Полный текст (1 102 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
تنتفع بالوعظ والتذكير ولا بزاجر الموت وهو أبلغ زاجر للأحياء فزر يا أخي القبور معتبرًا وانتبه من هذه الغفلة فالموت مهما مد في عمرك لا بد أن يأتيك فكن منه على حذر فإنه لا يؤمن أن يفجأك وأنت سارح في أوديه الدنيا. وما أكثر موت الفجأة في زمننا بواسطة السيارات والقز والكهرباء والطائرات ونحو ذلك.
اللهم إنا نسألك التوبة ودوامها، ونعوذ بك من المعصية وأسبابها، اللهم أفض علينا من بحر كرمك وعونك حتى نخرج من الدنيا على السلامة من وبالها وارأف بنا رأفة الحبيب بحبيبه عند الشدائد ونزولها، وارحمنا من هموم الدنيا وغمومها بالروح والريحان إلى الجنة ونعيمها، ومتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم في جنات النعيم: مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
٤٧- "موعظة "
أيها الغافل راقب من يراك في كل حال، وطهر سرك فهو عليم بما يخطر بالبال، إلى متى تميل مع الزخارف وإلى كم ترغب لسماع الملاهي والمعازف والمحرمات أما آن لك أن تجالس صاحب الدين والصلاح العاكف على عمله يقطع ليله بالقيام حتى الصباح ونهاره بالصيام لا يمل ولا يتوانى رجاء الفوز بالأرباح وأنت في غمرة هواك مفتونًا في الانهماك بدنياك وكأني بك وقد هجم عليك ما بدد شملك وأوهن قواك وافترسك من بين أهلك وعشيرتك وأخلائك وتخلى عنك خليلك وأصدقاؤك لا يستطيعون رد ما نزل بك ولا
стр. 317
تجد له كاشفًا فانتبه ما دام جسمك صحيحًا والعمل منك في إمكان.
وَاذْكُرْ وقُوفَكَ في المَعَادِ وَأَنْتَ في … كَرْب الحِسَابِ وَأَنْتَ عَبْدًا مُفْْرَدًا
سَوَّفْتَ حَتَّى ضَاعَ عُمْرُكَ بَاطِلاً … وَأَطَعْتَ شَيْطَانَ الغِوَايَةِ وَالعِدَا
فَانْهَضْ وَتُبْ مِمَّا جَنَيْتَ وَقُمْ إلى … بَابِ الكَرِيْمِ وَلُذْ بِهِ مَتَفَرِّدًا
وَادْعُوهُ في الأَسْحَارِ دَعْوَةَ مُذْنِبٍ … وَاعْزِمْ وَتُبْ وَاحْذَرْ تَكُنْ مُتَرَددًا
وَاضْرَعْ وَقُلْ يَا رَبِّ جِئْتُكَ أَرْتجي … عَفْوًا وَمَغْفِرَةً بِهَا كَيْ أَسْعَدَا
فَلَعَلَّ رَحْمَتَهُ تعُم فإِنَّهَا … تَسَعُ العِبَادَ وَمَنْ بَغَى وَمَن اعْتَدى
وإِِذَا أَرَدْتَ بَأَنْ تَفُوزَ وَتَتَّقِي … نَارَ الجَحِيمِ وَحَرَّهَا المُتَوَقِدَا
أَخْلِصْ لِمَنْ خَلَقَ الخَلائِقَ واعْتَلى … فَوْقَ السمواتِ العُلَى وَتَفَرِّدَا
ثُمَّ الصَّلاة على النبيِّ مُحَمَّدٍ … خَيْرِ الوَرَى نَسَبًا وَأَكْرَمَ مَحْتَدًا
٤٨- "موعظة "
عباد الله، إن بين أيديكم يوم لا شك فيه ولا مراء، يقع فيه الفراق وتنفصم فيه العرى، فتدبروا أمركم، قبل أن تحضروا، وانظروا لأنفسكم نظر من قد فهم ودرى، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً﴾ [آل عمران: ٣٠] . يا له من يوم يشيب فيه الولدان، وتسير فيه الجبال، وتظهر فيه الخفايا، وتنطق فيه الأعضاء، شاهدة بالأعمال، فانتبه يا من قد وهي شبابه، وامتلأ بالأوزار كتابه، عباد الله، أما بلغكم أن النار للكفار والعصاة أعدت، إنها لتحرق كل ما يلقى فيها، قال الله تعالى: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] . وقال ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣] .
стр. 318
عباد الله، أما بلغكم أن طعام أهلها الزقوم، وشرابهم الحميم، قال ﷺ : «لو أن قطرة من الزقوم قطرت في الأرض لأمرت على أهل الدنيا معيشتهم» . فكيف بمن هو طعامه، لا طعام له غيره، قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:: ٤٦] .
أخرج الطبراني وابن أبي حاتم من طريق منصور بن عمار حدثنا بشير بن طلحة عن خالد بن الدريك عن يعلى بن منية رفع الحديث إلى النبي ﷺ قال "ينشء الله لأهل النار سحابة سوداء مظلمة، فيقال يا أهل النار أي شيء تطلبون، فيذكرون بها سحابة الدنيا، فيقولون يا ربنا الشراب، فتمطر أغلالاً تزيد في أغلالهم، وسلاسل تزيد في سلاسلهم، وجمرًا يلتهب عليهم".
اللهم توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
٤٩- "موعظة "
ابن آدم كأنك بالموت وقد فجأك وألحقك بمن قد سبقك من الأمم ونقلك من الفلل والعمائر إلى بيت الوحدة والوحشة والظلم ومن ذلك إلى عسكر الموتى مخيمة بين الخيم مفرقًا من مالك ما اجتمع ومن شملك ما انتظم وليس لك قدرة فتدفعه بكثرة الأموال ولا بقوة الخدم وندمت على التفريط ولات ساعة ندم.
فيا عجبًا لعين تنام وطالبها مجد في طلبها لم ينم، متى تحذر مما توعد وتهدد، ومتى تضرم نار الخوف في قلبك وتتوقد إلى متى حسناتك تضمحل وسيئاتك تتجدد، وإلى متى لا يهو لك زجر الواعظ وإن شدد وإلى متى وأنت
стр. 319
بين الفتور والتواني تردد متى تحذر يومًا تنطق فيه الجلود وتشهد ومتى تقبل على ما يبقى وتترك ما يفنى وينفد.
متى تهب بك في بحر الوجد ريح الخوف والرجا متى تكون في الليل قائمًا إذا سجى أين الذين عاملوا مولاهم بالإخلاص وانفردوا وقاموا في الدجى فركعوا وسجدوا وقدموا إلى بابه في الأسحار ووفدوا وصاموا هواجر النهار فصبروا واجتهدوا، لقد ساروا وتخلفت وفاتك ما وجدوا وبقيت في أعقابهم وإن لم تسرع وتجتهد بعدوا.
فتنبه وتيقظ يا مسكين قبل أن يفاجئك هادم اللذات فلا تقدر على استدراك لما فات، قال الله جل وعلا: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١١] .
اللهم وفقنا لصالح الأعمال ونجنا من جميع الأهوال وأمنا من الفزع والرجف والزلزال، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فائدة عظيمة النفع
وقال ﵀ ليس في الوجود شر إلا الذنوب وموجباتها وكونها ذنوبًا تأتي من نفس العبد فإن سبب الذنب الظلم والجهل وهما من نفس العبد كما أن سبب الخير الحمد والعلم والحكمة والغنى.
وهي أمور ذاتية للرب وذات الرب سبحانه، مستلزمة للحكمة والخير والجود.
стр. 320
وذات العبد مستلزمة للجهل والظلم وما فيه من العلم والعدل فإنما حصل له بفضل الله عليه وهو أمر خارج عن نفسه.
فمن أراد الله به خيرًا أعطاه هذا الفضل فصدر منه الإحسان والبر والطاعة.
ومن أراد به شرًا أمسكه عنه وخلاه، ودواعي نفسه وطبعه وموجبها فصدر منه موجب الجهل والظلم من كل شر وقبيح.
وليس منعه لذلك ظلمًا منه سبحانه فإنه فضله وليس من منع فضله ظالمًا لا سيما إذا منعه عن محل لا يستحقه ولا يليق به.
وأيضًا فإن هذا الفضل هو توفيقه وإرادته من نفسه أن يلطف بعبده ويوفقه ويعينه ولا يخلي بينه وبين نفسه وهذا محض فعله وفضله.
وهو سبحانه أعلم بالمحل الذي يصلح لهذا الفضل ويليق به ويثمر به ويزكو. وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ اهؤُلاء مَنَّ اللهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] .
فأخبر سبحانه أنه أعلم بمن يعرف قدر هذه النعمة ويشكره عليها فإن أصل الشكر هو الاعتراف بانعام المنعم على وجه الخضوع والذل والمحبة. فمن لم يعرف النعمة. بل كان جاهلاً بها لم يشكرها.
ومن عرفها ولم يعرف المنعم بها لم يشكرها أيضًا ومن عرف النعمة والمنعم لكن جحدها كما يجحد المنكر لنعمة المنعم عليه بها فقد كفرها.
ومن عرف النعمة والمنعم وأقر بها ولم يجحدها ولكن لم يخضع له ويحبه ويرضى به وعنه لم يشكرها أيضًا.
ومن عرفها وعرف المنعم بها وخضع للمنعم بها وأحبه ورضي به وعنه
стр. 321
واستعملها في محابة وطاعته فهذا هو الشكر لها.
فلا بد في الشكر من علم القلب وعمل يتبع العلم وهو الميل إلى المنعم ومحبته والخضوع له.
كما في صحيح البخاري عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : «سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أَنْتَ ربي لا إله إلا أَنْتَ خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، من قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من يومه دخل الجنة ومن قالها إذا أمسى موقنًا بها فمات من ليلته دخل الجنة» .
فقوله: "أبوء لك بنعمتك علي" يتضمن الإقرار والإنابة إلى الله بعبوديته. فالعبد يبوء إلى الله بنعمته عليه ويبوء بذنبه ويرجع إليه بالاعتراف بهذا وبهذا رجوع مطمئن إلى ربه منيب إليه ليس رجوع من أقبل عليه ثم أعرض عنه.
فهو معبوده وهو مستعانه لا صلاح له إلا بعبادته ولا يمكن أن يعبده إلا بإعانته.
ومن المعلوم أن أجل نعمة على عبده نعمه الإيمان به ومعرفته ومحبته وطاعته والرضا به والإنابة إليه والتوكل عليه والتزام عبوديته.
ومن المعلوم أيضًا أن الأرواح منها الخبيث الذي لا أخبث منه ومنها الطيب. وبين ذلك وكذلك القلوب منها القلب الشريف الزكي والقلب الخسيس الخبيث.
وهو أعلم بالقلوب الزاكية والأرواح الطيبة التي تصلح لاستقرار هذه النعم وإيداعها عندها ويزكو بذرها فيها فيكون تخصيصه لها بهذه النعمة
стр. 322
كتخصيص الأرض الطيبة القابلة للبذر بالبذر.
فليس من الحكمة أن يبذر البذر في الصخور والرمال والسباخ وفاعل ذلك غير حكيم فما الظن ببذر الإيمان والقرآن والحكمة ونور المعرفة والبصيرة في المحال التي هي أخبث المحال فالله أعلم حيث يجعل رسالته أصلاً وميراثًا.
فهو أعلم بمن يصلح لتحمل رسالته فيؤديها إلى عباده بالأمانة والنصيحة وتعظيم المرسل والقيام بحقه والصبر على أوامره والشكر لنعمه والتقرب إليه. ومن لا يصلح لذلك.
وكذلك هو سبحانه أعلم بمن يصلح من الأمم لوراثة رسله والقيام بخلافتهم وحمل ما بلغوه عن ربهم.
فالرب سبحانه إذا علم من محل أهلية لفضله ومحبته ومعرفته وتوحيده حبب إليه ذلك ووضعه فيه وكتبه في قلبه ووفقه له وأعانه عليه ويسر له طرقه وأغلق دونه الأبواب التي تحول بينه وبين ذلك.
ثم تولاه بلطفه وتدبيره وتيسيره وتربيته أحسن من تربية الوالد الشفيق الرحيم المحسن لولده الذي هو أحب شيء إليه.
فلا يزال يعامله بلطفه ويختصه بفضله ويؤثره برحمته ويمده بمعونته ويؤيده بتوفيقه ويريه مواقع إحسانه إليه وبره به فيزداد العبد به معرفة وله محبة وإليه إنابة وعليه توكلاً. ولا يتولى معه غيره ولا يعبد معه سواه.
وهذا هو الذي عرف قدر النعمة وعرف المنعم وأقر بنعمته وصرفها في مرضاته.
واقتضت حكمة الرب وجوده وكرمه وإحسانه أن بذر في هذا القلب نور الإيمان والمعرفة وسقاه بالعلم النافع والعمل الصالح وأطلع عليه من نوره
стр. 323
شمس الهداية وصرف عنه الآفات المانعة من حصول الثمرة.
فأنبتت أرضه الزاكية من كل زوج كريم فمن لم ينبت قلبه شيئًا من الخير ألبتة فهذا من أشقى الأشقياء.
فصلوات الله وسلامه على من الهدى والبيان والشفاء والعصمة في كلامه وفي أمثاله.
والمقصود أن الله سبحانه أعلم بمواقع فضله ورحمته وتوفيقه ومن يصلح لها ومن لا يصلح وأن حكمته تأبى أن يضع ذلك عند غير أهله كما تأبى أن يمنعه من يصلح له.
وهو سبحانه الذي جعل المحل صالحًا وجعله أهلاً وقابلاً فمنه الإعداد والإمداد ومنه السبب والمسبب.
وقال ﵀ كمال العبد وصلاحه يتخلف عنه من إحدى جهتين إما أن تكون طبيعته يابسة غير لينة ولا منقادة ولا قابلة لما به كمالها وفلاحها.
وإما أن تكون لينة منقادة سلسة القيادة لكنها غير ثابتة على ذلك بل سريعة الانتقال عنه كثيرة التقلب.
فمتى رزق العبد انقيادًا للحق وثباتًا عليه فليبشر فقد بشر بكل خير وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وقال صدق التأهب للقاء الله من أنفع ما للعبد وأبلغه في حصول استقامته فإن من استعد للقاء الله انقطع قلبه عن الدنيا وما فيها ومطالبها وخمدت من نفسه نيران الشهوات وأخبت قلبه إلى الله وعكفت همته على الله وعلى محبته وإيثار مرضاته.
واستحدثت همة أخرى وعلومًا أخر وولد ولادة أخرى نسبة قلبه فيها إلى الدار الآخرة كنسبة جسمه إلى هذه الدار بعد أن كان في بطن أمه فيولد
стр. 324
قلبه ولادة حقيقية كما ولد جسمه حقيقة وكما أن بطن أمه حجابًا لجسمه عن هذه الدار فهكذا نفسه وهواه حجاب لقلبه عن الدار الآخرة.
فخروج قلبه عن نفسه بارزًا إلى الدار الآخرة كخروج جسمه عن بطن أمه بارزًا إلى هذه الدار وهذا معنى ما يذكر عن المسيح أنه قال يا بني إسرائيل إنكم لن تلجوا ملكوت السماء حتى تولدوا مرتين.
ولما كان أكثر الناس لم يولدوا هذه الولادة الثانية ولا تصوروها فضلاً عن أن يصدقوا بها فيقول القائل كيف يولد الرجل الكبير أو كيف يولد القلب لم يكن لهم إليها همة ولا عزيمة إذ كيف يعزم على الشيء من لا يعرفه ولا يصدقه ولكن إذا كشف حجاب الغفلة عن القلب صدق بذلك وعلم أنه لم يولد قلبه بعد.
والمقصود أن صدق التأهب للقاء الله هو مفتاح جميع الأعمال الصالحة والأحوال الإيمانية ومقامات السالكين إلى الله ومنازل السائرين إليه من اليقظة والتوبة والإنابة والمحبة والرجاء والخشية والتفويض والتسليم وسائر أعمال القلوب والجوارح.
فمفتاح ذلك كله صدق التأهب والاستعداد للقاء الله والمفتاح بيد الفتاح العليم لا إله غيره ولا رب سواه.
وقال ﵀ طوبى لمن أنصف فأقر له بالجهل في علمه، والآفات في عمله، والعيوب في نفسه، والتفريط في حقه، والظلم في معاملته.
فإن أخذه بذنوبه رأي عدله، وإن لم يؤخذه رأى فضله.
وإن عمل حسنة رآها من منته عليه، فإن قبلها فمنة وصدقة ثانية، وإن ردها فلكون مثلها لا يصلح أن يواجه به.
وإن عمل سيئة رآها من تخليه عنه، وخذلانه له، وإمساك عصمته،
стр. 325
وذلك من عدله فيه.
فيرى في ذلك فقره إلى ربه وظلمه في نفسه، فإن غفر له فبمحض إحسانه وجوده وكرمه.
ونكتة المسألة وسرها أنه لا يرى ربه إلا محسنًا ولا يرى نفسه إلا مسيئًا ومفرطًا أو مقصرًا.
فيرى كل ما يسره من فضل ربه عليه وإحسانه إليه، وكل ما يسؤه من ذنوبه.
وقال من لم يعرف نفسه كيف يعرف خالقه؟ فاعلم أن الله خلق في صدرك بيتًا وهو القلب. ووضع في صدره عرشًا لمعرفته يستوي عليه المثل الأعلى، فهو مستو على سرير القلب، وعلى السرير بساط من الرضا.
ووضع عن يمينه وشماله مرافق شرائعه وأوامره، وفتح إليه بابًا من جنة رحمته، والأنس به، والشوق إلى لقائه.
وأمطره من وابل كلامه ما أنبت فيه من أصناف الرياحين والأشجار المثمرة، من أنواع الطاعات والتهليل والتسبيح والتحميد والتقديس.
وجعل في وسط البستان شجرة معرفته، فهي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها من المحبة والإنابة، والخشية والفرح به، والابتهاج بقربه، وأجرى إلى تلك الشجرة، ما يسقيها من تدبر كلامه وفهمه، والعمل بوصاياه.
وعلق في ذلك البيت قنديلاً أسرجه بضياء معرفته، وإيمان به وتوحيده، فهو يستمد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار.
ثم أحاط عليه حائطًا يمنعه من دخول الآفات والمفسدين ومن يؤذي البستان، فلا يلحقه أذاهم، وأقام عليه حرسًا من الملائكة يحفظونه في يقظته
стр. 326
ومنامه.
ثم أعلم صاحب البيت والبستان بالساكن فيه فهو دائمًا همه إصلاح السكن ولم شعثه ليرضاه الساكن منزلاً.
وإذا أحس بأدنى شعث في السكن بادر إلى إصلاحه ولمه، خشية انتقال الساكن منه، فنعم الساكن، ونعم المسكن فسبحان الله رب العالمين.
كم بين هذا البيت وبيت قد استولى عليه الخراب، وصار مأوى للحشرات والهوام، ومحلا لإلقاء الأنتان، والقاذورات فيه.
فمن أراد التخلي وقضاء الحاجة وجد خربة لا ساكن ولا حافظ لها.
وهي معدة لقضاء الحاجة، مظلمة الأرجاء، منتنة الرائحة، قد عمها الخراب، وملأتها القاذورات. فلا يأنس بها ولا ينزل فيها إلا من يناسبه سكناها من الحشرات والديدان والهوام.
الشيطان جالس على سريرها وعلى السرير بساط الجهل وتخفق فيه الأهواء، وعن يمينه وشماله مرافق الشهوات.
وقد فتح إليه باب من حقل الخذلان والوحشة، والركون إلى الدنيا، والطمأنينة بها، والزهد في الآخرة.
وأمطر من وابل الجهل والهوى والشرك والبدع، ما أنبت فيه أصناف الشوك والحنظل، والأشجار المثمرة بأنواع المعاصي والمخالفات، من الزوائد والانتدابات، والنوادر والهزليات والمضحكات، والأشعار الغزليات، والخمريات التي تهيج على ارتكاب المحرمات، وتزهد في الطاعات.
وجعل في وسط الحقل شجرة الجهل به والإعراض عنه، فهي تؤتي أكلها كل حين من الفسوق والمعاصي، واللهو واللعب والمجون، والذهاب مع كل ريح، وإتباع كل شهوة.
стр. 327
ومن ثمرها الهموم والغموم، والأحزان والآلام، ولكنها متوارية باشتغال النفس بلهوها ولعبها. فإذا أفاقت من سكرها أحضرت كل هم وغم وحزن وقلق، ومعيشة ضنك.
وأجري إلى هذه الشجرة ما سقيها من إتباع الهوى، وطول الأمل والغرور.
ثم ترك ذلك البيت وظلماته وخراب حيطانه بحيث لا يمنع منه مفسد ولا حيوان، ولا مؤذ ولا قذر.
فسبحان خالق هذا البيت وذلك البيت، فمن عرف بيته وقدر الساكن فيه، وقدر ما فيه من الكنوز والذخائر والآلات انتفع بحياته ونفسه.
ومن جهل ذلك، جهل نفسه وأضاع سعادته. والله الموفق.
وقال أقام الله سبحانه هذا الخلق بين الأمر والنهي والعطاء والمنع فافترقوا فرقة قابلت أمره بالترك، ونهيه بالارتكاب، وعطاؤه بالغفلة عن الشكر، ومنعه بالسخط؛ وهؤلاء أعداؤه، وفيهم من العداوة بحسب ما فيهم من ذلك.
وقسم قالوا: إنما نحن عبيدك فإن أمرتنا سارعنا إلى الإجابة، وإن نهيتنا أمسكنا نفوسنا وكففناها عما نهيتنا عنه، وإن أعطيتنا حمدناك وشكرناك، وإن منعتنا تضرعنا إليك وذكرناك.
فليس من بين هؤلاء وبين الجنة إلا ستر الحياة الدنيا، فإذا مزقه عليهم الموت، صاروا إلى النعيم المقيم، وقرة الأعين كما أن أولئك ليس بينهم وبين النار إلا ستر الحياة الدنيا.
فإذا مزقه الموت صاروا إلى الحسرة والألم. فإذا تصادمت جيوش الدنيا والآخرة في قلبك وأردت أن تعلم من أي الفريقين أنت فانظر مع من تميل
стр. 328
منهما، ومن تقابل؛ إذ لا يمكنك الوقوف بين الجيشين، فأنت مع أحدهما لا محالة.
فقسم استغشوا الهوى فخالفوه، واستنصحوا العقل فشاوروه. وفرغوا قلوبهم للفكر فيما خلقوا له وجوارحهم للعمل بما أمروا به، وأوقاتهم لعمارتها بما يعمر منازلهم في الآخرة.
واستظهروا على سرعة الأجل بالمبادرة إلى الأعمال وسكنوا الدنيا وقلوبهم مسافرة عنها.
واستوطنوا الآخرة قبل انتقالهم إليها، واهتموا بالله وطاعته على قدر حاجتهم إليه، وتزودوا للآخرة على قدر مقامهم فيها.
فجعل لهم سبحانه من نعيم الجنة وروحها، أن آنسهم بنفسه، وأقبل بقلوبهم إليه، وجمعها على محبته، وشوقهم إلى لقائه، ونعمهم بقربه.
وفرغ قلوبهم مما ملأ به قلوب غيرهم من محبة الدنيا والهم والحزن على فوتها، والغم من خوف ذهابها.
فاستلانوا ما استوعره المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدانهم، والملأ الأعلى بأرواحهم.
فائدة: وقال ﵀ إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده تحمل الله سبحانه حوائجه كلها وحمل عنه كل ما أهمه وفرغ قلبه لمحبته ولسانه لذكره وجوارحه لطاعته.
وإن أصبح وأمسى والدنيا همه حمله الله همومها وغمومها وأنكادها ووكله إلى نفسه.
فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق ولسانه عن ذكره بذكرهم وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم.
стр. 329
فهو يكدح كدح الوحش في خدمة غيره كالكير ينفخ بطنه ويعصر أضلاعه في نفع غيره.
فكل من أعرض عن عبودية الله وطاعته ومحبته بلي بعبودية المخلوق ومحبته وخدمته.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] .
قال سفيان بن عيينة لا تأتون بمثل مشهور للعرب إلا جئتكم به من القرآن.
فقال له قائل فأين في القرآن أعط أخاك ثمرة فإن أبى فجمرة.
فقال في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً﴾ [الزخرف: ٣٦] .
اللهم وفقنا لما وفقت إليه القوم وأيقظنا من سنة الغفلة والنوم وارزقنا الاستعداد لذلك اليوم الذي يربح فيه المتقون اللهم وعاملنا بإحسانك وجد علينا بفضلك وامتنانك واجعلنا من عبادك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون اللهم ارحم ذلنا بين يديك واجعل رغبتنا فيما لديك، ولا تحرمنا بذنوبنا، ولا تطردنا بعيوبنا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين.
стр. 330
٥٠- (موعظة)
في الحث على تقوى الله
عباد الله عليكم بتقوى الله فإنها وصية الله للأولين والآخرين، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللهَ﴾ [النساء: ٣١] ، فما من خير عاجل ولا آجل ظاهر ولا باطن إلا وتقوى الله سبيل موصل إليه، ووسيلة مبلغة له، وما من شر عاجل ولا آجل ظاهر ولا باطن إلا وتقوى الله حرز متين وحصن حصين للسلامة منه والنجاة من ضرره.
وكم علق الله العظيم في كتابه العزيز على التقوى من خيرات عظيمة وسعادات جسيمة من ذلك المعية الخاصة المقتضية للحفظ والعناية والنصر والتأييد، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤] . ومن ذلك المحبة لمن اتقى الله، قال الله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧] .
ومن ذلك التوفيق للعلم قال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . ومن ذلك نفي الخوف والحزن عن المتقي المصلح قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٣٥] . ومن ذلك الفرقان عند الاشتباه ووقوع الإشكال والكفارة للسيئات والمغفرة للذنوب قال الله تعالى: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩] .
ومن ذلك النجاة من النار قال الله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ [مريم: ٧٢] . وقال تعالى:
стр. 331
﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١] . ومن ذلك المخرج من الشدائد والرزق من حيث لا يحتسب قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] .
ومن ذلك اليسر قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق: ٤] . ومن ذلك عظم الجر قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ [الطلاق: ٥] . ومن ذلك الوعد من الله بالجنة قال تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [مريم: ٦١] . الآيات إلى قوله من ﴿من كان تقيًا﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠] . وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَر فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] . وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] . وقال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] .
ومن ذلك الكرامة عند الله بالتقوى قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] . إذا فهمت ذلك فاعلم أن التقوى هي امتثال الأوامر واجتناب النواهي، فالمتقون هم الذين يراهم الله حيث أمرهم ولا يقدمون على ما نهاهم عنه.
المتقون هم الذين يعترفون بالحق قبل أن يشهد عليهم ويعرفونه ويؤدونه، وينكرون الباطل ويجتنبونه ويخافون الرب الجليل الذي لا تخفى عليه خافية، المتقون يعملون بكتاب الله فيحرمون ما حرمه ويحلون ما أحله.
ولا يخونون في أمانة ولا يرضون بالذل والإهانة ولا يعقون ولا يقطعون، ولا يؤذون جيرانهم ولا يضربون إخوانهم، يصلون من قطعهم،
стр. 332
ويعطون من حرمهم، ويعفون عمن ظلمهم الخير عندهم مأمول، والشر من جانبهم مأمون لا يغتابون ولا يكذبون ولا ينافقون، ولا ينمون ولا يحسدون ولا يراؤن ولا يرابون ولا يقذفون ولا يأمرون بمنكر ولا ينهون عن معروف، بل يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، تلك صفات المتقين حقًا الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون.
إخواني، لو تحلى كل منا بالتقوى لحسن عمله، وخلصت نيته، واستقام على الهدى، وابتعد عن المعاصي والردى، وكان يوم القيامة من الناجين.
وصف المؤمن المتقي
للإمام علي ﵁
المتقون هم أهل الفضائل منطقهم الصواب وملبسهم الاقتصاد ومشيهم التواضع غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم نزلت أنفسهم منهم في البلاء كما نزلت في الرخاء ولولا الأجل الذي كتب الله لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقًا إلى الثواب وخوفًا من العقاب.
عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون قلوبهم محزونة وشرورهم مأمونة وأجسادهم نحيفة وحاجاتهم خفيفة وأنفسهم عفيفة صبروا أيامًا قصيرة أعقبتهم راحة طويلة وتجارة مريحة يسرها لهم ربهم.
أرادتهم الدنيا فلم يريدوها وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها أما الليل فصافون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونه ترتيلاً يحزنون به أنفسهم
стр. 333
ويستثيرون به دواء دائهم.
فإذا مرو بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعًا وتطلعت نفوسهم إليها شوقًا وظنوا أنها نصب أعينهم وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلبوهم وظنوا أن زئير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم فهم حانون على أوساطهم مفترشون لجباههم واكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم يطلبون إلى الله تعالى في فكاك رقابهم وأما النهار فحلماء علماء أبرار أتقياء.
قد براهم الخوف بري القداح ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض ويقول قد خولطوا ولقد خالطهم أمر عظيم، لا يرضون من أعمالهم القليل ولا يستكثرون الكثير فهم لنفسهم متهمون ومن أعمالهم مشفقون إذا زكي أحدهم خاف مما يقال فيقول أنا أعلم بنفسي من غيري وربي أعلم بي من نفسي اللهم لا تؤاخذني بما يقولون واجعلني أفضل مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون.
فمن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين وحزمًا في لين وإيمانًا في يقين، وحرصًا في علم، وعلمًا في حلم وقصدًا في غنى وخشوعًا في عبادة وتحملاً في فاقة وصبرًا في شدة وطلبًا في حلال، ونشاطًا في هدى وتحرجًا عن طمع.
يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجل، يمسي وهمه الشكر، ويصبح وهمه الذكر يبيت حذرًا ويصبح فرحًا، حذرًا لما حذر من الغفلة، وفرحًا بما أصاب من الفضل والرحمة، إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره، لم يعطها سؤلها فيما تحب.
стр. 334
قرة عينه فيما لا يزول، وزهادته فيما لا يبقى، يمزج الحلم بالعلم، والقول بالعمل، تراه قريبًا أمله، قليلاً زلله، خاشعًا قلبه، قانعة نفسه، منزورًا أكله سهلاً أمره، حريزًا دينه، ميتة شهوته مكظومًا غيظه، الخير منه مأمول، والشر منه مأمون.
إن كان في الغافلين كتب في الذاكرين وإن كان في الذاكرين لم يكتب من الغافلين يعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه ويصل من قطعه، بعيدًا فحشه، لينا قوله غائبًا منكره، حاضرًا معروفه، مقبلاً خيره، مدبرًا شره، في الزلازل وقور، وفي المكاره صبور وفي الرخاء شكور.
لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحب، يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه، لا يضيع ما استحفظ، ولا ينسى ما ذكر، ولا ينابز بالألقاب، ولا يضار بالجار، ولا يشمت بالمصاب، ولا يدخل في الباطل، ولا يخرج من الحق.
إن صمت لم يغمه صمته، وإن ضحك لم يعل صوته، وإن بغي عليه صبر حتى يكون الله هو الذي، ينتقم له، نفسه منه في عناء والناس منه في راحة، أتعب نفسه لآخرته، وأراح الناس من نفسه.
بعده عمن تباعد عنه زهد ونزاهة، ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة، ليس تباعده بكبر وعظمة، ولا دنوه بمكر وخديعة.
قال فصعق همام صعقة كانت نفسه فيها. فقال أمير المؤمنين ﵇ أما والله لقد كنت أخافها عليه، ثم قال هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها فقال له قائل: فما بالك يا أمير المؤمنين فقال ويحك، إن لكل أجل وقتًا لا
стр. 335
يعدوه وسببًا لا يتجاوزه. اهـ.
عَلَيْكُم بِتَقْوَى اللهِ لا تَتْرُكُوْنَهَا … فِإِنَّ التُّقَى أَقْوَى وأَوْلَى وأَعْدَلُ
لِبَاسُ التُّقَى خَيْرُ الملابِسِ كُلِّهَا … وَأَبْهَى لِبَاسًا في الوُجُودِ وَأَجْمَلُ
فَمَا أَحْسَنَ التَّقْوَى وأَهْدَى سَبِيْلَهَا … بِهَا يَنْفَعُ الإِنْسَانَ مَا كَانَ يَعْمَلُ
فَيَا أَيُّهَا الإِنسانُ بَادِرْ إِلى التُّقَى … وَسَارِعْ إِلى الخَيْرَاتِ مَا دُمْتَ مُمْهَلُ
وَأَكْثِرْ مِن التَّقْوَى لِتَحْمِدَ غِبَّهَا … بِدَارِ الجَزَاء دَارٍ بِهَا سَوْفَ تَنْزِلُ
وَقَدِّمْ لِمَا تَقْدَمْ عَلِيهِ فَإِنَّمَا … غَدًا سَوْفَ تُجزَى بِالذَّي سَوْفَ تَفْعَلُ
وَأَحْسِنْ وَلا تُهْمِلْ إِذَا كُنْتَ قادِرًا … فَدَارُ بَنِيْ الدُّنْيَا مَكَانُ التَّرَحُّلُ
وَأَدِّ فُرُوْضَ الدِّيْنِ وَاتْقِنْ أَدَاءَهَا … كَوَامِلَ في أَوْقَاتِهَا والتَّنَفل
وَسَارِعْ إِلى الخَيْرَاتِ لا تُهْمِلنَّهَا … فَإِنَّكَ إنْ أَهْمَلْتَ مَا أَنْتَ مُهْمَلُ
وَلَكِنْ سَتُجْزَى بِالذِي أَنْتَ عَامِلٌ … وَعَنْ مَا مَضَى عَنْ كُلِّ شَيْءٍ سَتُسْأَلُ
وَلا تُلْهِكَ الدُّنْيَا فَرَبُّكَ ظامِنٌ … لِرِزْقِ البَرَايَا ضَامِنٌ مُتَكَفِلُ
وَدُنْيَاكَ فَاعْبُرْهَا وآخْرَاكَ زِدْ لَهَا … عَمَارًا وَإِيْثَارًا إِذَا كُنْتَ تَعْقِلُ
فَمَنْ آثَرَ الدُّنْيَا جَهُولٌ وَمَنْ يَبِعْ … لأُخْرَاهُ بِالدُّنْيَا أَضْلُّ وَأَجْهَلُ
وَلَذَّاتُهَا وَالجَاهُ وَالعِزُ والغِنَى … بَأَضْدَادِهَا عَمَّا قَلِيْلٍ تَبَدَّلُ
فَمَنْ عَاشَ في الدُّنْيَا وَإِن طَالَ عُمْرُهُ … فَلا بُدَّ عَنْهَا رَاغِمًا سَوْفَ يُنْقَلُ
وَيَنْزِلُ دَارًا لا أَنِيْسَ لَهُ بِهَا … لِكُلِ الوَرَى مِنهم مَعَادٌ وَمَوْئِلُ
وَيَبْقَى رَهِيْنًا بِالتُّرابِ بِمَا جَنَى … إلى بَعْثِهِ مِن أَرْضِهِ حِيْنَ يَنْسِلُ
يُهَالُ بِأَهْوَالٍ يَشِيْبُ بِبِعْضِهَا … وَلا هَوْلَ إِلا بَعْدهُ الهَوْلُ أَهْوَلُ
وَفِي البَعْثِ بَعْدَ المَوتِ نَشْرُ صَحائِفٍ … وَمِيْزَانُ قِسْطٍ طَائِشٍ أَوْ مُثَقِّلُ
وَحَشْرٌ يَشِيْبُ الطفْلُ مِنه لِهَولِهِ …
стр. 336
وَمنه الجِبَال الرَّاسِياتُ تَزَلْزَلُ
وَنَارٌ تَلَظَّى في لظَاهَا سَلاسِلٌ … يُغَلُّ بِهَا الفُجَارُ ثِمَّ يُسَلْسَلُ
شَرَابُ ذََوِي الإِجْرَامِ فِيهَا حَمِيْمُهَا … وَزقُوْمُهَا مَطْعُومُهُمْ حِيْنَ يُؤْكَلُ
حَمِيْمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرٌ مِثْلُهُ … مِنْ المُهْلِ يَغْلِي في البُطُونِ وَيَشْعَلُ
يَزِيْدُ هَوَانًا مِن هَوَاهَا ولا يَزَل … إِلى قَعْرِهَا يَهْوِي دَوَامًا وَيَنْزِلُ
وَفي نَارِهِ يَبْقَى دَوَامًا مُعَذَّبًا … يُصِيْحُ ثُبُورًا وَيْحَهُ يَتَوَلْْوَلُ
عَلَيْهَا صِرَاطٌ مَدْحَضٌ وَمَزلَّةٌ … عَلَيْهِ البَرايَا في القِيَامَةِ تُحْمَلُ
وَفِيهِ كَلالِيْبٌ تَعَلَّقُ بِالوَرَى … فَهَذا نَجَا مِنها وَهَذا مُخْرَدَلُ
فَلا مُذْنِبٌ يَفْدِيْهِ مَا يَفْتَدِيْ بِهِ … وَإِنْ يَعْتَذِرْ يَوْمًا فَلا العُذْرُ يُقْبَلُ
فَهَذَا جَزَاءُ المجرمِينَ عَلى الرَّدَى … وَهَذا الذي يَومَ القِيامَةِ يَحْصُلُ
أَعُوذُ بِرَبِي مِن لَظَى وَعَذَابِهَا … وَمِنْ حَالِ مَن يَهْوَي بِهَا يَتَجَلْجَلُ
وَمِن حَالِ مَن في زَمْهَرِيْرٍ مُعَذَّبِ … وَمَن كانََ في الأَغْلالِ فِيْهَا مُكَبِّلُ
وَجَنَّاتُ عَدْنِ زُخْرِفَتْ ثُمَّ أُزْلِفَتْ … لِقَوْمٍ على التَّقْْوَى دَوَامًا تَبَتَّلُ
بِهَا كُلُ مَا تَهْوَى النُفُوسُ وَتَشْتَهِي … وَقُرَّةُ عَيْنٍ لَيْسَ عَنها تَرَحُّلُ
مَلابِسُهُم فِيْهَا حَرِيْرٌ وَسُنْدُسٌ … وَإِسْتَبْرَقٌ لا يَعْتَرِيْهِ التَّحَلُّلُ
وَمَأكُولهُم مِن كُلِّ مَا يَشْتَهُونَهُ … وَمِن سَلْسَبِيْلِ شُرْبُهُم يَتَسَلْسَلُ
وَأَزْوَاجُهُم حُوْرٌ حِسَانٌ كَوَاعِبٌ … عَلَى مِثْلِ شَكْلِ الشَّمْسِ بل هُوَ أَشْكَلُ
يُطَافُ عَلَيْهِم بِالذي يَشْتَهُونَهُ … إِذَا أَكلُوا نَوْعًا بآخَرَ بُدِّلُوا
فَوَاكِهُهَا تَدْنُوا إِلى مَنْ يُرِيْدُهَا … وَسُكَّانُهَا مَهْمَا تَمَنِّوْهُ يَحْصُلُ
وَأَنْهَارُهَا الأَلْبَانُ تَجْرِِي وَأَعْسُلٌ … تَنَاوُلُهَا عِنْدَ الإِرَادَةِ يَسْهُلُ
بِهَا كُلُّ أَنوَاعِ الفَوَاكِهِ كُلَّها …
стр. 337
وَخَمْرٌ وَمَاءٌ سَلْسَبِيْلٌ مُعَسِّلُ
يُقَالُ لَهُمْ طِبْتُمْ سَلِمْتُمْ مِن الأَذَى … سَلامٌ عَلَيْكُمْ بالسَّلامَةِ فَادْخُلُوا
بِأَسْبَابِ تَقْوَى للهِ وَالعَمَلِ الذي … يُحِبُّ إلى جَنَّاتِ عَدْنٍ تَوَصَّلُوا
إِذَا كَانَ هَذَا وَالذي قَبْلَهُ الجَزَاء … فَحَقٌّّ عَلَى العَيْنَيْنِ بالدَّمْعِ تُهْمِلُ
وَحَقٌّ عَلَى مَنْ كَانَ بِاللهِ مُؤْمِنًا … يُقَدِّمْ لَهُ خَيْرًا وَلا يَتَعَلَّلُ
وَأَنْ يَأْخُذَ الإِنْْسَانُ زَادًا مِن التُّقَى … وَلا يَسْأَم التَّقَوَى وَلا يَتَمَلْمَلُ
وَإِنَّ أَمَامَ النَّاسِ حُشْرٌ وَمَوْقِفٌ … وَيَومٌ طَويْلٌ أَلفُ عَامِ وَأَطْوَلُ
فَيَا لَك مِن يَوْمٍ عَلَى كُلِّ مُبْطِلٍ … فَظِيْعٍ وَأَهْوَالُ القِيامَةِ تُعْضِلُ
تَكًونُ بِهِ الأَطْوادُ كَالعِهْنِ أَوْ تَكُنْ … كَثيْبًا مَهيْلاً أَهْيَلاً يَتَهَلْهَلُ
بِهِ مِلَّةُ الإِسْلامِ تُقْبَلُ وَحْدَهَا … وَلا غَيْرُهَا مِن أَي دِيْنِ فَيَبْطُلُ
بِهِ يُسْأَلُونَ النَّاسُ مَاذَا عَبدتموا … وَمَاذَا أَجَبْتُم مَن دَعَا وَهُوَ مُرْسَلُ
حِسَابُ الذِِي يَنْقَادُ عَرْضٌ مُخَفَّفٌ … وَمَن لَََيْسَ مُنْقَادًا حِسَابٌ مُثَقَّلُ
أَعوذُ بِكَ اللَّهُمَّ مِن سُوْءِ صُنْعِنَا … وَأَََسْألُكَ التَّثْبِيْتَ أُخْرَى وَأَوَّلُ
إلهي فَثَبِّتْنِي عَلَى دِيْنكَ الذِي … رَضِيْتَ بِهِ دِيْنًا وََإيَّاهُ تَقْبَلُ
وَهَبْ لِي مِن الفِرْدَوْسِ قَصْرًا مُشَيَّدًا … وَمُنَّ بِخَيْرَاتٍ بِهَا أَتَعَجَّلُ
ولِلهِ حَمْدٌ دَائِمٌ بِدَوَامِهِ … مَدَى الدَّهْرِ لا يَفْنَى وَلا الحَمْدُ يَكْمُلُ
يَزِيْدُ على وَزْنِِ الخَلائِقِ كُلِّهَا … وَأَرْجَحُ مِن وَزْنِ الجَمِيْعِ وأَثقَلُ
وَإِنِّي بِحَمْدِ اللهِ في الحَمْدِ أَبْتَدِي … وَأُنْهِي بِحَمْدِ اللهِ قَوْلِي وَأَبْتَدِي
صَلاةً وَتَسْلِيْمًا وَأَزْكَى تَحِيَّةً … تَعُمُّ جَمِيْعَ المَرْسَلِيْنَ وَتَشْمَلُ
وَأَزْكَى صَلاة اللهِ ثُمَّ سَلامُهُ … عَلََى المُصْطَفَى أَزْكَى البَرِيَّةِ تَنْزِلُ
стр. 338
اللهم وفقنا لما وفقت إليه القوم وأيقظنا من سنة الغفلة والنوم وارزقنا الاستعداد لذلك اليوم الذي يربح فيه المتقون اللهم وعاملنا بإحسانك وجد علينا بفضلك وامتنانك واجعلنا من عبادك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون اللهم ارحم ذلنا بين يديك واجعل رغبتنا فيما لديك، ولا تحرمنا بذنوبنا ولا تطردنا بعيوبنا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
٥١- "موعظة "
عباد الله لقد ضاعت أعمارنا في القيل والقال، والغيبة والنميمة، والمداهنة، والانهماك في الدنيا، إلى أن استلحق كثير من الناس جزءًا من الليل مضافًا إلى النهار، وكأننا لم نخلق إلا لهذه الأعمال، أفلا نستيقظ من غفلتنا، ونحفظ ألسنتنا عن نهش أعراض الغوافل، والطعن في الأحساب والأنساب، ونصرف جل الأوقات، إلى الباقيات الصالحات، التي هي خير عند ربنا ثوابًا وخير مردًا، ونذكر مولانا الذي فضله علينا مدرارًا، فإن الذكر عاقبته الجنة دار الكرامة والقرار، مع رضى ربنا الذي دونه كل ثواب، تالله لو عرفتم قيمة هذه النصيحة لبادرتم إلى العمل بها كل البدار، فإنك وأنت تذكر الله أفضل ممن يفرق الذهب والفضة وسائر الأموال، وأفضل من أن تجاهد العدو فيضرب عنقك، أو تضرب عنقه، وتكون من الشهداء الأبرار، كيف لا والذكر خير الأعمال وأزكاها، وأرفعها للدرجات عند مولانا الوهاب.
حسب الذاكر: أن تحفه الملائكة، وتنزل عليه السكينة، وتغشاه الرحمات، ومن في الوجود مثل الذاكر، وهو وقت ذكره لله يذكره بارئ
стр. 339
الكائنات، ومن مثله في الدنيا وهو بالذكر في حصن حصين، يحفظه من الشيطان ووساوسه الفاتنات، ومنزلة الذاكر بين الغافلين كمنزلة الحي بين الميتين، ذكر الله ينير القلب، ويوقظه ويحييه، ويزيل رانه ويهديه إلى الحق.
٥٢- "موعظة "
عباد الله انتبهوا وبادروا بالأعمال الصالحات، فإن أعماركم سريعة الانصرام، والأيام والليالي تمر بكم مر السحاب، والدنيا إذا تأملها اللبيب رآها كالسراب، وصدق القائل في وصفها حيث قال:
أَلا كُلُّ حَيٍّ هَالِكٍ وَابْنُ هَالِكٍ … وَذُو نَسَبٍ فِي الهَالِكِيْنَ عَرِيْقُ
إِذَا امْتَحَنَ الدُّنْيَا لَبِيْبٌ تَكَشَّفَتْ … لَهُ عَنْ عَدُوٍ في ثِيَابِ صَدِيْقِ
أعوام سريعة المرور، وشهور تقتفي أثر شهور وعبر بين ذلك تترى، فعلام الغرور، فلا تغتروا بالدنيا فقد نهاكم الله عن الاغترار بها، وضربت لكم بأخذ أمثالكم الأمثال، أرتكم عيانًا كيف تقلبت بأهلها الأحوال، وخدعتهم الآمال، حتى انتهت لهم الآجال، قبل أن يحصلوا على ما سيتمنونه من صالح الأعمال، فاستيقظوا من نومكم، وحاسبوا أنفسكم على ما اكتسبته من الذنوب والمعاصي الثقال، فأي نفس منا لم تحمل ظلمًا، وأي جارحة من جوارحنا لم تقترف إثمًا، وأي عمل من أعمالنا يليق بذلك المقام، وأي وقت من أوقاتنا تمحض للطاعة وخلا من الآثام، لقد جنينا على أنفسنا بالذنوب جناية عظيمة، فلينوا قلوبكم بذكر هاذم اللذات، لعلها تلين، وعظوها بذكر القبر وفتنته فإنهما لحق اليقين وذكروها ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] . ﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ: ٤٠] ، ﴿يَوْمَ تَجِدُ
стр. 340
كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً﴾ [آل عمران: ٣٠] . ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [النحل: ١١١] .
اللهم ثبتنا على قولك الثابت في الحياة وبعدها، واجعلنا من عبادك المفلحين الذين نورت قلوبهم بمعرفتك، وأهلتهم لخدمتكن وحرستهم من عدوك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
٥٣- "موعظة "
عباد الله لقد أنعم الله علينا بنعم كثيرة، وجاد علينا بخيرات وفيرة غفلنا عنها، وعن ضدها، وجهلنا حكمتها، أعطانا جل وعلا العقل، وميزنا به عن الحيوانات، وأرسل إلينا الرسل، يرشدوننا للحق وخالص الإيمان، منحنا القوة والعافية، وصحة البدن، وسلامة الأعضاء.
وجعل لنا السمع، والبصر، واللسان، والشفتين، وعلمنا البيان والإفصاح، عن ما نقصد بالكلام، خلقنا في أحسن تقويم، وجعل لنا الأرض فراشًا والسماء بناءً، وأنبت لنا في الأرض النخيل، والأعناب والزرع وسائر ما نحتاج إليه من الثمار، ونستخرج منها المعادن، والخامات.
وأجرى لنا فيها الأنهار، وأنبع لنا الماء الزلال، وخلق الشمس والقمر، والنجوم، مسخرات بأمره تمدنا بالأنوار، والمنافع، للأبدان والثمار، والنباتات، وفيها من الإتقان، والجمال، والاتزان في سيرها مدى الليالي والأيام، ما يشهد لله بالوحدانية، والحكمة، والقدرة الباهرة، والعلم، وسائر صفات الكمال.
стр. 341
ولله نعم أخرى لا تعد، ولا تحصى، كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] . إذا يجب علينا شكره تعالى على نعمه، وهو الغني الحميد، غني عن العالمين، والخلق هم الفقراء إليه، كما قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] ، وليس لله في شكرنا منفعة تعود إليه، وليس في كفر نعمه ضرر عليه، إنما تعود منفعة الشكر إلى الشاكر كما قال تعالى: ﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠] .
إنما الذي ينتظر الشكر مخلوق مثلنا وأنت إذا شكرت الله إنما تبرهن على فهمك لنعمة الله، وتقديرك له إن شكرت فقد وجهت النعمة وجهة الخير، والنفع، واستعملتها فيما يسعدك في الدنيا والآخرة، وإن كفرت فقد برهنت على سوء فهمك، وعدم تقديرك لربك، وعلى تعمقك في اللؤم والرداءة.
وإذا تأملت الكثير من الناس وجدته مهملاً للشرك الذي هو صرف النعم فيما خلقت له، واستعمالها فيما شرعت لأجله، لتظهر فائدتها وتتم حكمتها، ويجني العباد منافعها، فالشاكر بلسانه وقلبه، وعمله من الفائزين، ولكنه قيل، كما قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] . الأكثر كما تقدم صرفوها فيما يعود عليهم، وعلى أولادهم، وأهلهم، وأمتهم بالضرر.
أنعم عليهم بالمال فقسم خزنوه ومنعوا حقوقه فلم يخرجوا زكاته، ولم يساهموا في مشاريع دينية، كبناء مساجد، وقضاء دين عن مدين ومساعدة
стр. 342
فقير، وإجراء مياه للمسلمين، والمساعدة على نشر الإسلام وطباعة مصاحف طباعة جيدة وتوزيعها على التالين لكتاب الله، وطباعة الكتب الدينية المقوية للشريعة المحمدية، وبناء بيوت لمن لا مساكن لهم، ونحو ذلك.
وقسم أنفقوا المال في الملاذ والملاهي، والمنكرات، وسائر المحرمات، أذهبوها في الحياة الدنيا، واستمتعوا بها، ولم يراقبوا الله فيها، أنعم عليهم في الصحة والفراغ المفروض أن تغتنم في طاعة الله.
ولكن يا للأسف صرفت في السهر، وفي الفساد، وفي المجون والكسل والتسكع، والخمول أو التطاول بالقوة على الضعفاء، والمساكين، وإعانة الظلمة والفاسقين، ونحو ذلك، من المفاسد والشرور.
وقس على ذلك باقي النعم من السمع والبصر واللسان والرجل فلم يبق نعمة إلا وقلبوها، ولا هبة من الله إلا وجحدوها فنزلوا بعد الرفعة وذلوا بعد العزة فإنا لله وإنا إليه راجعون.
اللهم قوي إيماننا بك وبملائكتك وبكتبك وبرسلك وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره.
اللهم ثبت محبتك في قلوبنا وقوها وألهمنا ذكرك وشكرك وارزقنا صيانة أوقاتنا وحفظها عن المعاصي ووفقنا لشغلها بالباقيات الصالحات واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 343
٥٤- "موعظة "
عباد الله لقد كان سلفنا في محبة بعضهم بعضًا آية من الآيات وكان التراحم بينهم بالغًا مبلغًا يعده أهل الإنصاف غاية الغايات لذلك كانوا في محبة الخير لبعضهم على أرقى ما يتصور في الدرجات.
وهل يتصور أن يكون أحدهم في أشد الجوع ويؤثر أخاه بماله من طعام عاملين بقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] ، وقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ [الإنسان: ٨] . وبقوله ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» .
وإن الخجل ليعلو وجوهنا إذا نحن قارنا بين هؤلاء وبين أبناء هذا الزمان، نحن في حالة تصور حقيقتها فقط يثير في قلوب المؤمنين الأحزان.
كيف ونحن إذا فتشنا ثم فتشنا لا نجد قلبين مع بعضهما معية الإخاء التام يكون الجار في نهاية الفقر ولا يلتفت إليه جاره المثري وينزل بالأخ الشقيق أو العم الشقيق أو نحوهما ما ينزل من الكوارث ولا أثر لنزولها عند أخيه ولا كأنه يرى تلك المصائب الفادحة ولعلك منتظر الجواب ما هو السبب في ذلك فالق سمعك وأحضر قلبك.
فأقول لكل الناس اليوم شغل واحد هو المال شغلهم عما عداه وأنساهم كل ما سواه ملأ القلوب حب هذا المال حتى لم يبق في القلوب متسع لسواه فمن أجله تستباح الأعراض ومن أجله تراق الدماء ومن أجله يكون الصفا
стр. 344
والمعاداة هو القطب الذي تدور حوله أفعال العباد في هذا الزمان.
فالقلوب في سرور ما دام المال سالمًا وإن أنهار بناء الشرف والدين والنفوس في هدوء وطمأنينة ما ابتعد عن المال فإذا قرب حوله هاجوا هيجان الجمال وهم في تواصل ما لم يتعرض للمال فإذا تعرض له انقطعت الصلات حتى بين الأقربين من آباء وأمهات وأولاد وإخوان.
أما علم هؤلاء أن المال الذي كان بأيدينا كان قبلنا بيد إخواننا في الإنسانية الذين سبقونا إلى الدنيا ثم انتقل إلى من بعدهم ثم انتقل من جيل إلى جيل إلى أن وصل إلينا سعد به من صرفه في مراضي الله وشقي به من صرفه في ما يغضب الله.
ولعلك يا أخي تتكدر إذا علمت أنه سينقل عنك في أسرع وقت فلا تفزع ولا تتكدر ووطن نفسك واعلم أنك والله ميت وموروث عنك ما جمعت ومنعت رغم أنفك يتمتع به ذلك الوارث العاق أو البار وأنت تسال عنه هللة وقرشًا قرشًا.
وتكون النتيجة إن كنت جموعًا منوعًا شقاء تستغيث منه فلا تغاث وتتمنى لو كانت الدنيا بأسرها بيدك وافتديت نفسك بها تكون النتيجة ذلك إن كنت من المغرورين الغافلين الذين ظنوا أن السعادة كلها تيسير جمع المال وتكديسه عندك آلافًا وملايين وعمائر وفلل وأراضي وبيوت كدأب أهل هذا العصر الغافل المظلم بالمعاصي والبدع والمنكرات.
الذي اعتاض أهله عن كتاب الله وسنة رسوله العكوف على الجرائد حمالة الكذب والمجلات الخليعات والكتب الهدامات والجلوس حول الملاهي
стр. 345
والمنكرات فسوف تندم وتتحسر حينما ينكشف عنك الغطا ويتبين لك ذلك الخطأ وتتمنى أنك أمضيت أوقاتك في طاعة مولاك وهيهات أن يحصل لك مناك ذهب الآوان وبقي الندم والحرمان.
لقد أنسى الناس حب هذا المال ما لهم من شرف ومروءة ودين وجعلهم حول حطام الدنيا كما وصفهم الشافعي ﵀:
وَمَا هِي إِلا جِيْفَةٌ مُسْتَحِيْلَةٌ … عَلَيْهَا كِلابٌ هَمُّهُنَّ اجْتِذَابُهَا
فَإِنَّ تَجْتَنِبْهَا كُنْتَ سِلْمًا لأَهْلِهَا … وإِنْ تجتذبها نَازَعَتْكَ كِلابُهَا
أما علموا أن المال من خدم الدين فإذا تجاوز ذلك كان نكبة على أصحابه وكذلك الأولاد إن كانوا غير صالحين فهم ضرر على أبيهم وعلى أنفسهم وكذلك الزوجة ولذلك ورد عن داود ﵇ أنه كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من جار السوء ومن مال يكون علي عذابًا ومن ولد يكون وبالاً ومن زوجة تشيبني قبل المشيب ومن خليل ماكر عينه ترعاني وقلبه يشناني إن رأى خيرًا أخفاه وإن رأى شرًا أفشاه".
وقيل إنه سئل عيسى ﵇ عن المال فقال: «لا خير فيه» قيل ولم يا نبي الله قال لأنه يجمع من غير حل قيل فإن جمع من حل قال لا يؤدي حقه قيل فإن أدى حقه قال لا يسلم صاحبه من الكبر والخيلاء قيل فإن سلم قال يشغله عن ذكر الله قيل فإن لم يشغله قال يطيل عليه حسابه يوم القيامة.
فتأمل هذه العقبات الخمس وقليل من يتجاوزها سالمًا.
اللهم اجعل الإيمان هادمًا للسيئات، كما جعلت الكفر عادمًا للحسنات ووفقنا للأعمال الصالحات، واجعلنا ممن توكل عليك فكفيته، واستهداك
стр. 346
فهديته ودعاك فأجبته، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
٥٥- "موعظة "
عباد الله اتقوا الله تعالى واحمدوه على كل حال وارغبوا إليه في حراسة النعم عن الزوال فإن نعم الله قد عمت البوادي والأمصار وإن نعم الله لا تعد ولا تحصى ولا تحد بمقدار.
قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] . فكم أسدى معروفًا وكم أغاث ملهوفًا فاشكروا آلاء الله واذكروه كثيرًا قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] .
وهبوا من هذه الرقدة والمقام واحذروا الأهواء فإنها تورث المهالك والمذام، وألزموا طاعة الملك العلام، واغتنموا بقية العمر والأيام، وبادروا بالتوبة من المعاصي والإجرام، قبل أن يأتي يوم تشقق فيه السماء بالغمام وتظهر فيه الخفايا والدواهي والأهوال الطوام، وتنكس فيه الظلمة رءوسها ويعلوها الذل من الرءوس إلى الأقدم ويتجلى لفصل القضاء بين عباده حاكم الحكام.
قال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر: ٧٠] . ونودي أين الظلمة وأعوان الظلمة ومن كان لهم على المعاصي وثوب وإقدام فيا له من يوم ما أطوله ومن بلاء ما أهوله ومن حساب ما أثقله ومن عذاب ما أعضله ومن جزاء ما أجزله ومن
стр. 347
حاكم ما أعدله.
هنالك شاب الوليد وحق الوعيد وعظم الهول الشديد قال تعالى: ﴿وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] . وخضعت الرقاب وذل كل فاجر كذاب ورجع الأشقياء بالخسران والتباب فالسعيد من استعمل نفسه في طاعة الملك المعبود وخاف أن لا ينجو من النار بعد الورود.
فانتبه أيها العبد لأيام شبابك قبل فراق أحبابك وأحفظ أيام عمرك قبل حلول قبرك واغتنم حياتك قبل أوان وفاتك فإن العمر بالسنين ينهب والأجل بمرور الليالي والأيام يذهب.
٥٦- "موعظة "
عباد الله أحسنوا إلى الوالدين ما أمكن لكم الإحسان، وإن حسبتم أنكم كافأتموهم فقط أخطأتم في ذلك الحسبان، وكونوا معهما في غاية الأدب والاحترام، واحذروا سوء الأدب عندهما وإلا هويتم في هوة شقاء ما لها من قرار وكونوا معهما في إجلال واحترام، وتقدير تام وإن حصل منهما لك ظلم، لأنهما اللذان لولا الله ثم لولاهما لم تخرج على هذا الوجود ولأنهما اللذان سخرهما الله لك فصبرا على ما رأيا من الأهوال، وسخرهما لتربيتك والعناية بك في هذه الحياة. تذكر زمن حمل أمك بك وأنت في بطنها علة من أكبر العلل، وتذكر وقت أن كانت تلدك وهي مما بها لا من الأحياء ولا من الأموات وتذكر ما خرج عقب ولادتك من النزيف الدم الذي هو نفسها.
وتذكر أنك كنت تمص دمها مدة الرضاع، وسرورها بك تقصر عن
стр. 348
شرحه العبارات. وتذكر تنظيفها لبدنك وملابسك من الأقذار، وتذكر فزعها عندما يعتريك خوف أو مرض أو نحو ذلك، وتذكر دفاعها عنك إذا اعتدى عليك معتدي.
وتذكر حرصها الشديد على أن تعيش لها ولو حرمت لذة الطعام والشراب وتذكر سهرها عليك عندما يؤلمك شيء من جسدك، وتذكر كد والدك عليك في تحصيل ما به تحيا بإذن الله، لا يهدؤ عن ذلك والدك مدى الليالي والأيام، وكلما خشي أن تجوع تقحم الشدائد وهام على وجهه في الدنيا لا يرده إلا أن يراك في يسار.
وتذكر عنايته بك في تعليمك وتوجيهك إلى ما فيه صلاح دينك ودنياك وتذكر حياطته ونصحه لك ومقاسات الشدائد لراحتك، وتذكر فرحه واستبشاره بمحبتك ونجاحك، وتذكر دفاعه عنك بيده ولسانه، وتذكر دعاءه لك في مظنة أوقات الإجابة أن يصلحك الله ويوفقك.
وتذكر قلقهما والإدلاج في البحث عنك إذا تأخرت عن وقت المجيء، وتأمل وتذكر بشاشتهما فيمن يعز عليك لسرورهما بما يسرك، من أجل ذلك أكد الله وشدد عليك بالوصية بهما.
وأخبر نبينا ﷺ : «أنهما جنتك ونارك، وقدم برهما على الجهاد، ودعا أن يرغم أنف من أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخل الجنة، وأخبر بأكبر الكبائر فذكر عقوقهما بعد الإشراك بالله» .
اللهم إنا نعوذ بك من شر أنفسنا والشيطان والدنيا والهوى ونسألك أن تغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 349
٥٧- "موعظة "
قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [النساء: ٧٧] . وقال: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠] . عباد الله يعيش ابن آدم ما قدر الله له أن يعيش، ويمشي الإنسان في هذه الأرض ويتقلب فيها، ويرى حلوها ومرها وسرورها وأحزانها، ويأخذ فيها حظه من الشقاء وحظه من السعادة، بمقدار ما قدره الله له وما قدره عليه، ولكن لكل هذا نهاية، ولكل ذلك غاية قال الله جل وعلا: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٥] . وقال لنبيه ﷺ : ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٥] . وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] . فسبيل الموت غاية كل حي، والخلود في دار الفناء غير معقول، أيها المسلم عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت فإنك مفارقه.
شعرًا:
لَعَمَرْكُ مَا الدُّنْيَا بِدَارِ إِقَامَةٍ … إِذَا زَالَ عَنْ عَيْنِ البَصِيْرِ غِطَاؤُهَا
وَكَيْفَ بَقَاءَ النَّاسِ فِيْهَا وَإِنَّمَا … يُنَالَ بِأَسْبَابِ الفَنَاءِ بَقَاؤُهَا
آخر:
سَلامٌ عَلَى دَارِ الغُرُورِ فإِنَّهَا … مُنَغَّصَةً لِذَاتِهَا بِالفَجَائِعِ
فَإِنَّ جَمَعَتْ بَيْنَ المُحِبِّينَ سَاعَةً … فَعَمَّا قَلِيْلٍ أَرْدَفَتْ بِالموانِعِ
فالبقاء في الدنيا محال، هذه الدنيا جسر، هذه الدنيا ممر ومعبر وطريق إلى الآخرة، ومن الناس من يتخبط في هذه الطريق ويتعثر فيما ولا يهتدي،
стр. 350
ومن الناس من يوفقه الله فيسلكها مستقيمًا لا يلوي على شيء إلا على زاد الآخرة، وأمل يهدف إليه، في تلك الدار الباقية، ذلك الهدف هو رضى رب العزة والجلال، الذي فيه كل نعيم، الذي فيه الهدوء والاطمئنان، والذي فيه الفوز والنجاة من كل مكروه، تلك حال من اتعظ واعتبر فنفعته العبرة، ولمس الموعظة من دروس الحياة وأحداثها فاهتدى، وزاده الله هدى، تلك حال من اعتبروا، فنفعتهم العبرة، وجعلوا التقوى إلى الله أمامهم لا يحيدون عنها، يخافون ربهم ويخشون سوء الحساب. ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢] .
أيها المسلم لقد خرجت من ظلمات، وستنتهي إلى ظلمات خرجت من ظلمات الأرحام، وتنتظرك ظلمات القبور، خرجت من أحشاء أمك، واستقبلتك أحشاء أخرى، أقوى وأعظم، قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] . دفعك جوف يحن عليك، إلى جوف الأرض، وبين الجوفين أمور وأمور، ففي الدنيا السراء والضراء والسعادة والشقاء إنك تخرج من شدة إلى رخاء، ومن رخاء إلى بلاء، وتصادفك عقبات في طريقك، بعد عقبات، وتتغير أحوالك من حالات إلى حالات، فمن ذل إلى عز، ومن عز إلى ذل، ومن غنى إلى فقر ومن فقر إلى يسر، ومن صحة إلى مرض، ومن مرض إلى عافية، ومن راحة إلى تعب، هذه هي الدنيا وهذه أحوالها، عزها لا يدوم، ورخاؤها لا يبقى، قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦] . فحاسب نفسك أيها المسلم، قبل أن تحاسب، وزن أعمالك قبل أن
стр. 351
توزن عليك، وراقب مولاك الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وتب إليه توبة نصوحًا، قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢] .
اللهم وفقنا لما وفقت إليه القوم وأيقظنا من سنة الغفلة والنوم وارزقنا الاستعداد لذلك اليوم الذي يربح فيه المتقون اللهم وعاملنا بإحسانك وجد علينا بفضلك وامتنانك واجعلنا من عبادك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون اللهم ارحم ذلنا بين يديك واجعل رغبتنا فيما لديك، ولا تحرمنا بذنوبنا، ولا تطردنا بعيوبنا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
٥٨- "موعظة في الحث على الإقبال على الآخرة "
إخواني أين رفقاؤنا وإخواننا أين ذهب معارفنا وجيراننا أين أصدقاؤنا أين زملاؤنا وأقراننا أين علماؤنا العاملون بعلمهم أين آباؤنا وأجدادنا رحلوا وقل والله بعدهم بقاؤنا. هذه مساكنهم فيها غيرهم قد نسيناهم ونسيهم محبهم وجفاهم. أين أصحاب القصور الحصينة، والأنساب العالية الرصينة والعقول الراجحة الرزينة، قبضت عليهم يد المنايا فظفرت، ونقلوا إلى أجداث ما مهدت إذ حفرت ورحلوا بذنوب لا يدرون هل غفرت أو بقيت فالصحيح منهم بالحزن قد سقم والمدعو إلى دار البلى أسرع ولم يقم والكتاب قد سطر بالذنوب فرقم. ولذيذ عيشهم بالتنغيص قد ختم وفراقهم لأحبابهم وأموالهم قد حتم والولد قد ذل ويتم، فتفكروا في القوم كيف
стр. 352
رحلوا، وتذكروا ديارهم أين نزلوا، واسألوا منازلهم عنهم ماذا فعلوا فانتبه من رقادك قبل أن تصل ما وصلوا يا من غفل وسهى ولهى ونسى المقابر والبلى.
اللهم لا تشغل قلوبنا بما تكفلت لنا به، ولا تجعلنا في رزقك خولاً لغيرك، ولا تمنعنا خير ما عندك بشر ما عندنا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
٥٩- موعظة
قال بعض العلماء بعد سياقه لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ : أيها الناس لقد كانت الأمة الإسلامية فيما مضى مُتمسكة بكتاب الله، عاملةً بسنة نبيها ﷺ ، صحيحة في عقائدها. صالحة في أعمالها حسنةً في مُعاملاتها وعاداتها، كريمة في أخلاقها بصيرة في دينها راقية في آدابها وعلومها، فكانت عزيزة الجانب، قوية الشوكة، جليلة ً مهيبةً، صاحبة السلطان والصولة على من عداها، واليوم تغير أمرها، وتبدل حالها، اختلت عقائدها وفسدت أعمالها، وساءت معاملاتها وعاداتها، وتدهورت أخلاقها، وجهلت أمر دينها ودنياها، وتأخرت علومها وصنائعها فصارت ذليلة الجانب، ضعيفة الشوكة، ساقطة الكرامة، فاقدة الهيبة مغلوبة على أمرها، متأخرةً في مرافق حياتها تتخبط في ظلمات الجهل، وتنقاد للخرافات والأوهام، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ وما ذاك إلا لأنها خالفت كتاب ربها، وانحرفت عن طريق الهادي نبيها، وسارت وراء هواها، وفُتنت بزخارف الحضارة المزيفة، والمدنية الكاذبة
стр. 353
وظنت الإباحية حرية والخلاعة رُقياً، فتعدت حدود الدين والعقل. وأغضبت خالق الأرض والسماء فساءت حالها، وسُلط عليها عدوها، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أيها الناس لقد ذاقت الأمة وبال أمرها، وعوقبت بشر آمالها، وتجرعت مرارة الذل والهوان، والتفرق والانحلال، كل ذلك نتيجةٌ لازمة لعدم استقامة الأمة، وانحرافها عن الصراط المستقيم، ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ﴾ كل ذلك نازل بنا وواقع علينا، ونحن لا نفيق من سكرتنا، ولا ننتبه من غفلتنا، ولا ننزجر بالمحن والبلايا، ولا نعتبر بحوادث الأيام فلو كانت لنا نفوس حية وقلوب يقظة وشعور حي وإحساس قوي، لنبهتنا البلايا، وأيقظتنا المؤلمات.
أيها المسلم: الدين عقيدة صحيحة، وعبادة قوية، ومعاملات حسنة عادلة، وأخلاق كريمة، فانظروا وفكروا، وفتشوا على أنفسكم، هل أنتم سائرون في أعمالكم وأحوالكم على منهج الصراط المستقيم، أم أنتم منحرفون عنها، فألزِموها السير على الطريق على الطريق القويم، وفقنا الله وإياكم للاستقامة، وأمَّننا وإياكم من أهوال يوم القيامة، ووقانا وإياكم شر الحسرة والندامة، وغفر لنا ولكم ولجميع المسلمين، برحمته إنه أرحم الراحمين، وصلى الله على مُحمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
٦٠- موعظة
إخواني إنكم في دار هي محل العبر والآفات، وأنتم على سفر والطريق كثيرة المخافات، فتزودوا من دنياكم قبل الممات، وتداركوا هفواتكم قبل الفوات، وحاسبوا أنفسكم وراقبوا الله في الخلوات، وتفكروا فيما أراكم من
стр. 354
الآيات، وبادروا بالأعمال الصالحات، واستكثروا في أعماركم القصيرة من الحسنات، قبل أن يُنادي بكم مُنادِ الشتات، قبل أن يُفاجئكُم هادم اللذات، قبل أن يتصاعد منكم الأنين والزفرات قبل أن تنقطع قلوبكم عند فراقكم حسرات، قبل أن يغشاكم من غم الموت الغمرات، قبل أن تُزعجوا من القصور إلى بطون الفلوات، قبل أن يُحال بينكم وبين ما تشتهون من هذه الحياة قبل أن تتمنوا رجوعكم إلى الدنيا وهيهات.
شعراً:
بَكَى لأنْ مَاتَ مَيْتٌ من عَشيْرَتِهِ
وَقَالَ وَاحرَبَا وَصَاحَ يَا هَرَبَا
وَبَاتََ فَوْقَ حَشاهُ لِلأَسَىَ لَهَبٌ
إِذَا أَرَادَ خُبُوا فارَ وَالتَهَبَا
وَلَو رَآى بِصَحِيْحِ العَقْلِ حَيْنَ رَأى
وَكَشَّفَ اللهُ عَنْهُ لِلْهَوى حُجُبَا
لَمَّا رَأَى الدَّهْرَ مَيْتاً أَوْ أَحَسَّ بِهِ
إِلا بَكَى نَفْسَهُ المِسْكِيْنُ وَانْتَحَبَا
وَمَنْ رَأى السُّمْرَ في جَنْبَيْهِ شَارِعَةٌ
أنَّى يَرَاهَا بِجَنْب ناءَ أو قَرُبَا
وَطَلْعَةُُ الموتِ إِنْ تَطْلَعْ عَلَى أَحَدٍ
أَرَتْهُ في نَفْسِهِ مِنْ هَولِهَا عَجَبَا
وقال أحد العلماء ﵀ في موعظة وعظها ألاَّ إن الدنيا بقاؤها قليل،
стр. 355
وعزيزها ذليل، وغنيها فقير، شابها يهرم، وحيُّها يموت، ولا يغركم إقبالها مع معرفتكم بسرعة إدبارها، والمغرور من اغتر بها.
أين سكانها الذين بنوا مرابعها وشققوا أنهارها وغرسوا أشجارها وأقاموا فيها أياماً يسيرة وغرتهم بصحبتهم وغُرُّوا بنشاطهم فركبوا المعاصي إنهم كانوا والله بالدنيا مغبوطين بالمال على كثرة المنع عليه محسودين على جمعه.
ما صنع التراب بأبدانهم والرمل بأجسامهم والديدانُ بأوصالهم ولحومهم وعظامهم وإذا مررت فنادهم إن كنت منادياً وادعهم إن كنت لا بد داعيا.
ومُر بعسكرهم وانظر إلى تقارب منازلهم وسل غنيهم ما بقي من غناه وسل فقيرهم ما بقي من فقره واسألهم عن الألسن التي كانوا بها يتكلمون وعن الأعين التي كانوا بها ينظرون وسلهم عن الأعضاء الرقيقة، والوجوه الحسنة والأجساد الناعمة ما صنعت بها الديدان.
محت الألوان، وأكلت اللُّحمان، وعفرت الوجوه، ومحت المحاسن، وكسرت الفقار، وأبانت الأعضاء، ومزقت الأشلاء قد حِيل بينهم وبين العمل وفارقوا الأحبة.
فكم من ناعمٍ وناعمةٍ أصبحت وجوههم بالية، وأجسادهم من أعناقهم بائنة، وأوصالهم مُتمزقة، وقد سالت الحدق على الوجنات، وامتلأت الأفواه صديداً، ودبت دواب الأرض في أجسامهم، وتفرقت أعضاؤهم.
ثم لم يلبثوا إلا يسيراً حتى عادت العظام رميماً قد فارقوا الحدائق فصاروا بعد السعة إلى المضائق قد تزوجت نساؤهم وترددت في الطرق أبناؤهم.
فمنهم والله الموسَّعُ له في قبره الغض الناعم فيه المُتنعم بلذاته، فيا ساكن
следующие страницы →