Полный текст (1 102 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
حتى يستقيم لسانه» الحديث.
وعن سعيد بن جبير مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا أصبح ابن آدم أصبحت الأعضاء كلها تذكر اللسان أي تقول اتق الله فينا فإنك إن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا» .
وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى أبا بكر الصديق ﵁ وهو يمد لسانه بيده فقال له ما تصنع يا خليفة رسول الله ﷺ قال: هذا أوردني الموارد إن رسول الله ﷺ قال: «ليس شيء من الجسد إلا يشكو إلى الله اللسان على حدته» .
وعن ابن مسعود أنه كان على الصفا يلبي ويقول يا لسان قل خيرًا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم فقيل يا أبا عبد الرحمن أهذا شيء تقوله أو شيء سمعته فقال لا بل شيء سمعته، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أكثر خطايا ابن آدم في لسانه» .
وقال ابن عمر قال رسول الله ﷺ : «من كف لسانه ستر الله عورته ومن ملك غضبه وقاه الله عذابه ومن اعتذر إلى الله قبل الله عذره» .
وقال ﷺ : «إخزن لسانك إلا من خير فإنك بذلك تغلب الشيطان» . وقال ﷺ : «إذا رأيتم المؤمن صموتًا وقورًا فادنوا منه فإنه يلقن الحكمة» .
وأخرجه ابن ماجه من حديث خلاد بلفظ «إذا رأيت الرجل قد أعطى زهدًا في الدنيا وقلة منطقة فاقتربوا منه فإنه يلقى الحكمة» .
ولا تحسبن حفظ اللسان قاصرًا على الصمت في موضعه أو الكلام بل يتعدى إلى حفظه من طعام مشبوه أو حرام وإن من المعلوم أن اللسان هو
стр. 492
الوسيلة لمضغ ما يأكله المرء وقذفه في المعدة بيت الطعام ومستقره وليصنه من الزلل والحرام فهو خير له في عاقبة أمره.
وأما حفظ الفرج فبترك التعدي على أعراض الناس وحرماتهم ووضعه في الحلال في الطرق المشروعة وكفه عن الزنا والحرام والزنا آفة وبيلة على المجتمع الإنساني وقد بينا مضاره في الجزء الثاني والله أعلم.
نسأل الله أن يوقظ ولاتنا فيأخذوا على أيدي السفهاء منا ويزيل ما حدث من هذه المنكرات، وأن يوفقنا وجميع المسلمين لطاعته، ويتوفانا مسلمين، ويلحقنا بعباده الصالحين، ويغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، ويرحمنا برحمته إنه أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
١٠٩- "موعظة "
عباد الله تغير الناس في أحوالهم الدينية تغيرًا يدهش الناظرين في زمن قليل، هذه الصلاة التي هي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين وهي عمود الإسلام قد أعرض عنها الكثير من الناس غير مبالين بذلك جهلوًا ما هي الصلاة وأي قيمة قيمتها وما منزلتها بين الطاعات، وما علموا أنها الصلة بين العبد وبين ربه ولذلك هي تطهر المصلي من جميع ذنوبه إذا اجتنبت الكبائر. كالزنا واللواط وأكل الربا.
ويزيدك معرفة بها أن تعرف ما لها من متعلقات. ذلك أنه إذا توضأ لها ذهبت ذنوب أعضاء وضوئه مع ذهاب الماء فإذا تشهد بعد الوضوء فتحت له أبواب الجنة يدخل من أيها شاء فإذا مشى إلى المسجد كان له بكل خطوة
стр. 493
يخطوها تحط عنه خطيئة ورفع له درجة فإذا انتظر الصلاة فإنه لا يزال في صلاة.
وأما المؤذنون فهم أطول الناس أعناقًا يوم القيامة ويشهد لهم كل ما يسمعهم حتى الأشجار والأحجار.
ومن قال مثل ما يقول المؤذن ثم دعا عقبه وجبت له شفاعة النبي ﷺ ، وأما قم المسجد وتنظيفه فهو مهر الحور العين في الجنات ومن بنى له مسجدًا ولو كمفحص قطاة بني الله له بيتًا في الجنة.
والخلاصة أن المؤمن بصلاته أبعد الناس من المحرمات والفواحش والزنا واللواط وشرب الخمر والدخان والميسر وقول الزور والسرقة والقتل والقذف وحضور آلات اللهو المذياع والتلفزيون والسينماء والبكمات وأبعد الناس عن الغش والربا والبخس والمكر والخداع وغيرهما مما يخل بالدين أو ينقص المروءة والشرف، إذ من غير المعقول أن من بلغ به حبه في الاستقامة أن يقف أمام سيده ومولاه الذي رباه وربى جميع العالمين بنعمه ويستهديه طريق الهداية وقد قدر ربه وركع له وسجد وحمده وأثنى عليه بما هو أهله وشكر له أن يرى بعد ذلك جوالاً في طرق الغواية والمآثم التي ينتابها الفساق الذين مردوا على الفجور وتفننوا فيه … صدق الله العظيم.
﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] هذه من ثمرات الصلاة.
اللهم انظمنا في سلك عبادك المفلحين ونجنا من لفحات الجحيم واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 494
١١٠- "موعظة "
إعلموا وفقنا الله وإياكم وجميع المسلمين لما يحبه ويرضاه أنه شرع لهذه الأمة الاجتماع للعبادة في أوقات معلومة، فمنها ما هو في اليوم والليلة للمكتوبات ومنها ما هو في الأسبوع وهو صلاة الجمعة ومنها ما هو في السنة متكرر وهو صلاة العيدين لجماعة كل بلد ومنها ما هو عام في السنة وهو الوقوف بعرفة، وذلك لأجل التواصل والتوادد والتعاون والتآخي والتآلف والتعارف والتعاطف والتراحم، وقوة للرابطة بين المسلمين، ومضاعفة الأجر بالاجتماع، وكثرة الخطى، ولتعليم الجاهل لأحكام الصلاة.
فصلاة الجماعة هي المتكرر يوميًا الاجتماع لها في المساجد وهي واجبة وجوب عين على الرجال القادرين حضرًا وسفرًا حتى في شدة الخوف لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] . وقال تعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا﴾ [البقرة: ٢٣٩] .
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا. ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم في النار» . متفق عليه.
وعن أبي هريرة أن رجلاً أعمى قال يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له فيصلي في بيته فرخص له فلما
стр. 495
ولى دعاه فقال هل تسمع النداء قال: نعم قال: فأجب. رواه مسلم والنسائي.
وروى أبو داود عن عمرو ابن أم مكتوم أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن المدينة كثيرة الهوام والسباع وأنا ضرير البصر شاسع الدار ولي قائد لا يلائمني فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي فقال النبي ﷺ : «هل تسمع النداء قال نعم. قال فأجب فإني لا أجد لك رخصة» فهذا رجل ضرير شكا ما يجد من المشقة في مجيئه إلى المسجد وليس له قائد يقوده إليه ومع هذا لم يرخص له النبي ﷺ في الصلاة في بيته فكيف بمن يكون صحيح البصر متوفرة الأنوار في طريقه وهو آمن على نفسه وأهله وماله.
ومع ذلك لا يجيب داعي الله الذي خلقه ورزقه وأعطاه وأقناه ووعده إن أطاعه بجميع ما تطلبه نفسه وتمناه، وهدد وتوعد من عصاه واتبع هواه.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر» . وأخرج الحاكم في مستدركه عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لعنهم الله، من تقدم قومًا وهم له كارهون وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط ورجل سمع حي على الصلاة حي على الفلاح ثم لم يجب» . وحديث «لا صلاة لجار المسجد إلا بالمسجد» روي مرفوعًا وموقوفًا.
عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «من سمع النداء فلم يمنعه من إتباعه عذر قالوا وما العذر قال خوف أو مرض لم تقبل منه الصلاة التي صلى» .
وعن معاذ بن أنس عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الجفاء كل الجفاء والكفر والنفاق من سمع منادي الله ينادي إلى الصلاة فلا يجيبه» رواه أحمد والطبراني.
стр. 496
وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية» . رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: «ما بال أقوال يتخلفون عن الصلاة فيتخلف لتخلفهم آخرون لأن يحضروا الصلاة أو لأبعثن عليهم من يجافي رقابهم» . وقال ابن مسعود ﵁: «من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث يُنادى بهن فإن الله تعالى شرع لنبيكم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق» .
وقال أبو هريرة ﵁: «لأن تمتلئ أذن ابن آدم رصاصًا مذابًا خير له من أن يسمع حي على الصلاة حي على الفلاح ثم لم يجب» . وسئل ابن عباس ﵄ عن رجل يقوم الليل ويصوم النهار وهو لا يشهد الجمعة والجماعة فقال هو في النار ولما كان عتاب بن أسيد ﵁ واليًا للنبي ﷺ على أهل مكة فسمع برجال يتخلفون عن الصلاة في المساجد جماعة فقال يا أهل مكة والله لا أسمع برجال يتخلفون عن الصلاة في الجماعة في المساجد إلا ضربت أعناقهم فعلم الصحابة ﵃ بذلك فزاده رفعة عندهم وارتفع قدره.
وصلاة العشاء والفجر في جماعة أشد تأكيدًا لما ورد عن عثمان بن عفان ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلى العشاء في
стр. 497
جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله» رواه مسلم.
وفي رواية الترمذي عن عثمان بن عفان ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «من شهد العشاء في جماعة كان له قيام نصف ليلة ومن شهد العشاء والفجر في جماعة كان له كقيام ليلة» قال الترمذي حديث حسن صحيح.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا» متفق عليه. وعنه قال قال رسول الله ﷺ : «ليس صلاة أثقل على المنافقين من صلاة الفجر والعشاء ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا» متفق عليه.
وروي عن أبي أمامة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «من صلى العشاء في جماعة فقد أخذ بحظه من ليلة القدر» رواه الطبراني في الكبير.
وعن جندب القسري قال قال رسول الله ﷺ : «من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه على وجهه في نار جهنم» رواه مسلم.
اللهم اعطنا من الخير فوق ما نرجو واصرف عنا من السوء فوق ما نحذر. اللهم علق قلوبنا برجائك واقطع رجاءنا عمن سواك. اللهم إنك تعلم عيوبنا فاسترها وتعلم حاجاتنا فاقضها كفى بك وليًا وكفى بك نصيرًا يا رب العالمين اللهم وفقنا لسلوك سبيل عبادك الأخيار واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 498
١١١- "موعظة "
عباد الله ما أحسن أن يعيش المرء قانعًا بما رزقه الله في هذه الحياة فلا يمد بصره إلى ما في أيدي الناس ولا تتطلع نفسه إلى سلب حقوق الناس أو ظلمهم والاعتداء على ما وهب الله لهم من نعم جسام فإن القانع يشعر ويحس بسكينة وطمأنينة كما يشعر بأنه غني عن كل الخلق قال الشاعر:
إِذَا كُنْتَ في الدُّنْيَا قَنُوعًا … فَأَنْتَ وَمَالِكُ الدُّنْيَا سَوَاءُ
وذلك أن له نفسًا راضية بما قسم الله آمنة مطمئنة لم يتسرب إليها الجشع والطمع اللذان هما من أقبح القبائح وأسوأ الشمائل ولا يزال صاحب هذين أو أحدهما إلا وهو مذموم وبأقبح الصفات موسوم لا تعرض له القناعة ولو كانت الدنيا بأسرها له. قد ملأ حبها قلبه وغمر محبتها والتفاني في طلبها قلبه وصار لا يرضى منها باليسير ولا يقنع بالكثير وقلما تجد متصفًا بهذا الوصف إلا وهو متشتت الفكر قليل الراحة عنده من الحسد والهلع وضعف التوكل على الله الشيء الكثير الذي يخشى عليه مع استدامته معه من سوء الخاتمة.
أما القانع ذو النفس الأبية الراضية المطمئنة المتوكلة على الله فيرجى لها أن تنالها الآية الكريمة: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] .
قال ﷺ : «من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه معه قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها» .
وقال ابن مسعود –﵁ ما من يوم إلا ينادي فيه ملك من
стр. 499
تحت العرش يا ابن آدم قليل يكفيك خير من كثير يطغيك.
وقال بعض العلماء: أطيب العيش القناعة وأنكد العيش الجشع ومن الأخلاق الذميمة التي تجعل الإنسان بخيلاً بما في يده متطلعًا لما في أيدي الناس الحرص والإفراط في حب الدنيا وجمعها ولو أدى ذلك إلى إهدار الكرامة وإراقة ماء الوجه فالحذر عباد الله من الحرص على الدنيا فإن حبها رأس كل خطيئة.
١١٢- "موعظة "
عباد الله إن الدنيا قد آذنت بفراق فيا ويح من كان بها جل اشتغاله، كيف يطمئن العاقل إليها مع تحققه بدنو ارتحاله. كيف ينخدع اليوم ببوارقها من هو غدًا مرتهن بأعماله كيف يغتر فيها بإمهاله، وإمهاله لم ينشأ إلا عن إهماله.
كيف يبيت آمنًا في توسع آماله. وهو لا يدري ما يطرق من بغتة آجاله.
فما ترون طيف الشبيبة قد رحل كثيرًا ما حل بالشباب المنون.
أما ترون الشيب قد نزل وقبيح مع الشيب المجون. أما ترون سيف الأجل قد قطع الأمل فإلى متى تؤملون في البقاء وتطمعون.
أما ترون رياح الرحيل تهب في كل منزل وسبيل فلم لا تركبون سفن التوبة وتقلعون.
أما ترون أشراط الساعة في كل حال تنادي بفصيح المقال يا أهل الدنيا
стр. 500
لا مقام لكم فإلى متى لا ترجعون. هل الأعمار في الاعتبار إلا أعوام. وهل الأعوام إلا أيام، وهل الأيام إلا ساعات كالسفن ينادي لسان سيرها يا أهل الدنيا لا مقام. وهل الساعة إلا أنفاس تحصيها الحفظة بأمر الملك العلام.
فمن كان هذا أساسه كيف يفرح بدار عمارها في الحقيقة خراب.
فالسعيد من أضمر نفسه من المحو وأخف ظهره من الأوزار والتبعات واعتبر بمن مضى من الأمم الماضية أولي النجدة والهمم العالية.
نثر والله سلكهم بعد انتظامه. وتفرق شملهم بعد التئامه وعادوا كمن مضى من الأقران كأنما يقظتهم كانت منام. هكذا الدنيا ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] .
فرحم الله عبدًا أقبل على الباقي وأعرض عن الفاني من الحطام. وجعل لشارد النفس من التقوى أقوى زمام. واجتنب الظلم فإن الظلم يخرج من النور إلى الظلام. فنسألك اللهم توفيقًا يقربنا من الحلال ويبعدنا عن الحرام. وطريقًا إلى الخيرات لنتمسك بالزمام. وأمنا يوم الفزع الأكبر يبلغنا غاية المنى. قال الله جل وعلا: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣] . والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 501
فائدة جليلة
إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده يحمل الله سبحانه حوائجه كلها وحمل عنه كل ما أهمه، وفرغ قلبه لمحبته ولسانه لذكره وجوارحه لطاعته وإن أصبح وأمسى والدنيا همه حمله الله همومها وغمومها وأنكادها ووكله إلى نفسه فشغل محبته بمحبة الخلق ولسانه عن ذكره بذكرهم وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم.
فهو يكدح كدح الوحش في خدمة غيره كالكير ينفخ بطنه ويعصر أضلاعه في نفع غيره فكل من أعرض عن عبودية الله وطاعته ومحبته بلي بعبودية المخلوق ومحبته وخدمته قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] . اهـ.
اللهم ثبت قلوبنا على الإيمان ووفقنا لصالح الأعمال، اللهم تفضل علينا بالقبول والإجابة وارزقنا صدق التوبة وحسن الإنابة، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 502
١١٣- خطبة: توسيد الأمر إلى غير أهله
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله ناصر الأمناء المتقين، ومؤيد الأوفياء المخلصين، أحمده سبحانه لا أحصي ثناء عليه، وأستغفره وأتوب إليه، وأسأله تعالى أن يجعلنا ممن إذا سمعوا القول عقلوه واتبعوا أحسنه، وبلغوه كما سمعوه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له. قال في كتابه الكريم مخاطبًا ولاة الأمور خصوصًا، وسائر الأمة عمومًا: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] . وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله صلى الله وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد - فيا عباد الله- لقد أرسل الله محمدًا بن عبد الله، صلوات الله وسلامه عليه، هاديًا ومبينًا للناس ما نزل إليهم، أرسله إكرامًا لهذه الأمة، ورحمة للعالمين، أرسله ليعلم الناس شرع الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
وإن مما جاء به شرع الله، ونادت بمراعاته والاهتمام به رسل الله تحرى الأفضل والأمثل والأرضى لله في أمر الولاية أيا كان من إمامة عظمى، أو وزارة، أو رئاسة، أو إمارة، أو قضاء، أو إدارة أعمال، أو نظارة وقف، أو إمامة صلاة ونحو ذلكم، ومن تتبع وقائع التاريخ قديمًا وحديثًا، وما جاء به الإسلام في أمر الولاية، علم علم اليقين أن راحة الأمة وسعادتها واستقرارها، بل وضمان بقاء مُثُلها العالية، ومبادئها السامية، متوقف على أن يلي أمرها
стр. 503
خيارها، وخيار أهل الإسلام أقواهم إيمانًا، وأرضاهم لله، وأبعدهم عن الخيانة والغش والمحاباة، وأن شقاءها واضطرابها وفقدان الثقة بها مقرون بإسناد أمورها، وتحميل أعبائها إلى من لا يصلح لحملها، ولا غرو فإعطاء المناصب الهامة لأمناء أكفاء، ذوي غيرة للحق، وحماية للعقائد، وإخلاص للأمة، يؤمن الناس على دمائهم وأموالهم، ومحارمهم وأعراضهم وجميع شئونهم، ويجعل صاحب الحق يطمع في عدل بلاده، وذا الكفاءة يخلص في عمله، وذا الشر ينقبع في مكمنه.
وإن تولية من لم يراقب الله، ولم يعهد منه غيرة ظاهرة للعقيدة السلفية، والأخلاق الفاضلة، أو من علم فيه ضُعف أو خور أو خيانة أو غش أو محاباة، أو عدم اهتمام واكتراث بما أنيط به من عمل على ثغر من ثغور أهل الإسلام، ولا سيما ما له صلة بالعقيدة كالتعليم، أو بصلب الحكم كالقضاء ونحوه.
إنما ذلكم غش للأمة، وخيانة لهان وإجرام في حقها، وسعي في إضاعة مصالحها، بل وغرس للأحقاد والضغائن والبغض في نفوس مفكريها، وذوي الغيرة لها، إن لم تكن الطامة الكبرى وهي القضاء على مقوماتها الروحية، ومثلها العليا؛ عياذًا لأمة الإسلام -بالله- من ذلك.
فاتقوا الله، عباد الله، ليتقوا الله من ائتمنهم الله على شيء من ثُغور المسلمين، فإنهم بولايتهم، صغار الولاة أو كبار، إن صلحوا ووفوا واستعملوا في مهام الأمور الأقوياء الأمناء، عزت البلاد واستقام أمرها، وعظم سلطان ولاتها على النفوس، ومشي الناس من ورائهم سعيًا إلى الخير، إذ أن صلاح الوالي من أقوى العوامل في صلاح من تحته؛ فتأثير الرؤساء على المرؤوسين له
стр. 504
خطره الأكبر وأثره العظيم في حياة الأمة، فالناس -كما في المثل- "على دين ملوكهم" وفي الحكم: "الولاة كالسوق يجلب له ما نفق فيه" فإن نفق الخير عند الوالي، أيا كان مقامه، سعى من حوله في فعل الخير تأسيًا به؛ وإن كانت الثانية وهي فساد الولاة وتولية غير الأكفاء فعلى أمة الإسلام السلام والويل كل الويل لقوم تحلوا بهذه الصفة. يُروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من استعمل رجلاً على عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين» . ويروى عن يزيد بن أبي سفيان قال: قال لي أبو بكر ﵁ حين بعثني إلى الشام: يا يزيد إن لك قرابة عسيت أن تؤثرهم بالإمارة وذلك أكثر ما أخاف عليك بعدما قال رسول الله ﷺ : «من ولي من أمر المسلمين شيئًا فأمر عليهم أحدًا محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلاً حتى يدخله جهنم» . وروى البخاري ومسلم عن معقل بين يسار قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة» . وروى البخاري أن رسول الله ﷺ سأله رجل عن الساعة؟ فقال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: ومتى تضيع؟ قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» . ويقول أصدق القائلين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:: ٢٧، ٢٨] .
أقول قولي هذا، وأسأل الله أن ينصر ولاة أمور المسلمين وأن يصلحهم ويصلح بطانتهم ويرزقهم الأعوان المخلصين. إنه تعالى نعم
стр. 505
المولى ونعم النصير.
١١٤- (خطبة)
ما لولاة الأمور وما عليهم من حق
الحمد لله الذي بنعمته اهتدى المهتدون، وبعدله ضل الضالون، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله صلى الله وبارك عليه وعلى آل وأصحابه وأتباعه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد -فيا عباد الله- لقد جاء دين الإسلام إكرامًا للبشرية ورحمة بها، جاء ليرتب وينظم أمور الناس، مادية وروحية، ويقيمها على أسس إصلاحية وقواعد ثابتة، جاء ليبين أسباب العطب. وإن مما أوضحه وأبانه الإسلام علاقة الإنسان بربه، وعلاقة الإنسان بنبيه ﷺ ، وعلاقته بأميره ورئيسه، يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] ، والمراد بأولي الأمر كل من له ولاية شرعية، سواء كان الإمام العام، أو العالم الروحي، أو الأمير، أو الرئيس الخاص بالإنسان.
عباد الله؛ إن الله جلت قدرته قد أوجب لولاة الأمور الشرعيين بهذه الآية، وما في معناها، حقًا عظيمًا؛ بالقيام به تسعد الأمة الإسلامية، ويستتب لها الأمن، ويسود السلام، أوجبه من هو عالم بأسرار الكون، وطبائع البشر التي لا تصلح ولن تصلح بدون إمام أو مع إمام منازع؛ أوجبه حفاظًا على الحياة الاجتماعية ورعاية، وحماية لها من فوضى الجاهلين، وطيش المفسدين،
стр. 506
إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، أوجبه وجعله طاعة له سبحانه وقربه إليه، طاعة مؤكدة معروفة يجب الإتيان بها في العسر واليسر، والمنشط والمكره والاستبداد، إلا إذا أمر الإنسان بمعصية الله، أو فوق المستطاع، فلا سمع ولا طاعة إذًا لمخلوق في معصية الخالق، يقول ﷺ : «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» ، وإن شيئًا –يا عباد الله- أمر الله به ورتب عليه سبحانه مصلحة عظمى في الدنيا، وأجرًا مضاعفًا في الآخرة، لجدير بأن يكون موضع رعاية المؤمن واهتمامه.
فاتقوا الله – أيها المسلمون – وتقربوا إلى الله بما أمركم به من طاعة ولاة الأمور، ومن الدعاء لهم، والتعاون معهم، والصبر عليهم، ما أطاعوا الله ورسوله وأقاموا شعائر دينه، فما نزعت يد من طاعة إلا صافحها الشيطان وعرضها لفتنة عمياء، وحوت جاهلية جهلاء، والعاقل يدرك خطورة عصيان الأئمة الشرعيين، وما تأتي به منازعتهم أو الخروج عليهم من شر، وما يترتب على ذلك من مفاسد عظمى لا يعلم مداها – على الحقيقة- إلا الله سبحانه، وتفاديًا لهذا الشر، ودرءًا له عن الأمة الإسلامية، قال هادي البشرية ﵊: «من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة فمات، فميتته جاهلية» وقال: «اسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة» . وروي البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت –﵁ قال: "بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله". قال –يعني رسول الله- «إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان» .
стр. 507
يا عباد الله، يا من في أيديهم شيء من ولاية، إن الحكم العدل سبحانه، كما أوجب لكم حقًا على من لكم عليه ولاية، وأمره باحترامه والقيام به، فكذلكم أوجب عليكم حقًا لمرؤوسيكم ومن في سلطانكم، ومن تحت رعايتكم، وآذنكم بخطورته، وعظم مسؤوليته على لسان رسوله بقوله ﷺ : «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته» . فاتقوا الله فيما استرعاكم الله فيه، وأدوا ما أوجبه الله عليكم من حقوق مرؤوسيكم ورعاياكم تكونوا من خير الأمة الذين قال الرسول فيهم ﷺ : «إن خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم» وتبتعدوا عمن عناهم ﷺ بقوله: «وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم» .
وإن أعظم تلكم الحقوق إقامة العدل بينهم، والإحسان بهم، وخفض الجناح لمؤمنهم؛ يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] . ويقول: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] . ويقول: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] . كما وأن من حق الرعية عليكم أن تحوطوهم بالنصح، وأن تسعوا بإخلاص وجد فيما يجلب لهم النفع، ويدرأ عنهم الضرر، وأن تتجنبوا كل ما يثير نفوس أفراد الرعية، ويعرضهم للحقد والمنازعة كالاستئثار بالمصالح، ومعاملتهم بالشدة والقسوة، وتكليفهم ما يعنتهم ويشق عليهم ونحو ذلك، مما يسبب بغض الرعية للراعي، ويعرضه للمنازعة في الدنيا، وللعذاب الأليم في الآخرة. يقول ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم: «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة» .
стр. 508
وفي رواية لمسلم: «ما من أمير يلي أمور المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح، إلا لم يدخل معهم الجنة» .
وروي عن عائذ بن عمرو، ﵁ أنه دخل على عبيد الله بن زياد، فقال: أي بني: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن شر الرعاة الحطمة، وإياك ان تكون منهم» ، والحطمة هو الشديد الغليظ القاسي، قليل الرحمة والشفقة والحنان، ويقول مستجاب الدعوة ﷺ «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فأشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فأرفق به» .
أقول قولي هذا، وأسأل الله تعالى أن يوفق ولاة أمور المسلمين، حماة الإسلام لما فيه صلاح دينهم ورعاياهم. إنه تعالى مسئول، غفور رحيم.
١١٥- موعظة وذكرى
الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير، أحمده سبحانه وأتوكل على الحي الذي لا يموت وأسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، فيقول الله : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الروم٤٠] .
стр. 509
عباد الله لقد أوجدنا الله ﵎ في هذه الدنيا من عدم وأسدى إلينا تعالى فيها ألوانًا شتى من أنواع النعم وأبلغنا فيها بأوامر وزواجر، وأخبرنا أننا سنموت بعد الميتة التي كتبها تعالى علينا ثم سيحيينا بعد حياة البعث والنشور والجزاء والحساب والثواب والعقاب على ما كان لتلكم الأوامر والنواهي من أصداء وآثار في نفوسنا وواقع حياتنا ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ٢] .
ولقد أنذرنا بذلكم، أنذر الزمان ووعظتنا به من قبل مواعظ القرآن التي كثيرًا ما تقرع أسماعنا قرعًا والتي لو أنزلت على جبل لرأيتموه خاشعًا متصدعًا يقول سبحانه: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ * فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ *﴾ [القارعة: ١-١١] . ويقول: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] . فهل من مذكر أيها الأخوة فلقد جاءنا – وايم الله- من الأنباء ما فيه مزدجر، جاءنا ما ينذر بتصرم الأيام وتقصم الأعمار قيد المنون كما تشاهدون مرسلة آناء الليل وآناء النهار –جاءنا ما ينذر ويذكر بنهاية كل منا، ورجوعه إلى الله ومساءلة الله له عما ولاه فيه مهما طال عمره أو كان أمره ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٧] ، ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٦] . ولا عجب أيها الأخوة، فلكم
стр. 510
شهدت الدنيا كثيرًا وكثيرًا ممن عمروها أكثر مما عمرناها نحن من كانوا فيها أعزة أقوياء أغنياء قادرين على كثير مما يشاءون من إصلاح وأمر ونهي فتعجلتهم أحداثها قبل ذلك، أو طوتهم المنون فحيل بينهم وبين ما يشتهون لا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون وأصبحوا مرتهنين ينتظرون وضع الموازين من لدن أحكم الحاكمين وأعدل العادلين الذي لا يظلم مثقال ذرة ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء: ٤٠] . والذي يقول وقوله الحق: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] .
وكم شهدنا نحن وفقدنا من أقران كانوا بالأمس معنا زينة المجالس وبهجة القلوب وأنس النفوس، يذكروننا بالله وأيامه قد ضمتهم اللحود وخلت منهم ثغر الإصلاح ومواطن الدعوة ومواقع الركوع والسجود، ولو نطقوا لقالوا إخواننا تزودوا فإن خير الزاد التقوى فنحن سلفكم وأنتم في الأثر ولقد جاءكم من الأنباء ما فيه مزدجر.
فاتقوا الله –عباد الله- وتذكروا يوم النقلة والرجوع إلى الله وماذا ستقدمون عليه به، يوم أن تودعوا الثرى ويتخلى عنكم الأهل والأصدقاء يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون، يوم يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى يقول يا ليتني قدمت لحياتي تذكروا ذلكم دائمًا تذكر من يريد إصلاح ما به من فساد، والاستزادة كثيرًا مما هو فيه من خير وبر وهدى ورشاد. وخذوا من قوتكم وعزكم لضعفكم وذلكم خذوا من سعتكم وغناكم لضيقكم وفقركم خذوا من عافيتكم وحياتكم لبلائكم
стр. 511
وموتكم، خذوا ليوم تعنو فيه الوجوه للحي القيوم، ويخيب فيه من حمل ظلمًا فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار يقول تعالى وقوله الحق: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١] . ونستغفرك اللهم ونتوب إليك.
١١٦- موعظة وتذكير بحاجة المسلم إلى ما يقدمه لغيره
الحمد لله الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء والظاهر الذي ليس فوقه شيء والباطن الذي ليس دونه شيء، أحمده سبحانه خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فإن الله جلت قدرته وتعالت أسماؤه بحكمة بالغة وقدرة باهرة أوجدنا في هذه الدنيا من عدم أوجدنا فيها لا للدوام والبقاء ولكن للموت والفناء ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] .
стр. 512
لدوا للموت وابنوا للخراب … فكلكم يصير إلى تباب
فما من نفس في هذه الدنيا إلا وهي ذائقة الموت مهما طال عمرها أو عظم شأنها أو كثر مالها وولدها ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٧] . وإن الله قد أعلمنا بسر هذا الإيجاد وحكمته في هذه الدنيا الفانية وما يتطلبه الانتقال منها بعد إلى الآخرة الباقية بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] . وقوله في الحديث القدسي الذي رواه الإمام مسلم ﵀ عن أبي ذر الغفاري ﵁ عن رسول الله ﷺ : «إنه ﵎ قال: يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي لو أن أو لكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرًا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» .
وإنه ليجدر بالعاقل الذي علم أنه أوجد في هذا الكون لحكمة وأنه سيموت بعد هذا الإيجاد ولا يدري في أي أرض أو في أي ساعة يموت، وأنه سوف لا ينفعه ويصحبه إذا انتقل من هذا العالم الدنيوي الفاني إلى ذلكم العالم الأخروي الباقي إلا ما قدمه في حياته من أعمال بر وخير وهدى، أن ينظر دائمًا نظر المستزيد إلى ما قدمه لغده، إلى ما ينفعه عند الله ما دام حيًا
стр. 513
سويًا قادرًا صحيحًا شحيحًا يخشى الفقر ويأمل الغنى امتثالاً لأمر الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨] . ﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ: ٤٠] . ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] . وقول رسول ﷺ : «إذا مات ابن آدم تبعه ثلاثة ماله وأهله وعمله فيرجع اثنان المال والأهل ويبقى واحد وهو العمل» ، «إذا مات ابن آدم قالت الملائكة: ما قدم وقال الناس: ما أخر» .
وقوله: «من ماله أحب إليه من مال وارثه» قالوا: "كلنا ماله أحب إليه من مال وارثه قال: «مال أحدكم ما قدم ومال وارثه ما أخر» .
فاتقوا الله أيها المسلمون، وأطيعوا الله فيما أمركم به من تقواه، أطيعوه فيما أمركم به من النظر إلى ما قدمت وتقدمونه لغدكم أطيعوا الله فيما أمركم به من المسارعة والمسابقة في الأعمال الصالحة والاستزادة منها، ووجهوا أنفسكم دائمًا لذلك وألزموها وعظوها وذكروها بآثارها ونفعها عند الله سبحانه ذكروها بأن الموت قد لا يمهلها لتعمل ما تنوي عمله فقد يكون أقرب إليها وقت التفكير فيه من شراك نعلها أو حبل وريدها، وأنها سوف لا تنقل معها إذا انتقلت إلى الآخرة بما شيدته في هذه الدنيا من قصور ولا بما جمعته فيها من أموال ولا بما ولته فيها من ولاية ولا بشيء مما التذت به فيها من متع الحياة ولو جمع لها فيها ما ذكر في قول الله سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤] . ولكنها ستنتقل وحيدة بالحالة التي خرجت على الدنيا بها من بطن أمها، مخلفة لما جمعت فيها من أموال مكدسًا وراءها، يتقدمها إلى الآخرة حسابه وإثمه إن كانت آثمة فيه ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء
стр. 514
ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] . وإن الشأن في هذه الدنيا ليس هو تحصيل شيء من متع الحياة حتى ولو جمع للإنسان فيها ما جمع في قول الله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤] . ولكن الشأن كل الشأن والأمر الهام الذي ينبغي أن تمتزج العناية به والحرص عليه بلحم الإنسان ودمه، هو أن يوفق الإنسان في هذه الحياة لعمل صالح يكون سببًا لنجاته وزحزحته من النار وفوزه برضى الله ورضوانه، يوم أن توافيه المنية التي كتبها الله عليه بقوله سبحانه ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] .
١١٧- (موعظة)
عباد الله إن العجب كل العجب من إنسان عاقل أخبر أنه سيسلك طريقًا شائكًا وعرًا مليئًا بالمخاوف والمزعجات والمهالك وأن عليه أن يتصور هذه المخاوف والمخاطر والمهالك ويتصور آثارها على مستقبله الأبدي والذي أخبره أصدق القائلين وأوفى الواعدين الذي أحاط بكل شيء علمًا.
ومع ذلك تراه غافلاً لا اهتمام له بذلك منصرفًا عن الابتعاد عن هذه المهالك والمزلات الفظيعة ومشتغلاً بالدنايا والأمور التافهة من شئون الدنيا الملعونة الملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه.
وما أصيب الإنسان بمرض أشد من الغفلة الذي ربما تحول إلى جمود وقسوة ثم إلى لجاج وعناد ثم إلى كفر وجحود نسال الله تعالى العافية.
ومن أكبر الأدلة على حمق الإنسان وغباوته وجهله أنه يكد ويشقى من
стр. 515
أجل مستقبل مهما طال فلن يجاوز الثمانين غالبًا وإن تجاوزها فهو كالمعدوم.
ومع هذا فيهمل إهمالاً كليًا أو جزئيًا العمل من أجل مستقبل لا نهاية له مستقبل الأبد مستقبل الخلود فيا لها من خسارة لا عوض لها ولا جبر منها ولا أمل في تلافيها.
فيا أيها الغافل انتبه واستعد لما أمامك وتصوره تصورًا صحيحًا يظهر أثره في جدك واجتهادك فيما يقربك إلى الله لا يفاجئك الأمر وأنت غافل فيفوتك زمن الإمكان وتندم وتحسر قال تعالى وتقدس: ﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] .
وقال الله جل وعلا: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] . وقال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] . وقال تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠] . وقال تعالى: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] .
إن الذين غمر الإيمان قلوبهم واستحوذت معرفتهم على مشاعرهم ووجدانهم هم الذين أيقنوا بلقاء ربهم وسماع الحكم منه في مصائرهم، هؤلاء هم الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ومما رزقهم الله ينفقون.
الذين قال الله تعالى مخبرًا عنهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ
стр. 516
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤] . ﴿الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١] .
الذين إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق الآية: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] .
﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً﴾ [الفرقان: ٦٤] . هؤلاء هم الذين رعوا للدين حرمته واحترموا آدميتهم وكرامتهم ووفقهم الله جل وعلا فبنوا لأنفسهم صروح المجد الخالد والعز الباقي والسعادة الأبدية.
ولا يبعد أن يكون من هؤلاء المذكورين الموصوفين بالصفات الحميدة القائل لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف ومنهم الباكي حين حضرته الوفاة القائل إني لم أبك جزعًا من الموت حرصًا على الدنيا ولكن أبكي على عدم قضاء وطري من طاعة ربي وقيام الليل أيام الشتاء.
ومنهم الباكي عند ما تفوته تكبيرة الإحرام مع الجماعة ومنهم الذي يمرض إذا فاتته الصلاة مع الجماعة.
ومنهم القائل لم أصل الفريضة منفردًا إلا مرتين وكأني لم أصلهما مع أنه قارب التسعين سنة.
ومنهم لم تفته صلاة الجماعة أربعين سنة إلا مرة واحدة حين ماتت والدته اشتغل بتجهيزها.
стр. 517
والقائل حين ما قال له رجل أراك تكثر من حمد الله وشكره مع أنه ابتلاك ببلاء ما ابتلى أحدًا بمثله الجذام في أطرافك وتمزقت الثياب على جسدك ولا زوجة لك ولا ولد ولا دار ولا أهل فما شأنك فقال المبتلى:
شعرًا:
حَمِدْتُ اللهَ رَبِّي إِذْ هَدَانِي … إِلى الإِسْلامِ وَالدِّيْن الحَنِيْفِ
فَيذكُرهُ لِسَانِي كُلَّ وَقْتٍ … وَيَعْرفُه فُؤادِي بِاللطَيْفِ
وكان بعض الموفقين المحاسبين لأنفسهم يكتب الصلوات الخمس في قرطاس ويدع بين كل صلاتين بياضًا.
وكلما ارتكب خطيئةً من كلمة غيبة أو استهزاء أو كذب كذبة أو تكلم فيما لا يعنيه أو نظر إلى ما لا يحل نظره إليه أو استمع إلى ما لا يحل الاستماع إليه أو أكل مشتبها أو مشى إلى ما لا يحل أو مد يده إلى ما لا يجوز مدها إليه ذكره في هذا البياض ليعتبر ذنوبه ويحصيها حسب قدرته لتضيق المحاسبة مجاري الشيطان والنفس الأمارة بالسوء.
ومقام محاسبة النفس يقلل الكلام فيما لا يعني ويحمل الإنسان على تقليل الذنوب وعلى الإكثار من الطاعات لمقابلة ما صدر منه ولكن هذا الطراز يعز وجوده في زماننا هذا.
نقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا وتزينوا للعرض الأكبر على الله ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨] .
فالمحاسبة تكون بضبط الحواس ورعاية الأوقات وإيثار المهمات وحفظ
стр. 518
الأنفاس والحرص على أداء العبادات كاملة وبالأخص الصلاة فيكملها بشروطها المذكورة وأركانها وواجباتها وسننها بخشوع وخضوع وطمأنينة وسكون.
والعبد يحتاج إلى السنن الرواتب لتكميل الفرائض ويحتاج إلى النوافل لتكميل السنن ويحتاج إلى الآداب لتكميل النوافل ومن الآداب ترك ما يشغل عن الآخرة.
قال بعضهم إن الرجل ليشيب عارضاه في الإسلام وما أكمل لله صلاة، قيل وكيف ذاك؟ قال لا يتم خشوعها وتواضعها وإقباله على الله فيها.
روي عن بعض أهل العلم في قول الله ﷻ ﴿وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] قال القنوت الخشوع في الركوع والسجود وغض البصر وخفض الجناح من رهبة الله .
وكان العلماء إذا قام أحدهم للصلاة هاب أن يلتفت أو يعبث أو يحدث نفسه بشيء من شئون الدنيا إلا ناسيًا.
وبلغنا عن بعض أهل العلم أنه قال: ركعتان خفيفتان مقتصدتان في تفكر وتدبر وتفهم لما يقوله ويفعله خير من قيام ليلة والقلب ساه في أودية الدنيا.
فالواجب على الإنسان إذا كان في الصلاة أن يجعلها همه ويقبل عليها مفرغًا قلبه وفكره من كل ما يشتته ليؤديها كاملة مكملة.
فإنه ليس له منها إلا ما عقل منها من معاني الفاتحة وما يقرأ من القرآن ومعاني الركوع والسجود والقيام بين يدي الله ومعاني العبودية والمناجاة ومعاني التحيات والتكبيرات.
стр. 519
فكم بين رجلين أحدهما قد أشعر قلبه عظمة خالقه الذي هو واقف بين يديه فامتلأ قلبه من هيبته وذلت له عنقه واستحي من ربه أن يقبل على غيره أو يلتفت عنه.
وآخر قد انصرف قلبه إلى الدنيا يفكر فيها ملتفتًا يمينًا وشمالاً ولا يفهم ما يخاطب به لأن قلبه ليس حاضرًا معه فبين صلاتيهما كما قال بعض أهل العلم: إن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحدة وإن ما بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض وذلك أن أحدهما مقبل على الله بقلبه والآخر ساه غافل يفكر في البيوع والخصومات والأماني والخسارات قد ذهب قلبه كل مذهب في أودية الدنيا.
وروي أن بعض الصحابة ﵃ كان يصلي في نخل له فشغل بالنظر إلى النخل فسها في صلاته فاستعظم ذلك وقال أصابني في مالي فتنة فجعل النخيل في الأرض صدقة في سبيل الله فبلغ ثمن النخيل خمسين ألفًا.
فلو أن الواحد منا إذا فاتته الصلاة مع الجماعة تصدق في عشرة فقط لما فاتتنا الصلاة مع الجماعة إلا نادرًا ورأيت ما يسرك من المحافظة على الصلاة وكثرة الجماعة وهذا علاج من أحسن العلاجات.
وينبغي استعماله عندما يصدر كذب أو غيبة أو نظر محرم أو سماع محرم أو نحو ذلك مما يقوله الإنسان أو يفعله عمدًا أو سهوًا ليتأدب ويستقيم ويقتدي به. اللهم اختم لنا بخاتمة السعادة واجعلنا ممن كتبت لهم الحسنى وزيادة اغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 520
١١٨- آخر: (موعظة نصيحة)
يسمو قدر الإنسان وتعلو درجته ومنزلته عند الله جل وعلا وعند خلقه بقدر ما يكون له من استقامة وطهارة قلب وسلامة صدر وحب للخير لجميع المسلمين وبعد عن الشر والأذى وتضحية بالنفس والمال في سبيل الله وما يقرب إلى الله وقد امتدح الله إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام على ما وهبه له من سلامة قلب وعزة نفس وصدق عزيمة وقوة إيمان.
قال تعالى لما ذكر نوحًا ﵇ وأثنى عليه أعقبه بذكر الخليل فقال: ﴿وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] ومن دعاء إبراهيم ﵇: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩]
وسلامة القلب خلوصه من الشرك وقيل هو القلب الصحيح وهو قلب المؤمن لأن قلب الكافر والمنافق مريض وقيل هو القلب السالم من البدعة المطمئن إلى السنة انتهى.
قلت والذي أرى أن السلامة الكاملة للقلب هي خلوصه من الشرك والشك والنفاق والرياء وخلوه من الكبر والحقد والحسد والعجب والمكر السيئ والغل والخيلاء.
ونقاؤه من الأمراض التي تكدر الصفو وتشتت الشمل وتخل بالأمن وتقطع الروابط والصلات بين المسلمين وتورث الضغائن والأحقاد وتولد العداوة والبغضاء بين المؤمنين.
وكان ﷺ يقول في دعائه: «اللهم إني أسألك قلبًا سليمًا» فالقلب
стр. 521
السليم هو السالم من الآفات والمكروهات كلها وهو القلب الذي ليس فيه سوى محبة الله وخشيته وخشية ما يباعد عنه.
وقد اكتفى إبراهيم ﵊ بذكر سلامة القلب لأن القلب إذا صلح صلح الجسد كله كما في الحديث وإذا فسد فسد الجسد كله.
ولأن القلوب إذا سلمت سلمت الجوارح اليد واللسان من الأذى والشرور وسلمت أموال الناس وأرواحهم وأعراضهم وقلت الشرور والجرائم والآثام وقيل إن لقمان كان عبدًا حبشيًا فدفع إليه سيده شاة وقال اذبحها وائتني بأطيب مضعتين منها فأتاه بالقلب واللسان ثم بعد أيام أتاه بشاة أخرى.
وقال له اذبحها وائتني بأخبث مضغتين منها فأتاه بالقلب واللسان فسأله سيده عن ذلك فقال هما أطيب شيء إذا طابا وأخبث شيء إذا خبثا.
وذكر العلماء أن صلاح القلب:
(١) في قراءة القرآن بالتدبر والتفكر فيه وفيما صح عن النبي ﷺ .
(٢) في تقليل الأكل.
(٣) قيام الليل وإحياؤه بالعبادة.
(٤) التضرع عند السحر.
(٥) مجالسة الصالحين.
(٦) الصمت عما لا يعني.
(٧) العزلة عن أهل الجهل والسفه ومن فرطت أعمارهم.
(٨) ترك الخوض مع الناس فيما لا يعني.
стр. 522
(٩) أكل الحلال وهو رأسها فإنه ينور القلب ويصلحه فتزكوا بذلك الجوارح وتدرأ المفاسد وتكثر المصالح فأكل الحرام والمشتبه يصدي القلب ويظلمه ويقسيه وهو من موانع قبول الدعاء.
وقد قيل يخاف على آكل الحرام والشبهة أن لا يقبل له عمل ولا يرفع له دعاء لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] وآكل الحرام والمسترسل مع المشتبهات ليس بمتق على الإطلاق.
روى عن بعض أهل العلم أن الشيطان يقول خصلة من ابن آدم أريدها ثم أخلي بينه وبين ما يريد من العبادة أجعل كسبه من غير حل إن تزوج تزوج من حرام وإن أفطر أفطر على حرام، وإن حج حج من حرام اهـ.
فالحذر الحذر من الحرام في طلب القوت، فقد ورد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾ [المؤمنون: ٥١] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] .
ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء ويقول: يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذى بالحرام فأنى يستجاب لذلك.
وروي عن ابن عباس ﵄ قال تليت هذه الآية عند رسول الله ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلَالاً طَيِّباً﴾ [البقرة: ١٦٨] .
فقام سعد ابن أبي وقاص ﵁ فقال يا رسول الله أدع الله أن
стр. 523
يجعلني مستجاب الدعوة فقال له النبي ﷺ : «يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة والذي نفس محمد بيده إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه عمل أربعين يومًا وأيما عبد نبت لحمه من سحت فالنار أولى به» . رواه الطبراني في الصغير.
وروي عن ابن عمر ﵄ قال من اشترى ثوبًا بعشرة دراهم وفيه درهم من حرام لم يقبل الله له صلاة ما دام عليه قال ثم أدخل أصبعيه في أذنيه ثم قال صُمنَّا إن لم يكن النبي ﷺ سمعته يقوله. رواه أحمد.
وروى أبو داود في المراسيل عن القاسم بن مخيمرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من اكتسب مالاً من إثم فوصل به رحمه أو تصدق به أو أنفقه في سبيل الله جمع ذلك كله جميعًا فقذف به في جهنم» .
وروي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من اشترى سرقة وهو يعلم أنها سرقة فقد اشترك في عارها وإثمها» . وراه البيهقي.
اللهم يا عالم الخفيات ويا سامع الأصوات ويا باعث الأموات ويا مجيب الدعوات ويا قاضي الحاجات يا خالق الأرض والسموات أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يكن له كفوًا أحد الوهاب الذي لا يبخل والحليم الذي لا يعجل لا راد لأمرك ولا معقب لحكمك نسألك أن تغفر ذنوبنا وتنور قلوبنا وتثبت محبتك في قلوبنا وتسكننا دار كرامتك إنك على كل شيء قدير وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
١١٩- موعظة
قال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] .
стр. 524
وقال: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩] . وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق:: ٤٥] . فيا عباد الله لقد خاطب الله المؤمنين بقوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] . خاطبهم بهذا الخطاب الرائع ووصفهم بهذا الوصف العظيم، بأنهم خير أمة أخرجت للناس، وأن مجتمعهم أعلا وأعز مجتمع في لعالم حاضره وماضيه لما اتصفوا به من الصفات الفاضلة، والأخلاق العالية، والغيرة الصادقة، على حدوده.
وهذا الوصف وقت إن كانوا متمسكين بتعاليم دينهم، وكان الإسلام وبهاؤه يلوح في أعمالهم، ومعاملاتهم، وأخلاقهم فلا غش ولا خداع ولا كذب، ولا خيانة ولا غدر، ولا نميمة، ولا غيبة، ولا ظلم ولا نفاق ولا رشا ولا ملق ولا رياء ولا بهت ولا سخرية ولا عقوق ولا قطيعة.
هدفهم القضاء على المنكرات وإماتتها، وإعزاز المعروف ونشره بين المسلمين، وهذا يدل على قوة إيمانهم، وشدة تمسكهم به ورغبة في النجاة التي وعد الله بها الناهي عن السوء، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥] .
فيا عباد الله تأملوا حالتنا الحاضرة، وحالة سلفنا الكرام الذين كانوا كل منهم يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويرحم كبيرهم الصغير ويوقر الصغير الكبير، يتآمرون بالمعروف، ويتناهون عن المنكر، ينصفون حتى الأعداء من أنفسهم وأولادهم.
فالقوي عندهم ضعيف، حتى يستوفى منه الحق، والضعيف عندهم قوي
стр. 525
حتى يؤخذ حقه إذا فقدوا أخاهم بحثوا عنه فإن كان مريضًا عادوه وساووه وإذا مات شيعوه، وإن احتاج أقرضوه، وواسوه وإن نزل عليهم أكرموه.
عاملين بقوله ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» ، وحديث: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» .
أما نحن فحالتنا حالة مخيفة جدًا لأننا على ضد ما ذكرنا من حالة سلفنا ولا حاجة إلى تكرار، ألق سمعك وقلب نظرك، وأحضر قلبك ترى ذلك بعين بصيرتك وترى ما يخيفك ويقلق راحتك ويقض مضجعك من المنكرات في البيوت والأسواق والبر والبحر.
وإن شككت ففتش على نفسك تجد ذلك، فالمنكر نراه بأعيننا ونسمعه بآذاننا بل وفي بيوتنا فهل بيتك خال من صور ذوات الأرواح هل هو خال من المذياع، هل هو خال من التلفزيون، والسينماء والبكمات ومسجلات الأغاني، هل هو خال من شراب المسكرات، هل ما يأتي لبيتك إلا أناس طيبين طاهري الأخلاق، هل هو خال من حالقي اللحى هل هو خالي من المخنفسين ومطيلي أظفارهم تشبهًا باليهود، وهل هو خال من المتشبهين بالمجوس والمتشبهين بالإفرنج، هل هو خال ممن لا يشهدون صلاة الجماعة أو لا يصلون أبدًا، هل هو خال من النساء القاصات لرءوسهن المطيلات لأظفارهن، هل هو خال من شراب أبي الخبائث الدخان، ونحوه من المنكرات وأما في الأسواق فحدث عن كثرة المنكرات ولا حرج على حد قول المتنبي:
وَقَدْ وَجَدَتُ مَكَانَ القَوْلِ ذا سَعةٍ … فَإِنْ وَجَدْتَ لِسَانًا قَائِلاً فَقُلِ
ومع ذلك فلا ألسنة تنطق ولا وجوه تتمعر إلا النوادر، الموجود هو
стр. 526
التلاوم والقيل والقال، والمداهنة، والجلوس مع أهل المعاصي، ومحادثتهم ومباشرتهم وإظهار البشر لهم وتعظيمهم وتقليدهم في الأقوال والأفعال.
فيا عباد الله اتقوا الله واسلكوا طريق سلفكم واصدعوا بالحق وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وكونوا عباد الله إخوانًا، قيل أن يحل بكم ما حل بمن قبلكم، وتضرب قلوب بعضكم على بعض، قبل فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، قبل أن تلعنوا كما لعن الذين من قبلكم، بسبب عدم تناهيهم عن المنكر.
قال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩]
فيا عباد الله إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمن أعظم الشعائر الإسلامية، وأقوى الأسس التي يقوم عليها بناء المجتمعات النزيهة الراقية، فإذا لم يكن أمر ولا نهي أو كان ولكن كالمعدوم، فعلى الأخلاق والمثل العليا السلام، ويل يومئذ للفضيلة من الرذيلة، وللمتدينين من الفاسقين والمنافقين.
فيا عباد الله تداركوا الأمر قبل أن يفوت الأوان وتعضوا على البنان فقد قال لكم سيد ولد عدنان من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان.
عباد الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نأمن بإذن الله على الدين من الاضمحلال والتلاشي، ونأمن بإذن الله على الأخلاق الفاضلة من الذهاب والانحلال، والحذر الحذر من مخالفة القول للفعل، فتأثير الدعوة
стр. 527
بالفعل أقوى بكثير من الأقوال المجردة من الأفعال.
وفي المسند وغيره من حديث عروة عن عائشة قالت دخل علي رسول الله ﷺ ، وقد حفزه النفس فعرفت في وجهه أن قد حفزه شيء، فما تكلم حتى توضأ وخرج فلصقت بالحجرة، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال أيها الناس إن الله يقول لكم مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوني فلا أجيبكم، وتستنصروني فلا أنصركم، وتسألوني فلا أعطيكم.
وقال العمري الزاهد إن من غفلتك عن نفسك وإعراضك عن الله أن ترى ما يسخط الله فتجاوزه، ولا تنهى عنه، خوفًا ممن لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، قلت وما أكثر المدلسين الساكتين الذين يمرون بالجالسين أمام التلفزيون وعند المذياع والكورة بل ولا يأمرونهم بالتي هي أحسن ويمرون بأولادهم في فرشهم ولا يوقظونهم للصلاة وكأن أمرهم أمر مباح إن شاء أنكر وإن شاء ترك وقال من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مخافة من المخلوقين نزعت منه الطاعة، ولو أمر ولده أو بعض مواليه لا استخف بحقه.
وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب: توشك القرى أن تخرب وهي عامرة قيل وكيف تخرب وهي عامرة، قال إذا علا فجارها أبرارها وساد القبيلة منافقوها قلت ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦] .
اللهم احفظنا بالإسلام قائمين واحفظنا بالإسلام قاعدين واحفظنا بالإسلام راقدين ولا تشمت بنا الأعداء ولا الحاسدين اللهم وعافنا من محن الزمان وعوارض الفتن فإنا ضعفاء، عن حملها وإن كنا من أهلها فعافيتك
стр. 528
أوسع يا واسع يا عليم واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
آخر:
١٢٠- موعظة
إخواني: إن قيام الليل كما علمتم فيه فضل عظيم وثواب جزيل لمن وفقه الله جل وعلا، وهو من أثقل شيء على النفس ولا سيما بعد أن يرقد الإنسان، وإنما يكون خفيفًا بالاعتياد، وتوطين النفس وتمرينها عليه والمداومة والصبر على المشقة والمجاهدة في الابتداء، ثم بعد ذلك ينشرح وينفتح باب الأنس بالله وتلذ له المناجاة والخلوة، وعند ذلك لا يشبع الإنسان من قيام الليل، فضلاً عن أن يستثقله أو يكسل عنه كما وقع لكثير من السلف. قال بعضهم: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم ويا بُعد ما بين الحالتين، فسبحان من وفق أقوامًا فتقربوا إليه بالنوافل، وأبعد بحكمته وعدله آخرين فهم عن ما ينفعهم في حاضرهم ومآلهم غافلون.
شعرًا:
ذُنُوْبُكَ يَا مَغْرُورُ تُحْصَى وَتُحْسَبُ … وَتُجمَعُ في لَوْحٍ حَفِيْظٍ وَتُكْتَبُ
وَقَلْبُكَ في سَهْوٍ وَلَهْوٍ وَغَفْلةٍ … وَأَنْتَ عَلَى الدُّنْيَا حَرِيْصٌ مُعَذَّبُ
تُبَاهِيْ بِجَمْيِع المَالِ مِنْ غَيْرِ حِلَّهِ … وَتَسْعَى حَثِيْثًا فِي المَعَاصِيْ وَتُذْنِبُ
أَمَّا تَذْكُرُ المَوْتَ المُفَاجِيْكَ فِي غَدٍ … أَمَا أَنْتَ مِنْ بَعْدِ السَّلامَةِ تَعْطَبُ
أَمَا تَذْكُرُ القَبْرَ الوَحِيْشَ وَلَحْدَهُ … بِهِ الجُسْمُ مِن بَعْدِ العَمَارَةِ يَخْرُبُ
стр. 529
أَمَا تَذْكُرُ اليَوْمَ الطَّوِيْلَ وَهُو لَهُ … وَمِيْزانَ قِسْطٍ لِلْوَفَاءِ سَيُنْصَبُ
تَرُوْحُ وَتَغْدُو فِي مَرَاحِكَ لاهِيًا … وَسَوْفَ بِأَشْرَاكِ المَنِيَّةِ تَنْشَبُ
تُعَالِجُ نَزْعَ الرُّوْحِ مِنْ كُلِّ مَفْصِلٍ … فَلا رَاحِمٍ يُنْجِي وَلا ثَمَّ مَهْرَبُ
وَغُمضَتِ العَيْنَانِ بَعْدَ خُرُوجِهَا … وَبُسِّطَتْ الرِّجْلانِ وَالرَّأَسُ يُعْصَبُ
وَقَامُوا سِرَاعًا فِي جَهَازِكَ أَحْضَرُوا … حَنُوطًا وَأَكْفَانًا وِلِلْمَاءِ قَرَّبُوا
وَغَاسِلُكَ المَحْزُونُ تَبْكِي عُيُونُهُ … بِدَمْعٍ غَزِيْرٍ وَاكِفٍ يَتَصَبَّبُ
وَكُلُّ حَبِيْبٍ لُبُّهُ مُتَحَرِّقٌ … يُحَرِّكُ كَفَّيْهِ عَلَيْكَ وَيََنْدُبُ
وَقَدْ نَشَرُوا الأَكْفَانَ مِنْ بَعْدِ طَيِّهَا … وَقَدْ بَخَّرُوا مَنْشُورَهُنَّ وَطَيَّبُوا
وَأَلْقَوْكَ فِيْمَا بَيْنَهُنَّ وَأَدْرَجُوا … عَلَيْكَ مَثَانِي طَيَّهُنَّ وَعَصَّبُوا
وَفِي حُفْرَةٍ أَلْقَوكَ حَيْرانَ مُفْرَدًا … تَضُمَّكَ بَيْدَاءٌ مِنَ الأَرْضِ سَبْسَبُ
إِذَا كَانَ هَذَا حَالُنَا بَعْدَ مَوْتِنَا … فَكَيْفَ يَطِيْبُ اليَومَ أَكْلٌ وَمَشْرَبُ؟!
وَكَيْفَ يَطِيْبُ العَيْشُ وَالقَبْرُ مَسْكنٌ … بِهِ ظُلُمَاتٌ غَيْهَبٌ ثُُمَّ غَيْهَبُ
وَهَوْلٌ وَدِيْدَانٌ وَرَوْعٌ وَوَحْشَةٌ … وَكُلُّ جَدِيْدٍ سَوْفَ يُبْلَى وَيَذْهَبُ
فَيَا نَفْسُ خَافِي اللهَ وَارْجِي ثَوَابَهُ … فَهَادِمُ لَذَّاتِ الفَتَى سَوْفَ يَقْرُبُ
وَقُولِي إِلَهي أَوْلِنِي مِنْكَ رَحْمَةً … وَعَفْوًا فَإِنَّ اللهَ لِلْذَنْبِ يُذْهِبُ
وَلا تُحْرِقَنْ جِسْمِي بِنَارِكَ سَيِّدِيْ … فَجِسْمِيْ ضَعِيفٌ وَالرَّجَا مِنْكَ أَقْرَبُ
فَمَا لِي إِلا أَنْتَ يَا خَالِقَ الوَرَى … عَلَيْكَ إِتِّكَالِي أَنْتَ لِلْخَلْقِ مَهْرَبُ
وَصِلِّي إِلهي كُلَّمَا ذَرَّ شَارِقٌ … عَلَى أَحْمَدَ المُخْتَارِ مَا لاح كَوْكَبُ
اللهم إنا نعوذ بك من الشك بعد اليقين، ومن الشيطان الرجيم، ومن شدائد يوم الدين، ونسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار،
стр. 530
اللهم ارحمنا إذا عرق الجبين واشتد الكرب والأنين، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله أجمعين.
١٢١- "موعظة "
فيا أيها المهملون الغافلون تيقظوا فإليكم يوجه الخطاب ويا أيها النائمون انتبهوا قبل أن تناخ للرحيل الركاب قبل هجوم هادم اللذات ومفرق الجماعات ومذل الرقاب ومشتت الأحباب فيا له من زائر لا يعوقه عائق ولا يضرب دونه حجاب، ويا له من نازل لا يستأذن على الملوك ولا يلح من الأبواب، ولا يرحم صغيرًا ولا يوقر كبيرًا ولا يخاف عظيمًا ولا يهاب، ألا وإن بعده ما هو أعظم منه من السؤال والجواب، ووراءه هول البعث والحشر وأحوال الصعاب من طول المقام والازدحام في الأجسام والميزان والصراط والحساب، اللهم أيقظ قلوبنا ونورها بنور الإيمان وثبت محبتك في قلوبنا وقوها وارزقنا المعرفة بك عن بصيرة وألهمنا ذكرك وشكرك ووفقنا لطاعتك وامتثال أمرك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
١٢٢- "موعظة "
عباد الله: تصرمت الأعوام عامًا بعد عام، وأنتم في غفلتكم ساهون نيام. أما تشاهدون مواقع المنايا، وحلول الآفات والرزايا. وكيف فاز وأفلح
следующие страницы →