← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 120

مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار

عبد العزيز السلمان

Полный текст (1 102 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

بينما الإنسان في قيام وقعود، ونزول وصعود، وخذ هذا واترك هذا واشتر هذا وبع هذا، وابن هذا واهدم هذا، وقد كان وما كان، وتقدم هذا وتأخر هذا، وعين فلان وفصل فلان، وربح فلان وخسر فلان. إذ فاجأه الأمر الإلهي والحادث السماوي والحكم الرباني فسكنت حركته وطفئت شعلته، وذهبت نظرته وصار كالخشبة المنبوذة والحجر المرمي. إن نودي لم يسمع وإن دعي لم يجب وإن قطع أو سحب أو حرق لم يمانع ولم يتكلم، عبرة لمن اعتبر وذكرى لمن كان له قلب ولكن حب الدنيا وزينتها وشهواتها وحجاب الهوى غطى القلوب وأعمى البصائر بمنع التفكر في الجنائز والاعتبار بها. فصارت لا تزيد رؤيتها عند كثير من الناس إلا غفلة ولا مشاهدتها إلا قسوة حتى كأن الميت نائم يستيقظ بعد ساعة أو كأن الذي يرى الجنازة لا يكون مثلها وكأن الميت نزل به الموت وحده وقصده خاصة. ولذلك تجد كثيرًا من المشيعين يبحث في مخلفاته نعم يعلم كل إنسان أنه سيموت لقول الله ﷻ : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٥] . وقد تخالف الناس إلا في الموت فهم متفقون، ولكن لا يظنون ذلك من قريب قد فسحوا لأنفسهم في المدة ومدوا لها في المهلة بدليل. ما ينشئونه من الأعمال والقصور والشركات ونحو ذلك. وإن دار على لسانه ذكر الموت عن قريب فهو قول ضعيف بدليل عدم تحركه من قبل الآخرة وحالته قبل رؤية الجنائز كحالته بعد تشييعها أكبر برهان على ذلك وربما تحدثوا بحديث الدنيا وضحكوا والميت يدفن.

стр. 457

وقلما يبكي على الجنازة إلا أهلها وذلك لفراقها، لا لنفس الموت، كبكاء الطفل والمرأة الذين لا يعقلان ولا يعلمان، ولو كانوا يعلمون لكان بكاؤهم على أنفسهم لا على ميتهم لأنه مات وهم ينتظرون الموت. بَكَى لأنْ مَاتَ مَيْتٌ من عَشيْرَتِهِ وَقَالَ وَاحرَبَا وَصَاحَ يَا هَرَبَا … وَقَالَ وَاحْرَبَا وَصَاحَ يَا هَرَبَا وَبَاتََ فَوْقَ حَشاهُ لِلأَسَىَ لَهَبٌ … إِذَا أَرَادَ خُبُوا فارَ وَالتَهَبَا وَلَو رَآى بِصَحِيْحِ العَقْلِ حَيْنَ رَأى … وَكَشَّفَ اللهُ عَنْهُ لِلْهَوى حُجُبَا لَمَّا رَأَى الدَّهْرَ مَيْتاً أَوْ أَحَسَّ بِهِ … إِلا بَكَى نَفْسَهُ المِسْكِيْنُ وَانْتَحَبَا وَمَنْ رَأى السُّمْرَ في جَنْبَيْهِ شَارِعَةٌ … أنَّى يَرَاهَا بِجَنْب ناءَ أو قَرُبَا وَطَلْعَةُُ الموتِ إِنْ تَطْلَعْ عَلَى أَحَدٍ … أَرَتْهُ في نَفْسِهِ مِنْ هَولِهَا عَجَبَا اللهم اختم بالأعمال الصالحات أعمارنا وحقق بفضلك آمالنا وسهل لبلوغ رضاك سبلنا وحسن في جميع الأحوال أعمالنا يا منقذ الغرقى ويا منجي الهلكى ويا دائم الإحسان أذقنا برد عفوك وأنلنا من كرمك وجودك ما تقر به عيوننا من رؤيتك في جنات النعيم واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ٩٩- "موعظة " عباد الله إن مكارم الأخلاق التي هي آداب الإسلام جمال لا يوازنه جمال وحظ الإنسان منها يكون بقدر ما تخلق به من تلك الأخلاق ولما كان النبي ﷺ متخلقًا بجميعها كان أجمل خلق الله أجمعين. وجاء عنه ﷺ أنه قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» وجاء في حديث مرسل أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله ما الدين فقال

стр. 458

النبي ﷺ : «حسن الخُلُق» . وهذا يدل على أن حسن الخلق ركن الإسلام العظيم الذي لا قيام للدين بدونه كالوقوف بعرفات بالنسبة للحج فقد جاء عنه ﷺ أنه قال: «الحج عرفة» أي إنه ركن الحج العظيم الذي لا يكون الحج إلا به الوقوف بعرفات. ومما يدل على أن للأخلاق مكانة عظيمة أن المؤمنين يتفاضلون في الإيمان وأن أفضلهم فيه أحسنهم خلقًا جاء عن النبي ﷺ في الحديث أنه قال لما قيل له يا رسول الله أي المؤمنين أفضل إيمانًا قال: «أحسنهم خلقًا» . ومن ذلك أن المؤمنين يتفاوتون في الظفر بحب رسول الله ﷺ والقرب منه يوم القيامة وأكثرهم ظفرًا بحبه والقرب منه الذين حسنت أخلاقهم جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا» . ومن ذلك أن حسن الخلق أمر لازم وشرط لا بد منه للنجاة من النار والفوز بالجنة وأن إهمال هذا الشرط لا يغني عنه الصلاة والصيام جاء في الحديث أن أحد المسلمين قال لرسول الله ﷺ إن فلانة تصوم النهار وتقوم الليل وهي سيئة الخُلُق تؤذي جيرانها بلسانها قال: «لا خير فيها هي في النار» . وكان النبي ﷺ يدعو ربه بأن يحسن خُلُقهُ وهو أحسن الناس خُلُقًا وكان يقول في دعائه: «اللهم حسنت خَلْقي فحسن خُلُقي» ويقول: «اللهم أهدني لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت» ومعلوم أنه لا يدعو إلا بما يحبه الله ويقربه منه.

стр. 459

ومن ذلك مدح الله تعالى للنبي ﷺ بحسن الخُلُق فقد جاء في القرآن ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم٤] والله لا يمدح إلا على الشيء العظيم، ومن ذلك كثرة الآيات القرآنية بموضوع الأخلاق أمرًا بالجيد منها ومدحًا للمتصفين به ومع المدح الثواب، ونهيًا عن الردئ منها وذماً للمتصفين به ومع الذم العقاب ولا شك أن كثرة الآيات في موضوع الأخلاق دليل على أهميتها. وبالتالي فالإكثار من الأخلاق الفاضلة والإقلال منها يكون جمال الإنسان بنسبة ذلك الإكثار أو الإقلال وكذلك ترك مكارم الأخلاق شين لتاركها كبير وعلى قدر ما تركه يكون شينه عند الكبير منا والصغير فمهما أكثرت أو أقللت من تركها يكون شينك بنسبة ذلك التقدير. ولذلك انظر إلى الكفار حيث أنهم تركوها كلها ولم يكن عندهم من مكارم الأخلاق شيء تجدهم في قبح لا نهاية له وليس ذلك الحسن والجمال فيمن اتصف بمكارم الأخلاق عندنا فقط بل عند الله به يمدح الله المؤمنين المتصفين بذلك ويدخلهم الجنة فانظر أي نصيب نصيبك من تلك الخلال الحسان لتعرف قدرك وقيمتك عند الله وعند خلقه إن الألم ليملأ الجوانح على الأخلاق الفاضلة وعلى عشاقها الفضلاء النبلاء ماتت وماتوا، أين أهل الإخلاص الذين يرون الموت خيرًا من حياة الرياء. أين أهل الصدق الذين يرون قطع ألسنتهم أخف عندهم من أن يكذبوا أو يتملقوا أو يداهنوا أو ينافقوا أو ينموا أو يغتابوا أو يتجسسوا على المؤمنين ليزجونهم بالسجون. أين الذين إذا وعدوا صدقوا وإذا عاهدوا وفوا أين أهل العفو عند المقدرة أين أهل العدل والإنصاف.

стр. 460

الذين حلمهم مثل الجبال الراسيات أين الذين يلتمسون الكرب ليفرجوها، أين الذين يبتعدون عن الربا ومعامليه أين الذين يعرفون الولاء والبراء ولا يألفون ولا يجالسون إلا أهل الصلاح ويبتعدون كل البعد عن أهل المعاصي. أين الذين يبحثون عن الفقراء الذين لا مورد لهم فينعشوهم بما تيسر من زكاة أو صدقة تطوع دراهم أو طعام أو كسوة. أو يتسببون لهم في وظائف يكفون بها وجوههم عن النظر لما في أيدي الناس. أين الذين يؤدون الزكاة مكملة لمن يستحقها لا يحابون بها ويبحثون عن أهل العوائد فإذا وجدوهم غير مستحقين لم يبالوا بهم ولم يعطوهم لعلمهم أنها لا تبرأ ذممهم بذلك. أين الذين يبحثون عن الأرامل والأيتام ليجبروا قلوبهم بما من الله عليهم به، أين الذين يهجرون الفسقة والظلمة والمجرمين حتى ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم. أين الرجل المهذب الذي لا يتلبس في سره ولا في علانيته بحال يستحي من اطلاع العقلاء عليه ولا يعمل عملاً لا يرفعه عند الله درجة ولا يقول قولاً غير مفيد لسامعه فائدة في دينه ولا يضمر لعدوه سوءًا إذا سالمه ولا يتخلق إلا بكل خلق جميل. أين الذين لا يعرفون إلا النصح للمسلمين يبعدون عن الغش كل البعد، بعث أبو حنيفة بمتاع إلى شريكه في التجارة حفص بن عبد الرحمن وأعلمه أن في ثوب منه عيبًا واستوفى الثمن كاملاً لثوب غير كامل وقيل ثمن المتاع الذي

стр. 461

بيع ثلاثون ألفًا أو خمسة وثلاثون ألفًا فأبى أبو حنيفة إلا أن يبعث لشريكه في التجارة يكلفه أن يبحث عن المشتري ولكن لم يجده بعد البحث عنه. فأبى أبو حنيفة إلا انفصالاً من شريكه وتتاركا بل أبى أبو حنيفة أن يضيف الثمن إلى حر ماله وتصدق به كاملاً من شدة الورع. ويروى أنه كان عند يونس بن عبيد حلل مختلفة الأثمان ضرب قيمة كل حلة منه أربعمائة وضرب كل حلة قيمتها مائتان فمر إلى الصلاة وخلف ابن أخيه في الدكان فجاء أعرابي وطلب حلة بأربعمائة فعرض عليه من حلل المائتين فاستحسنها ورضيها واشتراها ومضى بها وهي على يديه. فاستقبله يونس فعرف حلته فقال للأعرابي بكم اشتريت فقال بأربعمائة فقال لا تساوي أكثر من مائتين فارجع حتى تردها فقال هذه تساوي في بلدنا خمسمائة وأنا ارتضيتها فقال يونس انصرف فإن النصح في الدين خير من الدنيا وما فيها. ثم رده إلى الدكان ورد عليه مائتي درهم وخاصم ابن أخيه في ذلك وقال أما استحيت أما اتقيت الله تربح مثل ثمنها وتترك النصح للمسلمين فقال والله ما أخذها إلا وهو راضٍ بها قال فهل رضيت له بما ترضاه لنفسك. وروي عن محمد بن المنكدر أن غلامه باع لأعرابي في غيبته من الخمسيات بعشرة فلم يزل يطلب ذلك الأعرابي طول النهار ليرد عليه خمسة حتى وجده فقال له إن الغلام قد غلط فباعك ما يساوي خمسة بعشرة. فقال يا هذا قد رضيت فقال وإن رضيت فإنا لا نرضى لك إلا ما نرضاه لأنفسنا ورد عليه خمسة، ومثل هذا كثير يوجد من الورعين الناصحين

стр. 462

الذين يحبون لإخوانهم المؤمنين ما يحبون لأنفسهم نسأل الله أن يكثر أمثالهم وأن يقلل الغشاشين السراقين المنافقين الكذابين، أين الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم. أين الذين يحنون إلى بيوت الله حنين الإلف فارقه الإلف. أين الذين لا يطيب لهم مجلس إلا عند كتاب الله والبخاري ومسلم وسائر السنن أو ما أخذ منها أو ما هو وسيلة إليها. أين الذين إذا فاتهم قيام الليل جلسوا يبكون على ما فات. أين الذين درسوا سيرة المصطفى وأصحابه فكأنهم بينهم يترددون. أين الذين يتقدمون إلى بيوت الله قبل الوقت ويسبحون ويهللون مات هؤلاء وبلية من أكبر البلاء أن نفقد هذا الطراز فهل لك يا أخي أن تسلك سبيل هؤلاء لتكون قدوة ومثلاً للعاملين. وتفوز برضا رب العالمين فتحظى بالفوز بسكنى جنات النعيم التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من الحور العين والفواكه وغير ذلك فإن رغبت في ذلك فاجتهد في تحسين عملك الذي هو المهر لذلك. فَإِنْ كُنْتَ لِلْمَهْرِ الذِي عَزَّ قَادَرًا … فَنَافِسْ وَسَابِقْ نَحْوهَا كُلَّ سَابِقِ وَإِنْ كُنْتَ مِثْلِي عَاجِزًا فَارْضَ بالدُّنَا … فَبَالدُوْنِ يَرْضَى الدُّوْنُ عِنْدَ العَلائِقِ رَعَى اللهُ مَنْ أَضْحَى وَأَمْسَى مُشَمِّرًا … لِنَيْلِ المَعَالِي قَاطِعًا كُلَّ عَائِقِ إِلى أَنْ عَلا فَوْقَ المَقَامَاتِ في العُلا … وَنَالَ المُنى مِنْ قُرْبِ مَوْلَى الخَلائِقِ الله انهج بنا مناهج المفلحين وألبسنا خلع الإيمان واليقين وخصنا منك

стр. 463

بالتوفيق المبين ووفقنا لقول الحق واتباعه وخلصنا من الباطل وابتداعه وكن لنا مؤيداً، ولا تجعل لفاجر علينا يدًا واجعل لنا عيشًا رغدًا ولا تشمت بنا عدوًا ولا حاسدًا وارزقنا علمًا نافعًا وعملاً متقبلاً وفهمًا ذكيًا وطبعًا صفيًا وشفاءً من كل داء واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ١٠٠- "موعظة " عباد الله إن الإنسان منا كما علمتم معرض للأذى والإساءة والاهانة وعرضة للأخطار، والمهلكات، فمنحه الله قوة يدفع بها الإهانة، ويدفع بها الخطر، وينجو بها بإذن الله من الهلاك، هي قوة الغضب والحمية. وخلق الغضب من النار، فتسلط الشيطان علينا من هذا الطريق وركبنا وقت الغضب، حتى صار الناس في غضبهم حمقى متهورين، وسفهاء طائشين. فكره الناس الغضب لذلك، واصطلحوا على ذمه مطلقًا، وهذا خطأ فظيع وخلط لا يجوز، فليس كل غضب مذموم ولا كل حلم بممدوح، والله جل وعلا لا يخلق لنا طبعًا إلا لحكمة، ولا يركب فينا قوة الحمية والغضب إلا لسبب وحكمة. فالأذى إذا جاءنا لا يدفع إلا بالغضب، والشر إذا نالنا لا يدفع إلا بالغضب، وحماية الدين والأعراض والشرف والكرامة لا تدفع إلا بالغضب للحق فمن فقد قوة الغضب بالكلية، أو ضعفت فيه الحمية فهو ناقص محلول العزم، مفقود الحزم، معدوم الرجولة. وقد امتدح الله غضب المؤمنين على الكفار، وحميتهم الدينية، لما له من

стр. 464

أثر في إعلاء كلمة الله، فقال تعالى: ﴿أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح٢٩] وقال: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] وقال: ﴿وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣] وأمرنا بالغضب إذا انتهكت حرمة الدين، والغيرة على حدود الله. فقال في الزناة: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النور: ٢] فمن فقد قوة الغضب، يصبح جبانًا، ضعيفًا، وذليلاً حقيرًا لا يأنف من العار ولا يهمه، ولا يتألم لأذى السفهاء، يتطاول السفهاء والفسقة على حرمه، فلا يغار لعرض، ولا يغضب لشرف، فيكون تيسًا في صورة إنسان، وجمادًا لا إحساس له، ولا شعور. وليس من الحلم في شيء، وإنما هو جبن، وخور، وذلة وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «لن يدخل الجنة ديوث، قالوا وما الديوث يا رسول الله قال: الذي لا يغار على أهله» . وقال سعد ﵁ يا رسول الله لو وجدت مع أهلي رجلاً أمهله حتى آتي بأربعة شهداء فقال ﷺ نعم، فقال كلا والذي بعثك بالحق، إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك، فقال ﷺ : «اسمعوا على ما يقول سيدكم، إنه لغيور وأنا أغير منه والله أغير مني» . وإذا لم يغضب الإنسان لعرضه، ضاعت الأنساب، واختلطت الأولاد، وكل أمة تموت الغيرة فيهم لا بد وأن تضيع العفة، والصيانة من نسائها، وهذا

стр. 465

هو الضعف، والخور، والعجز، والجبن، الذي استعاذ منه النبي ﷺ ، وكيف تذم رجلاً يغضب لدينه إذا رأى المنكرات، وقد أمر بمحاربتها وكيف يصلح المرء عيوب نفسه، إذا لم يغضب عليها، ويشتد في ردها عن هواها. أما الغضب المذموم فهو الذي يعمي صاحبه عن الحق، ويفقده بصر البصيرة، والفكر فتأخذه العزة بالإثم، ويعرض عن النصح إذا نصح، وربما زاد هيجانًا، وإذا روجع في قول ازداد سخطًا ولجاجًا. وقد يحدث منه ضرر على من حوله، وتجده متغيرًا لونه، مرتعشة أعضاؤه، زائغًا بصره، وكالأعمى يسب الجماد، والحيوان، ويبطش بكل ما يصادفه، حتى إنه يتلف الأثاث، والرياش، وربما لا يشفي غلة، وقد يحدث منه طلاق، ولعن وسب، وشتم، فهذا غضب مذموم قبيح مرذول ينتصر فيه إبليس على هذا الذي لا يملك نفسه عند الغضب كما قيل: وَمَا غَضَبُ الإِنْسَانِ إِلا حَمَاقَةٌُ … إِذَا كَانَ فِيْمَا لَيْسَ للهِ يَغْضَبُ ومثل هذا الغضب يهدم الجسم، ويتلف الصحة، ويحرم صاحبه الراحة والهناء ويجعل نظرته إلى الحياة مظلمة سوداء فالتفريط في الغضب ضعف، والإفراط تهور وجنون، والمحمود منه الوسط والاعتدال والقصد المحمود منه أن يكون غضبك للدين فإذا اعتدى قوم على الإسلام بالطعن والتشهير أو التشكيك في العقائد كما يحاول الملحدون وكما يفعل المبشرون فيجب أن تغضب عليهم انتصارًا لديننا ودفاعًا عن شرعنا. ومن الغضب المحمود الغضب على من تعدى على بلاد إسلامية أو تعدى على مسلم أو مدح غير الدين الإسلامي أو ذكر الله أو كتابه أو ملائكته أو رسله بسوء أو سب صحابيًا أو إمامًا مشهورًا بالتقي والورع

стр. 466

والاستقامة أو طعن في رجال الدين لأجل دينهم أو كذب على الله أو على رسله أو أحل شيئًا من المحرمات أو حرم شيئًا مما حلله الله أو استهان بكتاب الله أو سنة رسوله ﷺ أو كتب أهل العلم المحققين مثل الإمام أحمد والشافعي ومالك وأبي حنيفة والموفق والمجد وابن أبي عمر وشيخ الإسلام وابن القيم وابن كثير وابن رجب وابن مفلح ونحوهم من العلماء المشهورين بالاستقامة والبعد عن البدع وكأئمة الدعوة. ومن الغضب المحمود الغضب على من مدح الكفرة والمنافقين وأئمة الضلال والحيارى كابن عربي وابن رشد والفارابي وابن سينا وابن كلاب والعفيف التلمساني وابن سبعين وابن الفارض وابن الراوندي والكوثري والبوصيري والمعري ونحو هؤلاء من الملاحدة والزنادقة والمبتدعة والفسقة والظلمة وأعوانهم. ومن الغضب المحمود الغضب على من ابتدع في الدين بدعًا أو نشرها أو دعا إليها أو مدح محلليها أو مدح الكفار أو مدح الملاهي والمنكرات التي حطمت الأخلاق وقضت عليها وأتلفت الأموال وقتلت الأوقات وأورثت الخلق أفانين العداوات وأحدثت التفرق في البيوت والقلوب. شعرًا: إِنْْ المَلاهِي أَلْقَتْ بِيْنَنَا إِحَنًا … وَأَوْرَثَتْنَا أَفَانِيْنَ العَدَاوَاتِ وَهَلْ أُصِيْْبَ شَبَابُ اليْومِ وَانْحَرَفُوا … إِلا بِتَقْلِيْدِ أَصْحَابِ الضَلالاتِ مِنْ كُلِّ أَهْوَجَ لا دِيْنٌ وَلا أَدَبٌ … وَلا حَيَاءٌ وَمَعْدُوْمُ المُرُوءاتِ يَرَى التَّمَدُّنِ في تَطْْوِيْلِ شَارِبِهِ … وَحَلْقِ لِحْيَتِهِ مِثْلَ الخَواجَاتِ

стр. 467

يُقَلِّدُ الكُفْرَ في تَطْوِيْلِ أَظْفُرِهِ … أَقْبَحْ بِهِ مِنْ سَفِيْهٍ سَاقِطٍ عَاتِ اللهم قوي إيماننا بك وبملائكتك وبكتبك وبرسلك وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره اللهم وفقنا للهداية وجنبنا أسباب الجهالة والغواية اللهم ثبتنا على الإسلام والسنة ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ١٠١- موعظة عباد الله أن الله اختار نبيه محمدًا ﷺ وخصه بمزايا لم تكن لأحد من العالمين واختار له أصحابًا خيرة الناس من خلقه، وخصهم بمزايا لم تكن لسواهم من الناس أجمعين، حاشا الأنبياء والمرسلين، وأثنى عليهم، سبحانه في غير موضع من القرآن الكريم تنبيهًا على جلالة قدرهم، وعلو منزلتهم، وعظم فضلهم، وشرفهم. قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ [التوبة:: ١٠٠] . وقال تعالى يصفهم بشدة الرحمة ولين الجانب لبعضهم بعضًا وشدتهم على الكفار المعاندين ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] . وقال تعالى يصف المهاجرين والأنصار بأفضل ما يصف به إنسانًا ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ

стр. 468

وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:: ٩] . وقال ﷺ : «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم» ، ولقد كان الصحابة أصبر الناس بعد الرسل على الأذى في الله فلقد أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله وصب عليهم الأذى من كل صوب، فلم يزدهم ذلك إلا إيمانًا. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤] . وإذا كان الصحابة ﵃ أرفع الناس بعد النبيين والمرسلين درجة وأعلاهم مكانًا بشهادة الله ورسوله فلا عجب أن يعلن المصطفى ﷺ بفضلهم ويحذر من سبهم ومقتهم، ويقول فيما روى الترمذي: «الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضًا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله يوشك أن يأخذه» . ويقول ﷺ : «لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم انفق مثل أحدٍ ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» . فأصحاب النبي ﷺ لا يشك عاقل أنهم هم الذين حازوا قصبات السبق، واستولوا على معالي الأمور من الفضل والمعروف والصدق والعفة، والكرم والإحسان، والقناعة، وعلو الهمة، والنزاهة، والشجاعة، والتقى والتواضع، ونحو ذلك. فالسعيد من اتبع طريقهم، واقتفى منهجهم القويم، والشقي من عدل

стр. 469

عن طريقهم، ولم يتحقق بتحقيقهم، فأي خطة رشد هم لم يستولوا عليها، وأي خصلة خير لم يسبقوا إليها، لقد وردوا ينبوع الحياة عذبًا صافيًا زلالاً. ووطدوا قواعد الدين، والمعروف فلم يدعوا لأحد بعدهم مقالاً. فتحوا القلوب بالقرآن، والذكر والإيمان، والقرى بالسيف والسنان، وبذلوا النفوس النفيسة في مرضاة ربهم، فلا معروف إلا ما عرف عنهم، ولا برهان إلا ما بعلومهم كشف، ولا سبيل نجاة إلا ما سلكوه ولا خير سعادة إلا ما حققوه وحلوه فرضوان الله عليهم، ما تحلت المجالس بنشر ذكرهم، وما تنمقت الطروس بعرف مدحهم وشكرهم: وَلَيْسَ فِي الأُمَّةِ كالصَّحَابَة … بِالفَضْلِ وَالمَعْرُوفِ وَالإِصَابَة فَإِنَّهُم قَدْ شَاهَدُوا المُخْتَارَ … وَعَايَنَوا الأسْرَارَ وَالأَنْوَارَ وَجَاهَدُوا في اللهِ حَتَّى بَانَا … دِيْنُ الهُدَى وَقََدْ سَمَا الأَدْيَانَا وَقَدْ تُلِي في مُحْكِمَ التَّنُزِيْلِ … مِنْ فَضْلِهِم مَا يَشْفِي مِنْ غَلِيْلِ وَفِي الأَحَادِيْثِ وَفِي الأَخْبَارِ … وَفِي كَلامِ القَوْمِ وَالأَشْعَارِ مَا قَدْرَ بِي مِنْ أَنْ يُحِيْطَ نَظْمِي … بِبَعْضِهِ فَاسْمَعْ وَخُذْ مِنْ عِلْمِي اللهم نور قلوبنا بنور الإيمان وثبت محبتك فيها وقوها وألهمنا ذكرك وشكرك وارزقنا حب أوليائك وبغض أعدائك وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 470

١٠٢- "موعظة " عباد الله اعتاد الناس أن من طلب شيئًا من نفائس الدنيا لا يهدأ ولا ينام، بل يسعى للوصول إليه، ليله، ونهاره، سعي النشيط الهمام، وكلما سد في وجهه باب، قرع بابًا آخر، وإن تعدد الأبواب، كما هو دأب الحريص المقدام، وكلما نظر إلى قدر ما يطلب هان عليه السعي، وما يلقاه من مصاعب ومتاعب وآلام والعجيب أنه لا يمل ولا يسأم، وإن واصل السعي سنين، وأعجب من ذا أنه لا ينثني عن مطلوبه، وإن مس شرفه وأهين، وإن استصعب عليه الوصول، استعان بذوي الوجاهة المحترمين، ولا يزال هذا يواصل السعي حتى يصل مبتهجًا إلى ماله من مرام. أنت تطلب الجنة يا هذا وهي نفيسة جدًا لأنها لا تفنى ولا تبيد، ولأن لك فيها ما اشتهت نفسك، ولذت عينك دون أي تقييد، ولأنك خالد فيها أبدًا دون أن يكدر، بأي مكدر، ذلك العيش الرغيد فهل شمرت عن ساق وسعيت للوصول إليها، كما تسعى فقط لذلك الفاني من الحطام، المشاهد أنك لا تسعى لتلك الجنة ولا يخطر لك السعي إليها على بال، ولو أنك ساويتها في السعي إليها بأي مطلوب دنيوي لكنت من عظماء الرجال، ولكن يا للأسف لم يكن من ذلك شيء، والسعي للجنة لا يكون بالكلام، ولا بالأماني والأحلام، ولكن بصالحات الأعمال، وهل تزهدت أنت في شيء كما تزهدت في تلك الأعمال الفخام، ولذلك أجرى الله العادة أن من خاف شيئًا من مؤلمات الدنيا يبعد عنه ويفر كل الفرار، ويذهب هدوءه وطمأنينته، وربما ذهب نومه اضطرارًا لا اختيارًا ولا يطمئن بعض الاطمئنان إلا إذا احترس منه بكل ما يقدر عليه من أعوان، وأنصار، يفعل كل ذلك لئلا يصل إليه من الأذى ما

стр. 471

يكدر عليه حياته، وصفوها جهنم يا هذا أعظم مخوف فهل عملت الاحتياط لها كما تحتاط لمخوفات هذه الدار. الذي يتبادر منك ويظهر أن إيمانك بها ضعيف، وأنك لم تعمل أي احتياط لها، فلو كان إيمانك قوي في قوله تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر::٢٣] . لسعيت جهدك في الأعمال الصالحات، التي تحول بينك وبينها ولأزعجك وأقلقك ولم تهنأ بنوم ولا طعام وشراب، وأمامك تلك العقبات. اللهم قوي إيماننا بك وبملائكتك وبكتبك وبرسلك وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره اللهم وفقنا للهداية وجنبنا أسباب الجهالة والغواية اللهم ثبتنا على الإسلام والسنة ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ١٠٣- "موعظة " عباد الله مضى رجال من هذه الأمة كانوا يخشون ربهم خشية العارفين الموقنين لذلك كانت أقوالهم وأفعالهم موزونة بما للشرع من موازين كانوا يزنون كلامهم قبل أن يلفظوا به لأنهم يوقنون أن خالقهم سمعها وشهد عليها وهو تعالى خير شاهد. كانوا إذا اظلم الليل يقفون في محاريبهم باكين متضرعين لهم أنين كأنين المرضى ولهم حنين كحنين الثكلى وكانوا ربما مروا بالآية من كتاب الله

стр. 472

فجعلوا يرددونها بقلب حزين فأثرت عليهم ومرضوا بعدها، مات أولئك السلف الصالح الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا. وماتت تلك الخشية وأعقبها قسوة أذهلت العباد عن طاعة الله فصاروا يأتون ويذرون ما يذرون دون سؤال عن سخط الله ورضاه. وغدت جوارحهم مطلقة في كل ما يغضب الله وصارت أفعالهم فوضى ليس لها ضوابط ولا قيود العين تجول في المناظر المحرمة من نساء سافرات إلى سينماء إلى تلفزيون إلى الفديو معلم الفساد إلى كورة إلى مجلات في طيها الشرور إلى صورة مجسدة وغير مجسدة إلى كتب هدامة للأخلاق إلى غير ذلك من المحرمات التي تجرح القلوب. والفَرْجُ يسرح كما شاء إلى الفواحش، الدين ضعيف والخُلُق فاسد والأذن لا تشبع من سماع ما يسخط ربها والبطن يستزيد من سحت الأقوات. وأما اليد فحدث ولا حرج في تعدي الحدود وأما اللسان فليله ونهاره يتحرك ويتقلب في منكر القول وزوره ولا كأن ربه السميع البصير العليم. موجود وتراه يطعن في أعراض الغوافل ويمزق جلودهم في السب والغيبة والبهت والكذب ولا يعف عن عرض أي بشر. ويحلف بالله العلي العظيم كل يوم مرات ولا يهمه أبر في يمينه أم فجر وأما وعوده وعهوده وعقوده فتهمل ولا كأنه مكلف باحترامها فهذا وأمثاله قد انهمكوا في المعاصي وتوغلوا فيها وصارت عندهم عادات وشيء طبيعي مألوف لهم. ولذلك إذا مررت بهم أو مررت حول بيوتهم استوحشت من سماع

стр. 473

الأغاني والرقص والمطربين والسب واللعن والقذف والاستهزاء بالدين وأخذت في العجب بين هؤلاء وأولئك الذين في أوقات التجليات في حنادس الظلم يناجون ربهم راغبين في رضوان العزيز الجبار خائفين من سخط المنتقم القهار متفكرين في سرعة حلول المنايا التي تسارع الأيام والليالي في اقترابها وموقنين بأنهم محاسبون على الفتيل والنقير والقطمير عالمين بأنهم مكلفون بواجبات عبودية ما قاموا بالقليل منها وهم عنها مسئولون وعلى ما قدموه من خير وشر قادمون. وهل حال هؤلاء السعداء في جانب أولئك التعساء الأشقياء إلا كحال المصاب بالجنون في جانب أوفر الناس عقلاً وأكملهم وقارًا فأكثر يا أخي من قولك الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهم الله يعافيهم ولا يبلانا قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] . وَكُل كَسْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَجْبُرُهُ … وَمَا لِكَسْرِ قَنَاةِ الدِّيْنِ جُبْرَانُ فتنبه أيها المؤمن واعلم أنك مسئول عن كل ما تعمل لا مهمل كالأنعام فانهج نهج الاستقامة وراقب ربك في مصادرك ومواردك لتقف عند الحدود قال بعض المرشدين إلى معالم الرشد ضاربًا لذلك مثلاً. واعلم أن الإنسان في تقلبه في أطوار حياته كمثل غريب ألقت به المقادير إلى قوم استقبلوه بترحاب وتكريم وكان ذلك النازل فاقد القوى غير عالم بما عليه القوم من الشئون ولا يدري من أين أتى ولا إلى أين يذهب. فقام القوم بواجبات خدمته وإكرامه حتى قويت حواسه وجوارحه ومداركه وأخذ يعمل كما يعمل القوم فجاء رجل من عقلائهم قائلاً يا هذا

стр. 474

إن هذه الدار التي توطنها مكرموك ما هي دار إقامة ولا هي مملوكة لأحد من الخلق ولكنهم أمثالك نزلاء من كانوا يعمرون هذه الدار قبلهم ثم رحلوا وتركوها وما كان رحيلهم إلى مكان بعيد ولكنه كان إلى سجن ضيق ومكان مظلم لو أرسلت ببصرك لرأيته وقد فقدوا تلك القوى وتناسوا ذلك النعيم. ثم أخذ بيده إلى مكان قفر وأعني به المقبرة وقال له هذا مراح القوم ومسقط رءوسهم وإن الطريق التي توصلك إلى هؤلاء القوم هي الطريق التي سلكها مكرموك وإنها لطريق ذات عقبات مهلكة ولها أوحال من تورطها هلك ولا مخلص من تلك الأوحال إلا بتجنب تلك العقبات أو تجاوزها عدوًا. فإن رمت السلامة فسر فريدًا متحفظًا من تخاصم القوم وتنازعهم ومن ملاهيهم وألعابهم ولا تصغ لمن يناديك من خلفك فإن الذي يناديك من خلفك في طريق النجاة هو أجهل منك بها ولا تخالف من ناداك من الأمام فإنهم أدرى منك بمفاوز الطريق. وإياك أن تشتبه عليك الطرق وأصوات المنادين فإن طريق السلامة لها أعلام ومصابيح نيرة على رأس كل مرحلة من مراحلها وأما باقي الطرق فإنها مظلمة موحشة مهلكة وما هي إلا طريق واحدة ولكنها ذات شعب ومسارب كثيرة. فاحذر أن تتهاون بنفسك كما تهاون القوم بنفوسهم فهلكوا وهم لا يشعرون فإن كان النازل الغريب على استعداد لتعقل النصائح وذا قابلية تقبل الإرشاد وقف على أفواه الطريق وفتح عينيه واستعمل فكره وتبصر في أمره

стр. 475

وتدبر عواقب ما عليه القوم وأخذ لنفسه بأحوط الأحوال وأقربها إلى السلامة وجعل عينه متجهة للنظر إلى منازل الراحلين التي لا أنيس بها ولا جليس. وتأمل سرعة الرحيل وقصر أوقات الإقامة وتجنب الألعاب والملاهي وسلك سبيل المهتدين وإن كان ضيق الحضيرة قاصر النظر ضعيف الهمة ضائع العقل سيء التصور فاقد الفكر خبيث الاستعداد لئيم الطبع لا يجد بدًا من منازعة اللاعبين ومسابقة اللاهين وتغافل عن عاقبة أمره وسوء مصيره وتباعد عن صياح الناصحين وأصغى إلى مداهنة الغاوين أصبح من النادمين. وما ضربنا لك هذا المثل إلا لتعلم أنك أنت الغريب الذي نزلت يوم ولدتك أمك بقومك وأنت ضعيف القوى لا تعلم شيئًا كما قال تعالى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] . ففرح بك قومك وأكرموك إلى أن قويت آلات أعمالك وصرت تحسن الرحيل وحدك. ونريد بالرحيل هنا سلوك إحدى الطريقين إما طريق الكمالات وإما طريق النقائص لأنهما مسارب المكلفين الذين لا بد لهم من السير فيها للوصول إلى أحد الغايتين فإنه ما من طريق إلا ولها غاية ينتهي إليها مسير سالكها. وما نريد بالرجل العاقل المرشد إلا صاحب الرسالة ﵊ أو النائب عنه في تبليغها وما نريد بمن يناديك من الأمام إلا السلف الصالح الذين سبقونا بالإيمان وبينوا لنا طريق النجاة أو الأتقياء المقتفون لآثارهم الذين ثبتت استقامتهم.

стр. 476

وما نريد بالذين ينادونك من خلفك إلا الذين لا قدم لهم في طريق النبوة فلم يسلكوا سبيل المهتدين بل اعتمدوا في إرشادهم على مقال لا حال معه ولا عمل وهذا لا تصلح متابعته لأنهم أجهل الناس بطريق الاستقامة. وما أهل الاستقامة إلا الذين راقبوا قلوبهم وأمسكوا ألسنتهم وطهروا أقلامهم فلا عزم لهم إلا على أعمال البر والمواساة ولا يقولون إلا الحق المنجي ولا يكتبون إلا ما لو سئلوا عنه يوم القيامة لأحسنوا الإجابة والذين يذكرون الله كثيرًا وإذا ذكر الله وجلت قلوبهم والبكاؤون من خشية الله المقتفون لآثاره ﷺ . شعرًا: نُورُ الحَدِيْثِ مُبِيْنٌ فادْنُ وَاقْتَبِسْ … وَاحْدُ الرِّكَابَ لَهُ نَحْوَ الرِّضَا النَّدُسِ مَا العِلْمُ إِلا كِتَابُ اللهِ أَوْ أَثَرٌ … يَجْلُو بِنُورِ هُدَاهُ كُلَّ مُلْتَبِسِ نُوْرٌ لِمُقْتَبِسٍ خَيْرٌ لِمُلْتَمِسِ … حِمى لِمُحْتَرِسٍ نُعْمَى لِمُبْتَئِسِ فَاعْكُفْ بِبَابِهِمَا عَلَى طِلابِهِمَا … تَمْحُو العَمَى بِهِمَا عَنْ كُلِّ مُلْتَبِسِ وَرِدْ بِقَلْبِكَ عَذْبًا مِنْ حِيَاضِهِمَا … تَغْسِلْ بِمَائِهِمَا مَا فِيْهِ مِنْ دَنَسِ وَاقْفُ النَّبِيَّ وَأَتْبَاعَ النَّبِي وَكُنْ … مِنْ هَدْيِهِم أَبَدًا تَدْنُو إِلى قَبَسِ وَالْْزَمْ مَجَالِسَهُمْ وَاحْفَظْ مَجَالِسَهُم … وَانْدُبْ مَدَارِسَهُم بِالأَرْبَعِ الدُّرُسِ وَاسْلُكْ طَرِيْقَهُمْ وَاتْبَعْ فَرِيقَهُمْ … تَكُنْ رَفِيْقَهُمُ فِي حَضْرَةِ القُدُسِ تِلْكَ السَّعَادَةُ إِنْ تُلْمِمْ بِسَاحَتِهَا … فَحُطَّ رَحْلَكَ قَدْ عُوْفِيْتَ مِنْ تَعَسِ وما نريد بمراحل حياتك إلا الأطوار التي تتقلب بك فيها الشمس كلما غربت أو أشرقت وتنتقل بك إليها الليالي وأنت لا تشعر فما أسرع مرور

стр. 477

الشمس بك إلى نهاية أجلك وما أغفلك عن عملها فيك. وما نريد بأوحال حياتك إلا متابعة شهواتك عند بلوغ الحلم فإن لطور الشبوبية أوحال مهلكة وهي الشهوات البهيمية التي تضطر الشباب الذي غلبت شهوته عقله إلى مغازلة الغانيات ومعانقة الملاهي وتعاطي المحرمات فيصير في أوحال تناسبه. وما من أحد يستطيع تجنب تلك الأوحال إلا الذي وفقه الله فتباعد عن ظلمات الزيغ وتنور بنور العلم الديني الذي علمه العليم الخبير لرسوله ﷺ وأمره بتعليمه للناس لأنه جل شأنه هو الحكيم العليم الذي علم الداء ودبر الدواء قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] . انتهى بتصرف يسير. شعرًا: مَثِّلْ لِنَفْسِكَ أَيُّهَا المَغْرُوْرُ … يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَاءُ تَمُورُ قَدْ كُوِّرَتْ شَمْسُ النَّهَارِ وَأُضْعِفَتْ … حَرًّا عَلَى رُءُوسِ العِبَادِ تَفُوْرُ وَإِذَا الجِبَالُ تَعَلَّقَتْ بِأَصُولِهَا … فَرَأَيْتَهَا مِثْلَ السَّحَابِ تَسِيْرُ وَإِذَا النُّجُومُ تَسَاقََطَتْ وَتَنَاثَرَتْ … وَتَبَدَّلَتْ بَعْدَ الضِّيَاءِ كُدُوْرُ وَإِذَا العِشَارُ تَعَطَّلَتْ عَنْ أَهْلِهَا … خَلَتِ الدِّيَارُ فَمََا بِهَا مَعْمُوْرُ وَإِذَا الوُحُوشُ لَدَى القِيَامَةِ أُحْضِرَتْ … وَتَقُوْلُ لِلأمْلاكِ أَيْنَ نَسِيْرُ فَيُقَالُ سِيْرُوا تَشْهَدُوْنَ فَضَائِحًا … وَعَجَائِبًا قَدْ أُحْضِرَتْ وَأُمُوْرُ وَإِذَا الجَنِيْنُ بِأُمِّهِ مُتَعَلِّقٌ … خَوْفَ الحِسابِ وَقَلْبَهُ مَذْعُوْرُ هَذَا بِلا ذَنْبٍ يَخَافُ لِهَولِهِ … كَيْفَ المُقِيْمُ عَلَى الذُّنُوْبِ دُهُوْرُ

стр. 478

اللهم وفقنا للعمل بما يرضيك وجنبنا أسباب سخطك ومعاصيك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ١٠٤- "موعظة " عباد الله نحن في عصر بارك الله فيه بركة عمت المشارق والمغارب وكل ما للأرض من أنحاء مما نعلمه وجه بقدرته وإرادته أفكار بني آدم إلى ما أودعه في خلقه من أسرار تفوت الإحصاء ويسر لهم السبيل فوصلوا من التراقي في الاختراع والإطلاع إلى ما يدهش الأفكار وتزداد به عقيدة المؤمن قوة فلا يعتريه أدنى شك في ما أخبر الله به ورسوله. أصبحت الدنيا كلها كأنها بيت واحد يكلم الناس بعضهم بعضًا مع بعد المسافة ويسافرون برًا وبحرًا فيقطعون بالمراكب البرية والبحرية في مدة يسيرة ما يحتاج إلى مدة طويلة فيما مضى وتنقل تلك المراكب التي خلقها الله لنا من الأثقال بقوة وسرعة تقف أمامها الألباب حائرات بل لو أرادوا مسابقة الطير في السماء لسبقوه بالطائرات. فسبحان من أرشد عباده إلى صنع هذه المخترعات قال تعالى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] . وانظر إلى الكهرباء وفائدتها العظيمة في الليل والنهار فقد صار الليل بأنواره وكأنه نهار وما فيه من أسباب الراحة والمنافع العظيمة التي لم تحصل لمن قبلنا أليس هذا من أعظم البراهين والأدلة على صدق ما أخبر الله به

стр. 479

بقوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] . وعلى صدق ما أخبر به الصادق المصدوق من أن الزمان يتقارب وها أنت لا تمشي شرقًا ولا غربًا إلا وأنت ترى وتسمع من تلك الأسرار ما تحار به الأفكار فنحن اليوم نتقلب في كل أحوالنا في نعيم لم يظفر به عصر من الأعصار حتى إنك ترى حيوان هذا العصر في راحة وإكرام لم تتمتع بها بنو العصور الماضيات إن حقًا علينا إزاء كل هذا أن نكون أسبق الأجيال في ميدان شكر الله ليبرهن كل منا أنه يحس ويشعر بما اختصه به مولاه اهـ. ولكن يا للأسف لم يكن منا شكر هذه النعم واستعمالها في طاعة الله ومراضيه ودليل ذلك ما ترى وتسمع من المعاصي والمنكرات التي تكاد أن تبكي من فشوها وازديادها الجمادات. فيا لله للمسلمين إنها لتجرح قلب المؤمن السالم منها جرحًا يوشك أن يوصله إلى القبر اللهم وفق ولاتنا لإزالة هذه المنكرات ولتأييد الإسلام والمسلمين في جميع الجهات ووفقهم للرفق في رعاياهم والنصح لهم وسدد خطاهم. عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ» . رواه البخاري والترمذي والنسائي وأحمد وابن ماجه. لقد صدق رسول الله ﷺ فيما قاله في هذا الحديث العظيم فإن كثيرًا من الناس يهمل واجب النعم عليه فلا يستقبل النعم بما يجب لها من الشكر ولا

стр. 480

يحاول استبقاءها بأداء حق الله فيها بل يعرض عن الله وينأى بجانبه ولا يذكر هذه النعمة من نعم الله على عظمها إلا حين يعدو عليها المرض فيذبل نضرة العافية ويخطو بقوة الشباب على غير موعد إلى ضعف الشيخوخة. أما حين ينعم الإنسان بسلامة أعضائه وقوة بنيته وحين يحس الحيوية تسري في عروقه فهو ينطلق في شهواته خاضعًا لها، وهو يظن نفسه الآمر الناهي، وخاسرًا بها وهو يحسب نفسه قد ربح كل شيء. وتمضي به أيامه ولياليه وهو يرتع كالحيوان في ملذاته من مأكولات ومشروبات دون تفرقة بين حلال وحرام ومن غير تمييز بين طيب وخبيث فيسيء إلى نفسه ويبخسها حقها إذ يضيع طاقتها على العمل النافع وعلى الطاعة الواجبة في اللهو واللعب. وبلا شك أن الصحة عرض لا يدوم بل يمر مر السحاب وأن المرض يفقد الإنسان معظم طاقته على العمل بل ربما فقدها كلها وعجز، فمن السفه والحمق إذاً أن لا يغتنم الإنسان فرصة الصحة والفراغ من الشواغل للطاعة والعبادة. وكل إنسان يعلم أن كل يوم يتقدم به الزمن يقصر عمره ومقدرته على العمل تضعف كلما خطا به الزمن ومحصوله من الأعمال الصالحة يقل كلما أقعده المرض أو أثقلته السنون فالعاقل اليقظ يحافظ على وقته أكثر من محافظته على ماله ولا يضيع منه شيئًا بل يستعمله فيما يقربه إلى الله والدار الآخرة أو ما هو سبب إلى ذلك فإن فاته شيء أو نسى شيئًا من أعماله بالليل قضاه بالنهار وبالعكس.

стр. 481

ولله آيات كونية وآيات قرآنية يتمشى المسلم النشيط المبتعد عن الكسل والعجز على ضوئها. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ [الفرقان: ٦٢] . وقال: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦] . وقال تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً﴾ [الأعراف: ٥٤] . فالله سبحانه لم يخلق هذه عبثًا فالذاهلون عن معاني هذه الآيات، الهائمون وراء منافعهم المعجلة حمقى لا ينتصحون من حكمة ولا يستفيدون من درس تجدهم لا يبالون بإضاعة أوقاتهم في غير فائدة وربما أضاعوها في المعاصي. ثم أعلم أن أهل الضياع للوقت الذين كان أمرهم فرطًا وأعمارهم سبهللاً لا يفيقون من قتل أوقاتهم في البطالة وعند المنكرات من كورة وفديو وتلفزيون ومذياع وسينما وورق وغيبة ونميمة وتجسس على المسلمين ونحو ذلك. ربما أضافوا إلى ذلك الجناية على أوقات الآخرين فشغلوهم عن أعمالهم بشئون تافهة أو فيما يعود عليهم بالخسران فهؤلاء أساءوا من جهتين على أنفسهم إذ يمضون أيامهم في غير عمل وعلى غيرهم حيث شغلوهم عن العمل والعجب أن هؤلاء الذين اعتادوا قتل الوقت إذا ما تبين فشلهم في نوبة يقظة راحوا يتساءلون عن سر هذا الفشل ويتهمون الأيام تارة والحظ تارة أخرى، كأنهم عند أنفسهم مطبوعون على النجاح دون عمل وأن يجنوا ثمار مواهبهم بعد أن قتلوا هذه المواهب. أما السبب الحقيقي لفشلهم فهو لا يخطر لهم ببال ولا يفكرون فيه

стр. 482

وذلك لضعف عقولهم. فعلى العاقل أن يبتعد عن هؤلاء الكسالى كل البعد لئلا يؤثروا عليه فيصيبه ما أصابهم من ضياع العمر سدى ويجتهد في صحبته ضد هؤلاء أناسًا أتقياء محافظين على أوقاتهم لا يمضونها إلا في طاعة الله وما أحسن ما قيل: فَصَاحِبْ تَقِيًّا عَالِمًا تَنْتَفِعُ بِهِ … فَصُحْبَةُ أَهْل الخَيْرِ تُرْجَى وَتُطْلَبُ وَإِيَّاكَ والفُسَّاقَ لا تَصْحَبَنَّهُم … فَقُرْبُهُم يُعْدِي وَهَذَا مُجَرَّبُ فَإِنَّا رَأَيْنَا المَرْءَ يَسْرِقُ طَبْعَهُ … مِن الإِلْفِ ثُمَّ الشَّرُّ للنَّاسِ أَغْلَبُ وَجَانِبْ ذَوِي الأَوْزَارِ لا تَقَرَبَنَّهُم … فَقُرْبُهُم يُرْدي وَلِلْعِرْضِ يَثْلِبُ وبالتالي فالذي يرشدنا إليه النبي ﷺ في هذا الحديث أنه يقرر أولاً أن صحة البدن نعمة من أعظم نعم الله علينا ليربي فينا الوعي بقيمة الطاقة الإنسانية التي خلقها الله فينا. فنستغلها فيما يعود علينا أفرادًا وجماعة بالخير والنفع. ويقرر لنا ﷺ ثانيًا: أن الوقت هو الحياة، وأن ما نحسبه فراغًا فتتفنن في وسائل قتله هو الطريق إلى التقدم فالحقيقة أن الحي الذي يقدر حياته يبخل في الوقت أن يكون فيه فارغًا ويجتهد فيه في العمل الذي يقربه إلى الله وإلى مرضاته من صلاة وصدقه وتهليل وتسبيح وتكبير وتحميد. ومن استغلال الوقت بأنفع الوسائل المداومة على العمل وإن كان قليلاً. وذلك أن استدامة العمل القليل على توالي الزمان واستمراره يكون من القليل كثيرًا من حيث لا يجد الإنسان مشقة ولا ضجرًا. وفي الحديث «إن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل» وفي الحديث

стр. 483

الآخر «إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة والقصد القصد» . فقد ختم ﷺ هذا الحديث بوصية خفيفة على النفوس، نافعة ترشد إلى المحافظة على الوقت، حيث حث فيها على التبكير ورغب أن يبدأ المسلم أعمال يومه نشيطًا طيب النفس مكتمل العزم فإن الحرص على الانتفاع من أول اليوم يستبتع الرغبة القوية في أن لا يضيع سائره سدى. فهذه الأوقات الثلاثة المذكورة في الحديث، كما أنها السبب الوحيد لقطع المسافات القريبة والبعيدة في الأسفار الحسية مع راحة المسافر وراحة راحلته ووصوله براحة وسهولة فهي السبب الوحيد لقطع السفر الأخروي وسلوك الصراط المستقيم والسير إلى الله سيرًا جميلاً. فمتى أخذ العامل نفسه وشغلها بالخير والأعمال الصالحة المناسبة لوقته أول نهاره وآخر نهاره وشيئًا من ليله وخصوصًا آخر الليل حصل له من الخير ومن الباقيات الصالحات أكمل حظ وأوفر نصيب ونال السعادة والفوز والفلاح وتم له النجاح بإذن الله في راحة وطمأنينة مع حصول مقصده الدنيوي وأغراضه النفسية. ومما ورد في الحث على صيانة الوقت ما ورد عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك» . وقال ﷺ : «من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة» وروي عن فاطمة ﵂ قالت مر بي رسول

стр. 484

الله ﷺ وأنا مضطجعة متصبحة فحركني برجله ثم قال: «يا بنية قومي اشهدي رزق ربك ولا تكوني من الغافلين فإن الله يقسم أرزاق الناس ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس» . إذ أن الجادين أو الكسالى يتميزون في هذا الوقت فيعطي كل أمرء حسب استعداده من خير الدنيا والآخرة. وختامًا فينبغي للعاقل اللبيب أن لا يضيع أيام صحته وفراغ وقته بالتقصير في طاعة الله، وأن لا يثق بسالف عمل ويجعل الاجتهاد غنيمة صحته، ويجعل العمل فرصة فراغه. فليس الزمان كله مستعدًا ولا ما فات مستدركًا. اللهم وفقنا لصالح الأعمال وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ١٠٥- موعظة عباد الله نحن في زمن كله عجائب يعجب العاقل اللبيب ومن أعجب ما فيه أن الرجال أصبحوا لا سلطان لهم على النساء إلا النادر القليل، نعم أصبحنا في زمن للنساء فيه جبروت أمامه الرجال في حال ضئيل انعكس الأمر فصار القوي ضعيفًا والضعيف قويًا فإن كنت في شك من ذلك فاخرج وانظر في الشوارع ترى النساء تجول في الشوارع ذاهبات آيبات ويتثنين في تبخترهن عليهن من الزينة ما يرغم على النظر إليهن كل من له عينان. ولا تسأل عما يحدثه ذلك النظر في نفوس الشبان وأشباه الشبان تراه إذا لمحها أتبعها نظره ثم جرى وراءها لأنه يفهم من هيئتها وتثنيها وتلفتها فهمًا لا يقال له إنه فيه غلطان، إنه يفهم أنها إذا لم تكن تريد منه ما تريد ما

стр. 485

عرضت نفسها في الشارع بذلك التهتك وذلك الازديان وهي في بيتها أمام زوجها الذي ينبغي أن تتجمل له تكون بحالة تشمئز من رؤيتها نفس الإنسان، تلبس له أردى الملابس ولا تمس طيبًا ولا تعتني له، فإذا أرادت الخروج بذلت من العناية في تجميل نفسها ما يلهب نار الشوق إليها في نفوس الناظرين. وهذه حالة تجعل العيون وقفًا على النظر إلى تلك الأجسام وتشغل القلوب شغلاً به تنسى كل شيء حتى نفسها وربها وما له عليها من واجبات، وتوجه الأفكار إلى أمور دنيئة يقصدها من أولئك النساء أرباب النفوس الدنيئات، بل وتدفع النفوس دفعًا تستغيث منه الفضيلة ويغضب له الواحد القهار. إن أولئك النساء زوجات وبنات وأخوات رجال يرونهن بأعينهم في الشوارع بتلك الحال يرونهن وليس لهم من الغيرة ما يفهم أنهم من صنف الرجال، وأمامهم يجرين الزينة التي يخرجن بها إلى تلك الميادين الملأى بالأنذال، وبعضهم يستصحب زوجته معه سافرة في الشوارع وربما فهم بعض الفساق أنه يتصيد لها وذلك يجري على ألسنة كثير منهم. أيها الأخ عصمنا الله وإياك وجميع المسلمين أنت أقوى عقلاً وأقوى دينًا من المرأة لا خلاف في ذلك إن لم يعصمك الله تتمنى أن يكون منك مع المرأة ما يكون إذا وقع نظرك على ما لها من بهاء وجمال فتأكد كل التأكد أن تمني المرأة أقوى من تمني الرجل إذا وقع نظرها على جميل من الرجال ولا تشك أنها بعد رؤيتها الجميل تتمنى فراقك إليه وربما دعت عليك نحن في جو موبوء بفساد الأخلاق، من تعرض له أصابه من ذلك الوباء ما يضيعه في دنياه وفي الدين.

стр. 486

فصن نساءك عن الخروج إليه إن أردت العافية وإلا فلا تلم إلا نفسك إذا أصبحت في عداد الضائعين والضائعات أنت ترى كل يوم ما يكون في الطرق لنساء غيرك فلا تشك أن نساءك يلاقين مثله وأشد منه وأي رجل يرضى أن تخرج نساؤه ليلعب بعفافهن وشرفهن من لا دين له ولا شرف ولا أخلاق، إن البهيم يغار ومعارك ذكور البهائم على إناثها معروفة، فلا تكن أقل غيرة من البهيم، ولولا أننا نرى بأعيننا مبلغ ضعف رجالنا أمام النساء ما صدقنا أن يستصحب الرجل زوجته سافرة راكبة أو غير راكبة تقدمه. أيها الأخ أنت الذي تلقى المشاق من حر وبرد وأنت مشغول بالكد لأجل جلب الرزق، يكون منك ذلك لتطعم المرأة وتكسوها وتنعم عليها ففضلك عليها كبير كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤] . وأنت أرجح منها عقلاً وأكمل دينًا، فمن الغلط أن تكون معها كالعبد المملوك يصرفه مولاه كيف شاء. وإذا كنت كما ذكر الله قوامًا عليها فأنت مسئول عنها لأنك راعيها والراعي مسئول عن رعيته، فأنت مثاب إن وجهتها إلى عمل الخير وآثم إن سكت عنها وهي تعمل أعمالاً ليست مرضية، فانظر ماذا عليك من الإثم في خروج زوجتك وما يترتب عليه من بلايا مرئية وغير مرئية، فحل بينها وبين ما تعلم أن فيه ضرر عليها وكل عمل يغضب ربك، وإلا فأنت شريك لها في كل ما لها من أوزار. اهـ. كل هذا سببه مخالطة ربائب الاستعمار الذين تشبهوا به وقلدوه في الأقوال والأفعال، وقلدهم كثير من نسائنا، وصدق المصطفى ﷺ حيث يقول: «لتركبن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو أن

стр. 487

أحدهم دخل جحر ضب لدخلتموه وحتى لو أن أحدهم جامع امرأته بالطريق لفعلتموه» ، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وهو حسبنا ونعم الوكيل» اهـ. اللهم احفظنا من المخالفة والعصيان ولا تؤاخذنا بجرائمنا وما وقع منا من الخطأ والنسيان واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ١٠٦- "موعظة " إخواني إن الغفلة عن الله مصيبة عظيمة قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩] . فمن غفل عن ذكر الله وألهته الدنيا عن العمل للدار الآخرة أنساه العمل لمصالح نفسه فلا يسعى لها بما فيه نفعها ولا يأخذ في أسباب سعادتها وإصلاحها وما يكملها وينسى كذلك أمراض نفسه وقلبه وآلامه فلا يخطر بباله معالجتها ولا السعي في إزالة عللها وأمراضها التي تؤول إلى الهلاك والدمار وهذا من أعظم العقوبات فأي عقوبة أعظم من عقوبة من أهمل نفسه وضيعها ونسي مصالحها وداءها ودواءها وأسباب سعادتها وفلاحها وحياتها الأبدية في النعيم المقيم ومن تأمل هذا الموضع تبين له أن كثيرًا من الخلق قد نسوا أنفسهم وضيعوها وأضاعوا حظها وباعوها بثمن بخس بيع المغبون ويظهر ذلك عند الموت ويتجلى ذلك كله يوم التغابن ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ [الشعراء: ٨٨] . يوم ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] إنها لحسرة على كل ذي غفلة دونها كل حسرة،

стр. 488

هؤلاء هم الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة. اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد ونسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك ونسألك أن تغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ١٠٧- "موعظة " عباد الله إن المؤمن بالله حقًا يبتعد عن المعاصي كما يبتعد عن النار فإذا زل مرة من المرات اضطربت أعصابه وجعل قلبه يخفق وأصابه ندم عظيم وكلما تذكر تلك الهفوة احمر وجهه خجلاً وهاجت عليه أحزانه وتذكر عصيانه لسيده ومولاه ولا يزال موجع القلب منكسره حتى يفارق الدنيا ويوارى في التراب. هذا هو المعروف عن المؤمن، ولا يعرف سواه في أهل الإيمان لأنهم يدركون تمامًا أنهم إن عصوا خالقهم ورازقهم أنهم سيندمون ويعاقبون إن لم يتوبوا إلى مولاهم، هذا ما كان عليه السلف الصالح ومن تبعهم، وانظر ما عليه أكثر الناس اليوم في هذا العصر المظلم من الجرأة على انتهاك محارم الله تتمثل أمامك حالهم بحالة قوم لا يؤمنون بثواب ولا عقاب تراهم قد أضاعوا الصلاة وأصروا على منع الزكاة إلا النوادر منهم تراهم يطاردون النساء في الأسواق ويشربون الدخان علنًا ويحلقون اللحا كذلك ويغشون في معاملاتهم تراهم أمام الملاهي والمنكرات ليلاً ونهارًا، تراهم يوالون أعداء الله ويعظمونهم تراهم لم يكتفوا بالمعاصي في بلادهم بل يذهبون إلى البلاد الأخرى، بلاد

стр. 489

الفسق والفجور والحرية وينفقون فيها الأموال الطائلة في ما يغضب الله الذي أغنى وأقنى ولكن ليعلم هؤلاء الفسقة أن الله لا يغفل عن أعمالهم السيئة وسوف تشهد عليهم بها الأرض والسماوات، ولا تبكي عليهم لا هذه ولا هذه يوم يتجرعون كأس الممات، ويشهد بها عليهم الملكان كاتب الحسنات، وكاتب السيئات، ويشهد بها عليهم الحفظة الذين يتعاقبون على حفظهم تعاقب الحراس ويشهد بها عليهم جوارحهم التي باشرت فعل المعاصي ويشهد بها خير شاهد وهو مولاهم جل وعلا الذي تستوي الشهادة عنده والغيوب، ويشهد بذلك عليهم كتب أعمالهم التي كل ما فعلوا بها مكتوب حتى إذا رأوها يوم القيامة وبدا لهم ما لم يكن لهم في حساب فزعوا وقالوا يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرًا ولا يظلم ربك أحد، كل هؤلاء يشهدون على العاصين بالمعاصي فيسجلون عليهم ما قدمته أيديهم وليس لذلك نتيجة إن لم يتوبوا إلا غضب الرب عليهم، وإلقاؤهم في دار المجرمين الجانين جهنم، وإذا كان الأمر هكذا فلماذا يفرح العصاة، ومن ورائهم جهنم التي لا تبقي ولا تذر. التي ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر. اللهم نور قلوبنا بنور الإيمان وثبت محبتك فيها وقوها وألهمنا ذكرك وشكرك وأرزقنا حب أوليائك وبغض أعدائك وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 490

١٠٨- "موعظة " عباد الله أخرج البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة» ، عباد الله إن هذا الحديث على إيجازه ليحتوي على وصية ثمينة من أبلغ الوصايا وأقيمها وأجلها وأنفعها فقد اشتمل على الأمر بحفظ عضوين عليهما مدار عظيم حقيقين بتعاهدهما بالرعاية والاستقامة والرقابة والصاينة ألا وهما اللسان والفرج ولا شك أنهما إن أطلق سراحهما في الشهوات واللذات وطرق الغي والفساد كانا أصلاً للبلاء والفتنة والشر والهلاك. وقال ﷺ : «من وقي شر قبقبه وذبذبه ولقلقه فقد وجبت له الجنة» ، الحديث أخرجه منصور الديلمي من حديث أنس ﵁ والقبقب البطن والذبذب الفرج واللقلق اللسان. فهذه الشهوات بها يهلك أكثر الخلق وسئل ﷺ عن أكثر ما يدخل النار فقال: «الأجوفان الفم والفرج» . فالعاقل من يبصر مواقع الكلام ويحفظ لسانه من الفضول والهذيان ولا يتعدى بفرحه زوجته وما ملكت يمينه. وقال ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» إذا فهمت ذلك فاعلم أن زلات اللسان عظيمة فزلة من زلاته قد تؤدي بالإنسان إلى الهلاك والعطب ومفارقة أهله وولده وأصدقائه وجيرانه فليحذر الإنسان مما يجري به لسانه. قال ﷺ : «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه

стр. 491

حتى يستقيم لسانه» الحديث. وعن سعيد بن جبير مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا أصبح ابن آدم أصبحت الأعضاء كلها تذكر اللسان أي تقول اتق الله فينا فإنك إن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا» . وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى أبا بكر الصديق ﵁ وهو يمد لسانه بيده فقال له ما تصنع يا خليفة رسول الله ﷺ قال: هذا أوردني الموارد إن رسول الله ﷺ قال: «ليس شيء من الجسد إلا يشكو إلى الله اللسان على حدته» . وعن ابن مسعود أنه كان على الصفا يلبي ويقول يا لسان قل خيرًا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم فقيل يا أبا عبد الرحمن أهذا شيء تقوله أو شيء سمعته فقال لا بل شيء سمعته، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أكثر خطايا ابن آدم في لسانه» . وقال ابن عمر قال رسول الله ﷺ : «من كف لسانه ستر الله عورته ومن ملك غضبه وقاه الله عذابه ومن اعتذر إلى الله قبل الله عذره» . وقال ﷺ : «إخزن لسانك إلا من خير فإنك بذلك تغلب الشيطان» . وقال ﷺ : «إذا رأيتم المؤمن صموتًا وقورًا فادنوا منه فإنه يلقن الحكمة» . وأخرجه ابن ماجه من حديث خلاد بلفظ «إذا رأيت الرجل قد أعطى زهدًا في الدنيا وقلة منطقة فاقتربوا منه فإنه يلقى الحكمة» . ولا تحسبن حفظ اللسان قاصرًا على الصمت في موضعه أو الكلام بل يتعدى إلى حفظه من طعام مشبوه أو حرام وإن من المعلوم أن اللسان هو

стр. 492

الوسيلة لمضغ ما يأكله المرء وقذفه في المعدة بيت الطعام ومستقره وليصنه من الزلل والحرام فهو خير له في عاقبة أمره. وأما حفظ الفرج فبترك التعدي على أعراض الناس وحرماتهم ووضعه في الحلال في الطرق المشروعة وكفه عن الزنا والحرام والزنا آفة وبيلة على المجتمع الإنساني وقد بينا مضاره في الجزء الثاني والله أعلم. نسأل الله أن يوقظ ولاتنا فيأخذوا على أيدي السفهاء منا ويزيل ما حدث من هذه المنكرات، وأن يوفقنا وجميع المسلمين لطاعته، ويتوفانا مسلمين، ويلحقنا بعباده الصالحين، ويغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، ويرحمنا برحمته إنه أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ١٠٩- "موعظة " عباد الله تغير الناس في أحوالهم الدينية تغيرًا يدهش الناظرين في زمن قليل، هذه الصلاة التي هي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين وهي عمود الإسلام قد أعرض عنها الكثير من الناس غير مبالين بذلك جهلوًا ما هي الصلاة وأي قيمة قيمتها وما منزلتها بين الطاعات، وما علموا أنها الصلة بين العبد وبين ربه ولذلك هي تطهر المصلي من جميع ذنوبه إذا اجتنبت الكبائر. كالزنا واللواط وأكل الربا. ويزيدك معرفة بها أن تعرف ما لها من متعلقات. ذلك أنه إذا توضأ لها ذهبت ذنوب أعضاء وضوئه مع ذهاب الماء فإذا تشهد بعد الوضوء فتحت له أبواب الجنة يدخل من أيها شاء فإذا مشى إلى المسجد كان له بكل خطوة

стр. 493

يخطوها تحط عنه خطيئة ورفع له درجة فإذا انتظر الصلاة فإنه لا يزال في صلاة. وأما المؤذنون فهم أطول الناس أعناقًا يوم القيامة ويشهد لهم كل ما يسمعهم حتى الأشجار والأحجار. ومن قال مثل ما يقول المؤذن ثم دعا عقبه وجبت له شفاعة النبي ﷺ ، وأما قم المسجد وتنظيفه فهو مهر الحور العين في الجنات ومن بنى له مسجدًا ولو كمفحص قطاة بني الله له بيتًا في الجنة. والخلاصة أن المؤمن بصلاته أبعد الناس من المحرمات والفواحش والزنا واللواط وشرب الخمر والدخان والميسر وقول الزور والسرقة والقتل والقذف وحضور آلات اللهو المذياع والتلفزيون والسينماء والبكمات وأبعد الناس عن الغش والربا والبخس والمكر والخداع وغيرهما مما يخل بالدين أو ينقص المروءة والشرف، إذ من غير المعقول أن من بلغ به حبه في الاستقامة أن يقف أمام سيده ومولاه الذي رباه وربى جميع العالمين بنعمه ويستهديه طريق الهداية وقد قدر ربه وركع له وسجد وحمده وأثنى عليه بما هو أهله وشكر له أن يرى بعد ذلك جوالاً في طرق الغواية والمآثم التي ينتابها الفساق الذين مردوا على الفجور وتفننوا فيه … صدق الله العظيم. ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] هذه من ثمرات الصلاة. اللهم انظمنا في سلك عبادك المفلحين ونجنا من لفحات الجحيم واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 494

١١٠- "موعظة " إعلموا وفقنا الله وإياكم وجميع المسلمين لما يحبه ويرضاه أنه شرع لهذه الأمة الاجتماع للعبادة في أوقات معلومة، فمنها ما هو في اليوم والليلة للمكتوبات ومنها ما هو في الأسبوع وهو صلاة الجمعة ومنها ما هو في السنة متكرر وهو صلاة العيدين لجماعة كل بلد ومنها ما هو عام في السنة وهو الوقوف بعرفة، وذلك لأجل التواصل والتوادد والتعاون والتآخي والتآلف والتعارف والتعاطف والتراحم، وقوة للرابطة بين المسلمين، ومضاعفة الأجر بالاجتماع، وكثرة الخطى، ولتعليم الجاهل لأحكام الصلاة. فصلاة الجماعة هي المتكرر يوميًا الاجتماع لها في المساجد وهي واجبة وجوب عين على الرجال القادرين حضرًا وسفرًا حتى في شدة الخوف لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] . وقال تعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا﴾ [البقرة: ٢٣٩] . وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا. ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم في النار» . متفق عليه. وعن أبي هريرة أن رجلاً أعمى قال يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له فيصلي في بيته فرخص له فلما

стр. 495

ولى دعاه فقال هل تسمع النداء قال: نعم قال: فأجب. رواه مسلم والنسائي. وروى أبو داود عن عمرو ابن أم مكتوم أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن المدينة كثيرة الهوام والسباع وأنا ضرير البصر شاسع الدار ولي قائد لا يلائمني فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي فقال النبي ﷺ : «هل تسمع النداء قال نعم. قال فأجب فإني لا أجد لك رخصة» فهذا رجل ضرير شكا ما يجد من المشقة في مجيئه إلى المسجد وليس له قائد يقوده إليه ومع هذا لم يرخص له النبي ﷺ في الصلاة في بيته فكيف بمن يكون صحيح البصر متوفرة الأنوار في طريقه وهو آمن على نفسه وأهله وماله. ومع ذلك لا يجيب داعي الله الذي خلقه ورزقه وأعطاه وأقناه ووعده إن أطاعه بجميع ما تطلبه نفسه وتمناه، وهدد وتوعد من عصاه واتبع هواه. وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر» . وأخرج الحاكم في مستدركه عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لعنهم الله، من تقدم قومًا وهم له كارهون وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط ورجل سمع حي على الصلاة حي على الفلاح ثم لم يجب» . وحديث «لا صلاة لجار المسجد إلا بالمسجد» روي مرفوعًا وموقوفًا. عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «من سمع النداء فلم يمنعه من إتباعه عذر قالوا وما العذر قال خوف أو مرض لم تقبل منه الصلاة التي صلى» . وعن معاذ بن أنس عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الجفاء كل الجفاء والكفر والنفاق من سمع منادي الله ينادي إلى الصلاة فلا يجيبه» رواه أحمد والطبراني.
следующие страницы →