Полный текст (1 102 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
لا تأتيه آخرته، واحتفل باللهو واللعب، ولم يشعر أن لذته تستهلكه، وأهمل حقوق المولى حتى كأن لم تجب عليه طاعته، وأسدل المذنب حجاب الستر من السوء وقد كشفه علم الله ومراقبته.
أيها النائم سيوقظك الموت وسكرته، ويضمك القبر وتوحشك ظلمته، ويسألك إلهك وتشغلك مسألته، وتلتئم أعضاؤك فتظهر من كل عضو زلته، وتطوى صحيفتك، ويا ويح من تطوى على المساوئ صحيفته، وتعرض روحك على الله وقد حفت به الملائكة، وأحضرت النار، وأعتبرت الأوزار، وشخصت الأبصار، وضمت الأولين والآخرين حضرته. ويقال للعاصي: يا ناقض العهد أين عظمة الله وحرمته؟ من ذا الذي يجترئ على الله وقد حقت عليه كلمته؟ فا لله الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بحسب ما تطيقه قوة أحدكم وقدرته. وتوبوا إلى الله قبل أن يغلق باب التوبة، وترد على العبد توبته. جعلني الله وإياكم ممن أعطي مسألته وغفر لكل عبد منا زلته.
إن أحسن الكلام المنظوم، وأبين اللفظ المرقوم، كلام ربنا الحي القيوم، والله تعالى يقول وقوله الحق المبين: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم منه بالآيات
стр. 632
والذكر الحكيم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، ولجميع المسلمين، إنه هو الغفور الرحيم، فاستغفروه.
١٦٢- (خطبة)
الحمد لله الذي أحاط بحوادث الدنيا والآخرة خبرًا، وجعل لكل شيء قدرًا، وأسبل على الخلائق رعايته سترًا.
أحمده على نعمائه شكرًا، وأسلم لقضائه صبرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أعدها ليوم القيامة ذخرًا، وأستمدها على الأعداء نصرًا، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، أرسله إلى البرية عذرًا ونذرًا، فدعا إلى الله سرًا وجهرًا، ونشر رحمته على العالمين نشرًا، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وأدم لهم أجرًا.
أما بعد فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله، فإن تقواه عروة ما لها انفصام، وقدوة يأتم بها الكرام، وجذوة تضيء بها الأفهام، من تعلق بها حمته محذور العاقبة، ومن تحقق بحملها وقته شرور كل نائبة، وأحذركم دار فرقة ما لها أسلاف وقرار حرقة ما لها انصراف، وأماني رجعة ما لها إسعاف. فانهضوا عباد الله في استعمال ما يقربكم من دار القرار، وارفضوا من الأعمال ما يدنيكم لدار البوار، فإنها المصيبة الجامعة، والعقوبة الواقعة. يا لها دارًا انقطع من الرجال رجاء حلالها، وامتنع من الفناء بقاء نكالها، وشعار أهلها الويل الطويل، ودثارهم البكاء والعويل، وسرابيلهم الخزي الوبيل، ومقيلهم الهاوية وبئس المقيل، يقطع منهم الحميم أمعاء، طالما
стр. 633
ولعت بأكل الحرام، وتضعضع منهم الجحيم أعضاء طالما أسرعت إلى اكتساب الآثام قد أنهلت عليهم الأنات، وحلت بهم المثلات. فجلودهم محددة بالعذاب، ووجوههم مسودة لسوء الحساب، والزبانية يدخلون عليهم من كل باب، ويقولون: لا مرحبًا بكم إن لكم لشر مآب، ينادون إلها غرهم في العاجلة حلمه فخالفوه، وحق عليهم في الآجلة حكمه لما آسفوه، يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] . ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:: ٢٨] . فيجيبهم بعد حين إجابة دعوة ذي قوة متين ﴿اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] . فحينئذ ينقطع عندها والله تأميل المذنبين، ويجتمع التنكيل على المكذبين، ويرتفع في النار عويل المعذبين، فإن يصبروا فالنار مثوى لهم، وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين.
أبعدني الله وإياكم عن دار غضبه، وأسعدني وإياكم بإتيان ما أمر به. إن أحلى ما أنضت لترديده، وأولى ما أخذ بوعده ووعيده كلام مبديء الخلق ومعيده، والله يقول، وقوله الحق المبين: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] . ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ٢٢] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم منه بالآيات والذكر الحكيم، وثبتني وإياكم على الصراط المستقيم.
стр. 634
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين، إنه هو الغفور الرحيم. فاستغفروه.
١٦٣- (خطبة)
الحمد لله مثيب الطائعين على صالح العمل أجزل الثواب، ومجيب الداعين فهو أكرم من أجاب، يغفر الزلات، ويقيل العثرات، ويجتبي إليه من يشاء، ويهدي إليه من أناب، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، فإلى متى يؤخر المتاب؟!.
أحمده على نعمه التي فاضت على ذرات التراب، وقطرات السحاب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة لا يحجبها عن الإخلاص حجاب، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، أرسله بأسمح دين وأفصح كتاب، فرض الفرائض وسنن السنن، وبين الآداب. اللهم فصل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه خير آل وأكرم أصحاب.
أما بعد أيها الناس جد بكم الرحيل وأنتم للإقامة عاملون وندبكم ربكم إلى الآخرة وأنتم عنها غافلون، وحذركم عن التهافت في الدنيا وأنتم مع الآمال مائلون، وطلبكم لوليمة دار السلام وأنتم عن الإجابة متشاغلون. يا لها دارًا تشوقت إلى طالبيها، فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين لمن جد فيها، فيها من الخير المدخر ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، حصباؤها اللؤلؤ والجوهر وترابها الزعفران والعنبر، سقفها عرش الرحمن، فظلها ممدود، وماؤها جار في غير أخدود، سررها عالية الرتب، وبناؤها لبنة من فضة، ولبنة من ذهب، فيها أنهار ذكر الله لها في كتابه العزيز
стр. 635
نعتًا ووصفًا من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، فتحت منها الأبواب، وزخرفت للمتقين فيها القباب، وغردت الأطيار، واطردت الأنهار. وأصبح، أهلها في روضة يحبرون، على الأرائك ينظرون، لمثل هذا فليعمل العاملون.
فيا أهل العقول تدبروا القرآن ببصائر الإيمان، واشتروا الأمان بمرضاة الرحمن، وتقربوا بالصالحات إلى الجنان تفوزوا بالقبول والغفران، وامحوا سوابق العصيان بلواحق الإحسان، وتخلصوا عن الهوان واندبوا أعمالاً ماضية، ونفوسًا عاتية طاغية، ألا آذان واعية ألا أقدام في طاعة الله ساعية، ألا نفوس لحقوق الله مراعية، ألا قلوب إلى قبول المواعظ داعية، قبل هجوم الداهية، يوم تعرضون لا تخفى منكم خافية، جعلني الله وإياكم من الفائزين، وأدخلنا برحمته في عباده الصالحين. إن أحسن الكلام كلام الملك العلام والله يقول وقوله الحق المبين: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٠] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم منه بالآيات والذكر الحكيم، وأجارني وإياكم من العذاب الأليم، وثبتني وإياكم على الصراط المستقيم،
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين، إنه هو الغفور الرحيم فاستغفروه.
стр. 636
١٦٤- (خطبة)
الحمد لله الذي خلق الخليقة وأعمالها، وردها بنور الهداية عن الغواية وأمالها، وأمدها بالعناية الربانية فقصر آمالها. أحمده حمد من احتسى من النعم زلالها، واكتسى سربالها. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده شريك له، شهادة تثبت الأقدام إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها، وقال الإنسان ما لها.
ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، أرسله والجاهلية تشرع ضلالها، فلم يزل ﷺ يكثر جدالها ويضيق مجالها، ويعرف خيلها ورجالها، حتى عرفت حرامها وعافت الدنيا إذا عرفت زوالها. اللهم فصل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ما خالفت الجنوب في الهبوب شمالها.
أما بعد أيها الناس ما لأمواه العيون غائضة؟ وما لأفواه الذنوب فائضة؟ وما للهمم عن طلب النجاة رابضة، وما للنفوس في ميدان الشهوات راكضة؟ وما للأهواء في مجاري الزلات خائضة؟ وما للعزائم إلى مقابل التوبة ناهضة؟ أذهب الصواب عن السلاك، أم عظم المصاب ووقع الهلاك؟.
لقد أفصحت الرسل لولا صمم القلوب، ووضحت السبل لولا كدر الذنوب، ألا وإن الطريق سحيق فاشتملوا زادًا فاضلاً، وإن الحساب دقيق فاعملوا عملاً مناضلاً وإن العذاب حريق فأعدوا ولاء شاملاً، وإن السؤال حقيق فأسيلوا دمعًا سائلاً، واغتنموا نفائس أوقات تسير بكم سيرًا حثيثًا، وأيامًا وليالي طالما أرتكم عبرة وأسمعتكم مواعظها حديثًا، لقد أخبرتكم بما أخلت من الديار، وما أحلت بالقرون من قبلكم، وأعفت من الآثار. ألم
стр. 637
تركم كيف أوردت الأتراب مصارع المنايا، ألم توصل إليكم من الأخبار قوارع الرزايا؟ أما دهتكم في أنفسكم بكثير من الآلام؟ أما أذاقتكم في أنفسكم مرارة الأسقام؟ فلو فكرتم في الدنيا لعلمتم أنكم في إدبارٍ منها حثيث، وإقبال من الآخرة غير بطيء ولا مكيث. فكأن الليل والنهار وقد وقفا بكم على الآجال، وأزالا عنكم غرور الآمال، وكشفا عنكم أغطية الأبصار، ووصلا بكم إلى دار القرار، فيا حسرة منتقل إلى دار لم يتخذ بها منزلاً، ولم يقدم إليها من الصالح عملاً، فرحم الله امرءًا وسع من القبور مضيقًا، واتخذ من العمل الصالح صديقًا، وصدق ربه فبعثه صديقًا، فطيبوا نفسًا بمعاملة الله فإنكم تربحون، وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون.
جعلني الله وإياكم من الفائزين الآمنين، وجنبني وإياكم موارد الظالمين. إن أحسن الكلام كلام الملك العلام والله يقول وقوله الحق المبين: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [الكهف: ٤٦] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم منه بالآيات والذكر الحكيم، وأجارني وإياكم من العذاب الأليم، وثبتني وإياكم على الصراط المستقيم،
أقول قولي هذا، واستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين، إنه هو الغفور الرحيم، فاستغفروه.
стр. 638
الخطبة الرابعة من شهر ربيع الثاني
الحمد لله الملك القهار العظيم الجليل، والحمد لله الذي أنفذ قضاءه في مخلوقاته، وحسبنا الله ونعم الوكيل، سبحان من جعل الدنيا دار زوال ورحيل، والآخرة دار نعيم أو عذاب وبيل، وكل ميسر لما خلق له، وعلى الله قصد السبيل.
أحمده على إحسانه الشامل الجزيل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا وزير ولا عديل، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله المؤيد بمعجزات التنزيل، والمصون دينه عن التحريف والتبديل، اللهم فصل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه صلاة وسلامًا يبلغان قائلهما نهاية التأميل.
أما بعد أيها الناس ما هذا الانتظار وقد قرب الرحيل؟ وما هذا الاغترار وقد أزف التحويل؟ أما ترون المنايا كيف أنشبت الأظفار؟ واستلبت من الأمة الخيار، وأن الرزايا قد طبقت أرجاء الأرض والأقطار، فمحت من المجالس الآثار، فأصبحت عرى الإيمان منفصمة، وقوى التقوى منقصمة، فاتقوا الله عباد الله حق تقاته، وبادروا بالسعي إلى مرضاته، وأقلقوا القلوب من مراقد غفلاتها، واعدلوا بالنفوس عن موارد شهواتها، وذللوا جموحها بذكر هجوم مماتها، وتخيلوا فضائحها يوم تعرف بسماتها، وترقبوا داعيًا من جو السماء تنشر به الرمم، وتزول معه التهم، ويطول عنده الأسف والندم، يا له من داع يسمع العظام البالية، ومناد يجمع الأجسام المتلاشية من حواصل الطيور وبطون السباع، وقرار الوهاد، ومتون البقاع، حتى يستقيم كل عضو في موضعه، ويقوم كل شخص من مصرعه، فتقومون أيها الناس ليوم الكرة بوجوه من الثرى مغبرة وألوان من هول ما ترون مصفرة، حفاة عراة كما
стр. 639
بدأكم أول مرة، فيسمعكم الداعي، وينفذكم البصر، قد ألجمكم العرق وغشيكم القتر، ومادت الأرض فهي بما عليها ترجف، وبست الجبال فهي برياح القامة تنسف، وشخصت الأبصار، فما ترى من عين تطرف وغص بأهل السموات والأرض الموقف. فبينما الخلائق متطلعو أنبائها، وقوفًا صفوفًا والملائكة على أرجائها، إذ أحاطت بهم ظلمات ذات شعب، وغشيهم منها شواظ ولهب، وسمعوا لها جرجرة زفير وصخب، فعند ذلك يجثو الظالمون على الركب، ويشفق المراؤون من سوء المنقلب وتطرق الأنبياء لسلطان الرهب، وينادى أين عبد الله وابن أمته، وأين المسرف على نفسه بخطيئته؟ فيعرف من بين الخلائق بسمته، ويحضر مطالبًا بإقامة حجته. فخاب والله هناك من كان على نفسه مسرفًا، ولم يجد من خلطائه وأخلائه ناصرًا ولا مسعفًا، بل يجد الحاكم له وعليه عدلاً ومنصفًا ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً﴾ [الكهف: ٥٣] . زحزحنا الله وإياكم عن النار وأدخلنا بفضله ورحمته دار القرار. إن أحسن ما فاه به اللسان كلام من خلق الإنسان وعلمه البيان. والله يقول وقوله الحق المبين: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٤٢] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم منه بالآيات والذكر الحكيم، وثبتني وإياكم على الصراط المستقيم، وأجارني وإياكم من عذابه الأليم.
стр. 640
أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم ولكم ولجميع المسلمين، إنه هو الغفور الرحيم. فاستغفروه.
خطبة في الاستعداد للموت وما بعده
الحمد لله العالم المريد، الخالق الرازق الغني الحميد، ذو العرش المجيد، فعال لما يريد، عفوه عظيم وبطشه شديد، وهو الله الباعث الوارث المبدئ المعيد ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق:: ١٥] . ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٤٧] .
نحمده تعالى حمدًا يليق بجلاله، ونشكره على أفضاله، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له عم الوجود بجوده وشمل العالمين بنواله، وجعل الحياة لابن آدم مزرعة لأعماله، يحصد ما زرع فيها عند مآله، ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله المعروف بكماله، القائل ﷺ : «أنا أعرفكم بالله وأتقاكم له» ، لما شاهد من جلال ربه وجماله ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم: ١٢] .
اللهم فصل وسلم على سيدنا محمد بن عبد الله، سيد خلق الله، وخاتم رسل الله، والقائل ﷺ : «عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشيت الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» ، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، وعلى التابعين لهم بإحسان في شرائع الله. ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرًا.
عباد الله: شغلتكم الدنيا عن الآخرة وصرفكم العاجل عن الآجل،
стр. 641
وغرتكم الحياة الدنيا وما ينبغي ذلك لعاقل، فكم ترون من هالك بعد هالك، وراحل بعد راحل، وكم تشاهدون من ملك عظيم وملكه عنه زائل، ولم تغن عنه من الله شيئًا معداته والجحافل، وكم من غني كبير ذهب عنه ماله الكثير الطائل، وأقبل كل على الله بما هو عامل، والتحق الأواخر بالأوائل، ولقيت خزاعة بكر بن وائل، وسيحكم الله بين عباده ويجازي كلاً بما عمل وهو الكريم العادل ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ [الأعلى: ١٢] .
هذه الدار خداعة مكارة، ساخرة بأهلها غرارة، ونفسك أيها الإنسان بالسوء أمارة، والشيطان يأتيك من بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك، ويأمرك بالسوء والفحشاء ويدعوك إلى الخسارة، فيا لك من ثلاثة أعداء تآمروا عليك وبحسن العبارة قد صرفوك عن كل بشارة ونذارة، وزينوا لك الشر وأطواره، وحسنوا لك الذنوب بكل مهارة، ودعوك إلى الفساد بالتصريح والتلميح والإشارة، وأنت بهم واثق وإليهم راكن، لا تنفعك الموعظة ولا تسمع من الخطيب إنكاره، وإسهابه في التحذير وإكثاره، فاتقوا الله وقوا أنفسكم وأهليكم نارًا، وقودها الناس والحجارة ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ [الطلاق: ٣] .
تمكن والله حب الدنيا من قلوب الكفار والمسلمين، فأصبحوا لا يبالون في سبيلها بمروءة ولا دين، وتحكمت في بني آدم الشياطين فزينوا لهم ما كانا يعملون، وقالوا لهم ما أنتم بميتين إلا الموتة الأولى وما أنت بمعذبين، وما هذه الآيات والمواعظ إلا أساطير الأولين، فأصبح الناس بالأديان مستهزئين،
стр. 642
وبالتعاليم السماوية مستخفين وقال الآباء للبنين، كونوا كما شئتم فما نحن عنكم بمسئولين، وقال الصغار للكبار لولا أنتم أيها الجامدون لكنا قومًا صالحين، فليتهم يسمعون الكتاب المبين، وهو يتحدث عن القرون الغابرين بقوله ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ [النجم: ٥٥] .
أملك يا ابن آدم طويل وأجلك قصير، وخير هذه الحياة قليل وشرها كثير، فأنت تبني وتهدم، وتنقض وتبرم، وتقدر فتخطى التقدير، وتقول وتفعل وتترك وتدبر، فتأتي الأمور مخالفة للتدبير، وتسيء الاكتساب وتسوف بالمتاب، وتستبعد الموت لأنك صحيح وصغير، وإنما يموت المريض والكبير، فهلا تذكرت من مات فجأة وأخذ بغتة واستسلم كالأسير، فأمسى أميرًا وأصبح غير أمير، وتم أجله، وانقطع عمله، وأسلمه إلى الله أهله، وانقطعت عنه المعاذير، وفي القبر يسأله منكر ونكير وإذ ذاك يعلم المصير، أفي الجنة أم في السعير ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً﴾ [طه: ١٠٣] .
إذا وقف الناس بين يدي الله، ونظر كل امرئ ما قدمت يداه، واجتمع الناس في عرصات القيامة وهم حفاة عراة، يسمعهم الصيت ويبصرهم الناظر من أبعد الموقف وأدناه، فثم تذهل العقول وتتبلبل الألسنة ويستغرق الإنسان في بكاه، وقد ألجمه العرق وتغشاه، وخشعت الأصوات للرحمن فلا يتكلم إلا من أذن له الله من ملائكته وأنبياءه وتطايرت الصحف ونصب الميزان وتجلى الله، لفصل القضاء بين عباده الطائعين والعصاة، فظهرت الجرائم، وأنصف
стр. 643
الحاكم وأمر بالظالم إلى مقره ومثواه فكيف الخلاص وأين النجاة، يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا والأمر يومئذ لله ﴿قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً﴾ [الكهف: ٨٨] .
فهل ينبغي لمن آمن بالله واليوم الآخر، وهل يليق بمن عرف مصير الأوائل والأواخر، ورأى أن الموت يأخذ الأصاغر والأكابر.
" خطبة "
الحمد لله الذي لا تدركه الأوهام والظنون، ولا تحويه الأفكار والعيون خلق الإنسان من صلصال من حمأ مسنون، إنما أمره أذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون، يرحم من يشاء ويعذب من يشاء وإليه تقلبون ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ [الروم٢٠] .
أحمده حمدًا يتقرب به المتقون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تنفع قائلها يوم لا ينفع مال ولا بنون، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، النبي العربي الأمين المأمون. اللهم فصل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون.
أما بعد عباد الله رحل الأحباب إلى القبور وسترحلون، وتركوا الأموال والأوطان وستتركون، وتجرعوا كأس الفراق وستجرعون وقدموا على ما قدموا من الحسنات والسيئات وستقدمون، وتأسفوا على زمان الإمهال وستأسفون، وشاهدوا ما لهم عند المنون وستشاهدون، ووقفوا ببصائرهم وستقفون، وسئلوا عما عملوا وستسألون، ويود احدهم لو يفتدي بالمال
стр. 644
وستودون، فبادروا بالمتاعب قبل يوم الحساب وخيبة الظنون، فكأنكم بأيام الشباب قد استلبتها أيدي المنون، وقد أظلمكم من فجأة الموت ما كنتم توعدون ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] . فكيف بك يا ابن آدم إذا نفخ في الصور، وبعث ما في القبور، وحصل ما في الصدور، وضاقت الأمور، وظهر المستور، وخرج الخلائق من بطون القبور، فإذا هم قيام ينظرون؛ يا له من يوم عظيم! عظم الله فيه الزلزال، وسيرت فيه الجبال، وترادفت الأهوال، وتقطعت الآمال، وقل الاحتيال، وخسر أصحاب الشمال، وخرجوا من القبور بنفخة الصور؛ فإذا هم قيام ينظرون، فذلك يوم تزل فيه الأقدام؛ وتتبلد فيه الأفهام؛ ويطول فيه القيام؛ وتظهر الآثام؛ وتخرج الخلائق من اللحود أحياء بعد شرب كأس المنون فإذا هم قيام ينظرون، فهو يوم القيامة، يوم الحسرة والندامة، ويوم الزلزلة وأخذ الظلامة وفيه يشاهد العاصي ذنوبه وآثامه.
يوم يخرجون من الأجداث بالانبعاث إلى ما يوعدون فإذا هم قيام ينظرون، يوم تبلى السرائر، وتكشف الضمائر، وتظهر الجرائر، وتعمى البصائر، ويفتضح أهل الكبائر، ويبعث من في القبور فيخرج البر والفاجر، إلى الموقف يهرعون، فإذا هم قيام ينظرون! جعلني الله وإياكم من الفائزين الآمنين، وجنبنا موارد الظالمين. إن أحسن الكلام كلام الملك العلام، والله يقول وقوله الحق المبين: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ
стр. 645
فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم منه بالآيات والذكر الحكيم، وأجارني وإياكم من عذابه الأليم،
أقول قولي هذا، واستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين، إنه هو الغفور الرحيم فاستغفروه.
١٦٥- خطبة أيضًا
الحمد لله الكريم الودود. المعروف بالكرم والجود. المحيط علمه بالحد والمحدود. أحمده سبحانه وهو الرب المعبود. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تنجي قائلها من هول اليوم الموعود. وتدخله جنات تجري أنهارها بغير أخدود. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صاحب اللواء المعقود والحوض المورود والمقام المحمود. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ما أضاءت البروق وسبحت الرعود. وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى عباد الله، هبوا من هذه الرقدة والمنام. واهجروا الفواحش والآثام. وارجعوا إلى طاعة الملك العلام. من قبل أن يأتي يوم تشقق السماء فيه بالغمام. فيا له من يوم ما أطوله. ومن حساب ما أثقله. يوم عظيم جمعت فيه القيامة أهوالها. ووضعت فيه الحوامل أحمالها. وزلزلت الأرض زلزالها. وأخرجت الأرض أثقالها. وقال الإنسان ما لها. يومئذ تحدث أخبارها. بأن ربك أوحى لها. وشاب الوليد. وحق الوعيد. وعظم الهول الشديد ﴿وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ
стр. 646
هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] . وخضعت الرقاب لرب الأرباب. وذل كل فاجر كذاب، فالسعيد من استعمل نفسه في طاعة المعبود. وخاف أن لا ينجو من النار بعد الورود. فانتبهوا رحمكم الله واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الأخيرة تصلح للكل
الحمد لله على إحسانه. والشكر له على توفيقه وامتنانه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه. اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وإخوانه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد أيها الناس اتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واحذروا المعاصي فإن أقدامكم على النار لا تقوى. واعلموا أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد ﷺ ، وشر الأمور
стр. 647
محدثاتها، وكل بدعة ضلالة. وعليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار. واعلموا أن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه فقال تعالى قولاً كريمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: ٥٦] . اللهم صل على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وانصر عبادك الموحدين. اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
١٦٦- خطبة أولى أيضًا
الحمد لله الذي خلق كل نفس وسواها، وألهمها فجورها وتقواها، وأحاط علمه بالكائنات وأحصاها، وحرم على العباد أن يتخذوا من دونه
стр. 648
إلهًا، أحمده سبحانه حمد من ارتقى من رتب الإخلاص إلى أعلاها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من طهر نفسه من درن الشرك وزكاها، وكفر بما يعبد من دون الله ولم يجعل له أندادًا ولا أشباها، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث بأحسن الطرائق وأسناها، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وأصحابه الذين قاموا بملة الإسلام وحموا حماها، وعضوا بالنواجذ على سنته وتمسكوا بعراها، وجاهدوا في الله حق جهاده حتى بلغت دعوتهم أقصى المشارق والمغارب وأدناها، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد أيها الناس اتقوا الله تعالى عباد الله كم تسمعون الذكرى ولا تذكرون. وتوعظون ولا تتعظون، وتنبهون من سنة الغفلة ولا تنتبهون، كأنكم بهذا الحديث مكذبون، أو كأنكم على الله لا تعرضون ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٢] . عباد الله أتظنون هذا الإمهال إهمالاً، أم تحسبون أن هذا الإملاء إغفالاً، ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠] . فعليكم عباد الله بالفقه في الدين، وإتباع سبيل المؤمنين ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً﴾ [النساء: ١١٥] . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ
стр. 649
يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٢٠ - ٢٥] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل، لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
خطبة أولى
الحمد لله اللطيف الكريم، الرءوف الرحيم، العزيز الحكيم، الذي هدانا لدين الإسلام. وجنبنا طريق الغواية والتأثيم. فضلاً منه ونعمة والله ذو الفضل العظيم. أحمده سبحانه وأستغفره وأتوب إليه وأسأله المزيد من فضله العميم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تبوئ من حققها جنات النعيم. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل من دعا إلى الدين القويم. اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم على المنهج السليم. وسلم تسليما كثيرًا. أما بعد فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى وأطيعوه، وعظموا أمره ولا تعصوه، وعاملوه معاملة من يخافه ويرجوه. واحذروا أسباب سخطه وغضبه فإن ذلك مما يوجب حلول العقوبات والمثلات. وزوال النعم ومحق البركات كما وقعت بمن مضى من الأمم الخاليات. واعلموا أن ما عملتم من خير وشر فإنكم ملاقوه. وسيجازيكم عليه يوم تلاقوه. فاستيقظوا من غفلتكم، وانتبهوا من رقدتكم، قبل أن لا تقال عثرتكم، ولا تقبل معذرتكم. وذلك يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه، ولا
стр. 650
يرحمه إلا خالقه ومربيه. فاتقوا الله فإن بتقواه تحصل السعادة والنجاة. ولا تغرنكم الحياة الدنيا بما فيها من الزهرة واللذات فإن لذاتها تبعات وراحاتها حسرات وندامات. فالله الله فيما يخلصكم وينجيكم بعد الممات. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم الجليل، لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب. فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 651
١٦٧- خطبة
في صفات المؤمنين
الحمد لله الكريم المنان، أحمده سبحانه! وهو البر الرحيم عظيم الشأن. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أوضح فضل المؤمنين، وامتدح فعالهم في محكم القرآن. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى، وأظهر دينه على عموم الأديان. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فيا عباد الله؛ مثل الإيمان في قلب المؤمن، كمثل الشجرة الطيبة: تنبت أطيب الثمار. وإن العمل الصالح هو ثمرة الإيمان الذي انغرست جذوره في قلب المؤمن، يبلغ به أقصى درجات الفلاح. قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] . ثم فسر إيمانهم بجليل ما يعملون، وعظيم ما يسكبون؛ مما تتحقق لهم به الغاية التي إليها يسعون وفيها يؤملون؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٢ - ٩] .
فذكر سبحانه في طليعة أعمالهم الصالحة، خشوعهم في الصلاة. قال الحسن البصري ﵀: "كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا لذلك أبصارهم". وقال غيره: "هو أن لا يعبث المرء بشيء من جسده في الصلاة".
стр. 652
ومن هذا الوجه، قول النبي ﷺ وقد رأى رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» . وكان فيهم من لو قطعت أوصاله وهو في الصلاة، لما وجد منه حراك. كل ذلك من خشوع القلب، والتلذذ بمناجاة الرب جل وعلا، والشعور بعظمته.
ثم ذكر سبحانه، من صفات المؤمنين المفلحين، إعراضهم عن اللغو، وهو الباطل في مختلف ألوانه، يصل إلى درجة الشرك بالله، وينخفض إلى إتيان كل قول أو فعل لا فائدة فيه، أو على الإنسان منه نقص في دينه. يدخل في ذلك اللعن والشتائم القذرة، ويدخل فيه اللهو في كل صوره وأشكاله.
وذكر سبحانه، من صفات المؤمنين، قيامهم بإخراج زكاة أموالهم، كيفما كانت الأموال ذهبًا أو فضة، عروض تجارة أو سائمة من الأنعام، أو ما يخرج من الأرض من حبوب وثمار. فالزكاة حق المال، وفريضة لا فضل في إخراجها لصاحب المال؛ وهي طهرة ونماء للمال، وخير وبركة لصاحبه، وصلاح وفلاح لمجتمعه.
وذكر سبحانه، من صفات المؤمنين، عفتهم عن الحرام، وحفظ فروجهم عن الوقوع في جريمة الزنا أخطر مرض اجتماعي منيت به الإنسانية؛ فهو إلى جانب جريمته على الأنساب، يفتك بالبشرية فتكًا ذريعًا: حيث يفشو فيها الزهري والسيلان، ومضاعفاتهما المهلكة. وكفى بالمرء زاجرًا عنه، قول العليم الخبير: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٣٢] . وقوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] ؛ أي: من تطلع إلى غير ما أحله الله له، من الزوجات والإماء من ملك اليمين -كأن تورط في الزنا- فقد اعتدى وتجاوز الحلال إلى الحرام.
стр. 653
وذكر سبحانه، من صفات المؤمنين، أداءهم للأمانات إذا ائتمنوا، ووفاءهم بالعهد إذا عاهدوا. وأعظم الأمانات فرائض الله التي افترضها على العباد؛ فهي كالودائع: عليهم أن يؤدوها حق الأداء.
وختم سبحانه صفات المؤمنين المفلحين بمحافظتهم على الصلاة، كما بدأها بذلك -: توجيهًا للأنظار إليها، وإلى ضرورة المحافظة عليها؛ فهي أعظم وسائل الفلاح والنجاح.
ثم ذكر عظيم أجرهم، وحسن جزائهم؛ فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠ - ١١] . ذلكم -يا عباد الله- فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
فاتقوا الله عباد الله، وترسموا نهج الصالحين، واصرفوا الجهود في طاعة الله تكونوا من المؤمنين المفلحين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [هود: ٢٣] .
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه.
أقول قولي هذا، واستغفر الله العظيم لي ولكم، ولسائر المسلمين، من كل ذنب. فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
١٦٨- (الخطبة الثانية)
الحمد لله العزيز الغفار؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، سيد البررة الأخيار. اللهم صل وسلم على
стр. 654
عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فيا عباد الله؛ يقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: «كان إذا نزل على رسول الله ﷺ الوحي، يسمع عند وجهه كدوى النحل؛ فلبثنا ساعة، فاستقبل القبلة - يعني رسول الله ﷺ وقال: «اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا وأرضنا. ثم قال: لقد أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة. ثم قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] ، إلى عشر آيات» . فيا لسعادة من أقامهن فحظى بكرامة الله في دار الكرامة والنعيم، ويا لشقاء من أعرض عن هديها فباء بالخيبة يوم يفوز المفلحون!!.
وصلوا -عباد الله- على الهادي البشير، محمد أكرم رسول وخير نذير؛ فقد أمركم بذلك اللطيف الخبير: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: ٥٦] . اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه المنير. وارض اللهم عن خلفائه الأربعة -أبي بكر وعمر وعثمان وعلي- وعن الآل والصحب ومن على نهجهم إلى الله يسير؛ وعنا معهم بعفوك وكرمك يا عزيز يا قدير.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واحم حوزة الدين، ودمر اليهود ومن شايعهم من المستعمرين الغاصبين، وألف بين قلوب المسلمين، وأصلح قادتهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا؛ واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا أرحم الراحمين. ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في
стр. 655
الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى؛ وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله على نعمه، واشكروه على آلائه؛ ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
١٦٩- (خطبة)
في التحذير من طغيان المادة ومن التشاؤم
الحمد لله كاشف البلاء، ومسدي النعماء؛ الحكيم في صنعه، العليم بمصالح عباده؛ أحمده سبحانه، قدر الأقدار، وحدد الآجال؛ فجرت على ما قضى وقدر. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تكفل برزق العباد، فلا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، سيد المتوكلين، وقوة البررة الصالحين. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فيا عباد الله، ظاهرتان فاشيتان، ونزعتان ملتويتان؛ من واجب المسلم أن يترفع عنهما، ويبتعد عن مزالقهما، ويحذر الوقوع في شباكهما؛ صيانة لإسلامه، وحرصًا على مرضاة ربه. الظاهرة الأولى: مادية طاغية، تُضعف في النفوس عقيدة التوكل على الله، وتنحرف بالمسلم عن المثل الكريمة، وتحمله على الشح البغيض، والجشع المذموم؛ تحمله على هذه الرذائل بدعوى تأمين المستقبل، والخوف من الفقر، والاحتياط لليالي السود. وإن المستقبل - يا عباد الله- بيد الله، والله وحده هو المتصرف فيه وكم من مستكثر في جميع حطام الدنيا يمنع فيه حق الله، ولا يجعل فيه قسطًا لسائل
стр. 656
ومحروم؛ دهمته صروف الليالي، أو ارتحل عن الدنيا، فذهب تقديره هباءً، وأضحت ثروته أثرًا بعد عين، وصارت حسابًا ووبالاً عليه. وكم من مقل تجرع البؤس ألوانًا، أبدله الله بعد البؤس رخاء، وبعد الفقر نعمة وثراء. ﴿وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٦٠] .
الظاهرة الأخرى: تشاؤم ببعض الأيام والشهور: كيوم الأربعاء، وشهر صفر. وتطير ببعض الطيور كالغربان والبوم؛ وبغير ذلك مما لا تحصره الأمثلة. وهو ما يزعزع الثقة بالله، وتنصرف به القلوب عن الله. هو –يا عباد الله- خرافة لا يقرها عقل ولا دين، وهي مما يغضب رب العالمين. وليس التشاؤم بالذي يغير من القدر المكتوب شيئًا. قال الله تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ﴾ [الأنعام:: ١٧] . وقال رسول الله ﷺ : «لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر» . وأرشد ﷺ إلى علاج يجتث جذور التشاؤم، ويوجه، القلوب إلى الله؛ وهو: أن يدعو من يجد في نفسه شيئًا من ذلك بقوله: «اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك» ؛ وبقوله: «اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يصرف السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك» .
فاتقوا الله عباد الله، وعلقوا القلوب والآمال بالله، وابتعدوا عن مزالق المادة والتفكير بوحيها؛ وحاربوا الخرافة والتضليل؛ واعتصموا بالله هو مولاكم، فنعم المولى، ونعم النصير. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ
стр. 657
يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧] .
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، ولسائر المسلمين، من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
***
الحمد لله ذي العزة والسلطان، أحمده سبحانه! من توكل عليه كفاه، ومن تعلق بغيره وكله إليه وأقصاه؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله: أفضل من دعا إلى الاعتصام بربه ومولاه. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فيا عباد الله؛ إن الأمور كلها بيد الله: يرفع ويخفض، ويعز ويذل، ويعطي ويمنع؛ لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه؛ يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. فأخلصوا –يا عباد الله- له القصد والنية، وتوكلوا عليه حق التوكل، يكفكم كل ما أهمكم، ويغفر لكم من ذنوبكم.
١٧٠- (خطبة)
في الحث على بر الوالدين، ومجانبة العقوق
الحمد لله، أحمده وأشكره، وهو البر الرحيم؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كتب على نفسه الرحمة، وتجاوز عن الذنب العظيم؛ وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، وهاديًا إلى الصراط
стр. 658
المستقيم. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فيا عباد الله؛ جبلت النفوس على حب من أحسن إليها، وتعلقت القلوب بصاحب الطول والمتفضل عليها؛ وليس أعظم إحسانًا، ولا أكبر تطولاً –بعد الله- من الوالدين. من أجل ذلك، قرن الله تعالى حقهم –في الإحسان إليهم، وحسن الرعاية بهم- بحقه في العبادة والإخلاص. قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [النساء: ٣٦] . فأمر بالعبادة له وحده دون سواه، وخص الوالدين بالوصية في الإحسان إليهما، والعطف عليهما، والبر بهما؛ فقد أحسنا منذ البداية في كل وجوه الإحسان؛ وكان لإحسانهما الأثر البارز، إلى أن بدأ النضوج، وتفتح الوعي، وبلغ الولد أشده، وبلغا نهاية مرحلة الحياة؛ فتطلعا لرد الجميل إلى البر والإحسان من ولدهما، إلى الصلة والمعروف، إلى تنفيذ وصية الله تعالى ورسوله فيهما. ولكنهما فوجئا من البعض بما لم يكن منتظرًا؛ فوجئا بالعقوق والتنكر للجميل، ومقابلة الإحسان بالإساءة؛ فوجئا بالتهكم والاستهزاء والسخرية، توجه إليهما من ولدهما المرتجى؛ فوجئا بالضرب من حبيبهما، وقد تناسى ماضيه، واعتز بحاضره، وأعجب بشبابه؛ وشمخ بثقافته وتعليمه، أو بماله وجاهه، أو بسلطانه وسعة نفوذه. وما علم المسكين أنه مخدوع، وأن هذا التصرف الطائش سوف يلقى جزاءه عاجلاً في الدنيا فيعقه ولده، وتضيق عليه مسالك الرزق، ويقضي حياته خاملاً مكدودًا.
صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كل الذنوب يغفر الله منها ما شاء، إلا عقوق الوالدين: فإنه يعجل لصاحبه في الحياة قبل الممات. أما عقوبته في الآخرة: فالنار وغضب الجبار. ألا وإن نار الآخرة لتزيد عن نار الدنيا
стр. 659
بتسعة وستين جزءًا. ألا وإن غضب الجبار عاقبته: المحق، وخسارة الدنيا والآخرة» . وعن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «رضا الرب في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين» . وعنه أيضًا، عن رسول الله ﷺ ، قال: «ثلاث لا ينظر الله إليهم يوم القيامة» وعد منهم العاق لوالديه. وفي حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، فقال: «يا معشر المسلمين؛ إياكم وعقوق الوالدين، فإن ريح الجنة يوجد من مسيرة ألف عام، والله لا يجد ريحها عاق» . يا لطول العناء، ويا لسوء المصير؛ نكد في الدنيا، وعذاب في الآخرة، وسخط من الله تعالى؛ إنها ثالوث الانتقام العادل، يا عباد الله، جزاءً وفاقًا. جاء رجل إلى ابن عمر يحمل أمه، ويقول: هل جازيتها؟ قال له ابن عمر: «لا ولا بزفرة واحدة؛ إنها كانت تتمنى لك الحياة، وأنت تتمنى لها الموت» .
فاتقوا الله عباد الله، واعملوا جاهدين لرد بعض الجميل، واستجيبوا لأمر الله ورسوله في الوصية بالوالدين؛ فهما –كما صح في الحديث- جنة العبد وناره. فمن أحسن فعليه بمتابعة الإحسان، ومن فرط فعليه بالتكفير والتماس الغفران. جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، وقال: هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد وفاتهما؟ قال رسول الله ﷺ : «نعم؛ الصلاة عليهما - أي: الدعاء والاستغفار لهما. – وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما» .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ
стр. 660
الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤] .
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، من كل ذنب. فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
١٧١- (خطبة)
في الحث على التوجه إلى الله، والتماس رضاه
الحمد لله الولي الحميد، الفعال لما يريد؛ أحمده سبحانه من التمس رضاه نجا، ومن تعلق بغيره خاب، ولم يغن عنه من الله شيئًا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ قدوة أصحاب اليقين، وسيد العارفين بربه، فيا لسعادة من سار على نهجه واقتفى. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فيا عباد الله؛ إن خير ما أُلقي في القلب، يقين بالله يرسخ في القلوب رسوخ الرواسي؛ وإيمان صادق بكفاية الله لعبده، يدفعه إلى إيثار مرضاة ربه على رضاء خلقه، وتقديم طاعته على طاعة عبيده. وتلك هي مرتبة العارفين بالله، الذين امتلأت قلوبهم بنور الله، فعرفوا الله حق معرفته، والتمسوا رضوانه، وتخلصوا من مجالب سخطه. أولئكم -يا عباد الله- هم خير البرية؛ جزاءهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا؛ رضي الله عنهم ورضوا عنه. وعلى النقيض منهم، من اتصف بعكس
стр. 661
صفاتهم؛ فضعف فيهم اليقين بالله، فأرضوا الناس بسخط الله، وجاملوهم في معاصي الله، وتعلقوا بهم واشتغلوا عن الله؛ رغبة في نوال حطام الدنيا، أو خوفًا من سخطهم؛ فوكلهم الله إلى من تعلقوا بهم ورجوهم، أو خافوا سخطهم؛ فلم يغنوا عنهم من الله شيئًا. أولئكم -يا عباد الله- ممن ضل سعيهم في الحياة الدنيا. فحذار من مثل صنيعهم حذار.
روت عائشة أم المؤمنين ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: «من أرضى الله بسخط الناس: كفاه الله مؤونة الناس؛ ومن أرضى الناس بسخط الله: لم يغنوا عنه من الله شيئًا» ؛ وفي رواية أخرى: «من التمس رضا الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس؛ ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس» . وعن أبي سعيد الخدري ﵁، مرفوعًا إلى النبي ﷺ ن قال: «إن من ضعف اليقين: أن ترضى الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله. إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره» . وإنها -يا عباد الله- لإرشادات نبوية كريمة، من شأنها أن توجه النفوس للفعال الحقيقي. فالمنعم في الحقيقة هو الله، والمتفرد بالمنع هو رب الأرباب؛ لا مانع لما أعطى، ولا معطى لما منع؛ ومن الناس إلا أسباب ووسائل لإيصال الخير والنعمة، أو الشر والنقمة.
فاتقوا الله عباد الله، واملئوا قلوبكم باليقين الصادق والإيمان بالله، وعلقوا القلوب والآمال به وحده دون سواه؛ واذكروا على الدوام قول رسول الله: «من التمس رضا الله بسخط الناس: ﵁ وأرضى عنه الناس؛ ومن التمس رضا الناس بسخط الله: سخط الله عليه، وأسخط عليه
стр. 662
الناس» .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٣ - ١٧٤] .
١٧٢- (أول الخطبة الثانية)
الحمد لله الذي يعلم السر والنجوى؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الأسماء الحسنى والصفات العلا؛ وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، النبي المجتبي. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فيا عباد الله؛ إن مما أثر عن صاحب رسول الله ﷺ ، عبد الله بن مسعود ﵁، قوله: «إن الرجل ليخرج من بيته ومعه دينه؛ فيلقى الرجل وله إليه حاجة، فيقول له أنت كيت وكيت - يُثنى عليه- لعله أن يقضى من حاجته شيئًا؛ فيسخط الله عليه، فيرجع وما معه من دينه شيء» . وفي ذلك - يا عباد الله- ما يحمل على الاعتدال، والكف عن التغالي في مدح المرء بما ليس فيه: مما لعله أن يكون في ذلك سخط الجبار؛ وفيه توجيه لتعلق القلوب بالخالق دون المخلوق، في قضاء الحوائج والمهمات؛ فهو سبحانه المهيء للأسباب، وبيده وحده تفريج الكربات.
١٧٣- الخطبة الثامنة
стр. 663
في بوادر الخير، ومصائر الشر
الحمد لله رب المنن الضافية والإحسان، أحمده سبحانه! وهو الواحد الديان؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الرب الكريم قديم الإحسان؛ وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صاحب الهدى الراشد، الصالح لكل زمان ومكان. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فيا عباد الله؛ إن للخير بوادر، وإن للشر مصائر؛ فبوادر الخير توصل إلى الغاية الحميدة، ومصائر الشر تورث الحسرة، وتبعث على الندم. وإن من بوادر الخير، مسلك السلف في الصدر الأول - رضوان الله عليهم- حيث كانوا يتجهون إلى الرسول ﷺ وهو بين أظهرهم- يسألونه عن سبل الهدى، ويبحثون عن طريق النجاة والسلامة، ويسترشدون عن أوجه الخير؛ فوصلوا بذلك إلى الغاية المحمودة، وكانوا هداة مهديين. يقول حذيفة ﵁: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه» . ويقول أحد الأنصار ﵃: يا رسول الله؛ قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدًا غيرك. قال له: «قل: آمنت بالله، ثم استقم» . ويقول صحابي آخر: يا رسول الله؛ دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس. قال: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس» . ويقول معاذ بن جبل ﵁: يا رسول الله؛ أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني عن النار. قال: «لقد سألت عن عظيم؛ وإنه ليسير على من يسره الله عليه؛ تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت» . أرشده في الطليعة
стр. 664
إلى عبادة الله وحده، ونفى الشرك عنه. لأن العبادة توحيد وإخلاص، ولأن الشرك منقصة للرب وإسفاف؛ توحيد يرتفع به العبد إلى أعلا درجات القرب والرضوان. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:: ٨٢] . أي: الذين أخلصوا توحيدهم لله، هم الآمنون يوم القيامة، المهتدون في الدنيا والآخرة. وشرك يهوي به المرء إلى الحضيض: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] . ثم أرشده إلى بقية أركان الإسلام؛ وهي جزء لا يتجزأ، من فرط في جزء منها: فقد فرط في الجميع. ثم أرشده إلى الإزلاف إلى الله بالنوافل، بعد أداء الفرائض؛ فقال: «ألا أدلك على أبواب الخير؛ الصوم جنة» - أي: ستر ووقاية للعبد من النار. يقول رسول الله ﷺ : «ما من عبد يصوم يومًا في سبيل الله، إلا باعد الله بذلك الصوم وجهه عن النار سبعين خريفًا» - «والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل» ؛ ثم تلا قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] ؛ ثم قال: «ألا أخبرك برأس الأمر وعموده، وذروة سنامه» ؛ قلت: بلى يا رسول الله. قال: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله» ؛ ثم قال: «ألا أخبرك بملاك ذلك كله» ؛ قلت: بلى يا رسول الله. فأخذ بلسانه، وقال: «أمسك عليك هذا» ؛ قلت: يا نبي الله؛ وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: «ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم» ؛ أي: ما تجنيه من الذنوب، كالغيبة والنميمة، والوقوع في أعراض الناس،
стр. 665
والاستهزاء بآيات الله كل ذلك إذا اجتنبه العبد: ملك زمام نفسه، وبلغ نهاية قصده. أما مصائر الشر، فلن تحد بحدث، ولن تنحصر في شيء معين؛ فكل معصية لله، وكل تفريط في جانب الله -فإنه يجر أسوأ العواقب، ويكون له أسوأ المصائر. وحسبنا أن نستعرض في كتاب الله أخبار الأمم الهالكة بسبب تفريطها، وما تحدث الله به عن إهلاكها؛ حيث يقول: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨] . ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ [غافر: ٢١] .
تلكم -يا عباد الله- هي مصائر الشر، وعواقب المعاصي. فاتقوا الله، واسألوه النجاة منها. إنها تورث الحسرة والندامة، وتجلب الغم والأحزان، وتبعد المرء عن درجات القرب والرضوان.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل٩٠] .
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، من كل ذنب. فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
١٧٤- الخطبة التاسعة
في الحث على التأدب بآداب الدين
стр. 666
الحمد لله، فتح لأرباب البصائر أنوار الهدى، ووعد المحسنين خير الجزا؛ أحمده سبحانه تنزه عن كل النقائص وعلى العرش استوى؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فالق الحب والنوى؛ وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أدبه ربه فأحسن تأديبه، وانتهت إليه الفضائل؛ فأعظم بشمائل المصطفى. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فيا عباد الله؛ إن أعظم وسيلة تحفظ التوازن بين الجماعة الإسلامية، هي آداب الدين؛ إنها تصقل النفوس، وترتفع بها إلى درجات الصالحين؛ وأنها لتجمع للمتأدب بها بين سعادتي الدنيا والدين. وإن من أدب الدين، كف اللسان عن الإثم والأذى، وعن الانطلاق في أعراض الناس، وعن السخرية بهم، أو لمزهم وتنقص أحوالهم، أو رميهم بما هم منه بريئون. إذن أن ذلك –يا عباد الله- مما يقطع الألفة بين المسلمين، ويهدم الأخوة في الدين، وسيؤاخذ العباد عليه أحكم الحاكمين؛ ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:: ١٨] . ولقد عجب معاذ بن جبل صاحب رسول الله ﷺ ، عجب من أن يؤاخذ العبد بما يتكلم به، وقد أوصاه رسول الله بأن يكف لسانه، فقال معاذ ﵁: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال له الرسول ﷺ : «ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم، إلا حصائد ألسنتهم» : ما يكسبونه من الإثم عن طريق اللسان. وإن في الناس من لا يردعه دينه أو ورعه عن أن يُطلق للسانه العنان، فيسرف في التجني على عباد الله بالسخرية واللمز؛ فهذا طويل، وذاك قصير، وهذا أحمق، وذاك أرعن، وهذا سخيف، وذاك فظيع. وكأنه وكل إليهم تشريح عباد الله وتجريحهم، وتسقطهم، وتتبع عوراتهم، وأكل لحومهم! ولكل الناس عورات
стр. 667
ومعائب، وزلات ومثالب. فطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، أو –كما جاء في الحديث-: «طوبى لمن عمل بعلمه، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله؛ طوبى لمن ملك لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته» . ومن وصية رسول الله ﷺ الطويلة، لأبي ذر: «وليحجزك عن الناس ما تعلم من نفسك» . وقتل رجل يوم أحد فبكت عليه باكية قائلة: واشهيداه! فقال النبي ﷺ : «ما يدريك أنه شهيد؟ لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه، أو يبخل بما لا ينقصه» .
أما رمى المسلم بما هو منه برئ، فهو أفظع وسائل النيل والوقيعة، وهو البهت. لأنه يجمع بين الكذب والغيبة، وكلاهما رذيلة وكبيرة من كبائر الذنوب. يقول رسول الله ﷺ في حديث طويل-: «وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار» . ويقول في الغيبة: «هي ذكرك أخاك بما يكره» ؛ قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟. قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته؛ وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته» . وقال أيضًا: «أيما رجل أشاع على مسلم بكلمة هو منها برئ – ليشينه بها في الدنيا - كان حقًا على الله أن يدنيه يوم القيامة في النار، حتى يأتي بإنفاذ ما قال» ؛ ومن أين له أن يأتي بهذا الإنفاذ؟
فاتقوا الله عباد الله، وتأدبوا بآداب الإسلام، وكفوا ألسنتكم عن كل قول يغضب الله. واذكروا على الدوام قول رسول الله: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده؛ والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ
стр. 668
وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١١ - ١٢] .
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه.
أقول قولي هذا، واستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، من كل ذنب. فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
١٧٥- (خطبة)
الحمد لله الذي بنعمته اهتدى المهتدون. وبعدله ضل الضالون. لا يُسئل عما يفعل وهم يسئلون. أحمده سبحانه حمد عبد نزه ربه عما يقول الظالمون. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وسبحان الله رب العرش عما يصفون.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخليله الصادق المأمون. اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه الذين هم بهديه مستمسكون. وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد فيا أيها الناس اتقوا الله حق تقاته. وسارعوا إلى مغفرته ومرضاته. وأجيبوا الداعي إلى دار كرامته وجناته. ولا تغرنكم الحياة الدنيا بما فيها من زهرة العيش ولذاته. فقد قرب الرحيل وذهب بساعات العمر وأوقاته. واعلموا أن الخير كله بحذافيره في الجنة، فأدلجوا في السير إليها. والشر كله بحذافيره في النار، فاجتهدوا في الهرب منها. ألا وأن الدنيا عرض
стр. 669
حاضر، يأكل منها البر والفاجر، والمؤمن والكافر. والآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قاهر. فلا تغرنكم الحياة الدنيا فإنها دار بلاء، ومنزل ترحة وعناء. نزعت عنها نفوس السعداء. وانتزعت بالكره من أيدي الأشقياء، وحال بينهم وبين ما أملوه القدر والقضاء. ضربت لكم بها المقاييس والأمثال. وقربت لكم الحقيقة بالشبه والمثال، فقال ﷺ : «ما لي وللدنيا. إنما مثل الدنيا كراكب قال في ظل دوحة» .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٥ - ٢٧] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 670
١٧٦- الخطبة الثانية لعيد الفطر
الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلاً الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد الله أكبر كلما هطل الغمام وناح الحمام وارتفعت الأعلام وأفطر الصوام الله أكبر كلما ارتقى فوق منبر إمام وكلما ختم بالأمس شهر الصيام الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
الحمد لله معيد الجمع والأعياد ومبيد الجموع والأجناد رافع السبع الشداد عالية بغير عماد وماد الأرض ومرسيها بالأطواد وجامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد أحمده على نعم لا يحصى لها تعداد وأشكره وكلما شكر زاد وأسأله أن يصرف عني المثقلات الشداد.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا نفاد شهادة صادرة من صميم الفؤاد أرجو بها النجاة في يوم التناد أشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله الذي شرع الشرائع وسن الأعياد وقرر قواعد الله ورفع العماد اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه البررة الأنجاب الذائدين عن شرعه بالمرهفات الحداد الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
أما بعد: فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى فإن تقواه تبلغ دار النعيم وتنجي من درك الجحيم واعلموا أنه من عاش مات ومن مات فات فاغتنموا أيام الحياة، وأكثروا من ذكر هادم اللذات وزينوا بواطنكم بالتوبة النصوح كما زينتم ظواهركم بالملابس المجملات فمن لم يطهر قلبه من الأدناس لم ينفعه
следующие страницы →