في أعقابهم وإن لم تسرع وتجتهد بعدوا. فتنبه وتيقظ يا مسكين قبل أن يفاجئك هادم اللذات فلا تقدر على استدراك لما فات، قال الله جل وعلا: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١١] . اللهم وفقنا لصالح الأعمال ونجنا من جميع الأهوال وأمنا من الفزع والرجف والزلزال، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. فائدة عظيمة النفع وقال ﵀ ليس في الوجود شر إلا الذنوب وموجباتها وكونها ذنوبًا تأتي من نفس العبد فإن سبب الذنب الظلم والجهل وهما من نفس العبد كما أن سبب الخير الحمد والعلم والحكمة والغنى. وهي أمور ذاتية للرب وذات الرب سبحانه، مستلزمة للحكمة والخير والجود.

стр. 320

وذات العبد مستلزمة للجهل والظلم وما فيه من العلم والعدل فإنما حصل له بفضل الله عليه وهو أمر خارج عن نفسه. فمن أراد الله به خيرًا أعطاه هذا الفضل فصدر منه الإحسان والبر والطاعة. ومن أراد به شرًا أمسكه عنه وخلاه، ودواعي نفسه وطبعه وموجبها فصدر منه موجب الجهل والظلم من كل شر وقبيح. وليس منعه لذلك ظلمًا منه سبحانه فإنه فضله وليس من منع فضله ظالمًا لا سيما إذا منعه عن محل لا يستحقه ولا يليق به. وأيضًا فإن هذا الفضل هو توفيقه وإرادته من نفسه أن يلطف بعبده ويوفقه ويعينه ولا يخلي بينه وبين نفسه وهذا محض فعله وفضله. وهو سبحانه أعلم بالمحل الذي يصلح لهذا الفضل ويليق به ويثمر به ويزكو. وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ اهؤُلاء مَنَّ اللهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] . فأخبر سبحانه أنه أعلم بمن يعرف قدر هذه النعمة ويشكره عليها فإن أصل الشكر هو الاعتراف بانعام المنعم على وجه الخضوع والذل والمحبة. فمن لم يعرف النعمة. بل كان جاهلاً بها لم يشكرها. ومن عرفها ولم يعرف المنعم بها لم يشكرها أيضًا ومن عرف النعمة والمنعم لكن جحدها كما يجحد المنكر لنعمة المنعم عليه بها فقد كفرها. ومن عرف النعمة والمنعم وأقر بها ولم يجحدها ولكن لم يخضع له ويحبه ويرضى به وعنه لم يشكرها أيضًا. ومن عرفها وعرف المنعم بها وخضع للمنعم بها وأحبه ورضي به وعنه
следующие страницы →