Полный текст (1 102 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
التلاوم والقيل والقال، والمداهنة، والجلوس مع أهل المعاصي، ومحادثتهم ومباشرتهم وإظهار البشر لهم وتعظيمهم وتقليدهم في الأقوال والأفعال.
فيا عباد الله اتقوا الله واسلكوا طريق سلفكم واصدعوا بالحق وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وكونوا عباد الله إخوانًا، قيل أن يحل بكم ما حل بمن قبلكم، وتضرب قلوب بعضكم على بعض، قبل فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، قبل أن تلعنوا كما لعن الذين من قبلكم، بسبب عدم تناهيهم عن المنكر.
قال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩]
فيا عباد الله إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمن أعظم الشعائر الإسلامية، وأقوى الأسس التي يقوم عليها بناء المجتمعات النزيهة الراقية، فإذا لم يكن أمر ولا نهي أو كان ولكن كالمعدوم، فعلى الأخلاق والمثل العليا السلام، ويل يومئذ للفضيلة من الرذيلة، وللمتدينين من الفاسقين والمنافقين.
فيا عباد الله تداركوا الأمر قبل أن يفوت الأوان وتعضوا على البنان فقد قال لكم سيد ولد عدنان من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان.
عباد الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نأمن بإذن الله على الدين من الاضمحلال والتلاشي، ونأمن بإذن الله على الأخلاق الفاضلة من الذهاب والانحلال، والحذر الحذر من مخالفة القول للفعل، فتأثير الدعوة
стр. 527
بالفعل أقوى بكثير من الأقوال المجردة من الأفعال.
وفي المسند وغيره من حديث عروة عن عائشة قالت دخل علي رسول الله ﷺ ، وقد حفزه النفس فعرفت في وجهه أن قد حفزه شيء، فما تكلم حتى توضأ وخرج فلصقت بالحجرة، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال أيها الناس إن الله يقول لكم مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوني فلا أجيبكم، وتستنصروني فلا أنصركم، وتسألوني فلا أعطيكم.
وقال العمري الزاهد إن من غفلتك عن نفسك وإعراضك عن الله أن ترى ما يسخط الله فتجاوزه، ولا تنهى عنه، خوفًا ممن لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، قلت وما أكثر المدلسين الساكتين الذين يمرون بالجالسين أمام التلفزيون وعند المذياع والكورة بل ولا يأمرونهم بالتي هي أحسن ويمرون بأولادهم في فرشهم ولا يوقظونهم للصلاة وكأن أمرهم أمر مباح إن شاء أنكر وإن شاء ترك وقال من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مخافة من المخلوقين نزعت منه الطاعة، ولو أمر ولده أو بعض مواليه لا استخف بحقه.
وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب: توشك القرى أن تخرب وهي عامرة قيل وكيف تخرب وهي عامرة، قال إذا علا فجارها أبرارها وساد القبيلة منافقوها قلت ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦] .
اللهم احفظنا بالإسلام قائمين واحفظنا بالإسلام قاعدين واحفظنا بالإسلام راقدين ولا تشمت بنا الأعداء ولا الحاسدين اللهم وعافنا من محن الزمان وعوارض الفتن فإنا ضعفاء، عن حملها وإن كنا من أهلها فعافيتك
стр. 528
أوسع يا واسع يا عليم واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
آخر:
١٢٠- موعظة
إخواني: إن قيام الليل كما علمتم فيه فضل عظيم وثواب جزيل لمن وفقه الله جل وعلا، وهو من أثقل شيء على النفس ولا سيما بعد أن يرقد الإنسان، وإنما يكون خفيفًا بالاعتياد، وتوطين النفس وتمرينها عليه والمداومة والصبر على المشقة والمجاهدة في الابتداء، ثم بعد ذلك ينشرح وينفتح باب الأنس بالله وتلذ له المناجاة والخلوة، وعند ذلك لا يشبع الإنسان من قيام الليل، فضلاً عن أن يستثقله أو يكسل عنه كما وقع لكثير من السلف. قال بعضهم: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم ويا بُعد ما بين الحالتين، فسبحان من وفق أقوامًا فتقربوا إليه بالنوافل، وأبعد بحكمته وعدله آخرين فهم عن ما ينفعهم في حاضرهم ومآلهم غافلون.
شعرًا:
ذُنُوْبُكَ يَا مَغْرُورُ تُحْصَى وَتُحْسَبُ … وَتُجمَعُ في لَوْحٍ حَفِيْظٍ وَتُكْتَبُ
وَقَلْبُكَ في سَهْوٍ وَلَهْوٍ وَغَفْلةٍ … وَأَنْتَ عَلَى الدُّنْيَا حَرِيْصٌ مُعَذَّبُ
تُبَاهِيْ بِجَمْيِع المَالِ مِنْ غَيْرِ حِلَّهِ … وَتَسْعَى حَثِيْثًا فِي المَعَاصِيْ وَتُذْنِبُ
أَمَّا تَذْكُرُ المَوْتَ المُفَاجِيْكَ فِي غَدٍ … أَمَا أَنْتَ مِنْ بَعْدِ السَّلامَةِ تَعْطَبُ
أَمَا تَذْكُرُ القَبْرَ الوَحِيْشَ وَلَحْدَهُ … بِهِ الجُسْمُ مِن بَعْدِ العَمَارَةِ يَخْرُبُ
стр. 529
أَمَا تَذْكُرُ اليَوْمَ الطَّوِيْلَ وَهُو لَهُ … وَمِيْزانَ قِسْطٍ لِلْوَفَاءِ سَيُنْصَبُ
تَرُوْحُ وَتَغْدُو فِي مَرَاحِكَ لاهِيًا … وَسَوْفَ بِأَشْرَاكِ المَنِيَّةِ تَنْشَبُ
تُعَالِجُ نَزْعَ الرُّوْحِ مِنْ كُلِّ مَفْصِلٍ … فَلا رَاحِمٍ يُنْجِي وَلا ثَمَّ مَهْرَبُ
وَغُمضَتِ العَيْنَانِ بَعْدَ خُرُوجِهَا … وَبُسِّطَتْ الرِّجْلانِ وَالرَّأَسُ يُعْصَبُ
وَقَامُوا سِرَاعًا فِي جَهَازِكَ أَحْضَرُوا … حَنُوطًا وَأَكْفَانًا وِلِلْمَاءِ قَرَّبُوا
وَغَاسِلُكَ المَحْزُونُ تَبْكِي عُيُونُهُ … بِدَمْعٍ غَزِيْرٍ وَاكِفٍ يَتَصَبَّبُ
وَكُلُّ حَبِيْبٍ لُبُّهُ مُتَحَرِّقٌ … يُحَرِّكُ كَفَّيْهِ عَلَيْكَ وَيََنْدُبُ
وَقَدْ نَشَرُوا الأَكْفَانَ مِنْ بَعْدِ طَيِّهَا … وَقَدْ بَخَّرُوا مَنْشُورَهُنَّ وَطَيَّبُوا
وَأَلْقَوْكَ فِيْمَا بَيْنَهُنَّ وَأَدْرَجُوا … عَلَيْكَ مَثَانِي طَيَّهُنَّ وَعَصَّبُوا
وَفِي حُفْرَةٍ أَلْقَوكَ حَيْرانَ مُفْرَدًا … تَضُمَّكَ بَيْدَاءٌ مِنَ الأَرْضِ سَبْسَبُ
إِذَا كَانَ هَذَا حَالُنَا بَعْدَ مَوْتِنَا … فَكَيْفَ يَطِيْبُ اليَومَ أَكْلٌ وَمَشْرَبُ؟!
وَكَيْفَ يَطِيْبُ العَيْشُ وَالقَبْرُ مَسْكنٌ … بِهِ ظُلُمَاتٌ غَيْهَبٌ ثُُمَّ غَيْهَبُ
وَهَوْلٌ وَدِيْدَانٌ وَرَوْعٌ وَوَحْشَةٌ … وَكُلُّ جَدِيْدٍ سَوْفَ يُبْلَى وَيَذْهَبُ
فَيَا نَفْسُ خَافِي اللهَ وَارْجِي ثَوَابَهُ … فَهَادِمُ لَذَّاتِ الفَتَى سَوْفَ يَقْرُبُ
وَقُولِي إِلَهي أَوْلِنِي مِنْكَ رَحْمَةً … وَعَفْوًا فَإِنَّ اللهَ لِلْذَنْبِ يُذْهِبُ
وَلا تُحْرِقَنْ جِسْمِي بِنَارِكَ سَيِّدِيْ … فَجِسْمِيْ ضَعِيفٌ وَالرَّجَا مِنْكَ أَقْرَبُ
فَمَا لِي إِلا أَنْتَ يَا خَالِقَ الوَرَى … عَلَيْكَ إِتِّكَالِي أَنْتَ لِلْخَلْقِ مَهْرَبُ
وَصِلِّي إِلهي كُلَّمَا ذَرَّ شَارِقٌ … عَلَى أَحْمَدَ المُخْتَارِ مَا لاح كَوْكَبُ
اللهم إنا نعوذ بك من الشك بعد اليقين، ومن الشيطان الرجيم، ومن شدائد يوم الدين، ونسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار،
стр. 530
اللهم ارحمنا إذا عرق الجبين واشتد الكرب والأنين، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله أجمعين.
١٢١- "موعظة "
فيا أيها المهملون الغافلون تيقظوا فإليكم يوجه الخطاب ويا أيها النائمون انتبهوا قبل أن تناخ للرحيل الركاب قبل هجوم هادم اللذات ومفرق الجماعات ومذل الرقاب ومشتت الأحباب فيا له من زائر لا يعوقه عائق ولا يضرب دونه حجاب، ويا له من نازل لا يستأذن على الملوك ولا يلح من الأبواب، ولا يرحم صغيرًا ولا يوقر كبيرًا ولا يخاف عظيمًا ولا يهاب، ألا وإن بعده ما هو أعظم منه من السؤال والجواب، ووراءه هول البعث والحشر وأحوال الصعاب من طول المقام والازدحام في الأجسام والميزان والصراط والحساب، اللهم أيقظ قلوبنا ونورها بنور الإيمان وثبت محبتك في قلوبنا وقوها وارزقنا المعرفة بك عن بصيرة وألهمنا ذكرك وشكرك ووفقنا لطاعتك وامتثال أمرك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
١٢٢- "موعظة "
عباد الله: تصرمت الأعوام عامًا بعد عام، وأنتم في غفلتكم ساهون نيام. أما تشاهدون مواقع المنايا، وحلول الآفات والرزايا. وكيف فاز وأفلح
стр. 531
المتقون، وكيف خاب وخسر المبطلون المفرطون فيا ليت شعري على أي شيء تطوى صحائف الأعمال أعلى أعمال صالحة وتوبة نصوح تُمحى بها الآثام، أم على ضدها فليتب الجاني إلى ربه، فالعمل بالختام. فاتقوا الله عباد الله واستدركوا عمرًا ضيعتم أوله، فإن بقية عمر المؤمن لا قيمة له. فرحم الله عبدًا اغتنم أيام القوة والشباب، وأسرع بالتوبة والإنابة قبل طي الكتاب، وأخذ نصيبًا من الباقيات الصالحات، قبل أن يتمنى ساعة واحدة من ساعات الحياة. أين من كان قبلكم في الأوقات الماضية، أما وافتهم المنايا وقضت عليهم القاضية، أين آباؤنا وأين أمهاتنا أين أقاربنا، وأين جيراننا أين معارفنا وأين أصدقاؤنا. رحلوا إلى القبور وقل والله بعدهم بقاؤنا. هذه دورهم فيها سواهم، هذا صديقهم قد نسيهم وجفاهم. أخبارهم السالفة تزعج الألباب، وادِّكارهم يصدع قلوب الأحباب. وأحوالهم عبرة للمعتبرين. فتأملوا أحوال الراحلين، واتعظوا بالأمم الماضين، علل القلب القاسي يلين. وانظروا لأنفسكم ما دمتم في زمن الإمهال، واغتنموا في حياتكم صالح الأعمال، قبل أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله، فيقال هيهات فات زمن الإمكان، وحصل الإنسان على عمله من خير أو عصيان. فنسألك اللهم يا كريم يا منان، أن تختم أعمالنا بالعفو والغفران، والرحمة والجود والامتنان، وأن تجعل وقتنا مباركًا حميدًا، وترزقنا فيه رزقًا واسعًا وتوفيقًا وتسديدًا. الله اختم بالصالحات أعمالنا، وأصلح لنا جميع أحوالنا.
اللهم يا من عم البرية جوده وإنعامه نسألك أن تتفضل علينا بعفوك وغفرانك، وجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 532
١٢٣- "موعظة "
عباد الله إن الناس في هذا الزمن لم يعرفوا ربهم المعرفة التي تليق بجلاله وعظمته ولو عرفوه حق المعرفة لم يكونوا بهذه الحال لأنه من كان بالله أعرف كان منه أخوف إن العارف بالله يخشاه فتعقله هذه الخشية بإذن الله عما لا ينبغي من الأقوال والأفعال قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [فاطر: ٢٨]
العارف بالله لا يجرؤ أن يحرك لسانه بكلمة من المنكرات أفعال أو أقوال كالغيبة والنميمة والكذب والقذف والفسق والسخرية والاستهزاء ونحو ذلك ولا يستعمل عضوًا من أعضائه في عمل ليس بحلال بل يكف بصره وسمعه ويده ورجله عن المحرمات لأنه يؤمن حق الإيمان بأن الله جل وعلا مهما تخفى وتستر العبد عنه فإنه يراه.
والعارف بالله لا ينطوي على رذيلة كالكبر والحقد والحسد وسوء الظن وغير ذلك من الرذائل الممقوتات لأنه يصدق أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وأنه يعلم ما تكنه الصدور، كما يعلم العلانية، فلا يستريح العارف حتى يكون باطنه كظاهره مطهرًا من كل فحشاء وكذلك لا تسمع من فم العارف عند نزول المصائب والبلايا والشدائد إلا الحسن الجميل فلا يغضب لموت عزيز أو فقد مال أو مرض شديد طويل لأنه يعلم أن غضبه وتسخطه يفوت عليه أجره ولا يرد ما فات كما قيل:
لا تَلْقَ دَهْرَكَ إِلا غَيْرَ مُكْْتَرِثٍ … مَا دَامَ يَصْحَبُ فِيهِ رُوْحَكَ البَدَنُ
فَمَا يَدُومُ سُرورٌ مَا سُرِرتَ بِهِ … وَلا يَرَدُّ عَلَيْكَ الفَائِتَ الحَزَنُ
стр. 533
ولا ييأس العارف من زوال شدة مهما استحكمت فإن الفرج بيد الله الذي قال وقوله الحق إن معل العسر يسرا إن مع العسر يسرا ولا ييأس من حصول خير مهما سما وابتعد لأنه يؤمن أن المر بيد من إذا أراد شيئًا قال له كن فكان وإن بدا محالاً في نظر الجهلاء ولا يقنُط العارف ولا يقنُط مؤمنًا من رحمة الله التي وسعت كل شيء وإن كانت ذنوبه أمثال الجبال والرمال ولا يؤمن العارفُ مستقيمًا من العذاب مهما كان العمل من الصالحات لأنه يصدق أنه يغفر الذنوب جميعًا وأنه له الحجة البالغة وأن القلوب بين أصبعين من أصابعه جل وعلا فلا تغفل عن ذلك وإن أهمله الكثير من الناس.
اللهم ظلمنا أنفسنا فاغفر لنا ذنوبنا وهب لنا تقواك وأهدنا بهداك ولا تكلنا إلى أحد سواك واجعل لنا من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا اللهم اعذنا بمعافاتك من عقوبتك وبرضاك من سخطك واحفظ جوارحنا من مخالفة أمرك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
١٢٤- "موعظة "
عباد الله أن من تعظيم ربنا جل وعلا تعظيم كتبه ورسله وذلك من أصول الإيمان فمن استخف بكتاب الله أو آية منه أو استخف برسله خسر كل الخسران عباد الله أين الغيرة الدينية كل يوم نجد الكتب التي تحتوي على التوحيد وعلى الآيات من كتاب الله وعلى الأحاديث الشريفة ملقات مع القمائم وفي الحفر القذرة تداس بالنعال وتلوث بالأقذار تلوث تلويثًا تستغيث منه العواطف الإيمانية أليس هذا من المنكرات لماذا لا تصان وترفع أو تقبر في
стр. 534
محل طاهر.
قولوا لمن يلقيها ولمن يقدر على منعهم من إلقائها اتقوا الله هذه حالة والله تؤلم النفوس وتشمت بنا الأعداء قولوا لهم كيف تسمح نفوسكم تلقونها هذا الإلقاء الحقير وكذلك كتب فقه وإن لم يكن فيها آيات ولا أحاديث ينبغي احترامها ورفعها.
وكذلك ينبغي التنبيه على بعض الكتب التي جمع والعياذ بالله بها مع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية صور ذوات الأرواح وقد تكون فوق الآية خصوصًا إذا أطبق الكتاب وهذا والله استهانة عظيمة واستخفاف بالآيات والأحاديث والكتب الدينية لا يجوز السكوت على هذه الحالة المزرية.
ومما ينبغي التنبيه عليه هو عدم وضع الآيات والأحاديث في الجرائد بل يشار إلى محلاتها وأرقامها لأن الجرائد صارت قسم كبير من قمامة المحلات وفيها صور ذوات الأرواح وهذه حالة مخيفة إن دامت مع ما انتشر من المنكرات والمعاصي التي ملأت البر والبحر يخشى أن تحيط بهم عقوبتها.
نسأل الله أن ينجينا من عقوبتها وأن يوقظ ولاتنا وينبههم لإزالتها وتطهير الأرض منها إنه القادر على ذلك ولا أرى مخلصًا للإنسان الذي قد ابتلى بشراء الجريدة حمالة الكذب قتالة الوقت إلا أنه يحرقها من حين يخلص من قراءتها ليسلم من باقي شرورها وأوزارها.
وسوف يناقش عنها يوم القيامة عن الوقت الذي ضيعه فيها والمال الذي أنفقه فيها وما حصل بسببه على الآيات والأحاديث التي فيها من الاستهانة والامتهان وإخراج الملائكة عن المحل التي وضعها فيه إذا كان فيها
стр. 535
صور ذوات الأرواح حيث أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة.
اللهم أنظمنا في سلك حزبك المفلحين، واجعلنا من عبادك المخلصين وآمنا يوم الفزع الأكبر يوم الدين، واحشرنا مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
١٢٥- "موعظة "
عباد الله لا شيء أغلى عليكم من أعماركم وأنتم تضيعونها فيما لا فائدة فيه. ولا عدو أعدى لكم من إبليس وأنتم تطيعونه، ولا أضر عليكم من موافقة النفس الأمارة بالسوء وأنت تصادقونها، لقد مضى من أعماركم الأطايب، فما بقي بعد شيب الذوائب.
يا حاضر الجسم والقلب غائب، اجتماع العيب مع الشيب من أعظم المصائب، يمضي زمن الصبا في لعب وسهو وغفلة، يا لها من مصائب، كفى زاجرًا واعظًا تشيب منه الذوائب، يا غافلاً فاته الأرباح وأفضل المناقب، أين البكاء والحزن والقلق لخوف العظيم الطالب أين الزمان الذي فرطت فيه ولم تخش العواقب، أين البكاء دمًا على أوقات قتلت عند التلفزيون والمذياع والكرة والسينماء والفيديو والخمر والدخان والملاعب.
كم في يوم الحسرة والندامة من دمع ساكب على ذنوب قد حواها كتاب الكاتب، من لك يوم ينكشف عنك غطاؤك في موقف المحاسب، إذا قيل لك ما صنعت في كل واجب، كيف ترجو النجاة وأنت تلهو بأسر
стр. 536
الملاعب، لقد ضيعتك الأماني بالظن الكاذب، أما علمت أن الموت صعب شديد المشارب، يلقي شره بكأس صدور الكتائب، وأنه لا مفر منه لهارب فانظر لنفسك واتق الله أن تبقى سليمًا من النوائب فقد بنيت كنسج العنكبوت بيتًا أين الذين علوا فوق السفن والمراكب أين الذين علو على متون النجائب، هجمت عليهم المنايا فأصبحوا تحت النصائب وأنت في أثرهم عن قريب عاطب، فانظر وتفكر واعتبر وتدبر قبل هجوم من لا يمنع عنه حرس ولا باب ولا يفوته هرب هارب.
شعرًا:
وَكَيْفَ قَرَّتْ لأَهْل العِلْمِ أَعْيُنُهم … أَوْ اسْتَلَذَوا لَذيذَ النَّومِ أَو هَجَعَوا
وَالمَوتُ يُنْذِرُهُم جَهْرًا عَلانِيَةً … لَوْ كانَ لِلْقَومِ أَسْمَاعٌ لَقْد سَمِعُوا
وَالنَّارُ ضَاحِيَةٌ لا بُدَّ مَوْرِدُهُمْ … وَلَيْسَ يَدْرُونَ مَنْ يَنْجُو وَمَنْ يَقَعُ
قَدْ أَمْسَتْ الطَّيرُ وَالأَنْعَامُ آمِنةً … وَالنُّونُ في البَحْرِ لا يَخْشَى لَهَا فَزَعُ
وَالآدِمي بِهَذَا الكَسْبِ مُرْتَهَنٌ … لَهُ رَقِيْبٌ عَلَى الأَسْرَارِ يَطَّلِعُ
حَتَّى يُرَى فِيْهِ يَوْمَ الجَمْعِ مُنْفَرِدًا … وَخَصْمُهُ الجِلْدُ وَالأَبْصَارُ وَالسَّمَعُ
وَإِذْ يَقُومُونَ والأَشْهَادُ قَائِمَةٌ … وَالجِنُّ وَالإِنْسُ وَالأَمْلاكُ قَدْ خَشعُوا
وَطَارتْ الصُّحْفُ في الأَيْدِي مُنْشَّرَةً … فِيْهَا السَّرَائرُ وَالأَخْبَارُ تُطَّلَعُ
فَكَيْفَ بِالنَّاسِ وَالأَنْبَاءُ وَاقعَةٌ … عَمَّا قَلِيْلٍ وَمَا تَدْرِي بِمَا تَقَعُ
أَفِي الجِنَانِِ وَفَوزٍ لا انْقِطَاعَ لَهُ … أَمْ فِي الجَحِيْمِ فَلا تُبْقِي وَلا تَدَعُ
تَهْوِي بُسُكَّانِهَا طَوْرًا وَتَرْفُعُهُمْ … إِذَا رَجَوا مَخْرَجًا مِنْ غَمِّهَا قُمِعُوا
طَالَ البُكاءُ فَلَم يَنْفَعْ تَضرُّعُهُم … هَيْهَاتَ لا رِقّةٌ تُغْنِي وَلا جَزَعُ
стр. 537
اللهم ثبت محبتك في قلوبنا وقوها ونور قلوبنا بنور الإيمان واجعلنا هداة مهتدين وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 538
١٢٦- "موعظة "
كتب عمر بن عبد العزيز إلى القرضي أما بعد فقد بلغني كتابك تعظني وتذكر ما هو لي حظ وعليك حق وقد أصبت بذلك أفضل الأجر أن الموعظة كالصدقة بل هي أعظم أجرًا وأبقى نفعًا وأحسن ذخرًا وأوجب على المؤمن حقًا، لكلمة يعظ بها الرجل أخاه ليزداد بها في هدى رغبة خير من مال يتصدق به عليه وإن كان به إليه حاجة ولما يدرك أخوك بموعظتك من الهدى خير مما ينال بصدقتك من الدنيا ولأن ينجو رجل بموعظتك من هلكة خير من أن ينجو بصدقتك من فقر.
فعظ من تعظ لقضاء حق عليك واستعمل كذلك نفسك حين تعظ وكن كالطبيب المجرب العالم الذي قد علم أنه إذا وضع الدواء حيث لا ينبغي أعنت نفسه وإذا أمسك من حيث ينبغي جهل وأثم وإذا أراد أن يداوي مجنونًا لم يداوه وهو مرسل حتى يستوثق منه ويوثق له خشية أن لا يبلغ منه من الخير ما يتقى منه من الشر وكان طبه وتجربته مفتاح عمله وأعلم أنه لم يجعل المفتاح على الباب لكيما يغلق فلا يفتح أو ليفتح فلا يغلق ولكن ليغلق في حينه ويفتح فيه حينه. المهم الإخلاص في النصح.
وَكُنْ نَاصِِحًا لِلْمُسْلِمِيْنَ جَمِعْيِهِمْ … بِإرْشَادِهِمْ لِلْْحَقِّ عِنْدَ خَفَائِهِ
وَمُرْهُمْ بمَعْرُوفِ الشَّرِيْعَةِ وَاَنْهَهُم … عَنْ السُّوءِ وَازْجُرْ ذَا الخَنَا عَنْ خَنَائِهِ
وَعِظْهُمْ بِآيَاتِ الكِتَابِ بِحِكْمَةٍ … لَعَلَّكَ تُبْرِىْ دَاءَهُمْ بِدَوَائِهِ
فَإِنْ يَهْدِ مَوْلانَا بِوَعْظِكَ وَاحِدًا … تَنَلْ مِنْهُ يَوْمَ الحَشْرِ خَيْرَ عَطَائِهِ
وَإِلا فَقَدْ أَدَّيْتَ مَا كَانَ وَاجِبًا … عَلَيْكَ وَمَا مُلكْتَ أَمْرَ اهْتِدَائِهِ
стр. 539
اللهم أيقظنا من نوم الغفلة ونبهنا لاغتنام أوقات المهلة ووفقنا لمصالحنا واعصمنا من قبائحنا وذنوبنا ولا توآخذنا بما انطوت عليه ضمائرنا وأكنته سرائرنا واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
١٢٧- "موعظة "
عباد الله تزودوا للرحيل فقد دنت الآجال واجتهدوا واستعدوا للرحيل فقد قرب الارتحال ومهدوا لأنفسكم صالح الأعمال فإن الدنيا قد آذنت بالفراق وإن الآخرة قد أشرفت للتلاق فتزودوا من دار الانتقال إلى دار القرار.
واستشعروا التقوى في الأقوال والأفعال واحذروا التفاخر والتكاثر في الدنيا بجمع الحطام واكتساب الآثام وإياكم والاغترار بالآمال فوراءكم المقابر ذات الوحشة والهموم والغموم والكربات وتضايق الأنفاس والأهوال المفظعات.
فسوف ترون ما لم يكن لكم في حساب إذا نوديتم من الأجداث حفاة عراة غرلاً مهطعين إلى الداعي وتعلق المظلومون بالظالمين ووقفتم بين يدي رب العالمين وحل بكم كرب المقام واشتد بالخلق في ذلك الموقف الزحام وأخذ المجرمون بالنواصي والأقدام وبرزت جهنم تقاد بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها والخزنة حولها غلاظ شداد.
وينادي عند ذلك العزيز الحميد الجبار فيقول هل امتلأت وتقول هل من مزيد هنالك ينخلع قلبك وتتذكر ما فرطت فيه من الأوقات وتتندم
стр. 540
ولات ساعة مندم وتتمنى أن لو زيد في الحسنات وخفف من السيئات ولكن أنى لك بهذا وهيهات ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٣٠]
اللهم وفقنا للاستعداد لما أمامنا، اللهم وقوي إيماننا بك وبملائكتك وبكتبك وبرسلك وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، اللهم نور قلوبنا واشرح صدورنا ووفقنا لما تحبه وترضاه وألهمنا ذكرك وشكرك وأعذنا من عدوك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
١٢٨- (خطبة)
الحمد لله الذي أبدع الكائنات المتنوعات على غير نظير ومثال وأتقن جميع المصنوعات فما يرى فيها تفاوت ولا إخلال وجعلها على قدرته ووحدانيته آيات دوال ألا له الخلق والأمر لا إله إلا هو الكبير المتعال جواد لا يبخل وغني لا يفقر وكريم يبتدئ بالإحسان قبل السؤال.
بيده الخير كله فله الحمد على كل حال وفي كل حال أحمده سبحانه على نعمه الجزال وأشكره والشكر لشوارد النعم أوثق عقال وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته ولا ألوهيته وما له من صفات الكمال ونعوت الجلال.
شهادة تنفي الشرك وتنافي الضلال أرجوه أن يختم بها حياتي يوم الرحيل من الدنيا والانتقال وأن يؤمنني بها من كربات ذلك اليوم وما بعده من الشدائد والأهوال.
стр. 541
وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله وحبيبه وخليله أفضل من تطوع وقال وأشرف من خص بأشرف مقامات الإرسال أرسله والكفر قد اشتد فزال وظلام الضلال متراكم فانجال فأضحت به الحقيقة مشرقة لا لبس فيها ولا إشكال، اللهم صلى وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه خير صحب وآل الذين اعتدل بهم قوام هذا الدين أتم اعتدال صلاة وسلامًا يبلغانهم من ربهم نهاية الآمال.
أما بعد: فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى فإن تقواه عليها المعول وعليكم بما كان عليه السلف الصالح والصدر الأول واشكروه على ما أولاكم من الإنعام والإحسان وخول وصرف عنكم المكروه وزول وتهيئوا للرحيل فقد شدت لكم الرحال.
واجتهدوا في أسباب التحويل قبل أن يدهمكم يوم الارتحال وازهدوا في هذه الدنيا فمتاعها قليل ووعدها غرور ومآلها إلى الزوال واعلموا أنكم لم تخلقوا لجمع المال ولا لعمران دار الفناء والتطاول في الآمال.
وإنما خلقكم الله لتعبدوه وركب فيكم العقول لتوحدوه وأنزل عليكم القرآن لتتبعوه وأرسل إليكم الرسول لتطيعوه فانهضوا لما خلقكم الله له واعملوا صالحًا فسيجزي كل عامل ما عمله.
واعلموا أن مع كل شباب هرمًا ومع كل صحة سقمًا ومع كل حياة موتًا فخذوا من شبابكم لهرمكم ومن صحتكم لسقمكم ومن وجودكم لعدمكم قبل أن تقطع عنكم الأسباب ويختم على ما فيها من حسن أو قبيح الكتاب ويصبح عامر الدنيا منكم وهو خراب وتستبدلوا بمشيد البنيان حفرًا مظلمة تحت التراب.
стр. 542
فقد قصر سعي من كانت خطاه معدودة وسفه رأي من كان هواه معبوده وقل حاصل من جمع الحطام وورثه الأكال بينما أحدكم يلهو في أسبابه ويخط في سرباله ويزهو بإعجابه ولا يخطر الموت بباله إذ صدع المرض هامته وأحال الدهر قامته ذات الاعتدال ففتت الوجع في أعضاده وقطعت الصحة حبل وداده وأصبح يندب ما يسفر عنه من الأهوال.
والنفوس لسوء منظره تجزع والقلوب للفكر في مصرعه تخشع وعيون أهله على فرقته في انهمال. هذا وهو بين يدي ربه محضر والروح تتصعد في حلقومه وتتحدر والأرض قد استعدت لدفن جثته إلى يوم المآل فاتقوا الله ونبهوا من غفل ولهى.
واستعدوا لهذه النازلة فالسعيد من استعد لها وودعوا شهركم هذا بما ينفعه من صالح الأعمال فقد مضى شهركم المحرم وأنت عنه في المقال فليت شعري هل فيكم من تجافى جنبه عن المضاجع في تلك الليال أو تذكر ما يعود نفعه عليه في يوم تشيب فيه الأطفال.
فتداركوا رحمكم الله ما فات في هذه الخصة وتجرعوا مياه الندم عسى أن تسيغوا بها ما للذنوب من غصة فعسى أن يمن الكريم بالمسامحة والقبول والإقبال وسلوه سبحانه العفو العافية واللطف بكم في السر والعلانية فإنه لا يخفى عليه شيء من الأقوال والأفعال والأعمال.
وفقني الله وإياكم لعمل الساعين الأبرار وجنبنا طريق أهل التباب والخسار إن أحسن القصص والاعتبار كلام الملك العزيز الغفار والله تعالى يقول وبقوله يهتدي المهتدون ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] .
стр. 543
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ لِيَجْزِي اللهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ هَذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم
أقول قولي هذا … إلخ.
١٢٩- (خطبة)
الحمد لله الذي جاد على العباد وتكرم وأغنى وأفقر وأهان وأكرم وأوجد الأشياء كما شاء ثم أعدم وأشقى وأسعد وأخر وقدم وأمات وأحيا وعافى وأسقم وأحب وكره ورضي وسخط وعفا وانتقم وقدر ودبر وقسم وأقسم واطلع على ما يسر وعلم ما يكتم وخاطب أولى الألباب من يعقل ويفهم وأمر ونهي وأباح وحرم وجعل مبدأ كل عام الشهر المحرم.
أحمده على أن شرفنا بمحمد ﷺ على سائر العرب والعجم وأشكره على أن جعلنا من خير امة أخرجت للناس فهي خير الأمم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله عز فحكم وأحصى كل شيء عددًا وأحاط به علمًا وأجرى به القلم.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله بنور ساطع وحق قاطع وعلم نافع فرفع الله به عمود الإسلام فاستتم وأذل به عباد الأصنام وقصم وضعضع
стр. 544
به همة كل كافر وهدم. اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وسلم وشرف وكرم وعظم.
أما بعد: فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى وأطيعوه فإن تقوى الله شعار المؤمنين ودثار المتقين ووصية الله في وفيكم أجمعين أيها الناس إن أملكم البقاء في هذه الدار لمن أوضح وجوه الاغترار وإن عملكم فيها لغير ذي العزة والجلال لقاضٍ بالهلكة والبوار.
ألا فالحظوها كما لحظها العارفون والفظوها كما لفظها الخائفون وشدوا للرحلة أكوار الاعتزام وجدوا للنقلة فكأن قد هجم الحمام، فاعتبروا بما تدور به الليالي والأيام وما تجول به الساعات والأعوام.
فهذا شهر المحرم قد أناخ بربوعكم وخيم بجموعكم يستحثكم على الاعتبار ويحملكم على النحيب والاستغفار هو أول شهور السنة في التحريم وأحقها بالتفضيل والتكريم وعاشره خصه الله بالصيام والتعظيم.
فاستقيلوا الله فيه لعثراتكم واستغفروه لسيئاتكم واسألوه أن يوفر لكم من بركة سنتكم أقسامكم وقد مضت من مدة الحياة سنة تدني إلى ورود الوفاة فتداركوا أنفسكم بالتوبة قبل الفوات وتعرفوا إلى الله في الرخاء يعرفكم في الشدات ويدفع عنكم البليات فالسعيد من استودع مدة عمره صالحًا من عمله والشقي من شهدت عليه بقبيح زلله وإن امرءًا تنقضي بالبطالة أوقاته وتمضي بالجهالة ساعاته لجدير أن يطول على نفسه بكاؤه ويدوم في طلب التخلص عناؤه ويكثر ممن أمهله حياؤه.
فانتبه أيها العبد لأيام شبابك قبل فراق أحبابك وأحفظ أيام عمرك قبل
стр. 545
حلول قبرك واغتنم أيام حياتك قبل أوان وفاتك فإن العمر بالسنين ينهب والأجل بمرور الليل والنهار يذهب أين من أمل أن يرى هذا العام ويشاهد هذه الأيام.
ذهبوا والله سراعًا لدار البقاء وسلبهم مرير الموت لذيذ العيش فما وقى ولا نفع عنهم ما ادخر من المال واقتنى ونودي مطمئنهم فأسرع وما ونى وأصبح عاصيهم أسير الغني وبقي مجرمهم رهين ما جني وهذا أمر يبعده الأمل عليك وهو والله قد دنا.
فإلى متى أيها الغافل تشتغل بفنون تعليلك وأنت في قرب نقلتك ورحيلك أما الأيام والليالي تسرع بك إلى مصيرك فبادر عمرك فإنه ينتهب في بكورك وأصيلك أين الذي طلبه الموت فأعجزه وأين الذي تحصن في قصره المشيد فما أخرجه وأبرزه وأي متكثر بالجنود والأعوان ما وحده وأي متعزز بالعشائر والقبائل ما أفرده.
أما أخذ الآباء والأجداد أما سلب الشباب والأولاد أما ملأ القبور والألحاد أما حال بين المريد والمراد أما فرق بين الأحبة وقطع الوداد أما أرمل النساء وأيتم الأولاد أما تتبع قوم تبع وعاد على عاد.
فاحذر يا مسكين أن يأتيك وأنت على الفساد يا قليل التفكر في مصيره ومآله يا مستأنسًا بداره مغترًا بماله يا ناسيًا عيبه معرضًا عن إصلاح حاله يا من سيطول سفره ولم يتزود لارتحاله يا حاملاً لوزره راضيًا بأثقاله أسفًا لك لم تتزود غير الكفن إلى قبرك ولم يصحبك ما اعتمدته من عزك وكثرك.
وأصبحت أسيرًا بعد نهيك وأمرك. وقدمت على ضياع أيامك
стр. 546
وساعات عمرك وأخرجت ذليلاً من حرمك وقصرك وبعد عنك من كنت ترجوه عند الشدائد لنصرك. أخي لقد نصحتك والمولى لا يخفاه سرك وجهرك جعلني الله وإياكم ممن سابق إلى رضاه فاستقاله مما جناه فلم يؤثر على لزوم طاعته شيئًا سواه.
إن أحسن ما نطق به متكلم وأبلغ ما أصغى إليه مستفهم كلام من لا يقع في ربوبيته توهم والله تعالى يقول وبقوله يهتدي المهتدون: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر والحكيم … إلخ.
١٣٠- (خطبة)
الحمد الله الذي حدد الأعوام عامًا فعامًا. وحددها شهورًا وجمعًا وأيامًا. وأجرى على حسب ذلك الآجال والأرزاق على مقتضى الحكمة والتدبير وافتتح كل عام بهذا الشهر المحرم وجمله بيوم عاشوراء المبجل المعظم الذي فضله في الجاهلية والإسلام شهير.
أحمده سبحانه على نعمه التي لا تحصى وأشكره على مننه التي لا تستقصى وأسأله تعالى اللطف فيما جرت به المقادير وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المتعالي عن المشاركة والمشاكلة المنزه عن كل ما يخطر بالبال والضمير.
стр. 547
وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله وصفيه وحبيبه وخليله الذي هدى الله الأمة بسراجِ هَدِيِهِ المنير اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد الكريم المصطفى المختار الممجد وعلى آله وأصحابه ذوي المقام الرفيع والفضل الكبير.
أما بعد: فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى فقد دارت الأيام بتجدد الأعوام وأنتم في مهاد الأيام قعود وسارت الركبان إلى رضا الرحمن وأنتم عن موجبات الغفران قعود وتسابقت الفرسان إلى ميدان الإحسان وعاقكم الشيطان عن المسير.
فما هذه السهوة عن الدار الآخرة وهي المآب والمقر وما هذه الشهوة والتجارة خاسرة ولا محيص عن الحساب ولا مفر وما هذه الغفلة وقد فاز المتيقظون أهل التشمير؟ أتعتقدون أن لا موت ولا قيامة أم تظنون أن الله ينسى ذنبًا أو ظلامه؟
كلا بل هو القاهر المحصي العليم الخبير ألا تعلمون أن تعاقب الأيام على فناء الأنام أمارة وإن تناوب الآلام ولقاء الأسقام دليل على أن الحياة معارة وإن كل نفس تساق إلى أجلها وتسير.
وهذا عام جديد نزل بكم فأكرموا نزله وحل فيكم بحلل الايقاط فالبسوا حلله وظل يوميء إليكم ببيان الإنذار ويشير ما من يوم يمر إلا وهو يناديكم بلسان حاله ها أنا مؤذن كلاً منكم بقرب ارتحاله فليتأهب للمسير إلى دار المصير.
فيا أيها المسرور بتجدد الأعوام المغرور بقدوم الأهلة وتتابع الأيام أما
стр. 548
علمت أنها تقصر من عمرك القصير فانتبه يا مسكين فالدنيا أضغاث أحلام ودار فناء لا تصلح للمقام.
فكأنك بها وقد خسف بدرها المنير واغتنم في شهرك هذا بصالح الأعمال وأكثر فيه من الصوم وأخلصوا النية في الأقوال والأفعال واحذر من التخليط فإن الناقد بصير ورافق إخوان الإخلاص والتقى والصفا وفارق أعوان الغفلة والشقاء.
وتخلق بأحسن الأخلاق في كل كبير وصغير ولا تركن إلى دار متاعها غرور وغاية أمرها الوبال وسرورها شرور ونهاية نعيمها الزوال فما صفا لأحد منها وقت إلا اتصل به التكدير.
أين من أنس بها ونسي انتقاله إلى دار البقاء وأين من عمر القصور وجمع الأموال وفي عزه ارتقى تقلبت بهم أحوال الأهوال فأصبحوا تحت الثرى والحفير وقريبًا ترحلون عن المنازل كما رحلوا ووشيكًا تحملون إلى المقابر كما حملوا.
فإما إلى روضة من رياض الجنة وإما إلى حفرة من السعير أهّلني الله وإياكم لاجتلاء غرائس هدايته وطاعته ووفقنا للقيام بامتثال أوامره واجتناء ثمرات مرضاته، إن أعظم ما اتعظ به أولوا الألباب وأبلغ ما اهتدى به حكيم أواب كلام الله الذي من اعتصم به ما خاب والله تعالى يقول وبقوله يهتدي المهتدون ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ
стр. 549
شَهْراً فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
١٣١- (خطبة)
الحمد لله الذي بأمره تقوم السماء وبعدله ينصف المظلوم من الظالم يوم الجزاء وبلطفه أعطى الكثير وطلب اليسير ونمى فهو المعروف بالمعروف وإغاثة الملهوف وهو أهل المنع والعطاء أحمده على السراء والضراء وأشكره على نعمه وشكره يقبل على من شكر الشوارد من النعماء فسبحانه من إله لا يخاف من آمن به وعمل صالحًا ظلمًا ولا هضمًا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رحيم بعباده وسع كل شيء رحمة وعلمًا وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي هدى به من الضلالة وبصر به من العمى اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الأعلام والعلماء.
أما بعد: فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى وطهروا السرائر لمن هو بها عالم وتوجهوا إلى الله بالانكفاف عن المآثم والخروج من الغصوب والمظالم والإقلاع عن الصغائر والعظائم فإن أحدكم يعصي وهو غافل هائم فيعود
стр. 550
وبال معصيته على الأطفال والبهائم.
فيا حسرة المفرط بنفسه صاحب الشيبة البيضاء والصحيفة السوداء والبصيرة العمياء عن الهدى ويا ندامته يوم اللقاء على اتباعه الهوى وإعراضه عن الهدى ويا خسارته حين غفل ولهى عن مجالس الأذكار ومباحثة العلماء.
يا قوم اعتبروا بمن قبلكم واقبلوا نصائح الفصحاء قبل أن يصبح أحدكم منبوذًا في أرض بيداء جسمه الناعم قد كان طُعمًا للدود والبلاء وماله قسمًا بين الورثة والأقرباء ينفقونه على ما تهوى أنفسهم وترى وصاحبه المسكين مطلوب بالحساب والجزاء بعيد عن الأصحاب والأولاد وحيد فريد قد لهى عن الأهل والأقرباء في قبر موحش مظلم ضيق الأرجاء.
إلى يوم يشفق فيه حتى الأولياء والملائكة والأنبياء يوم الحساب والقصاص بالاعتدال لا بالاعتداء يوم يقتص للجماء من القرناء ويؤخذ للآباء من الأبناء وللأبناء من الآباء بين يدي ديان الأرض والسماء يوم الجزاء بأعمال القلوب والجوارح لا بالأموال ولا بالأولاد ولا بالأسماء.
فيا أهل الغفلة أفيقوا بالله من سنة الإغفاء وطهروا القلوب من دنس الأهواء فإن القلب المدنس بالذنوب يعد من داء القلب لأعظم الداء وصلاح القلب هو الأصل الذي تثبت عليه قواعد البناء.
كيف تصلح للعالم معرفته وهو يعمل أعمال الجهلاء كيف تصلح للعابد عبادته وهو يرتدي برداء الرياء والكبرياء كيف تصلح للفتى حريته وهو لا يغضب لله بل يغضب ويرضى لأجل البيضاء والصفراء فهذا بأخبث المنازل لتقديمه الهوى على الهدى كيف تصلح للفقير سلامته وهو لا يصبر ولا يسلم
стр. 551
لله في أمر القضاء.
كل هذه علل وأمراض في الدين أسأل الله لي ولكم منها العافية والشفا إذا فسدت البواطن فحق للظواهر بتهدم البناء أي فساد أعظم من المعاصي وإن شؤمها يعم ضرر أهل المدن والقرى فاجتنبوا رحمكم الله الربا والزنا والغيبة والنميمة والكذب والحسد فإن ذلك سبب نزول البلاء.
ألا وإن أقل المعاصي يكفي في نزول الوباء فكيف بكم إذا اجتمعت على الولاء والحق تعالى غيور يغار على ملكه من المعاصي وفعل الفحشاء فإذا ظهرت في البلاد والعياذ بالله من ذلك غار ﷻ فطهرها إما بالسيف وإما بالقحط وإما بالوباء هذه سنة الله نافذة في خلقه فاسألوا عنها في المبتدأ والمنتهى فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ألا ترون أنكم كل يوم تشيعون غاديًا إلى الله ورايحاً وقد أسرع الموت بخياركم انتقالاً ورحلاً.
فالله الله انتبهوا قبل أن يتقطع من أيديكم حبل الرجاء فباب الإجابة مفتوح لصاحب التضرع والابتهال والدعاء ويد الرحمن مبسوطة لقبول التوبة والاستغفار ممن عصى فبادروا رحمكم الله فالأمر عظيم وحققوا بالجد والإخلاص في الدعاء اللهم يا سامع الدعاء يا من أوجب على خلقه الفناء واختار لنفسه البقاء عافنا وجميع المسلمين والمسلمات من كل وبال وبلاء أيقظني الله وإياكم من رقدات الغافلين وجعلنا يوم الجزاء من الشاكرين.
إن أبلغ الوعظ للمعتبرين كلام الله الملك الحق المبين والله تعالى يقول وبقوله يهتدي المهتدوين ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً
стр. 552
وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً﴾ [الإسراء: ١٧] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
١٣٢- (خطبة)
الحمد لله الذي يجود على عباده بسوابغ النعم ويعود عليهم بالمزيد ويبالغ بالكرم ويتطول على الطالبين وإن قصرت منهم الهمم ويتفضل على الراغبين مما لا تنتهي إليه آمالهم ولا جرم جواد لا يحصر جوده جنان ولا لسان ولا قلم فمن بعض إحسانه يكشف غياهب الظلم رحمن رحيم يعم ويخص برحمته من يشاء من الأمم مجيد عظيم من زعم أنه عرفه حق معرفته فهو مدع متهم.
أحمده حمد مكثر ومستزيد للنعم وأشكره على كل ما منح وأعطى وقدر وقسم وأستغفره وأتوب إليه من كل هفوة وزلة قدم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ألوهيته والربوبية والبقاء والقدم وإنها لشهادة حق وصدق ما خاب من استمسك بها واعتصم وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله سيد العرب والعجم الذي أرسله الله تتمة للمرسلين ونعمة للمتقين ورحمة للعالمين وشفيعًا وشهيدًا لسائر الأمم.
نبي لم يزل يطالع شواهد الحق ويدعم ملاحظة المراقبة حتى كان إذا نامت عيناه فقلبه لم ينم ﷺ وعلى آله وأصحابه أولي الفضل والكرم صلاة وسلامًا دائمين متلازمين بدوام تعلق علمه بكل مخدوم وخدم.
أما بعد: فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى سرًا وجهرًا وتوبوا إليه من الذنوب فالتوبة تجب ما قبلها ولو كان كفرًا ولا تكونوا ممن يخالف لله أمرًا
стр. 553
وطهروا نفوسكم من الغل والحقد والحسد والبغضاء وكل خلق ذميم وأصلحوا أعمالكم فإنها معروضة على رب العزة الذي هو بكل شيء عليم.
واعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم فطالما أسبغ الله عليكم من النعم حلة بعد حلة وأوجدكم من العدم جملة بعد جملة وأمهلكم في الوجود مهلة بعد مهلة وكثيرًا ما قللكم الموت فكثركم بعد تلك القلة وكم أعزكم في كل موطن بعزته بعد ذلة وكم كشف عنكم همًا وغمًا وسقمًا وعلة وكم تفضل عليكم في السر والجهر من الإحسان ما لم تكونوا أهلاً له.
فما شكرتم من ذلك إلا اليسير ولا ذكرتم منه إلا أقلة ولا أحدثتم لكل ما أحدثه الله من النعم إلا غفلة بعد غفلة ولا قابلتم ما أمركم الله به من الاستقالة إلا زلة بعد زلة تستقلون الطاعات حتى كأن أمرها عليكم أثقل من الظلة وتستخفون الذنوب حتى إن أكبرها عندكم أهون من قرص نحلة.
تجاهرون الله بالمعاصي وهو معكم يعلم ضمير أحدكم وفعله والله لولا حلمه لخسف بنا ونزل علنيا من العذاب ما لا نطيق حمله ولكنه يمهل ولا يهمل والحذر من الأخذ بعد المهلة فكأني بكم وقد نزل بكم الحمام وصارت أولادكم تدعى بالأيتام وقد شاهدتم ذلك من غيركم وكأنكم في مسكرة أو نيام هل الأعمار في الاعتبار إلا أعوام وهل الأعوام إلا أيام. وهل الأيام إلا ساعات كالسفن ينادي لسان سيرها أهل الدنيا لا مقام لكم وهل الساعات إلا أنفاس تحصيها الحفظة بأمر الملك العلام.
فمن كان هذا أصله كيف لا يسرع بالمتاب ومن كان هذا أساسه فكيف يفرح بدار عمرها في الحقيقة خراب فرحم الله عبدًا أقبل على الباقي
стр. 554
وأعرض عن الفاني من الحطام وجعل لشارد النفس من التقوى أقوى زمام واجتنب الظلم فإن الظلم يخرج من النور إلى الظلام.
فنسألك اللهم توفيقًا يقرب من الحلال ويبعدنا عن الحرام وطريقًا إلى سبيل الخيرات لنتمسك بالزمام وأمنا يوم الفزع الأكبر تبلغنا به غاية المنى والمرام وأدخلنا مع الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام.
إن أحسن الكلام وأبلغ الأحكام كلام الله الملك العلام والله تعالى يقول وقوله الحق المبين ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم
أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم.
١٣٣- خطبة في التحذير من المعاصي
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله وخليله وصفيه، أرسله بالحق بشيرًا ونذيرًا، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 555
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى وأطيعوه، وراقبوه في السر والعلن ولا تعصوه، واعلموا أن الذنوب والمعاصي تضر في الحال والمآل، وأن ضررها في القلوب كضرر السموم في الأبدان على اختلاف درجاتها، وما في الدنيا والآخرة شر وداء إلا سببه الذنوب والمعاصي، فما الذي أخرج الأبوين من الجنة دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟ وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه ومسخ ظاهره وباطنه وبدل بالقرب بعدًا وبالرحمة لعنة وبالجمال قبحًا وبالجنة نارًا تلظى؟ وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم، حتى علا الماء فوق رءوس الجبال؟ وما الذي سلط الريح على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية، ودمرت ما مرت عليه من ديارهم حتى صاروا عبرة للأمم إلى يوم القيامة؟ وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم؟ وما الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نباح كلابهم، ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها فأهلكهم جميعًا وأرسل عليهم حجارة من سجيل؟ وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل، فلما صارت فوق رءوسهم أمطرت عليهم نارًا تلظى؟ وما الذي بعث على بني إسرائيل قومًا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وقتلوا الرجال واحرقوا الديار ونهبوا الأموال، ثم بعث عليهم مرة ثانية فأهلكوا ما قدروا عليه وتبروا ما علوا تتبيرا؟ وما الذي سلط عليهم أنواع العقوبات مرة بالقتل والسبي وخراب البلاد ومرة بجور الملوك ومرة بمسخهم قردة وخنازير، وآخر ذلك أقسم الرب ﵎ ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب أقوام كثيرة جاءت أخبار هلاكهم في القرآن الكريم بسبب كفرهم وعصيانهم وعنادهم وتكبرهم عن طاعة الله تعالى وطاعة رسله
стр. 556
عليهم الصلاة والسلام؟ فاعتبروا يا أولي الأبصار.
والمعاصي ما حلت في ديار إلا أهلكتها، ولا في قلوب إلا أعمتها، ولا في أجساد إلا عذبتها، ولا في أمة إلا أذلتها، ولا في نفوس إلا أفسدتها، ولو لم يكن من المعاصي إلا أنها سبب لهوان العبد على الله وسقوطه من عينه لكفى، وإذا هان العبد على الله تعالى لم يكرمه أحد، كما قال : ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨] . ومن عقوبات الذنوب أيضًا أنها تزيل النعم، وتحل النقم، فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب، كما قال علي بن أبي طالب ﵁: ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٥٣] . فأخبر تعالى أنه لا يغير نعمة أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه، فيغير طاعة الله بمعصيته وشكره بكفره وأسباب رضاه بأسباب سخطه، فإذا غَير غُير عليه جزاء وفاقًا، وما ربك بظلام للعبيد، فإن غير المعصية بالطاعة غير الله عليه العقوبة بالعافية والذل بالعز، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ [الرعد: ١١] . وفي بعض الآثار الالهية عن الرب ﵎ أنه قال: «وعزتي وجلالي لا يكون عبد من عبيدي على ما أحب ثم ينتقل عنه إلى ما أكره إلا انتقلت له مما يحب إلى ما يكره، ولا يكون عبد من عبيدي على ما اكره ثم ينتقل عنه على ما أحب إلا انتقلت له مما يكره إلى ما يحب»
стр. 557
فاتقوا الله عباد الله في السر والعلن، وتوبوا إليه واستغفروه، وحاذروا غضبه ولا تعصوه، فالمعاصي تمحق بركة العمر وبركة الزرق والعلم والطاعة، وبالجملة تمحق بركة الدين والدنيا فلا تجدون أقل بركة في عمره ودينه ودنياه ممن عصى الله تعالى، وما مُحقت البركة من الأرض إلا بمعاصي الخلق، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] . وقال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾ [الجن: ١٧] .
وفي الحديث: «إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها» .
فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإنه ما ينال ما عند الله تعالى إلا بطاعته، وليست سعة الرزق والعمل بكثرته، ولا طولُ العمر بكثرة الشهور والأعوام، ولكن سعة الرزق والعمر بالبركة فيهما، ومعلوم أن عمر العبد هو مدة حياته، ولا حياة لمن أعرض عن الله واشتغل بغير ذكره، بل حياة البهائم خير من حياته، فإن حياة الإنسان بحياة قلبه وروحه، ولا حياة لقلبه إلا بمعرفة فاطره ومحبته وذكره وعبادته وحده والإنابة إليه والطمأنينة بطاعته والأنس بقربه، ومن فقد هذه الحياة فقد الخير كله، ولو تعوض عنها بما تعوض بل ليست الدنيا بأجمعها عوضًا عن هذه الحياة، فمن كل شيء يفوت العبد عوض، وإذا فاته الله لم يعوض عنه شيء ألبتة، وإنما كانت معصية الله سببًا لمحق بركة الرزق والعمر، لأن الشيطان وكل بها وبأصحابها، وكل شيء يتصل به الشيطان ويقارنه فبركته ممحوقة، ولهذا شرع اسم الله
стр. 558
تعالى عند الأكل والشرب واللبس والركوب والجماع لما في مقارنة اسم الله تعالى من البركة، وكل شيء لا يكون لله فبركته منزوعة، فإن الرب ﷻ هو الذي يبارك وحده، والبركة كلها منه، وكل ما نسب إليه مبارك، فكلامه مبارك، ورسوله مبارك، وعبده المؤمن النافع لخلقه مبارك، وبيته الحرام مبارك، فلا مبارك إلا هو وحده لا شريك له، وكل ما باعده الله من نفسه المقدسة من الأعيان والأقوال والأعمال فلا بركة فيه، ولا خير فيه، وكل ما كان منه -تعالى- قريب ففيه من البركة على قدر قربه منه، وضد البركة اللعنة، فأرض لعنها الله أو شخص لعنه الله أو عمل لعنه الله أبعد شيء من الخير والبركة، وكل ما اتصل بذلك وارتبط به وكان منه بسبيل فلا بركة فيه ألبتة، فمن ههنا كان للمعاصي أعظم تأثير في محق بركة العمر والرزق والعلم والعمل، وكل وقت عصيت الله فيه أو مال عصي الله به أو بدن أو جاه أو علم أو عمل فهو على صاحبه ليس له، فليس له من عمره وماله وقوته وجاهه وعلمه وعمله إلا ما أطاع الله تعالى به، ولهذا فمن الناس من يعيش في هذه الدار مائة سنة أو نحوها ولا يبلغ عمره في الحقيقة عشر سنين أو نحوها، كما أن منهم من يملك القناطير المقنطرة من الذهب والفضة ولا يبلغ ما له في الحقيقة ألف درهم أو نحوها … وهكذا الجاه والعلم.
فبادروا -رحمكم الله تعالى- بالتوبة والأعمال الصالحة قبل فوات الأوان، فالفرصة ها هي ذي سانحة، ووسائل الهدى ما تزال حاضرة، وباب التوبة ها هو ذا مفتوح، وليس على بابه من يمنع، ولا يحتاج من يلجه إلى استئذان، وهي أمنية لا ينالها إلا الموفقون، فإذا انتهت هذه الحياة فلا كرة ولا رجوع، فهيا وأنتم أولاء في دار العمل، وهي فرصة واحدة، فإذا انتهت لا
стр. 559
تعود، هيا إلى التوبة قبل فوات الأوان، هيا من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال، هيا فالوقت غير مضمون، وقد يفصل في الأمر، وتغلق الأبواب في أية لحظة من لحظات الليل والنهار، هيا واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم، وهو هذا القرآن الذي بين أيديكم، واهتدوا بهدي نبيكم محمد ﷺ ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [النساء: ١٨] .
اللهم اجعلنا من التوابين، واجعلنا من المتطهرين الذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون.
أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
١٣٤- خطبة في أصول الدين
الحمد لله المعروف بأسمائه وصفاته، المتحبب إلى خلقه بجزيل هباته.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، المتفرد بالألوهية والوحدانية، المتوحد في العظمة والكبرياء والمجد والربوبية.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أكمل الخلق في مراتب العبودية،
стр. 560
وأعلاه في كل خصلة حميدة فهو خير البرية.
اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه الأخيار. وعلى التابعين لهم بالأقوال والأفعال والإقرار.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واعلموا أن الله حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه. فهو الغني المطلق ومن سواه إليه فقير، وهو القوي العزيز ومن سواه عاجز ذليل. وهو الجواد الكريم، فلا غنى لأحد عن كرمه طرفة عين ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠] . ونؤمن أن الله الذي لا إله إلا هو فهو ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين.
فكما أنه لا رب ولا خالق ولا منعم سواه، فليس للعباد إله ومعبود إلا الله. فمن أخلص له الدين في ظاهره وباطنه فهو الموحد حقًا. ومن صرف شيئًا من العبادة لغيره فهو المشرك صرفًا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] . وقال: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥] .
فليس لنا معبود سواه فلا نستعين إلا به ولا نعبد إلا إياه فهو الإله المقصود بالتأله والحب والتعظيم. وهو المقصود لقضاء الحاجات وتفريج الكربات وكل أمر عظيم، خلقكم وأمركم بمعرفته وعبادته، وحثكم على إخلاص الدين وتحقيق طاعته. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] . وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي
стр. 561
خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [الطلاق: ١٢] . وقال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد: ١٩] .
وذلك أنه يجب علينا أن نؤمن ونعترف أن الله هو الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور، المتفضل على عباده بالنعم الظاهرة والباطنة نعم الدنيا ونعم الدين. وأنه الموصوف بسعة الرحمة وشمول الحكمة والعلم المحيط الشامل. المنعوت بالعظمة والكبرياء والعز الكامل. الحي القيوم الذي لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار. وعمل النهار قبل عمل الليل على الكمال والتمام. ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] . ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل٦٢] .
ونؤمن بنزول ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا كما أخبر به الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى. مع أنه العلي الأعلى. الذي على العرش استوى. وعلى الملك احتوى ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨] .
ونؤمن أن المؤمنين يرون ربهم في جنة المأوى، فرؤيته ورضوانه أكبر نعيم يجزله لهم المولى.
ونشهد أن القرآن تنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلب النبي الكريم بلسان عربي مبين، فهو كلام الله حقًا منزل غير مخلوق. فهو
стр. 562
الهدى والرحمة والشفاء والنور، وعليه المدار في الأصول والفروع والأحكام كلها وجميع الأمور.
ونشهد أن الله حق، وقوله حق، ووعده حق، ولقاؤه حق، والنبيون حق، ومحمد حق ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٧] . فيجازيهم بأعمالهم إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، فيثيب الطائعين بفضله، ويعاقب العاصين بحكمته وعدله ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩] .
ونؤمن بجميع ما جاء به الكتاب والسنة من أحوال اليوم الآخر، والشفاعة، والحوض، والميزان، والصراط، وصحائف الأعمال. وما ذكر من صفات الجنة والنار. وصفات أهلهما كل ذلك حق لا ريب فيه. وكله داخل في الإيمان باليوم الآخر.
والحاصل أننا نؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. والقدر خيره وشره. إيمانًا مجملاً شاملاً وإيمانًا مفصلاً في كتاب ربنا وسنة نبينا.
ونسأله تعالى أن يثبتنا على ذلك ويميتنا. ويحيينا عليه. إنه جواد كريم.
اللهم ألحقنا بعبادك الأبرار وأسكنا الجنة دار القرار واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 563
١٣٥- "موعظة "
عباد الله قد كثر في زمننا اليوم أناس يرى أحدهم قدر نفسه فوق ما تتصوره الأفهام ويجزم كل الجزم أنه رفيع المقام، رفعة كل رفيع معها تحت الأقدام، لا تذكر أمامه فاضلاً إلا ضحك وهز رأسه متهكمًا ساخرًا بما له من مقام وقديمًا قيل:
وَمَنْ جَهِلَتْ نَفْسُهُ قَدْرَهُ … رَأَى غَيْرُهُ مِنْهُ مَالا يَرَى
وتجد هذا المتكبر المعجب بنفسه شرسًا أحمقًا ذا إباء واستعصاء حتى على خالقه القدير الكبير المتعالي وتراه ناري المزاج يلتهب التهابًا وينفجر لأدنى كلمة لا ترضيه ولو لم يقصد قائلها إلا الحسنى.
ومن علاماته أنك تجده حريصًا على أن يكون أمام الناس وأن يصغوا إلى كلامه ويؤلمه كلام غيره ولو كان حقًا وتجد ثيابه مسبلة وفي مشيه يتبختر مصعرًا خده وإن كان عليه عقال تجده مميلاً له وتجد بعضهم قد وفر شاربه وفتله وسوى شنباته كالقرون قال بعضهم:
إِنَّ الكَمَالَ الذِيْ سَادَ الرِّجَالُ بِهِ … هُوَ الوَقَارُ وَقَرْنُ العِلْمِ بِالعَمَلِ
فَقُلْ لِمَنْ يَزْدَهِيْ عُجْبًا بِمَنطِقِهِ … وَقَلْبُهُ فِي قُيُوْدِ الحِرْصِ وَالأَمَلِ
مَهْلاً فَمَا اللهُ سَاهٍ عَنْ تَلاعُبِكُم … لَكِنَّ مَوْعِدُكُمْ فِي مُنْتَهَى الأَجَلِ
وَقُلْ لِمَنْ فَخْرُه فِي فَتْلِ شَارِبِهِ … أَضَعْتَ عُمْرَكَ بَيْنَ الكِبْرِ وَالكَسَلِ
حَتَّامَ تُبْرِمُ يَا وَافِيْ القَفَا شَنَبًا … مَا فِي طَوَايَاهُ إِلا خَيْبَةُ الأَمَلِ
أَصْبَحْتَ بُعْبُعَ مَنْ فِي البَيْتِ تُزْعِجُهُمْ … هَلا أَخَفْتَ العِدَا يَا مُعْرَضَ الخَجَلِ
стр. 564
ومن علاماته أنك تجد صاحب الكبر لا يرغب قرب الفقراء منه ولا يألف إلا الأغنياء فالمتكبر لا يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه لأنه لا يقدر على ذلك بسبب كبره وعجبه ولا يقدر على التواضع وهو رأس أخلاق الأصفياء.
ولا يقدر المتكبر على ترك الحقد ولا يقدر أن يدوم على الصدق ولا يقدر على ترك الغضب ولا على كظم الغيظ ولا يسلم من احتقاره للناس ولا يسلم من الغيبة والبهت لأنه فيه من العظمة والعزة والكبرياء ما يحول بينه وبين ذلك.
فما من خلق ذميم وقبيح إلا وصاحب الكبر مضطر إليه ليحفظ به عزه وعظمته ولذلك ورد في الحديث: «أنه لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر» . وفي وصية لقمان لابنه يقول: « ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ » .
ومن تعاليم ربنا لهذه الأمة ونبيها ﵊ يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً﴾ [الإسراء: ٣٧] .
وبالحقيقة إن المتكبر مسكين ثم مسكين إلى حد يستحق معه الرثاء فإنك بينما تراه بهذا الكبرياء والعظمة تراه غارقًا في بحر المعاصي وذلها يُلقي نفسه في جهنم.
أيظن هذا المسكين أنه عزيز والله عليه غضبان أو يظن أنه رفيع وهو في قاذورات المعاصي إن العزة والرفعة لا يحصلان بالدعوى وليس حصولهما بيد مخلوق ولكنهما بيد الله وحده يمنحهما إلى من يسارعون إلى طاعة مولاهم
стр. 565
جل وعلا وتقدس.
فيا عباد الله انصحوا من وقع في ورطة الكبر وقولوا له تدبر كلام رب العالمين مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣] . وقوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٦] .
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله ﷺ : «يحشر المتكبرون أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان يساقون إلى سجن في جهنم يقال له بولس تعلوهم نار الأنيار يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال» . رواه النسائي والترمذي واللفظ له وقال حديث حسن.
اللهم يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه أجمع بيننا وبين الصدق والنية الصالحة والإخلاص والخشوع والمراقبة واليقين والعلم والمعرفة والفصاحة والبيان والفهم في القرآن وخصنا منك بالمحبة والاصطفائية ووفقنا للعمل الصالح الرشيد والرزق الهنيء الذي لا حجاب به في الدنيا ولا حساب ولا سؤال ولا عقاب عليه في الدنيا والآخرة واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →