Полный текст (1 102 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
الحمد لله، فتح لأرباب البصائر أنوار الهدى، ووعد المحسنين خير الجزا؛ أحمده سبحانه تنزه عن كل النقائص وعلى العرش استوى؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فالق الحب والنوى؛ وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أدبه ربه فأحسن تأديبه، وانتهت إليه الفضائل؛ فأعظم بشمائل المصطفى. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فيا عباد الله؛ إن أعظم وسيلة تحفظ التوازن بين الجماعة الإسلامية، هي آداب الدين؛ إنها تصقل النفوس، وترتفع بها إلى درجات الصالحين؛ وأنها لتجمع للمتأدب بها بين سعادتي الدنيا والدين. وإن من أدب الدين، كف اللسان عن الإثم والأذى، وعن الانطلاق في أعراض الناس، وعن السخرية بهم، أو لمزهم وتنقص أحوالهم، أو رميهم بما هم منه بريئون. إذن أن ذلك –يا عباد الله- مما يقطع الألفة بين المسلمين، ويهدم الأخوة في الدين، وسيؤاخذ العباد عليه أحكم الحاكمين؛ ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:: ١٨] . ولقد عجب معاذ بن جبل صاحب رسول الله ﷺ ، عجب من أن يؤاخذ العبد بما يتكلم به، وقد أوصاه رسول الله بأن يكف لسانه، فقال معاذ ﵁: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال له الرسول ﷺ : «ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم، إلا حصائد ألسنتهم» : ما يكسبونه من الإثم عن طريق اللسان. وإن في الناس من لا يردعه دينه أو ورعه عن أن يُطلق للسانه العنان، فيسرف في التجني على عباد الله بالسخرية واللمز؛ فهذا طويل، وذاك قصير، وهذا أحمق، وذاك أرعن، وهذا سخيف، وذاك فظيع. وكأنه وكل إليهم تشريح عباد الله وتجريحهم، وتسقطهم، وتتبع عوراتهم، وأكل لحومهم! ولكل الناس عورات
стр. 667
ومعائب، وزلات ومثالب. فطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، أو –كما جاء في الحديث-: «طوبى لمن عمل بعلمه، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله؛ طوبى لمن ملك لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته» . ومن وصية رسول الله ﷺ الطويلة، لأبي ذر: «وليحجزك عن الناس ما تعلم من نفسك» . وقتل رجل يوم أحد فبكت عليه باكية قائلة: واشهيداه! فقال النبي ﷺ : «ما يدريك أنه شهيد؟ لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه، أو يبخل بما لا ينقصه» .
أما رمى المسلم بما هو منه برئ، فهو أفظع وسائل النيل والوقيعة، وهو البهت. لأنه يجمع بين الكذب والغيبة، وكلاهما رذيلة وكبيرة من كبائر الذنوب. يقول رسول الله ﷺ في حديث طويل-: «وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار» . ويقول في الغيبة: «هي ذكرك أخاك بما يكره» ؛ قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟. قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته؛ وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته» . وقال أيضًا: «أيما رجل أشاع على مسلم بكلمة هو منها برئ – ليشينه بها في الدنيا - كان حقًا على الله أن يدنيه يوم القيامة في النار، حتى يأتي بإنفاذ ما قال» ؛ ومن أين له أن يأتي بهذا الإنفاذ؟
فاتقوا الله عباد الله، وتأدبوا بآداب الإسلام، وكفوا ألسنتكم عن كل قول يغضب الله. واذكروا على الدوام قول رسول الله: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده؛ والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ
стр. 668
وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١١ - ١٢] .
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه.
أقول قولي هذا، واستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، من كل ذنب. فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
١٧٥- (خطبة)
الحمد لله الذي بنعمته اهتدى المهتدون. وبعدله ضل الضالون. لا يُسئل عما يفعل وهم يسئلون. أحمده سبحانه حمد عبد نزه ربه عما يقول الظالمون. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وسبحان الله رب العرش عما يصفون.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخليله الصادق المأمون. اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه الذين هم بهديه مستمسكون. وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد فيا أيها الناس اتقوا الله حق تقاته. وسارعوا إلى مغفرته ومرضاته. وأجيبوا الداعي إلى دار كرامته وجناته. ولا تغرنكم الحياة الدنيا بما فيها من زهرة العيش ولذاته. فقد قرب الرحيل وذهب بساعات العمر وأوقاته. واعلموا أن الخير كله بحذافيره في الجنة، فأدلجوا في السير إليها. والشر كله بحذافيره في النار، فاجتهدوا في الهرب منها. ألا وأن الدنيا عرض
стр. 669
حاضر، يأكل منها البر والفاجر، والمؤمن والكافر. والآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قاهر. فلا تغرنكم الحياة الدنيا فإنها دار بلاء، ومنزل ترحة وعناء. نزعت عنها نفوس السعداء. وانتزعت بالكره من أيدي الأشقياء، وحال بينهم وبين ما أملوه القدر والقضاء. ضربت لكم بها المقاييس والأمثال. وقربت لكم الحقيقة بالشبه والمثال، فقال ﷺ : «ما لي وللدنيا. إنما مثل الدنيا كراكب قال في ظل دوحة» .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٥ - ٢٧] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 670
١٧٦- الخطبة الثانية لعيد الفطر
الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلاً الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد الله أكبر كلما هطل الغمام وناح الحمام وارتفعت الأعلام وأفطر الصوام الله أكبر كلما ارتقى فوق منبر إمام وكلما ختم بالأمس شهر الصيام الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
الحمد لله معيد الجمع والأعياد ومبيد الجموع والأجناد رافع السبع الشداد عالية بغير عماد وماد الأرض ومرسيها بالأطواد وجامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد أحمده على نعم لا يحصى لها تعداد وأشكره وكلما شكر زاد وأسأله أن يصرف عني المثقلات الشداد.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا نفاد شهادة صادرة من صميم الفؤاد أرجو بها النجاة في يوم التناد أشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله الذي شرع الشرائع وسن الأعياد وقرر قواعد الله ورفع العماد اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه البررة الأنجاب الذائدين عن شرعه بالمرهفات الحداد الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
أما بعد: فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى فإن تقواه تبلغ دار النعيم وتنجي من درك الجحيم واعلموا أنه من عاش مات ومن مات فات فاغتنموا أيام الحياة، وأكثروا من ذكر هادم اللذات وزينوا بواطنكم بالتوبة النصوح كما زينتم ظواهركم بالملابس المجملات فمن لم يطهر قلبه من الأدناس لم ينفعه
стр. 671
التزين بالطيب واللباس فإن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى القلوب العامرة المكملات.
واعلموا أن الله يبعث الأموات ويجمعهم ليوم الميقات ويزن أعمالهم وزنًا ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.
واعلموا أن الله نهى عن محدثات الأمور وحذر من الكذب والغيبة والنميمة وشهادة الزور وأوجب الإيمان به وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره وبيوم البعث والنشور وعذاب القبر وفتنته وسؤال الملكين وقوته ويوم الحشر وشدته ولقاء الله ورؤيته والصراط وزلته والحساب وشهوده والحوض ووروده والشفاعة وقبولها والجنة وثوابها والنار وعقابها.
وعليكم بقضاء الدين وبر الوالدين وإصلاح ذات البين وإعانة المعسر وإغاثة الملهوف والنهي عن المنكر والأمر بالمعروف والنصح للعباد وتأديب الأهل والأولاد وهجر أصحاب الفساد وصلة الأرحام والصبر لله عند فجائع الأيام والشفقة على الأرامل والأيتام وإفشاء السلام وطيب الكلام والعدل في الأحكام والتجافي عن الجور في الولايات وأداء الشهادات ورفع السيئات بالحسنات. ومراقبة عالم الخفيات.
واحترام العلماء والصالحين وطلب العلم ولو بالصين والحنو على الغرباء والمستضعفين وحب الخير لكافة المسلمين والاستغفار للسلف الماضين ووفاء المكاييل والموازين والتعطف على الأقرباء والجيران وأبناء السبيل والمساكين وكظم الغيظ والإحسان إلى الناس كافة إن الله يحب المحسنين وإذا تداينتم بدين فليحسن الطالب الاقتضاء والمطلوب القضاء فإن مطل الغني ظلم وإنظار المعسر فيه فضل عظيم.
стр. 672
فهذه شعائر الله أدعوكم ونفسي إليها وأستعين الله لي ولكم عليها واقصدوا وجه الله في كل عمل يثاب عليه العبد ويؤجر وراقبوا مولاكم في السر والعلانية فإنه يعلم ما أظهر العبد وما أضمر والذي يقصد بعمله غير القادر القاهر ينادي عليه يوم القيامة يا كاذب يا فاجر يا غادر يا خاسر. الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
واحذروا مقارفة الذنوب ومقاربة ما يسخط علام الغيوب من الشرك بالله وموادة أعداء الله وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وقذف المحصنات بالافتراء والجدال في الدين والمراء وشرب المسكرات والربا في المعاملات فإن ربحه بوار وعلى صاحبه تلف ونار وصاحبه حرب الرحمن وحرب رسوله المبعوث بالسنة والقرآن.
وإن أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه ولو كان الذي قاله فيه، وإياكم وعقوق الوالدين ومنع الحق الواجب من وصية أو دين وإياكم وقطيعة الأرحام وعدم العدل بين الناس في الأحكام والحذر من ظلم المسلمين في الدماء والأموال والأعراض.
وإياكم والحسد فإنه شر ما حوى الجسد ويأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب واحذروا الزنا ففيه هلاك المال والديار وفناء الأعمار.
وفي الحديث: «أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله جنته وأيما رجل تبرأ من ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه وفضحه على رءوس الخلائق من الأولين والآخرين» .
وتآمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر فإن المنكرات لها عواقب لا بد أن
стр. 673
تحظر وتنظر وإن شؤمها يعم البلدان والأبدان والقرى والأمصار والبر والبحر والأخضر واجتنبوا مصافحة النساء الأجنبيات والدخول عليهن فإنهن أعظم فتنة وذلك من المحرمات.
وغضوا أبصاركم عن المحرمات فكم فتنة حدثت من البصر وقفوا عند حدود الله في كل ما نهى عنه وأمر وجملوا عيدكم بالطاعات وترك الخطايا وجانبوا المعاصي وركوب الدنايا.
واحذروا أكل الأوقاف وأموال الأرامل والأيتام والضعاف وإياكم وتطفيف المكيال والميزان فما بخسهما قوم إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان وتذكروا بهذا الاجتماع ما وراءكم من الأهوال والأفزاع إذا حشرتم بأقدام حفاة وأجسام عراة وأفئدة وجلات وأبصار خاشعات ونساء بالرجال مختلطات والكتب باليمين أو الشمال معطاة.
ثم وضع الميزان ونشر الديوان ومد الصراط على متون النيران ونادى المنادي لقد سعد فلان وشقي فلان واعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة فعليكم بالجماعة فإن الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار.
واعلموا أن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه وثنى بملائكته المُسبحةَ بقدسه وثَلَّثَ بكم أيها المؤمنون من جِنِهِ وإِنْسِهِ فقال عز من قائلٍ عليم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] فأكثروا عليه من الصلاة يعظم الله لكم بها أجرًا فقد قال ﷺ : «من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرًا» . اللهم صل على عبدك ورسولك محمد النبي الهاشمي المصطفى.
стр. 674
وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء السادة الحنفاء أهل البر والوفاء ذوي القدر العلي والفخر الواضح الجلي أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الستة الباقين من العشرة المفضلين وعن بقية الصحابة أجمعين وعن التابعين لهم وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين وعمنا معهم بعفوك ومنك وكرمك وجودك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين واجعل هذا البلد آمنًا وسائر بلاد المسلمين اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح سلطاننا وول علينا أخيارنا واكفنا شر أشرارنا واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك يا رب العالمين.
اللهم أقم علم الجهاد وأصلح سبل الفساد واقمع أهل الشرك والبدع والغي والبغي والعناد وانشر رحمتك على هؤلاء العباد يا من له الدنيا والآخرة وإليه المعاد اللهم فك أسر المأسورين ونفس كرب المكروبين وفرج هم المهمومين واقض الدين عن المدينين واشف بلطفك مرضانا ومرضى المسلمين واكتب الصحة والعافية علينا وعلى الغزاة والحجاج والمسافرين في برك وبحرك من أمة محمد المسلمين.
اللهم عُم بالتوفيق والصلاح رعايا المسلمين ورعاتهم وأكثر علماءهم وسدد قضاتهم وجلل برحمتك أحياءهم وأمواتهم ومُنَّ عليهم بالاجتماع والائتلاف وأعذهم من التفرق والاختلاف وجازهم بالإحسان إحسانًا وبالسيئات غفرانًا.
اللهم ادفع عنا البلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا هذا خاصة وعن بلاد المسلمين عامة يا أكرم
стр. 675
المكرمين اللهم إن عبادك قد خرجوا إليك وابتكروا وقصدوا لوجهك وانتظروا.
اللهم فاغفر ذنوبهم ونفس كربهم وفرج همهم واكشف غمهم واجمع شملهم وأصلح ذات بينهم واهدهم سبل السلام وجنبهم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. اللهم نور على أهل القبور قبورهم واغفر للأحياء ويسر لهم أمورهم، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً، إن الله يعلم ما تفعلون فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم وأشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
١٧٧- الخطبة الأولى لشهر شوال
الحمد لله الذي افتتح أشهر الحج بهذا الشهر فاكتسب بذلك بركة وشرفًا وندب لصيام ستة أيام منه وجعلها بعد صيام رمضان كصيام العام على الوفاء وسمى أول يوم منه يوم الجوائز وجعله للمؤمنين عيدًا وأهدى لهم فيه من الثواب تحفًا.
أحمده سبحانه حمد عبد خبره سيده وأجراه على عادته وأنجز له وعده ووفى وأشكره شكر من لم يزل غارقًا في بحار نعمه مقرًا بشكرها ومعترفًا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي شرع الحج إلى بيته وضاعف ثوابه وجعله جهادًا للضعفاء وجذب إليه أقوامًا بأزمة الغرم فقطعوا المهامة وجدوا اشتياقًا إليه وشغفًا.
стр. 676
وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله الذي فضله على كافة البرية سلفًا وخلفًا أنطق له الجمادات فحن له الجذع حين ترك الخطبة إليه حزنًا على فراقه وأسفًا اللهم فصل وسلم على محمد الذي لم يزل يتلو من الآيات البينات سورًا وصحفًا وعلى آله وأصحابه الذين اجتهدوا في الحج إلى البيت الحرام وأقاموا الصلاة طرفي النهار وزلفى صلاة وسلامًا من لازمهما كشف الله عنه وطاب وقته وصفا.
أما بعد: فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى فقد فاز المتقون ولازموا طاعة الله ورسوله في كل وقت لعلكم تفلحون واشكروا الله فالرابح من شكره وأشغلوا ألسنتكم بذكره فالسعيد من ذكره واتقوا يومًا يؤخذ فيه بالنواصي والأقدام ولا تقولوا ذهب رمضان فتستحلوا فعل الحرام فإن الله يكره أن يعصى في أي شهر كان ويجب أن يطاع في كل وقت وزمان.
واستقبلوا هذا الشهر بما يرضي الملك الخلاق وتقربوا إليه بالصدقة والإنفاق ولا تبطلوا ما أسلفتم في شهر الصيام من صالح الأعمال ولا تكدروا ما صفا لكم فيه من الأوقات والأحوال ولا تغيروا ما عذب لكم من لذة المناجاة والإقبال فكما أن الحسنات يذهبن السيئات فكذلك السيئات يبطلن صالح الأعمال.
ألا وإن علامة قبول الحسنة عمل الحسنة بعدها على التوال وإن علامة ردها أن تتبع بقبيح الأفعال وقد قيل ذنب بعد توبة أقبح من سبعين قبلها على التوال.
روى مسلم عن أبي أيوب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال فكأنما صام الدهر» وفي معاودة الصيام
стр. 677
دلالة على الإيمان والرغبة في الخيرات.
قيل لبشر الحافي أن قومًا يتعبدون في رمضان ويجتهدون في الأعمال فإذا انسلخ تركوا قال: بئس القوم قوم لا يعرفون الله إلا في رمضان وقال الحسن البصري: لا يكون لعمل المؤمن أجل دون الموت ثم قرأ «واعبد ربك حتى يأتيك اليقين» فكأنكم بالحال وقد حال وبالمال قد مال وبالملك وقد زال وبملك الموت وقد هال وبالملك الحافظ وقد طوى صحيفة الأعمال وبأحدكم وقد نزل به ما لم يخطر له ببال ولا مخلص ولا حول ولا احتيال.
فاتقوا الله عباد الله ومهدوا لأنفسكم في زمن الإمهال فإنما هي أيام معدودات وليال واعلموا أنه قد عم الفناء فما إلى البقاء سبيل وتم القضاء فلا تغيير فيه ولا تبديل وطم بحر الموت فحار فيه الدليل فلو نجا منه شريف أو أصيل أو صاحب قدر ووجه جميل لكان أول ناج منه محمد صاحب التنزيل.
فيا ابن آدم كيف لا تتقي مولاك وقد والى عليك النعم وأولاك وكيف لا تطيع من أوجدك وبراك وأنت تعلم أنه يسمعك ويراك وكيف نسيت من خلقك وسواك وتغافلت كأن المخاطب سواك وكيف أقبلت على الهوى إذ دعاك وأعرضت عمن يرحم افتقارك ويستجيب دعاك وكيف بارزت من لطف بك ورباك وهو الذي عَطَّفَ عليك أمك وأباك.
فما أعذرك يا مغرور وألهاك وما أضجرك عند اضطرارك وبلواك وما أجدرك بالتوبيخ والزجر وأولاك وما أجهلك بما ينفعك في آخرتك ودنياك وما أغفلك عن الموت وهو والله لا يغفل عنك ولا ينساك فدارك نفسك بالتقوى قبل فراق دارك وتب إلى الله من ذنوبك وأوزارك قبل بعد دارك وشطوط مزارك وتفطن لنفسك.
стр. 678
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة منجية لمن حققها من العذاب وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله أفضل الفضلاء وأكرم الأحباب اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل محمد وأصحابه الأفاضل الأنجاب صلاة وسلامًا دائمين متلازمين إلى يوم الحشر والمآب وسلم تسليمًا.
أيها الناس: اتقوا الله تعالى وتمسكوا من التقوى بالسبب الأقوى وتقربوا إلى الله بمجانبة ما تدعو إليه الأهواء واغتنموا فرصة العمر فكأنكم ببساط الأجل وقد انطوى وطهروا مقاصد القلوب فإن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى واعلموا أنه لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص من الشوايب ولا يرفع منها إلا ما يقع من الإخلاص بأعلى المراتب فلا تطمعوا في الرواج المزيف فالناقد بصير ولا تبطنوا خفيات القبائح فالعرض على العليم الخبير.
واستفتحوا باب الرحمة فيد الكريم مبسوطة وبابه مفتوح للمستجير فالله الله عباد الله إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور واعلموا أن شهر شوال شهر بركة واحترام جعله الله بين شهر صيام وشهر حرام فله حرمة هذا الجار والجار مكرم بالجار وقد جعل الله أوله لهذه الأمة عيدًا وآخره لحج بيته من كان بعيدًا فألزموا فيه طاعة ربكم واتقوا عار ذنبكم.
واعلموا أن الله تعالى قد عظم هذا الشهر فمن صام رمضان وأتبعه ستًا منه فكأنما صام الدهر قد استفتحه الله بعيد يملأ القلوب سرورًا فلا تعصوا فيه ربكم فيعود سرور العيد ثبورًا فالمعاصي تخرب الديار العامرة وتورث الخزي في الدنيا والآخرة ولا تبطلوا ما أسلفتم في شهر الصيام من صالح الأعمال ولا
стр. 679
تكدروا ما صفا لكم فيه من الأوقات والأحوال ولا تغيروا ما عَذَب لكم فيه من لذة المناجاة والإقبال.
فكما أن الحسنات يذهبن السيئات فكذلك السيئات يبطلن صالح الأعمال وإن علامة قبول الحسنة عمل الحسنة بعدها على التوال وإن علامة ردها أن تتبع بقبيح الأفعال.
وقد قيل: ذنب بعد التوبة أقبح من سبعين قبلها على الفعال ولا تغتروا بدار الغرور فإنها قبل إشعارك أن التقصير والزلل من شعارك، وكن لمعاصي الله أول تارك قبل أن يصول عليك الزمان وتعجز عن أخذ ثأرك واجهد في اعتدال اعوجاجك وأوزارك ما دام الاستدراك طوع اقتدارك وابك يا مسكين لما بك وتزود بالعمل الصالح ليوم مآبك وتأهب لسيف المنون فقد علق الشبايك وقد بذلت لك النصح وأنت باختيارك فإن شئت فاترك ما أنت فيه وإن شئت استمر في تبارك.
فقد ورد في صحيح المقال عن النبي ﷺ أنه قال: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني» من الله علي وعليكم بالخشية والمتاب ولطف بنا عند الممات ويوم الحشر والحساب.
إن أعظم الكلام منزلة ورتبة كلام من أرسل محمد وافترض على الخلق حبه والله تعالى يقول وبقوله يهتدي المهتدون ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ
стр. 680
عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم … الخ.
١٧٨- خطبة عيد الفطر
يكبر تسعًا نسقًا ثم يقول الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلاً الله أكبر ما نطق بذكره ناطق الله أكبر ما صدق في توحيده صادق الله أكبر ما وثق بوعده واثق الله أكبر ما أقيمت شعائر المسلمين وعظم منار الدين الله أكبر ما لاح صباح عيد وأسفر الله أكبر ما هلل مهلل وكبر الله أكبر ما صام صائم وأفطر الله أكبر كلما تذكر تائب ذنبه فاستغفر وكلما هل هلال وأقمر وكلما سبح رعد وهدر وكلما أعشب روض وأزهر.
سبحان خالق الحركة والسكون سبحان من فجر الأرض اليابسة بالعيون سبحان من أوجب فطر هذا اليوم بعد أن كان بالأمس حرامًا سبحان موفي الطائعين بالحسنة الواحدة عشرًا تمامًا سبحان ذي القدرة والهيبة والقوة التي لا تنكر كل ملك وإن تعاظم ملكه فهو له عبد ذليل أصغر، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر ولله الحمد … الخ.
الحمد لله الذي لم يجعلنا ممن يغدو إلى بيعة يتقرب فيها إلى الله بالشرك والإفك وقول الزور ولا إلى كنيسة يتقرب فيها إلى الله بشرب المسكرات من الخمور ولا إلى أصنام وأوثان وقبور وبيوت يعبد فيها النار والنور بل جعل لنا
стр. 681
بفضله دينًا قيمًا ملة إبراهيم حنيفًا وسنة محمد صراطًا مستقيمًا فيه الهدى والشفا والنور.
ثبتت ربوبيته وألوهيته وقد كذب من ادعى له شريكًا أو نظيرًا أو مثيلاً أو عديلاً فقد زلت في الدنيا والآخرة قدمه صنع الأشياء كلها فظهر فيما صنع بدائع حكمه الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد. الحمد لله الذي سهل لعباده طريق العبادة ويسر ووفاهم أجور أعمالهم من خزائن جوده التي لا تحصر وجعل لهم يوم عيد يعود عليهم في كل سنة ويتكرر وأهل الأوقات كلها لأن تشيد بالعبادة وتعمر.
فما مضى شهر الصيام إلا وأعقبه شهر حج بيته المطهر أحمده على نعمه التي لا تحصر وأشكره وحق له أن يشكر وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي جعل لكل شيء وقتًا وأجلاً مقدر وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله سيد البشر الشافع المشفع في المحشر الذي انشق له القمر وسلم عليه الحجر اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد الطاهر المطهر الذي غفرت له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ومع ذلك قام على قدمه الشريف حتى تفطر وعلى له الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهر وعلى أصحابه الذي لا يبلغ مد حدهم من أنفق مثل أحد ذهبًا أو أكثر.
أما بعد: فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى سرًا وجهرًا فقد منَّ علينا وعليكم بنعم سابغة وآلاء وأياد بالغة فالشكر مني ومنكم واجب على ما أولاكم به ربكم والذكر على ما هداكم والثناء على ما أعطاكم والطاعة فيما أمركم به والانتهاء عما عنه نهاكم ولا ترتكبوا ما نهى الله عنه ولا تعصوا الله أمرًا فكم لله عليكم من نعمة ترفلون في أعطافها وكم له من منة أسبل عليكم جلبابها.
стр. 682
فاستعملوا نعم الله بلزوم طاعته واحذروا استعمالها بالعصيان ولا تقولوا ذهب رمضان فهيا وثوبًا لعصيان فرب الزمانين واحد وقد حرم العصيان في أي شهر كان ولا تعتقدوا أن الأعياد جعلت للعب واللهو وإنما هي لإقامة ذكر الله والإعراض عن اللغو.
واعرفوا قدر نعمة الله عليكم في هذا العيد الأنور المعروف الأشهر عيد الإفطار عيد البركة والمسار مشهور في جميع النواحي والأقطار عيدنا أهل الإسلام ليس عيدًا من أعياد الكفار توج الله به شهر الصيام وافتتح به شهور حج بيته الحرام وأجزل فيه للصائمين جوائز الإكرام.
فإذا لاحت غرة هذا اليوم السعيد وخرج المسلمون فيه لصلاة العيد قال الله تعالى وهو أعلم بأسرار العبيد لملائكته ذوي التسبيح والتمجيد ما جزاء الأجير إذا فرغ من عمله فيقولون جزاؤه توفيته أجره ولديك المزيد فيقول جل ثناؤه أشهدكم يا ملائكتي أني جعلت ثوابهم من صيام شهر رمضان وقيامه مغفرة ذنوبهم وإجابة دعواتهم فأكثروا فيه من ذكر الله وتوحيده وتكبيره وتحميده واستغفاره وتمجيده والصلاة والسلام على نبيه أكرم خلقه وأشرف عبيده.
واعلموا أنه ليس السعيد من أدرك العيد ولبس الجديد ولا من ركب الخيل المسومة وخدمته العبيد ولا من كانت الدنيا تأتيه على ما يشتهي ويريد ولا من جمع المال وبلغ الآمال وخيف بأسه الشديد ولا من تأمر وساد وتجبر على العباد وتطاول في البناء وأشاد كل قصر مشيد إنما السعيد من خاف يوم الوعيد وراقب الله فيما يبدئ ويعيد وفاز بجنة عرضها السموات والأرض لا ينفد نعيمها ولا يبيد.
стр. 683
واعلموا أن النفوس على مطايا الأيام سائرة وأن السنين مراحل تنتهي بكم إلى الآخرة واذكروا باجتماعكم هذا جمعه الأمم وبعثه الرمم إذا جثوا على الركب بين يديه حفاة عراة غرلاً وحكم بينهم في الحقوق التي أسلفوا عدلاً هنالك يعض الظالم على يديه إذا تبين للحقيقة ما كان في هذه الدار عليه الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
وأدوا ما أوجب الله عليكم من زكاة الفطر فإنها طهرة لصيامكم ومواساة للفقراء من إخوانكم وكفارة لآثامكم عن أنفسكم وعن كل من تمونون من صغير وكبير وحر وعبد وذكر وأنثى وذلك على من وجدها فاضلة عن نفقته يوم العيد وليلته فأدوها كما أمركم نبيكم صاعًا من تمر أو صاعًا من بر أو صاعًا من شعير أو صاعًا من زبيب أو صاعًا من أقط.
فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات الله أكبر الله أكبر ولا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر ولله الحمد … الخ وقد ندبكم الله لشرائع الإسلام لتحكموها وقواعد الإسلام لتعلموها فأعظمها بعد الشهادتين الصلوات الخمس معشر المسلمين فحافظوا عليها في أوقاتها مع الجماعة فإنها عماد الدين وشعار الموحدين.
وأدوا ما أوجب الله عليكم من الزكاة فقد قرنها الله بالتوحيد والصلاة فصلاتنا وزكاتنا أختان فبادروا رحمكم الله، بدفعها وإيصالها إلى مستحقيها وخالفوا النفس والشيطان في منعها وحجوا البيت الحرام إن استطعتم إليه سبيلاً وراقبوا الله تعالى في السر والعلن لتنالوا أجرًا جزيلاً ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
ولا تغضبوا الخالق برضى الخلق ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق
стр. 684
ولا تشربوا الخمر فمن شربها فقد حرم الله عليه خمر الجنة ومن استحلها فقد خرج من الإسلام والسنة واحذروا الزنا والربا وقول الزور ولا تلبسوا الحرير فإنه حل للإناث حرام على الذكور الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
واذكروا من كان معكم في مثل هذا العيد حاضرًا وبما تفاخرون به من زينة الدنيا مفاخرًا وقد صار بعد العز لابثًا في اللحود يتمنى أن يعود إلى الدنيا وهيهات له أن يعود تجردوا عن ثياب الحياة والتحفوا بالتراب وحبسوا في بطون ألحاد مظلمة بغير أبواب وسكنوا بعد القصور العالية القبور الواهية وحيل بينهم وبين ما يشتهون من تعاطي الأسباب.
وشاهدوا ما أخرج به الرسل ونطق به الكتاب وسئلوا عما فعلوا فعجزوا عن رد الجواب وودوا لو ردوا وأنى لهم الرجعة وداعيهم غير مجاب فلو رأيتم تحت التراب أحوالهم لرأيتم أمورًا هائلة وألوانًا حائلة وأعناقًا عن الأبدان مايلة وعيونًا سايلة قد غير البلاء حسنها وأخلق التراب رسمها انفردوا بأعمالهم دون أموالهم عن الولد والوالد والآل ووردوا صدعًا من الأرض إلى يوم المآل.
فو الله ما نغصوا لتسروا ولا رحلوا لتستقروا ولا بد أن تمروا حيث مروا فلا تركنوا إلى الدنيا ولا تغتروا عباد الله كم مؤمل أمل ما أملتموه وراج رجا ما رجوتموه فلم يبلغ من الدنيا ما أبلغتموه ولم يستكمل من رجائه ما استكملتموه قد قطع لعيده أثوابًا وهيأ لفطره أسبابًا واعتد الفاخر من لباسه وطيبه ونوى فرحًا بحبيبه ونسيبه واستعد للخروج معكم إلى المصلى فأصبح من سكان الثرى ومجاورة المولى قد أصبح منزله خاليًا وجسده باليًا وولده
стр. 685
حزينًا باكيًا.
جاور جيرانًا لا يتزاورون وآخى إخوانًا لا يتعاشرون فسيروا بقلوبكم إلى الفلوات ترون أهليكم وغيرهم في القبور الموحشات فقد كانوا قبلكم يتفاخرون في الملابس الفاخرات ولربما أن منهم من اشتغل بالدنيا وأهمل نفسه من الأعمال الصالحات.
فأمضى عليهم القدر حكمه وأدار عليهم الموت سهمه وأناخ بهم الحدثان ولم يبق منهم إلا كان فلان وكان أبادهم الملك الجبار وكانوا عبرة من العبر وخبرًا من الأخبار.
قد نسيهم أولادهم واشتغلت بغيرهم نساؤهم واقتسمت أموالهم فلم يبق لهم أنيس ولا جليس إلا أعمالهم رحلوا من الدور العامرة والقصور وأسكنوا بيت الوحشة والظلمة أسافل القبور وأنتم إلى ما صاروا إليه صائرون وبالكأس الذي شربوا منها شاربون وستزار قبوركم كما أنتم لقبورهم زائرون ثم من الأجداث إلى ربكم تنسلون وبين يديه توقفون وعما قدمتم مسئولون وبأعمالكم مجزيون.
أفبهذا أيها المؤمنون تمترون فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون فأيقظوا أنفسكم من سنة الغفلة واجتهدوا ما دمتم في زمن المهلة وعاملوا الله إذا عاملتموه لن تضيعوا واتقوا الله واسمعوا وأطيعوا وأنيبوا إلى ربكم ولأسلموا له ولكم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ومن جاء من طريق فالسنة أن يرجع من طريق أخرى وصوموا بعد هذا اليوم ستة أيام من هذا الشهر يكتب لكم بذلك صيام الدهر وابتهلوا في الدعاء في هذا اليوم معشر الإخوان وبالتضرع في هذه الساعة إلى المولى الكريم الرحمن.
стр. 686
روى البيهقي من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا كان غداة عيد الفطر بعث الله ملائكته فيهبطون إلى الأرض فينادى بصوت يسمعه جميع من خلق الله إلا الإنس والجن فيقولون يا أمة محمد أخرجوا إلى رب كريم يعطي الجزيل ويغفر الذنب العظيم» .
ورأى وهيب بن الوردي قومًا يضحكون في يوم عيد فقال إن كان هؤلاء تقبل منهم صيامهم فما هذا فعل الشاكرين وإن كان لم يتقبل فما هذا فعل الخائفين وخرج عمر بن عبد العزيز ﵀ في يوم عيد فقال في خطبته: أيها الناس إنكم صمتم لله ثلاثين يومًا وقمتم لله ثلاثين ليلة وخرجتم تطلبون من الله أن يتقبل منكم.
وقال في آخر خطبته: أيها الناس إنكم لم تخلقوا عبثًا ولم تتركوا سدى إن لكم معادًا ينزل الله فيه للفصل بين عباده فقد خاب وخسر من خرج من رحمته التي وسعت كل شيء وحرم جنة عرضها السموات والأرض ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين وسيرثها بعدكم الباقون كذلك حتى ترد إلى خير الوارثين.
وفي كل يوم تشيعون غاديًا ورائحًا إلى الله تعالى وقد قضى نحبه وانقضى أجله فتودعونه وتدعونه في صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد قد خلع الأسباب وفارق الأحباب وسكن التراب وواجه الحساب غنيًا عما خلف فقيرًا إلى ما أسلف.
فاتقوا الله عباد الله قبل نزول الموت وانقضاء مواقيته وإني لأقول لكم هذه المقالة وما أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما عندي ولكن استغفر الله وأتوب إليه ثم رفع طرف ردائه وبكى حتى شهق ثم نزل عن المنبر فما عاد إلى
стр. 687
المنبر بعدها حتى مات رحمة الله عليه.
أعاد الله علي وعليكم من بركات هذا العيد وأمنني وإياكم من سطوات يوم الوعيد إن أحسن ما كرر وأعيد ووعظ به في كل جمعة وعيد كلام المبديء المعيد والله تعالى يقول وبقوله يهتدي المهتدون.
﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ، إلى قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] .
بارك الله لي ولكم في القرآن … الخ.
١٧٩- خطبة أيضًا
الحمد لله الذي ظهر لأوليائه بنعوت جلاله. وأنار قلوب أصفيائه بمشاهدة صفات كماله. وتحبب إلى عباده بما أسداه إليهم من إنعامه وإفضاله. أحمده سبحانه حمد عبد أخلص لله في أقواله وأفعاله. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله نبي أنعم الله على جميع أهل الأرض ببعثه وإرساله. اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى جميع أصحابه وآله وسلم تسليما كثيرًا.
أما بعد فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى فإن تقواه عليها المعول. واشكروه على ما أولاكم من الإنعام والخير الكثير وخول. وعليكم بما كان عليه السلف الصالح والصدر الأول. وتدبروا ما جاء به نبيكم محمد ﷺ من الحكمة والكتاب المنزل. واعتبروا بمن كان قبلكم ممن علا في الأرض وأمل وتمول. فجاءهم هاذم اللذات وكان الأجل مما أملوه أعجل. وسطا بهم ريب المنون
стр. 688
مسرعًا فما توانى في أخذهم وما أمهل. فاستحال النعيم عذابًا، وانعكس القصد وتحول. فاتقوا الله عباد الله وحاسبوا أنفسكم قبل القدوم على الله. قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر على الله، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١ - ١١١] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم الجليل، لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب. فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 689
١٨٠- خطبة أيضًا
الحمد لله المحمود على كل حال. الموصوف بصفات الجلال والكمال. المعروف بمزيد الإنعام والإفضال. أحمده سبحانه وهو المحمود على كل حال، وفي كل حال. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو العظمة والجلال.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخليله الصادق المقال. اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه خير صحب وآل. وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد فيا أيها الناس اتقوا الله حق تقاته. وسارعوا إلى مغفرته ومرضاته. وأجيبوا الداعي إلى دار كرامته وجناته. ولا تغرنكم الحياة الدنيا بما فيها من زهرة العيش ولذاته. فقد قرب الرحيل، وذهب بساعات العمر وأوقاته. ألا وإن المؤمن بين مخافتين: بين أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وأجل قد بقى لا يدري ما الله قاض فيه. فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن صحته لمرضه، ومن حياته لموته، ومن غناه لفقره، فوا الله ما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الموت من دار إلا الجنة أو النار.
وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني» . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾
стр. 690
[النساء: ١٢٤] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم الجليل. لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
١٨١- خطبة أيضًا
الحمد لله العلي العظيم القادر، هو الأول والآخر والباطن والظاهر، عالم الغيب والشهادة المطلع على السرائر والضمائر. خلق فقدر، ودبر فيسر، فكل عبد إلى ما قدره عليه وقضاه صائر. أحمده سبحانه على خفى لطفه، وجزيل بره المتظاهر. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ولد ولا مظاهر. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صاحب الآيات والمعجزات والبصائر. اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن على سبيله إلى الله سائر. وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى، واعملوا ليوم تنكشف فيه السرائر، وتظهر فيه مخبآت الصدور والضمائر، وتدور فيه على المجرمين الدوائر. وتحصى فيه الصغائر والكبائر. يرفع فيه لواء الخزي لكل ناكث للعهد غادر. تنصب فيه موازين الأعمال وتنشر الصحائف، فكل عبد إلى ما قدمه لنفسه صائر. فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله يا خيبة الظالم والفاجر، ويا سعادة من استجاب لله ورسوله من ذوي الإيمان والبصائر. فاتقوا الله عباد الله فإن تقواه أنفع الوسائل والذخائر، ولا تكونوا كالذين بدلوا نعمة الله
стр. 691
كفرًا ولم يلتفتوا إلى ما أمامهم من الموارد والمصادر.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء: ١٤] .
من أن يطمئن إلى هذه الحياة أو يركن إلى دنياه وقد امتلأت المقابر بالمأمور والآمر، فيا من بماله وولده يفاخر، ويا من بملكه يباهي وبعلمه يناظر، ويا مترفعًا عن التراب الثائر أن يمس جسمك أو ثوبك النظيف الطاهر، كيف بك إذا دس أنفك بالتراب وعافتك العشائر وفارقك الأنيس والصاحب والجليس، ولم يبق معك إلا عملك فأنت الرابح أو الخاسر، فالله يمن علينا بحسن الختام، ويتوفانا جميعًا على ملة الإسلام ويقبل العاثر، ونسأله أن يرزقنا التقوى وأن يوفقنا للحسنى وهو الكريم القادر ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠] .
قال رسول الله ﷺ : «كفى بالموت واعظًا، وكفى باليقين غنى» وجلس ﷺ على شفير قبر فبكى حتى بل الثرى ثم قال: «يا إخواني لمثل هذا فأعدوا» . وقال ﷺ : «أربعة من الشقاء: جمود العين، وقسوة القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا» . وقال ﷺ : «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسئل عن أربع: عن عمره فيما أفناه وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه» .
وقال ﷺ : «يا أمة محمد والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو أمته، يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا» .
стр. 692
﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: ٥٩ - ٦١] ، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الألْبَابِ الَّذِينَ آَمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ [الطلاق: ١٠] . ١٨٢- خطبة في مرض القلب وعلاجه
الحمد لله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم. وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا. ووهب له العقل الذي امتاز به عن البهائم ليعرف به ربه ويدرك به مصالحه - فإن أحسن العمل في هذه الدنيا كان تكريمه موصولا في الدنيا والآخرة ﴿وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء: ٢١] . وإن أساء العمل وألغى عقله رده الله أسفل سافلين ﴿وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٢] .
أحمده على نعمه التي لا تحصى. وأشكره. وحقه أن يطاع فلا يعصى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله كان يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه وتمسك بسنته إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
عباد الله: اتقوا الله تعالى، هو الذي خلقكم وصوركم فأحسن صوركم: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار٨] . نعم إنك أيها الإنسان مركب من أعضاء وكل عضو منك خلق لفعل خاص فإذا مرض ذلك العضو تعطل عمله أو اختل. فإذا مرضت اليد تعذر منها البطش. وإذا مرضت العين تعذر منها الإبصار. وإذا مرض القلب بالمعاصي تعذر منه فعله الخاص الذي خلق من أجله وهو العلم والحكمة والمعرفة وحب الله وعبادته. ومرض القلب هو
стр. 693
الداء العضال وهو مرض خفي قد لا يعرفه صاحبه فلذلك يغفل عنه وإن عرفه صعب عليه الصبر على مرارة دوائه لأن دواءه مخالفة الهوى … إن القلب هو ملك الأعضاء ومصدر سعادتها أو شقائها. ومصدر صلاحها أو فسادها -قال ﷺ : «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» . ففي هذا الحديث دليل على أن صلاح أعمال العبد بحسب صلاح قلبه. وأن فساد أعمال العبد بحسب فساد قلبه فالقلب الصالح هو القلب السليم الذي لا ينفع عند الله غيره قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩] . فالقلوب على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: قلب سليم وهو السالم من الآفات والمكروهات كلها وهو القلب الذي ليس فيه سوى محبة الله وخشيته وخشية ما يباعد عنه.
النوع الثاني: القلب الميت الذي لا حياة به فهو لا يعرف ربه ولا يعبده فهو واقف مع شهواته ولذاته ولو كان فيها سخط ربه وغضبه فلا يستجيب للناصح بل يتبع كل شيطان مريد.
النوع الثالث: القلب المريض وهو قلب له حياة وبه علة فالقلب الأول قلب مخبت واع لين حي. والقلب الثاني قلب يابس ميت. والقلب الثالث قلب مريض. فإما إلى السلامة أدنى وإما إلى العطب أدنى.
عباد الله: ولحياة القلوب وموتها ومرضها أسباب يفعلها الإنسان -فمن أسباب حياتها الإقبال على الله وتلاوة كتابه وتدبره والاشتغال بذكره قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] . وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ
стр. 694
وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] . وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦] . ومن أسباب حياة القلوب الاستماع إلى المواعظ والتذكير والمحافظة على صلاة الجمعة والجماعة.
ومن أسباب حياة القلوب النظر والتفكر في مخلوقات الله وما فيها من الحكم. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] .
ومن أسباب حياة القلوب النظر في عواقب الظلمة والمفسدين وما أحل الله بهم من العقوبات قال تعالى: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] .
أما أسباب موت القلوب فمنها إعراضها عن قبول الحق بعد معرفتها له قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥] . وقال تعالى: ﴿ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون﴾ [التوبة: ١٢٧] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] . والقلب الميت يكون صاحبه أحط من البهائم ويكون مآله إلى جهنم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] .
стр. 695
فيصبح هذا القلب مطموسًا منكوسًا مختومًا عليه لا ينتفع به صاحبه بسبب أنه أعرض عن الحق ورضي بالباطل فصار الباطل غذاءه. والضلال طريقه والجحيم مصيره نعوذ بالله من الخذلان.
وأما أسباب مرض القلوب فمنها أكل الحرام فإن المطعم الخبيث يغذي تغذية خبيثة. قال ﷺ في الذي يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك. وما أكثر أكل الحرام في وقتنا هذا مما سبب مرض القلوب وفساد التصرفات وانحطاط الأخلاق كما ترون ذلك ظاهرًا في مجتمعنا.
ومن أسباب مرض القلوب فعل المعاصي فإن المعاصي تؤثر في القلوب وتمرضها قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين١٤] .
وقد ورد في الحديث أن العبد إذا أذنب ذنبًا نكت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب صقلت تلك النكتة وإلا تزايدت وعظم خطرها على القلب. ومن أسباب مرض القلوب استماع ما لا يجوز استماعه من الكلام المحرم. واستماع الملاهي من الأغاني والمزامير وقد كثر هذا البلاء في هذا الزمان وتنوعت مفاسده وتعددت طرق ترويجه بيننا في الإذاعات والتلفاز والأشرطة. فظهر أثر هذا السماع المحرم فأفسد سلوك كثير من النساء والصبيان بل وكثير من الرجال. فالأغاني من أكبر ما تطرق به إبليس إلى فساد القلوب وقد فسر قوله تعالى لإبليس ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] . بأن المراد بصوته الغناء. ومفاسد الغناء كثيرة لا يتسع هذا المقام لشرحها وقد بينها العلماء في كتبهم وشخصوها فعلى المسلم أن يراجع تلك الكتب
стр. 696
خصوصًا ما كتبه شمس الدين ابن القيم في إغاثة اللهفان ليعرف إلى أي مدى تنتهي تلك الأغاني بأصحابها.
ومن أسباب مرض القلوب النظر المحرم - قال ﷺ «النظر سهم مسموم من سهام إبليس» . وقال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] . فالنظرة المحرمة تورث شهوة في القلب تمرضه. ومن أسباب مرض القلوب مطالعة الكتب الفاسدة التي انتشرت في هذا الزمان فشغلت كثيرًا من الناس عن مطالعة الكتب النافعة وكذلك مطالعة الصحف والمجلات الخليعة وما أكثرها في أسواقنا وبيوتنا ومكاتبنا وقد رتع فيها الناس رجالاً ونساء وأطفالاً … فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
عباد الله: إنه لا شفاء لأمراض القلوب إلا بالدواء الذي أنزله الله في كتابه وسنة نبيه قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧] . وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] . ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء﴾ [فصلت: ٤٤] . فأقبلوا على كتاب الله وسنة رسوله لتداووا قلوبكم منهما ففيهما الشفاء والرحمة. وفيهما النور والهداية. وفيهما الروح والحياة. وفيهما العصمة من الشيطان ووساوسه. وليأخذ كل منا بنفسه فيبعدها عن مواطن الفتن ويقطع عنها وسائل الشر. وكذلك أبعدوا أولادكم وبيوتكم عن وسائل الشر ودواعي الفساد إن كنتم تريدون الشفاء لقلوبكم والخير لمجتمعكم وأكثروا من هذا الدعاء الذي كان يدعو به النبي ﷺ : «يا مقلب
стр. 697
القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك» .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ﴾ [الشورى٥٣] .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٨٣- خطبة
في النهي عن الإسبال في اللباس
الحمد لله الذي امتن على عباده بلباس يواري سوءاتهم. ويجمل هيئاتهم. وحث على لباس التقوى وأخبر أنه خير لباس. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له ملك السموات والأرض. وإليه المصير يوم العرض. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ما ترك خيرًا إلا دل أمته عليه ولا شرًا إلا حذرها منه. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه وتمسك بسنته وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى. قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦] .
يمتن تعالى على عباده بما جعل لهم من اللباس والريش. واللباس المراد به ستر العورات وهي السوءات. والريش ما يتجمل به ظاهرًا. فاللباس من الضروريات. والريش من التكميليات.
стр. 698
روى الإمام أحمد قال: لبس أبو أمامة ثوبًا جديدًا. فلما بلغ ترقوته قال: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي. ثم قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ : «من أستجد ثوبًا فلبسه فقال حين يبلغ ترقوته الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي ثم عمد إلى الثوب الخلق فتصدق به كان في ذمة الله وفي جوار الله وفي كنف الله حيًا وميتًا» . ولما أمتن سبحانه باللباس الحسي الذي يتخذ لستر العورة وتدفئة الجسم وتجميل الهيئة. نبه على لباس أحسن منه وأكثر فائدة وهو لباس التقوى الذي هو التحلي بالفضائل. والتخلي عن الرذائل. ولباس التقوى هو الغاية وهو المقصود. ولباس الثياب معونة عليه. ومن فقد لباس التقوى لم ينفعه لباس الثياب.
إذا المرء لم يلبس ثيابًا من التقى … تقلب عريانًا وإن كان كاسيًا
ولباس التقوى يستمر مع العبد لا يبلى ولا يبيد. وهو جمال القلب والروح. ولباس الثياب إنما يستر العورة الظاهرة في وقت من الأوقات ثم يبلي ويبيد. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦] . أي ذلك المذكور لكم من اللباس مما تتذكرون به نعمة الله عليكم فتشكرونه. وتتذكرون بحاجتكم إلى اللباس الظاهر حاجتكم إلى اللباس الباطن. وتعرفون من فوائد اللباس الظاهر ما هو أعظم منها من فوائد اللباس الباطن الذي هو لباس التقوى.
عباد الله: إن اللباس من نعم الله على عباده التي يجب شكرها والثناء عليه بها. وإن اللباس له أحكام شرعية تجب معرفتها والتقيد بها. فالرجال لهم لباس يختص بهم في نوعه وكيفيته. وللنساء لباس يختص بهن في نوعه وكيفيته.
стр. 699
ولا يجوز لأحد الجنسين أن يشارك الآخر في لباسه، فقد لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال.
وقال ﷺ : «لعن الله المرأة تلبس لبسة الرجل والرجل يلبس لبسة المرأة» . رواه أحمد وأبو داود. ويحرم على الرجال إسبال الإزار والثوب والبشت والسراويل. وهو من الكبائر والإسبال هو نزول الملبوس عن الكعبين. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨] .
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» . رواه البخاري وغيره.
وعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «الإسبال في الإزار والقميص والعمامة. من جر شيئًا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» . رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه.
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطرًا» . متفق عليه ولأحمد والبخاري: «ما أسفل من الكعبين من الإزار في النار» . وقال ﵊: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب» .
عباد الله: مع هذا الوعيد العظيم الوارد في حق المسبل نرى بعض المسلمين لا يهتم بهذا الأمر فيترك ثوبه أو بشته أو سراويله تنزل عن الكعبين وربما تلامس الأرض وهذا منكر ظاهر ومحرم شنيع وكبيرة من كبائر
стр. 700
الذنوب. فيجب على من فعل ذلك أن يتوب إلى الله ويرفع ثيابه على الصفة المشروعة. قال ﵊: «إزرة المؤمن إلى نصف ساقيه ولا حرج عليه فيما بينه وبين الكعبين. ما كان أسفل من الكعبين فهو في النار» . وبجانب أولئك المسبلين فريق من المستهترين الذين يرفعون لباسهم فوق الركبتين فتبدوا أفخاذهم أو بعضها كما يفعله بعض الفرق الرياضية في الملاعب ويفعله بعض العمال. والفخذان من العورة التي يجب سترها ويحرم كشفها. عن علي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت» . رواه أبو داود وابن ماجه.
عباد الله: ومما يحرم على الرجال لبسه الحرير
ففي الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قال: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» وهذا وعيد شديد يدل على شدة تحريم لبس الحرير في حق الرجال وأن من لبسه منهم في الدنيا حرم لبسه في الآخرة حينما يلبسه أهل الجنة قال تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر: ٣٣] .
وعن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ : «إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة» . متفق عليه. ويحرم على الرجال لبس الذهب أو شيء فيه ذهب سواء كان خاتمًا أو حزامًا أو سلسلة أو في النظارتين أو الساعة.
عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ : رأى خاتمًا من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه وقال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده» . فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول الله ﷺ : خذ خاتمك انتفع به. قال: لا والله لا أخذه أبدًا وقد طرحه رسول الله ﷺ .
стр. 701
وقد صار بعض المسلمين يتساهل في هذا الأمر الخطير فيلبس خاتم الذهب ولا يبالي أنه بفعله هذا قد عصى الله ورسوله وحمل في يده جمرة من النار طيلة لبسه لهذا الخاتم. نعم لا يبالي بذلك ما دام أنه أتبع نفسه هواها وقلد من لا خلاق لهم من أوباش الناس وطغامهم. وبعض الشباب يتحلون بسلاسل الذهب تقليدًا للنساء وإغراقًا في الميوعة. ومتجاهلين ما في ذلك من فقد الرجولة وتعريض أنفسهم للوعيد الشديد بالعذاب الأليم لمن فعل ذلك.
عباد الله: إن الرسول ﷺ إنما حذرنا من هذه الأشياء. الإسبال في اللباس والتشبه بالنساء ولبس الحرير والتحلي بالذهب إنما نهانا عن هذه الأشياء لنتخلق بكل معاني الرجولة ونتصف بكامل المروءة –إذ العادة أنه لا يبالغ في الزينة والعناية بجسمه وثوبه ومركوبه وفراشه وأثاثه إلى درجة الإفراط إلا مترف لين- والرجل خشن بطبعه وكل ما تلين خفت رجولته ونقصت ذكورته. وعجز عن الكفاح والكد وما خلق له في معترك الحياة. وقد كان النبي ﷺ يلبس البرد الغليظ الحاشية ويفترش الحصير ويتوسد الجلد حشوه الليف. ويركب البعير والفرس والحمار والبغلة مرة بسرج ومرة بلا سرج ويردف خلفه وبين يديه ويمشي المسافة الطويلة على رجليه. ويأكل ما تيسر من الطعام ويأتدم بما تيسر من الإدام. وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب: ٢١] .
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه. وجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧] .
стр. 702
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٨٤- (خطبة)
في التحذير من التشبه بالكفار في عاداتهم وتقاليدهم
الحمد لله الذي أكمل لنا الدين. وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام دينا. وحذرنا من تقليد الكفار والركون إلى الأشرار. لنكون أمة واحدة متماسكة. لها مكانتها وعزتها. وأشهد أن لا إله إلا الله لا رب لنا سواه. ولا نعبد إلا إياه. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله رحمة للعالمين، فأغنى به بعد عيلة. وكثر به بعد قلة. وأعز به بعد ذلة. واستقامت ببعثته الملة، نبي شرح الله له صدره. ورفع له ذكره. وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره. – ﷺ وعلى آله وأصحابه ومن تمسك بسنته وسار على نهجه إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: أيها المسلمون اتقوا الله تعالى –يقول الله لنبيه ﷺ : ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨] . ويقول سبحانه لنبيه ﷺ : ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤] . ويأمرنا سبحانه بمثل ما أمر به نبينا فيقول: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:: ١٥٣] . أجل إن هذا الدين هو صراط الله المستقيم من صار عليه نجا. ومن حاد عنه هلك. وقد وفر الله في هذا الدين كل أسباب الفلاح والرقي والتقدم. فلو تمسكنا به حق التمسك لصرنا أرقى الناس. ولأصبح كل العالم يحتاج إلى ما عندنا ولسنا بحاجة إلى أحد غير
стр. 703
الله … ولكننا ضيعنا ديننا فضعنا وصرنا نستورد من أعدائنا كل عادة سيئة. وكل خلق ذميم. وكل سنة جاهلية. فننشر ذلك في مجتمعنا ونربي عليه أولادنا ونساءنا دون تفكير في عواقبه. وتقدير لنتائجه. لنساير ركب الحضارة ونمشي مع الركب العالمي –ولو كان يسير إلى الهاوية- ولو كان يسعى إلى الهلاك- المهم أن لا نتخلف عنهم. وهم يخططون لنا أسباب هلاكنا ونحن ننفذها بكل اعتزاز وافتخار. وهم يحاولون القضاء على ديننا أو إبعادنا عنه. ونحن نساعدهم على ذلك ففي كل يوم ندفن جزءًا من ديننا ونحل محله عادة غريبة. أو سنة من سنن الجاهلية … وصدق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ حيث يقول: (إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية) . إن ديننا لا يحرم علينا أن نستورد من الكفار المدفع والدبابة وسلاح القتال بأنواعه. وأن نستفيد من خبراتهم في مجال التقنية وخطط الصناعة. وديننا لا يحرم علينا التعامل مع الكفار في مجال التجارة المباحة وتبادل المنافع المفيدة. إنما الذي يحرمه ديننا أن نستورد منهم العادات السيئة والخصال الذميمة والتقاليد الفاسدة. ويحرم ديننا كذلك التشبه بهم فيما هو من خصائصهم. لما في ذلك من المفاسد العاجلة والآجلة. فلا نتشبه بهم في أعيادهم وعاداتهم. ولا نتشبه بهم في لباسهم وهيئاتهم..ومن ذلك ما نسمعه دائمًا من جعل أسبوع للشجرة وعام للطفل وأسبوع للنظافة وعيد للأم وما إلى ذلك مما يمليه أعداؤنا ويتلقفه سفهاؤنا لينشروه بيننا –إن ديننا لا يخصص يومًا من الأيام لعمل من هذه الأعمال فهو يحث على غرس الأشجار النافعة والزراعة المفيدة في كل وقت مناسب. وديننا يحث على تربية الأطفال والعناية بهم والإحسان إلى الأيتام منهم في كل الأوقات وفي جميع الساعات.
стр. 704
يقول ﷺ : «مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع» .
ويقول ﷺ : «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» . والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] .
وإن ديننا يأمر بالنظافة في كل وقت ويحث على التجمل في الثياب والهيئة ويرغب في استعمال الطيب. ويوجب الوضوء للصلاة والاغتسال من الجنابة ويأمر بتجنب الأنجاس والقاذورات. وديننا يأمر بالإحسان إلى الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الفقراء والأيتام في كل وقت وفي كل فرصة حسب الإمكان … إن ديننا كمال كله. وخير كله. لو تمسك به المسلمون ونفذوه على وجهه الصحيح لأصبح العالم كله بحاجة إليهم وليسوا بحاجة إلى أحد سوى الله ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [طه: ٨] . ﴿وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] . ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ثم إن الله شرع على لسان خاتم النبيين من الأعمال ما فيه صلاح الخلق على أتم الوجوه وهو الكمال المذكور في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] . ولهذا أنزل الله هذه الآية في أعظم أعياد الأمة الحنيفية فإنه لا عيد أعظم من العيد الذي يجتمع فيه شرف المكان والزمان وهو عيد النحر ولا عين من أعيان هذا النوع أعظم من يوم كان قد أقامه رسول الله ﷺ بعامة المسلمين وقد نفى الله الكفر وأهله. والشرائع هي غذاء القلوب وقوتها. كما قال ابن مسعود رضي الله عنه
стр. 705
ويروى مرفوعًا: «إن كل آدب يحب أن تؤتى مأدبته وإن مأدبة الله هي القرآن» .
ومن شأن الجسد إذا كان جائعًا فأخذ من طعام حاجته استغنى عن طعام آخر … فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته قلت رغبته في المشروع وانتفاعه به بقدر ما اعتاض عنه من غيره –بخلاف من صرف نهمته وهمته إلى المشروع فإنه تعظم محبته له ومنفعته به ويتم دينه به ويكمل إسلامه. ولهذا تجد من أكثر من سماع الأغاني تنقص رغبته في سماع القرآن حتى ربما يكرهه. ومن أكثر من السفر إلى زيارة المشاهد ونحوها لا يبقى لحج البيت المحرم في قلبه من المحبة والتعظيم ما يكون في قلب من وسعته السنة. ومن أدمن على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والروم لا يبقى لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الموقع. ومن أدمن على قصص الملوك وسيرهم لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الاهتمام –ونظائر هذا كثيرة.
ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ : «ما ابتدع قوم بدعة إلا نزع الله عنهم من السنة مثلها» رواه الإمام أحمد –إلى أن قال: فالمشابهة والمشاكلة توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي … والمشاركة في الهدى الظاهر توجب أيضًا مناسبة وائتلافًا وإن بعد المكان والزمان … فمشابهتهم في أعيادهم ولو بالقليل هي سبب لنوع ما من اكتساب أخلا قهم التي هي ملعونة.
وقال ﵀ على قوله ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» . وهذا الحديث أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم. وإن كان ظاهره يقتضي كفر
следующие страницы →