← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 120

مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار

عبد العزيز السلمان

Полный текст (1 102 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

توزن عليك، وراقب مولاك الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وتب إليه توبة نصوحًا، قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢] . اللهم وفقنا لما وفقت إليه القوم وأيقظنا من سنة الغفلة والنوم وارزقنا الاستعداد لذلك اليوم الذي يربح فيه المتقون اللهم وعاملنا بإحسانك وجد علينا بفضلك وامتنانك واجعلنا من عبادك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون اللهم ارحم ذلنا بين يديك واجعل رغبتنا فيما لديك، ولا تحرمنا بذنوبنا، ولا تطردنا بعيوبنا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين. ٥٨- "موعظة في الحث على الإقبال على الآخرة " إخواني أين رفقاؤنا وإخواننا أين ذهب معارفنا وجيراننا أين أصدقاؤنا أين زملاؤنا وأقراننا أين علماؤنا العاملون بعلمهم أين آباؤنا وأجدادنا رحلوا وقل والله بعدهم بقاؤنا. هذه مساكنهم فيها غيرهم قد نسيناهم ونسيهم محبهم وجفاهم. أين أصحاب القصور الحصينة، والأنساب العالية الرصينة والعقول الراجحة الرزينة، قبضت عليهم يد المنايا فظفرت، ونقلوا إلى أجداث ما مهدت إذ حفرت ورحلوا بذنوب لا يدرون هل غفرت أو بقيت فالصحيح منهم بالحزن قد سقم والمدعو إلى دار البلى أسرع ولم يقم والكتاب قد سطر بالذنوب فرقم. ولذيذ عيشهم بالتنغيص قد ختم وفراقهم لأحبابهم وأموالهم قد حتم والولد قد ذل ويتم، فتفكروا في القوم كيف

стр. 352

رحلوا، وتذكروا ديارهم أين نزلوا، واسألوا منازلهم عنهم ماذا فعلوا فانتبه من رقادك قبل أن تصل ما وصلوا يا من غفل وسهى ولهى ونسى المقابر والبلى. اللهم لا تشغل قلوبنا بما تكفلت لنا به، ولا تجعلنا في رزقك خولاً لغيرك، ولا تمنعنا خير ما عندك بشر ما عندنا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ٥٩- موعظة قال بعض العلماء بعد سياقه لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ : أيها الناس لقد كانت الأمة الإسلامية فيما مضى مُتمسكة بكتاب الله، عاملةً بسنة نبيها ﷺ ، صحيحة في عقائدها. صالحة في أعمالها حسنةً في مُعاملاتها وعاداتها، كريمة في أخلاقها بصيرة في دينها راقية في آدابها وعلومها، فكانت عزيزة الجانب، قوية الشوكة، جليلة ً مهيبةً، صاحبة السلطان والصولة على من عداها، واليوم تغير أمرها، وتبدل حالها، اختلت عقائدها وفسدت أعمالها، وساءت معاملاتها وعاداتها، وتدهورت أخلاقها، وجهلت أمر دينها ودنياها، وتأخرت علومها وصنائعها فصارت ذليلة الجانب، ضعيفة الشوكة، ساقطة الكرامة، فاقدة الهيبة مغلوبة على أمرها، متأخرةً في مرافق حياتها تتخبط في ظلمات الجهل، وتنقاد للخرافات والأوهام، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ وما ذاك إلا لأنها خالفت كتاب ربها، وانحرفت عن طريق الهادي نبيها، وسارت وراء هواها، وفُتنت بزخارف الحضارة المزيفة، والمدنية الكاذبة

стр. 353

وظنت الإباحية حرية والخلاعة رُقياً، فتعدت حدود الدين والعقل. وأغضبت خالق الأرض والسماء فساءت حالها، وسُلط عليها عدوها، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أيها الناس لقد ذاقت الأمة وبال أمرها، وعوقبت بشر آمالها، وتجرعت مرارة الذل والهوان، والتفرق والانحلال، كل ذلك نتيجةٌ لازمة لعدم استقامة الأمة، وانحرافها عن الصراط المستقيم، ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ﴾ كل ذلك نازل بنا وواقع علينا، ونحن لا نفيق من سكرتنا، ولا ننتبه من غفلتنا، ولا ننزجر بالمحن والبلايا، ولا نعتبر بحوادث الأيام فلو كانت لنا نفوس حية وقلوب يقظة وشعور حي وإحساس قوي، لنبهتنا البلايا، وأيقظتنا المؤلمات. أيها المسلم: الدين عقيدة صحيحة، وعبادة قوية، ومعاملات حسنة عادلة، وأخلاق كريمة، فانظروا وفكروا، وفتشوا على أنفسكم، هل أنتم سائرون في أعمالكم وأحوالكم على منهج الصراط المستقيم، أم أنتم منحرفون عنها، فألزِموها السير على الطريق على الطريق القويم، وفقنا الله وإياكم للاستقامة، وأمَّننا وإياكم من أهوال يوم القيامة، ووقانا وإياكم شر الحسرة والندامة، وغفر لنا ولكم ولجميع المسلمين، برحمته إنه أرحم الراحمين، وصلى الله على مُحمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. ٦٠- موعظة إخواني إنكم في دار هي محل العبر والآفات، وأنتم على سفر والطريق كثيرة المخافات، فتزودوا من دنياكم قبل الممات، وتداركوا هفواتكم قبل الفوات، وحاسبوا أنفسكم وراقبوا الله في الخلوات، وتفكروا فيما أراكم من

стр. 354

الآيات، وبادروا بالأعمال الصالحات، واستكثروا في أعماركم القصيرة من الحسنات، قبل أن يُنادي بكم مُنادِ الشتات، قبل أن يُفاجئكُم هادم اللذات، قبل أن يتصاعد منكم الأنين والزفرات قبل أن تنقطع قلوبكم عند فراقكم حسرات، قبل أن يغشاكم من غم الموت الغمرات، قبل أن تُزعجوا من القصور إلى بطون الفلوات، قبل أن يُحال بينكم وبين ما تشتهون من هذه الحياة قبل أن تتمنوا رجوعكم إلى الدنيا وهيهات. شعراً: بَكَى لأنْ مَاتَ مَيْتٌ من عَشيْرَتِهِ وَقَالَ وَاحرَبَا وَصَاحَ يَا هَرَبَا وَبَاتََ فَوْقَ حَشاهُ لِلأَسَىَ لَهَبٌ إِذَا أَرَادَ خُبُوا فارَ وَالتَهَبَا وَلَو رَآى بِصَحِيْحِ العَقْلِ حَيْنَ رَأى وَكَشَّفَ اللهُ عَنْهُ لِلْهَوى حُجُبَا لَمَّا رَأَى الدَّهْرَ مَيْتاً أَوْ أَحَسَّ بِهِ إِلا بَكَى نَفْسَهُ المِسْكِيْنُ وَانْتَحَبَا وَمَنْ رَأى السُّمْرَ في جَنْبَيْهِ شَارِعَةٌ أنَّى يَرَاهَا بِجَنْب ناءَ أو قَرُبَا وَطَلْعَةُُ الموتِ إِنْ تَطْلَعْ عَلَى أَحَدٍ أَرَتْهُ في نَفْسِهِ مِنْ هَولِهَا عَجَبَا وقال أحد العلماء ﵀ في موعظة وعظها ألاَّ إن الدنيا بقاؤها قليل،

стр. 355

وعزيزها ذليل، وغنيها فقير، شابها يهرم، وحيُّها يموت، ولا يغركم إقبالها مع معرفتكم بسرعة إدبارها، والمغرور من اغتر بها. أين سكانها الذين بنوا مرابعها وشققوا أنهارها وغرسوا أشجارها وأقاموا فيها أياماً يسيرة وغرتهم بصحبتهم وغُرُّوا بنشاطهم فركبوا المعاصي إنهم كانوا والله بالدنيا مغبوطين بالمال على كثرة المنع عليه محسودين على جمعه. ما صنع التراب بأبدانهم والرمل بأجسامهم والديدانُ بأوصالهم ولحومهم وعظامهم وإذا مررت فنادهم إن كنت منادياً وادعهم إن كنت لا بد داعيا. ومُر بعسكرهم وانظر إلى تقارب منازلهم وسل غنيهم ما بقي من غناه وسل فقيرهم ما بقي من فقره واسألهم عن الألسن التي كانوا بها يتكلمون وعن الأعين التي كانوا بها ينظرون وسلهم عن الأعضاء الرقيقة، والوجوه الحسنة والأجساد الناعمة ما صنعت بها الديدان. محت الألوان، وأكلت اللُّحمان، وعفرت الوجوه، ومحت المحاسن، وكسرت الفقار، وأبانت الأعضاء، ومزقت الأشلاء قد حِيل بينهم وبين العمل وفارقوا الأحبة. فكم من ناعمٍ وناعمةٍ أصبحت وجوههم بالية، وأجسادهم من أعناقهم بائنة، وأوصالهم مُتمزقة، وقد سالت الحدق على الوجنات، وامتلأت الأفواه صديداً، ودبت دواب الأرض في أجسامهم، وتفرقت أعضاؤهم. ثم لم يلبثوا إلا يسيراً حتى عادت العظام رميماً قد فارقوا الحدائق فصاروا بعد السعة إلى المضائق قد تزوجت نساؤهم وترددت في الطرق أبناؤهم. فمنهم والله الموسَّعُ له في قبره الغض الناعم فيه المُتنعم بلذاته، فيا ساكن

стр. 356

القبر ما الذي غرك في الدنيا هل تظن أنك تبقى أو تبقى لك أين دارك الفيحاء ونهرك المطرد وأين ثمرتك الحاضر ينعُها وأين رقاق ثيابك وأين كسوتك لصيفك وشتائك هيهات هيهات يا مُغمض الوالد والأخ وغاسله وحامله يا مُدلِّيهِ في قبره وراحل عنه، ليت شعري كيف نمت على خُشُونةِ الثرى، وبأيِّ خديك بدأ البلى، يا مُجاور الهلكى صرت في مَحَلَّةِ الموت، ليت شعري ما الذي يلقاني به ملك الموت عند خروج روحي من الدنيا. اللهم ثبتنا على قولك الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم وأيدنا بنصرك وارزقنا من فضلك ونجنا من عذابك يوم تبعث عبادك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على مُحمدٍ وآله وسلم. ٦١- موعظة عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله فالزموها، وأحُثُّكم على الأعمال الصالحة فاغتنموها، إن الزمان يَطوي بكم مسافة الأعمار لا شك وأنتم راحلون عن هذه الدار فيا معشر الشيوخ ماذا تنتظرون بعد المشيب وهل بعده إلا الموت فإن الموت قريب إنه ليس إلى البقاء من سبيل فماذا تزودتم للرحيل ويا معشر الشباب أنفقتم غرر الأعمار عند المذياع والكرة ونحو ذلك مما يصدُّكُم عن ذكر الله وعن الصلاة ويا معشر التجار لقد ضاعت أعماركم في "ألو" و"كم ربح فلان" و"كم بيع البيت الفلاني والأرض الفلانية" وخذ هذه الجريدة وأعطني الأخرى ألا صرفتم بعض الوقت إلى المسابقة إلى غرف الجنة وأراضيها وأنفقتم بعض ما وهبكم الله من المكاسب إلى ما يُرضي الله من تفقد الفقراء الذين ليس لهم موارد لا قليلة ولا كثيرة ممن يستعينون بها على

стр. 357

طاعة الله ومن مساجد تحتاج إلى ترميم أو فُرُشٍ وإلى إنشاء مساجد عند من ليس عندهم شيء منها أو إلى طباعة مصاحف طباعة جيدة فتوزعوها على التالين للقرآن آناء الليل والنهار أو طبع كتب دينية فيها تقوية للشريعة ونشر لمحاسن الإسلام ككتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وابن رجب وابن مُفلح وابن كثير والموفق والمجد والشيخ المُجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ونحوهم من العلماء العاملين بعلمهم المُصلحين المُخلصين الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم نسأل الله أن يُيسر لنا في هذا الزمان أمثالهم لنصر دينه إنه القادر على ذلك. شعراً: المَالُ يَذْهَبُ حِلَّهُ وَحَرَامَهُ طُراً وَتَبْقَى في غَدٍ آثَامَهُ لَيْسَ التَّقِيُّ بمُتَّقِ لإِلاهَهِ حَتَّى يَطِيبُ شَرَابُهُ وَطَعَامُه وَيَطِيبُ مَا يَحْوِي وَيَكْْسِبُ كفُّهُ وَيَكُوْنُ في حُسْنِ الحَديْثِ كَلامُهُ نَطَقَ النَّبِيُّ لَنَا بِهِ عَنْ رَبِّهِ فَعَلى النَّبِيِّ صَلاتُهُ وَسَلامُهُ اللهم طهر قلوبنا من النفاق وعملنا من الرياء وطهر مكسبنا من الربا وألسننا من الكذب ووفقنا لمصالحنا واعصمنا عن ذنوبنا وقبائحنا ولا تؤاخذنا بما انطوت عليه ضمائرنا وأَكَنْتهُ سرائرنا من أنواع القبائح والمعائب واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على مُحمدٍ

стр. 358

وعلى آله وصحبه أجمعين. ٦٢- خطبة في (شؤم المعاصي وخطرها) الحمد الله كتب العزة والكرامة لمن أطاعه. وقضى بالذل والهوان على من عصاه، نحمده سبحانه ونشكره، لا رب لنا سواه ولا نعبد إلا إياه. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، العالم بما في الكون من حوادثٍ وخطوب، وبما ألم بالمسلمين من شدائدٍ وكروب، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله وبارك عليه وعلى آله وصحبه وكل من سار على نهجه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ، عباد الله: اتقوا الله واحذروا وخافوا ما أنذرتكم منه. هذه الآية إذ هي نصٌ صريح بأن الله لا يؤاخذ قوماً إلا بما كسبت أيديهم فلا يُغير تعالى ما بهم من نعمةٍ بنقمة أو عافيةٍ ببلاء أو أمنٍ بخوف أو سرورٍ بحزن أو غِنىً بفقر حتى يُغيروا ما بأنفسهم فيُقابل الشكر بالكفران والطاعة بالعصيان تلكم سُنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلاً. أيها المسلمون يظهر لنا جلياً مصداق الآية الكريمة وشاهدها من التأمل في ماضي المسلمين الوضاء وحاضرهم المظلم وما طرأ عليه من تحولٍ فظيع لما أن غيروا وتهاونوا بحرمات الله ففي الماضي إبان أن كانت الأمة الإسلامية صادقة في دعوتها، متمسكة بكتاب ربها عاملةً بسنةِ نبيها صحيحة العقائد كريمة الأخلاق حسنة المعاملة بصيرةً في دينها ودنياها كانت مُهابة، قوية الشوكة، عظيمة الجانب، صاحبة السلطة، تغزو القلوب قبل الأجسام يقول سبحانه: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ ، ويقول ﷺ : «نصرت بالرعب مسيرة شهر» وبعد أن وهن المسلمون وضعفوا وفُتنوا أو معظمهم، بزخارف الدنيا وساروا

стр. 359

وراء أطماعهم الخاصة واتبعوا شهواتهم وأهواءهم وغاروا لأنفسهم ولم يغاروا لحرمات الله والتمسوا الأعذار للمخلوقين ونسوا أو تناسوا مسؤولية رب العالمين. بعد أن وجد فيهم ذلكم سافراً أعذر الله فيهم فسلط عليهم ذلاً لا ينزعه حتى يرجعوا إلى دينهم وتداعت عليهم الأمم من كل حدبٍ وصوب حتى أصبحوا خائفين بعد أن كانوا مخوفين، ومغزيين بعد أن كانوا غازين، وهائبين بعد أن كانوا مهيبين فلا حول ولا قوة إلا بالله. روى الإمام أحمد عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها» قلنا يا رسول الله أمن قلةٍ بنا يومئذٍ؟ قال: «أنتم يومئذٍ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل تنزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم الوهن» قالوا: وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت» . وما ذلكم يا عباد الله إلا شؤم المعاصي وثمرات الذنوب التي أفقدتنا أعظم عدة وأنكى سلاح وهو غزو القلوب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ، فهم ذلكم عقلاء الإسلام فحذروه كل الحذر. روى الإمام أحمد ﵀ عن عبد الرحمن بن جبير بن نغير عن أبيه قال: لما فتحت قبرص وفرق بين أهلها فبكى بعضهم إلى بعض فرأيت أبا الدرداء جالساً يبكي فقلت: يا أبا الدرداء ما يُبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله فقال: ويحك يا جبير ما أهون الخلق على الله إذا أضاعوا أمره بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى. عباد الله: حذار أن تستهينوا بمحارم الله ومعاصيه فإن لها حامياً غيوراً يُراقب السر والجهر ويعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور. فحذار من معاصيه فإنكم بارتكابها تؤججون نار إحراقكم وتحفرون الهوى السحيقة لأنفسكم فقد أخبر القرآن الكريم عن مصير العُصاة وما لاقوه من نتائج

стр. 360

وخيمة في العاجل والآجل فما الذي يا عباد الله أخرج الأبوين من الجنة دار اللذةِ والنعيم إلى دار الأحزان والآلام إلا شؤم أكلةً واحدة نُهيا عنها وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وصيره طريداً مصدراً لكل شقاء إلا تكبره وامتناعه من الإتيان بسجدةٍ واحدة، وما الذي أغرق أهل الأرض حتى علا الماء رءوس الجبال وسلط الريح العقيم على قومِ عاد وأرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم وما الذي رفع قوم لوط حتى سمع أهل السماء صوت كلابهم ثم قلبها عليهم وما الذي خسف الأرض بقارون وأغرق فرعون وهامان وجنودهما، ما الذي أطاح بعروش كثيرة أضحى أهلها بعد العز أُلعوبة في يد الطغاة إلا شؤم ذنوبهم وما ذكر الله أولئكم في كتابه الكريم إلا ليخوفنا ويُنذرنا ويُحذرنا مما حل بهم. فحذارِ عباد الله من معاصي الله فإنها شهوةٌ قصيرة عاجلة تعقبها حسرةٌ دائمة ونارٌ حامية. حذارِ فقد وضح السبيل ولن ينفع عند الله مُلفق الأعذار ولا التأويل. نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وجعلنا من أهله. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِ ذنبٍ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. ٦٣- خُطبة في (فضل الشهادة بالحق) وضرر كتمها - وخطر شهادة الزور الحمد لله الخبير فلا تخفى عليه خافية يعلم ما توسوس به نفس المرء وما ينطق به سراً أو علانية. أحمده سبحانه أمرنا بحفظ ألسنتنا عن قول الزور والفحشاء وأسأله التوفيق لقول الحق في السراء والضراء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا مُحمداً عبده ورسوله بشر الصادقين

стр. 361

بجناتٍ تجري من تحتها الأنهار. وآذن الكاذبين بسوء العاقبة والنار والدمار. صلى الله وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أهل الصدق في الأقوال والأفعال والبُعد عن الزيغ والضلال وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا أيها المسلمون اتقوا الله واسمعوا قوله سبحانه بآذانٍ مُصغية وقلوبٍ واعية تنشد الحق لتتبعه، يقول جل من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنَفْسُكَمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ ، عباد الله: ها هو جل وعلا أمركم بالقسط الذي هو العدل وبأن تكون شهادتكم بحق لشخص أو عليه مُراداً بها وجه الله سبحانه. أمركم بالإتيان بالشهادةِ على وجهها من غير التواء أو تأويل: ومن يُطع الله فقد وقع أجره على الله فتحروا رحمكم الله في شهاداتكم وأقوالكم الحق الذي لا غبار عليه فبشهادة الحق إثبات الحقوق وتوطيد دعائم الأمن وإياكم وتحكيم عاطفة القرابة في الشهادة. إياكم والميل إلى غنيٍ لغناه أو فقيرٍ رحمةً به فالله أولى بعباده منكم فقد تظنون أن الشهادة بالحق عليهم نقمة وهي في باطن الأمر نعمة. عباد الله: إن الشهادة بالحق لا يؤديها إلا نفوس علوية متنزهة عن أن تريد بها الدنيا وحطامها الفاني نفوس متطلعة إلى الفردوس إلى الرحيق المختوم الذي ختامه مسك فاستسيغوا رحمكم الله في أدائها كل مرارة واستسهلوا كل صعبٍ سواء كان سيراً إلى المحاكم أو انتظاراً أو كان في ذلك إغضاب لأحد ففي تأخركم عن أداء شهادة بحق تعلمونه إثمٌ كبير والله يقول: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ﴾ ، وإن القلب يا عباد الله مصدر الفساد والصلاح فإذا أثم القلب فماذا يبقى بعد ذلك فلا تكتموها ففي كتمانها شرٌ على بني الإنسانية التي أمرتم بجلب الخير لهم ودفع الشر عنهم.

стр. 362

عبادالله: إذا كان كتم الشهادة فيه ضرر على البشرية واختلال لنظامها فهناك ما هو أشد منه إثماً وأكبر خطراً وما أدراكم ما هو، هو الجريمة العظمة والطامة الكبرى شهادة الزور التي كادت تعدل الإشراك بالله شهادة الزور التي تهددنا في أموالنا ودمائنا وأمننا تلكم التي أخربت بيوتاً عامرة وأزهقت أرواحاً بريئة وأهدرت حقوقاً واضحة فما فشت في أمة إلا وسادت فيها الفوضى وتحكمت فيها الأهواء، لذا وغيره من أضراره الخطرة حذرنا الرسول ﷺ منها بقوله: «ألا أُنبئكم بأكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس» يقول الراوي: كان متكئاً فجلس ثم قال: «وشهادة الزور وقول الزور» وما زال يُكررها حتى قلنا ليته سكت. فحذار معشر المسلمين من شهادة الزور وقوله فإن فيها إساءة على قضاة المسلمين بتلبيس الحق عليهم فيها إساءة إلى المشهود له بمساعدته على الإثم والعدوان. فيها إساءة إلى من حرمه حقه بشهادته وخذله في حين حاجته إلى نصرته فليتق الله شاهد الزور وقائل الزور وليتُب إلى الله قبل أن يوقف بين يدي أحكم الحاكمين وأعدل العادلين الذي سيقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء. ليتب إلى الله قبل أن يُساق إلى جهنم مع المجرمين فو الله لو علم ما أعد الله له من الخزي العاجل والعذاب الأليم في الآخرة لتمنى أن لسانه قطع قبل أن ينطق بشهادة زور أو كلمة زور فاتقوا الله أيها المسلمون: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ . نفعني الله وإياكم بهدي كتابه أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 363

خطبة في (أكلُ الأموال بالباطل - وخَطَرُ الرِشُّوة) الحمد لله الهادي إلى سبيل الرشاد. أحمده تعالى وأعوذ به من مفاتن الدنيا ونزعات الفساد. وأشكره وأسأله التوفيق المتواصل والسداد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمرنا بالأكل من طيبات الأموال. ونهانا عن كل ما فيه خطر على كياننا من الأعمال. وأشهد أن سيدنا ونبينا مُحمداً عبده ورسوله صلى الله وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد فيا عباد الله إليَّ بالآذان المُفتحة والقلوب الواعية إليَّ لنتعقل ونتفهم الوحي السماوي الذي جاء بما يكفل سعادة الفرد والمجموع جاء بما إن تمسكنا به لن نضل أبداً. جاء بما يُقوي الروابط ويحفظ الصلات يقول سبحانه: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، عباد الله: نهاكم الله في هذه الآية الكريمة عن أن تأكلوا أموالكم أو أن يأكل بعضكم مال بعضٍ بالباطل. وأكله بالباطل أكله من غير الوجه الذي أباحه الإسلام فكلما أنفقه الإنسان في حرام أو فيما لا فائدة فيه فهو أكلٌ له بالباطل وما أخذ من إنسان بغير وجه شرعي كالزيادة الربوية وأثمان الجزء المغشوش من الأعيان وما كسب بالقمار وما يُدفع للكاهن ومهر البغي والرشوة وما إلى ذلك من غلول وشُبهةٍ فكل من وصل إليه مال من هذه الطرق يُعد آكلاً لمال غيره بالباطل وكل من أنفق فيما لا فائدة فيه يُعد مُنفقاً في باطل والباطل هو الزائل الذاهب الذي عاقبته الويل والخسران وما أحرى وأحق - يا عباد الله - أهل هذه الجرائم الذين أعرضوا عن هذه التعاليم السماوية الكريمة: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ، ما أحقهم بالعذاب الأليم وتصلية الجحيم. عباد الله: إن من أكبر الكبائر أكل الأموال بالباطل وأخبثها أخذ

стр. 364

الرشوة أو إعطاءها فذلكم الداء الخطر داء السرطان الذي ما خالط جسماً إلا وقضى عليه ما لم يُستأصل فما خالطت الرشوة عملاً إلا أفسدته، ولا نظاماً إلا قلبته ولا قلباً أو طريقاً منيراً إلا أظلمته فما فشت في أمةٍ إلا وأطاحت بسلطانها ما وُجدت في أمةٍ إلا وحل الغش فيها محل الإخلاص والخيانة محل الأمانة ولا غرو فكم لله من ألسنةٍ ناطقة أخرستها وضمائر وأدتها، لذا وغيره من أضرارها السيئة وعواقبها الوخيمة لم يقف النظم القرآني بإدخالها في الباطل فقط بل قال بعد ذلك مؤكداً لتحريمها ومُحذراً من سوء عاقبتها: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [أي ولا تدلوا بالأموال إلى الحكام. والإدلاء المنهي عنه له معنيان أحدهما أن الله سبحانه ينهاك أيها المسلم أن تُدلي بحجتك إلى الحاكم ليُحلل لك ما أكلته بالباطل. والحاكم إنما يحكم بالظاهر فحكمه لا يحرم حلالاً في باطن الأمر ولا يحل حراماً يقول رسول الله ﷺ : «إنكم تختصمون إليَّ فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قطعت له من حق أخيه شيئاً فإنما أقطع له قطعة من نار فليأخذها أو ليدعها» . المعنى الثاني للإدلاء أن الله سبحانه ينهاكم أن تُعطوا الحاكم شيئاً من المال ملتمسين بذلكم استمالته في الحكم كي تتوصلوا إلى أكل طائفة من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون ما أنتم عليه من باطل وظلم تعلمون أنكم بذلك أسأتم إلى أنفسكم وعرضتموها للعنة الله وغضبه وعقابه يقول رسول الله ﷺ : «لعن الله الراشي والمرتشي والرائش» ، وروى الطبراني عن ابن مسعود موقوفاً قال: «الرشاء في الحكم كفر وفيما بَيْنَ الناس سُحت» . عباد الله: ليست الرشوة المتوعد أهلها بالطرد والإبعاد من رحمة الله مقصورة على دفع مال إلى حاكم وشبهه بل كل نفع تقدمه إلى حاكم أو

стр. 365

رئيس مصلحة أو مأمور ثغر تقصد بذلك استمالته واستغلال منصبه في باطل فهو رشوة جاء الحديث النبوي مُثبتاً إن هدايا العمال غلول استعمل رسول الله ﷺ رجلاً على الصدقة يُقال له ابن اللتبية فلما قدم على رسول الله ﷺ قال: هذا لكم وهذا أهديَّ إليّْ، فغضب رسول الله ﷺ من ذلك وصعد المنبر فقال: «ما بال أحدكم نستعمله فيقول هذا لكم وهذا أُهديَّ إِليّْ هلا قعد أحدكم في بيت أمهٍ فينظر ماذا يُهدي إليه» فاتقوا الله عباد الله وتعاونوا على تطهير نفوسكم ومجتمعكم من داء الرشوة فإنه مُهدر للحقوق مُعطل للمصالح فحذار منه فإن فشوه في أُمةٍ مؤذن بهلاكها كيف لا وهي مُساعدة على الإثم والعدوان تقدم الجهلاء وتؤخر الأكفاء ترفع الخامل وتضع المُجد العامل فحذار من الرشى يا عباد الله فإنها فخ المروءة وقبر الأمانة والشرف لا يقدم عليها إلا خائن وضيع دنيء النفس سافل المروءة مساوم في دينه وكرامته. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم لما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِ ذنبٍ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. ٦٤- موعظة أيها الإخوان لقد ذهب أكثر عامكم وفات، وتقضت أيامه ولياليه وأنتم مُنهمكون في اللذات، فما أسرع ما تضرمت منه الأوقات، وما أكثر ما خطبكم لسان حاله بزواجر العظات، وما أطول ما نادى بكم مُنادي الشتات. أبنيَّ أبيْنَا نَحنُ أهلُ مَنَازِلٍ

стр. 366

أبداً غُرابُ البَيْنِ فيها ينعِقُ فطوبى لمن تدارك الهفوات، وبُشرى لمن لازم تقوى الله، وعمل بالباقيات الصالحات، وهنيئاً لمن أذهب السيئات بالحسنات، ويا خيبة من شغلته الملاهي والمنكرات، عن طاعةِ رفيع الدرجات، وما أعظم خسارة من باع نفيس آخرته بخسيس دُنياه، وحسرةً له يوم: ﴿تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ ، وتعساً وجدعاً له: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ . عباد الله: قد سبق ذكر الموت وأحوال الميت في سكراته وفتنة القبر وسؤال مُنكر ونكير وعذاب القبر ونعيمه وخطر من كان مسخوطاً عليه وأعظم من ذلك الأخطار التي بين يديه من نفخ الصور والبعث والنشور والعرض على الجبار والسؤال عن الدقيق والجليل، ونصب الميزان لمعرفة المقادير. ثم جواز الصراط مع دقته وحدته ثم انتظار النداء عند فصل القضاء إما بالإسعاد وإما بالإشقاء فهذه أحوال وأهوال لا بد من معرفتها ثم الإيمان بها على سبيل الجزم والتصديق ثم تطويل الفكر في ذلك اليوم الذي مقداره خمسون ألف سنة. كما جاء في الكتاب والسُنة يجمع الله فيه الأولين والآخرين في صعيدٍ واحد يُسمعهم الداعي وينفذهم البصر لا يغيب منهم أحد وتدنو منهم الشمس ويُلجمهم العرق هذا اليوم هو اليوم الذي: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ .

стр. 367

في ذلك اليوم يبلغ الأمر من الحيرة والدهشة والاضطراب والذهول أن تذهل المرضعة عن ولدها الذي فمه في ثديها وهو أعز شيء لديها فكيف بالذهول عما سواه وتسقط الحوامل من الفزع والرعب والروع ما في بطونها من الأجنة قبل التمام وترى الناس كأنهم سُكارى من شدة الروع والفزع والخوف الذي صير من رآهم يُشبههم بالسكارى لذاهب عقولهم من شدة الخوف كما يذهب عقل السكران من الشراب: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ ، تكون الأرض كالسفينة في البحر عند اضطراب الأمواج تكفأ بأهلها. فيميد الناس على ظهرها ويتساقطون من شدة الأمر وبلوغه أقصى الغايات ولهذا أذهل العقول وأذهب التمييز والفكر والصحو إنه يوم القيامة: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ . إنها لهزة عنيفة للقلوب الغافلة حيث ترجف الأرض الثابتة ارتجافاً وتزلزل زلزالاً وتنفض ما في جوفها نفضاً وتُخرج ما يُثقلُها من أجساد ونقود وغيرها مما حملته طويلاً وهو مشهد يهز كل شيء ثابت والأرض تهتز والسماء تمور. إنه لمشهد مُجرد تصوره، يخلع القلوب يرى الإنسان ما لا يعهد ويواجه ما لا يُدرك ويشهد ما لا يملك الصبر أمامه ولا السكوت عنه: ﴿وَقَالَ الإنْسَانُ مَا لَهَا﴾ ، ما الذي يُزلزلها هكذا ويرُجها رجاً. وكأنه من شدة ما نزل يتمايل على ظهر الأرض ويتشبث ويحاول أن يُمسك بشيءٍ لعله يثبت لأن كل ما حوله يمور موراً شديداً قد امتلأ من الرعب والفزع والدهشة والعجب. يرى الجبال وهي تسير: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ ، هذه الجبال وقد

стр. 368

نُسفت وبُست وراءها ذرات في الهواء: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ ، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ ، ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ . هذه تُصرح وتشير إلى حدثٍ عظيم تتزلزل منه الجبال وتذهب هباءً يتلاشى ثباتها ورُسُوخها واستقرارها وتماسكها والإنسان ينظر ولا يكاد يلتقط أنفاسه: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ . هنا يُشاهد ويُواجه الحشر والحساب والوزن والجزاء ويقف جبريل ﵇ والملائكة صفاً بين يدي الرحمن: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ ، ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ ، ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ ، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ . وموقف هؤلاء المُقربين صامتين خاشعين خاضعين لعظمة الله: ﴿وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا﴾ ، ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ . موقفهم هكذا صامتين لا يتكلمون إلا بإذنٍ من الرحمن يُلقي في النفس الرهبة والرُعب والفزع من ذلك اليوم العظيم الذي ينكشف فيه كل مستور ويعلم فيه كل مجهول. وتقف فيه النفس أمام ما أحضرت من الرصيد والزاد في موقف الفصل والحساب: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ ، ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ ، ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ ، ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ .

стр. 369

في ذلك اليوم يكون التغير العظيم الشامل للمعهودات السموات والأرض الشمس مُكورة والنجوم منكدرة والسماء مُنشقة والوحوش النافرة محشورة والأنعام والطيور والعشار مُعطلة: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ ، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ ، ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلا﴾ ، ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ . هذه الآيات وأمثالها تشير إلى ذلك الحادث الهائل في الكون كله ولا يعلم حقيقته إلا الله إنه حادث عظيم ترجف الأرض منه وتخاف وتنهار فكيف بالخلق الضعاف المهازيل الذين تهزهم الصواعق هزاً وتخلع قلوبهم خلعاً: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا * السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ ، ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾ . وفي وسط هذا الرعب والخوف والقلق والفزع والذهول والانقلاب يتساءل الإنسان المذعور أين المفر ويبدو ذلك في سؤاله وكأنما ينظر في كل اتجاه فإذا هو مسدود دونه مأخوذ عليه ولا ملجأ ولا محيص ولا منفذ ولا وقاية من قهر الله وأخذه، والرجعة إليه والمصير والمستقر عنده: ﴿كَلا لا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ ، ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا﴾ . ففي هذا الموقف الرهيب يتبين عجز الخلائق وضعفهم وكمال سلطان الله وقدرته ونفوذ مشيئته: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ إنكم في قبضة الله: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ إنه ليومٌ عصيب وموقفٌ رهيب: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ

стр. 370

أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ . فلا مجال لهرب أحد ولا نسيان لأحد فعين الله على كل فرد وكل فرد يقوم وحيداً لا يأنس بأحد فإذا هو فريد وحيد أمام الديان: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ ، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيه﴾ . مشهد المرء يفر وينسلخ ويهرب من أقرب الناس إليه وألصقهم به أولئك الذين تربطهم به وشائج وروابط لا تنفصم ولكن الصاخة والطامة تُمزق هذه الروابط وتُقطَّع الوشائج والصلات: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ . فالهول يُفزع النفس ويُقلقها ويفصلها من محيطها ويستبد بها استبداداً فلكلٍّ نفسه وشأنه ولديه الكفاية من الهم الخاص به الذي لا يدع له فضلة من وعي أو جهد: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيه﴾ ، ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ . فها هي ذي الساعة التي يغفل عنها الغافلون ويلهوا عنها اللاهون ويستعجل بها المستعجلون: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ ، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ . وهؤلاء المجرمون حائرين يائسين لا أمل في النجاة ولا رجاء ولا خلاص بل قد أيقنوا في العطب: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ

стр. 371

يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ ، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ . هنا يعترفون بالخطيئة ويُقرون بالحق الذي جحدوه بالدنيا ويُعلنون اليقين بما شكوا فيه ويطلبون العودة إلى الدنيا لإصلاح ما فات في الدنيا ومنظرهم إذ ذاك مُفزع مُخيف وهم ناكسوا الرءوس خجلاً وخزياً. فالأمر أمر فظيع والحال مُزعجة أقواماً حاسرين مكروبين وسؤال غير مُجاب لفوات وقت الإمهال: ﴿وَقَالُوا آَمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ . فيا عباد الله انتبهوا من رقدتكم واستدركوا بقية أعماركم واحذروا الانهماك في دار الغرور فالويل كل الويل لكم إن أدرككم الموت وأنتم على هذه الحالة، زينتم الفلل والقصور ونسيتم القبور، اذكروا القبر وظلمته ووحشته والموت وسكرته والميزان وخفته أو رجحته والكتاب وأخذته والصراط ودقته، والموت، سكرة في سكرة وحيرة في حيرة وجذبةٌ يا لها من جذبة وكربة يا لها من كُربة فالمسكين يُكابد غصص المنون داهش العقل كالمحزون. فالله الله عباد الله أفيقوا من سكراتكم وانتبهوا من نوماتكم واستيقظوا من غفلاتكم قبل مُفاجأة المنية وحلول الرزية ووقوع البلية حيث لا مال ولا ولد نافع ولا حميم شافع ولا فرح واقع ولا رجاء طامع ولا حسنة تُزاد ولا سيئة تُحذف ولا حياة تُعاد ويُزودُك أحبابك بالحزن عليك والبكاء فلا عثرةٌ تُقال ولا رجعة تُنال. اللهم يا مُصلح الصالحين أصلح فساد قلوبنا واستر في الدنيا والآخرة عيوبنا واغفر بعفوك ورحمتك ذنوبنا، وهب لنا مُوبقات الجرائر واستر علينا يا

стр. 372

مولانا فاضحات السرائر، ولا تُخلنا في موقف القيامة من برد عفوك وغفرانك ولا تتركنا من جميل صفحك وإحسانك وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على مُحمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. ٦٥- "موعظة في الحث على الإقبال على الآخرة " إخواني أين رُفقاؤنا وإخواننا أين ذهب معارفنا وجيراننا أين أصدقاؤنا أين زُملاؤنا وأقراننا أين عُلماؤنا العاملون بعلمهم أين آباؤنا وأجدادنا رحلوا وقلَّ والله بعدهم بقاؤنا هذه مساكنهم فيها غيرهم قد نسيناهم ونسيهم مُحبهم وجفاهم. أين أصحاب القصور الحصينة، والأنساب العالية الرصينة والعقول الراجحة الرزينة، قبضت عليهم يدُ المنايا فظفرت، ونُقلوا إلى أجداث ما مُهدت إذ حُفرت ورحلوا بذنوبٍ لا يدرون هل غُفرت أو بقيت فالصحيح منهم بالحزن قد سقم والمدعو إلى دار البلى أسرع ولم يقم والكتاب قد سطر بالذنوب فرُّقِم، ولذيذ عيشهم بالتنغيص قد ختم وفراقهم لأحبابهم وأموالهم قد حُتم والولد قد ذل ويُتم، فتفكروا في القوم كيف رحلوا، وتذكروا ديارهم أين نزلوا، واسألوا منازلهم عنهم ماذا فعلوا فانتبه من رقادك قبل أن تصل ما وصلوا يا من غفل وسهى ولهى ونسي المقابر والبلى. ٦٦ - موعظة عباد الله إن التوبة من الذنوب مفتاح السعادة في هذه الدار وفي دار القرار، وإنما كانت التوبة كذلك لأن بها يغفر الله الذنوب جميعاً لا فرق بين صغارها والكبار ولأن التائب إذا صحت توبته بأن اجتمعت شروطها وانتفت

стр. 373

الموانع يصبح بالتوبة أميناً على دينه لا يُخل بواجب من واجبات الإسلام فتوبوا عباد الله توبةً نصوحاً لتستنير قلوبكم وأبدانكم بدل ظلمات كانت مُخيمة عليها تُثقلكم عن طاعة مولاكم وستجدون بإذن الله انشراحاً في صدوركم بدل انقباضها وضيقها فإن الذنوب تؤثر على القلوب والأبدان انقباضاً يشتد على المُصِرِّ على الذنوب حتى يضيق به فسيح الأرجاء ولك أيها التائب العامل بالطاعات الأمل القوي بتوالي الطاعات لأن الخيرات تُنتج بإذن الله بعضها بعضاً ولك الأمل القوي بأن تنقاد لك الأرزاق بعد أن كانت مُمتنعة فتُصبح في يُسر بعد أن كنت في إعسار ولك الأمل في أن العداوات التي كانت بينك وبين الخلق تُصبح بإذن الله حباً يلفت الأنظار ذلك أن الذنوب والمعاصي هي أسباب الشرور والعقوبات المؤلمات وأن المرء بالتوبة منها يُرضي بديع الأرض والسموات فتأكد أيها الأخ أن التوبة هي الينبوع الفياض لكل خير في الدنيا والآخرة فلا تشك في أن الله تعالى يُفيض من فضله وجوده ما يُفيض على من أخلص العمل لجلاله فتُب أيها الأخ واصدق في التوبة واسأله أن يُبلغك بها رضوانه وأن يجعلك من حزبه المُفلحين الذين: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ، فتعيش وتموت وتُبعث في رعاية ربك ولُطفه وغيرك ممن لم يتوبوا في إهانته البالغة يتقلبون فعليك بالاعتماد على الله والتوكل عليه واللجاء إليه دائماً مُتضرعاً مُتملقاً. اللهم اعمر قلوبنا وألسنتنا بذكرك وشكرك ووفقنا للامتثال لأمرك وأمِّنا من سطوتك ومكرك واجعلنا من أوليائك المتقين وحزبك المفلحين واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 374

٦٧- "موعظة " عباد الله تمر الحياة بأحدنا وهو منهمك في ملذاته وشهواته ومطامعه، لا يُفكر في مآله ولا في يوم حسابه وكأنه خالد في الدنيا لا يموت أبداً، أو كأن عنده يقين أنه لا يُحاسب على ما جناه. ومن العجيب أنه لا يمر يوم بل ولا ساعة إلا وفي ذلك نذير لابن آدم بالرحيل عن هذه الدار، يُشاهد الموت يتخطف الناس من حوله فلا يزدجر، تقوم الحوادث الجسام من حروبٍ تفني آلافاً من البشر وتُهدد الأحياء بالالتحاق بمن مات، وبالمجاعات والخراب، فلا يتعظ ولا يعتبر. ويرى الحرائق ما بين آونة وآونة تتلف النفوس والأموال والمساكن، وكيف تكون حالة الناس ومطافيهم، فلا يذكر جهنم وأهوالها وأنكالها وما فيها من أنواع العذاب الذي لا تصمد له الجبال الصم الصلاب، قست القلوب، وتحجرت الضمائر، ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ . أيها الغافلون، دنياكم دار غرور وهموم وأحزان، وهي بلا شك فانية، أخراكم دار قرار باقية، وأجهل الناس من باع آخرته بدنياه والتقوى مفتاح السعادتين الدنيوية والأخروية، ضمان ضمنه الله لعباده، ووعدٌ لا يتخلفُ، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . أما المعاصي والغفلة والنسيان والطغيان، فليس من ورائها إلا ضنك المعيشة في الدنيا بالهموم المبرحة والأحزان المُجرحة مع العذاب الأليم في الآخرة، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا

стр. 375

وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ الآيات. أيها العاقلون كلكم تعلمون أن الغفلة تُنسي العبد ربه وآخرته، ومن نسي ربه أنساه الله نفسه، قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ ، فلا تتعرضوا بذلك لسخطه وكونوا دائماً ذاكرين للآخرة، فإن ذلك يبعث على الخوف من الله، ومن خاف ربه استقام بإذن الله، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ ، والله أعلم وصلى الله على مُحمدٍ وآله. ٦٨- موعظة رُوي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل ويؤخر التوبة لطول الأمل ويقول في الدنيا بقول الزاهدين ويعمل فيها عمل الراغبين إن أُعطي من الدنيا لم يشبع وإن مُنع منها لم يقنع ويأمر الناس بما لا يأتيه يُحب الصالحين ولا يعمل أعمالهم ويُبغض المُسيئين وهو منهم يكره الموت لكثرة ذنوبه ويُقيم على ما يكره له الموت إن سقم ظل نادماً وإن صح أمِنَ لاهياً يَعجَبُ من نفسه إذا عوفي ويقنط إذا تغلبه نفسه على ما يظن ولا يغلبها على ما يستقين ولا يثق من الرزق بما ضُمِنَ له ولا يعمل من العمل بما فُرض عليه إن استغنى بَطِرَ وإن افتقر قَنِطَ وحَزنَ فهو من الذنب في حال النعمة والمحنة موقرٌ، يطلب الزيادة ولا يشكر ويتكلف من الناس مالا يؤمر ويضيع الموت ولا يُبادر الفوت يستكبر من معصية غيره ما يسهل أكثره من نفسه. مزاهر اللهو مع الأغنياء أحبُّ إليه من الذكر مع الفقراء يحكم على غيره لنفسه ولا يحكم عليها. اللهم نور قلوبنا بنور الإيمان وثبت محبتك فيها وقوها وألهمنا ذكرك

стр. 376

وشكرك وارزقنا حُب أوليائك وبُغض أعدائك وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على مُحمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. ٦٩- موعظة عباد الله إن من أعجب العجب أن يعصي الرجل مولاه وإنما كان ذلك عجباً لأن المؤمن يتيقن يقيناً لا شك فيه أن مولاه جل وعلا يراه، ويعلم سره ونجواه، ومعلوم أن الإنسان يستحيي أن يفعل ما يُغضب أخاه وهو يراه، مع أنه لا يملك له ضراً ولا نفعاً في هذه الدار، ولا في دار القرار، وإذا كان هذا حاله مع هذا المخلوق فعجيبٌ جداً أن لا يكون أشد احتراماً وحياءً مع فاطر الأرض والسموات، مع أنه تعالى هو الذي أوجد الجميع من العدم وهو الذي يحفظ عليك الحياة وهو الذي أسبغ عليك النعم ظاهرةً وباطنة، وأدام ذلك عليك ووالاه، ولو شاء لسلبك كل نعمة، وأحل بك كل نقمة، وجعلك في هذا الوجود عبرة لأولى الأبصار، أضف إلى ذلك أنه تعالى هو الذي يُميتك، ويُعاملك في قبرك بما يناسب ما لك من أعمال، وهو الذي يبعثك بعد موتك، ويسوقك إلى ذلك الموقف الذي هوله يُشيب الأطفال، وهو الذي يُحاسبك على ما كان منك في حياتك الأولى من الأفعال، وهو الذي يأمر بك إما إلى الجنة وإما إلى النار، نعم إنه من أعجب العجب أن يُجاهر المؤمن ربه بالمعصية، وهو يعلم أنه مالك دنياه وأُخراه، إن البرهان الذي لا مغمز فيه على أنك تستحيي من ربك أيها المؤمن، أن تكون بعيداً كل البعد دائماً عن معاصي الله، فتحبس لسانك عن القذف والكذب والنميمة والغيبة، والخلف في الوعد، وعن المراء والجدال والاستهزاء، والسخرية بالناس، واللعن

стр. 377

والفحش، ونحو ذلك مما هو مُحرم شرعاً أو مكروه، لأن اللسان إنما خلق لتلاوة كتاب الله وذكره، ولترشد به خلق الله، وتُظهر به ما في ضميرك من حاجات دينك ودنياك، وتُدافع به عن دينك ونفسك وأهلك، فإذا استعملته في غير ما خُلق له كان وبالاً عليك، وتحبس عينك، لأنها إنما خُلقت لك لتهتدي في الظلمات، وتستعين بها على قضاء الحاجات، وتنظر بها بعين الاعتبار إلى عجائب ملكوت السموات والأرض فتعتبِر بما فيها من الآيات الباهرات؛ فاحفظها عن النظر إلى المحرمات، من نظر إلى غير محرم من النساء، أو إلى مسلم بعين الاحتقار والازدراء، أو إلى تلفزيون أو إلى سينماء، أو إلى صورة مليحة بشهوة، أو تطلع بها على عيب مسلم، أو إلى بيت جارٍ أو غير جارٍ ممن لا يرضى بذلك، أو نحو ذلك من المحرمات. وأما الأذن فاحفظها عن أن تُصغي بها إلى استماع الملاهي والمنكرات، أو إلى بدعة أو إلى غيبة أو فُحش، أو قذف مُسلم أو حديث قومٍ وهم لاستماعك كارهون، أو إلى الخوض بالباطل، أو ذكر مساويء الناس، لأنها خلقت لك لتسمع بها كلام الله وسُنة رسوله، وما ينفعك في دنياك وأخراك ولتتوصل بها إلى الاستفادة من العلوم الشرعية، الموصلة إلى مرضاة الله والنعيم المقيم، الدائم في جوار رب العالمين، فإذا أصغيت بها إلى شيءٍ من المحرمات أو المكروهات، صار ما كان لك عليك، وانقلب ما كان سبب فوزك سبب هلاكك، وهذا غاية الخسران، ولا تظن أن الإثم يختص به القائل دون المستمع إلا إن أنكر بلسانه، أو بقلبه إن خاف، وإن قدر على القيام والابتعاد عنهم، أو قدر على قطع الكلام بكلام آخر فلم يفعل فهو آثم، وكذلك يكف البطن والفرج عن المُحرمات، واليدين والرجلين وحاسة الشم.

стр. 378

٧٠ - في موعظة جليلة قال بعض العلماء على قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ . كشفت لنا هذه الآية الشريفة عن سُنةٍ من سُنن الله تعالى: وهي أن من غفل عن تذكر الله فنسيه وألهته دنياه عن العمل للدار الآخرة أنساه الله نفسه التي بين جنبيه فلا يسعى لما فيه نفعها ولا يأخذ في أسباب سعادتها وإصلاحها وما يكملها ولا السعي في إزالة عللها وأمراضها التي تؤول بها إلى الفساد والدمار والهلاك وهذا من أعظم العقوبة للعامة والخاصة فأي عقوبة أعظم من عقوبة من أهمل نفسه وضيعها ونسي مصالحها وداءها ودواءها وأسباب سعادتها وصلاحها وحياتها الأبدية في النعيم المقيم. ومن تأمل هذا الموضع تبين له أن أكثر هذا الخلق قد نسوا أنفسهم وضيعوها وأضاعوا حظها من الله وباعوها رخيصة بثمنٍ بخس بيع المغبون ويظهر ذلك عند الموت ويتجلى ذلك يوم التغابن يوم لا ينفع نفساً إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، إنها لحسرةٌ على كل ذي غفلة دونها كل حسرة هؤلاء هم الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مُهتدين. وأما الرابحون فهم الذين أنار الله قلوبهم للحق فعرفوا الدنيا وقيمتها وقالوا ما مقدار هذه الدنيا من أولها إلى آخرها حتى نبيع حظنا من الله تعالى والدار الآخرة بها فكيف بما ينال العبد منها في هذا الزمن القصير الذي هو في الحقيقة كغفوةِ حلم لا نِسبة له إلى دار القرار ألبتة. قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ ، وقال: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلا عَشِيَّةً أَوْ

стр. 379

ضُحَاهَا﴾ ، هؤلاء هم الكيسون الذين علموا حقيقة الدنيا كما علموا قلة لُبثهم فيها وأن لهم داراً غير هذه الدار دار الحيوان ودار البقاء اتجروا تجارة الأكياس، ولم يغتروا بتجارة السفهاء من الناس فظهر لهم يوم التغابن ربح تجارتهم ومقدار ما اشتروا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنَفْسُكَمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . وفي هذا المعنى يقول عمر ﵁: إنما الدنيا أمل مُخترم أي مُنتقض وبلاغٌ إلى دار غيرها وسير إلى الموت ليس فيه تعريج فرحم الله امرءاً أفكَرَ في أمره ونصح لنفسه وراقب ربه واستقال ذنبه وتاب إلى ربه إلى أن قال إياكم والبطُنة فإنها مَكسلة عن الصلاة ومَفسدة للجسم ومؤدية للسقم وعليكم بالقصد في قوتكم فهو أبعد عن السرف وأصح للبدن وأقوى على العبادة إن العبد لن يَهلَك حتى يُؤثر شهوته على دينه. ومن العجب العُجاب أن العبد يسعى بنفسه في هوان نفسه وهو يزعم أنه لها مُكرم ويجتهد في حرمانها من حظوظها وشرفها وهو يزعم أنه يسعى في حفظها ويبذل جهده في تحقيرها وتصغيرها وتدنيسها وهو يزعم أنه يسعى في صلاحها وكان بعض السلف يقول في خطبته ألا رُبَّ مُهين لنفسه وهو يزعم أنه مُكرِمٌ لها ومُذل لنفسه وهو يزعم أنه مُراعٍ لحقها وكفى بالمرء جهلاً أن يكون مع عدوه لنفسه يبلغ منها بفعله ما لا يبلغه منها عدوه. مَا يَبْلُغُ الأَعْدَاءُ مِن جَاهِلٍ مَا يَبْلُغُ الجَاهلُ مِن نَفْسِهِ فالعاقل هو الذي يعمل مُجداً لآخرته ولا يُنسيه نصيبه من الدنيا حظه من

стр. 380

الآخرة عاملاً بقوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ ، ولو أنه تأمل قليلاً لوجد أن لذائذ الدنيا متولدة من آلامها فمثلاً لذة الطعام لا تتحقق إلا بألم الجوع ولذة الشراب لا بد أن يسبقها حُرقة العطش ولذة النوم لا يجد الإنسان لها شوقاً إلا بعد أن يُضنيه التعب الشديد وهناك نوعٌ آخر من الحكمة غفل عنه الكثيرون من الناس وهو أنها بمثابة براطيل تحمل الإنسان على قوامه وبقاء حياته فلذة الطعام تدفعه إلى ألا يُهمل جسمه من الغذاء ولولا ما جعل الله من لذة النكاح لانقرض النوع الإنساني من الوجود ولما وجدنا دابة تدب على وجه الأرض ولا طائراً يطير في السماء وكذلك فرحة الأم بطفلها تُنسيها آلام الحمل والوحم والولادة والتعب والنصب والرضاع والسهر الطويل في التمريض مما يقض مضجعها ويُنسيها نفسها فسبحان الحكيم العليم الذي خلق كل شيءٍ فقدره تقديراً، انتهى بتصرفٍ يسير. ٧١ - موعظة كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز في ذم الدنيا كتاباً طويلاً قال فيه: أما بعد فإن الدنيا دار ظعن ليست بدار مقام وإنما أنزل إليها آدم عقوبة فاحذرها يا أمير المؤمنين فإن الزاد منها تركها والغِنى فيها فقرها تُذل من أعزها وتُفقر من جمعها كالسُّم يأكله من لا يعرفه وهو حتفه فاحذر هذه الدار الغرارة الختالة الخداعة وكن أسر ما تكون فيها إحذر ما تكون لها، سرورها مشوب بالحزن وصفوها مشوب بالكدر فلو كان الخالق لم يُخبره عنها خبراً ولم يضرب لها مثلاً لكانت قد أيقظت النائم ونبهت الغافل فكيف وقد جاء من الله عنها زاجر وفيها واعظ فما لها عند الله سبحانه قدر ولا وزن، ما نظر إليها مُنذُ خلقها ولقد عُرضت على نبينا ﷺ مفاتيحها

стр. 381

وخزائنها لا ينقص عند الله جناح بعوضة فأبى أن يقبلها وكره أن يُحب ما أبغضه خالقه أو يرفع ما وضعه مليكه، زواها الله عن الصالحين اختياراً وبسطها لأعدائه اغتراراً أفيظن المغرور بها أنه أُكرم بها ونسي ما صنع الله بمحمدٍ ﷺ حين شد على بطنه الحجر، والله ما أحد من الناس بُسط له في الدنيا فلم يخف أن يكون مَكراً إلا كان قد نقص عقله وعجز رأيه وما أمسك عن عبدٍ فلم يظنه خيراً له فيها إلا نقص عقله وعجز رأيه. اللهم ألهمنا ذكرك وشكرك وارزقنا الاستقامة طوع أمرك وتفضل علينا بعافيتك وجزيل عفوك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على مُحمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. ٧٢ - موعظة وقال الشيخ الواسطي في بعض رسائله: إذا أراد الله بعبدٍ خيراً أقام في قلبه شاهداً من ذكر الآخرة يُريدُ فناء الدنيا وزوالها وبقاء الآخرة ودوامها فيزهده في الفاني ويُرغبه في الباقي فيبدأ في السير والسلوك في طريق الآخرة وأول السير فيها تصحيح التوبة، والتوبة لا تتم إلا بالمحاسبة ورعاية الجوارح السبعة، العين والأذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل وكفها عن جميع المحارم والمكاره والفضول هذا أحد شطري الدين ويبقى الشطر الآخر وهو القيام بالأوامر فتحقيق الشطر الأول وهو ترك المناهي من قلبه وقالبه. أما القالب فلا يعصي الله بجارحةٍ من جوارحه ومتى زل أو أخطأ تاب وأما القلب فتُنقي منه الموبقات المُهلكات مثل الرياء والعجب والكبر والحسد والبُغض لغير الله وحب الدنيا ورد الحق واستثقاله والازدراء بالخلق ومقتهم وغير ذلك من الكبائر القلبية التي هي في مقابلة الكبائر القالبية من شرب الخمر والزنا

стр. 382

والقذف وغير ذلك فهذه كبائر ظاهرة وتلك كبائر باطنة. وكلاهما ضرر. قال: فمن انطوى على شيءٍ من الكبائر الباطنية ولم يتب حبط عمله بدليل «لا يدخل الجنة من كان في قبله مثقال ذرة من كبر» وجاء: «إن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» ، وجاء بقول الله تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً فأشرك معي فيه غيري تركته وشركه» ، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ . فمتى تنقى القلب من مثل هذه الخبائث والرذائل طهر وسكنت فيه الرحمة في مكان البغض والتواضع في مقابلة الكبر والنصيحة في مقابلة الغش والإخلاص في مقابلة الرياء ورؤية المنة في مقابلة العجب ورؤية النفس فعند ذلك تزكوا الأعمال وتصعد إلى الله تعالى ويطهر القلب ويبقى محلاً لنظر الحق بمشيئة الله ومعونته فهذا أحد شطري الدين وهو رعاية الجوارح السبعة عن المآثم والمحارم وإنما تصلح وتطهر برعاية القلب وطهارته من الموبقات والجرائم ومعنى الموبقات المُهلكات اهـ. وقال ابن القيم ﵀: والقلوب ثلاثة، قلبٌ خالٍ من الإيمان وجميع الخير فذلك قلبٌ مظلم قد استراح الشيطان من إلقاء الوساوس إليه لأنه قد اتخذه بيتاً ووطناً وتحكم فيه بما يريد وتمكن منه غاية التمكن، القلب الثاني: قلب استنار بنور الإيمان وأوقد فيه مصباحه لكن عليه ظلمة الشهوات وعواصف الأهوية فللشيطان هناك إقبال وإدبار ومجالات ومطالع فالحرب دولٌ وسجال وتختلف أحوال هذا الصنف بالقلة والكثرة فمنهم من أوقات غلبته لعدوه أكثر ومنهم من أوقات غلبة عدوه أكثر ومنهم من هو تارةٌ وتارة. القلب الثالث: قلب محشو بالإيمان قد استنار بنور الإيمان وانقشعت عنه

стр. 383

حجب الشهوات وأقلعت عنه الظلمات فلنوره في صدره إشراق ولذلك الإشراق إيقاد لو دَنَا منه الوسواس احترق به فهو كالسماء التي حُرست بالنجوم فلو دنا منها الشيطان يتخطاها رُجِمَ فاحترق. وليست السماء بأعظم حرمة من المؤمن وحراسة الله تعالى له أتم من حراسة السماء والسماء مُتعبد الملائكة ومُستقر الوحي وفيها أنوار الطاعات وقلب المؤمن مُستقر التوحيد والمحبة والمعرفة والإيمان وفيه أنوارها فهو حقيق أن يُحرس ويُحفظ من كيد العدو فلا ينال منه إلا خطفة تحصل له على غرة وغفلة من العبد إذ هو بشر وأحكام البشرية جارية عليه من الغفلة والسهو والذهول وغلبة الطبع انتهى. هذه قصيدة لبعضهم فيها غُلُو صلحنا ما فيها من الغلط الاعتقادي وجعلنا على ما فيه تصليح أقواساً: تَيَقَّظْ لِنَفْس عَنْ هُدَاهَا تَوَلتِ وَبَادِرْ فَفِي التَّأخِير أَعْظَمُ خَشْيَةِ فَحَتَّامَ لا تَلْوِي لِرُشْدٍ عِنَانَهَا وَقَدْ بَلَغَتْ مِنْ غَيِّهَا كُلُّ بُغْيَةِ وَأَمَّارَةٌ بِالسُّوُءِ لَوَّامَةٌ لِمَن نَهَاهَا فَلَيْسَتْ لِلْهُدَى مُطَمئِنَةِ إِذَا أَزْمَعَتْ أَمْراً فَلَيْسَ يَرُدُّهَا عَنِ الفِعْلِ إِخْوَانُ التُّقَى وَالمَبَرَّةِ وَإِنْ مَرَّ فِعْلُ الخَيْرِ في بَالِهَا انْثَنَى أَبُو مُرَّةٍ يَثْنِيهِ في كُلِّ مَرَّة وَلي قَدَمٌ لَوْ قُدِّمَتْ لِظُلامَةٍ …

стр. 384

لَطَارَتْ وَلَوْ أَنِّي دُعِيْتُ لِقَرْبَةِ لَكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنِ رِجلٌ صحيحةٌ ورِجلٌ رَمَى فِيْهَا الزَّمَانُ فَشَلَّتِ وَقَائِلَةٍ لِمَا رَأَتْ مَا أَصَابَنِي وَمَا أنَا فِيْهِ مِن لَهِيبٍ وَزَفْرَتِي رُوَيْدَك لا تَقْنُطْ وَإِنْ كَثُرَ الخَطََا وَلا تَيْأسَنْ مِن نَيْلِ رَوْحٍ وَرَحْمَةِ مَعَ العُسْرِ يُسْرٌ وَالتَّصَبُّرُ نُصْرَةٌ وَلا فَرَجٌ إِلا بِشِدَّةِ أَزْمَةِ "وَكَمْ عَامِلِ أَعْمَالَ أَهْلَ جَهَنَّمٍ فَلَمَّا دَعَى المَوْلى أُعِيْدَ لِجَنَّةِ" "فَقُلْتُ لَهَا جُوزِيتِ خَيْرًا على الذي مَنَحْتِ مِنَ البُشْرَى وَحُسْنِ النَّصِيحَةِ" "فَهَلْ مِنْ سَبِيلِ لِلْنَجَاةِ مِنَ الرَّدَى وَمَا حِيْلَتِي في أنْ تُفَرَّجَ كُرْبَتِي" "فَقَالَتْ فَطِبْ نَفْسًا وَقُمْ مُتَوَجِّهًا لِربَّكَ تَسْلَمْ مِنْ بَوَارٍ وَخَيْبَةِ" "فَكَمْ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ فالتْجَا إليه فَحُطَّتْ عَنْهُ كُلُّ خَطِيئَةِ" "فَدَيْتُكَ فَأقْصِدْهُ بِذُلٍّ فَإِنَّهُ …

стр. 385

يُقيلَ بَنِي الزَّلاتِ مِنْ كُلِّ عَثْرَةِ" "إِذَا مَا أَتوهُ تَائبِيَن مِن الذِي جَنَوْهُ مِن الآثَامِ تَوْبَةَ مُخْبِتِ" وصل إلهي كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةِ عَلَى أَحَمَدَ المُخَتار أَزْكَى البَرِيةِ اللهم اجعلنا من حزبك المفلحين وعبادك الصالحين الذين أهلتهم لخدمتك وجعلتهم ممن قبلت أعماله يا رب العالمين وصلى الله على مُحمدٍ وآله وصحبه أجمعين. ٧٣ - موعظة عباد الله أخلصوا في أعمالكم كلها لا فرق بين عملٍ وعملٍ سواء أكنتم تعملون لله أم كنتم تعملون لخلق الله وسواءٌ أكنتم بين الخلق وأنتم تعملون أم كنتم في محلٍ خفي لا يراكم إلا الله والكرام الكاتبون وسواء أكنتم في سراءَ وقت العمل أم في ضراء. ذلك الإخلاص هو أن تعمل العمل الصالح لا تريد جزاء عليه إلا من الله يكون ذلك قصدك قبل العمل وحين مباشرته وبعد الفراغ منه لا تذكره بلسانك إلا من باب التحدث بنعم الله أو ليقتدي بك غافل مُتبع لهواه، بهذا يكون العمل عبادة حقاً وتكون أنت من العابدين وبهذا يُثمر عملك القبول عند ربك وعند الناس، وبهذا تكون أقوى الناس لأن وليك حينئذٍ يكون مولاك القوي المتين وبهذا تكون من أهل الكرامة في هذه الدار وفي دار الجزاء.

стр. 386

أما إذا عملت العمل الصالح ليُقبل عليك الناس ويقولوا إنك من الصالحين فأنت إذًا تكون مُرائياً لا تُخلص العمل بل تشرك معه الناظرين فتكون في دعوى تمحيص العمل لله تعالى لست بصادق بل من الكاذبين. وانظر كيف تكون حال من يكذب على من لا تخفى عليه خافية، لا في الأرض ولا في السماء، إن المُرائي مهما أخفى رياءه يُظهر الله تعالى ما في قلبه للعالمين، روى الإمام أحمد عن أبي سعيد مرفوعًا "لو أن أحدكم يعمل في صخرة ليس لها باب ولا منفذ لأخرج الله عمله للناس كائناً ما كان". ولذلك يكون لأعمال المرائي من السماجة في نفوس الناس ما لا يحكيه اللسان ولهذا يكون مرذولاً ثقيلاً عند الناس، ومن هذا تراه يتودد إلى الناس ويضحك إليهم ونفورهم عنه عبرة عند العقلاء ثم هو عند الله أسوأ حالاً خصوصاً في اليوم الذي يشيب فيه الأطفال فقد يُؤمر به إلى النار وله من الأعمال أمثال الجبال، لكنها لما لم يُرد بها وجه الله خالصة صارت وبالاً عليه نعوذ بالله من الرياء. اللهم افتح لدعائنا باب القبول والإجابة ووفقنا للتوبة النصوح والإنابة وثبت محبتك في قلوبنا تثبيت الجبال الراسيات وألهمنا ذكرك وشكرك آناء الليل والنهار وثبتنا على قولك الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. ٧٤- "موعظة " اعلم وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين أن الله خلق الخلق ليعبدوه، ويعرفوه ويخشوه ويخافوه، ونصب لهم الأدلة الدالة على عظمته

стр. 387

وكبريائه ليهابوه، ويخافوه خوف إجلال، ووصف لهم شدة عذابه، ودار عقابه التي أعدها لمن عصاه، ليتقوه بصالح الأعمال، ولهذا كرر في كتابه ذكر النار وما أعده فيها لأعدائه من العذاب والنكال والأغلال، وما احتوت عليه من الضريع والزقوم والحميم والسلاسل والغساق والغسلين، وغير ذلك مما فيها من الأهوال والفظائع والعظائم، ودعا عباده بذلك إلى خشيته وتقواه، والمسارعة إلى امتثال ما يأمر به ويحبه ويرضاه، واجتناب ما ينهى عنه ويكرهه ويأباه، وأخبر جل وعلا بأن الخلق واردوها قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ ، فأنت من الورود على يقين، ومن النجاة في شك، فيا أيها الغافل الساهي عن نفسه، المغرور بما هو فيه من الاشتغال بعمائره وأراضيه وسياراته، وشركاته ومقاولاته وزوجاته وأولاده، وكل ما يُلهيه عن ذكر الله وطاعته، والالتفات إلى دار القرار، دع التفكر وقتل الوقت فيما أنت مُرتحل عنه، وجادٌ في السير عنه، واصرف فكرك فيما أمامك فاستشعر في قلبك هول ذلك المورد، لعلك تستعد للنجاة منه وتأمل في حال الخلق وقد خرجوا من قبورهم حفاة عراة غُرلاً: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ ، تفكر في ازدحام الخلائق وقد صهرتهم الشمس، إلا من أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، واشتد الكرب والغم من الوهج، وتدافعت الخلائق لشدة الزحام، واختلاف الأقدام، وانضاف إلى ذلك شدة الخجل والحياء، والخوف من الفضائح والاختزاء عند العرض على الجبار، وقُرب الشمس من الخلق فيبلغ عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً، كما في حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم قال: قال رسول الله ﷺ : «يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً» .

стр. 388

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اعلم وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين أنه لم يؤثر عن أحدٍ من السلف الصالح من الصحابة وتابعيهم بإحسانٍ تعظيم أحدٍ من أهل البدع والموالين لأهل البدع والمُنادين بموالاتهم، لأن أهل البدع مرضى قلوب، ويُخشى على من خالطهم أو اتصل بهم أن يصل إليه من ما بهم من هذا الداء العُضال، لأن المريض يُعدي الصحيح ولا عكس، فالحذر الحذر من جميع أهل البدع ومن أهل البدع الذين يجب البُعد عنهم وهجرانهم، الجهمية، والرافضة، والمعتزلة، والماتريدية، والخوارج، والصوفية، والأشاعرة ومَن على طريقتهم من الطوائف المنحرفة عن طريقة السلف، فينبغي للمسلم أن يحذرهم ويُحذر منهم، وصلى الله على مُحمدٍ وآله وسلم.

стр. 389

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تعز الإسلام والمسلمين وأن تذل الشرك والمشركين وأن تدمر أعداء الدين اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه. اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت. اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم. اللهم صل على مُحمدٍ وعلى آله وصحبه. اللهم إني أسألك علماً نافعاً ورزقاً طيباً وعملاً مُتقبلاً يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام. اللهم ارحم في الدنيا غربتي وارحم في القبر وحشتي وارحم في الآخرة وقوفي بين يديك. اللهم اعتق رقبتي من النار وأوسع لي من الرزق الحلال واصرف عني فسقة الجن والإنس. اللهم إني أسألك فواتح الخير وخواتمه وجوامعه وظاهره وباطنه وأوله وآخره وعلانيته وسره اللهم صل على مُحمدٍ وعلى آله وصحبه. اللهم إني أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والعزيمة على الرشد والغنيمة من كل بر والسلامة من كل إثم والفوز بالجنة والنجاة من النار يا

стр. 390

حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام. اللهم إني أسألك الهُدى والتُقى والعفاف والغنى اللهم صل على مُحمدٍ وعلى آله وصحبه. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار. ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار. ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا. ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماً. اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء. اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجأة نقمتك وجميع سخطك. اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وغلبة الدين وشماتة الأعداء. اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وصلى الله على مُحمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم. اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
следующие страницы →