← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 120

مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار

عبد العزيز السلمان

Полный текст (1 102 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

أما إذا عملت العمل الصالح ليُقبل عليك الناس ويقولوا إنك من الصالحين فأنت إذًا تكون مُرائياً لا تُخلص العمل بل تشرك معه الناظرين فتكون في دعوى تمحيص العمل لله تعالى لست بصادق بل من الكاذبين. وانظر كيف تكون حال من يكذب على من لا تخفى عليه خافية، لا في الأرض ولا في السماء، إن المُرائي مهما أخفى رياءه يُظهر الله تعالى ما في قلبه للعالمين، روى الإمام أحمد عن أبي سعيد مرفوعًا "لو أن أحدكم يعمل في صخرة ليس لها باب ولا منفذ لأخرج الله عمله للناس كائناً ما كان". ولذلك يكون لأعمال المرائي من السماجة في نفوس الناس ما لا يحكيه اللسان ولهذا يكون مرذولاً ثقيلاً عند الناس، ومن هذا تراه يتودد إلى الناس ويضحك إليهم ونفورهم عنه عبرة عند العقلاء ثم هو عند الله أسوأ حالاً خصوصاً في اليوم الذي يشيب فيه الأطفال فقد يُؤمر به إلى النار وله من الأعمال أمثال الجبال، لكنها لما لم يُرد بها وجه الله خالصة صارت وبالاً عليه نعوذ بالله من الرياء. اللهم افتح لدعائنا باب القبول والإجابة ووفقنا للتوبة النصوح والإنابة وثبت محبتك في قلوبنا تثبيت الجبال الراسيات وألهمنا ذكرك وشكرك آناء الليل والنهار وثبتنا على قولك الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. ٧٤- "موعظة " اعلم وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين أن الله خلق الخلق ليعبدوه، ويعرفوه ويخشوه ويخافوه، ونصب لهم الأدلة الدالة على عظمته

стр. 387

وكبريائه ليهابوه، ويخافوه خوف إجلال، ووصف لهم شدة عذابه، ودار عقابه التي أعدها لمن عصاه، ليتقوه بصالح الأعمال، ولهذا كرر في كتابه ذكر النار وما أعده فيها لأعدائه من العذاب والنكال والأغلال، وما احتوت عليه من الضريع والزقوم والحميم والسلاسل والغساق والغسلين، وغير ذلك مما فيها من الأهوال والفظائع والعظائم، ودعا عباده بذلك إلى خشيته وتقواه، والمسارعة إلى امتثال ما يأمر به ويحبه ويرضاه، واجتناب ما ينهى عنه ويكرهه ويأباه، وأخبر جل وعلا بأن الخلق واردوها قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ ، فأنت من الورود على يقين، ومن النجاة في شك، فيا أيها الغافل الساهي عن نفسه، المغرور بما هو فيه من الاشتغال بعمائره وأراضيه وسياراته، وشركاته ومقاولاته وزوجاته وأولاده، وكل ما يُلهيه عن ذكر الله وطاعته، والالتفات إلى دار القرار، دع التفكر وقتل الوقت فيما أنت مُرتحل عنه، وجادٌ في السير عنه، واصرف فكرك فيما أمامك فاستشعر في قلبك هول ذلك المورد، لعلك تستعد للنجاة منه وتأمل في حال الخلق وقد خرجوا من قبورهم حفاة عراة غُرلاً: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ ، تفكر في ازدحام الخلائق وقد صهرتهم الشمس، إلا من أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، واشتد الكرب والغم من الوهج، وتدافعت الخلائق لشدة الزحام، واختلاف الأقدام، وانضاف إلى ذلك شدة الخجل والحياء، والخوف من الفضائح والاختزاء عند العرض على الجبار، وقُرب الشمس من الخلق فيبلغ عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً، كما في حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم قال: قال رسول الله ﷺ : «يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً» .

стр. 388

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اعلم وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين أنه لم يؤثر عن أحدٍ من السلف الصالح من الصحابة وتابعيهم بإحسانٍ تعظيم أحدٍ من أهل البدع والموالين لأهل البدع والمُنادين بموالاتهم، لأن أهل البدع مرضى قلوب، ويُخشى على من خالطهم أو اتصل بهم أن يصل إليه من ما بهم من هذا الداء العُضال، لأن المريض يُعدي الصحيح ولا عكس، فالحذر الحذر من جميع أهل البدع ومن أهل البدع الذين يجب البُعد عنهم وهجرانهم، الجهمية، والرافضة، والمعتزلة، والماتريدية، والخوارج، والصوفية، والأشاعرة ومَن على طريقتهم من الطوائف المنحرفة عن طريقة السلف، فينبغي للمسلم أن يحذرهم ويُحذر منهم، وصلى الله على مُحمدٍ وآله وسلم.

стр. 389

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تعز الإسلام والمسلمين وأن تذل الشرك والمشركين وأن تدمر أعداء الدين اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه. اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت. اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم. اللهم صل على مُحمدٍ وعلى آله وصحبه. اللهم إني أسألك علماً نافعاً ورزقاً طيباً وعملاً مُتقبلاً يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام. اللهم ارحم في الدنيا غربتي وارحم في القبر وحشتي وارحم في الآخرة وقوفي بين يديك. اللهم اعتق رقبتي من النار وأوسع لي من الرزق الحلال واصرف عني فسقة الجن والإنس. اللهم إني أسألك فواتح الخير وخواتمه وجوامعه وظاهره وباطنه وأوله وآخره وعلانيته وسره اللهم صل على مُحمدٍ وعلى آله وصحبه. اللهم إني أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والعزيمة على الرشد والغنيمة من كل بر والسلامة من كل إثم والفوز بالجنة والنجاة من النار يا

стр. 390

حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام. اللهم إني أسألك الهُدى والتُقى والعفاف والغنى اللهم صل على مُحمدٍ وعلى آله وصحبه. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار. ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار. ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا. ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماً. اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء. اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجأة نقمتك وجميع سخطك. اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وغلبة الدين وشماتة الأعداء. اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وصلى الله على مُحمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم. اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك.

стр. 391

اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي واجعل الحياة زيادة لي في كل خير والموت راحة لي من كل شر. اللهم صل على مُحمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم. اللهم إني أسألك رحمةً من عندك تهدي بها قلبي وتجمع بها أمري وتلهمني بها رشدي وتعصمني بها من كل سوء. اللهم طهر قلبي من النفاق ولساني من الكذب وعملي من الرياء وعيني من الخيانة إنك تعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور. اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم. اللهم صل على مُحمدٍ وعلى آله وصحبه. اللهم إني أسألك من خير ما سألك منه عبدك ورسولك مُحمدٍ ﷺ وعبادك الصالحون وأعوذ بك من شر ما استعاذ بك منه عبدك ورسولك مُحمدٍ ﷺ وعبادك الصالحون. رب قني عذابك يوم تبعث عبادك. اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قولٍ وعملٍ وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قولٍ وعمل. اللهم إنك عفوٌ تحب العفو فاعف عنا. رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري رب اغفر خطيئتي يوم الدين. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام. رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء ربنا اغفر لي

стр. 392

ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب. رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين. وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين. ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين. آمين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلامٌ على المرسلين والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على عبده ورسوله مُحمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 393

(خاتمة، وصية، نصيحة) اعلم وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين لما يُحبه الله ويرضاه أن مما يجب الاعتناء به حفظاً وعملاً كلام الله جل وعلا وكلام رسوله ﷺ . وأنه ينبغي لمن وفقه الله تعالى أن يحث أولاده على حفظ القرآن وما تيسر من أحاديث النبي ﷺ المتفق على صحتها كالبخاري ومسلم. ومن الفقه مختصر المقنع ليتيسر له استخراج المسائل ويجعل لأولاده ما يحثهم على ذلك. فمثلاً يجعل لمن يحفظ القرآن على صدره حفظاً صحيحاً عشرة آلاف أو أزيد أو أقل حسب حالهِ في الغنى. ومن الأحاديث عُقود اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الإمامان البخاري ومسلم، يجعل لمن يحفظ ذلك ستة آلاف من الريالات. فإن عجزوا عن حفظها فالعمدة في الحديث يجعل لمن حفظها ثلاثة آلاف أو الأربعين النووية ويجعل لمن يحفظها ألفاً من الريالات. ويجعل لمن يحفظ مختصر المقنع في الفقه ألفين من الريالات فالغيب سبب لحفظ المسائل وسبب لسرعة استخراج ما أريد من ذلك وما أشكل معناه أو يُدخلهم في مدارس تحفيظ القرآن فمدارس تعليم القرآن والسُنة هي مدارس التعليم العالي الممتاز الباقي النافع في الدنيا والآخرة. فمن وفقه الله لذلك وعمل أولاده بذلك كان سبباً لحصول الأجر من الله وسبباً لبرهم به ودعائهم له إذا ذكروا ذلك منه ولعله أن يكون سبباً مباركاً يعمل به أولاده مع أولادهم فيزيد الأجر له ولهم نسأل الله أن يوفق الجميع لحسن النية إنه القادر على ذلك وصلى الله على مُحمدٍ وآله وصحبه وسلم.

стр. 394

تم هذا الجزء الأول بعون الله وتوفيقه ونسأل الله الحي القيوم العلي العظيم ذا الجلال والإكرام الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، أن يُعز الإسلام والمسلمين وأن يخذل الكفرة والمشركين وأعوانهم وأن يُصلح من في صلاحه صلاحٌ للإسلام والمسلمين ويُهلك من في هلاكه عز وصلاح للإسلام والمسلمين وأن يلم شعث المسلمين ويجمع شملهم ويوحد كلمتهم وأن يحفظ بلادهم ويُصلح أولادهم ويشف مرضاهم ويُعافي مبتلاهم ويرحم موتاهم ويأخذ بأيدينا إلى كل خيرٍ ويعصمنا وإياهم من كل شر ويحفظنا وإياهم من كل ضُرٍ وأن يغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمته إنه أرحم الراحمين وصلى الله على مُحمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. والله المسئول أن يجعل عملنا هذا خالصاً لوجهه الكريم وأن ينفع به نفعاً عاماً إنه سميعٌ قريبٌ مُجيبٌ على كل شيءٍ قدير. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا مُحمدٍ خاتم الأنبياء والمرسلين المبعوث رحمةً للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين. ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. عبد العزيز المحمد السلمان المدرس في معهد إمام الدعوة بالرياض سابقاً

стр. 395

خُطَبْ وَحِكَم وَأَحْكَام وَقَوَاعِدْ وَمَواعِظْ وَآدَابْ وَأَخْلَاق حِسَان تَأْلِيفُ الفَقِير إلى عَفْوِ رَبِّهِ عَبدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ السّلمانِ المدرس في معهد إمام الدعوة بالرياض سابقاً الجزء الثاني

стр. 396

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فوائد عظيمة النفع جداً لبعض العلماء رحمهم الله تعالى: (١) الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما أعمالا صالحة تربح وتحمد العاقبة الحميدة إن شاء الله تعالى. (٢) الملائكة يكتبان ما تلفظ به فاحرص على أن لا تنطق إلا بما يسرك يوم القيامة من ذكر الله وما والاه (٣) اعلم أن قصر الأمل عليه مدار عظيم وحصن قصر الأمل ذكر الموت وحصن حصنه ذكر فجأة الموت وأخذ الإنسان على غرة وغفلة وهو في غرور وفتور عن العمل للآخرة فاحفظ هذه الفوائد واعمل بها تفلح وتربح إن شاء الله. شعرا: مُنَاي من الدنيا عُلُومٌ أَبُثُهَا … وَأَنْشُرُهَا في كُلِّ بَادٍ وَحَاضِرِ دٌعَاءٌ إِلى القٌرآن وَالسٌنَّةِ التِي … تَنَاسَى رِجَالٌٌ ذكرها في المحَاضِر وَقَدْ أَبْدَلُوهَا بِالجرائد تَارةً … وَتِلْفَازِهم رَأْسُ الشُّرور المنَاكِرِ وَمِذْيَاعِهم أَيْضَا فَلا تَنْسَ شَرهُ … فَكَمْ ضَاعَ مِن وَقْتٍ بها بِالخَسَائِرِ

стр. 397

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ملاحظة: لا يسمح لأي إنسان أن يختصره أو يتعرض له بما يسمونه تحقيقاً لأن الاختصار سبب لتعطيل الأصل والتحقيق أرى أنه اتهام للمؤلف ولا يطبع إلا وقفاً لله تعالى على من ينتفع به من المسلمين.

стр. 398

(فائدة عظيمة النفع لمن وفقه الله) ما أنعم الله على عبد نعمة أفضل من أن عرفه لا إله إلا الله وفهمه معناها ووفقه للعمل بمقتضاها والدعوة إليها. أشرف الأشياء قلبك، ووقتك، فإذا أهملت قلبك، وضيعت وقتك , فما بقي معك، كل الفوائد ذهبت فانتبه لنفسك. فائدة عظيمة النفع لمن وفقه الله تعالى للعمل بها قال بعض العلماء ﵀:من تفكر في قصر العمر المعمول فيه، وفكر في امتداد زمان الجزاء الذي لا نهاية له، اختطف اللحظة والدقيقة من عمره وانتهبها وعباها في الباقيات الصالحات، وزاحم وسابق إلى كل فضيلة، لأنها إذا فاتت لا تدرك أبداً، وقال ﵀: ولله أقوام وفقهم الله ما رضوا من الفضائل إلا بتحصيل جميعها فهم يبالغون في كل علم يقربهم إلى الله، ويجتهدون فيه، ويثابرون على كل فضيلة، فإذا ضعفت أبدانهم عن بعض ذلك قامت النيات نائبة. انتهى

стр. 399

٧٥- (موعظة) اسمع يا مضيع الزمان فيما ينقص الإيمان، ومعرضا عن الأرباح ومتعرض للخسران، لقد سر بفعلك الشامت. يا من يفرح بالعيد لتحسين لباسه، ويوقن بالموت وما استعد لبأسه ويغتر بإخوانه وأقرانه وجلاسه وكأنه قد أمن سرعة اختلاسه. يا غافلا قد طلب، ويا مخاصما قد غلب، ويا واثقا قد سلب، إياك والدنيا فما الدنيا بدائمة، لقد أبانت للنواظر عيوبها، وكشفت للبصائر غيوبها، وعددت على المسامع ذنوبها، وما مرت حتى أمرت مشروبها. فلذاتها مثل لمعان البرق ومصيبتها واسعة الخرق، سوت عواقبها بين سلطان الغرب والشرق، فما نجا منها ذو عدد، ولا سلم فيها صاحب عدد، مزقت الكل بكف البدد ثم ولت فما ألوت على أحد. قال ﷺ : (سبعة يظلهم الله في ظله منهم رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله) . اسمع يا من أجاب عجوزا هتماء عمياء صماء جرباء سوداء شوهاء مقعدة على مزبلة ولكن غلبت عليك محبتها عرضت على النبي ﷺ بطحاء مكة ذهبا فأبى أن يقبلها. مَا هَذه الدُّنْيَا بِدَارِ مَسَرةٍ ممنننننيني بين … فَتَخَوَّفي مَكْرًا لَهَا وَخِدَاعَا بَيْنَا الفَتَى فِيْهَا يُسَرُّ بِنَفْسِهِ … وَبِمَالِهِ يَسْتَمْتِعُ اسْْتِمْتَاعَا حَتَّى سَقَتْهُ مِن المَنيِّةِ شَرْبةً … وَحَمته فِيه بَعْدَ ذَاكَ رِضَاعَا فَغَدًا بِمَا كَسَبَتْ يَدَاهُ رَهِيْنَةً …

стр. 400

لا يَسْتَطِيْعُ لِمَا عَرَتْهُ دِفَاعَا لَوْ كَانَ يَنْطِقُ قَالَ مِنْ تَحْتَ الثرى … فَلْيُحْسِن العَمَلََ الفَتى مَا اسْطَاعَا اللهم نور قلوبنا بنور الإيمان وثبت محبتك فيها وقوها وألهمنا ذكرك وشكرك وارزقنا حب أوليائك وبغض أعدائك وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ٧٦ موعظة عباد الله ما هذا التكاسل عن الطاعات وزرع الأعمار قد دنا للحصاد وما هذا التباعد ومدد الأيام قد قاربت للنفاد، وما هذا التغافل والتكاسل عن إعداد الزاد ليوم الميعاد. تَزَوَّدْ لِلَّذِي لا بُدَّ مِنْهُ … فَإِنَّ المَوْتَ مِيْقَاتُ العِِبَادِ يَسُرُّكَ أَنْ تَكُونَ رَفِيْقَ قَوْمٍ … لَهُمْ زَادٌ وَأَنْتَ بِغَيْرِ زَادِ عباد الله أين الحسرات على فوت أمس أين العبرات على مقاسات الرمس أين الاستعداد ليوم تدنو فيه منكم الشمس، ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ . يا من مشيبه أتى وشبابه إضمحل وخبى، متى تتضرع إلى مولاك وتقف بالباب، أما اعتبرت بالراحلين من الأقارب والجيران والزملاء والأحباب؟ أما قرع سمعك ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأمْوَالِ وَالأوْلادِ﴾ .

стр. 401

كيف حالك إذا بلغت الروح التراق وقطعت الحسرات والندم علائق الأكباد وضعت في بيت الظلمة والدود والوحدة ولا ولي لك من الله ولا ناصر وضوعف العذاب وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون. كيف أنت إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور وكل إنسان ألزم طائره في عنقه يوم النشور وحرر الحساب بين يدي سريع الحساب عالم السر والخفيات والحليات ونصب الميزان ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ . اللهم أيقظ قلوبنا ونورها بنور الإيمان وثبت محبتك في قلوبنا وقوها وارزقنا المعرفة بك عن بصيرة وألهمنا ذكرك وشكرك ووفقنا لطاعتك وامتثال أمرك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ٧٧ موعظة عباد الله لقد امتلأت الأرض من الشر ووسائله. وضجت وبما فيها مما وصل إليه من المعاصي الإنسان إن شئت فزر أي جهة من جهات العالم ترى ما يتقطع له قلبك حسرات افتتن الناس بزخارف الدنيا فاستولت على قلوبهم وملكتها فنسوا يوم الحساب وأصبحت المعاصي أمرا مألوفا عند كثير من الناس وغُلِب المستقيمون على أمرهم فلم يستطيعوا إزالتها فتمادى المجرمون على انتهاك الآداب فتفاقم الخطب ثم تفاقم إلى أن التهبت الدنيا بالموبقات خف الزنى الذي هو من كبائر الذنوب حتى صار الغيور المنكر له المقبح

стр. 402

يسمى رجعيا لا يعرف الحرية مع أن الزنى من بين المعاصي عار تسود له الوجوه، وتنتكس له الرءوس، وتنهدم به بيوت المجد العالية، وهان التعامل بالربا مع أنه من بين سائر المعاصي قد توعد الله فاعله المستمر على التعامل به بالحرب وقارف كثير من الناس المسكرات مع أن الخمر أم الخبائث وهذه شهادة الزور قد هانت مع أنها من عظائم الذنوب وهذه فاحشة اللواط قد انتشرت انتشار الوباء، مع أن القرآن يحكي عن أمة كانت تفعل ذلك أنها خسف بها، وأمطرت عليها حجارة من سجيل، وأما الأرض فهان اغتصابها مع أن المغتصَب يكون طوقا لمغتصبه في دار الانتقام، وأما الأموال والأعراض فحدث عن الاستخفاف بها وانتهاكها ولا حرج وهذا الغش قد صار عادة لا يكاد يسلم منه معامل، مع أن النبي ﷺ قال: «من غشنا فليس منا» وهذا حلق اللحية قد أصبح عند كثير من الناس كأنه واجب مع أمر النبي ﷺ بإعفائها هذا وأضعاف أضعافه حاصل في هذا العصر المظلم الذي عادت فيه غربة الدين. نسأل الله تعالى أن يوقظ ولاتنا فيأخذوا على أيدي السفهاء منا ويزيل ما حدث من هذه المنكرات، وأن يوفقنا وجميع المسلمين لطاعته، ويتوفانا مسلمين، ويلحقنا بعباده الصالحين، ويغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، ويرحمنا برحمته إنه أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 403

٧٨ موعظة عباد الله ذنب اللواط من أعظم الذنوب يغضب رب العباد إنها لفاحشة يضيق بها الفضاء وتعج لها السماء ويحل بها البلاء فكشف حال، وسوء مآل، وداء عضال، وقبح أفعال، وعيب دونه سائر العيوب، عيب تموت به الفضيلة، وتحيا به الرذيلة وتتفتت على أهلها الأكباد، وتذوب من أجلها حياة القلوب، فعمل سبوب، ووضع مقلب، وفاعل ملعون، ومفعول به عليه مغضوب، وخلق فاسد، وشرف مسلوب، وعرض ممزق، وكرامة معدومة، وزهري وجرب ذو ألوان، وقذر وأنتان، ووساخة دونها كل وساخة، اللهم إن في هذه الفعلة الشنيعة من الخزي والعار ما لا تطيقه الطباع السليمة، كانت أمة قديم عصرها، باق ذكرها، كثير شرها، تسكن بين الحجاز والشام، ترتكب هذه الفاحشة الشنيعة، والجريمة الفظيعة علنا، في نواديهم ويذرون ما خلق الله من أزواج، ولا يبالون بمن يعتب عليهم، ويشنع عليهم ولا يخافون لومة اللوام، فبعث الله إليهم لوطا عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام فدعاهم إلى التوحيد، وترك عبادة الأصنام وحذرهم من فعل فاحشة اللواط، وبالغ في إنذارهم، وتحذيرهم، وكان الجزاء والجواب منهم على هذه النصيحة أن قالوا: ﴿أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ومقصود هؤلاء الأشقياء بهذا الوصف السخرية والتهكم بلوط ومن معه، وهذا كما يقوله الفساق والمرجة المعاصرون، لبعض الصلحاء إذا أنكروا عليهم ووعظوهم، أخرجوا عنا هذا المتدين أو هذا المتزهد وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد. وَلا عَيْبَ فِيْهِمْ غَيْرَ أََنَّ سُيُوفَهُم …

стр. 404

بِهِنَ فُلُولٌ مِن قِرَاعِ الكَتَائِبِ فقلبت مدينتهم وأتبعوا بحجارة من سجيل مسومة عند الله للمسرفين. أيها المسلم أتدري لماذا ذكر الله أخبارهم في كتابه العظيم وعلى لسان نبيه الكريم إنه والله أعلم لنعتبر بما أصابهم، ونحذر كل الحذر ما كانوا عليه من سوء الحال، وقبح الفعال، قال الله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ سبحان الله كيف يقع ذكر على ذكر وهو يعلم أن الله جل وعلا يراه. وقد نهاه ويعلم ما في ذلك من مخالفة العقل، والدين، وما فيه من مرض خطير، وشر مستطير، وخزي وعار، هذا بالحقيقة فعل تترفع عنه طباع الكلاب والبغال والحمير، بل والقردة والخنازير، وما ظهر اللواط في أمة إلا أذلت وأخزيت وسلب عزها وإذا أراد الله إهلاك قرية فسق فيها المترفون فاستحقت الخراب والدمار، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ فانتبهوا أيها الإخوان وتناصحوا واحفظوا أولادكم واعلموا أنكم مسؤولون عنهم وعن إهمالكم لهم، احرصوا عليهم فوق حرصكم على أموالكم لعلكم تنجوا من التبعات وتسلموا من العقوبات جعلنا الله وإياكم ممن إذا خوف بالله ندم خاف ورزقنا وإياكم من الإنابة والإنصاف ما يلحقنا بصالح الأسلاف وغفر لنا ولكم ولوالدينا وجميع المسلمين. إنه جواد كريم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

стр. 405

٧٩ - موعظة عباد الله إن الناس لم يقدروا الله حق قدره، ولم يعرفوه المعرفة التي تليق بجلاله وعظمته، ولو عرفوه هذه المعرفة وقدروه ما صدق العقل أن يكونوا بهذه الحال، إن العارف بالله تعالى يخشاه، فتعقله هذه الخشية عما لا ينبغي من الأفعال كيف لا وهذا القرآن يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ العارف بالله تعالى لا يجرؤ أن يحرك لسانه بكلمة من المنكرات لأنه يؤمن أن الله تعالى يسمع السر والنجوى، ولا يجرؤ أن يستعمل عضوا من أعضائه في عمل ليس بحلال، لأنه يؤمن أن الله تعالى يراه مهما اختفى واجتهد في الاختفاء، وكذلك لا يقدم ويعزم على فعل شيء من المحرمات، لأنه يؤمن بوعيد الله على من اجترأ وانتهك المحظورات، العارف بالله حق المعرفة لا ينطوي على رذيلة كالكبر والعجب والحقد والنفاق وغير ذلك من الرذائل الممقوتات، لأنه يؤمن أن ما في قلبه لا يخفى على من لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فلا يستريح حتى يكون باطنه كظاهره مطهرا من الفواحش، وكذلك لا يتعامل بالربا ويبتعد كل البعد عن الرياء ونحوهما من المحرمات، وكذلك لا تسمع من فمه عند نزول البلاء إلا الحسن الجميل، فلا يغضب لموت عزيز أو فقد مال، أو مرض شديد، لأنه يعلم أن غضبه يتوجه إلى الحكيم العليم اللطيف الخبير، ولا يصدر من العارف بالله حسد لخلق الله على ما أولاهم من نعمة، لأنه يؤمن أن الله قسم النعم بين عباده وليس لقسمته راد، وكذلك العارف لا ييأس من زوال شدة مهما تعقدت واستحكمت، ولا ييأس من حصول خير مهما سما وابتعد، لأنه يؤمن أن الأمور كلها بيد الله الذي إذا أراد شيئا قال له كن فكان، العارف

стр. 406

بالله لا يقنط المؤمن العاصي من رحمة الله،ولا يؤمن المحسن، لكنه يرجو للمحسن ويخاف على المسيء، العارف بالله لا يغش مؤمنا، ولا يسيء إلى الجار وقس على ذلك الباقي مما يتعلق بهذا الموضوع. اللهم جد علينا بكرمك وأفض علينا من نعمك، وتغمدنا برحمتك الواسعة وعاملنا برأفتك، ووفقنا لخدمتك، واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ٨٠ موعظة عباد الله إن أمامكم يوم لا كالأيام يوم فيه من الأهوال والشدائد والكروب ما يشيب الولدان وتذهل فيه المرضعة عما أرضعت يوم يتغير فيه العالم وينتهي نظامه الذي نراه. فتنثر الكواكب وتتساقط وتطوى السماء كطي السجل للكتب يزيلها الله وتبدل الأرض غير الأرض وتمد كما أخبر الله تعالى وينفخ في الصور فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين. وحينئذ يحشر الكافر أعمى لا يبصر أصم لا يسمع أبكم لا ينطق يمشي على وجهه ليعلم من أول الأمر أنه من أهل الإهانة ويكون أسود الوجه أزرق العينين في منتهى العطش في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ليس بينه وبين الشمس إلا مقدار ميل. إذ ذاك يقف مبهوتا ذاهل العقل شاخص البصر يتمنى أن يكون ترابا ثم يؤمر به إلى النار ويسلك في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا وبعد دخوله فيها لا يخرج منها أبدا ولا يزداد إلا عذابا ولا يفتر عنه.

стр. 407

إن استغاث يغاث بماء كالمهل يشوي الوجوه ويذيب الأمعاء ويحرق الجلود تحيط به النار من كل جهاته لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش كلما نضج جلده بدل جلدا غيره. وكلما أراد أن يخرج منها قمع بمقامع من حديد كل هذا العذاب يعانيه ولا يموت ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ لا يموت فيها ولا يحيا وسواء صبر أم لم يصبر هو خالد في جهنم خلودا لا انتهاء له أبدا. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ أُتي بفرس يجعل كل خطو منه أقصى بصره فسار وسار معه جبريل ﵇. فأتى على قومٍ يزرعون في يوم ويحصدون قي يوم كلما حصدوا عاد كما كان فقال يا جبريل من هؤلاء؟ قال هؤلاء المجاهدون قي سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه. ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر كلما رضخت عادت كما كانت ولا يفتر عنهم من ذلك شيء قال يا جبريل من هؤلاء؟ قال هؤلاء الذين تثاقلت رؤوسهم عن الصلاة. ثم أتى على قوم على أدبارهم رقاع وعلى أقبالهم رقاع يسرحون كما تسرح الأنعام إلى الضريع والزقوم ورضف جهنم قال ما هؤلاء يا جبريل؟ قال هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم وما ظلمهم الله وما الله بظلام للعبيد، ثم أتى على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يريد أن يزيد عليها قال يا جبريل ما هذا؟ قال هذا رجل من أمتك عليه أمانة الناس

стр. 408

لا يستطيع أداءها وهو يريد أن يزيد عليها. ثم أتى على قوم تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء قال يا جبريل ما هؤلاء؟ قال خطباء الفتنة. ثم أتى على حجر صغير يخرج منه ثور عظيم فيريد الثور أن يدخل من حيث خرج فلا يستطيع قال ما هذا يا جبريل؟ قال هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة فيندم عليها فيريد أن يردها فلا يستطيع. ثم أتى على واد فوجد ريحا طيبة ووجد ريح مسك مع صوت فقال ما هذا؟ قال صوت الجنة تقول يا رب ائتني بأهلي وبما وعدتني فقد كثر غرسي وحريري وسندسي وإستبرقي وعبقريي ومرجاني وفضتي وذهبي وأكوابي وصحافي وأباريقي وفواكهي وعسلي ومائي ولبني وخمري ائتني بما وعدتني. قال لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة ومن آمن بي وبرسلي وعمل صالحا ولم يشرك شيئا ولم يتخذ من دوني أندادا فهو آمن ومن سألني أعطيته ومن أقرضني جزيته ومن توكل علي كفيته إني أنا الله لا إله إلا أنا لا خلف لميعادي قد أفلح المؤمنون تبارك الله أحسن الخالقين فقالت رضيت. ثم أتى على واد فسمع صوتا منكرا فقال يا جبريل ما هذا الصوت؟ قال هذا صوت جهنم تقول يا رب ائتني بأهلي وبما وعدتني فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وغساقي وغسليني وقد بعد قعري واشتد حري ائتني بما وعدتني قال لك كل مشرك ومشركة وخبيث وخبيثة وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب قالت قدر رضيت، رواه البزار عن أبي العالية -

стр. 409

أو غيره- عن أبي هريرة في الترغيب والترهيب جـ ٤ ص ٤٥٤ في كتاب صفة الجنة والنار. عن أبي سعيد ﵁ عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره» . وعنه ﵁ عن النبي ﷺ قال في قوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قال: (جبل من نار يكلف الكافر أن يصعده فإذا وضع يده عليه ذابت فإذا رفعها عادت وإذا وضع رجله عليه ذابت فإذا رفعها عادت يصعد سبعين خريفا ثم يهوي كذلك) رواه أحمد والحاكم وقال صحيح الإسناد. اللهم ثبت قواعد الإيمان في قلوبنا وشيد فيها بنيانه ووطد فيها أركانه وألهمنا ذكرك وشكرك ووفقنا بطاعتك وامتثال أمرك وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ٨١ موعظة عباد الله نحن في زمن لا نسيء إذا عددنا أكثر أهله من ضعفاء المتدينين الذين غلبت عليهم المداهنة والتملق والكذب، راجع حال السلف المؤمنين حقا وانظر حالنا النوم، تعجب من الفرق المبين. كان هذا المال بأيديهم بكثرة، ومع ذلك لا يدور عليه الحول، لأنهم نصب أعينهم قوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ

стр. 410

الصَّالِحِينَ﴾ [طه: ١٠] ، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلَا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٢] . مطمئنين إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩] كانوا إذا وصل إليهم المال يصيبهم قلق حتى يتصدقوا به على حد قول الشاعر: قَالَتْ طُرَيْفَةُ لا تَبْقَى دَرَاهِمُنَا … وَمَا بِنا صَلَفٌ فِيْهَا وَلا خَرَقُ لَكِِنْ إِذَا اجْتَمَعَتْ يَومًا دَرَاهِمُنَا … ظَلَّتْ إلى طُرُقِ المَعْرُوفِ تَسْتَبِقُ لا يَأْْلَفُ الدِّرْهَمْ المَضْرُوبُ صُرَّتَنَا … لَكِنْ يَمُرُّ عَلَيْهَا وَهُوَ مُنْطَلِقُ آخر: أَلَمْ تَرَى أنَّ المَالَ يُهْلِكُ أَهْلَهُ … إِذَا جَمَّ آتِيْهِ وَسُدَّتْ طَرِيْقُهُ وَمَنْ جَاوَزْ المَاءَ الغَزِيْرَ مَسِيْلُهُ … وَسُدَّتْ مَجَارِي المَاءِ فَهوَ غَرِيْقُهُ وجاء الإسلام ودار الندوة بيد حكيم بن حزام فباعها من معاوية بمائة ألف درهم فقال له عبد الله بن الزبير بعت مكرمة قريش قال: ذهبت المكارم إلا من التقوى يا ابن أخي إني اشتريت بها دارًا بالجنة أشهدك أني جعلت ثمنها في سبيل الله، تأمل يا أخي سيرة الرجال الذين عرفوا الدنيا حقيقة لعلك تقتدي بهم فتربح الدنيا والآخرة. وكانوا إذا عرض لهم أحد وأبدى لهم احتياجه يرون غفلتهم عنه من النقائص والعيوب الفاحشات على حد قول الشاعر: وَتَرْكي مُوَاسَاة الأخِلاءِ بالذِي … تَنَالُ يَدِي ظُلْمٌ لَهُم وَعُقُوقُ

стр. 411

وَإِنِّي لأَسْتَحيي مِن اللهِ أَنْ أَرَى … بِحَالِ اتْسَاعٍ وَالصَّدِيْقُ مُضَيَّقُ أين هذا وأين حالنا اليوم وقد بخلنا بحق المال الزكاة وهي حق الفقراء والمساكين … الخ. وكانوا إذا فاتتهم تكبيرة الإحرام مع الإمام ربما غشي عليهم من ألم هذا المصاب العظيم وكانوا يعزون من فاتته تكبيرة الإحرام ومن باب أولى وأخرى من فاتته الجماعة أو الجمعة ويندر وجود ذلك منهم. أين هذا من حال مجتمعنا اليوم الذي ترى الكثير منهم يجافي عليه الباب ويشرب الشاي أو الدخان أبا الخبائث والناس يصلون. وكثير من الذين يصلون مع الجماعة تجدهم يحرصون على الإتيان إذا ظنوا أنها أقيمت الصلاة ويقصدون النقارين الذين لا يتركون في الصلاة ولا يطمئنون فيها ولا يتمكن المأموم من قراءة الفاتحة التي لا صلاة لمن لم يقرأ بها ولا يتمكن من الإتيان بالتشهد كاملاً. فإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أنهم لا يفهمون الصلاة ولا المقصود منها ولو فهموها تمامًا لصارت قرة أعينهم ولا استراحوا بها واستعانوا بها على الدين والدنيا. وكانوا أي السلف ممن يحن إلى بيت الله يتمتعون به في كل عام، ولذلك تعد لأحدهم أربعين حجة، وأزيد، أين هذا ممن يسافرون إلى بلاد الكفرة بلاد الحرية محكمة القوانين أعداء الإسلام وأهله. ومع ذلك يبعثرون الفلوس العظيمة، التي سيناقشون عنها داخلة وخارجة ضد ما عليه آباؤهم من هجران من جاء بلاد الكفر غير مهاجر قال

стр. 412

- ﷺ : «أنا بريء من مسلم بين أظهر المشركين» وقال: «من جامع المشركين وسكن معهم فإنه مثلهم» . بلغ يا أخي من يدرسون على الكفار والعياذ بالله. وكان السلف يشتاقون إلى الصيام، وبعضهم يصومون ستة أيام من شوال، وثلاثة من كل شهر، ويوم الاثنين، والخميس، وبعضهم يصوم كصيام داود ﵇، يوم يصوم، ويوم يفطر. أما نحن فيا ليته يسلم لنا رمضان من المفسدات والمنقصات وهيهات. وكانت المساكن لا تهمهم يسكنون فيما تيسر. عن مالك بن دينار أنه حضر رجلاً يبني دارًا وهو يعطي العمال الأجرة فمد يده فأعطاه درهمًا فطرح الدرهم في الطين فتعجب الرجل وقال كيف تطرح الدرهم في الطين؟ فقال: أعجب مني أنت لأنك طرحت كل دراهمك في الطين يعني ضيعتها في البناء، ومر علي بن أبي طالب ﵁ بالعلا بن زياد فرأى سعة داره فقال له ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا وأنت إليها في الآخرة كنت أحوج. وكان نوح ﵇ في بيت من شعر ألف سنة فقيل له يا رسول الله لو اتخذت بيتًا من طين تأوي إليه قال أنا ميت فلم يزل فيه حتى فارق الدنيا وقيل إنه قال بيت العنكبوت كثير على من يموت. وقال أبو هريرة بئس بيت الرجل المسلم بيت العروس يذكر الدنيا وينسي الآخرة، وكان لشقيق البلخي خص يكون هو ودابته فيه فإذا غزا هدمه وإذا رجع بناه. بلغ يا أخي أهل الفلل والعمائر وقل عن قريب

стр. 413

ستسكنون في مسكن ثلاث أذرع فقط ويسد عليكم فيه لا تخرجون منه إلا مع الناس ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج٤٣] شعرًا: تَبْنِي المَنَازْلَ أَعمارٌ مُهَدَّمةٌ … مِن الزَّمَانِ بِأنفاسٍ وَساعاتِي آخر: أَمَّا بُيوتُكَ في الدُّنْيَا فَوَاسِعَةٌ … فَلَيْتَ قَبْرَكَ بَعد الموتِ يَتْسِعُ كانوا إذا سمعوا الموعظة، أو مروا بحدّاد يوقد نارًا، صعقوا وربما مكثوا بلا وعي، أيامًا، أو أشهرًا متتاليات، وقد سمعت بأناس قتلتهم المواعظ أما نحن فتتلى علينا الآيات من كتاب الله ولا كأنها مرت على قلوبنا من الانهماك بالدنيا والغفلة أصبحت لا تؤثر فيها العظات. كانوا يتعاونون على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويلتفون كتلة واحدة ويأخذون على يد السفيه أما نحن فنثبط ونقول لمن يريد المساعدة ما أنت بملزم اتركهم. كانوا ينصحون أهل المعاصي، ويهجرونهم، إذا أصروا على المعاصي ولو كانوا ممن لهم منزلة ومكانة في قلوب كثير من أهل الدنيا وكانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم وهممهم عالية وأنفسهم رفيعة لا يخشون إلا الله لا يتملقون ولا يداهنون ولا يخضعون إلا لله قال بعضهم: قَالُوا نَرَى نَفَرًا عِنْدَ المُلُوكِ سَمَوْا … وَمَا لَهُمْ هِمَّةٌ تَسْمُوا وَلا وَرَعُ وَأَنْتَ ذُو هِمَّةٍ في الفَضْلِ عَالِيةٍ … فَلِمْ ظَمِئْتَ وَهُم في الجَاهِ قَدْ كَرَعُوْا

стр. 414

فَقُلْتُ بَاعُوا نُفُوسًا وَاشْتَرَوا ثَمَنًا … وَصُنْتُ نَفْسِي فَلَمْ أَخْضَعْ كَمَا خَضَعُوْا قَدْ يُكْرَمُ القِرْدُ إِعَجَابًا بِخِسَّتِهِ … وَقَدْ يُهَانُ لِفَرْطِ النَّخْوَةِ السَّبُعُ هذا الذي كان من سلفنا الكرام نحو أهل المعاصي والمنكرات. أما نحن فنتركهم ونقول ذنوبهم على جنوبهم، وربما جالسناهم، وواكلناهم، وعظمناهم، كما تسمع الكثير يقولون للمجاهر بالمعاصي كشارب الدخان، وحالق اللحية، ومستعمل آلات اللهو، يا معلم يا أستاذ يا سيد والواجب هجره ليرتدع فإنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم وفقنا لما وفقت إليه القوم وأيقظنا من سنة الغفلة والنوم وارزقنا الاستعداد لذلك اليوم الذي يربح فيه المتقون اللهم وعاملنا بإحسانك وجد علينا بفضلك وامتنانك واجعلنا من عبادك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. اللهم ارحم ذلنا بين يديك واجعل رغبتنا فيما لديك، ولا تحرمنا بذنوبنا، ولا تطردنا بعيوبنا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين. ٨٢- "موعظة " عباد الله كلنا ولله الحمد قد رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا ورسولاً، وبالقرآن إمامًا، وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانًا وتبرأنا من كل دين يخالف دين الإسلام. وآمنا بكل كتاب أنزله الله، وبكل رسول أرسله الله، وبملائكة الله، وبالقدر خيره وشره وباليوم الآخر وبكل ما جاء به محمد ﷺ عن الله، على ذلك نحيا، وعليه نموت، وعليه نبعث إن شاء الله من الآمنين

стр. 415

الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون بفضله وكرمه. ثم اعلموا معاشر الإخوان إنه من رضي بالله ربًا لزمه أن يرضى بتدبيره، واختياره له، وبمر قضائه، وأن يقنع بما قسم له من الرزق، وأن يداوم على طاعته، ويحافظ على فرائضه، ويجتنب محارمه، ويكون صابرًا عند بلائه، موطنًا نفسه على ما يصيبه من الشدائد، بعيدًا كل البعد عن نار الجزع، التي تتأجج في قلب كل امرئ يجهل بارئه ومولاه. فإن رأيت نفسك أيها الأخ تريد أن تجزع عند ملمة، فقف أمامها موقف الناصح القدير، أفهمها أنها هي السبب فيما أنزل الله بها من بلاء صغير أو كبير. وإن لم تصدقك فاقرأ عليها قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى٣٠] فإنها إذا سمعت ذلك وجهت اللوم إلى نفسها على معاصيها، وهدأت منها الثورة الثقيلة. وأفهمها أن ليس بينها ولا بين ربها عداوة، فإنه بعباده الرءوف الرحيم، وأفهمها أن البلايا قد تلزم العبد حتى يصبح مغفورة ذنوبه كلها، صغيرها، والكبير، وأفهمها أن نتيجة ذلك أن صاحب البلايا يأتي يوم القيامة في أمن مولاه الكريم. فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من يُرد الله به خيراً يصب منه» رواه البخاري، وفي حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا» . وقال ﷺ «أن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قومًا

стр. 416

ابتلاهم» الحديث. وفي حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما يزل البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة» رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح، أفهم نفسك كل ذلك فإنه يخفف عنها آلام البلايا، وربما جعلها من المحبوبات. وأفهمها أن الله وعد الصابرين أن يجزيهم أجرهم بغير حساب وأفهمها أن الله حكيم في كل تصرفاته، وقل لها إن الجزع لا يرد ما نزل من البلاء أبدًا، بل ما دبره الحكيم العليم لا بد من وقوعه فلا فائدة في الجزع والحزن، وقل إن عاقبة الجزع والتسخط النار، وعاقبة الصبر والرضا بما قضاه الله الجنة. وقل إن شماتة الأعداء في الجزع، وغيظهم في الصبر، الذي يتأكد لزومه على الرجال والنساء. وتأكد واطمئن أنها إذا سمعت منك كل ذلك رضيت بإذن الله كل الرضا، ولزمت الآداب، فتعيش كل حياتها تروح وتغتدي في جنة رضاها، مهما برحت بها البلايا والأوصاب، وبذلك مع توفيق الله تعالى تجمع بين سعادة الدنيا والآخرة وهكذا تكون عواقب الصابرين الأبطال. الله ألهمنا ذكرك ووفقنا للقيام بحقك، وخلصنا من حقوق خلقك، وبارك لنا في الحلال من رزقك، ولا تفضحنا بين خلقك، يا خير من دعاه داع وأفضل من رجاه راج يا قاضي الحاجات، ومجيب الدعوات، هب لنا ما سألناه، وحقق رجاءنا فيما تمنيناه، يا من يملك حوائج السائلين ويعلم ما في صدور الصامتين أذقنا برد عفوك وحلاوة مغفرتك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع

стр. 417

المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ٨٣- "موعظة " فيا أيها المهملون الغافلون تيقظوا فإليكم يوجه الخطاب ويا أيها النائمون انتبهوا قبل أن تناخ للرحيل الركاب قبل هجوم هادم اللذات ومفرق الجماعات ومذل الرقاب ومشتت الأحباب فيا له من زائر لا يعوقه عائق ولا يضرب دونه حجاب، ويا له من نازل لا يستأذن على الملوك ولا يلح من الأبواب، ولا يرحم صغيرًا ولا يوقر كبيرًا ولا يخاف عظيمًا ولا يهاب ألا وإن بعده ما هو أعظم منه من السؤال والجواب، ووراءه هول البعث والحشر وأحواله الصعاب من طول المقام والازدحام في الأجسام والميزان والصراط والحساب. ٨٤- "موعظة " عباد الله اتقوا الله وبادروا بالتوبة قبل أن يغلق عنكم الباب، وابتدروا الأوبة قبل أن يرخى دونكم حجابها، وانتهزوا فرص الحياة فقد اقتربت الساعة وتضاعف اقترابها، قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] فيا عباد الله تذكروا مواقف الخلائق بين يدي العزيز الجبار في يوم يحرر فيه الحساب، وأعدوا للحساب صواب الجواب، فلا بد أن يطلب منكم على كل مسألة جوابها، واجتنبوا التسويف، فإن سيوف المنية قاطعة، يا معشر المسوفين أظننتم أنكم في الدنيا مخلدون، وأنتم مع العاصين قاعدون، كم مرت بكم مواسم الطاعات، وأنتم عن استغلالها

стр. 418

بالباقيات الصالحات راقدون، فما بالك أيها الغافل تسارع في متابعة هواك، مع أنك في العبادة متكاسل، وتتلى عليك آيات مولاك وأنت عنها معرض إعراض الجاهل تسمع الملاهي فتميل إليها بقلبك وتبصر المناهي من تلفزيون وفديو وسينماء وسافرات وصور فلا تتحرك ولا تتمعر، هل أنت مكذب بالتحريم، أو متشكك في البعث وعذاب القبر والحساب والصراط والميزان، فيا مؤمنا بيوم الحساب تهيأ للمحاسبة، ويا مذعنًا بحقوق الرب استعد للمطالبة ويا طويل الأمل كم آمال أصبحت خائبة، فكأنك بالموت وقد نزل بساحتك ونزلت في القبر مع عملك وحشرت وعرضت على عالم سريرتك وعلانيتك وكأنك بالحشر والنشر والحساب بين يدي الله ، وكأنك بالأهوال والمخاوف وقد أحاطت واشتد الخوف والوجل وكأنك بالجحيم وقد سعرت وبالجنة وقد أزلفت، فالبدار قبل انقضاء الأعمار. تَجَرَّدْ مِن الدُّنْيَا فَإِنَّكَ إِِنَّمَا … خَرَجْتَ إلى الدنيا وَأنْتَ مُجَرَّدُ وَتُبْ مِنْ ذُنُوبٍ مُوْبِقَاتٍ جَنَيتَهَا … فَمَا أَنْتَ في دُنْيَاكَ هَذِي مُخَلَّدُ وفقنا الله وإياكم للفوز بدار القرار، والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وسلم. موعظة عباد الله ما ندم من أطاع الله في أي وقت كان، ولا عادت الطاعات على صاحبها إلا بالخير والبركة في كل آن، والعصاة في كل زمن الممقوتون مهما ابتسمت لهم الدنيا وقضوا فيها بعض مآربهم، ومهما هاموا بحبها وأحكموا أساليب جمعها، فإن الدنيا لا تبتسم لفاسق إلا لتسحقه ولا تفتح

стр. 419

ذراعيها لمقبل عليها إلا لتحرقه، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣] فماذا غرك فيها أيها المسكين، إن كان الذي غرك فيها كثرة النقدين أو ما ناب منابهما من أوراق، فإن الجنة حصباؤها اللؤلؤ، وترابها الزعفران، وبناؤها الذهب والفضة، والدر والياقوت، وإن كان الذي غرك منها فواكهها ومطعوماتها وما حوت من متاع، فإن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وإن كان الذي غرك جمال نسائها، فإن في الجنة ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾ [النبأ: ٣٣] لو ظهر بنان إحداهن على الدنيا لأضاءت ما بين السماء والأرض ينظر إلى وجهه في خدها أصفى من المرآة، وتسر بمشاهدتها سرورًا لا يعلم قدره إلا الله، لا تنظر إلا إليها ولا تنظر إلا إليك، لا تتكلم إلا بما يسرك، تأمرها فتخضع، وتحدثها فتسمع، إذا تكلمت أطربت، لا تفتخر عليك بحسنها وجمالها، ولا تمن بجميل صنعها، لا تنفر منك ولا تغضب، ولا تلهو عنك ولا تصخب، الجمال كساؤها، والكمال رداؤها، والود والوفاء من طبعها، لا يعلو صوتها على صوتك ولا تجتهد إلا في مرضاتك، هادئة، ساكنة راضية تلك وأمثالها للمؤمنين المعلومين، من قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١] أيها المسلمون، لقد فاز والله من اجتهد فيما ينجيه، وخاب من أتعب نفسه فيما يخزيه، وأنتم الآن في فسحة من أجلكم، وصحة من أبدانكم، واكتمال من عقولكم، وآخر الأجل غائب عنكم، ولا تدرون كيف حالكم بعد يومكم فسارعوا إلى ﴿مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:

стр. 420

١٣٣] . من قبل أن يفقد البدن صحته، ويقول الحق كلمته، فينقضي الأجل، ويختم على العمل، فلا ينقص فيه ولا يزاد، ولا يعدل فيه شيء إلى المعاد، تقول ليتني أطعت، وما هي بنافعة، وليتني ما عصيت، وليست بدافعة، إذا فأضيع، الناس وأخسرهم صفقة من سوف في طاعة ربه، وأشدهم خسرانًا من لم يبادر في التوبة من ذنبه، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧] . وفي الحديث: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل» . رواه البخاري. اللهم أعز الإسلام والمسلمين وانصر الإسلام والمسلمين. واجعل كلمتك هي العليا إلى يوم الدين واخذل الكفرة وأعوانهم والملحدين والمبتدعين وأصلح من في صلاحه صلاح الإسلام والمسلمين وأهلك من في هلاكه صلاح للإسلام والمسلمين وول على المسلمين خيارهم يا رب العالمين ولم شعثهم واجمع شملهم ووحد كلمتهم وانصرهم على من خالفهم وأحفظ بلادنا من الفسقة والمجرمين وأصلح أولادنا واشف مرضانا وعاف مبتلانا وارحم موتانا وخذ بأيدينا إلى كل خير واعصمنا من كل شر واحفظنا من كل ضر وأغفر اللهم للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات إنك قريب مجيب، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا إلى النار مصيرنا ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ولا تسلب نعمتك عنا وكن معنا حيثما كنا يا حي يا قيوم اللهم صلى على محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 421

٨٥- (موعظة) الإخلاص مسك مصون في القلب ينبه ريحه على حامله، العمل صورة والإخلاص روح، إذا لم تخلص العمل لله وحده فلا تتعب، لو قطعت المنازل لم تكن حاجًا إلا بشهود الوقوف بالموقف، ولا تغتر بصورة الطاعات. كان أيوب السختياني إذا تحدث فرق قلبه وجاء الدمع قال ما أشد الزكام. وكان إبراهيم بن أدهم إذا مرض يجعل عند رأسه ما يأكل الأصحاء كيلا يتشبه بالشاكين. وكان ابن أبي ليلى يُصلي فإذا أحس بداخل نام على فراشه. وكان النخعي يقرأ في المصحف فإذا دخل عليه أحد غطاه. وكان الواحد من السلف تأتيه العبرة والخشوع فيقوم خشية أن يفطن له. وكان بعضهم يُصلي ويبكي وإذا جاءه زائر غسل وجهه عن الدموع لئلا يتنبه له. كل هذا من الإخلاص بلغ يا أخي معشر المرائين الذين إذا ساهموا في مشروع ديني نشروا أسماءهم في الجرائد والمجلات والإذاعات والذين يعددون كم حجوا من سنة وهم ما سئلوا ويقولون نحن نعتمر كل سنة وأهلنا وأولادنا ويجلس بالحرم ويهمل عائلته ولا يحافظ عليهم ولا يدري أين يذهبون في الليل والنهار وربما حصل له بسببهم إثم عظيم لأن سيئة الحرم عظيمة ليست كغيرها.

стр. 422

وربما كان مع ذلك المأكل والملبس والمركب حرام نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة. وهذه المسائل قل من ينتبه لها من طلبة العلم فضلاً عن غيرهم. فالرياء من أصعب الأشياء وأخفاها وضرره عظيم وقد يحبط الأعمال. فينبغي للإنسان أن يجعله دائمًا نصب عينيه في الصلاة والزكاة والصيام والحج وسائر الأعمال. اللهم قونا باليقين وامنحنا التوفيق واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ٨٦- "موعظة " عباد الله لقد أصبح الناس وما يتعلق بالدنيا أهم عندهم بكثير مما يتعلق بالدين، فإنا لله وإنا إليه راجعون، في ليلهم ونهارهم مشغولين شغل العاشقين المستغرقين، كأنهم ما خلقوا إلا لها، وأما الدين فلا يخطر على بالهم، وإن خطر فطيف يمر مر السحاب، أثر بعضهم على بعض في هذا الانهماك العظيم، وذلك أن الشيطان بلغ في تهوين الدين عندهم الغاية ومما يدلك على ذلك أنك ترى الشخص يرتد عن الدين فلا يسأل ولا يناقش، ولذلك نزعت البركة من أعمارنا وأعمالنا وأموالنا وأولادنا، وأصبحنا وقد ضرب الذل علينا سرادقه ونحن كأنا لسنا من الأحياء، أما عدم البركة في أعمارنا، فلأن أحدنا يمر عليه الشهر والعام لا ترى لحياته من أثر، في الإصلاح وتوجيه المنحرفين، والقيام التام المثمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسعي في إزالة ما يمس الدين مما حل في بلاد المسلمين من المنكرات والمفاسد والشرور، ولو سألت

стр. 423

أحدنا هل لك من حياتك أثر نافع لتلجلج في الكلام، ينظر وراءه فلا يرى أثرًا، ويتبين له أن الأيام مرت سدى تتلوها الأيام، هذا من عدم البركة في أعمارنا، وأما عدم البركة في أعمالنا فلأن أحدنا ما دام مستيقظًا يتحرك ولا تنقطع أقواله ولا أفعاله، ولكنها تدور بين حرام أو مكروه، أو عبث لا يليق أن يصدر من الرجال، فتجد الكذب والنميمة والقذف والغيبة والتملق والنفاق والرياء وتعظيم العصاة المجاهرين بها ونحو ذلك، وأما عدم البركة في أموالنا فلأن أحدنا يكون عنده المال الكثير فتراه يبعثره في سبيل شهواته وملذاته الفاجرة أو يكنزه ولا يخرج منه الزكاة، وإن عرضت عليه مشروعًا دينيًا فر منك مذعورًا فأي بركة تكون في مثل هذا المال، وأما عدم البركة في أولادنا فلأنهم في صغرهم يكونون شياطين يتعبون في التربية آباءهم وأمهاتهم، فإذا شبوا شغلوا بشهواتهم عما يجب عليهم للوالدين من صنوف البر وأكثرهم يكون طول حياته حربًا على والديه يريهما أنواع الاهانات، والأذايا وأي بركة في أولاد هذا حالهم مع والديهم والله أعلم أن نزع البركة من كل ذلك عقوبة لنا على إقبالنا على الدنيا وإعراضنا عن الدين فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. اللهم ثبت وقو محبتك في قلوبنا واشرح صدورنا ونورها بنور الإيمان واجعلنا هداة مهتدين وألهمنا ذكرك وشكرك واجعلنا ممن يفوز بالنظر إلى وجهك في جنات النعيم يا حليم ويا كريم واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 424

٨٧- (موعظة) عباد الله –الدنيا ملأى بالمصائب والآلام، والأحزان والأسقام غناها فقر وعزها ذل. والآجال فيها معدودة والأعمار محدودة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] نعيمها إلى فناء وعيشها إلى انقضاء متاعُها قليل، وحسابها طويل –الخلود فيها لا يكون لإنسان والبقاء الدائم لا يكون إلا للديان الذي يقول: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] فالسعيد من استعد ليوم الرحيل، وجهز نفسه بالعمل الصالح لسفر طويل، وتفكر فيمن سبقوه إلى دار القرار، وعلم أنه لا حق بهم مهما حاول الفرار، والأمر بعد ذلك إما نعيم مقيم أو شقاء وعذاب أليم. فيا من بنيت الآمال وقصرت في الصالح من الأعمال، تنبه للموت، فإن نسيانه ضلال مبين، كم من صديق لك مات في ريعان شبابه، وكم شيعت إلى الدار الآخرة من أحبابه، تذكر يا مغرور ساعة الاحتضار وخروج الروح والأولاد حولك يبكون والنساء تنوح، يناديك ولدك، أبتي إني بعدك مسكين، وتصرخ الزوجة يا زوجي إلى أين الرحيل وهل من رجعة أو غيابك طويل. فتغرغر عيناك بالدموع ويلجم منك اللسان، وتحاول النطق فيتعذر عليك الكلام، وتطلب النجاة ولكن ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:: ١٩] إذا علمت هذا يا أخا الإسلام، فكيف يكون حال أبنائك من بعدك. ذل بعد عز وحرمان بعد حنان ينظرون إلى الأبناء مع آبائهم فيحزنون،

стр. 425

ويذكرون عطف أبيهم فيبكون، ليلهم نهار، ونهارهم ليل. أعيادهم أتراح وأحزان، وأفراحهم هموم وأشجان، يتلفتون على أحباب أبيهم وأصدقائه، علهم يجدون عندهم الحنان ويشتهون ضمة أو قبلة كما يفعل الآباء بالغلمان والولدان. فإن كنت يا مسلم في حياتك بارًا بمن فقدوا آباءهم، عطوفًا على اليتامى. تمسح دموعهم بخيرك، وتعاملهم كولدك تدخل السرور على قلوبهم الحزينة بما تقدمه لهم من الهدايا والإحسان، وما تظهره لهم من حب وعطف ورعاية وحنان، إن فعلت هذا في حياتك فأبشر. فإن أولادك بعدك في أمان، تحنو عليهم القلوب، ويرعاهم علام الغيوب. قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً﴾ [النساء: ٩] أيها المسلمون: إن رعاية اليتيم من واجبات الدين، وإن إهمال شأنه وإذلاله وقهره ما ينبغي للإنسان وأكل ماله يغضب الديان، ويوجب الحرمان. قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى٩] وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء: ١٠] إن من رعاية اليتيم تنمية ماله، وإصلاح حاله بالتربية والتعليم والتهذيب والتقويم قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠] وإن احتاج اليتيم أو الأرملة إلى مساعدة تعود على مصلحته فينبغي
следующие страницы →