← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 120

مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار

عبد العزيز السلمان

Полный текст (1 102 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

شرف اللحية وفظاعة حلقها عند المسلمين قبل مخالطة الأجانب أن المذنب تقيده الدولة بالحديد وتحلق لحيته لما في حلقها من خزي ومذلة، ثم يصبغ وجهه بالسواد ويطاف به في الأسواق ليراه الناس على تلك الحال المخزية نكالا ً وعبرة. أما بعد مخالطة الأجانب فالأمر تغير كثيرًا. فمن الناس من يحلق لحيته بيده إمعانًا في الكراهية لها ومنهم من يحلقها بماله تماديًا في الإثم والغرور، ناسين أو متناسين الأوامر النبوية بتوفيرها. فيا ويحهم وقد كرهوا خير الهدي ورغبوا في شره وحلقوا لحاهم بأيديهم وصار حلقها بدعة عار وضلال في وجوههم. أيظن هؤلاء أن حلقها يكسوهم نضرة وبهاء. كلا. والله إنه ليكسبهم قبحًا وضلالاً. انظر إلى وجوه الحالقين لها كيف يذهب جمالها وبهاؤها وخاصة عند المشيب فتكون أشبه بوجوه العجائز. وانظر إلى وجوه الموفرين لها شبابًا وشيبًا كيف نضرت وازدانت باللحية حسنًا وجمالاً. وإذا كان من المشركين في هذا الزمن من يعفي لحيته فلا يجوز لنا أن نترك أمر النبي ﷺ بإعفاء اللحية من أجل أن بعض المشركين يعفيها. فالمشرك إذا أعفى لحيته فهو لأمر دنيوي وحسب، أما نحن فنعفيها لأمر شرعي ولهذا فهو المتشبه بنا ولسنا نحن المتشبهين به. ومن نظر إلى ما عليه المسلمون اليوم وجد أن إعفاء اللحية غريب بينهم وأهلها قلة فيهم وتوفيرها شاق على أنفس الكثير منهم وخاصة من له نظراء يحلقونها أو رؤساء جهلة يكرهونها. ولكن هل نترك طاعة الرسول محمد ﷺ وهي عين صلاحنا وفلاحنا ورفعتنا عند الله تعالى من أجل إنسان لا يملك لنفسه فضلاً عن غيره نفعًا ولا ضرًا. هل نترك التأسي برسول الله ﷺ في عمل صح أنه عمله وأمر به، من أجل أغراض دنيوية حقيرة، هل نترك هدي الرسول محمد ﷺ الذي شهد له الرب جل

стр. 597

جلاله بالاستقامة والسير على الصراط السوي. ونأخذ بهدي المجوس واليهود والنصارى الفاسد المدمر. لا، ثم لا. أيها الأخوة في الإسلام فالمؤمن يتبع الحق ويعمل به ويدعو إليه من يستطيع دعوته ويجتنب الباطل فلا يعمل به ولا ينجذب إليه، فالحق أحق أن يتبع ويطاع ولو تركه الناس، وليس بعد الحق إلا الضلال ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٣] . فاتقوا الله عباد الله واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم واهتدوا بهدي نبيكم محمد ﷺ تنجوا وتسعدوا في الدنيا وتفلحوا في الآخرة ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨] . اللهم اهدنا صراطك المستقيم، اللهم ثبتنا على منهج نبيك الكريم، اللهم أعذنا من مضلات الهوى والنفس والشيطان الرجيم، اللهم اغفر لنا ولوالدينا وأزواجنا وذرياتنا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. ١٤٦- خطبة تابعة لما قبلها الحمد لله الذي خلق العباد حنفاء وفطرهم على الخير وكراهة الشر. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وإليه المرجع يوم الحشر والنشر. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله أرسله إلى الناس كافة فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة في السر والجهر، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه صلاة وسلامًا دائمين متلازمين طول الدهر.

стр. 598

أما بعد. فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وعليكم بالجماعة المسلمة الموحدة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذ عنهم شذ في النار. واعلموا أن من حلق لحيته من غير إكراه ولا علة وأعفى شاربه مهما كان عليه من العبادة والإخلاص لله فإنه قد ارتكب عدة مخالفات للإسلام خطيرة، نوردها فيما يلي. الأولى: أنه خالف الفطرة التي فطر الله الناس عليها فهو رجل وأبرز مميزات الرجال الظاهرة اللحية ولكنه خالف فطرته ومال إلى ما لم يفطر عليه. قال رسول الله ﷺ : «عشر من الفطرة قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك وتقليم الأظافر وحلق العانة ونتف الإبط إلى آخر الحديث» . الثانية: أنه عصى الرسول ﷺ الذي أمره بطاعته ونهاه عن معصيته في القرآن الكريم. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] ، ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ [النساء: ٨٠] ، ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤] . وقد أمر صلوات الله وسلامه عليه كما سمعتم آنفًا بتوفير اللحى وإحفاء الشوارب وهو لا ينطق ولا يفعل عن الهوى، بل عن وحي وتنزيل ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً﴾ [الأحزاب: ٣٦] . الثالثة: أنه جانب التأسي برسول الله ﷺ في إعفاء اللحية وإحفاء الشارب وهو القدوة والأسوة المرضية للمسلمين فلو كان الرسول ﷺ مثله الأعلى لتأسى به في إعفاء اللحية وقص الشارب حيث صح عنه أنه فعلهما وأمر بهما وداوم عليهما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب: ٢١] .

стр. 599

وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] . الرابعة: أنه خالف هدي النبي ﷺ في توفير اللحية وإحفاء الشارب واتبع هدي النبي ﷺ في توفير اللحية وإحفاء الشارب واتبع هدي المشركين والمجوس الذي هو شر الهدي فلو كمل حبه لرسول الله ﷺ لما عدل عن هديه ذلك لأن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر ولا بد. كما أن المشابهة في الظاهر تورث المحبة والموالاة في الباطن. وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة. وفي الحديث المتفق عليه قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» . فهل يعتبر المسلم التارك لهدي الرسول ﷺ في توفير اللحية وإحفاء الشارب وهما من أهون الأشياء عليه محبًا للرسول ﷺ بهذا القدر الوارد في هذا الحديث. لا أظن أحدًا يقول نعم. وقد قيل إذا شابه الزي الزي فقد طابق القلب القلب. فاتقوا الله عباد الله وأطيعوا أمره وأمر رسوله ﷺ ولا تتبعوا الهوى فيضلكم عن سبيل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦] . ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: ٥٦] . وقد قال ﷺ : «من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرًا» . اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، اللهم ارض عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، الله ارض عن أصحاب نبيك أجمعين وعن زوجاته الطاهرات أمهات المؤمنين، اللهم ارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين،

стр. 600

اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين وأهلك الكفرة والملحدين ودمر اليهود والشيوعيين واجعل دائرة السوء عليهم يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك في الدنيا طاعتك وطاعة رسولك محمد ﷺ وفي الآخرة رضاك وجنتك والنظر إلى وجهك الكريم، اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل. يا كريم يا رحيم يا عظيم، اللهم أصلح قلوبنا واستر عيوبنا، اللهم امنن علينا بالهداية والتوبة الصادقة والمغفرة والتوفيق الدائم لما تحب وترضى يا ذا الجلال والإكرام. خطبة أخرى الحمد لله الذي لم يزل بالنعم منعمًا، وبالمعروف معروفًا، وبالإحسان محسنًا، وبالكرم موصوفًا، كل يوم هو في شأن، يكشف كربًا، ويغفر ذنبًا ويغيث ملهوفًا، ويجبر كسيرًا، ويجير خائفًا، ويرسل بالآيات تخويفًا، نحمده ونستغفره، ونسأله السلامة من حمل العصيان، وإن كان الحمل خفيفًا. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة خالصة للذي فطر السموات والأرض حنيفًا، ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، خلقه الله سيدًا كريمًا صادقًا، أمينًا شريفًا عفيفًا. اللهم فصل وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه صلاة وسلامًا تزيدهم بهما تفضيلاً وتشريفًا. أما بعد: أيها الناس فأوصيكم ونفسي تقوى الله العزيز الحميد، فاتقوه حق تقاته، واحذروا بطشه الشديد، واعلموا أنه معكم حيثما كنتم فلازموا أدب العبيد، وتدبروا كتابه القرآن المجيد، وما أودعه من الزواجر والوعد

стр. 601

والوعيد، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وانظروا في مخلوقات ربكم بعين الاعتبار، وتفكروا في أسمائه وصفاته يا أولي الأفكار، فهو العظيم الذي خضعت لعظمته الرقاب، والحكيم الذي حار في حكمته أولو الألباب. والرحيم الذي يرحم من عباده الرحماء، والكريم الذي يستمد من إفضاله الكرماء، تقدست أسماؤه وصفاته عن الأشباه، وجلت محامده، وتمت كلماته التي لا يحيط بها سواه، وتذكروا بره كيف بدأكم بالنعم قبل الاستحقاق، ومنحكم ما لا يحصى من أنواع الأرزاق. وكم كشف ضرًا وستر عاصيًا، وقد بارزه بأنواع الفساد، ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد، فاستعدوا للقاء هذا الرب الجليل، وأعدوا للقدوم عليه من صالح العمل كل جميل، وفكروا في أنفسكم، وما اشتملت عليه من العيوب، وحاسبوها على ما اكتسبته من الذنوب، فأي نفس منكم لم تحمل ظلمًا، وأي جارحة من جوارحكم لم تقترف إثمًا؟ وأي عمل من أعمالكم يليق بذلك المقام؟ وأي وقت من أوقاتكم تمحض للطاعة وخلا عن الآثام؟ لقد جنيتم على أنفسكم بالذنوب جناية عظمى، وهضمتم بالمعاصي قدرها عند الله هضمًا، فلينوا قلوبكم بذكر الموت عساها أن تلين، وعظوها بذكر القبر وفتنته فإنهما لحق اليقين، وذكروها يوم القيامة يقوم الناس لرب العالمين، يوم ينظر المرء ما قدمت يداه، يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا، والأمر يومئذ لله. جعلني الله وإياكم من الفائزين بثوابه، الآمنين من غضبه وعقابه، ألا وإن أفضل الكلام كلام الملك الديان، والله يقول، وقوله الحق المبين: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] . أعوذ بالله

стр. 602

من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم منه بالآيات والذكر الحكيم، وأجارني وإياكم من عذابه الأليم، وثبتني وإياكم على الصراط المستقيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين، إنه هو الغفور الرحيم فاستغفروه. ١٤٧- (خطبة) الحمد لله الذي تفرد بكل كمال، وتفضل على عباده بجزيل النوال، بيده الخير كله، فله الحمد على كل حال، وفي كل حال. نحمده على ما منح من النعماء، ونشكره في البكر والآصال، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله تقدس عن الأشباه والأمثال، وجل عن صفات المحدثين من الفناء والزوال المستحق للتعظيم والإجلال جواد لا يبخل، وغنيٌ لا يفتقر، وكريم يبتدئ بالإحسان قبل السؤال. ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله المنعوت بالخلق العظيم، وشرف الخلال، اللهم فصل وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه خير صحب وآل. أما بعد: يا أيها الناس ما للعيون إلى زهرة الدنيا قد مدت؟ وما للنفوس في طلب العاجلة قد جدت؟ وما للآذان عن سماع المواعظ قد سدت؟ وما للقلوب لكثرة المعاصي قد أظلمت واسودت؟ إن في كتاب الله لأعظم زاجر،

стр. 603

وإن في مواعظ الأيام والليالي لعبرة لذوي البصائر، ركائب أموات تزعج عن مقصورات القصور، ثم تحمل إلى مضائق القبور. فكم قد شاهدتم من جثث أعيان في بقاع القاع قد صفت، وكم عاينتم من نواعم أبدان في مدارج الأكفان قد لفت، وكم أبصرتم من عرائس أجساد إلى الألحاد قد زفت، فيا لها غاية يستبق إليها العباد، ومضمارًا يتناوبه منهم جواد بعد جواد، ويا له من هول شديد بعده أهوال شداد، فتنة قبور، ونفخ في الصور، وبعثرة القبور، وحشر إلى موقف جثي على الركب، وموقف السلامة والعطب وموقف قطيعة الأنساب وضيعة الأحساب، وخضوع الرقاب، وانسكاب العبرات، وتصاعد الزفرات. ذلك موقف ينشر فيه الديوان، وينصب فيه الميزان، ويمد الصراط على النيران. وحينئذ يقع الامتياز فبين ناج قد فاز، وهالك قد انقطع به المجاز. فريق في الجنة، وفريق في السعير. فاستعدوا رحمكم الله وإياي لهذه الأهوال، ولا تغرنكم كواذب الآمال، فإن ما توعدون لآت، وليس بين العبد وبين القيامة إلا الممات فأكثروا رحمكم الله ذكر هادم اللذات، واستعدوا للآخرة قبل الممات. فعنه ﷺ : «كفى بالموت واعظًا» و "كفى بالموت مزهدًا في الدنيا، ومرغبًا في الآخرة" جعلني الله وإياكم ممن قضى في الطاعة الأوقات، وغفر لي ولكم ما فرط من السيئات. إن أنفع الكلام كلام الملك العلام. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى

стр. 604

وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم منه بالآيات والذكر الحكيم، وأجارني وإياكم من عذابه الأليم. أقول قولي واستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين إنه الغفور الرحيم، فاستغفروه. ١٤٨- (خطبة) الحمد لله الذي افتتح بحمده الكتاب، والحمد لله الذي ينال بحمده الثواب، نحمده على ما منح فهو المنعم الوهاب، ونستغفره ونتوب إليه، فإنه غافر الذنب، وقابل التوب شديد العقاب. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عليه توكلت، وإليه متاب، شهادة شهد الله بها لنفسه في محكم الكتاب، شهادة أرغم بها أنف كل جاحد مرتاب. ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله جاء بالحق، وفصل الخطاب، نبي شق له القمر، وردت له الشمس، وقد كادت تتوارى بالحجاب، اللهم فصل وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه ما أفل شهاب، وطلع شهاب. أما بعد: فيا أيها الناس اتقوا الله حق تقاته كما أمركم في محكم الكتاب، وأكثروا ذكره فإن ذكره يعدل عتق الرقاب، واحذروا كما حذركم نفسه، فإنه شديد البطش سريع الحساب، وتأدبوا بآداب نبيكم، فإنها أكمل الآداب، وتخلقوا بمحاسن أخلاقه، فأحسنكم أخلاقًا أقربكم من رب الأرباب، وراقبوا الله فهو المطلع على ما ظهر، وما أرخيت عليه الستور، وأوصدت دونه الأبواب. واحذروا الدنيا فإنها كظل زائل أو طود مائل،

стр. 605

وكلمح سراب. وبادروا بالأعمال الصالحة، فإن الأوقات تمر بكم مر السحاب. ابن آدم والله إن أمرك لشيء عجاب، وحالك إذا حققت كثير الخطأ قليل الصواب، تقارف المعصية، وتؤخر المتاب، وتسوف بالعمل تنتظر المشيب، وقد أضعت الشباب، وتفرح بمضي الأيام، وذهابهن لك ذهاب، وتعمر الدنيا، وإنما خلقت للخراب، وتنسى الموت وقد أزعج عنك كثيرًا من الأحباب، وتذكر فلا تتذكر وإنما يتذكر أولوا الألباب، فوا أسفًا لقلوب ضرب عليها من الغفلة باب، ونفوس مشغولة بلذات الطعام والشراب، وعقول ذاهلة عن المعاد وأهواله الصعاب، لاهية عن أمر لا شك في لقائه ولا ارتياب، وخطب لا يدفع بالعشائر ولا يمنع بالحجاب، وقبر مظلم وساده اللبن، وفراشه التراب، وموقف تشخص فيه الأبصار وتخضع الرقاب، وعرض عظيم تظهر فيه الخطايا وينكشف الحجاب، وجزاء لا محالة على الحسنات بالثواب، وعلى المعاصي بالعفو والعقاب، جعلني الله وإياكم من الفائزين الآمنين، وجنبنا وإياكم موارد الظالمين، إن أنفع ما عولج به داء الشك والارتياب كلام ربنا الذين أنزل على عبده الكتاب، والله يقول، وقوله الحق المبين: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم منه بالآيات والذكر الحكيم، وأجارني وإياكم من عذابه الأليم، وثبتني وإياكم على الصراط المستقيم.

стр. 606

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين إنه هو الغفور الرحيم. فاستغفروه. ١٤٩- (خطبة) الحمد لله الذي تعاظم ملكوته فاقتدر، وتعالى جبروته فقهر، الذي أعز من شاء ونصر، ورفع أقوامًا بحكمته، وخفض أقوامًا آخر، نحمده على نعمه التي تربو على ذرات الرمل، وقطرات المطر، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، العليم بما بطن وما ظهر، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله ومجتباه من البشر، نبي شق عن صدره وشق له القمر، نبي ظللته الغمام، وأجابت لدعوته الشجر، نبي أيده الله بمعجزات الآيات والسور، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه القادات الخير. أما بعد: فيا أيها الناس اتقوا الله في الورود والصدر، وراقبوه فيما بطن من الأمور وظهر، واعبدوه حق عبادته في الآصال والبكر واذكروه على كل حال، فإنه يذكر من له ذكر، واشكروا نعمه، فقد تكفل بالمزيد لمن له شكر، وخافوا مقامه، واحذروا بطشه كل الحذر، وارجوا بره فهو أرحم بكم من كل رحيم وأبر، واستغفروه لذنوبكم فإن كل صغير وكبير مستطر، واستقيلوه عثراتكم، فإنه يقيل بفضله من عثر، وارغبوا فيما أعد للطائعين من جنات ونهر، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وارهبوا ما رهبكم من النار التي لا تبقي ولا تذر، وازهدوا في الدنيا التي نفعها مشوب بالضرر وفرحها مقرون بالترح، وصفوها ممزوج بالكدر، وانظروا لأنفسكم فيها حق النظر، واتعظوا بمواعظ الحوادث والغير، وتأملوا

стр. 607

ما فيها من الآيات والعبر، فقد شاهدتم من آياتها ما فيه مزدجر، وقد عاينتم وقائعها بأهلها وليس العيان كالخبر، كم حضرتم فيها عند محتضر، وكم شيعتم من الراحلين عن قصورها إلى بطون الحفر، ونقلتموه من الفرش الوثيرة إلى خشونة المدر، فتأهبوا لمثل ما حل بهم، فإنكم على الأثر، وتزودوا زاد التقى فأنتم على سفر، وبادروا بالأعمال الصالحة فالأعمار في قصر، وما أمر الساعة إلا كلمح البصر، وتذكروا مرارة الموت والساعة أدهى وأمر، وجاهدوا أنفسكم بسلاح التقوى، فإنه قرين الظفر، وجاهدوا أعداءكم من الشياطين والأهواء بصدق اللجأ إلى رب البشر، وأطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم فيما بطن وظهر، وشمروا لإعلاء كلمة الله فيما نهى وأمر ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] . وكفى به لمن اعتبر، جعلني الله وإياكم ممن خلص له فيما أعلن وأسر، ووفقنا لما يحبه من العمل، فإنه خالق القوى والقدر، إن أرفع الكلام الذي يدهش الألباب والفكر كلام ربنا الذي أنزل على نبيه محكم السور، والله يقول، وقوله الحق المبين: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢، ١٠٣] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم منه بالآيات والذكر الحكيم، وثبتني وإياكم على الصراط المستقيم، وأجارني وإياكم من

стр. 608

عذابه الأليم. أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، إنه هو الغفور الرحيم، فاستغفروه. ١٥٠- (خطبة) الحمد لله رب العالمين الذي أعاد وأبدى، نحمده على ما منح من الإنعام وأسدى، ونستهديه، فإنه لا يضل من هداه، ومن أضله فلن يهدى، ونستغفره لذنوبنا التي لا تحصى عدًا. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهًا واحدًا أحدًا فردًا، شهادة ترغم بها أنف من كفر عنادًا وجحدًا، شهادة ندخرها للمعاد ونتخذ بها عنده عهداً. ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله أكرم به رسولاً وعبدًا، نبي أمده الله بإمداداته الربانية مدًا، صلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله الذين أكسبهم شرفًا ومجدًا، وعلى أصحابه الذين جعلهم أمثل طريقة وأقوم سبيلاً وأهدى. أما بعد فيا ابن آدم هذا أوان جدك إن كنت مجدًا، وهذا زمان استعدادك إن كنت مستعدًا، فتأهب لنفسك فإنك لا تستطيع للموت ردًا، وبادر بصالح عملك، فإن الساعات تقد الأعمار قدًا، وأعد الزاد، فإن السفر طويل إن كنت معدًا، يا لاهيًا والحمام إليه مجدًا، يا مشغوفًا بالدنيا التي لا يجد

стр. 609

من فراقها بدًا، يا راكنًا إليها وقد أهلكت قبله أبًا وجدًا، يا مهملاً للتزود وركائب الرحيل به تحدى، يا من حدت له الحدود فلم يختر حدًا، يا من يضيع عمره وأنفاسه تعد عليه عدًا، يا منهمكًا في جمع المال، وهو يموت فرداً فيبعث فردًا، يا من جعلت الذنوب بين قلبه وبين الموعظة سدًا، يا قاسي القلب فما نفعه وعظ الواعظ ولا أجدى، يا من يبارز مولاه الذي يعلم ما أسر وما أبدى، يا كسلاً عن الطاعات ولم يأل في المعاصي جهدًا، يا ناظمًا خرزات الأمل في سلك المنى عقد، يا متعبًا في جمع المال بدنه كدحًا وكدًا. من لك إذا سافرت سفرًا بعيدًا، واستبدلت عن القصور لحدًا؟ وافترشت بعد لين فراشك تربًا خشنًا وحجرًا صلدًا؟ وكيف بك إذا سألك الملكان فلم تستطع جوابًا وردًا؟ ما حيلتك إذا بعثت من قبرك إلى ربك فردًا؟ ومن لك إذا طال المقام وامتد يوم القيامة مدًا؟ أم من لك إذا دعيت للعرض عليه يا من لحدوده طالما تعدى. جعلني الله وإياكم من الآمنين وأدخلنا بفضله في عباده الصالحين، إن أشرف الكلام كلام الملك العلام، والله يقول، وقوله الحق المبين: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً﴾ [مريم: ٧٦] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم منه بالآيات والذكر الحكيم وأجارني وإياكم من عذابه الأليم، وثبتني وإياكم على الصراط المستقيم.

стр. 610

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين، إنه هو الغفور الرحيم. فاستغفروه. ١٥١- (خطبة) الحمد لله على ما منح من أفضاله الكامل الوافر، الخالق الرازق الأول الآخر. نحمده بجميع محامده على أفضاله البسيط المتواتر، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المبدع الناظر. ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله المنتقى من أشرف العناصر، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله قرناء الكتاب إلى يوم الآخر وعلى أصحابه نجوم الاهتداء للمنهج الظاهر. أما بعد فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله في الموارد والمصادر، وأحضكم على الطاعة، فإنها خير ما أعد لليوم الآخر، وأحذركم الدنيا فإنها عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر، وإنما أيامها ولياليها مراحل إلى المقابر، وأحثكم على مراقبة مولاكم فإنه علام السرائر، وأنهاكم عن مخالفته باقتراف الجرائر، وملابسة كبائر الذنوب والصغائر. فاستحيوا من الله الذي تحبب إليكم بإنعامه المتكاثر، وتعرف إليكم بما رادفه من أفضاله الوافر، فإن نعمه تعالى قد عمت الباطن والظاهر، وإن نعمه قد شملت البادي والحاضر، ولا يحصر أقلها حاصر كيف وهي مع صعدات الأنفاس، وهجس الخواطر، ومع حركات الألسن ولمحات النواظر، وما بكم من نعمة فمن الله فهل من حامد شاكر؟ وهل من خائف لله وذاكر؟ وهل من معظم لنواهي الله والأوامر؟ وهل من معتبر بالمواعظ والزواجر؟ وهل من ناظر في آيات الله البواهر؟ وهل من متعظ بكتاب الله فإنه أعظم زاجر؟ إن في ذلك

стр. 611

لذكرى لمن كان يرجو الله واليوم الآخر. وهل من صابر على الطاعات فطوبى للصابر؟ وهل من مستعد للقائه يوم تبلى السرائر يوم ذبول الشفاه وظمأ الهواجر، يوم الآزفة إذا القلوب لدي الحناجر يوم لا تنفع الأموال ولها الذخائر. جعلني الله وإياكم من الفائزين الآمنين، وجنبنا موارد الظالمين. إن أحسن الكلام كلام الملك العلام، والله يقول وقوله الحق المبين: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم منه بالآيات والذكر الحكيم، وأجارني وإياكم من العذاب الأليم، وثبتني وإياكم على الصراط المستقيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين. إنه هو الغفور الرحيم. فاستغفروه. ١٥٢- (خطبة) الحمد لله الذي يسبح بحمده من في الأرض والسموات، والحمد لله بكل حمد حمد به نفسه، أو علمه أحدًا من المخلوقات. نحمده على ما منح من نعمه السابغات. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة ترفع قائلها أعلى الدرجات. ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله المؤيد بالمعجزات، اللهم فصل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الأئمة الثقات.

стр. 612

أما بعد فيا أيها الناس إن ما توعدون من الآخرة لآت، وإنكم في دار هي محل العبر والآفات، وأنتم على سفر، والطريق كثيرة المخافات. فتزودوا من دنياكم قبل الممات، وتداركوا هفواتكم قبل الفوات، وحاسبوا أنفسكم وراقبوا الله في الخلوات. وتفكروا فيما أراكم من الآيات، وبادروا بالأعمال الصالحات، واستكثروا في أعماركم القصيرة من الحسنات قبل أن ينادي منادي الشتات، قبل أن يفجأكم هاذم اللذات، قبل أن يتصاعد منكم الأنين والزفرات، قبل أن تتقطع قلوبكم عند فراق الدنيا حسرات، قبل أن يغشاكم من غم الموت الغمرات، قبل أن تزعجوا من القصور إلى بطون الفلوات، قبل أن يحال بينكم وبين ما تشتهون من هذه الحياة، قبل أن تتمنوا رجوعكم إلى الدنيا لتعملوا وهيهات. فاتقوا الله حق تقاته، فإن فيها النجاة قبل الممات، وتعرضوا لنفحات ربكم، فإن له تعالى في أيام دهركم نفحات، وتوبوا إليه فإنه يقبل التوبة، ويعفو عن السيئات. فرحم الله أقوامًا بادروا الأوقات، وتداركوا الهفوات، عيونهم مشغولة بالدمع، وألسنتهم مسجونة بالصمت عن فضول الكلمات، وأكفهم مكفوفة بالخوف عن تناول الشهوات، وأقدامهم مقيدة بقيود المحاسبات، فتيقظوا رحمكم الله للحاقهم من سنة الغفلات، واعملوا مثل أعمالهم تناولوا الدرجات. فيا من لم يتصف بهذه الصفات، كيف ترجوا لحاقهم وأنت كثير المخالفات؟ أما قرع سمعك قول الله في محكم الآيات ﴿أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] . جعلني الله وإياكم ممن بادر الأوقات، وسارع إلى الخيرات، إن أكمل

стр. 613

المواعظ نفعًا، وأعظمها في القلوب وقعًا كلام من شق لكل منا بصرًا وسمعًا، والله يقول وقوله الحق المبين: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم وأجارني وإياكم من عذابه الأليم، وثبتني وإياكم على الصراط المستقيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين، إنه هو الغفور الرحيم فاستغفروه. ١٥٣- (خطبة) الحمد لله المرتفع عن إدراك الأبصار الناظرة، المنزه عن التخيلات، والأوهام الخاطرة، العالم بما تحت أمواج البحار الزاخرة، كعلمه بحركات خلقه الظاهرة، الذي جعل الموت أول منازل الآخرة، فأقام به القوي والضعيف تحت قدرته القاهرة. أحمده على نعمه وآلائه المتواترة، وآياته الباهرة المتظاهرة، حمدًا أدفع به حلول كل فاقرة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة صادرة عن طوية غير مرتابة ولا فاترة. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث بالآيات الباهرة، والمفضل بالمقامات الفاخرة، الذي ألف بين القلوب المتنافرة. اللهم فصل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله

стр. 614

وعترته الطاهرة، وعلى أصاحبه الأنجم الزاهرة. أما بعد فيها أيها الناس إن سبيل العافية عافية لقلة سُلاكها، وإن علل القلوب القاسية مؤذنة بهلاكها، وإن حلل الذنوب بادية على سوقة الأمة وأملاكها، وإن رسل المنون قانصة لا تفلت أحدًا من شباكها. فما للعيون ناظرة ولا تبصر؟ وما للقلوب قاسية ولا تفكر؟ وما للعقول طائشة ولا تشعر؟ وما للنفوس ناسية ولا تذكر؟ أغرها إنظارها وإمهالها؟ أم بشرها بالنجاة أعمالها؟ أم لم يتحقق عندها من الدنيا زوالها؟ كلا ولكن شملت الغفلة، فاستحكم على القلوب أقفالها فكأن قد كشف الموت لأهل الغفلة قناعه، وأطلق على صحاح الأجسام أوجاعه، وحقق بكل الأنام إيقاعه، ولم يملك أحد منكم دفاعه، فخفق من المنزول به فؤاده، وانمحق من ناظره سواده، وقلق لهول مصرعه عواده ورحمه أعداؤه وحساده، وأزف عن أهله ووطنه بعاده، والتحق بذل اليتم أولاده، فيا له من واقع في كرب الحشارج حتى أدرج في تلك المدارج، وقدم على الله ذي المعارج، في منزل لا يبرح منه من نزله حتى يلحق آخر الخلق أوله. أفيظن ظان أن الله خلق الخلق ليهمله؟! كلا والله ليبعثنه من أماته. ليسأله عن الرسول ومن أرسله، وعن القرآن ومن أنزله، وعن الحرام الذي أكله، وعما اجترحه في دنياه وفعله، ثم ليوفين كل عامل منكم عمله، ويقابل كل بما عليه وله، علم ذلك من علمه وجهله من جهله. جعلني الله وإياكم ممن إذا أمر قبل، وإذا زجر وجل. إن أحسن الكلام على الإطلاق كلام ربنا الرحيم الخلاق، والله يقول وقوله الحق المبين: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿المص * كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا

стр. 615

يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١ - ٣] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم منه بالآيات والذكر الحكيم، وأجارني وإياكم من عذابه الأليم، وثبتني وإياكم على الصراط المستقيم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين. إنه هو الغفور الرحيم، فاستغفروه. ١٥٤- (خطبة) الحمد لله الكريم الرءوف الرحيم المجيد، والحمد لله الذي بحمده تستفتح أبواب المزيد، نحمده كما يجب لجلاله، وكما ينبغي له من التحميد، ونشهد أن لا إله إلا الله العزيز الحميد، شهادة ننجو بها من الفزع الأكبر يوم العيد. ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله البشير النذير الشهيد، اللهم فصل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أئمة العدل والتوحيد. أما بعد أيها الناس فأوصيكم ونفسي بتقوى الله فاتقوه، وأحثكم على مراقبته فإنكم ملاقوه، واحذروه كما حذركم نفسه في الكتاب، واذكروه كما أمركم يا أولي الألباب، واستغفروه؛ فإنه غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب، واشكروه فكم أفاض عليكم من جزيل نعمه، وإياكم والمعاصي، فإنها مفاتح غضب الله ونقمه، ولا تشغلنكم دنياكم عن أداء المسنون والمفروض، ولا تغرنكم، فإنها لا تساوي عند الله جناح بعوض.

стр. 616

كيف يغتر بها، ويطمئن إليها من تنصرم أيامه ولياليه؟ أم كيف يطيب فيها عيش من لا يدري متى الموت والله مفاجيه. فيا واقفون والأيام والليالي بكم سائرة، إن فيما تشاهدون من العبر لموعظة زاجرة، فما للقلوب عن قبول المواعظ نافرة، وما للنفوس معرضة عن التذكرة كأنها بها ساخرة؟ وما للهمم عن العمل الصالح فاترة، أغرتكم الأماني، والآمال الحاضرة؟ أما علمتم أن كل جزء من الزمان يذهب بمثله من الأعمار؟ أما تحققتم أن العمر رأس مال الإنسان وأن ربحه العمل؟ أما تبين لكم أن ما فات لا عوض عنه ولا بدل؟ فوا عجبًا لواقف هو في حال وقوفه يرحل، ولمن يسار به ولا يدري إلى أي الدارين يحمل، ولمن وعظ بالمواعظ الصادقة فلم يقبل، ولمن نودي بالرحيل وأمر بالتزود فأهمل، ولمن يسيء عمله، وقد علم أنه سيجازى بما يعمل، والعجب أيضًا ممن يرى فعل الموت بالأتراب، ثم لا يمهد لنفسه في بيوت التراب. فاستيقظوا رحمكم الله من الغفلة والسنة، وكونوا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وبادروا وأنتم في مكان الإمكان وفسح المهل، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل. واجتنبوا المعاصي فالفائز من كان لها مجانبًا، ولازموا التوبة إلى الله، فالسعيد من لم يزل إليه تائبًا. جعلني الله وإياكم من الفائزين الآمنين، وجنبني وإياكم موارد الظالمين، إن أحسن الكلام كلام الملك العلام، والله يقول وقوله الحق المبين: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة:

стр. 617

١٠٥] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم منه بالآيات والذكر الحكيم، وأجارني وإياكم من عذابه الأليم، وثبتني وإياكم على الصراط المستقيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين، إنه هو الغفور الرحيم فاستغفروه. ١٥٥- (خطبة) الحمد لله المنتقم ممن خالفه، المهلك من آسفه، المتوحد في قهره، والمنفرد بعز أمره، أحمده حمد شاكر لما أولاه، مستقيل مما جناه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة يقين لا شك فيه، وقول إخلاص عما يقول الكافر ويفتريه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي استأمنه على علم الغيب، وبرأه من كل دنس وعيب، اللهم فصل وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أفضل الصلوات وأزكاها، وأنزلهم من منازل الكرامة أعلاها. أما بعد فيا أيها الناس إنه ليس أحد أكرم على الله من نبيه، ولا أشرف عنده من محمد نجيه وحبيبه وصفيه، ولن يؤخر عند انقضاء مدته، ولن يعمر عند حضور منيته، ولقد أتاه في مثل شهركم هذا من رسل ربه الكرام، الموكلين بقبض نفوس الأنام، فجذبوا روحه الزكية لينقلوها، وعاجلوها ليرحلوها إلى رحمة ورضوان، وروح وريحان، وروضات الجنان، وخيرات حسان، فاشتد لذلك كربه وأنينه، وترادف قلقه وحنينه، واختلف بالانقباض

стр. 618

والانبساط شماله ويمينه، وعرق لهول مصرعه جبينه، فبكى لمنظره من حضره، وانتحب لمصرعه من أبصره، فلم يدفع الجزع عنه مقدورًا، ولا راقب الملك فيه أهلاً ولا عشيرًا، بل امتثل ما كان به مأمورًا، واتبع ما وجد في اللوح مسطورًا. هذا وهو أول من تنشق عنه الأرض، وصاحب الشفاعة يوم العرض، وأكرم أهل السماء وأهل الأرض، وعلى يقين من السلامة في المعاد، وثقة بالكرامة يوم الأشهاد. فكيف من لا يعلم متى الرحيل؟ ولا يتحقق أين المقيل؟ ولا يدري على ما يقدم، ولا بما عليه في القيام يحكم. فيا خلف من قد دبر، ويا بقية من قد غبر، ويا جدد الآجال، وعبيد الآمال. أما تتعظون بمصرع سيد المرسلين، وإمام المتقين، وحبيب رب العالمين. أتظنون أنكم في الدنيا مخلدون؟ أم تحسبون أنكم من الموت محصنون؟ ساء ما تتوهمون، هيهات هيهات إنكم إذا لمغرورون وجدوا لله والرحيل، فاحتقبوا زادًا كافيًا، ووجب السؤال فأعدوا جوابًا شافيًا، فكأن قد نعق بكم ناعق الشتات، ودارت عليكم رحى الآفات، وعصفت فيكم ريح الممات، فلن تستطيعوا نقصًا من السيئات، ولا زيادة في الحسنات. جعلني الله وإياكم من الفائزين الآمنين، وجنبني وإياكم موارد الظالمين. إن أحسن الكلام كلام الملك العلام، والله يقول وقوله الحق المبين: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم منه بالآيات

стр. 619

والذكر الحكيم، وأجارني وإياكم من عذابه الأليم، وثبتني وإياكم على الصراط المستقيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، إنه هو الغفور الرحيم فاستغفروه. ١٥٦- (خطبة) الحمد لله الذي يسبح بحمده من في الأرض والسموات، والحمد لله بكل حمد حمد به نفسه، أو علمه أحدًا من المخلوقات. نحمده على ما منح من نعمه السابغات. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة ترفع قائلها أعلى الدرجات. ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله المؤيد بالمعجزات، اللهم فصل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الأئمة الثقات. (أما بعد) فيا أيها الناس إن ما توعدون من الآخرة لآت، وإنكم في دار هي محل العبر والآفات، وأنتم على سفر، والطريق كثيرة المخافات. فتزودوا من دنياكم قبل الممات، وتداركوا هفواتكم قبل الفوات، وحاسبوا أنفسكم وراقبوا الله في الخلوات، وتفكروا فيما أراكم من الآيات، وبادروا بالأعمال الصالحات، واستكثروا في أعماركم القصيرة من الحسنات قبل أن ينادي بكم منادي الشتات، قبل أن يفجأكم هاذم اللذات، قبل أن يتصاعد منكم الأنين والزفرات، قبل أن تتقطع قلوبكم عند فراق الدنيا حسرات، قبل أن يغشاكم من غم الموت الغمرات، قبل أن تزعجوا من القصور إلى بطون الفلوات، قبل أن يحال بينكم وبين ما تشتهون من هذه الحياة، قبل أن تتمنوا رجوعكم إلى

стр. 620

الدنيا لتعملوا وهيهات. فاتقوا الله حق تقاته، فإن فيها النجاة قبل الممات، وتعرضوا لنفحات ربكم، فإن له تعالى في أيام دهر كم نفحات، وتوبوا إليه فإنه يقبل التوبة، ويعفو عن السيئات. فرحم الله أقوامًا بادروا الوقات، وتداركوا الهفوات، عيونهم مشغولة بالدمع، وألسنتهم مسجونة بالصمت عن فضول الكلمات، وأكفهم مكفوفة بالخوف عن تناول الشهوات، وأقدامهم مقيدة بقيود المحاسبات، فتيقظوا رحمكم الله للحاقهم من سنة الغفلات، واعملوا مثل أعمالهم تناولوا الدرجات. فيا من لم يتصل بهذه الصفات، كيف ترجوا لحاقكم كثير المخالفات؟ أما قرع سمعك قول الله في محكم الآيات ﴿أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] جعلني الله وإياكم ممن بادر الأوقات، وسارع إلى الخيرات، إن أكمل المواعظ نفعًا، وأعظمها في القلوب وقعًا كلام من شق لكل منا بصرًا وسمعًا، والله يقول؟ وقوله الحق المبين: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم وأجارني وإياكم من عذابه الأليم، وثبتني وإياكم على الصراط المستقيم.

стр. 621

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين، إنه هو الغفور الرحيم فاستغفروه. الحمد لله المرتفع عن إدراك الأبصار الناظرة، المنزه عن التخيلات، والأوهام الخاطرة، العالم بما تحت أمواج البحار الزاهرة، كعلمه بحركات خلقه الظاهرة، الذي جعل الموت أول منازل الآخرة، فأقام به القوي والضعيف تحت قدرته القاهرة. أحمده على نعمه وآلائه المتواترة، وآياته الباهرة المتظاهرة، حمدًا أدفع به حلول كل فاقرة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة صادرة عن طوية غير مرتابة ولا فاترة. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث بالآيات الباهرة، والمفضل بالمقامات الفاخرة، الذي ألف بين القلوب المتنافرة. اللهم فصل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وعزته الطاهرة، وعلى أصاحبه الأنجم الزاهرة. (أما بعد) فيها أيها الناس إن سبيل العافية عافية لقلة سُلاكها، وإن علل القلوب القاسية مؤذنة بهلاكها، وإن حلل الذنوب بادية على سوقة الأمة وأملاكها، وإن رسل المنون قانصة لا تفلت أحدًا من شباكها. فما للعيون ناظرة ولا تبصر؟ وما للقلوب قاسية ولا تفكر؟ وما للعقول طائشة ولا تشعر؟ وما للنفوس ناسية ولا تذكر؟ أغرها أنظارها وإمهالها؟ أم بشرها بالنجاة أعمالها؟ أم لم يتحقق عندها من الدنيا زوالها؟ كلا ولكن شملت الغفلة، فاستحكم على القلوب أقفالها فكأن قد كشف الموت لأهل الغفلة قناعه، وأطلق على صحاح الأجسام أوجاعه، وحقق بكل الأنام إيقاعه، ولم يملك احد منكم دفاعه، فخفق من المنزول به فؤاده، وانمحق من ناظره سواده، وقلق لهول مصرعه عوادهن ورحمه أعداؤه وحساده، وأزف عن أهله

стр. 622

ووطنه بعاده، والتحق بذلك اليتم أولاده، فيا له من واقع في كرب الحشارج حتى أدرج في تلك المدارج، وقدم على الله ذي المعارج، في منزل لا يبرح منه من نزله حتى يلحق آخر الخلق أوله. أفيظن ظان أن الله خلق الخلق ليهمله؟! كلا والله ليبعثنه من أماته. ليسأله عن الرسول ومن أرسله، وعن القرآن ومن أنزله، وعن الحرام الذي أكله، وعما اجترحه فيدنياه وفعله، ثم ليوفين كل عامل منكم عمله، ويقابل كل بما عليه وله، علم ذلك من علمه وجهله من جهله. جعلني الله وإياكم ممن إذا أمر قبل، وإذا زجر وجل. إن أحسن الكلام على الإطلاق كلام ربنا الرحيم الخلاق، والله يقول وقوله الحق المبين: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿المص كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم منه بالآيات والذكر الحكيم، وأجارني وإياكم من عذابه الأليم، وثبتني وإياكم على الصراط المستقيم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين. إنه هو الغفور الرحيم، فاستغفروه. ١٥٧- (خطبة) الحمد لله الكريم الرؤوف الرحيم المجيد، والحمد لله الذي بحمده تستفتح أبواب المزيد، نحمده كما يجب لجلاله، وكما ينبغي له من التحميد، ونشهد

стр. 623

أن لا إله إلا الله العزيز الحميد، شهادة ننجو بها من الفزع الأكبر يوم العيد. ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله البشير النذير الشهيد، اللهم فصل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أئمة العدل والتوحيد. (أما بعد) أيها الناس فأوصيكم ونفسي بتقوى الله فاتقوه، وأحثكم على مراقبته فإنكم ملاقوه، واحذروه كما حذركم نفسه في الكتاب، واذكروه كما أمركم يا أولي الألباب، واستغفروه؛ فإنه غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب، واشكروه فكم أفاض عليكم من جزيل نعمه، وإياكم والمعاصي، فإنها مفاتح غضب الله ونقمه، ولا تشغلنكم دنياكم عن أساء المسنون والمفروض، ولا تغرنكم، فإنها لا تساوي عند الله جناح بعوض. كيف يغتر بها، ويطمئن إليها من تنصرم أيامه ولياليه؟ أم كييف يطيب فيها عيش من لا يدري متى الموت والله مفاجيه. فيا واقفون والأيام والليالي بكم سائرة، إن فيما تشاهدون من العبر لموعظة زاجرة، فما للقلوب عن قبول المواعظ نافرة، وما للنفوس معرضة عن التذكرة كأنها بها ساخرة؟ وما للهمم عن العمل الصالح فاترة، أغرتكم الأماني، والآمال الحاضرة؟ أما علمتم أن كل جزء من الزمان يذهب بمثله من الأعمار؟ أما تحققتم أن العمر رأس مال الإنسان وأن ربحه العمل؟ أما تبين لكم أن ما فات لا عوض عنه ولا بدل؟ فوا عجبًا لواقف هو في حال وقوفه يرحل، ولمن يساربه ولا يدري إلى أي الدارين يحمل، ولمن وعظ بالمواعظ الصادقة فلم يقبل، ولمن نودي بالرحيل وأمر بالتزود فأهمل، ولمن يسيء عمله، وقد علم أنه سيجازى بما يعمل، والعجب أيضًا ممن يرى فعل الموت بالأتراب، ثم لا يمهد لنفسه في بيوت التراب.

стр. 624

فاستيقظوا رحمكم الله من الغفلة والسنة، وكونوا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وبادروا وأنتم في مكان الإمكان وفسح المهل، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل. واجتنبوا المعاصي فالفائز من كان لها مجانبًا، ولازموا التوبة إلى الله، فالسعيد من لم يزل إليه تائبًا. جعلني الله وإياكم من الفائزين الآمنين، وجنبني وإياكم موارد الظالمين، إن أحسن الكلام كلام الملك العلام، والله يقول وقوله الحق المبين: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم منه بالآيات والذكر الحكيم، وأجارني وإياكم من عذابه الأليم، وثبتني وإياكم على الصراط المستقيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين، إنه هو الغفور الرحيم فاستغفروه. ١٥٨- (خطبة) الحمد لله المنتقم ممن خالفه، المهلك من آسفه، المتوحد في قهره، والمنفرد بعز أمره، احمده حمد شاكر لما أولاه، مسقيل مما جناه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة يقين لا شك فيه، وقول إخلاص عما يقول الكافر ويفتريه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي استأمنه على علم

стр. 625

الغيب، وبرأه من كل دنس وعيب، اللهم فصل وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أفضل الصلوات وأزكاها، وأنزلهم من منازل الكرامة أعلاها. (أما بعد) فيا أيها الناس إنه ليس أحد أكرم على الله من نبيه، ولا أشرف عنده من محمد نجيه وحبيبه وصفيه، ولن يؤخر عند انقضاء مدته، ولن يعمر عند حضور منيته، ولقد أتاه في مثل شهركم هذا من رسل ربه الكرام، الموكلين بقبض نفوس الأنام، فجذبوا روحه الزكية لينقلوها، وعاجلوها ليرحلوها إلى رحمة ورضوان، وروح وريحان، وروضات الجنان، وخيرات حسان، فاشتد لذلك كربه وأنينه، وترادف قلقه وحنينه، واختلف بالانقباض والانبساط شماله ويمينه، وعرق لهول مصرعه جبينه، فبكى لمنظره من حضره، وانتحب لمصرعه من أبصره، فلم يدفع الجزع عنه مقدورًا، ولا راقب الملك فيه أهلاً ولا عشيرًا، بل امتثل ما كان به مأمورًا، واتبع ما وجد في اللوح مسطورًا. هذا وهو أول من تنشق عنه الأرض، وصاحب الشفاعة يوم العرض، وأكرم أهل السماء وأهل الأرض، وعلى يقين من السلامة في المعاد، وثقة بالكرامة يوم الأشهاد. فكيف من لا يعلم متى الرحيل؟ ولا يتحقق أين المقبل؟ ولا يدري على ما يقدمن ولا بما عليه في القيام يحكم. فيا خلف من قد دبر، ويا بقية من قد غبر، ويا جدد الآجال، وعبيد الآمال. أما تتعظون بمصرع سيد المرسلين، وإمام المتقين، وحبيب رب العالمين. أتظنون أنكم في الدنيا مخلدون؟ أم تحسبون أنكم من الموت محصنون؟ ساء ما تتوهمون، هيهات هيهات إنكم إذا لمغرورون وجدوا لله والرحيل، فاحتقبوا زادًا كافيًا، ووجب السؤال فأعدوا جوابًا شافيًا، فكأن قد نعق بكم

стр. 626

ناعق الشتات، ودارت عليكم رحى الآفات، وعصفت فيكم ريح الممات، فلن تستطيعوا نقصًا من السيئات، ولا زيادة في الحسنات. جعلني الله وإياكم من الفائزين الآمنين، وجنبني وإياكم موارد الظالمين. إن أحسن الكلام كلام الملك العلام، والله يقول وقوله الحق المبين: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم منه بالآيات والذكر الحكيم، وأجارني وإياكم من عذابه الأليم، وثبتني وإياكم على الصراط المستقيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، إنه هو الغفور الرحيم فاستغفروه. ١٥٩- (خطبة) الحمد لله مجلي السماء بديع المصابيح، ومغذي الملائكة بحلاوة التسبيح، الذي شهدت بتوحيده عجائب المصنوعات، ونطقت بتحميده غرائب المبدوعات، وسبح له الخلق باختلاف اللغات، فسبحان من لا يساويه أحد في الأرض والسموات، أحمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة باسقة الفروع، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله من أرجح العرب ميزانًا، وأوضحها بيانًا، وأعلاها مقامًا وأحلاها كلامًا، وأوفاها ذمامًا،

стр. 627

فأوضح الطريقة ونصح الخليقة، وشهر الإسلام، وكسر الأصنام، وأظهر الأحكام، وحذر الحرام، وعم بالإنعام. اللهم فصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه البررة الكرام وعلى أزواجه وذريته في كل محفل ومقام. أما بعد أيها الناس ارمقوا العواقب بعقل الفكر، وانظروا لأنفسكم أجمل النظر، وادرعوا لأهوالكم مدارع الحذر واحتقبوا زادًا كافيًا لبعد السفر. فما لكم عن الرشد ناكبين، وفي مواطن الجد لاعبين، وأحلام المنايا بكم صادقة، وسهام الرزايا بكم واثقة؟ ألا غاسلاً قلبه بفيض مدمعه، ألا موقظًا قلبه بذكر مرجعه، إلا مشفقًا من مفاجأة هجوم مصرعه، ألا متأهبًا لركوب هول فزعه، ألا ممهدًا لطود وحشة مضجعه، قبل أن تخلو المنازل من أربابها، وتؤذن الديار بخرابها، وتهتك الحلائل لعظم مصابها، وتندب على فراق أحبابها، وتلتحق الأجساد بترابها، قبل أن تقبل الساعة فجائعها وتنشر الخلائق لحسابها، وترتهن باكتسابها، وتنكر القبائل معارف أنسابها. يومئذ تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتجازى كل عاملة بما صنعت، ذلك يوم زال غشه ونفاقه، وطال الشر ووثاقه، وعسر على المذنبين مساقه، وتجلى للحكومة فيه خلاقه؛ فيا فوز من عامله بأحسن المعاملات، ويا خسارة من بارزه بالخطايا والسيئات، فإلى كم تتماطلون عباد الله بالعمل، وتطمعون في بلوغ الأمل! وتغترون بفسحة المهل! ولا تذكرون هجوم الأجل فرحم الله امرءًا أقدم الحذر، وأمعن النظر قبل أن يفارق الأوطان، ويعدم الإمكان، ويدرج في مدارج الكفان، ويدخل في خبر كان، جعلني الله وإياكم من الفائزين، وجنبني وإياكم موارد الظالمين. إن أحسن الكلام كلام الله الملك العلام، والله يقول وقوله الحق المبين: ﴿فَإِذَا

стр. 628

قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم منه بالآيات والذكر الحكيم، وأجارني وإياكم من العذاب الأليم، وثبتني وإياكم على الصراط المستقيم. أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين، إنه هو الغفور الرحيم فاستغفروه. ١٦٠- (خطبة) الحمد لله الذي عمت رحمته كل شيء ووسعت، وتمت نعمته على العباد وعظمت، ملك ذلت لعزته الرقاب وخضعت، وهابت لسطوته الصعاب وخشعت، وارتاعت من خشيته أرواح الخائفين وجزعت، كريم تعلقت برحمته قلوب الراجين فطمعت، بصير بعباده يعلم ما كنت الصدور وأودعت، عظيم عجزت العقول عن إدراك ذاته فتحيرت. نحمده على نعم توالت علينا واتسعت، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تنجي قائلها من النار يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي جاهد في الله حق جهاده حتى علت كلمة التوحيد وارتفعت، اللهم فصل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ما ابتهلت الوفود بالمشاعر العظام ودعت.

стр. 629

أما بعد أيها الناس تأهبوا للانتقال من دار الرحيل والزوال، وتنافسوا في اكتساب ما يوصل إلى دار المقيل والظلال، وارغبوا في صالح الأعمال، واعلموا أنكم عما قليل راحلون، وإلى الله صائرون، ولا يغني هنالك عمل إلا صالح قدمتموه، أو حسن ثواب أحرزتموه، فإنكم تقدمون على ما قدمتم، وتجازون على ما أسفلتم، فلا تصدنكم زخارف دنيا دنية عن مراتب جنات علية، واكتسبوا مراضي الرحمن فإنها أربح المكاسب، واجتنبوا موارد العصيان، فإنها وخيمة العواقب، وحاذروا مواعيد الآمال فإنها آمال كواذب. ألا وإن الدنيا قد خطمتكم بخطامها وأنتم عليها مقبلون، وصدقتكم حوادث أيامها وأنتم لها مكذبون، كم تحذرون من الغفلة فلا تحذرون، وتذكرون بالآخرة ولا تذكرون، ويوضح لكم الصواب ولا تبصرون، ويفصح لكم في الخطاب ولكن لا تشعرون. إلى كم للدنيا تعدون؟ وأنتم عما قليل في الموتى تعدون ولا تتأهبون للآخرة ولا تستعدون ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] . فرحم الله امرءًا تأهب للقدوم على الله في يوم يفوز فيه الأبرار، ويسعدون ويشقى فيه الفجار ويبعدون، ذلك يوم يخسر فيه المبطلون، وينجو فيه الأبرار الصادقون، ويفرح فيه المتقون، ويربح فيه المخلصون، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولا هم يستعتبون. جعلني الله وإياكم ممن أخلص لله في الأعمال، وأسعدني وإياكم في الدارين بحسن النوال. إن أحسن الكلام كلام الملك العلام، والله يقول وقوله الحق المبين: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] . وقال عز من قائل عليك: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] . أعوذ الله من الشيطان الرجيم

стр. 630

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم منه بالآيات والذكر الحكيم، وأجارني وإياكم من العذاب الأليم، وثبتني وإياكم على الصراط المستقيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين، إنه هو الغفور الرحيم فاستغفروه. ١٦١- (خطبة) الحمد لله الذي يجب أن تشكر نعمته، ويتعين أن تحذر نقمته ويحتم أن يخاف عذابه وسطوته، من قابل إحسانه بالإساءة نادت عليه شقوته. أحمده حمدًا تقتضيه قدرته، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا لعل أن تعمنا رحمته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وكيف يشاركه شيء وكل الأشياء خليقته؟ وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله الذي ختمت النبوة والرسالة بنبوته ورسالته، ودمر الله به المعتدين، وأنذر به العاصين حتى قامت على الخلائق حجته. ولم يزل ﷺ يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويحرض على ذلك لتمتثل أمته. اللهم فصل وسلم على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه، وأدم ذلك بمدد لم تنقض مدته. أما بعد أيها الناس اقترب للناس حسابهم، وكأن الجهول قد نسخت رجعته، وحق على العصاة عذابهم، وكأنها هانت على الجريء مهجته، وأزف والله مآبهم، وقد استولت على الشقي غفلته، واشتغل المغرور بالدنيا شغل من

стр. 631

لا تأتيه آخرته، واحتفل باللهو واللعب، ولم يشعر أن لذته تستهلكه، وأهمل حقوق المولى حتى كأن لم تجب عليه طاعته، وأسدل المذنب حجاب الستر من السوء وقد كشفه علم الله ومراقبته. أيها النائم سيوقظك الموت وسكرته، ويضمك القبر وتوحشك ظلمته، ويسألك إلهك وتشغلك مسألته، وتلتئم أعضاؤك فتظهر من كل عضو زلته، وتطوى صحيفتك، ويا ويح من تطوى على المساوئ صحيفته، وتعرض روحك على الله وقد حفت به الملائكة، وأحضرت النار، وأعتبرت الأوزار، وشخصت الأبصار، وضمت الأولين والآخرين حضرته. ويقال للعاصي: يا ناقض العهد أين عظمة الله وحرمته؟ من ذا الذي يجترئ على الله وقد حقت عليه كلمته؟ فا لله الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بحسب ما تطيقه قوة أحدكم وقدرته. وتوبوا إلى الله قبل أن يغلق باب التوبة، وترد على العبد توبته. جعلني الله وإياكم ممن أعطي مسألته وغفر لكل عبد منا زلته. إن أحسن الكلام المنظوم، وأبين اللفظ المرقوم، كلام ربنا الحي القيوم، والله تعالى يقول وقوله الحق المبين: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم منه بالآيات

стр. 632

والذكر الحكيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، ولجميع المسلمين، إنه هو الغفور الرحيم، فاستغفروه. ١٦٢- (خطبة) الحمد لله الذي أحاط بحوادث الدنيا والآخرة خبرًا، وجعل لكل شيء قدرًا، وأسبل على الخلائق رعايته سترًا. أحمده على نعمائه شكرًا، وأسلم لقضائه صبرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أعدها ليوم القيامة ذخرًا، وأستمدها على الأعداء نصرًا، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، أرسله إلى البرية عذرًا ونذرًا، فدعا إلى الله سرًا وجهرًا، ونشر رحمته على العالمين نشرًا، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وأدم لهم أجرًا. أما بعد فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله، فإن تقواه عروة ما لها انفصام، وقدوة يأتم بها الكرام، وجذوة تضيء بها الأفهام، من تعلق بها حمته محذور العاقبة، ومن تحقق بحملها وقته شرور كل نائبة، وأحذركم دار فرقة ما لها أسلاف وقرار حرقة ما لها انصراف، وأماني رجعة ما لها إسعاف. فانهضوا عباد الله في استعمال ما يقربكم من دار القرار، وارفضوا من الأعمال ما يدنيكم لدار البوار، فإنها المصيبة الجامعة، والعقوبة الواقعة. يا لها دارًا انقطع من الرجال رجاء حلالها، وامتنع من الفناء بقاء نكالها، وشعار أهلها الويل الطويل، ودثارهم البكاء والعويل، وسرابيلهم الخزي الوبيل، ومقيلهم الهاوية وبئس المقيل، يقطع منهم الحميم أمعاء، طالما

стр. 633

ولعت بأكل الحرام، وتضعضع منهم الجحيم أعضاء طالما أسرعت إلى اكتساب الآثام قد أنهلت عليهم الأنات، وحلت بهم المثلات. فجلودهم محددة بالعذاب، ووجوههم مسودة لسوء الحساب، والزبانية يدخلون عليهم من كل باب، ويقولون: لا مرحبًا بكم إن لكم لشر مآب، ينادون إلها غرهم في العاجلة حلمه فخالفوه، وحق عليهم في الآجلة حكمه لما آسفوه، يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] . ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:: ٢٨] . فيجيبهم بعد حين إجابة دعوة ذي قوة متين ﴿اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] . فحينئذ ينقطع عندها والله تأميل المذنبين، ويجتمع التنكيل على المكذبين، ويرتفع في النار عويل المعذبين، فإن يصبروا فالنار مثوى لهم، وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين. أبعدني الله وإياكم عن دار غضبه، وأسعدني وإياكم بإتيان ما أمر به. إن أحلى ما أنضت لترديده، وأولى ما أخذ بوعده ووعيده كلام مبديء الخلق ومعيده، والله يقول، وقوله الحق المبين: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] . ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ٢٢] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم منه بالآيات والذكر الحكيم، وثبتني وإياكم على الصراط المستقيم.

стр. 634

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين، إنه هو الغفور الرحيم. فاستغفروه. ١٦٣- (خطبة) الحمد لله مثيب الطائعين على صالح العمل أجزل الثواب، ومجيب الداعين فهو أكرم من أجاب، يغفر الزلات، ويقيل العثرات، ويجتبي إليه من يشاء، ويهدي إليه من أناب، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، فإلى متى يؤخر المتاب؟!. أحمده على نعمه التي فاضت على ذرات التراب، وقطرات السحاب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة لا يحجبها عن الإخلاص حجاب، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، أرسله بأسمح دين وأفصح كتاب، فرض الفرائض وسنن السنن، وبين الآداب. اللهم فصل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه خير آل وأكرم أصحاب. أما بعد أيها الناس جد بكم الرحيل وأنتم للإقامة عاملون وندبكم ربكم إلى الآخرة وأنتم عنها غافلون، وحذركم عن التهافت في الدنيا وأنتم مع الآمال مائلون، وطلبكم لوليمة دار السلام وأنتم عن الإجابة متشاغلون. يا لها دارًا تشوقت إلى طالبيها، فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين لمن جد فيها، فيها من الخير المدخر ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، حصباؤها اللؤلؤ والجوهر وترابها الزعفران والعنبر، سقفها عرش الرحمن، فظلها ممدود، وماؤها جار في غير أخدود، سررها عالية الرتب، وبناؤها لبنة من فضة، ولبنة من ذهب، فيها أنهار ذكر الله لها في كتابه العزيز

стр. 635

نعتًا ووصفًا من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، فتحت منها الأبواب، وزخرفت للمتقين فيها القباب، وغردت الأطيار، واطردت الأنهار. وأصبح، أهلها في روضة يحبرون، على الأرائك ينظرون، لمثل هذا فليعمل العاملون. فيا أهل العقول تدبروا القرآن ببصائر الإيمان، واشتروا الأمان بمرضاة الرحمن، وتقربوا بالصالحات إلى الجنان تفوزوا بالقبول والغفران، وامحوا سوابق العصيان بلواحق الإحسان، وتخلصوا عن الهوان واندبوا أعمالاً ماضية، ونفوسًا عاتية طاغية، ألا آذان واعية ألا أقدام في طاعة الله ساعية، ألا نفوس لحقوق الله مراعية، ألا قلوب إلى قبول المواعظ داعية، قبل هجوم الداهية، يوم تعرضون لا تخفى منكم خافية، جعلني الله وإياكم من الفائزين، وأدخلنا برحمته في عباده الصالحين. إن أحسن الكلام كلام الملك العلام والله يقول وقوله الحق المبين: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٠] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم منه بالآيات والذكر الحكيم، وأجارني وإياكم من العذاب الأليم، وثبتني وإياكم على الصراط المستقيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين، إنه هو الغفور الرحيم فاستغفروه.
следующие страницы →