← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 120

مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار

عبد العزيز السلمان

Полный текст (1 102 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

٨٥- (موعظة) الإخلاص مسك مصون في القلب ينبه ريحه على حامله، العمل صورة والإخلاص روح، إذا لم تخلص العمل لله وحده فلا تتعب، لو قطعت المنازل لم تكن حاجًا إلا بشهود الوقوف بالموقف، ولا تغتر بصورة الطاعات. كان أيوب السختياني إذا تحدث فرق قلبه وجاء الدمع قال ما أشد الزكام. وكان إبراهيم بن أدهم إذا مرض يجعل عند رأسه ما يأكل الأصحاء كيلا يتشبه بالشاكين. وكان ابن أبي ليلى يُصلي فإذا أحس بداخل نام على فراشه. وكان النخعي يقرأ في المصحف فإذا دخل عليه أحد غطاه. وكان الواحد من السلف تأتيه العبرة والخشوع فيقوم خشية أن يفطن له. وكان بعضهم يُصلي ويبكي وإذا جاءه زائر غسل وجهه عن الدموع لئلا يتنبه له. كل هذا من الإخلاص بلغ يا أخي معشر المرائين الذين إذا ساهموا في مشروع ديني نشروا أسماءهم في الجرائد والمجلات والإذاعات والذين يعددون كم حجوا من سنة وهم ما سئلوا ويقولون نحن نعتمر كل سنة وأهلنا وأولادنا ويجلس بالحرم ويهمل عائلته ولا يحافظ عليهم ولا يدري أين يذهبون في الليل والنهار وربما حصل له بسببهم إثم عظيم لأن سيئة الحرم عظيمة ليست كغيرها.

стр. 422

وربما كان مع ذلك المأكل والملبس والمركب حرام نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة. وهذه المسائل قل من ينتبه لها من طلبة العلم فضلاً عن غيرهم. فالرياء من أصعب الأشياء وأخفاها وضرره عظيم وقد يحبط الأعمال. فينبغي للإنسان أن يجعله دائمًا نصب عينيه في الصلاة والزكاة والصيام والحج وسائر الأعمال. اللهم قونا باليقين وامنحنا التوفيق واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ٨٦- "موعظة " عباد الله لقد أصبح الناس وما يتعلق بالدنيا أهم عندهم بكثير مما يتعلق بالدين، فإنا لله وإنا إليه راجعون، في ليلهم ونهارهم مشغولين شغل العاشقين المستغرقين، كأنهم ما خلقوا إلا لها، وأما الدين فلا يخطر على بالهم، وإن خطر فطيف يمر مر السحاب، أثر بعضهم على بعض في هذا الانهماك العظيم، وذلك أن الشيطان بلغ في تهوين الدين عندهم الغاية ومما يدلك على ذلك أنك ترى الشخص يرتد عن الدين فلا يسأل ولا يناقش، ولذلك نزعت البركة من أعمارنا وأعمالنا وأموالنا وأولادنا، وأصبحنا وقد ضرب الذل علينا سرادقه ونحن كأنا لسنا من الأحياء، أما عدم البركة في أعمارنا، فلأن أحدنا يمر عليه الشهر والعام لا ترى لحياته من أثر، في الإصلاح وتوجيه المنحرفين، والقيام التام المثمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسعي في إزالة ما يمس الدين مما حل في بلاد المسلمين من المنكرات والمفاسد والشرور، ولو سألت

стр. 423

أحدنا هل لك من حياتك أثر نافع لتلجلج في الكلام، ينظر وراءه فلا يرى أثرًا، ويتبين له أن الأيام مرت سدى تتلوها الأيام، هذا من عدم البركة في أعمارنا، وأما عدم البركة في أعمالنا فلأن أحدنا ما دام مستيقظًا يتحرك ولا تنقطع أقواله ولا أفعاله، ولكنها تدور بين حرام أو مكروه، أو عبث لا يليق أن يصدر من الرجال، فتجد الكذب والنميمة والقذف والغيبة والتملق والنفاق والرياء وتعظيم العصاة المجاهرين بها ونحو ذلك، وأما عدم البركة في أموالنا فلأن أحدنا يكون عنده المال الكثير فتراه يبعثره في سبيل شهواته وملذاته الفاجرة أو يكنزه ولا يخرج منه الزكاة، وإن عرضت عليه مشروعًا دينيًا فر منك مذعورًا فأي بركة تكون في مثل هذا المال، وأما عدم البركة في أولادنا فلأنهم في صغرهم يكونون شياطين يتعبون في التربية آباءهم وأمهاتهم، فإذا شبوا شغلوا بشهواتهم عما يجب عليهم للوالدين من صنوف البر وأكثرهم يكون طول حياته حربًا على والديه يريهما أنواع الاهانات، والأذايا وأي بركة في أولاد هذا حالهم مع والديهم والله أعلم أن نزع البركة من كل ذلك عقوبة لنا على إقبالنا على الدنيا وإعراضنا عن الدين فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. اللهم ثبت وقو محبتك في قلوبنا واشرح صدورنا ونورها بنور الإيمان واجعلنا هداة مهتدين وألهمنا ذكرك وشكرك واجعلنا ممن يفوز بالنظر إلى وجهك في جنات النعيم يا حليم ويا كريم واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 424

٨٧- (موعظة) عباد الله –الدنيا ملأى بالمصائب والآلام، والأحزان والأسقام غناها فقر وعزها ذل. والآجال فيها معدودة والأعمار محدودة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] نعيمها إلى فناء وعيشها إلى انقضاء متاعُها قليل، وحسابها طويل –الخلود فيها لا يكون لإنسان والبقاء الدائم لا يكون إلا للديان الذي يقول: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] فالسعيد من استعد ليوم الرحيل، وجهز نفسه بالعمل الصالح لسفر طويل، وتفكر فيمن سبقوه إلى دار القرار، وعلم أنه لا حق بهم مهما حاول الفرار، والأمر بعد ذلك إما نعيم مقيم أو شقاء وعذاب أليم. فيا من بنيت الآمال وقصرت في الصالح من الأعمال، تنبه للموت، فإن نسيانه ضلال مبين، كم من صديق لك مات في ريعان شبابه، وكم شيعت إلى الدار الآخرة من أحبابه، تذكر يا مغرور ساعة الاحتضار وخروج الروح والأولاد حولك يبكون والنساء تنوح، يناديك ولدك، أبتي إني بعدك مسكين، وتصرخ الزوجة يا زوجي إلى أين الرحيل وهل من رجعة أو غيابك طويل. فتغرغر عيناك بالدموع ويلجم منك اللسان، وتحاول النطق فيتعذر عليك الكلام، وتطلب النجاة ولكن ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:: ١٩] إذا علمت هذا يا أخا الإسلام، فكيف يكون حال أبنائك من بعدك. ذل بعد عز وحرمان بعد حنان ينظرون إلى الأبناء مع آبائهم فيحزنون،

стр. 425

ويذكرون عطف أبيهم فيبكون، ليلهم نهار، ونهارهم ليل. أعيادهم أتراح وأحزان، وأفراحهم هموم وأشجان، يتلفتون على أحباب أبيهم وأصدقائه، علهم يجدون عندهم الحنان ويشتهون ضمة أو قبلة كما يفعل الآباء بالغلمان والولدان. فإن كنت يا مسلم في حياتك بارًا بمن فقدوا آباءهم، عطوفًا على اليتامى. تمسح دموعهم بخيرك، وتعاملهم كولدك تدخل السرور على قلوبهم الحزينة بما تقدمه لهم من الهدايا والإحسان، وما تظهره لهم من حب وعطف ورعاية وحنان، إن فعلت هذا في حياتك فأبشر. فإن أولادك بعدك في أمان، تحنو عليهم القلوب، ويرعاهم علام الغيوب. قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً﴾ [النساء: ٩] أيها المسلمون: إن رعاية اليتيم من واجبات الدين، وإن إهمال شأنه وإذلاله وقهره ما ينبغي للإنسان وأكل ماله يغضب الديان، ويوجب الحرمان. قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى٩] وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء: ١٠] إن من رعاية اليتيم تنمية ماله، وإصلاح حاله بالتربية والتعليم والتهذيب والتقويم قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠] وإن احتاج اليتيم أو الأرملة إلى مساعدة تعود على مصلحته فينبغي

стр. 426

لوليه أن يستعين بأهل الفضل والكرم ممن لهم قدم ثابت في ذلك وعرق أصيل لأنهم أحرى من غيرهم في النفع. وأحذر اللئام والبخلاء. اللهم وفقنا لسبيل الطاعة، وثبتنا على اتباع السنة والجماعة، ولا تجعلنا ممن عرف الحق وأضاعه، واختم لنا بخير منك يا كريم، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. شعرًا: سَلِ الفَضْلَ أَهْلَ الفَضْلِ قِدْمًا وَلا تَسَلْ … عَلَى مَنْ نَشَأَ في الفقرِ ثُمَّ تَمَوَّلا فَلَو مَلَكَ الدُّنْيَا جَمِيْعًا بِأَسْرِهَا … تُذَكِّرُهُ الأَيَّامُ ما كَانَ أَوَّلاً آخر: تَجَنَّبْ بُيُوتًا شُبِّعَتْ بَعْد جُوعِهَا … فَإِنَّ بَقََاءَ الجُوع فيها مُخَمَّرُ وَآوِيْ بُيُوتًا جُوِّعَتْ بَعْدَ شِبْعِهَا … فَإِنَّ كَرِيْمَ الأَصْلِ لا يَتَغَيَّرُ آخر: إِيَّاكَ إِيَّاكَ أَنَّ تَرجُوا امْرأً حَسُنَتْ … أَحْوَالُهُ بَعْدَ ضُرٍّ كَانَ قَاسَاهُ فَنَفْسُهُ تِيْكَ مَا زَادَتْ وَمَا نَقَصَتْ … وَذَلِكَ الفقرُ فَقْرٌ مَا تَنَاسَاهُ قال في الفتح قال شيخنا في شرح الترمذي لعل الحكمة في كون كافل اليتيم يشبه في دخوله الجنة أو شبهت منزلته في دخول الجنة بالقرب من منزلة النبي لكون النبي شأنه أن يبعث إلى قوم لا يعقلون أمر دينهم، فيكون كافلاً لهم ومعلمًا ومرشدًا. وكذلك كافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل أمر دينه بل ولا دنياه

стр. 427

ويرشده ويعلمه ويحسن أدبه انتهى، قلت وكثيرًا ما يفعل بعض الناس ذلك الإحسان زمنًا ويتركه ولا يتمم إحسانه وبعضهم يرحب بذلك أول الأمر ولا يثبت على ذلك وقليل من يتمم كلامه ويثبت على جميله وإحسانه والتوفيق بيد الله وقديمًا قيل: وَمَا كُلُّ هَاوٍ لِلْجِميلِ بِفَاعِلٍ … وَمَا كُلُّ فَعَّالٍ لَهُ بِمُتَمِّمِ آخر: فَأَكثَرُ مَنْ تَلْقَى يَسُرُكَ قوله … وَلَكِنْ قَليلٌ مَنْ يُسُركَ فِعْلُهُ آخر: وَفي النَّاسِ مَنْ أَعْطَى الجَمِيْلَ بَدِيْهَةً … وَظَنَّ بِفعْلِ الخَيْرِ لَمَّا تَفَكَّرَا عن أبي هريرة ﵁ قال قال النبي ﷺ : «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله» . رواه البخاري ومالك وغيرهما وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه» . متفق عليه. وروي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من عال ثلاثة من الأيتام كان كمن قام ليله وصام نهاره وغدا وراح شاهرًا سيفه في سبيل الله، وكنت أنا وهو في الجنة أخوين كما أن هاتين أختان» . وألصق أصبعيه السبابة والوسطى. رواه ابن ماجه. وعن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً شكا إلى رسول الله ﷺ قسوة

стр. 428

قلبه فقال: «امسح رأس اليتيم وأطعم المسكين» . رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «كافل اليتيم له أو لغيره، أنا وهو كهاتين في الجنة» وأشار مالك بالسبابة والوسطى. رواه مسلم ورواه مالك عن صفوان بن مسلم مرسلاً. ورواه البزار متصلاً ولفظه قال: «من كفل يتيمًا له ذا قرابة أو لا قرابة له فأنا وهو في الجنة كهاتين» وضم أصبعيه «ومن سعى على ثلاث بنات فهو في الجنة وكان له كأجر المجاهد في سبيل الله صائمًا قائمًا» . والله أعلم وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم. ٨٨- "موعظة " عباد الله سرور المؤمنين يوم يعبرون القناطر ويأمنون العواثر فذلك يوم عيدهم وما داموا في دار الغرور فلا غبطة ولا سرور. وأي سرور لمن الموت معقود بناصيته والذنوب راسخة في آنيته والنفس تقوده إلى هواها والدنيا تتزين في عينه بمشتهاها. والشيطان مستبطن فقار ظهره لا يفتر عن الوسوسة في صدره ونفسه وماله بعرضه للحوادث ولا يدري في كل نفس ما عليه حادث. قال بعضهم: إِني بُلِيْتُ بِأَرْبَعٍ مَا سُلِّطُوا … إِلا لأَجل شقَاوتِي وَعَنَائِي إِبْليس والدُّنيا وَنَفْسِي وَالهَوى … كَيْفَ الخََلاصُ وكُلُّهُمْ أَعْدَائِي

стр. 429

ومن ورائه المغير ومسأله منكر ونكير ويتوسد التراب إلى يوم النشور ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين٦] يوم لا يبلغ وصف أهواله ولا شرح أحواله ما لا يسع المؤمن به أن يستقر له قرار ولا يخلد إلى هذه الدار ولا يكون له هم في هذه الدنيا إلا التقرب بأنواع القرب واجتناب الفواحش والريب وإقامة الدين الذي في إقامته النجاة وفي تضييعه العطب العظيم. يَومُ القِيامَةِ لَوْ عَلِمْتَ بهَولِهِ … لَفَرَرْتَ مِنْ أَهْلٍ وَمِنْ أَوْطَانِ يَومٌ تَشَقَّقَتِ السَّمَاءُ لِهَولِهِ … وَتَشِيْبُ مِنْهُ مَفَارِقُ الوِلْدَانِ يَوْمٌ عَبُوسٌ قَمْطَرِيْرٌ شَرُّهُ … في الخلق مُنْتَشِرُ عَظِيْمُ الشأنِ يَوْمٌ يَجِيءُ المُتَّقُونَ لِرَبِهِم … وَفْداً على نُجُبٍ مِنَ العِقْيَانِ وَيَجِئُ فِيْهِ المُجرمُونَ إِلى لَظَى … يَتَلَمَّظُوْنَ تَلَمُّظَ العَطْشَانِ وَالجَنَّةُ العُلْْيا وَنَارُ جَهَنَّم … دَارَانِ لِلْخَصْمَيْنِ دَائِمَتَانِ ٨٩- "موعظة " عباد الله إنما يسعد المسلمون أن يتبعوا الحق ويدعوا إليه ولا تأخذهم في الله لومة لائم ويقبلوا النصيحة ممن ينصحهم ويعملوا بها راضية نفوسهم شاكرة ألسنتهم غير مستكبرين ولا متعنتين ولم يعمهم الهوى عن اتباع الحق إذ ذاك تكمل لهم السعادة ويتم لهم النعيم وقد فشا في الناس داء الكبر واستحكم ولا أقصد بذلك من الكبر الخيلاء والتبختر فقط وإنما أقصد كبر المتكبر عن قبول نصح الناصح وإرشاد المسترشد فإن الأول وإن كان شرًا ولكن الثاني شر منه فإن المرء إذا لم يقبل نصيحة الناصح كان راضيًا عن نفسه ومتى رضي عن نفسه عميت عن عيوبها فلا يؤثر فيها نصح ولا ينفع

стр. 430

معها إرشاد لأن الغرور متحكم فيها والشهوات محيطة بها فإذا أراد الله بعبده خيرًا بصره بعيوب نفسه فأصلحها واتهمها دائمًا بالنقص وطالبها بالكمال حتى تلتحق بالنفوس الزكية والأرواح الطاهرة وهكذا كان سلفنا الصالح فكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يقول رحم الله امرأ أهدى إلي عيوب نفسي وكانوا إذا أرشدهم أخ من إخوانهم إلى عيب في نفوسهم فرحوا بهذا التنبيه وطهروا نفوسهم منه وشكروا من نصحهم وجعلوا نصيحته منة له عليهم ولم يأنفوا ولم يستكبروا لأنهم يتهمون نفوسهم ويرونها ناقصة ويسعون إلى رفعتها إلى أوج الكمال وبهذا بلغوا ما بلغوا ونالوا ما نالوا يا عباد الله كيف نرضى عن نفوسنا والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] عباد الله من منا بلغ معشار ما بلغه عمر في كمال نفسه وقوة إيمانه وشدة يقينه وقد كان يقول لأصحابه من رأى منكم في اعوجاجًا فليقومه هكذا كان ظنه ﵁ بنفسه على جلالة قدره وعلو منزلته في دينه وكل ما كان أكبر كان أقل إعجابًا بنفسه وأكثر مطالبة لها بسلوك طريق الحق. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ٩٠- "موعظة " عباد الله لقد امتن الله على خاتم رسله، وصفوة خلقه، سيدنا محمد بن عبد الله بأشرف المنن، واختصه بأجل النعم، وآتاه من فضله ما لم يؤت أحدًا

стр. 431

سواه، أدبه فأحسن تأديبه، وهذبه فأكمل تهذيبه، ومنحه من الصفات الجميلة غايتها، ومن الأخلاق الكريمة نهايتها، ثم أثنى عليه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم٤] قالت عائشة ﵂: كان خلقه القرآن يرضى برضاه، ويسخط بسخطه، وكان ﷺ أوسع الناس صدرًا، وأصدقهم قولاً، وألينهم جانبًا، وأكرمهم عشرة، يؤلف الناس ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، يتفقد أصحابه ويعطي كل جليس نصيبه، حتى لا يحسب جليسه أحدًا أكرم عليه منه، من جالسه أو قاربه بحاجة سايره، حتى يكون هو المنصرف عنه، قد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبًا رحيمًا. وصاروا عنده في الحق سواء، لذلك اجتمعت عليه القلوب بعد نفورها، وتألفت النفوس بعد جموحها، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران١٥٩] وكان ﷺ حليمًا مع الأذى، عفوا مع القدرة، صبورًا على المكاره، وتلك خصال أدبه بها ربه، فقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] سأل رسول الله ﷺ جبريل ﵇ عن تفسيرها، فقال: إن الله يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، وكان ﷺ أكرم الناس، وأسخاهم يدًا، وأطيبهم نفسًا، ما سئل عن شيء قط فقال لا، من سأله حاجة لم يرده إلا بها، أو بميسور من القول، يجيب دعوة من دعاه، ويقبل الهدية ولو كانت كراعًا، ويكافئ عليها خيرًا منها، وكان ﵊ أشجع الناس، وأعظم الناس غيرة وإقدامًا، فر الفرسان والأبطال عنه غير مرة، وهو ثابت لا يبرح، مقبل لا مدبر، ولا يتزحزح،

стр. 432

وكان صلوات الله وسلامه عليه أشد الناس حياءً، وأكثرهم عن العورات إغضاء قال أبو سعيد الخدري: كان رسول الله ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئًا عرفنا في وجهه وكان لا يخاطب أحدًا بما يكره حياءً وكرمًا. أما شفقته ورحمته ورأفته ولطفه بجميع الخلق، فما ذكر الله عنه بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وقال عز من قائل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وأما تواضعه –مع علو منصبه ومكانته، ورفع رتبته- فقد خيره الله بين أن يكون ملكًا نبيًا، أو عبدًا نبيًا، فاختار عبدًا نبيًا، وكان يقول: «إنما أنا عبد، أكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» وكان يجالس الفقراء، ويعود المساكين، ويجلس مع أصحابه مختلطًا بهم، كأنه واحد منهم، وكان يقول: «اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين» . وأما عدله وأمانته، وعفته ومروءته، ووقاره وهيبته، وصدقه ووفاؤه بالعهد وحفظه للوعد، وصلته للأرحام، وعطفه على الأيتام، فقد بلغ في كل ذلك الغاية، ووصل إلى النهاية وأما زهده وورعه، فقد قال ﷺ : «إني عرض علي أن تجعل لي بطحاء مكة ذهبًا، فقلت، لا يا رب. أجوع يومًا، وأشبع يومًا، فأما اليوم الذي أجوع فيه فأتضرع إليك وأدعوك وأما اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك وأثني عليك» وقالت، أم المؤمنين عائشة ﵂: إنا كنا آل محمد لنمكث شهرًا ما نستوقد نارًا، إن هو إلا التمر والماء، وأما خوفه من ربه، وطاعته له فعلى قدر علمه به، ولذلك قال: «لو تعلمون ما

стр. 433

أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيرًا، أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط ما فهيا موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيرًا، ولما تلذذتم بالنساء على الفراش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى» … وكان ﷺ يصلي حتى تورمت قدماه، فقالت له عائشة: أتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» ؟ هذا يا عباد الله قليل من كثير من صفات سيد المرسلين، ذي الخُلُق العظيم، والقدر الفخيم، فهل لكم أن تتأملوا هذه الصفات الجليلة، والخصال الحميدة، فتمسكوا بها وتسيروا على نهجها، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن﴾ [الأحزاب: ٢١] اللهم يا حي يا قيوم يا من لا تأخذه سنة ولا نوم يا ذا الجلال والإكرام يا واحد أحد يا فرد صمد يا بديع السموات والأرض نسألك أن تنصر الإسلام والمسلمين وأن تعلى كلمة الحق والدين وأن تشمل بعنايتك وتوفيقك كل من نصر الدين وأن تملأ قلوبنا بمحبتك ومحبة رسلك وأوليائك وأن تلهمنا ذكرك وشكرك. اللهم وفقنا لصالح الأعمال وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 434

٩١- "موعظة " عباد الله تيقظوا فالعبر منكم بمرأى ومسمع، وطالما ناداكم لسان الزواجر عن الانهماك في الدنيا وحطامها والتهالك عليها فاسمع. عباد الله احذروا أن تكونوا مثل من قد محضوا للدنيا كل ما لهم من أعمال وأصبحوا لا يقصدون بتصرفاتهم إلا الدنيا وأما الآخرة فلا تخطر لهم على بال. أخذت الدنيا أسماعهم وأبصارهم وعقولهم بما فيها من الزخارف الوهمية التي هي مراقد الفناء ومرابض الزوال وقواتل الأوقات. وهل هي إلا الألعاب والملاهي المشار إليها بقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الحديد: ٢٠] وقوله: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤] وقوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الأنعام:: ٣٢، عباد الله، كل ما ترون من البلايا والمحن من أجل الدنيا ومالها من متاع حقير. عجب أن يكون كل هذا الاهتمام من أجل دار الغرور وأيامها المعدودة، وكل ما فيها من لذائذ معلوم أنها منغصات ثم منتهيات ذلك فوق أن الأرزاق فيها قد ضمنها اللطيف الخبير خالق كل شيء الذي ما من دابة في الأرض إلا عليه رزقها.

стр. 435

وهل يشك مؤمن عاقل في ما ضمنه مولاه الغني الحميد لقد كان الأجدر والأولى بهذا الاهتمام حياتنا الثانية لأنها دار القرار ولأنها إذا فاتتك فيها دار الكرامة هويت في الهاوية وأنت لا تدري هل أنت من فريق الجنة أم من فريق السعير. فتيقظ يا من ضاع عمره في الغفلات! انتبه يا من يقتل أوقاته عند الملاهي والمنكرات. يا أسفي على أوقات لا تباع بملء الأرض ذهبًا تضيع عند التليفزيون والفديو والسينمات والبكمات. آه على أوقات تقتل عند المذياع واستماع أغانيه وملاهيه المهلكات. آه على ساعات تمضي عند الكرة والمطربين والمطربات. آه على أوقات وتفكيرات تذهب في قراءة الكتب الخليعة والجرائد والمجلات. آه على أوقات تنقضي في الإقامة بين أعداء الله ورسوله. آه على أوقات تقتل في الغيبة والبهت والتملق والنفاق والمداهنات. آه على أوقات تقتل في الجلوس في الأسواق لا لمصلحة دنيا ولا دين بل لأمور عند أهل الضياع معلومات. آه على أوقات تُقضى في بلاد الحرية والفسق والفجور. آه على أوقات تقتل بالحكايات المضحكات والتمثيليات. آه على أوقات تنقضي بلغو الكلام والمغازلات.

стр. 436

آه على أوقات تنقضي في الاستماع للأغاني الخليعات. آه على أوقات تمضي في السكر وشرب أبي الخبائث الدخان. آه على أوقات تقتل في ذكر الحوادث والأمور الماضيات التي لا تعود عليهم بنفع بل ربما عادت بالضرر والنكبات. آه على أوقات تذهب سدى في النوم والغفلات. آه على أموال تنفق فيما يغضب فاطر الأرض والسموات. آه على ألسنة لا تفتر عن الكلام فيما يضر ولم تستبدله بتمجيد وتسبيح وتكبير وتهليل بديع الأرض والسموات. آه على أفكار وأذهان مصروفة ومشتغلة طول ليلها ونهارها فيما في الدنيا من متاع وعقارات ولم تفكر وتلتفت وتستعد إلى ما في أمامها من أهوال وشدائد وعقبات وما في الآخرة لمن أطاع الله من أنهار وثمار وحور حسان طاهرات. تالله لقد فسدت أمزجة أكثر الناس حتى أثر فسادها على الأفهام لذلك رجحوا فانيًا مكدرًا منغصًا على باق ضمن صفوه مولي الإنعام وها هم أولاء كما ترى لا هم لهم ولا عمل إلا للدنيا وما لها من حطام قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٧] عباد الله أما سمعتم قول نبيكم ﷺ : «أبشروا وأملوا ما يسركم فو الله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم» . رواه البخاري ومسلم وختامًا:

стр. 437

فينبغي للعاقل أن يعرف شرف زمانه وقدر وقته فلا يضيع منه لحظة في غير قربة ويقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل. فوائد: كل ما يقوم به غيرك ويحصل بذلك غرضك فإن تشاغلك به غبن فاحش لأن احتياجك إلى التشاغل بما لا يقوم به غيرك من العلم والعمل والذكر والفكر آكد وألزم وأنفع. اعلم أن ما احتجت إلى مفارقته وتركه للناس فليس لك والشغل بما ليس لك عبث. اللهم يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه اجمع بيننا وبين الصدق والنية الصالحة والإخلاص والخشوع والمراقبة واليقين والعلم والمعرفة والفصاحة والبيان والفهم في القرآن وخصنا منك بالمحبة والاصطفائية ووفقنا للعمل الصالح الرشيد والرزق الهنيء الذي لا حجاب به في الدنيا ولا حساب ولا سؤال ولا عقاب عليه في الدنيا والآخرة واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ٩٢- "موعظة " عباد الله إن طاعة الله صلاح في الأرض لهذا أمر بالطاعات، وهذه الطاعات ترضي الله سبحانه لأنها شكر له على نعمه المتواليات، فينبغي لنا أن نحث عليها وأن نأمر من ترك الطاعة أن يعود إليها إذا كانت من فرائض الدين كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وأن ننكر على من رأيناه يقترف معصية من المعاصي، لأن المعاصي بكل أنواعها شرور وأضرار وفساد ولها شؤم قد يعم الدنيا ويفعل الأفاعيل العظام في بني الإنسان ومن آثارها

стр. 438

المضرة بالقلب والبدن: أنها إفساد للعقل فإن العقل نور والمعصية تطفئ نور العقل ومنها أن المعاصي مدد من الإنسان يمد بها عدوه عليه وجيش يقويه به على حربه ومنها أنها توهن القلب والبدن ومنها أنها تزرع أمثالها من المعاصي ومنها أنها تمحق بركة العمر ومنها أنها تسبب شماتة الأعداء ومنها أنها تعسر على الإنسان أموره، ومنها أنها تسبب الوحشة بين العاصي وبين أهل الخير ومنها أنها تذهب الحياء ومنها أن تستدعي نسيان الله لعبده وتركه، ومنها أنها تطفئ من القلب نار الغيرة ومنها أنها تضعف في القلب تعظيم الرب ومنها أنها تعمي بصيرة القلب وتطمس نوره ومنها أنها تسقط الجاه والمنزلة عند الله إلى ما لا نهاية له من الأضرار لهذا يجب علينا أن ننهى عن المعاصي لا سيما إذا كانت من كبار المعاصي، ولا تنس أن بني إسرائيل لعنهم الله لما فقدوا الغيرة على انتهاك الحرمات وما تناهوا عن المنكر، وتأمل أحوال الأمم وما حل بها من العقوبات بأسباب الذنوب قال تعالى: ﴿فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠] اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، ووفقنا للعمل بما فهمتنا، اللهم إن كنا مقصرين في حفظ حقك والوفاء بعهدك، فأنت تعلم صدقنا في رجاء رفدك وخالص ودك، اللهم أنت أعلم بنا منا، فبكمال جودك تجاوز عنا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والميتين، برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين".

стр. 439

٩٣- "موعظة " الحمد لله المستحق لغاية التحميد، المتوحد في كبريائه وعظمته الولي الحميد، الغني المغني المبدئ المعيد، المعطي الذي لا ينفذ عطاؤه ولا يبيد، المانع فلا معطي لما منع ولا راد لما يريد. خلق الخلائق وأوضح لهم أحسن طريق، وهداهم إلى الأمر الرشيد، وصورهم فأحسن صورهم، وبشر من أطاعه بالجنة والنعيم والتخليد، وحذر من عصاه من العذاب الشديد. وحثهم على ذكره وحمده وشكره ووعدهم بالمزيد، فقال جل وعلا وهو أصدق القائلين وأوفى الواعدين: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] وحكم على خلقه بالفناء فما لأحد عنه محيص ولا محيد، فكم أبكى الموت خليلاً بفراق خليله، وكم أيتم طفلاً فشغله ببكائه وعويله. أوحش المنازل من أقمارها، ونفّر الطيور من أوكارها، وعوضهم من لذة العيش بالتنغيص والتنكيد. فالملك والمملوك والغني والصعلوك والقوي والضعيف، تساوت قبورهم في القفر والبيد. فسبحانه من إله أذل بالموت كل جبار عنيد، وكسر به من الأكاسرة كل جبار صنديد، وأخرجوا من سعة القصور إلى ضيق القبور، وقطع حبل أمدهم المديد.

стр. 440

أخذ به الآباء والجدود والأطفال من المهود، وأسكنهم بعد اللين والسعة والرفاهية مضيق اللحود، وعفر وجوههم في التراب بعد لين الوسائد والفرش الناعمة والتمهيد وبقوا في تحت الأرض إلى يوم الوعيد. فيا بؤس للدنيا شد ما عن ثديها فطمتهم ومن سمها أطعمتهم وبيدها الباطشة لطمتهم، وفي ظلمات الأرض وغيابات الثرى طرحتهم، فقلبت قائم تلك الأعيان، وطمست تلك الوجوه الحسان. وأعمت تلك الأبصار، وأصمت تلك الآذان وأسالت الحدق على الخدود والوجنات، وغسلت بالصديد جميل القسمات، وملأت بالتراب اللهازم واللهوات. وكسرت تلك الضواحك والرباعيات، وعبثت الديدان بجسوم أولئك الفتيان والفتيات، لطالما اغربوا ضاحكين، وتقلبوا فاكهين، وباتوا على سررهم مطمئنين آمنين. فكم بها من لسان فصيح، طالما ما أنشد وخطب، وأرهب وأرغب، ومدح وأطنب، وكم من فصيح لسان وعظيم بيان أخرسه الحدثان، وتحكمت في جسده الهوام والديدان. الله انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، ووفقنا للعمل بما فهمتنا، اللهم إن كنا مقصرين في حفظ حقك، والوفاء بعهدك، فأنت تعلم صدقنا في رجاء رفدك، وخالص ودك، اللهم أنت أعلم بنا منا، فبكمال جودك تجاوز عنا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والميتين، برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 441

٩٤- "موعظة " عباد الله يقول الله جل وعلا وتقدس: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] عباد الله أن الصلاة عماد الدين وأعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي قرة عين المؤمن وطمأنينة قلبه تبدو واضحة في وقوفه بين يدي ربه، وخشوعه وانكساره، عندما يتجه إليه في عبادتهن ويقف خاضعًا ذليلاً بين يدي العزيز الحكيم. عباد الله من حافظ على الصلاة فهو السعيد الرابح، ومن أضاعها فهو الشقي الخاسر، وإن اللبيب العاقل من إذا حضر للصلاة أقبل بقلبه وقالبه، طرح الدنيا وشئونها ومتعلقاتها جانبًا وتدبر ما يتلوه إن كان وحده أو إمامًا. وأنصت وأحضر قلبه إن كان مأمومًا وتفهم ما يسمع وابتهل وتضرع إلى مولاه. عباد الله إن الخشوع في الصلاة هو روحها، والمحور الذي تدور عليه سائر أفعالها، والخشوع فيها مع الإخلاص لله آية الإيمان وسبب الفلاح وأمان من وساوس الشيطان. ألا وإن الصلاة بلا خشوع كجسد بلا روح، قال ابن عباس ﵄: "ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها". وفي المسند مرفوعًا عن العبد ليصلي الصلاة ولم يكتب له إلا نصفها أو ثلثها أو ربعها، حتى بلغ عشرها، وقد علق الله فلاح المصلين بالخشوع في صلاتهم، فدل على أن من لم يخشع فليس من أهل الفلاح ولو اعتد له بها ثوابًا لكان من المفلحين هكذا قال بعض العلماء. قالوا وأما الاعتداد بها في أحكام الدنيا وسقوط القضاء فإن غلب

стр. 442

الخشوع وتعقلها اعتد بها إجماعًا، وكانت السنن والأذكار عقبها جوابر ومكملات لنقصها، وإن غلب عليه عدم الخشوع فيها وعدم تعقلها. فقد اختلف العلماء في وجوب إعادتها واحتجوا بأنها صلاة لا يثاب عليها، ولم يضمن له فيها الفلاح فلم تبرأ ذمته منها، ويسقط القضاء عنه كصلاة المرائي قالوا ولأن الخشوع والعقل روح الصلاة، ومقصودها ولبها، فكيف يعتد بصلاة فقدت روحها، ولبها وبقيت صورتها وظاهرها. قالوا ولو ترك العبد واجبًا من واجباتها عمدًا لأبطلها تركه وغايته أن يكون بعضًا من أبعاضها بمنزلة فوات عضو من أعضاء العبد المعتق في الكفارة، فكيف إذا عدمت روحها ومقصودها، وصارت بمنزلة العبد الميت فإذا لم يعتد بالعبد المقطوع اليد يعتقه تقربًا إلى الله تعالى في كفارة واجبة فكيف يعتد بالعبد الميت. وقال بعض السلف الصلاة كجارية تهدي إلى ملك من الملوك فما الظن بمن يهدي إليه جارية شلاء أو عوراء أو عمياء أو مقطوعة اليد أو الرجل أو مريضة أو دميمة أو قبيحة حتى يهدي إليه جارية ميتة بلا روح وجارية قبيحة فكيف بالصلاة التي يهديها العبد ويتقرب بها إلى ربه تعالى والله طيب لا يقبل إلا طيبًا وليس من العمل الطيب صلاة لا روح فيها كما أنه ليس من العتق الطيب عتق عبد بلا روح. قالوا وتعطيل القلب عن عبودية الحضور والخشوع تعطيل لملك الأعضاء عن عبوديته وعزل له عنها فماذا تغني طاعة الرعية وعبوديتها وقد عزل ملكها وتعطل.

стр. 443

قالوا والأعضاء تابعة للقلب تصلح بصلاحه وتفسد بفساده فإذا لم يكن قائمًا بعبوديته فالأعضاء أولى أن لا يعتد بعبوديتها وإذا فسدت عبوديته بالغفلة والوسواس فأنى تصح عبودية رعيته وجنده ومادتهم منهم وعن أمره يصدرون وبه يأتمرون. قالوا ولأن عبودية من غلبت عليه الغفلة والسهو في الغالب لا تكون مصاحبة للإخلاص فإن الإخلاص قصد المعبود وحده بالتعبد والغافل لا قصد له فلا عبودية له. قالوا وقد قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون٥] وليس السهو عنها تركها وإلا لم يكونوا مصلين وإنما السهو عن واجبها إما عن الحضور أو الخشوع. والصواب أنه يعم النوعين فإنه سبحانه أثبت لهم صلاة ووصفها بالسهو عنها، فهو السهو عن وقتها الواجب أو عن إخلاصها وحضورها الواجب، ولذلك وصفهم بالرياء، ولو كان السهو سهو ترك لما كان هناك رياء اهـ. وبالتالي فإن العبد إذا مرّن نفسه وقلبه على التفهم والتدبر والخشوع والخضوع في الصلاة انغرست في قلبه خشية الله ومحبته والرغبة فيما لديه، وحضرته هيبة خالقه في جميع أحواله وفي جميع أعماله. فإذا سولت له نفسه أمرًا أو زين الشيطان سوءًا تبرأ منهما قائلاً إني أخاف الله رب العالمين فكن في صلاتك خاشعًا خاضعًا مخبتًا. فإذا قلت الله أكبر فاستحضر عظمة الله وأنه لا شيء أكبر منه ولا شيء أعظم منه وأنه مستحق لأن يعظم ويجل ويقدّر وأنه ليس أحد يساويه أو

стр. 444

يدانيه في عظمته. وإذا قلت الحمد لله رب العالمين فاستحضر أنه المستحق للثناء وأنه المربي لجميع الخلق التربية العامة والمربي لخواص خلقه التربية الخاصة، وهي تربية القلوب على العقائد النافعة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة. وإذا قلت الرحمن الرحيم استحضرت لرحمته العامة والخاصة راجيًا منه أن يجعلك ممن كتبها لهم فإذا قلت ملك يوم الدين مجدته واستحضرت لوقوفك بين يديه وهو أحكم الحاكمين. فإذا قلت إياك نعبد وإياك نستعين استحضرت أنك تخصه وحده بالعبادة والاستعانة، المعنى نعبدك ولا نعبد غيرك ونستعين بك ولا نستعين بغيرك. فإذا قلت أهدنا الصراط المستقيم استحضرت أنك تتضرع إليه وتسأله أن يدلك ويرشدك ويوفقك إلى سلوك الصراط المستقيم وأن يثبتك عليه فهذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها للعبد ولهذا وجب على العبد أن يدعو به في كل ركعة من صلاته لضرورته إلى ذلك وهذا الصراط هو صراط المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا وافعل باقي صلاتك كما فعلت في أولها من التدبر والتفهم محضرًا قلبك لمعاني ما تقوله وما تسمعه حتى تكتب لك كاملة. عباد الله إن من حافظ على الصلوات في أوقاتها وواظب على الجمعة والجماعات وأداها تأدية تامة بخشوع وخضوع، استنار قلبه وقويت الصلة بينه وبين ربه، وتهذبت نفسه وحسنت مع الله والناس معاملته، وحيل بينه

стр. 445

وبين المحرمات وكان على البؤساء عطوفًا وبالضعفاء رحيمًا، وأفلح في دينه ودنياه وكان من المحبوبين عند الله وعند خلقه. عباد الله النفس آمرة بالسوء، والشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر والسيف القاطع والدواء النافع الذي جعله الله وقاية للإنسان من شر النفس والشيطان، إنما هو الصلاة قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] عباد الله احذروا أن تستهينوا بالصلاة وأن لا تهتموا لها، فإن هذه صفة الذين خلت صلاتهم من التذلل والخشوع كما ترونهم يسرعون في أدائها وهم عنها غافلون لا يعرفون لها معنى ولا يعقلون لها سرًا ولم تشعر قلوبهم بحلاوتها ولا بلذة المناجات قد ملكتهم الوساوس، وامتلأت قلوبهم بشواغل الدنيا ولذاتها، واستحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله. قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] ومن الناس من عميت بصائرهم، وتحجرت ضمائرهم، فأضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وأهملوا أوامر بديع السموات وغفلوا عن واجب شكره ولم يخافوا سطوة جبروته وبطشه، ولا سوء الحساب، ولا نار العذاب ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩] ، ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة١٩] . فيا أيها المسلمون اتقوا الله ربكم وحافظوا على صلاتكم وقوموا لله خاضعين خاشعين لتفوزوا برضوان الله وتكونوا من المفلحين. اللهم قوي إيماننا بك وبملائكتك وبكتبك وبرسلك وباليوم الآخر

стр. 446

وبالقدر خيره وشره. اللهم ثبت محبتك في قلوبنا وقوها وألهمنا ذكرك وشكرك وارزقنا صيانة أوقاتنا وحفظها عن المعاصي ووفقنا لشغلها بالباقيات الصالحات واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ٩٥- "موعظة " عباد الله عليكم بتقوى الله، فإن تقواه عروة ما لها انفصام وقدوة يأتم بها الكرام، وسراج يضيء للأفهام، من تعلق بها حمته بإذن الله محذور العاقبة، ومن تحقق بحملها وقته بإذن الله شرور كل نائبة والحذر من دار فرقة مالها أسلاف، وقرار حرقة مالها انصراف، وأنى رجعة مالها إسعاف، فانهضوا عباد الله في استعمال ما يقربكم من دار القرار، واتركوا كل ما يدنيكم من دار البوار فإنها المصيبة الجامعة والعقوبة الواقعة، يا لها دار انقطع من الرجاء انحلالها وامتنع من الفناء بقاء نكالها، وشعار أهلها الويل الطويل، ودثارهم البكاء والعويل، وسرابيل الخزي الوبيل، ومقيلهم الهاوية، وبئس المقيل، يقطع منهم الحميم أمعاء طالما ولعت بأكل الحرام، وتضعضع منهم الجحيم أعضاء طالما أسرعت إلى اكتساب الآثام قد كثر منهم الأنين، وحلت بهم المثلات فجلودهم كلما نضجت بدلت جلودًا غيرها، وكرر عليهم العذاب، ووجوههم مسودة لسوء الحساب، والزبانية تقمعهم فيذوقون أليم العقاب، ينادون إلها ضيعوا أوامره وارتكبوا نواهيه ونسوه، وحق عليهم في الآجلة حكمه لما أغضبوه يقولون "ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون" ﴿وَلَوْ

стр. 447

رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:: ٢٨] فيجيبهم بعد حين إجابة دعوة ذي قوة متين ﴿اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فحينئذ ينقطع عندها والله تأميل المذنبين ويجتمع التنكيل على المذنبين ويرتفع في جهنم عويل المجرمين المعذبين ﴿فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤] فيا لها من حسرة ويا لها من ندامة لا تشبهها ندامة ويا لها من خسارة لا تعادلها خسارة ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] اللهم أعز الإسلام والمسلمين وانصر الإسلام والمسلمين، واجعل كلمتك هي العليا إلى يوم الدين واخذل الكفرة وأعوانهم والملحدين والمبتدعين وأصلح من في صلاحه صلاح الإسلام والمسلمين وأهلك من في هلاكه صلاح للإسلام والمسلمين وول على المسلمين خيارهم يا رب العالمين ولم شعثهم واجمع شملهم ووحد كلمتهم وانصرهم على من خالفهم وأحفظ بلادنا من الفسقة والمجرمين وأصلح أولادنا واشف مرضانا وعاف مبتلانا وارحم موتانا وخذ بأيدينا إلى كل خير واعصمنا من كل شر واحفظنا من كل ضر واغفر اللهم للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات إنك قريب مجيب اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا إلى النار مصيرنا ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ولا تسلب نعمتك عنا وكن معنا حيثما كنا يا حي يا قيوم اللهم صلى على محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 448

٩٦- "موعظة " الحمد لله غافر الذنوب وقابل التوب، شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا الله إليه المصير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أولي الجد في العبادة والتشمير. عباد الله، إن شهر رمضان قد عزم على الرحيل فمن كان منكم أحسن فعليه بالتمام، ومن كان منكم فرط فيه فليختمه بالحسنى، فالعمل بالختام، وبادروا رحمكم الله أوقات شهركم الباقية، واستدركوا ما مضى منه بالحسرة والندم، واختموه بالتوبة النصوح والرجوع إلى صالح العمل. عباد الله، كم أناس صلوا في هذا الشهر صلاة التراويح وأوقدوا في المساجد طلبًا للأجر المصابيح، ونسخوا بإحسانهم كل فعل قبيح، وقبل التمام سكنوا الضريح، ولم ينفعهم المال والآمال لما نقلوا، رحلوا عن الدنيا قدمًا قدمًا ونقص ما بنوه هدمًا هدمًا، أدارت عليهم المنون رحاها وأحلت وجوههم في الثرى فمحاها. وهذا حالك عن قريب فتيقظ يا قليل الزاد، وحادي رحيله قد حدى تأهب للتلف وتهيأ للردى، ذهب عنك شهر الصيام وودعك، وسارت فيه قوافل الصالحين، وجهلك منعك والتوبيخ متوفر، فما أرجعك ولا أزعجك وأنت تؤمل منازل العاملين بأفعال الغافلين فما أطعمك. يا من أصبح ساعيًا إلى ما يضره ستعلم من يأتي غدًا حزينًا متندمًا، كم من صائم يفضحه الحساب والعرض، وكم من عاص في هذا الشهر تستغيث منه الأرض، فيا ليت شعري من المقبول منا فنهنيه على توفيق الله له بحسن

стр. 449

عمله ويا ليت شعري من المطرود فنعزيه بسوء عمله، فيا أيها المقبول هنيئًا لك بثواب الله ورضوانه ورحمته وغفرانه وقبوله وإحسانه وعفوه وامتنانه. ويا أيها المطرود بإصراره، وطغيانه وظلمه وغفلته وخسرانه وتماديه في عصيانه، لقد عظمت مصيبتك وخسرت تجارتك، وطالت ندامتك، فيا لها من خسارة لا تشبهها خسارة، لله در أقوام حرسوا بالتقى أوقاتهم، وتدرعوا دروع المراقبة في صبرهم وجمعوا بين الصدق والإخلاص في ذكرهم، صبروا باليقين على ظمأ الهواجر، وبسطوا أقدامهم على بساط الدياجر وعملوا ليوم فيه القلوب لدي الحناجر. أقبلوا على خدمة ربهم إقبال عالم، وما سلكوا إلا الطريق السالم تذكروا ذنوبهم القدائم، فجددوا التوبة بصدق العزائم، وعدوا التقصير من العظائم، وبذلوا المهج الكرائم، فإذا جن الليل فساجد وقائم، ولا يخافون في الله لومة لائم، أين أنت وهم؟ فهل ترى الساهر كالنائم؟ كلا، ولا المفطر كالصائم. قال ابن القيم ﵀ من أراد الله به خيرًا فتح له باب الذل والانكسار ودوام اللجوء إلى الله تعالى والافتقار إليه ورؤية عيوب نفسه وجهلها وعدوانها ومشاهدة فضل ربه وإحسانه ورحمته وجوده وبره وغناه وحمده. فالعارف: سائر إلى الله تعالى بين هذين الجناحين لا يمكنه أن يسير إلا بهما فمتى فاته واحد منهما فهو كالطير الذي فقد أحد جناحيه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ العارف يسير إلى الله بين مشاهدة المنة ومطالعة عيب النفس والعمل وهذا معنى قوله ﷺ في الحديث الصحيح من حديث بريدة ﵁ سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم

стр. 450

أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء لك بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فجمع في قوله ﷺ أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي بين مشاهدة المنة ومطالعة عيب النفس والعمل. فمشاهدة المنة توجب المحبة والحمد والشكر لولي النعم والإحسان ومطالعة عيب النفس والعمل توجب له الذل والانكسار والافتقار والتوبة في كل وقت وأن لا يرى نفسه إلا مفلسًا وأقرب باب يدخل منه العبد على الله تعالى هو باب الإفلاس فلا يرى لنفسه حالاً ولا مقامًا ولا سببًا يتعلق به ولا وسيلة منه يمن بها. بل يدخل على الله من باب الافتقار الصرف والإفلاس المحض دخول من كسر الفقر والمسكنة قلبه حتى وصلت تلك الكسرة إلى سويدائه فانصدع وشملته الكسرة من كل جهاته وشهد ضرورته إلى ربه وكمال فاقته وفقره إليه وأن في كل ذرة من ذراته الظاهرة فاقة تامة وضرورة إلى ربه ﵎ وأنه إن تخلى عنه طرفة عين هلك وخسر خسارة لا تجبر إلا أن يعود إلى الله تعالى ويتداركه برحمته انتهى. اللهم يا حي يا قيوم يا من لا تأخذه سنة ولا نوم يا ذا الجلال والإكرام يا واحد احد يا فرد صمد يا بديع السموات والأرض نسألك أن تنصر الإسلام والمسلمين وأن تعلى كلمة الحق والدين وأن تشمل بعنايتك وتوفيقك كل من نصر الدين وان تملأ قلوبنا بمحبتك ومحبة رسلك وأوليائك وأن تلهمنا ذكرك وشكرك وأن تأخذ بنواصينا إلى ما ترضاه وأن ترزقنا الاستعداد لما أمامنا وأن تهون أمر الدنيا علينا وأن تغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين الأحياء

стр. 451

منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. فصل في ذكر بعض الأدعية الواردة عباد الله اغتنموا هذه الأوقات الشريفة وأكثروا فيها من الدعاء فإن الدعاء له أثر عظيم وموقع جسيم. وهو مخ العبادة ولا سيما إذا كان بقلب حاضر وصادف إخباتًا وخشوعًا وانكسارًا وتضرعًا ورقة وخشية واستقبل القبلة حال دعائه وكان على طهارة. وجدد توبة وأكثر من الاستغفار وبدأ بحمد الله وتنزيهه وتمجيده وتقديسه والثناء عليه وشكره ثم صلي على النبي ﷺ بعد ذلك. ودعا بدعاء مشروع باسم من أسماء الله الحسنى مناسب لمطلوبه. فإن كان يريد علمًا قال يا عليم علمني. وغن كان يطلب رحمة قال يا رحمن ارحمني. وإن كان يطلب رزقًا قال يا رزاق ارزقني ونحو ذلك. ولم يمنع من الدعاء مانع كأكل الحرام وقطيعة رحم وعقوق ونحو ذلك. وتحرى أوقات الإجابة وأتى بأسبابها وهي الاستجابة لله تعالى بالانقياد لأوامره والانتهاء عن ما نهى عنه. فالله أصدق القائلين وأوفى الواعدين قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]

стр. 452

وقال عز من قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] وقال جل وعلا: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] وقال ﵎: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل٦٢] وقال تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الروم٦] وقال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً﴾ [النساء: ١٢٢] ومن أوقات إجابة الدعاء إذا اجتمعت الشروط وانتفت الموانع ثلث الليل الأخير. ويوم الجمعة عند صعود الإمام المنبر أو في آخر ساعة من يومها. وعند الآذان. وبين الآذان والإقامة. وعند نزول الغيث. وعند فطر الصائم. وعشية عرفة. وفي حالة السجود. وفي ليلة القدر. وفي أدبار الصلوات. وفي أدبار النوافل. وعند ختم القرآن.

стр. 453

وعند البكاء والخشية من الله. شعرًا: دَعِ البُكاءَ عَلَى الأَطْلالِ وَالدَّار … واذْكُرْ لِمَنْ بَانَ مِنْ خِلِّ وَمِنْ جَارِ واذْرِ الدُّمُوعَ نَحِيْبًا وَابْكِ مِن أَسَفٍ … عَلَى فِرَاقِ لَيْالٍ ذَاتِ أَنْوَارِ عَلَى لَيْالٍ لِشَهْرِ الصَّوْمِ مَا جُعِلَتْ … إِلا لِتَمْحِيْصِ آثَامٍ وَأَوْزَارِ يَا لائِمي في البُكَاءِ زِدْنِي بِهِ كَلَفًا … وَاسْمَعْ غَرِيْبَ أَحَادِيثِي وَأَخْبَارِي مَا كَانَ أَحْسَنَنَا وَالشَّمْلُ مُجْتَمِعٌ … مِنَّا المُصَلِّي وَمِنَّا القَانِتُ القَارِي وَفِي التَّرَاوِيْحِ لِلَّرَاحَاتِ جَامِعَةٌ … فِيْهَا المَصَابِيْحُ تَزْهُو مِثْلَ أَزْهَارِي في لَيْلِهِ لَيْلَةُ القَدْرِ التِي شَرُفَتْ … حَقًّا عَلَى كُلِّ شَهْرٍ ذَاتِ أَسْرَارِ تَنَزَّلُ الرُوْحُ والأَمْلاكُ قَاطِبَةً … بِإِذْنِ رَبٍّ غَفُوْرٍ خَالِقٍ بَارِي شَهْرٌ بِهِ يُعْتِقُ اللهُ العُصَاةَ وَقَدْ … أَشْفَوا على جُرْفٍ مِن خُطَّةِ النَّارِ نَرْجُوا الإِلَهَ مُحِبَ العَفْو يُعْتِقُنَا … وَيَحْفَظُ الكُلَّ مِن شَرٍّ وَأَكْدَارِ وَيَشْمَلُ العَفْوُ وََالرِّضْوَانُ أَجْمَعَنا … بِفَضْلِكَ الجَمِّ لا تَهْتِكْ لأَسْتَارِ فَابْكُوا عَلَى مَا مَضَى في الشَّهْرِ وَاغْتَنِمُوا … مَا قَدْ بَقِىَ فَهُوَ حَقٌّ عَنْكُمُ جَارِي اللهم اجعل قلوبنا مملؤة بحبك وألسنتنا رطبة بذكرك ونفوسنا مطيعة لأمرك وأمنا من سطوتك ومكرك، اللهم إنا نسألك العافية في ديننا ودنيانا وأخرانا وأهلنا وما لنا اللهم استر عوراتنا وأمن روعاتنا واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 454

٩٧- "موعظة " عباد الله يجب عليكم أن تعلموا أنكم ما دمتم في هذه الدار فأنت في دار المعاملات، وأن لكم دارًا أخرى أبدية، فيها تستوفون ما لكم على هذه المعاملات من جزاءات، فإن أحسنتم هنا أو أسأتم، كان جزاؤكم هناك إحسانًا أو إساءات، هكذا وعدكم ربكم، وهو عليم بكل الأعمال، وعلى جزائكم عليها قدير، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة٦] وقال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] وقال: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [النحل: ١١١] من هذا قطعًا تعلم أن شأن هذه المعاملات عظيم، عظمًا لا يعرف قدره إلا الرجل العاقل، البعيد النظر الحكيم، فإن عليها يترتب غضب الله، وعقابه أو رضاه، والنعيم المقيم، وشيء هذا قدره لا يتوقف ولا يتردد في بذل العناية به رجل بصير، وهذه المعاملات تارة تكون بينكم وبين الله، وتارة تكون مع عباد الله، فأما المعاملة مع الله جل وعلا فبأن تسمع وتطيع فيما أمر ونهى، وأما معاملتك مع عباد الله المؤمنين، فبأن تحب لهم ما تحب لنفسك وذلك بأن تجعل نفسك ميزانًا في معاملة كبيرهم وصغيرهم، أنت تكره إساءتهم لك وتحب إحسانهم، فاحذر إساءتهم، وعاملهم بالإحسان، وكما تكره أن يمسوا مالك بسوء، فلتكن أموالهم منك في أمان، وكما تكره أن يتعرضوا لأولادك وأهلك وشخصك بشر، فكن لهم خير حفيظ ونصير وكما تحب أن يريحوك إذا جاوروك، فأرحهم عند مجاورتك لهم، وكما تحب أن ينصحوك ويصدقوك في

стр. 455

وعودهم وعقودهم وأخبارهم، فاسبقهم أنت إلى ذلك، وكما تحب أن يفرحوا لفرحك، ويحزنوا لحزنك، فكن أنت كذلك معهم، وكما تحب أن لا يتكلموا فيك إلا بخير، فلا تكن أنت معهم بضد ذلك، وقس علي ذلك ما يتعلق بالموضوع، وأما معاملتك مع نفسك، فهي أن تعودها دائمًا على الخير بلا ضجر. اللهم إنا نسألك رحمة من عندك تهدي بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا، وتلم بها شعثنا، وترفع بها شاهدنا، وتحفظ بها غائبنا، وتزكى بها أعمالنا، وتلهمنا بها رشدنا، وتعصمنا بها من كل سوء يا أرحم الراحمين. اللهم يا هادي المضلين ويا راحم المذنبين، ومقيل عثرات العاثرين، نسألك أن تلحقنا بعبادك الصالحين الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين آمين يا رب العالمين. اللهم يا عالم الخفيات، ويا رفيع الدرجات، يا غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا أنت إليك المصير. نسألك أن تذيقنا برد عفوك، وحلاوة رحمتك، يا أرحم الراحمين، وأرأف الرائفين وأكرم الأكرمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ٩٨- "موعظة " إعلموا رحمنا الله وإياكم أن في الجنائز عبرة للمعتبرين وفكرة للمتفكرين وإيقاظًا للنائمين والساهين.

стр. 456

بينما الإنسان في قيام وقعود، ونزول وصعود، وخذ هذا واترك هذا واشتر هذا وبع هذا، وابن هذا واهدم هذا، وقد كان وما كان، وتقدم هذا وتأخر هذا، وعين فلان وفصل فلان، وربح فلان وخسر فلان. إذ فاجأه الأمر الإلهي والحادث السماوي والحكم الرباني فسكنت حركته وطفئت شعلته، وذهبت نظرته وصار كالخشبة المنبوذة والحجر المرمي. إن نودي لم يسمع وإن دعي لم يجب وإن قطع أو سحب أو حرق لم يمانع ولم يتكلم، عبرة لمن اعتبر وذكرى لمن كان له قلب ولكن حب الدنيا وزينتها وشهواتها وحجاب الهوى غطى القلوب وأعمى البصائر بمنع التفكر في الجنائز والاعتبار بها. فصارت لا تزيد رؤيتها عند كثير من الناس إلا غفلة ولا مشاهدتها إلا قسوة حتى كأن الميت نائم يستيقظ بعد ساعة أو كأن الذي يرى الجنازة لا يكون مثلها وكأن الميت نزل به الموت وحده وقصده خاصة. ولذلك تجد كثيرًا من المشيعين يبحث في مخلفاته نعم يعلم كل إنسان أنه سيموت لقول الله ﷻ : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٥] . وقد تخالف الناس إلا في الموت فهم متفقون، ولكن لا يظنون ذلك من قريب قد فسحوا لأنفسهم في المدة ومدوا لها في المهلة بدليل. ما ينشئونه من الأعمال والقصور والشركات ونحو ذلك. وإن دار على لسانه ذكر الموت عن قريب فهو قول ضعيف بدليل عدم تحركه من قبل الآخرة وحالته قبل رؤية الجنائز كحالته بعد تشييعها أكبر برهان على ذلك وربما تحدثوا بحديث الدنيا وضحكوا والميت يدفن.

стр. 457

وقلما يبكي على الجنازة إلا أهلها وذلك لفراقها، لا لنفس الموت، كبكاء الطفل والمرأة الذين لا يعقلان ولا يعلمان، ولو كانوا يعلمون لكان بكاؤهم على أنفسهم لا على ميتهم لأنه مات وهم ينتظرون الموت. بَكَى لأنْ مَاتَ مَيْتٌ من عَشيْرَتِهِ وَقَالَ وَاحرَبَا وَصَاحَ يَا هَرَبَا … وَقَالَ وَاحْرَبَا وَصَاحَ يَا هَرَبَا وَبَاتََ فَوْقَ حَشاهُ لِلأَسَىَ لَهَبٌ … إِذَا أَرَادَ خُبُوا فارَ وَالتَهَبَا وَلَو رَآى بِصَحِيْحِ العَقْلِ حَيْنَ رَأى … وَكَشَّفَ اللهُ عَنْهُ لِلْهَوى حُجُبَا لَمَّا رَأَى الدَّهْرَ مَيْتاً أَوْ أَحَسَّ بِهِ … إِلا بَكَى نَفْسَهُ المِسْكِيْنُ وَانْتَحَبَا وَمَنْ رَأى السُّمْرَ في جَنْبَيْهِ شَارِعَةٌ … أنَّى يَرَاهَا بِجَنْب ناءَ أو قَرُبَا وَطَلْعَةُُ الموتِ إِنْ تَطْلَعْ عَلَى أَحَدٍ … أَرَتْهُ في نَفْسِهِ مِنْ هَولِهَا عَجَبَا اللهم اختم بالأعمال الصالحات أعمارنا وحقق بفضلك آمالنا وسهل لبلوغ رضاك سبلنا وحسن في جميع الأحوال أعمالنا يا منقذ الغرقى ويا منجي الهلكى ويا دائم الإحسان أذقنا برد عفوك وأنلنا من كرمك وجودك ما تقر به عيوننا من رؤيتك في جنات النعيم واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ٩٩- "موعظة " عباد الله إن مكارم الأخلاق التي هي آداب الإسلام جمال لا يوازنه جمال وحظ الإنسان منها يكون بقدر ما تخلق به من تلك الأخلاق ولما كان النبي ﷺ متخلقًا بجميعها كان أجمل خلق الله أجمعين. وجاء عنه ﷺ أنه قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» وجاء في حديث مرسل أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله ما الدين فقال

стр. 458

النبي ﷺ : «حسن الخُلُق» . وهذا يدل على أن حسن الخلق ركن الإسلام العظيم الذي لا قيام للدين بدونه كالوقوف بعرفات بالنسبة للحج فقد جاء عنه ﷺ أنه قال: «الحج عرفة» أي إنه ركن الحج العظيم الذي لا يكون الحج إلا به الوقوف بعرفات. ومما يدل على أن للأخلاق مكانة عظيمة أن المؤمنين يتفاضلون في الإيمان وأن أفضلهم فيه أحسنهم خلقًا جاء عن النبي ﷺ في الحديث أنه قال لما قيل له يا رسول الله أي المؤمنين أفضل إيمانًا قال: «أحسنهم خلقًا» . ومن ذلك أن المؤمنين يتفاوتون في الظفر بحب رسول الله ﷺ والقرب منه يوم القيامة وأكثرهم ظفرًا بحبه والقرب منه الذين حسنت أخلاقهم جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا» . ومن ذلك أن حسن الخلق أمر لازم وشرط لا بد منه للنجاة من النار والفوز بالجنة وأن إهمال هذا الشرط لا يغني عنه الصلاة والصيام جاء في الحديث أن أحد المسلمين قال لرسول الله ﷺ إن فلانة تصوم النهار وتقوم الليل وهي سيئة الخُلُق تؤذي جيرانها بلسانها قال: «لا خير فيها هي في النار» . وكان النبي ﷺ يدعو ربه بأن يحسن خُلُقهُ وهو أحسن الناس خُلُقًا وكان يقول في دعائه: «اللهم حسنت خَلْقي فحسن خُلُقي» ويقول: «اللهم أهدني لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت» ومعلوم أنه لا يدعو إلا بما يحبه الله ويقربه منه.

стр. 459

ومن ذلك مدح الله تعالى للنبي ﷺ بحسن الخُلُق فقد جاء في القرآن ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم٤] والله لا يمدح إلا على الشيء العظيم، ومن ذلك كثرة الآيات القرآنية بموضوع الأخلاق أمرًا بالجيد منها ومدحًا للمتصفين به ومع المدح الثواب، ونهيًا عن الردئ منها وذماً للمتصفين به ومع الذم العقاب ولا شك أن كثرة الآيات في موضوع الأخلاق دليل على أهميتها. وبالتالي فالإكثار من الأخلاق الفاضلة والإقلال منها يكون جمال الإنسان بنسبة ذلك الإكثار أو الإقلال وكذلك ترك مكارم الأخلاق شين لتاركها كبير وعلى قدر ما تركه يكون شينه عند الكبير منا والصغير فمهما أكثرت أو أقللت من تركها يكون شينك بنسبة ذلك التقدير. ولذلك انظر إلى الكفار حيث أنهم تركوها كلها ولم يكن عندهم من مكارم الأخلاق شيء تجدهم في قبح لا نهاية له وليس ذلك الحسن والجمال فيمن اتصف بمكارم الأخلاق عندنا فقط بل عند الله به يمدح الله المؤمنين المتصفين بذلك ويدخلهم الجنة فانظر أي نصيب نصيبك من تلك الخلال الحسان لتعرف قدرك وقيمتك عند الله وعند خلقه إن الألم ليملأ الجوانح على الأخلاق الفاضلة وعلى عشاقها الفضلاء النبلاء ماتت وماتوا، أين أهل الإخلاص الذين يرون الموت خيرًا من حياة الرياء. أين أهل الصدق الذين يرون قطع ألسنتهم أخف عندهم من أن يكذبوا أو يتملقوا أو يداهنوا أو ينافقوا أو ينموا أو يغتابوا أو يتجسسوا على المؤمنين ليزجونهم بالسجون. أين الذين إذا وعدوا صدقوا وإذا عاهدوا وفوا أين أهل العفو عند المقدرة أين أهل العدل والإنصاف.

стр. 460

الذين حلمهم مثل الجبال الراسيات أين الذين يلتمسون الكرب ليفرجوها، أين الذين يبتعدون عن الربا ومعامليه أين الذين يعرفون الولاء والبراء ولا يألفون ولا يجالسون إلا أهل الصلاح ويبتعدون كل البعد عن أهل المعاصي. أين الذين يبحثون عن الفقراء الذين لا مورد لهم فينعشوهم بما تيسر من زكاة أو صدقة تطوع دراهم أو طعام أو كسوة. أو يتسببون لهم في وظائف يكفون بها وجوههم عن النظر لما في أيدي الناس. أين الذين يؤدون الزكاة مكملة لمن يستحقها لا يحابون بها ويبحثون عن أهل العوائد فإذا وجدوهم غير مستحقين لم يبالوا بهم ولم يعطوهم لعلمهم أنها لا تبرأ ذممهم بذلك. أين الذين يبحثون عن الأرامل والأيتام ليجبروا قلوبهم بما من الله عليهم به، أين الذين يهجرون الفسقة والظلمة والمجرمين حتى ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم. أين الرجل المهذب الذي لا يتلبس في سره ولا في علانيته بحال يستحي من اطلاع العقلاء عليه ولا يعمل عملاً لا يرفعه عند الله درجة ولا يقول قولاً غير مفيد لسامعه فائدة في دينه ولا يضمر لعدوه سوءًا إذا سالمه ولا يتخلق إلا بكل خلق جميل. أين الذين لا يعرفون إلا النصح للمسلمين يبعدون عن الغش كل البعد، بعث أبو حنيفة بمتاع إلى شريكه في التجارة حفص بن عبد الرحمن وأعلمه أن في ثوب منه عيبًا واستوفى الثمن كاملاً لثوب غير كامل وقيل ثمن المتاع الذي
следующие страницы →