Полный текст (1 102 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [الطلاق: ١٢] . وقال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد: ١٩] .
وذلك أنه يجب علينا أن نؤمن ونعترف أن الله هو الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور، المتفضل على عباده بالنعم الظاهرة والباطنة نعم الدنيا ونعم الدين. وأنه الموصوف بسعة الرحمة وشمول الحكمة والعلم المحيط الشامل. المنعوت بالعظمة والكبرياء والعز الكامل. الحي القيوم الذي لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار. وعمل النهار قبل عمل الليل على الكمال والتمام. ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] . ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل٦٢] .
ونؤمن بنزول ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا كما أخبر به الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى. مع أنه العلي الأعلى. الذي على العرش استوى. وعلى الملك احتوى ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨] .
ونؤمن أن المؤمنين يرون ربهم في جنة المأوى، فرؤيته ورضوانه أكبر نعيم يجزله لهم المولى.
ونشهد أن القرآن تنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلب النبي الكريم بلسان عربي مبين، فهو كلام الله حقًا منزل غير مخلوق. فهو
стр. 562
الهدى والرحمة والشفاء والنور، وعليه المدار في الأصول والفروع والأحكام كلها وجميع الأمور.
ونشهد أن الله حق، وقوله حق، ووعده حق، ولقاؤه حق، والنبيون حق، ومحمد حق ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٧] . فيجازيهم بأعمالهم إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، فيثيب الطائعين بفضله، ويعاقب العاصين بحكمته وعدله ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩] .
ونؤمن بجميع ما جاء به الكتاب والسنة من أحوال اليوم الآخر، والشفاعة، والحوض، والميزان، والصراط، وصحائف الأعمال. وما ذكر من صفات الجنة والنار. وصفات أهلهما كل ذلك حق لا ريب فيه. وكله داخل في الإيمان باليوم الآخر.
والحاصل أننا نؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. والقدر خيره وشره. إيمانًا مجملاً شاملاً وإيمانًا مفصلاً في كتاب ربنا وسنة نبينا.
ونسأله تعالى أن يثبتنا على ذلك ويميتنا. ويحيينا عليه. إنه جواد كريم.
اللهم ألحقنا بعبادك الأبرار وأسكنا الجنة دار القرار واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 563
١٣٥- "موعظة "
عباد الله قد كثر في زمننا اليوم أناس يرى أحدهم قدر نفسه فوق ما تتصوره الأفهام ويجزم كل الجزم أنه رفيع المقام، رفعة كل رفيع معها تحت الأقدام، لا تذكر أمامه فاضلاً إلا ضحك وهز رأسه متهكمًا ساخرًا بما له من مقام وقديمًا قيل:
وَمَنْ جَهِلَتْ نَفْسُهُ قَدْرَهُ … رَأَى غَيْرُهُ مِنْهُ مَالا يَرَى
وتجد هذا المتكبر المعجب بنفسه شرسًا أحمقًا ذا إباء واستعصاء حتى على خالقه القدير الكبير المتعالي وتراه ناري المزاج يلتهب التهابًا وينفجر لأدنى كلمة لا ترضيه ولو لم يقصد قائلها إلا الحسنى.
ومن علاماته أنك تجده حريصًا على أن يكون أمام الناس وأن يصغوا إلى كلامه ويؤلمه كلام غيره ولو كان حقًا وتجد ثيابه مسبلة وفي مشيه يتبختر مصعرًا خده وإن كان عليه عقال تجده مميلاً له وتجد بعضهم قد وفر شاربه وفتله وسوى شنباته كالقرون قال بعضهم:
إِنَّ الكَمَالَ الذِيْ سَادَ الرِّجَالُ بِهِ … هُوَ الوَقَارُ وَقَرْنُ العِلْمِ بِالعَمَلِ
فَقُلْ لِمَنْ يَزْدَهِيْ عُجْبًا بِمَنطِقِهِ … وَقَلْبُهُ فِي قُيُوْدِ الحِرْصِ وَالأَمَلِ
مَهْلاً فَمَا اللهُ سَاهٍ عَنْ تَلاعُبِكُم … لَكِنَّ مَوْعِدُكُمْ فِي مُنْتَهَى الأَجَلِ
وَقُلْ لِمَنْ فَخْرُه فِي فَتْلِ شَارِبِهِ … أَضَعْتَ عُمْرَكَ بَيْنَ الكِبْرِ وَالكَسَلِ
حَتَّامَ تُبْرِمُ يَا وَافِيْ القَفَا شَنَبًا … مَا فِي طَوَايَاهُ إِلا خَيْبَةُ الأَمَلِ
أَصْبَحْتَ بُعْبُعَ مَنْ فِي البَيْتِ تُزْعِجُهُمْ … هَلا أَخَفْتَ العِدَا يَا مُعْرَضَ الخَجَلِ
стр. 564
ومن علاماته أنك تجد صاحب الكبر لا يرغب قرب الفقراء منه ولا يألف إلا الأغنياء فالمتكبر لا يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه لأنه لا يقدر على ذلك بسبب كبره وعجبه ولا يقدر على التواضع وهو رأس أخلاق الأصفياء.
ولا يقدر المتكبر على ترك الحقد ولا يقدر أن يدوم على الصدق ولا يقدر على ترك الغضب ولا على كظم الغيظ ولا يسلم من احتقاره للناس ولا يسلم من الغيبة والبهت لأنه فيه من العظمة والعزة والكبرياء ما يحول بينه وبين ذلك.
فما من خلق ذميم وقبيح إلا وصاحب الكبر مضطر إليه ليحفظ به عزه وعظمته ولذلك ورد في الحديث: «أنه لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر» . وفي وصية لقمان لابنه يقول: « ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ » .
ومن تعاليم ربنا لهذه الأمة ونبيها ﵊ يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً﴾ [الإسراء: ٣٧] .
وبالحقيقة إن المتكبر مسكين ثم مسكين إلى حد يستحق معه الرثاء فإنك بينما تراه بهذا الكبرياء والعظمة تراه غارقًا في بحر المعاصي وذلها يُلقي نفسه في جهنم.
أيظن هذا المسكين أنه عزيز والله عليه غضبان أو يظن أنه رفيع وهو في قاذورات المعاصي إن العزة والرفعة لا يحصلان بالدعوى وليس حصولهما بيد مخلوق ولكنهما بيد الله وحده يمنحهما إلى من يسارعون إلى طاعة مولاهم
стр. 565
جل وعلا وتقدس.
فيا عباد الله انصحوا من وقع في ورطة الكبر وقولوا له تدبر كلام رب العالمين مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣] . وقوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٦] .
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله ﷺ : «يحشر المتكبرون أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان يساقون إلى سجن في جهنم يقال له بولس تعلوهم نار الأنيار يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال» . رواه النسائي والترمذي واللفظ له وقال حديث حسن.
اللهم يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه أجمع بيننا وبين الصدق والنية الصالحة والإخلاص والخشوع والمراقبة واليقين والعلم والمعرفة والفصاحة والبيان والفهم في القرآن وخصنا منك بالمحبة والاصطفائية ووفقنا للعمل الصالح الرشيد والرزق الهنيء الذي لا حجاب به في الدنيا ولا حساب ولا سؤال ولا عقاب عليه في الدنيا والآخرة واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 566
١٣٦- "موعظة "
عباد الله من كان الموت يطلبه كيف يقر له قرار ومن كان الدهر يجاريه فكيف يطيق الانتصار، ومن كان راحلاً عن الدنيا إلى الآخرة كيف يلذ له قرار، عجبًا لمن يملأ عينه بالنوم وهو لا يدري أيساق إلى الجنة أو إلى النار. ولقد أحسن من قال:
وَكَيْفَ تَنَامُ العَيْنُ وَهِي قَرِيْرَةٌ … وَلَمْ تَدْرِ في أَيْ المَكَانِيْنِ تَنْزِلُ
إن هي إلا غفلة وأمنية عاجلة وسجية عادلة جرى بها القلم ومضى عليها سالف الأمم، فيا فرائس الأحداث ويا عرائس الأجداث، لقد صعق الموت في دياركم فنعب، وصدقكم صرف الزمان وما كذب، فكأنه قد أعاد عليكم الكرة وسلب، ونغص عليكم المسرة، وانتهز فيكم الغرة، فما أقالكم عثرة.
عن كعب أو عن قتادة قال: يوم يقوم الناس لرب العالمين قال: يقومون مقدار ثلاثمائة عام قال: سمعت الحسن يقول: ما ظنك بأقوام قاموا لله على أقدامهم مقدار خمسين ألف سنة لم يأكلوا فيها أكلة ولم يشربوا فيها شربة حتى إذا انقطعت أعناقهم من العطش واحترقت أجوافهم من الجوع انصرف بهم إلى النار فسقوا من عين قد آن حرها واشتد نفحها.
فلما بلغ المجهود منهم ما لا طاقة لهم به كلَّم بعضهم بعضًا في طلب من يكرم على مولاه أن يشفع لهم في الراحة من مقامهم وموقفهم لينصرفوا إلى الجنة أو إلى النار من وقوفهم ففزعوا إلى آدم ونوح ومن بعده إبراهيم وموسى وعيسى كلهم يقول: إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب مثله قبله ولا يغضب بعده مثله فكلهم يذكر شدة غضب الرب وينادي بالشغل
стр. 567
بنفسه فيقول نفسي نفسي فيشتغل بنفسه عن الشفاعة لهم إلى ربهم لاهتمامه بنفسه وخلاصها.
وكذلك يقول الله : ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [النحل: ١١١] . فبادروا رحمكم الله وأنتم في مكان الإمكان، قبل ضيق الأوطان، وتقلص اللسان واصفرار البنان، والتقلب من جهة إلى جهة من شدة الآلام.
ورفع يد ووضع الأخرى من شدة السكرات، لجذب الروح من العروق والعصب والعظام، قبل شخوص البصر، وبرودة البدن، ونقله لبيت الدود والظلمة والوحشة والإنفراد وسؤال منكر ونكير، وما يعقبه من كل أمر خطير في يوم يشيب من أهواله الولدان.
اللهم نجنا برحمتك من النار وعافنا من دار الخزي والبوار وأدخلنا بفضلك الجنة دار القرار وعاملنا بكرمك وجودك يا كريم يا غفار واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
١٣٧- "موعظة "
ابن آدم كأنك بالموت وقد فجأك وألحقك بمن قد سبقك من الأمم ونقلك من الفلل والعمائر إلى بيت الوحدة والوحشة والظلم ومن ذلك إلى عسكر الموتى مخيمة بين الخيم مفرقًا من مالك ما اجتمع ومن شملك ما انتظم وليس لك قدرة فتدفعه بكثرة الأموال ولا بقوة الخدم وندمت على التفريط ولات ساعة ندم.
стр. 568
فيا عجبًا لعين تنام وطالبها مجد في طلبها لم ينم، متى تحذر مما توعد وتهدد، ومتى تضرم نار الخوف في قلبك وتتوقد، إلى متى حسناتك تضمحل وسيئاتك تتجدد، وإلى متى لا يهولك زجر الواعظ وإن شدد وإلى متى وأنت بين الفتور والتواني تردد متى تحذر يومًا تنطق فيه الجلود وتشهد ومتى تقبل على ما يبقى وتترك ما يفنى وينفد.
متى تهب بك في بحر الوجد ريح الخوف والرجا متى تكون في الليل قائمًا إذا سجى أين الذين عاملوا مولاهم بالإخلاص وانفردوا وقاموا في الدجى فركعوا وسجدوا وقدموا إلى بابه في الأسحار ووفدوا وصاموا هواجر النهار فصبروا واجتهدوا، لقد ساروا وتخلفت وفاتك ما وجدوا وبقيت في أعقابهم وإن لم تسرع وتجتهد بعدوا.
فتنبه وتيقظ يا مسكين قبل أن يفاجئك هادم اللذات فلا تقدر على استدراك لما فات، قال الله جلا وعلا: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [طه: ١١] .
اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد ونسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك ونسألك قلبًا سليمًا ولسانًا صادقًا ونسألك من خير ما تعلم ونعوذ بك من شر ما تعلم ونستغفرك لما تعلم إنك أنت علام الغيوب والله أعلم وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 569
١٣٨- "موعظة "
عباد الله لقد تغير أكثر أهل هذا الزمن في أحوالهم الدينية تغيرًا يدهش ذوي العقول تغيرًا من أمعن النظر فيهم ظن أنهم ليسوا من فريق المؤمنين.
هذه الصلاة وهي عمود الإسلام آكد أركانه بعد الشهادتين، أعرضوا عنها، ولم يبالوا فيها جهلوا ما هي الصلاة، وأي قيمة قيمتها وما منزلتها بين سائر الطاعات.
أما علموا أنها أول ما ينظر فيه من عمل العبد يوم القيامة، فإن وجدت تامة صالحة قبلت منه، وسائر عمله، وإن وجدت ناقصة ردت إليه وسائر عمله، ثم تكون كالثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها.
عباد الله إن الصلاة عبادة، ومناجاة، وقربى، نظامها الركوع والسجود، مع التذلل، والخضوع، وأقوالها القراءة، والتسبيح، والابتهال، إلى الله، وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم وروحها الإخلاص لله، وسرها إظهار العبودية، والاستكانة، لعظمة الرب جل وعلا.
إنها خمس صلوات في اليوم والليلة، خمس وقفات يقفها العبد أما سيده ومولاه، خالقه، ومدبر أمره، ولها عند الله ثواب خمسين صلاة.
شُرعت لها الجماعة، وأمر ببناء المساجد لأجلها، وشرع لها الأذان، لينتبه الغافل، ويتذكر الناسي، والجاهل، إعلامًا لوقتها ليجتمع المسلمون إليها، ويؤدوها في جو يسوده الإخاء والمحبة والألفة.
وهي خير العبادات، وكانت قرة عين النبي ﷺ ، كما في الحديث:
стр. 570
«وجعلت قرة عيني في الصلاة» ، وكان ﷺ يقول: «أرحنا يا بلال بالصلاة» .
عباد الله إن الصلاة كما علمتم عماد الدين، ونور اليقين ومصدر البر، ومبعث الخير، العميم، وعصمة لمن وفقه الله عن الفحشاء والمنكر، ونجاة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
وقد جاء في الحديث: «الصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء» وذكرها رسول الله ﷺ يومًا فقال: «من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة» .
عباد الله إن الصلاة من أجلّ الشعائر الدينية وأعظم المظاهر الإسلامية ومن أشرف العبادات وهي خير ما يتقرب به العبد إلى الله وقد كان ﷺ يصلي حتى تورمت قدماه.
عباد الله إذا فهمتم ما سبق من عظم شأن الصلاة فما بال قوم يهملونها ويتهاونون بها ويتكاسلون عنها عند حلول وقتها وما بال أقوام يؤدونها على عجل وعلى غير وجهها وينقرونها نقر الغراب كأنهم مكرهون عليها وينسون أنها وقفة أمام بديع السموات والأرض فمن الخير أن تطول هذه الوقفة قال ﷺ : «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة» .
ومن المؤسف أن أكثر الخطباء اليوم عملوا بخلاف ذلك فأطالوا الخطبة وقصروا الصلاة فلا حول ولا قوة إلا بالله.
عباد الله إن بعض الناس يؤدي الصلاة تعودًا لا تعبدًا وهذا ما جعلها لا
стр. 571
تنهاه عن فحشاء ولا منكر لسان حالهم يقول يا إمام أرحنا من الصلاة.
عباد الله إن الله جل وعلا أنعم علينا بنعم عظيمة لا تعد ولا تحصى جعلنا من بني آدم وجعل لنا سمعًا وأبصارًا وأفئدة ومنحنا النشاط والقوة وشد أسرنا. ووهبنا الصحة والعافية والرزق وسهل علينا الحركة والسعي.
هذا البعض اليسير من نعمه كله كرمًا منه وتفضلاً ولم يطلب منا إلا دقائق من يوم طويل نشكره فيها ونحمده ونسأله أن يعفو عنا ويرزقنا ويرحمنا ويحفظنا وأولادنا وأهلنا وهذه لا تخرج عن كونها لخيرنا في الدنيا والآخرة.
فما لنا لا نقوم بهذه الدقائق بجد واجتهاد وإخلاص ورغبة ونشاط ونسعى إلى مناجاة مولانا وسيدنا راغبين ونحافظ على أوقات الصلاة ونقيمها على الوجه الأكمل لا شك أن العبد عندما يحاسب نفسه يخجل ويستجي جدًا ويتذكر أن الصلاة التي هي صلة بينه وبين مولاه لا تأخذ من يومه إلا دقائق بينما له باقي اليوم كله.
اللهم ارزقنا المعرفة على بصيرة بك وبأسمائك وصفاتك ووفقنا لما تحبه وترضاه من الأعمال وجنبنا ما تكرهه ولا ترضاه من الأقوال والأعمال وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار يا عزيز ويا غفار اغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 572
١٣٩- خطبة في "ذكر صفة الجنة وأهلها "
الحمد لله البر الكريم. الرءوف الرحيم. ذي الفضل العظيم والإحسان الشامل الكامل العميم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك العظيم. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى الكريم. اللهم صل وسلم وبارك على محمد وعلى آله وأصحابه السالكين للصراط المستقيم.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى فإن الله أعد الجنة للمتقين. ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ ، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلوب العالمين، فيها أنهار من ماء غير آسنٍ وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى، ولههم فيها من كل الثمرات والفواكه المتنوعة لذيذة الطعم سهلة المنار على المتناولين، وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون، ظلها ممدود وخيرها غزير غير محدود، وأنهارها تجري في غير أخدود، فتبارك الرب المعبود، دار جل من سوها وبناها، دار طابت للأبرار منازلها المزخرفة وسكناها دار تبلغ النفوس فيها منيتها ومناها، رياضها الناضرة مجمع الأصفياء المتحابين، وبساتينها الزاهرة نزهة المشتاقين، وخيام اللؤلؤ والدر على شواطئ أنهارها بهجة للناظرين، فيها خيرات الأخلاق حسان الوجوه قد جمع الله لهن الجمال الباطن والظاهر من جميع الوجوه، أبكارًا عربًا أترابًا كأنهن اللؤلؤ المكنون، قاصرات الطرف من حسنهن الذي
стр. 573
قصر عن وصفه الواصفون، مقصورات في خيام اللؤلؤ والزبر جد عن رؤية العيون، يتمتع أهلها في كرم الرب الرحيم، وينظرون بأبصارهم إلى وجهه الكريم. فإذا رأوا ربهم تعالى نسوا ما هم فيه من النعيم، ينادي المنادي في أرجاء الجنة مبشرًا لأهلها بدوام النعيم سرمدًا، إن لكم إن لكم إن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تصحوا فلا تمرضوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، إن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبدًا، وإن لكم أن يحل الكريم عليكم رضوانه فلا يسخط عليكم أبدًا يتزاور فيها الأصحاب والأقارب والأحباب ويجتمعون في ظلها الظليل، ويتعاطون فيها كؤوس الرحيق والتسنيم والسلسبيل، ويتنادمون بأطيب الأحاديث متحدثين بنعم المولى الجليل، قد نزع من قلوبهم الغل والهم والأحزان، وتوالت عليهم المسرات والخيرات والكرم والإحسان، لمثل هذه الدار فيعمل العاملون، وفي أعمالها الموصلة إليها فليتنافس المتنافسون، فوا عجبًا كيف نام طالبها، وكيف لم يسمح بمهرها خاطبها وكيف طاب القرار في هذه الدار بعد سماع أخبارها، وكيف قر للمشتاقين القرار دون معانقة أبكارها طريقها يسر على من يسره الله عليه، وهو امتثال الأوامر واجتناب النواهي والتوبة والإنابة إليه.
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل واعتقاد ونعوذ بك من النار وما يقربنا إليها من قول وعمل واعتقاد إنك أنت الكريم الجواد.
стр. 574
١٤٠- خطبة في "النار وصفتها وأهلها "
الحمد لله الذي جعل النار مثوى للكافرين وعاقبة المجرمين والمتكبرين والمتجبرين فهو الحكم العدل شديد العقاب وأحكم الحاكمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي حذر وأنذر وأخبر أن جهنم مثوى للظالمين. اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه أئمة المتقين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الناس اتقوا ربكم واتقوا النار التي أعدت للكافرين وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين، فإن الله أخبر انه لا يُصلي النار إلا الأشقى الذي كذب وتولى وجمع فأوعى، ونسى المبتدأ والمنتهى، فهي دار من طغى وبغى، وتجبر على الخلق وآثر الحياة الدنيا، دار الشقاء الأبدي والعذاب الشديد السرمدي، دار جمع الله فيها للطاغين أصناف العذاب، وأحل على أهلها السخط والسعير والحجاب، دار اشتد غيظها وزفيرها، وتفاقمت فظاعتها وحمي سعيرها، قعرها بعيد، وعذابها شديد، ولباس أهلها القطران والحديد، وطعامهم الغسلين وشرابهم الصديد، يتجرعه المجرم ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت فيستريح من التنكيد، يتردد أهلها بين الزمهرير المفرط برده وبين السعير، ويلاقون فيها العنا والشقا فيا بئس المثوى ويا بئس المصير، ويُلقى عليهم الجوع الشديد المفظع، والعطش العظيم الموجع، فيستغيثون للطعام والشراب، فيغاثون من هذا العذاب بأفظع عذاب، يغاثون بماء كالمهل وهو الرصاص المذاب، خبيث الطعم منتن الريح حره قد تناهى، إذا قرب من وجوههم اسقط جلدها ولحمها وشواها وإذا وقع في
стр. 575
بطونهم صهرها وقطع معاها، يغلي طعام الزقوم في بطونهم كغلي الحميم فشاربون عليه من الحميم. فشاربون شرب الإبل العطاش الهيم. هذا نزلهم فبئس النزل غير الكريم. ينادون مالكًا خازن النار: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] . فيقول: ﴿إِنَّكُم مَّاكِثُونَ لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨] . وينادون مستغيثين بربهم: "ربنا غلبت علينا شوقتنا وكنا قومًا ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون قال: اخسوا فيها ولا تكلمون فحينئذ ييأسون من كل خير ويأخذون في الزفير والشهيق، وكلما رفعهم اللهب وأرادوا أن يخرجوا منها: أعيدوا فيها وقيل لهم: ذوقوا عذاب الحريق، لا يفتر عنهم من عذابها وهم فيه مبلسون ويبكون دما بعد الدموع فلا يرحمون جزاء بما كانوا يكسبون. قد فاتهم مرادهم ومطلوبهم، واعترفوا بذنوبهم وأحاطت بهم ذنوبهم يدعون بالويل والثبور يا ثبوراه يا حسرتنا على ما فرطنا في جنب الله، وا حزننا من فظيعة العذاب والشقا، وا كربنا من دار العقاب وتجدد العنا وا فجيعتنا من الخلود في الجحيم ويا عظم البلاء، فما لنا من شافعين، ولا أولياء وأخلاء دافعين قد نسينا الرحمن في العذاب كما نسيناه، وكما جحدنا آياته وجزاءه ولقاء، فوالله أن أفئدتنا لتفتت من قوة العقاب، وإن قلوبنا لتتقطع من الكروب وعظم المصاب، سواء علينا أجزعنا أم صبرنا فالعذاب دائم وسواء دعونا أو سكتنا فليس لنا مشفق ولا ولي ولا راحم. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 576
١٤١- "موعظة "
عباد الله إن الحياء كما علمتم من الإيمان وإنه لا يأتي إلا بخير وأنه خلق الإسلام وذلك أنه يجر إلى الكمالات وإلى الفضائل فمن لم يكن من أهل الحياء حقيقة فليقتدي بهم وليتشبه بهم لأنهم خاصة الفضلاء.
فذو الحياء الخُلُقي يمنعه حياؤه من العدوان على المخلوقات، ذو الحياء لا تبدر منه بادرة بينها وبين الفضائل تنافي، ذو الحياء لا يقدم على الزنا بل ولا على مغازلة النساء التي هي مفتاح الفسوق ولا يقدم على معاملة في الربا لعلمه أن متعاطي الربا العالم بتحريمه محارب لله ورسوله.
ذو الحياء لا يغش أخاه المؤمن لعلمه بتحريم الغش وأن من غشنا فليس منا. ذو الحياء لا يعثو في لحوم الغوافل، ذو الحياء لا ينقل كلام مؤمن إلى أخيه لقصد الإفساد بينهم، ذو الحياء لا يعق والديه ولا يقطع ما أمر الله به أن يوصل ولا يشهد بالزور ولا يؤذ جيرانه.
صاحب الحياء يبتعد عن أكل الحرام وعن المجاهرة بالمعاصي فلا يحلق لحيته لأنه يعلم أنه بذلك عاص لله ولرسوله ولا يخنفس ولا يجعل تواليت لعلمه أن ذلك تشبه بالإفرنج ولا يستعمل الملاهي بأنواعها من تلفزيون أو سينماء أو مذياع أو كرة أو بكم أو عود أو فديو أو نحو ذلك من البدع المحرمات التي حدثت في زمننا كالمذكورات.
صاحب الحياء لا يشرب الدخان أو إن بلي به فلا يشربه في الأسواق ومجامع الناس لعلمه أنه إذا جاهر به في ذلك ازداد إثمه وعظم جرمه. ذو الحياء لا يخلو بامرأة لا محرم معها لا في بيت ولا في سيارة ولا في أي محل لعلمه أن
стр. 577
خلوة بالأجنبية محرم للأحاديث الواردة في ذلك.
صاحب الحياء لا يبيع ويشتري في صور ذوات الأرواح مجسدة أو غير مجسدة ولا يبيع آلات اللهو كالتلفزيون والسينما والمذياع لعلمه أن ذلك محرم وأنه بتعاطيه ذلك يكون معينًا على نشر المعاصي في أرض الله بل ولا يصلحها لأن ذلك مساعدة على المعاصي.
والأجرة حرام التي تأتي مقابل تصليح آلات اللهو والفسوق وقس على ذلك باقي المحرمات فصاحب الحياء الخُلُقي يستحي من الله ومن استحيا من الله لم يغضبه.
وقال ﷺ : «إذا أراد الله أن يهلك عبدًا نزع منه الحياء فإذا نزع منه الحياء لم تلفه إلا مقيتًا ممقتًا فإذا لم تلفه إلا مقيتًا ممقتًا نزعت منه الأمانة فإذا نزعت منه الأمانة لم تلفه إلا خائنًا مخونًا فإذا لم تلفه إلا خائنًا مخونًا نزعت منه الرحمة فإذا نزعت منه الرحمة لم تلفه إلا رجيمًا ملعنًا نزعت منه ربقة الإسلام» . رواه ابن ماجه.
قال العلماء على هذا الحديث، وهذا تريب دقيق في وصفه لأمراض النفوس وتتبعه لأطوارها وكيف تسلم كل مرحلة خبيثة إلى أخرى أشد نكرًا فإن الرجل إذا مزق جلباب الحياء عن وجهه ولم يتهيب على عمله حسابًا ولم يخش في سلوكه لومة لائم مد يد الأذى للناس وطغى على كل من يقع في سلطانه.
ومثل هذا الشخص الشرس لن تجد له قلبًا يعطف عليه بل يغرس الضغائن في القلوب وينميها وأي شخص جريء على الله وعلى الناس ولا
стр. 578
يرده عن الآثام حياء فإذا صار الشخص بهذه المثابة لم يؤتمن على شيء قط إذ كيف يؤتمن على أموال لا يخجل من أكلها أو على أعراض لا يستحي من فضحها أو على موعد لا يهمه أن يخلفه أو على واجب لا يبالي أن يفرط فيه أو على بضاعة لا يتنزه عن الغش فيها.
فإذا فقد الشخص حياءه وفقد أمانته أصبح وحشيًا كاسرًا ينطلق معربدًا وراء شهواته ويدوس في سبيلها أزكى العواطف فهو يغتال أموال الفقراء غير شاعر نحوهم برقة وينظر إلى المنكوبين والمستضعفين فلا يهتز فؤاده بشفقة فهو لا يعرف إلا ما يغويه ويغريه بالمزيد.
ويوم يبلغ امرؤ هذا الحضيض فقد أفلت من قيود الدين وانخلع من ربقة الإسلام، وللحياء مواضع يستحب فيها فالحياء في الكلام يتطلب من المسلم أن يطهر فمه من الفحش وأن ينزه لسانه عن العيب وأن يخجل من ذكر العورات فإن من سوء الأدب أن تفلت الألفاظ البذيئة من المرء غير عابئ بمواقعها وآثارها ومن الحياء أن يقتصد المسلم من الكلام في تحدثه في المجالس.
اللهم طهر قلوبنا من النفاق وعملنا من الرياء وألسنتنا من الكذب وأعيننا من الخيانة وآذاننا عن الاستماع إلى ما لا يرضيك وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 579
١٤٢- خطبة في الحث على تقوى الله
عباد الله عليكم بتقوى الله فإنها وصية الله للأولين والآخرين، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللهَ﴾ [النساء: ١٣١] .
فما من خير عاجل ولا آجل ظاهر ولا باطن إلا وتقوى الله سبيل موصل إليه، ووسيلة مبلغة له، وما من شر عاجل ولا آجل ظاهر ولا باطن إلا وتقوى الله حرز متين وحصن حصين للسلامة منه والنجاة من ضرره.
وكم علق الله العظيم في كتابه العزيز على التقوى من خيرات عظيمة وسعادات جسيمة من ذلك المعية الخاصة المقتضية للحفظ والعناية والنصر والتأييد، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤] . ومن ذلك المحبة لمن اتقى الله، قال الله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧] .
ومن ذلك التوفيق للعلم قال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . ومن ذلك نفي الخوف والحزن عن المتقي المصلح قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٣٥] . ومن ذلك الفرقان عند الاشتباه ووقوع الإشكال والكفارة للسيئات والمغفرة للذنوب قال الله تعالى: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩] .
стр. 580
ومن ذلك النجاة من النار قال الله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ [مريم: ٧٢] . وقال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١] . ومن ذلك المخرج من الشدائد والرزق من حيث لا يحتسب قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] .
ومن ذلك اليسر قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق: ٤] . ومن ذلك عظم الأجر قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ [الطلاق: ٥] . ومن ذلك الوعد من الله بالجنة قال تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [مريم: ٦١] الآيات إلى قوله من كان تقيًا.
وقال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠] . وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر٥٥] . وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] . وقال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] .
ومن ذلك الكرامة عند الله بالتقوى قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] . إذا فهمت ذلك فاعلم أن التقوى هي امتثال الأوامر واجتناب النواهي، فالمتقون هم الذين يراهم الله حيث أمرهم ولا يقدمون على ما نهاهم عنه.
المتقون هم الذين يعترفون بالحق قبل أن يشهد عليهم ويعرفونه ويؤدونه، وينكرون الباطل ويجتنبونه ويخافون الرب الجليل الذي لا تخفى عليه
стр. 581
خافية، المتقون يعملون بكتاب الله فيرحمون ما حرمه ويحلون ما أحله.
ولا يخونون في أمانة ولا يرضون بالذل والاهانة ولا يعقون ولا يقطعون، ولا يؤذون جيرانهم ولا يضربون إخوانهم، يصلون من قطعهم، ويعطون من حرمهم، ويعفون عمن ظلمهم الخير عندهم مأمول، والشر من جانبهم مأمون لا يغتابون ولا يكذبون ولا ينافقون ولا ينمون ولا يحسدون ولا يراءون ولا يرابون ولا يقذفون ولا يأمرون بمنكر ولا ينهون عن معروف، بل يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، تلك صفات المتقين حقًا الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون.
إخواني، لو تحلى كل منا بالتقوى لحسن عمله، وخلصت نيته، واستقام على الهدى، وابتعد عن المعاصي والردى، وكان يوم القيامة من الناجين.
وصف المؤمن المتقي
للإمام علي ﵁
المتقون هم أهل الفضائل منطقهم الصواب وملبسهم الاقتصاد ومشيهم التواضع غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم نزلت أنفسهم منهم في البلاء كما نزلت في الرخاء ولولا الأجل الذي كتب الله لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقًا إلى الثواب وخوفًا من العقاب.
عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون قلوبهم محزونة وشرورهم مأمونة وأجسادهم نحيفة وحاجاتهم خفيفة وأنفسهم عفيفة
стр. 582
صبروا أيامًا قصيرة أعقبتهم راحة طويلة وتجارة مُربحة يسرها لهم ربهم.
أرادتهم الدنيا فلم يريدوها وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها أما الليل فصافون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونه ترتيلاً يحزنون به أنفسهم ويستثيرون به دواء دائهم.
فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعًا وتطلعت نفوسهم إليها شوقًا وظنوا أنها نصب أعينهم وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم وظنوا أن زئير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم فهم حانون على أوساطهم مفترشون لجباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم يطلبون إلى الله تعالى في فكاك رقابهم وأما النهار فحلماء علماء أبرار أتقياء.
قد برهم الخوف بري القداح ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض ويقول قد خولطوا ولقد خالطهم أمر عظيم لا يرضون من أعمالهم القليل ولا يستكثرون الكثير فهم لأنفسهم متهمون ومن أعمالهم مشفقون إذا زُكي أحدهم خاف مما يقال فيقول أنا أعلم بنفسي من غيري وربي أعلم بي من نفسي اللهم لا تؤآخذني بما يقولون واجعلني أفضل مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون.
فمن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين وحزمًا في لين وإيمانًا في يقين، وحرصًا في علم، وعلمًا في حلم وقصدًا في غنى وخشوعًا في عبادة وتحملاً في فاقة وصبرًا في شدة وطلبًا في حلال ونشاطًا في هدى وتحرجًا عن طمع.
يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجل، يمسي وهمه الشكر ويصبح
стр. 583
وهمه الذكر يبيت حذرًا ويصبح فرحًا، حذرًا لما حذر من الغفلة، وفرحًا بما أصاب من الفضل والرحمة، إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره، لم يعطها سؤلها فيما تحب.
قرة عينه فيما لا يزول، وزهادته فيما لا يبقى، يمزج الحلم بالعلم، والقول بالعمل، تراه قريبًا أمله، قليلاً زلله، خاشعًا قلبه، قانعة نفسه، منزورًا أكله سهلاً أمره، حريزًا دينه، ميتة شهوته مكظومًا غيظه، الخير منه مأمول، والشر منه مأمون.
إن كان في الغافلين كتب في الذاكرين وإن كان في الذاكرين لم يكتب من الغافلين يعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه ويصل من قطعه، بعيدًا فحشه، لينًا قوله، غائبًا منكره، حاضرًا معروفه، مقبلاً خيره، مدبرًا شره، في الزلازل وقور، وفي المكاره صبور وفي الرخاء شكور.
لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحب، يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه، لا يضيع ما استحفظ، ولا ينسى ما ذكر، ولا ينابز بالألقاب، ولا يضار بالجار، ولا يشمت بالمصاب، ولا يدخل في الباطل، ولا يخرج من الحق.
إن صمت لم يغمه صمته، وإن ضحك لم يعل صوته، وإن بغي عليه صبر حتى يكون الله هو الذي ينتقم له، نفسه منه في عناء والناس منه في راحة، أتعب نفسه لآخرته، وأراح الناس من نفسه.
بعده عمن تباعد عنه زهد ونزاهة، ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة، ليس تباعده بكبر وعظمة، ولا دنوه بمكر وخديعة.
стр. 584
قال فصعق همام صعقةً كانت نفسه فيها. فقال أمير المؤمنين ﵇ أما والله لقد كنت أخافها عليه، ثم قال هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها فقال له قائل: فما بالك يا أمير المؤمنين فقال: ويحك، إن لكل أجل وقتًا لا يعدوه وسببًا لا يتجاوزه اهـ.
اللهم نور قلوبنا بنور الإيمان واجعلنا هداة مهتدين وألهمنا ذكرك وشكرك واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم يا عالم الخفيات ويا سامع الأصوات ويا باعث الأموات ويا مجيب الدعوات ويا قاضي الحاجات يا خالق الأرض والسموات أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد الوهاب الذي لا يبخل والحليم الذي لا يعجل لا راد لأمرك ولا معقب لحكمك نسألك أن تغفر ذنوبنا وتنور قلوبنا وتثبت محبتك في قلوبنا وتسكننا دار كرامتك إنك على كل شيء قدير وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
١٤٣- خطبة في ذم الدنيا والتحذير من فتنتها
الحمد لله جعل الدنيا دار ممر والآخرة دار المقر. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له على رغم أنف من جحد به وكفر. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله المبعوث إلى جميع البشر. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحابته الذين جاهدوا في سبيل الله فما وهن عزمهم عن الجهاد وما فتر.
أما بعد: فقد قال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
стр. 585
وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [الكهف: ٤٦] .
أيها المسلمون إن من الناس من يكد ويكدح وينصب للمال يجمعه بعرقه وسهره وتعبه وتفكيره وهو المنقطع الفاني والمضمحل، ويعرض عن الأعمال الصالحة والباقية والسارة والنافعة عند الله تعالى. وإن جاءها فبالقليل من الجد والنشاط والإخلاص. وفي هذه الآية الكريمة نص صريح إلى أن المال والبنين زينة دنيوية تخلق وتبلى وتفنى. وأن الذي يبقى للإنسان نفعه وأثره مضاعفًا عند الله تعالى هي الباقيات الصالحات. من صلاة وصدقة وصوم وحج وعمرة وقراءة قرآن وذكر وتسبيح وتهليل وطلب علم وتعليم نافعين وأمر بمعروف ونهي عن منكر وبر وإحسان وصلة رحم وغير ذلك. وقد ذم الله الدنيا وحذر من خضرتها وضرب لها الأمثال الكثيرة وعراها من زينتها وزخرفها في كتابه العزيز وعلى لسان رسوله محمد ﷺ . ليتصورها الناس حق التصور ويعرفوا باطنها وظاهرها فيقارنوا بينها وبين الدار الباقية ويؤثروا أيهما أولى بالإيثار. فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤] .
وقال تعالى لنبيه ﷺ ولمن قام على الأمة من بعده: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً﴾ [الكهف: ٤٥] .
وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ «مر بجديٍ ميت فأخذ بأُذنه فقال
стр. 586
أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ فقالوا ما نحب انه لنا بشيء فقال رسول الله ﷺ : للدنيا أهون على الله من هذا عليكم» .
ذلك مثل الحياة الدنيا التي انشغل بها الكثير من الناس عن الآخرة كالمطر ينزل على الأرض فاختلط به نباتها أو تنبت من كل زوج بهيج. فبينما خضرتها ناعمة زاهرة تأخذ بالقلوب، وزهرتها فاقعة تسر الناظرين وتأخذ بالألباب، إذ أصبحت هشيمًا تذروه الرياح فذهب ذلك النبات الناظر والزهر الزاهر، والمنظر البهي، فأصبحت غبراء موحشة قد صدف عنها البصر وأنحرف عنها النظر، كذلك هذه الدنيا بينما صاحبها قد أعجب بشبابه وفاق فيها على أقرانه وأترابه وحصل الدرهم والدينار، واقتطف من لذاتها الأزهار، وخاض في اللذات والشهوات أيامه، وظن أنه لا يزال في الدنيا سائرًا، وعلى تصريف أحوالها قادرًا إذ أتاه الموت فذهب عنه سروره وزالت لذته وحبوره واشتدت آلامه وفارق قوته وماله وجاءت سكرة الموت بالحق ونقل إلى قبره لا مال ولا ولد ولا خدم ولا حشم مجردًا ضعيفًا وحيدًا فريدًا فمن يا ترى ينجيه من بأس الله ويخفف من كربته ويؤنسه في وحدته ودار غربته. اللهم لا شيء إلا عمل صالح قدمه في دنياه فهو أنيسه في قبره ورفيقه في حشره ونشره ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] .
فمن زرع الذنوب والآثام في الدنيا فلن يحصد إلا الشوك والضريع والمهل في الآخرة منها طعامه ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان٤٦] .
ومنها شرابه ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف: ٢٩] . ومن زرع الباقيات الصالحات
стр. 587
وهو مؤمن أثمرت له الجنان الخالدة والثمار اليانعة والحور الناعمة والأنهار الجارية والقصور العالية التي لا يستطيع الإنسان وصف نعيمها فضلاً عن عده أو حده قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾ [الكهف: ١٠٨] .
وفي الحديث القدسي يقول الرب سبحانه: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» . ومصداق ذلك في القرآن المجيد: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] .
وقد ضرب الله تعالى للقيم الزائلة والباقية مثلاً بين رجلين أحدهما شاكر لنعمة الله والآخر كافر بها. وما صدر من كل منهما من الأقوال والأفعال وما حصل بسبب ذلك من العقوبات والثواب العاجل والآجل ليعتبر الناس بحالهما ويتعظوا بما وقع عليهما، فقال سبحانه: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَراً﴾ [الكهف: ٣٣] .
هذه هي المقدمة للقصة تبدأ بذكر القيم الزائلة وتعريفها بجنتين مثمرتين من أعناب يحف بهما النخل ويتوسطهما الزرع وتتفجر بينهما الأنهار، وإنه لمنظر بهيج حقًا حين تكون الحديقتان بهذا الشكل والتناسق البديع وخاصة إذا توافرت الثمار وارجحنت الأشجار واطردت الأنهار فلا نقص في ثمر ولا عوز في ماء ولا وجع في شجر ولا تعب في ري كما يؤخذ من الآية الكريمة الآنفة الذكر. ومع ذلك النعيم لم يشكر صاحب الجنتين ربه الذي أنعم عليه
стр. 588
بأصناف النعم بل بطر وانتفش وركن إلى الدنيا وافتخر بماله وولده وأنصاره وأنكر البعث كما أخبر الله تعالى عنه بقوله: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً﴾ [الكهف: ٣٤- ٣٦] . فلما سمع الرجل الشاكر مقالته لم يتجه إلى المتاع والزخرف يسأله ربه فالدنيا عنده حقيرة صغيرة وإنما اتجه إلى القيم الباقية إلى تحقيق الحق وإزهاق الباطل. فغضب لربه وانتفض الإيمان في قلبه فلم يبال المال ولم يدار النفر ولم يتلعثم في الحق ولم يجامل فيه وقال معتزًا بعقيدته وإيمانه معتزًا بالله الذي تعنو له الوجوه منكرًا على صاحبه بطره وكبره مذكرًا له بمنشئه من ماء وطين موجها له إلى الأدب الواجب في حق النعمة وشكر المنعم بها منكرًا عليه طغيانه وكفره راجيًا عند ربه ما هو خير وأبقى من حديقتيه وثماره كما أخبر الله تعالى عنه أنه: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٧ - ٤١] . فاستجاب الله دعوة الرجل المؤمن وحقق ما توقعه على جنة هذا المغرور المتبجح فما هي إلا ساعة من نهار أو ليل فإذا الثمر كله مدمر كأنما أخذ من كل جانب فلم يسلم منه شيء وإذا الجنة خاوية على عروشها مهشمة محطمة وإذا المغرور المنتفش بالأمس يقلب كفيه أسفًا وحزنًا على ماله الضائع وجهده الذاهب وإذا كل شيء في الحديقتين ينقلب من مشهد النماء والازدهار إلى مشهد
стр. 589
الدمار والبوار ومن هيئة البطر والافتخار إلى هيئة الندم والانكسار كما قال الله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٢] .
وهذا جزاء كل من تكبر ونافق وجحد فضل الله وكفر نعمته وتجبر على عباده بالأمس واليوم وبعد اليوم وفي الغد ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِراً﴾ [الكهف: ٤٣] . نعم وما كان منتصرًا ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ [الكهف: ٤٤] .
فاتقوا الله عباد الله. واتقوا الدنيا فإنها كما علمتم دار غرور وعن قريب تخرب ويموت أهلها وشمروا إلى دار لا يخرب بنيانها ولا يموت سكانها ولا يهرم شبابها هوائها النسيم يتقلب أهلها في رحمة.
١٤٤- خطبة أخيرة تابعة لما قبلها وصالحة بعد كل خطبة
الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العلي الغني الصبور الشكور. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله القائل كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل. اللهم صلى وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه الذين صانوا أنفسهم عن فتنة الدنيا وغرورها فأعزهم الله وأعلى ذكرهم في العالمين.
أما بعد. فقد قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥] .
أيها المسلمون إن الموت كأس لا بد من شربه وإن طال الزمن لا ديمومة
стр. 590
إلا لله وحده. والابتلاء سنة ملازمة للحياة الدنيا فقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يفتن عباده بما به يتميز الخبيث من الطيب كما قال سبحانه: ﴿مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] . والفتن أنواع متعددة فقد يفتن المؤمن بالخير والشر وبالغنى والفقر وقد يفتن بأنواع أخرى كثيرة غير هذه وتلك ليعرف أشاكر أم كافر أصادق أم كاذب أصابر أم قانط ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤] . ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ [الفرقان: ٢٠] .
وإن من أعظم الفتن وأقواها على النفوس المؤمنة فتنة المال، وكان يقال من العصمة أن لا تجد. وفتنة السراء أعظم من فتنة الضراء ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥] .
وعن كعب بن عياظ ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال» . رواه الترمذي. وصدق رسول الله فكم من أناس يصبرون على الشدائد والفقر والحرمان فلا تتهاوى نفوسهم في الأوحال ولا تذل. ولكن قليلون هم الذين يصبرون على الثراء والمنصب والوجدان وما يغريان به من لذة ومتاع وما يثيرانه من شهوة وأطماع. وهذه عادة الإنسان في عمومه إلا من عصمه الله بالإيمان، لا يشكر الله تعالى لجهله وظلمه. وإذا رأى نفسه غنيًا طغى وبغى وتجبر على الهدى ونسى أن إلى ربه الرجعى. قال الله : ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٧] .
والمال إما نعمة يسبغها الله على من يشاء من عباده حين يوفقه إلى طاعته والشكر على نعمته والإصلاح بها في الأرض والتوجه بها إلى الله على
стр. 591
منهج الخير والبر والإحسان فلا يرغب في غير ما أمر الله به ولا يتعدى حدود ما أنزل الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.
وفي الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «نعم المال الصالح للرجل الصالح» .
وإما نقمة يصيب الله بها من يشاء من عباده لما يعلم من فساده وسوء نيته وأخلاقه فإذا المال في حقه شقاء وتعب وفتنة وعذاب كما قال تعالى في مثل هذا الصنف من الناس: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥] .
فاتقوا الله عباد الله فيما عليكم وراقبوه جل وعلا فيما لديكم واعرفوا حقيقة الدنيا وما هي صائرة إليه واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [طه: ١١] .
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: ٥٦] . وقد قال ﷺ : «من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشرًا» .
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الطاهرين وأصحابه الطيبين، اللهم ارض عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان
стр. 592
وعلي، اللهم ارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين، اللهم انصر جيوش المسلمين وعساكر الموحدين على اليهود والشيوعيين وعلى الكفار والملحدين واجعلهم على الحق ظاهرين وفي سبيلك مجاهدين يا ذا الجلال والإكرام، اللهم اغفر لنا وارحمنا وعافنا وأعف عنا، اللهم أغننا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك، اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء، اللهم اجعل ألسنتنا رطبة بذكرك ونفوسنا سمعة مطيعة لأمرك وجوارحنا ساعية في خدمتك، اللهم ارزقنا زهدًا في الدنيا ورغبة في الآخرة إنك على كل شيء قدير، اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والسلامة من كل إثم والغنيمة من كل بر والفوز بالجنة والنجاة من النار، اللهم آمنا في أوطاننا واستعمل علينا خيارنا واكفنا شر شرارنا واجعل ولايتنا وولاية جميع المسلمين في من يخافك ويتقيك ويتبع رضاك يا رب العالمين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] .
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥] .
стр. 593
١٤٥- (خطبة)
في التحذير من حلق اللحى
الحمد لله الذي جمل الرجال باللحى. أحمده تعالى وأشكره وأتوب إليه واستغفره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فالق الحب والنوى. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله القائل: «أعفو اللحى وأحفوا الشوارب ولا تشبهوا بالمجوس واليهود والنصارى» .
اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تمسك بهديه سرًا وجهرًا.
أما بعد: فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى فيما أمر وانتهوا عما عنه نهى وزجر وتمسكوا بهدي نبيكم محمد ﷺ خير البشر. واعلموا أن من أقبح البدع التي عم وطم البلاء بها ما اعتاده بعض الناس من حلق اللحية وتوفير الشارب. وهذه البدعة المشينة سرت إلى المسلمين وانتشرت بينهم من مخالطة الأجانب واستحسان عاداتهم حتى تمكنت من نفوس الكثير منهم وصار لها السلطان القوي على أفئدتهم وعقولهم فاستقبحوا بذلك حسنة من محاسن دينهم ورجولتهم وتشبهوا بالمشركين والمجوس وقد أمروا بمخالفتهم فيما ليس من دين الإسلام. وتركوا سنة نبيهم محمد ﷺ أفضل مخلوق وأكمله على الإطلاق. ولا شك أن هذا من ضعف الإيمان وقلة البصيرة.
وقد قال ﷺ في الحديث المتفق عليه: «ومن رغب عن سنتي فليس مني» ، ولقد كان من هديه صلوات الله وسلامه عليه وهدي النبيين قبله وهدي أصحابه إعفاء اللحية وإحفاء الشارب ففي صحيح مسلم عن جابر
стр. 594
رضي الله عنه قال كان رسول الله ﷺ كثير شعر اللحية. وللترمذي عن ابن عمر كث اللحية وفي رواية كثيف اللحية وفي أخرى عظيم اللحية. وعن أنس كانت لحيته قد ملأت من ها هنا إلى هاهنا وأمر بيده على عارضيه. هذه بعض من أخبار أخلاق النبي ﷺ وهديه الوارد في توفير اللحية. وما خرج أحد عن أمره وطريقته التي كان عليها إلا سلك أحد طريقين. إما جفاء وإعراض. وإما غلو وإفراط. وهذه مصائد الشيطان التي يصطاد بها بني آدم كما قال عز من قائل: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] .
وصح أن رسول الله ﷺ كان يقول في خطبه: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» . وكما كان صلوات الله وسلامه عليه يعفى لحيته ويحفي شاربه فقد أمر أمته بذلك والأمر بالشيء نهي عن ضده.
ففي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب» . وفي رواية عنه قال قال رسول الله ﷺ : «إنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى وإعفاء الشيء تركه حتى يكثر» .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى وخالفوا المجوس» .
والأحاديث في هذا الباب كثيرة وكلها نص في وجوب توفير اللحية وحرمة حلقها، ويدخل في مسمى اللحية شعر الوجه واللحيين والخدين. واللحية لها مكان بارز في الإسلام وحق كبير بين المسلمين. فلقد قرر العلماء
стр. 595
أن من جنى على لحية غيره فأزالها أو أزال جمالها على وجه لا يعود فعليه الدية كاملة.
ومن نظر في أقوال علماء المذاهب الأربعة وجد أنهم مجمعون على وجوب توفير اللحية وحرمة حلقها والأخذ القريب منه. ولا يخفى أن قول رسول الله ﷺ آنفًا خالفوا المشركين. وقوله خالفوا المجوس يؤيدان الحرمة، ولا شك أن حلق اللحية وإعفاء الشارب موافقة للمشركين والمجوس في شبههم الذي يختصون به لأنهم كانوا ولا زالوا يعفون شواربهم ويحلقون لحاهم ومخالفتهم أمر مقصود للشارع الحكيم، ومشابهتهم فيما ليس من شرعنا يبلغ التحريم في بعضه.
قال رسول الله ﷺ «من تشبه بقوم فهو منهم» . ليس منا من تشبه بغيرنا. وهذا غاية في الزجر عن التشبه بالكفار والمجوس في أي شيء مما يختصون به من ملبوس أو هيئة. وقد يظن بعض الناس أن توفير اللحية من الأمور العادية التي يتبع الناس فيها عادة أهل زمانهم أو بلدهم وهو ليس كذلك وإنما هو من الأمور الشرعية التي أمر بها رسول الله ﷺ والأصل في أوامر الرسول ﷺ التعبد حتى يقوم الدليل على خلافه ولهذا فحالق اللحية واقع بين خطرين عظيمين فإن كان حلقها استهزاء وتنقيصًا لأمر الرسول ﷺ الوارد فيها فقد قيل بكفره. وإن كان حلقها تهاونًا بأمر الرسول ﷺ فهو فاسق عاص لله تعالى ولرسوله، وكلا الأمرين خطير قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾ [النساء: ٦٥] . وقال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] . ولقد كان من
стр. 596
شرف اللحية وفظاعة حلقها عند المسلمين قبل مخالطة الأجانب أن المذنب تقيده الدولة بالحديد وتحلق لحيته لما في حلقها من خزي ومذلة، ثم يصبغ وجهه بالسواد ويطاف به في الأسواق ليراه الناس على تلك الحال المخزية نكالا ً وعبرة. أما بعد مخالطة الأجانب فالأمر تغير كثيرًا. فمن الناس من يحلق لحيته بيده إمعانًا في الكراهية لها ومنهم من يحلقها بماله تماديًا في الإثم والغرور، ناسين أو متناسين الأوامر النبوية بتوفيرها. فيا ويحهم وقد كرهوا خير الهدي ورغبوا في شره وحلقوا لحاهم بأيديهم وصار حلقها بدعة عار وضلال في وجوههم. أيظن هؤلاء أن حلقها يكسوهم نضرة وبهاء. كلا. والله إنه ليكسبهم قبحًا وضلالاً. انظر إلى وجوه الحالقين لها كيف يذهب جمالها وبهاؤها وخاصة عند المشيب فتكون أشبه بوجوه العجائز. وانظر إلى وجوه الموفرين لها شبابًا وشيبًا كيف نضرت وازدانت باللحية حسنًا وجمالاً.
وإذا كان من المشركين في هذا الزمن من يعفي لحيته فلا يجوز لنا أن نترك أمر النبي ﷺ بإعفاء اللحية من أجل أن بعض المشركين يعفيها. فالمشرك إذا أعفى لحيته فهو لأمر دنيوي وحسب، أما نحن فنعفيها لأمر شرعي ولهذا فهو المتشبه بنا ولسنا نحن المتشبهين به. ومن نظر إلى ما عليه المسلمون اليوم وجد أن إعفاء اللحية غريب بينهم وأهلها قلة فيهم وتوفيرها شاق على أنفس الكثير منهم وخاصة من له نظراء يحلقونها أو رؤساء جهلة يكرهونها. ولكن هل نترك طاعة الرسول محمد ﷺ وهي عين صلاحنا وفلاحنا ورفعتنا عند الله تعالى من أجل إنسان لا يملك لنفسه فضلاً عن غيره نفعًا ولا ضرًا. هل نترك التأسي برسول الله ﷺ في عمل صح أنه عمله وأمر به، من أجل أغراض دنيوية حقيرة، هل نترك هدي الرسول محمد ﷺ الذي شهد له الرب جل
стр. 597
جلاله بالاستقامة والسير على الصراط السوي. ونأخذ بهدي المجوس واليهود والنصارى الفاسد المدمر. لا، ثم لا. أيها الأخوة في الإسلام فالمؤمن يتبع الحق ويعمل به ويدعو إليه من يستطيع دعوته ويجتنب الباطل فلا يعمل به ولا ينجذب إليه، فالحق أحق أن يتبع ويطاع ولو تركه الناس، وليس بعد الحق إلا الضلال ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٣] .
فاتقوا الله عباد الله واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم واهتدوا بهدي نبيكم محمد ﷺ تنجوا وتسعدوا في الدنيا وتفلحوا في الآخرة ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨] .
اللهم اهدنا صراطك المستقيم، اللهم ثبتنا على منهج نبيك الكريم، اللهم أعذنا من مضلات الهوى والنفس والشيطان الرجيم، اللهم اغفر لنا ولوالدينا وأزواجنا وذرياتنا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
١٤٦- خطبة تابعة لما قبلها
الحمد لله الذي خلق العباد حنفاء وفطرهم على الخير وكراهة الشر. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وإليه المرجع يوم الحشر والنشر.
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله أرسله إلى الناس كافة فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة في السر والجهر، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه صلاة وسلامًا دائمين متلازمين طول الدهر.
стр. 598
أما بعد. فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وعليكم بالجماعة المسلمة الموحدة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذ عنهم شذ في النار. واعلموا أن من حلق لحيته من غير إكراه ولا علة وأعفى شاربه مهما كان عليه من العبادة والإخلاص لله فإنه قد ارتكب عدة مخالفات للإسلام خطيرة، نوردها فيما يلي.
الأولى: أنه خالف الفطرة التي فطر الله الناس عليها فهو رجل وأبرز مميزات الرجال الظاهرة اللحية ولكنه خالف فطرته ومال إلى ما لم يفطر عليه. قال رسول الله ﷺ : «عشر من الفطرة قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك وتقليم الأظافر وحلق العانة ونتف الإبط إلى آخر الحديث» .
الثانية: أنه عصى الرسول ﷺ الذي أمره بطاعته ونهاه عن معصيته في القرآن الكريم. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] ، ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ [النساء: ٨٠] ، ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤] .
وقد أمر صلوات الله وسلامه عليه كما سمعتم آنفًا بتوفير اللحى وإحفاء الشوارب وهو لا ينطق ولا يفعل عن الهوى، بل عن وحي وتنزيل ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً﴾ [الأحزاب: ٣٦] .
الثالثة: أنه جانب التأسي برسول الله ﷺ في إعفاء اللحية وإحفاء الشارب وهو القدوة والأسوة المرضية للمسلمين فلو كان الرسول ﷺ مثله الأعلى لتأسى به في إعفاء اللحية وقص الشارب حيث صح عنه أنه فعلهما وأمر بهما وداوم عليهما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب: ٢١] .
стр. 599
وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] .
الرابعة: أنه خالف هدي النبي ﷺ في توفير اللحية وإحفاء الشارب واتبع هدي النبي ﷺ في توفير اللحية وإحفاء الشارب واتبع هدي المشركين والمجوس الذي هو شر الهدي فلو كمل حبه لرسول الله ﷺ لما عدل عن هديه ذلك لأن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر ولا بد. كما أن المشابهة في الظاهر تورث المحبة والموالاة في الباطن. وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة.
وفي الحديث المتفق عليه قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» . فهل يعتبر المسلم التارك لهدي الرسول ﷺ في توفير اللحية وإحفاء الشارب وهما من أهون الأشياء عليه محبًا للرسول ﷺ بهذا القدر الوارد في هذا الحديث. لا أظن أحدًا يقول نعم. وقد قيل إذا شابه الزي الزي فقد طابق القلب القلب.
فاتقوا الله عباد الله وأطيعوا أمره وأمر رسوله ﷺ ولا تتبعوا الهوى فيضلكم عن سبيل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦] . ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: ٥٦] . وقد قال ﷺ : «من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرًا» .
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، اللهم ارض عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، الله ارض عن أصحاب نبيك أجمعين وعن زوجاته الطاهرات أمهات المؤمنين، اللهم ارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين،
стр. 600
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين وأهلك الكفرة والملحدين ودمر اليهود والشيوعيين واجعل دائرة السوء عليهم يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك في الدنيا طاعتك وطاعة رسولك محمد ﷺ وفي الآخرة رضاك وجنتك والنظر إلى وجهك الكريم، اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل. يا كريم يا رحيم يا عظيم، اللهم أصلح قلوبنا واستر عيوبنا، اللهم امنن علينا بالهداية والتوبة الصادقة والمغفرة والتوفيق الدائم لما تحب وترضى يا ذا الجلال والإكرام.
خطبة أخرى
الحمد لله الذي لم يزل بالنعم منعمًا، وبالمعروف معروفًا، وبالإحسان محسنًا، وبالكرم موصوفًا، كل يوم هو في شأن، يكشف كربًا، ويغفر ذنبًا ويغيث ملهوفًا، ويجبر كسيرًا، ويجير خائفًا، ويرسل بالآيات تخويفًا، نحمده ونستغفره، ونسأله السلامة من حمل العصيان، وإن كان الحمل خفيفًا.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة خالصة للذي فطر السموات والأرض حنيفًا، ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، خلقه الله سيدًا كريمًا صادقًا، أمينًا شريفًا عفيفًا. اللهم فصل وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه صلاة وسلامًا تزيدهم بهما تفضيلاً وتشريفًا.
أما بعد: أيها الناس فأوصيكم ونفسي تقوى الله العزيز الحميد، فاتقوه حق تقاته، واحذروا بطشه الشديد، واعلموا أنه معكم حيثما كنتم فلازموا أدب العبيد، وتدبروا كتابه القرآن المجيد، وما أودعه من الزواجر والوعد
следующие страницы →