Полный текст (1 102 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
وقد صار بعض المسلمين يتساهل في هذا الأمر الخطير فيلبس خاتم الذهب ولا يبالي أنه بفعله هذا قد عصى الله ورسوله وحمل في يده جمرة من النار طيلة لبسه لهذا الخاتم. نعم لا يبالي بذلك ما دام أنه أتبع نفسه هواها وقلد من لا خلاق لهم من أوباش الناس وطغامهم. وبعض الشباب يتحلون بسلاسل الذهب تقليدًا للنساء وإغراقًا في الميوعة. ومتجاهلين ما في ذلك من فقد الرجولة وتعريض أنفسهم للوعيد الشديد بالعذاب الأليم لمن فعل ذلك.
عباد الله: إن الرسول ﷺ إنما حذرنا من هذه الأشياء. الإسبال في اللباس والتشبه بالنساء ولبس الحرير والتحلي بالذهب إنما نهانا عن هذه الأشياء لنتخلق بكل معاني الرجولة ونتصف بكامل المروءة –إذ العادة أنه لا يبالغ في الزينة والعناية بجسمه وثوبه ومركوبه وفراشه وأثاثه إلى درجة الإفراط إلا مترف لين- والرجل خشن بطبعه وكل ما تلين خفت رجولته ونقصت ذكورته. وعجز عن الكفاح والكد وما خلق له في معترك الحياة. وقد كان النبي ﷺ يلبس البرد الغليظ الحاشية ويفترش الحصير ويتوسد الجلد حشوه الليف. ويركب البعير والفرس والحمار والبغلة مرة بسرج ومرة بلا سرج ويردف خلفه وبين يديه ويمشي المسافة الطويلة على رجليه. ويأكل ما تيسر من الطعام ويأتدم بما تيسر من الإدام. وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب: ٢١] .
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه. وجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧] .
стр. 702
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٨٤- (خطبة)
في التحذير من التشبه بالكفار في عاداتهم وتقاليدهم
الحمد لله الذي أكمل لنا الدين. وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام دينا. وحذرنا من تقليد الكفار والركون إلى الأشرار. لنكون أمة واحدة متماسكة. لها مكانتها وعزتها. وأشهد أن لا إله إلا الله لا رب لنا سواه. ولا نعبد إلا إياه. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله رحمة للعالمين، فأغنى به بعد عيلة. وكثر به بعد قلة. وأعز به بعد ذلة. واستقامت ببعثته الملة، نبي شرح الله له صدره. ورفع له ذكره. وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره. – ﷺ وعلى آله وأصحابه ومن تمسك بسنته وسار على نهجه إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: أيها المسلمون اتقوا الله تعالى –يقول الله لنبيه ﷺ : ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨] . ويقول سبحانه لنبيه ﷺ : ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤] . ويأمرنا سبحانه بمثل ما أمر به نبينا فيقول: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:: ١٥٣] . أجل إن هذا الدين هو صراط الله المستقيم من صار عليه نجا. ومن حاد عنه هلك. وقد وفر الله في هذا الدين كل أسباب الفلاح والرقي والتقدم. فلو تمسكنا به حق التمسك لصرنا أرقى الناس. ولأصبح كل العالم يحتاج إلى ما عندنا ولسنا بحاجة إلى أحد غير
стр. 703
الله … ولكننا ضيعنا ديننا فضعنا وصرنا نستورد من أعدائنا كل عادة سيئة. وكل خلق ذميم. وكل سنة جاهلية. فننشر ذلك في مجتمعنا ونربي عليه أولادنا ونساءنا دون تفكير في عواقبه. وتقدير لنتائجه. لنساير ركب الحضارة ونمشي مع الركب العالمي –ولو كان يسير إلى الهاوية- ولو كان يسعى إلى الهلاك- المهم أن لا نتخلف عنهم. وهم يخططون لنا أسباب هلاكنا ونحن ننفذها بكل اعتزاز وافتخار. وهم يحاولون القضاء على ديننا أو إبعادنا عنه. ونحن نساعدهم على ذلك ففي كل يوم ندفن جزءًا من ديننا ونحل محله عادة غريبة. أو سنة من سنن الجاهلية … وصدق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ حيث يقول: (إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية) . إن ديننا لا يحرم علينا أن نستورد من الكفار المدفع والدبابة وسلاح القتال بأنواعه. وأن نستفيد من خبراتهم في مجال التقنية وخطط الصناعة. وديننا لا يحرم علينا التعامل مع الكفار في مجال التجارة المباحة وتبادل المنافع المفيدة. إنما الذي يحرمه ديننا أن نستورد منهم العادات السيئة والخصال الذميمة والتقاليد الفاسدة. ويحرم ديننا كذلك التشبه بهم فيما هو من خصائصهم. لما في ذلك من المفاسد العاجلة والآجلة. فلا نتشبه بهم في أعيادهم وعاداتهم. ولا نتشبه بهم في لباسهم وهيئاتهم..ومن ذلك ما نسمعه دائمًا من جعل أسبوع للشجرة وعام للطفل وأسبوع للنظافة وعيد للأم وما إلى ذلك مما يمليه أعداؤنا ويتلقفه سفهاؤنا لينشروه بيننا –إن ديننا لا يخصص يومًا من الأيام لعمل من هذه الأعمال فهو يحث على غرس الأشجار النافعة والزراعة المفيدة في كل وقت مناسب. وديننا يحث على تربية الأطفال والعناية بهم والإحسان إلى الأيتام منهم في كل الأوقات وفي جميع الساعات.
стр. 704
يقول ﷺ : «مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع» .
ويقول ﷺ : «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» . والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] .
وإن ديننا يأمر بالنظافة في كل وقت ويحث على التجمل في الثياب والهيئة ويرغب في استعمال الطيب. ويوجب الوضوء للصلاة والاغتسال من الجنابة ويأمر بتجنب الأنجاس والقاذورات. وديننا يأمر بالإحسان إلى الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الفقراء والأيتام في كل وقت وفي كل فرصة حسب الإمكان … إن ديننا كمال كله. وخير كله. لو تمسك به المسلمون ونفذوه على وجهه الصحيح لأصبح العالم كله بحاجة إليهم وليسوا بحاجة إلى أحد سوى الله ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [طه: ٨] . ﴿وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] . ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ثم إن الله شرع على لسان خاتم النبيين من الأعمال ما فيه صلاح الخلق على أتم الوجوه وهو الكمال المذكور في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] . ولهذا أنزل الله هذه الآية في أعظم أعياد الأمة الحنيفية فإنه لا عيد أعظم من العيد الذي يجتمع فيه شرف المكان والزمان وهو عيد النحر ولا عين من أعيان هذا النوع أعظم من يوم كان قد أقامه رسول الله ﷺ بعامة المسلمين وقد نفى الله الكفر وأهله. والشرائع هي غذاء القلوب وقوتها. كما قال ابن مسعود رضي الله عنه
стр. 705
ويروى مرفوعًا: «إن كل آدب يحب أن تؤتى مأدبته وإن مأدبة الله هي القرآن» .
ومن شأن الجسد إذا كان جائعًا فأخذ من طعام حاجته استغنى عن طعام آخر … فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته قلت رغبته في المشروع وانتفاعه به بقدر ما اعتاض عنه من غيره –بخلاف من صرف نهمته وهمته إلى المشروع فإنه تعظم محبته له ومنفعته به ويتم دينه به ويكمل إسلامه. ولهذا تجد من أكثر من سماع الأغاني تنقص رغبته في سماع القرآن حتى ربما يكرهه. ومن أكثر من السفر إلى زيارة المشاهد ونحوها لا يبقى لحج البيت المحرم في قلبه من المحبة والتعظيم ما يكون في قلب من وسعته السنة. ومن أدمن على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والروم لا يبقى لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الموقع. ومن أدمن على قصص الملوك وسيرهم لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الاهتمام –ونظائر هذا كثيرة.
ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ : «ما ابتدع قوم بدعة إلا نزع الله عنهم من السنة مثلها» رواه الإمام أحمد –إلى أن قال: فالمشابهة والمشاكلة توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي … والمشاركة في الهدى الظاهر توجب أيضًا مناسبة وائتلافًا وإن بعد المكان والزمان … فمشابهتهم في أعيادهم ولو بالقليل هي سبب لنوع ما من اكتساب أخلا قهم التي هي ملعونة.
وقال ﵀ على قوله ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» . وهذا الحديث أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم. وإن كان ظاهره يقتضي كفر
стр. 706
المتشبه بهم كما في قوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] . وهو نظير ما سنذكره عن عبد الله بن عمرو أنه قال: من بنى بأرض المشركين وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم يوم القيامة. انتهى كلامه ﵀.
فانتبهوا لأنفسكم أيها المسلمون. واشكروا الله على ما هداكم إليه من هذا الدين وتمسكوا به ولا تبتغوا به بديلا إن كنتم تريدون السعادة والنجاة في الدنيا والآخرة –أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١] .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٨٥- (خطبة)
التحذير من الثقة بالكفار
الحمد لله الذي حذرنا من الركون إلى الكفار. لما فيه من الأضرار. وأشهد أن لا إله إلا الله يخلق ما يشاء ويختار. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله سيد الأبرار. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه المهاجرين منهم والأنصار. وسلم تسليمًا كثيرًا. ما اختلف الليل والنهار. أما بعد أيها الناس اتقوا الله واعلموا أن الله حذرنا من الثقة بالكفار والاطمئنان إليهم. وبين لنا أنهم لا يريدون لنا الخير. وأنهم يبغضوننا أشد البغض. ويحسدوننا أشد الحسد. وأنهم لا يألون جهدًا في إنزال الضرر بنا والقضاء على ديننا وإرجاعنا إلى الكفر.
قال تعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن
стр. 707
يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥] . وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾ [البقرة: ١٠٩] . وقال تعالى: ﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء﴾ [النساء: ٨٩] . وقال تعالى: ﴿إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: ٢] . إلى غير ذلك من الآيات التي تحذر من وضع الثقة بالكفار وتبين مكائدهم. فما زال الكفار منذ بعثة رسول الله ﷺ ونزول القرآن يخططون للقضاء على الإسلام والمسلمين ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢] . فهم تارة يحاولون القضاء على الإسلام بالغزو المسلح. وتارية ببث الدسائس في صفوف المسلمين. وتارة بالمكر والخديعة وإظهار النصح والصداقة وهكذا كلما عجزوا من باب جاءوا من باب آخر وإذا لم يتمكنوا من إنزال الضرر بجماعة المسلمين حاولوا إنزاله بأفرادهم. هذا وديننا واضح كل الوضوح ببيان مكائدهم وفضح دسائسهم. لكن قد يصيبون من المسلمين غرة ويهتبلون منهم غفلة فيقذفون سمومهم في جسم الأمة الإسلامية فإذا تنبه المسلمون لهم ورجعوا إلى دينهم رد الله كيدهم في نحورهم وكفى المسلمين شرهم.
أيها المسلمون: وإن كيد الكفار للمسلمين في هذا الزمان قد تزايد. وتأثيرهم عليهم قد تضاعف نتيجة لغفلة المسلمين عنهم وتساهلهم في شأنهم ووضع الثقة فيهم.
وهذا مصداق ما أخبر به النبي ﷺ بقوله: «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها. قالوا أمن قلة نحن يا رسول الله.
стр. 708
قال لا. أنتم يومئذ كثير. ولكنكم غثاء كغثاء السيل» ومن تمام الابتلاء ما أُعطيّ الكفار في زماننا هذا من مهارة في الاختراع والصناعة ومعرفة بنظام الحياة الدنيا مما حرم منه المسلمون نتيجة لتكاسلهم وتفككهم مع أن الأجدر أن يكون المسلمون هم السابقين في كل مجال لأن دينهم يأمرهم بذلك ويريد منهم أن يكونوا هم القادة ويكون الكفار تابعين لهم –كما كان أسلافهم كذلك. لكن حينما تخلى المسلمون عن مكانتهم في العالم وضيعوا دينهم ضاعوا وصاروا عالة على الكفار في كل شيء. فانتهز الكفار حاجة المسلمين إليهم فصاروا لا يعطونهم شيئًا مما بأيديهم إلا بدفع الثمن غاليًا من دينهم وأموالهم وأوطانهم. وصار المسلمون يدفعون أولادهم إلى بلاد الكفار ليكسبوا من خبراتهم ويتعلموا في مدارسهم ما به يدفعون حاجة بلادهم في مجال الصناعة والتنظيم. هذا قصد المسلمين من إرسال أولادهم إلى الكفار. ولكن الكفار لهم مقصد يخالف قصد المسلمين من إرسال أولادهم إلى الكفار. وهو إفساد أولاد المسلمين وسلخهم من دينهم وتلقينهم الإلحاد والزندقة وإغراقهم في الشهوات المحرمة. حتى يرجع كثير منهم إلى بلادهم بلا دين ولا خلق. وبالتالي بلا تعلم مفيد –وهذا ما يريده الكفار بالمسلمين يريدون أن يبقوا بحاجة إليهم دائمًا ويريدون أن يفسدوا أولاد المسلمين حتى يصبحوا حربة في نحور المسلمين- وقد سنحت لهم الفرصة.
وصدق الله العظيم ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] . كم أرسل المسلمون أولادهم الأفواج تلو الأفواج فماذا استفادوا من تلك البعثات – لقد خسروا أولادهم ولم تسدد حاجتهم ولم يستغنوا عن الكفار … أيها المسلمون: والأدهى من ذلك أن بعض المسلمين قد بلغ من
стр. 709
ثقتهم بالكفار وإحسان الظن بهم أن استقدموا منهم مربين ومربيات لأولادهم وأدخلوهم في بيوتهم وسلموهم أولادهم الصغار فانتهز هؤلاء المربون الفرصة ليغيروا فطرتهم وينشئوهم على دين الكفر أو يفسدوا أخلاقهم. وقد حصلت وقائع ومواقف لأولئك المربين مع أولاد المسلمين يلقنونهم دين النصارى ويحذرونهم من دين المسلمين ويغرسون فيهم عقائد الإلحاد، وفريق آخر من المسلمين يستقدمون سائقين من الكفار لعوائلهم يدخلون بيوتهم ويخلون بنسائهم وأولادهم فما ظنكم بنتائج هذا العمل حينما مكنوا أعداءهم من أنفسهم وأطلعوهم على سرائرهم. والفريق الآخر من المسلمين يستقدم الكفار للعمل في متجره أو مؤسسته. حتى كثر عدد الكفار في بلاد المسلمين مصطحبين معهم عوائدهم وتقاليدهم الكفرية –أيها المسلمون تنبهوا لأنفسكم واتقوا الله في دينكم وأولادكم وبلادكم. من اضطر إلى استقدام مربيات أو خلدمات أو استقدام عمال فليستقدم من المسلمين الصالحين وهم كثير. وخطرهم مأمون وعندهم من الخبرة والنصح ما ليس عند الكفار. واعلموا أنه لا يجوز استقدام النساء إلا مع محارمهن ولا يجوز للمسلم أن يخلو بامرأة وهو ليس محرمًا لها سواء كانت خادمة أو غير خادمة. فلا تتساهلوا في هذا الأمر فإنه خطير على أنفسكم وأولادكم وكفوا عن استقدام الأجانب إلا بقدر الضرورة مع الضوابط والضمانات التي تقي المسلمين خطرهم وضررهم. واسمعوا قول الله تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨] .
стр. 710
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٨٦- خطبة
في التحذير من مخالطة الأشرار
الحمد لله الذي أمر بمصاحبة الأخيار ونهى عن مصاحبة الأشرار. فقال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨] .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له بَيَّنَ لعباده طرق الخير ليسلكوها. وبين لهم طرق الشر ليجتنبوها. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله رغب في اختيار الجليس الصالح وحذر من جليس السوء –صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه وتمسك بسنته إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: عباد الله اتقوا الله واعلموا أن الإنسان في هذه الحياة لا يستطيع أن يعيش وحده في عزلة تامة عن الناس فهو بحاجة إلى مخالطتهم ومجالستهم. وهذا الاختلاط لا بد أن تكون له آثار حسنة أو قبيحة –حسب نوعية الجلساء والخلطاء. ومن هنا تظافرت نصوص الكتاب والسنة على الحث على اختيار الجليس الصالح والابتعاد عن الجليس السيء- قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] . وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:: ٦٨] .
وقال ﷺ : «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير – فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحًا طيبة ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة» . متفق عليه.
стр. 711
أيها المسلم: اجعل هذا الحديث الشريف دائمًا على بالك وأنت تخالط الناس في الأسواق والمجالس. وفي البيوت والمدارس. وفي المكاتب والدوائر. وفي كل مجال تخالط فيه الناس فاختر لصحبتك ومجالستك ومشاركتك في مزاولة أي عمل. اختر الصالحين من الناس ليكونوا لك جلساء وزملاء وشركاء وحاشية ومستشارين. فهذا الحديث الشريف يفيد أن الجليس الصالح جميع أحوال صديقه معه خير وبركة ونفع ومغنم. مثل حامل المسك الذي تنتفع بما معه إما بهبة أو ببيع أو أقل شيء تكون مدة جلوسك معه قرير العين منشرح الصدر برائحة المسك –جليسك الصالح يأمرك بالخير وينهاك عن الشر ويسمعك العلم النافع والقول الصادق والحكمة البالغة. ويعرفك عيوب نفسك ويشغلك عما لا يعنيك. يجهد نفسه في تعليمك وتفهيمك. وإصلاحك وتقويمك. إذا غفلت ذكرك. وإذا أهملت أو مللت بشرك وأنذرك. يحمي عرضك في مغيبك وحضرتك. أولئك القوم لا يشقى بهم جليسهم. تنزل عليهم الرحمة فتشاركهم فيها –وأقل ما تستفيده من الجليس الصالح- وهي فائدة لا يستهان بها- أن تنكف بسببه عن السيئات والمعاصي رعاية للصحبة ومنافسة في الخير وترفعًا عن الشر- وفوائد الأصحاب الصالحين لا تعد ولا تحصى وحسب المرء أن يعتبر بقرينه، وأن يكون على دين خليله.
وصحبة الصالحين ينتفع بها حتى البهائم –كما حصل للكلب الذي كان مع أصحاب الكهف فقد شملته بركتهم فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال العجيبة وصار له ذكر وخبر وشأن. أما صحبة الأشرار فإنها السم الناقع. والبلاء الواقع. فهم يشجعون على فعل المعاصي والمنكرات ويرغبون فيها ويفتحون لمن جالسهم وخالطهم أبواب الشرور. ويسهلون له سبل المعاصي. فقرين السوء إن لم تشاركه في إساءته أخذت بنصيب وافر من
стр. 712
الرضا بما يصنع. والسكوت على شره –فهو كنافخ الكير على الفحم الملوث. وأنت جليسه القريب منه يحرق بدنك وثيابك ويملأ أنفك بالروائح الكريهة. وفي مجالس الشر تقع الغيبة والنميمة والكذب والشتم والكلام الفاحش ويقع اللهو واللعب وممالأة الفساق على الخوض في الباطل فهي ضارة من جميع الوجوه لمن صاحبهم. وشر على من خالطهم. فكم هلك بسببهم أقوام. وكم قادوا أصحابهم إلى المهالك من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون.
وإليكم: واقعتين ومأساتين حصلتا بسبب صحبة الأشرار –الواقعة الأولى: ورد أن عقبة بن أبي معيط كان يجلس مع النبي ﷺ بمكة ولا يؤذيه وكان بقية قريش إذا جلسوا معه يؤذونه ﵊. وكان لابن أبي معيط خليل كافر غائب في الشام. فظنت قريش أن ابن أبي معيط قد أسلم فلما قدم خليله من الشام وبلغه ذلك غضب عليه غضبًا شديدًا وأبى أن يكلمه حتى يؤذي النبي ﷺ فنفذ ما طلب منه خليله الكافر وآذى النبي ﷺ فكانت عاقبته أن قتل يوم بدر كافرًا. وأنزل الله فيه قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً َقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان: ٢٩] . وهي عامة في كل من صاحب الظلمة فأضلوه عن سبيل الله فإنه سيندم يوم القيامة على مصاحبتهم وعلى الإعراض عن طريق الهدى الذي جاء به الرسول ﷺ .
الواقعة الثانية: روى البخاري ومسلم عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل. فقال له يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله فقالا له أترغب عن ملة عبد المطلب فأعادا عليه النبي ﷺ فأعاد فكان آخر ما
стр. 713
قال: هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال النبي ﷺ لاستغفرن لك ما لم أنه عنك فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣] . وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] . ففي هذه الواقعة التحذير الشديد من مصاحبة الأشرار وجلساء السوء –وفي يوم القيامة يقول القرين لقرينه من هذا الصنف: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨] . ألا فانتبهوا يا عباد الله لأنفسكم وجالسوا أهل البر والتقوى وخالطوا أهل الصلاح والاستقامة. وابتعدوا وأبعدوا أولادكم عن مخالطة الأشرار ومصاحبة الفجار –خصوصًا في هذا الزمن الذي قل فيه الصالحون وتلاطمت فيه أمواج الفتن. فإن الخطر عظيم. والمتمسك بدينه غريب بين الناس وقد وقع ما أخبر به النبي ﷺ بقوله: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء قيل ومن الغرباء يا رسول الله قال الذين يصلحون إذا فسد الناس» - وفي رواية يصلحون ما أفسد الناس- وفي رواية هم النزاع من القبائل. فتنبهوا لذلك وفقكم الله.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ * يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف: ٦٦ - ٧٣] .
стр. 714
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٨٧- خطبة
في التحذير من التشبه بالكفار
الحمد لله الذي أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينا وجعلنا خير أمة أخرجت للناس إن تمسكنا بشرعه وسرنا على نهجه وابتعدنا عما يخالفه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في عبادته كما أنه ليس له شريك في ملكه.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله حذر من التشبه بالكفار لما فيه من الضرر في الدين والدنيا فصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه وتمسك بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها المسلمون اتقوا الله واعلموا أن الواجب على المسلم أن يعتز بإسلامه ويشرف بدينه لأن دينه الإسلام الذي يعلو ولا يعلى عليه وقد أظهره الله على الدين كله. تعاليمه رشد وآدابه كمال ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] . فلا بد أن يعرف المسلم نبيه حق المعرفة وما جاء به ويصدقه فيما أخبر به ويطيعه فيما أمر فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة إلا على أيدي الرسل ولا سبيل إلى معرفة الطيب من الخبيث على التفصيل إلا من جهتهم ولا ينال رضا الله إلا على أيديهم فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق كله في هديهم وما جاءوا به. فهم الميزان الذي توزن به الأعمال والأقوال والأخلاق، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى١٣] .
فما بال أقوام ينتسبون إلى هذا الدين ثم يخالفونه في أخلاقهم وعاداتهم
стр. 715
فيتشبهون بالكفار في شتى المجالات عن عمدٍ وإصرار. وقد روى أبو داود الحاكم في المستدرك عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم» . وفي الترمذي عنه ﷺ : «ليس منا من تشبه بقوم غيرنا» . إن التشبه بالكفار في الظاهر يدل على مودتهم في القلب وذلك ينافي الإيمان قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة٢٢] إن التشبه بالكفار تنكر للإسلام واستبدال لتعاليمه بغيرها وكفى بذلك ذمًا وإثمًا.
أيها المسلمون: إن مما يندى له الجبين ويحزن له القلب ما تفشى في مجتمعنا من أنواع التشبه بالكفار بين الرجال والنساء والشباب.
فمن أنواع التشبه بالكفار الفاشية بين الرجال حلق اللحى وتوفير الشوارب فرارًا من سنة رسول الله ﷺ الثابتة عنه فلقد كان من هديه الكامل وأخلاقه إعفاء اللحية وجز الشارب أو قصه. قال جابر ابن سمرة ﵁ كان النبي ﷺ كثير شعر اللحية لأنه ﷺ كان يعفي لحيته. وكذلك الأنبياء الكرام قبله فقد ذكر الله تعالى عن هارون أنه قال لموسى: ﴿يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤] . وقد أمر النبي ﷺ بتوفير اللحية واحفاء الشوارب.
ففي الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «وفروا اللحى وأحفوا الشوارب» . فتمسكوا أيها المسلمون بهدي نبيكم ﷺ فهو خير لكم في الدنيا والآخرة.
يا من تحلقون لحاكم وتوفرون شواربكم اعلموا أنكم قد عصيتم نبيكم ﷺ فبادروا بالتوبة فالرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل –إنكم ربما تنظرون إلى أناس يحلقون لحاهم فتريدون مجاراتهم- وهذا استسلام للهوى وضعف في الإيمان لأن الذي يجب الاقتداء به وهو رسول الله ﷺ وهذه سنته
стр. 716
في اللحية واضحة وضوح الشمس فلا عذر لمن تركها. ربما يظن بعض الناس أن قضية توفير اللحية أو حلقها من الأمور العادية التي يتبع فيها عادة الناس وهذا ظن باطل –لأن النبي ﷺ أمر بتوفير اللحي- وأمره واجب الامتثال وأن خالفه عادات الناس. وإن التمسك بالسنة مع كثرة المخالفين لها دليل على صدق الإيمان وقوة العزيمة. وشهامة الرجولة. ومن استبانت له سنة الرسول ﷺ لم يكن له أن يدعها لأجل الناس.
ومن أنواع التشبه بالكفار ما ابتلى به كثير من شباب المسلمين من إبقاء الشعور وإطالة الأظافر وغيرها تقليدًا لسفلة العالم المسمين الهيبيين والخنافس؛ وجماعة من الشباب ابتلوا بالميوعة وتقليد النساء في النعومة ولبس خواتيم الذهب المحرمة والتحلي بالسلاسل وغيرها.
فيا شباب المسلمين لا يجرفنكم سيل المدنية الحديثة الخبيثة. ولا يصرفنكم الشيطان عن صفات الرجولة والشجاعة لا تشبّهوا بالنساء في تصفيف الشعر. وتنسيق الثياب. إنه لا يبالغ في الزينة والعناية بجسمه وثوبه ومركوبه وفراشه إلا مترف لين. لأن الرجل خشن بطبعه وكل ما تلين خفت رجولته ونقصت ذكورته وعجز عن الكفاح والقيام بما خلق له في معترك الحياة. فرجل العمل لا يشغل وقته بما أصيب به كثير من شباب اليوم الذين لا يخرجون إلى أعمالهم –إن كانت لهم أعمال- إلا بعد أن يمضي ساعة تحت المرآة يخلي وجهه من اللحية ويسرح شاربه وشعر رأسه فيا لله أين الرجولة والشهامة. وأين الدين والاستقامة، ومن لنا بشباب الصحابة الذين هم عُبّادٌ في الليلِ أسودٌ في النهار.
أيها الشباب خلقتم لتخلفوا آباءكم في الذود عن الدين والجهاد في سبيل الله والحفاظ على المحارم وحماية الذمار والدفاع عن الديار –فكونوا خير
стр. 717
خلف لخير سلف. وتسلموا مسئوليتكم بقوة. فلستم كشباب الكفار الضائع الذي لا دين له يدافع عنه ولا عرض له يصونه، ولا كرامة يحافظ عليها.
ومن أنواع التشبه بالكفار ما ابتُلي به كثير من نساء المسلمين من التشبه بالكافرات في لباسهن وسمتهن فيلبسن ثيابًا لا تسترهن إما لقصرها بحيث تظهر السيقان والأذرع والأعضاء والنحور والصدور. أو ثيابًا ضيقة تصف حجم الجسم وتقاطيعه وتظهر مفاتنه. يضاف إلى ذلك التساهل في كشف الوجوه أو سترها بساتر خفيف لا يخفي لونها ولا يستر جلدها. وكذلك ما يفعلن برءوسهن من جمع شعورهن وربطها من فوق متدلية إلى القفا.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «صنفان من أهل النار لم أرهما بعد قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء مائلات مميلات رؤسهن كأسنة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» .
أيها المسلمون: قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ [النساء: ٣٤] . فقوموا على نساءكم من زوجات وبنات وأخوات وسائر الموليات امنعوهن مما حرم الله وألزموهن بما أمر الله ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] .
أيها المسلمون: تجنبوا مشابهة الكفار واقتدوا بنبيكم فهو القدوة الحسنة ولا تتساهلوا في هذا الأمر –ادرسوا سيرة نبيكم ﷺ وقلدوه فيها فإنها طريق السعادة الرقي والفلاح.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب: ٢١] .
стр. 718
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٨٨- خطبة
في خطر السفر إلى بلاد الكفر
الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام. وأمرنا التمسك به حتى نصل إلى دار السلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. حذرنا عن كل ما يضر بديننا أو يمسس كرامته من الأقوال والأفعال. ليكون لنا هذا الدين عزًا في الدنيا وسعادة في الآخرة. فصل الله وسلم على هذا النبي الكريم الذي لم يترك خيرًا إلا دل الأمة عليه. ولا شرًا إلا حذرها منه رحمة بها ونصحًا لها. فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير ما يجزى به نبيًا عن أمته ودينه.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله واحتفظوا بدينكم. أيها المسلمون: إنكم تعلمون اليوم ما تموج به البلاد الخارجية الكافرة من كفر وإلحاد وانحطاط في الأخلاق والسلوك. فالإلحاد فيها ظاهر. والفساد فيها منتشر. فالخمور والزنا والإباحية وسائر المحرمات مبذولة بلا رادع ولا وازع. وإذا كان الحال كذلك وأكثر منه فالسفر إلى هذه البلاد فيه من الخطورة على الدين ما فيه. وأعز شيء لدي المسلم دينه فكيف يعرضه لهذا الخطر الشديد -إن الإنسان لو كان معه مال وسمع أنه سيعترضه خطر يهدده بضياع هذا المال لرأيته يعمل أعظم الاحتياطات لحفظه. فكيف يعظم في عينه المال ويهون عليه الدين.
قال بعض السلف: إذا عرض بلاء فقدم مالك دون نفسك. فإن تجاوز البلاء فقدم نفسك دون دينك … نعم يجب تقديم النفس دون الدين. ولذلك
стр. 719
شرع الجهاد الذي فيه القتل حفاظًا على الدين. لأن الإنسان إذا فقد الدين فقد فقد كل شيء. وإذا أُعطي الدين فقد أُعطي السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة.
أيها المسلمون: إن السفر إلى بلاد الكفار خصوصًا في هذا الزمان الذي عظمت فيه الفتنة وتنوعت -إن السفر إلى تلك البلاد لا يجوز إلا في حالات محدودة تصل إلى حد الضرورة مع التحفظ والحذر والابتعاد عن مواطن الفساد. وتكون إقامة المسلم هناك بقدر الضرورة مع اعتزازه بدينه وإظهاره. ومحافظته على الصلوات في أوقاتها … واعتزاله عن مجمعات الفساد. وجلساء السوء. فاعتزاز المسلم بدينه يزيده عزًا ورفعة حتى في أعين الكفار. إن المسلم يحمل دينًا عظيمًا يشتمل على كل معاني الخير وحميد الخصال. صحة في الاعتقاد. ونزاهة في العرض. واستقامة في السلوك. وصدقًا في المعاملة. وترفعًا عن الدنايا. وكمالاً في الأخلاق. إن المسلم يحمل الدين الكامل الذي اختاره الله لأهل الأرض كلهم إلى أن تقوم الساعة - إن المسلم هو المثال الصحيح للكمال الإنساني … وإن ما عدا الإسلام فهو انحطاط وهبوط ورجوع بالإنسانية إلى مهاوي الرذيلة ومواطن الهلاك. فيجب على المسلم إذا اضطر إلى السفر إلى تلك البلاد الكافرة أن يحمل هذا الدين بقوة وأن يظهره بشجاعة أمام أعدائه والذين يجهلون حقيقته بالمظهر اللائق حتى يكون قدوة صالحة لغيره. إن كثيرًا ممن يذهبون إلى تلك البلاد يشوهون الإسلام بأفعالهم وتصرفاتهم. يشوهونه عند من لا يعرف حقيقته. ويصدون عنه من يتطلع إليه. ويريد الدخول فيه. فحينما يرى تصرفات هؤلاء ينفر عن الإسلام ظنًا منه أنهم يمثلونه.
أيها المسلمون: إن بلاد الكفار فيها من مظاهر الحضارة الزائفة ودواعي الفتنة ما يخدع ضعاف الإيمان فتعظم تلك البلاد وأهلها في صدورهم وتهون في أنظارهم بلاد الإسلام. ويحتقرون المسلمين. لأنهم ينظرون إلى المظاهر ولا
стр. 720
ينظرون إلى الحقائق -فبلاد الكفر وإن كانت تُكسى بالمظاهر البراقة الخادعة إلا أن أهلها يفقدون أعز شيء وهو الدين الصحيح الذي به تطمئن قلوبهم وتزكوا به نفوسهم وتصان بع أعراضهم وتحقن به دماؤهم وتحفظ به أموالهم- إنهم يفتقدون كل تلك المقومات فماذا تفيدهم تلك المظاهر الخادعة. عقائدهم باطلة. وأعراضهم ضائعة. وأسرهم متفككة. فماذا يفيد جمال البنيان مع فساد الإنسان.
أيها المسلمون: إن أعداءكم يخططون الخطط لسلب أموالكم وإفساد دينكم والقضاء عليكم. قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩] . وقال تعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥] . وقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ﴾ [البقرة: ٢١٧] . وقال تعالى: ﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء﴾ [النساء: ٨٩] . إنكم إذا سافرتم إليهم في بلادهم تمكنوا من إغوائكم وإغرائكم بشتى الوسائل حتى يسلبوكم دينكم أو يضعفوه في نفوسكم … إنهم بثوا دعوة لشباب المسلمين في الصحف أعلنوا لهم فيها عن تسهيل رحلات سياحية إلى بلادهم ووعدوهم أني يبذلوا لهم كثيرًا من المغريات … وغرضهم من ذلك إفساد هؤلاء الشباب وإغراقهم في بحار الشهوات البهيمية حتى يرجعوا إلى بلاد المسلمين معاول هدم وتخريب فيتمكن هؤلاء الكفار من القضاء على المسلمين بأيدي أولادهم.
أيها المسلمون: إنه لمن المحزن أن أصبح السفر إلى بلاد الكفار موضع
стр. 721
افتخار بعض المخدوعين من المسلمين فيفتخر أحدهم بأنه ابتعث أو سيبتعث إلى أمريكا أو أن له ولدًا يدرس في أمريكا أو في لندن أو فرنسا. إنه يفتخر بذلك دون تفكير في العواقب أو تقدير للنتائج. ودون تحسب لتلك الأخطار التي تهدد دينه … وبعض المسلمين يسافرون بعوائلهم للمصيف هناك أو للسياحة. دون اعتبار لحكم الشرع في ذلك السفر هل يجوز أولا … ثم إذا ذهبوا هناك ذابت شخصيتهم مع الكفار فلبسوا لباسهم واقتدوا بأخلاقهم حتى نساؤهم يخلعن لباس الستر ويلبسن لباس الكافرات..وإذا كان هذا تحول الظاهر فما بالك بتحول الباطن. إن المسلم مطلوب منه أن يتقي الله في أي مكان. وأن يتمسك بدينه ولا يخاف في الله لومة لائم. لماذا يعطي الدنية في دينه. إنه دين العزة والكرامة والشرف في الدنيا والآخرة. ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨] . وإن أخلاق الكفار وتقاليدهم ذلة ومهانة ونقص. فكيف يستبدل المسلم الذي هو أدنى بالذي هو خير. كيف يتنازل من عليائه إلى الحضيض … ومن العجيب أن الكفار إذا جاءوا إلى بلاد المسلمين لا يغيرون أزياءهم ولا يتحولون عما هم عليه. ونحن على العكس إذا ذهبنا إليهم فالكثير منا يتحول إلى عاداتهم في لباسهم وغيره … والبعض يتعلل بأنه لو لم يفعل ذلك لخشي على نفسه أو ماله أن يتعدى عليه. وهذا اعتذار غير مقبول. لأننا نرى الذين يبقون بلباسهم ويعتزون بدينهم يرجعون وهم موفورو الكرامة لا ينالهم أي أذى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق: ٢] . ولئن قبلت هذه المعذرة من بعض الأفراد الذين لا يحسب لهم حساب. فلن تقبل ممن هم على مستوى المسئولية ومن يكونون محل اهتمام الدول التي يقدمون عليها ومع هذا يغيرون لباسهم من غير مبرر … إنه التقليد الأعمى وعدم المبالاة فلا حول ولا قوة إلا بالله
стр. 722
العلي العظيم.
أيها المسلمون: إن خطر السفر إلى بلاد الكفار عظيم وضرره جسيم وإن من سافر إلى تلك البلاد من غير ضرورة. بل بدافع الهوى وميل النفس الأمارة بالسوء. واقتداء بمن لا يصلحون للقدوة فهذا حري أن يعاقب وأن يصاب في دينه. وبعض الناس يرسل أولاده الصغار أو بعضهم أو يسمح بابتعاثهم إلى بلاد الكفار ليتعلموا اللغة أو غيرها هناك دون تفكير في العواقب ولا تقدير للنتائج ودون خوف من الله الذي حمله مسئولية هؤلاء الأولاد. وإذا كان الأولاد الصغار على خطر وهم في بلادنا وبين المسلمين فكيف إذا أرسلوا إلى بلاد كافرة منحلة وعاشوا في أوكار الفساد. ومواطن الإلحاد. إن الشاب من أولادنا المبتعثين يغمس في وسط عائلة كافرة ليعيش معهم طيلة بقائه هناك. فماذا تتصورون من شاب غريب في وسطٍ كافرٍ منحل ماذا سيبقى معه من الدين والخلق. فاتقوا الله في أولادكم لا تهلكوهم بحجة أنهم سيتعلمون. إن التعلم ميسور هنا. فاللغة يمكن تعلمها هنا بدون مخاطرة. وبقية التخصصات لا يبتعث لها إلا من كبار السن ومن الذين رسخت عقيدتهم وقويت عقليتهم. مع الرقابة الشديدة عليهم. فالدين رأس المال. وماذا بعد ذهاب الدين. واتقوا الله أيها المسلمون وأشكروه على ما أعطاكم من النعم العظيمة التي أجلها نعمة الإسلام فلا تعرضوا هذا النعمة للزوال. حافظوا على دينكم الذي هو عصمة أمركم ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨] .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣] .
стр. 723
حكم ومواعظ توجب شكر رب العالمين
مختار من كلام أحد العلماء رحمه الله تعالى
باب
في حكمة خلق الماء
قال الله ﵎: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠] . وقال سبحانه: ﴿فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل٦٠] .
انظر وفقك الله إلى ما مَنَّ به على عباده بوجود الماء العذب الذي به حياة كل ما على وجه الأرض من حيوان ونبات، فلو اضطر الإنسان إلى شربِه منه ومنع لهان عليه أن يبذل فيها جميع ما يمكنه من خزائن الدنيا. والعجب ما غفله العباد عن هذه النعمة العظيمة، وانظر مع شدة الحاجة إليها كيف وسع سبحانه على العباد فيها؟ ولو جعلها بقدر لضاق الأمر فيها. وعظم الحرج على كل من سكن الدنيا.
ثم انظر لطافة الماء ورقته حتى ينزل من الأرض ويخلخل أجزاءها فتتغذى عروق الشجر، ويصعد بلطافته بواسطة حرارة الشمس إلى أعالي الشجر والنبات، وهو من طبعه الهبوط. ولما كانت الضرورة تدعو إلى شربه لإماعة الأغذية في أجواف الحيوان ليتصرف الغذاء إلى موضعه جعل لشاربه في شربه لذة عند حاجته إليه وقبوله له، ويجد شاربه فيه نعيمًا وراحة وجعله مزيلاً للأدران عن الأبدان، والأوساخ عن الثياب وغيرها، وبالماء يبل التراب فيصلح للبناء والأعمال، وبه يرطب كل يابس مما لا يمكن استعماله يابسًا، وبه ترق الأشربة فيسوغ شربها، وبه تطفأ عاذبة النار إذا وقعت فيها، فلا تلتهب فيه،
стр. 724
وأشرف الناس منها على ما يكرهون، وبه تزول الغصة إذا أشرف صاحبها على الموت، وبه يغتسل التعب الكل فيجد الراحة لوقته، وبه تستقيم المطوبخات وجميع الأشياء التي لا تستعمل ولا تصلح إلا رطبة، إلى غير ذلك من مآرب العباد التي لا غنى لهم عنها.
فانظر إلى عموم هذه النعمة وسهولة تناولها مع الغفلة عن قدرها مع شدة الحاجة إليها، فلو ضاقت لكدرت الحياة في الدنيا، فعلم بهذا أن الله ﵎ أراد بإنزاله وتيسيره عمارة الدنيا بما فيها من حيوان ونبات ومعدن إلى غير ذلك من المنافع التي يقصر عنها الوصف لمن يروم حصرها، فسبحان المتفضل العظيم.
باب
الحكمة في خلق الهواء
قال الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢] .
اعلم رحمك الله أن الهواء في خلقه تتخلله الرياح، ولولا ذلك لهلك جميع حيوان البر، وباستنشاقه تعتدل الحرارة في أجسام جميع الحيوانات لأنه لها مثل الماء لحيوان البحر، فلو انقطع عن الحيوان استنشاقه انصرفت الحرارة التي فيها إلى قلبها، فكان هلاكها بسبب ذلك.
ثم انظر إلى الحكمة في سوق السحاب به، فيقطع المطر بانتقال السحاب في موضع يحتاج إلى المطر فيها للزراعة، فلولا لطف الباري بخلق الرياح لثقلت السحاب وبقيت راكدة في أماكنها، وامتنع انتفاع الأرض بها.
стр. 725
ثم انظر كيف تسير السفن بها وتنتقل بحدوثها وهبوبها فتحمل فيها من أقاليم إلى أقاليم مما لا يخلق تلك الأشياء فيها فينتفع أهلها، فلولا تنقلها بالهواء لم تكن تلك الأشياء إلا بمواضعها التي خلقت فيها خاصة، ولعسر نقلها بالدواب إلى غيرها من الأقاليم، وللعباد ضرورات تدعو إلى ما ينقل إليهم مما ليس يخلق عندهم، ومنافع يكثر تعدادها من طلب أرباح لمن يحلها ويعلم فوائدها. ثم انظر إلى ما في الهواء من الطاقة والحركة التي تتخلل أجزاء العالم فينفي بحركته عفن الأرض، فلولاه لعفنت المساكن وهلك الحيوان بالوباء والعلل.
ثم انظر إلى ما يحصل منه من النفع في نقل السوافي والرمال إلى البساتين وتقوية أشجارها بما ينتقل إليها من التراب بسبب حركة الهواء وتستر وجوه جبال بالسافي، فيمكن الزراعة فيها وما فصل إلى السواحل مما ينتفع الناس بسببه، وكل ذلك بحركة البحر بالهواء، فيقذف البحر العنبر وغيره مما ينتفع به العباد في أمورهم.
ثم انظر كيف يتفرق المطر بسبب حركة الهواء فيقع على الأرض قطرات، فلولا حركة الهواء لكان الماء عند نزوله ينزل انصبابة واحدة فيهلك ما يقع عليه، ثم يجتمع بلل القطرات فيجتمع أنهارًا وبحارًا على وجه الأرض من غير تضرر ويحصل بذلك مقصودهم على أحسن وجه.
فانظر إلى أثر رحمة الله، فسبحان اللطيف بخلقه المدبر لملكه.
ثم انظر عموم هذه الرحمة وعظيم نفعها، وشمول هذه النعمة وجليل قدرها كما نبه العقول عليها بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ
стр. 726
وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١١] .
ثم من تمام النعمة وعظيم الحكمة أن جعل سبحانه الصحو يتخلل نزول الغيث، فصارا يتعاقبان لما فيه صلاح هذا العالم، فلو دام واحد منهما عليه لكان فسادًا.
ألا ترى إلى الأمطار إذا توالت وكثرت عفنت البقول والخضروات، وهدمت المساكن والبيوت، وقطعت السبل، ومنعت من الأسفار وكثير من الحرف والصناعات، ولو دام الصحو لجفت الأبدان والنبات، وعفن الماء الذي في العيون والأودية، فأضر ذلك بالعباد، وغلب اليبس على الهواء فأحدث ضررًا آخر من الأمراض، وغلت بسببه الأسعار من الأقوات، وبطل المرعى، وتعذر على النحل ما يجده من الرطوبة التي يرعاها على الأزهار، وإذا تعاقبا على العالم اعتدل الهواء، ودفع كل واحد منهما ضرر الآخر، فصلحت الأشياء واستقامت، وهذا هو الغالب من مشيئة الله.
فإن قيل: قد يقع من أحدهما ضرر في بعض الأوقات.
قلنا: قد يكون ذلك لتنبيه الإنسان بتضاد الأشياء على نعمة الله تعالى وفضله ورحمته أنه هو الغالب، فيحصل لهم بتلك انزجار عن الظلم والعصيان، ألا ترى من سقم جسمه احتاج إلى ما يلائمه من الأدوية البشعة الكريهة ليصلح جسمه ويصح ما فسد منه، قال الله: ﴿وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى٢٧] .
شعرًا:
رَفَعْتَ عَرْشَكَ فِي الدُّنْيَا وَتُهْتَ بِهِ … وَمَا بِهَا لِلَبِيْب تُرْفَعُ العُرُشُ
وَبِتَّ فِيها عَلَى فُرْشٍ مُلَيَّنَةٍ … وَلَو عَقَلْتَ لِمَا لانَتْ لَكَ الفُرشُ
стр. 727
وَظِلْتَ تَسْعَى لآمَالٍ وَتَفْرشُهَا … وَلِلْمَوَارِيْثِ مَا تَسْعَى وتَفْتَرِشُ
كَمْ كَانَ قَبْلَكَ مِنْ مَأْسُوْرِ رَغْبَتِهِ … باِلحِرْصِ تُلْدََغُ جَنْبَاهُ وَتَنْتَهَشُ
يُمْسِي وَيُصْبَحُ في حِلٍ وَفِي ظَعْنِ … يَضُمُّ هَذَا إلى هَذَا وَيَحْتَوِشُ
عَطْشَانَ لِلْمَالِ مُحْمَاةٌ جَوَانِحُهُ … أَلْقَى على صَدْرِهِ لِسَانَهُ العَطَشُ
حَتَّى إِذَا قِيْلَ قَدْ تَمَّتْ مَطَالِبُهُ … وَطَافَ مِنْ حَوْلِهِ أَهْلُوهُ واحْتَوشُوا
مَدَّتْ إِلَيْهِ يَدٌ لِلْمَوتِ بَاطِشَةٌ … خَشْنَاءُ لا دَهَشَ فِيْهَا وَلا رَعَشُ
فَقَصَّعَتهُ وَقِدْمًا كَانَ ذَا جيَدٍ … وَأَجْهَشتْهُ وَلَمَّا يَدْرِ مَا الجَهَشُ
فَبَاتَ مُسْتِلَبًا وَبَاتَ وَارِثُهُ … وَقَدْ تَغَطَوْا بِِذَاكَ المَالِ وَافْتَرَشُوا
أَمَا سَمِعَتْ بَأَمْلاكٍ مَضَوا قِدَمًا … شُمُّو الأُنْوفِ بِرَوْضِ المُلْكِ قَدْ عَرَشُوا
إِنْ دُوفِعُوا دَفَعُوا أو زُوحِمُوا زَحَمُوا … أَوْ غُوْلِبُوا غَلبُوْا أَوْ بُوْطِشُوا بَطشُوا
جَاءَتْهُمُوا وَجُنُودُ اللهِ غالبِةٌ … كَتَائِبٌ للمَنَايَا كُلُّهَا حَبَشُ
فَضَعْضَعَتْ جَنَبَاتِ عِزِّهمِ وَرَمَتْ … مَنَارَهُم بِظَلامِ مَا بِهِ غَبَشُ
لِطَالَمَا أَكْلُوا وَطَالَ مَا شَرَبُوا … وَطَالَ مَا رَفَعُوا الآجامَ وَاعْتَرَشُوا
مَرُوا وَلا أَثَر مِنْهُم بِدَارِهمُوا … وَلا حَسِيْسٌ ولا رِكْزٌ وَلا وَقَشُ
قَدْ كَانَ لِلْقَوْمِ آمَالٌ مَبَسِّطةٌ … فَأَصْبَحُوا قَبضُوا الآمَالِ وَانْكَشُموا
стр. 728
باب
في حكمة خلق النار
قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] .
اعلم وفقنا الله وإياك، أن الله خلق النار، وهي من أعظم النعم على عباده، ولما علم الله أن كثرتها وبثها في العالم مفسدة جعلها الله بحكمته محصورة، حتى إذا احتيج إليها وجدت واستعملت في كل أمر يحتاج إليها فيه، فهي مخزونة في الأجسام، ومنافعها كثيرة لا تحصى: فمنها ما تصلحه من الطبائخ والأشربة التي لولاها لم يحصل فيها نضج ولا تركيب ولا اختلاط، ولا صحة هضم لمن يستعملها في أكل وشرب.
فانظر لطف الباري سبحانه في هذا الأمر المهم، ثم انظر فيما يحتاج الناس إليه من الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص والقصدير وغير ذلك فلولاها لم يكن شيء من الانتفاع من هذه الأشياء، فيها يذاب النحاس، فتعمل منه الأواني وغيرها، وقد نبه الله تعالى على مثل ذلك بأنها نعمة توجب الشكر، فقال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً﴾ [سبأ: ١٣] .
وبه يلين الحديد فيعملون به أنواعًا من المنافع والآلات للحروب، مثل الدروع، والسيوف إلى غير ذلك مما يطول تعداده، وقد نبه الله تعالى على مثل هذا فقال: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥]
وقال تعالى: ﴿لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠] .
стр. 729
ومنه يعمل آلات للحرث والحصاد وآلات تتأثر بها النار، وآلات يطرق بها، وآلات لقطع الجبال الصم، وآلات لنجارة الأخشاب مما يكثر تعدادها، فلولا لطف الله سبحانه بخلق النار لم يحصل من ذلك شيء من المنافع، ولولاها لما كان يتهيأ للخلق من الذهب والفضة نقود ولا زينة ولا منفعة، وكانت هذه الجواهر معدودة من جملة الأتربة.
ثم انظر إلى ما جعل الله تعالى في النار من الفرح والتروح عندما تغشى الناس، ظلمة الليل، كيف يستضيئون بها، ويهتدون بنورها في جميع أحوالهم من أكل وشرب، وتمهيد مراقد، ورؤية ما يؤذيهم، ومؤانسة مرضاهم، وقصدها، والعمل عليها برًا وبحرًان فيجدون بوجودها أنسًا، حتى كأن الشمس لم تغب عن أفقهم، ويدفعون بها ضرر الثلوج والرياح الباردة، ويستعينون بها في الحروب ومقاومة حصون لا تملك إلا بها.
فانظر ما أعظم قدر هذه النعمة التي جعل سبحانه حكمها بأيديهم إن شاءوا خزنوها، وإن شاءوا أبرزوها.
باب
في حكمة خلق الإنسان
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] . إلى آخر ما وصفه سبحانه.
اعلم وفقك الله تعالى، أن الله لما سبق في علمه خلق الخلق وجعلهم في هذا الدار، وتكليفهم فيها للبلوى والاختيار، خلقهم سبحانه متناسلين بعضهم من بعض، فخلق سبحانه الذكر والأنثى، وألقى في قلوبهم
стр. 730
المحبة والدواعي حتى عجزوا عن الصبر وعدم الحيلة في اجتناب الشهوة، فساقتهم الشهوة المفطورة في خلقهم إلى الاجتماع، وجعل الفكرة تحرك عضوًا مخصوصًا به إلى إيداع الماء في القرار المكين الذي يخلق في الجنين، فاجتمعت فيه النطفة من سائر البدن، وخرجت ماء دافقًا مندفعًا من بين الصلب والترائب بحركة مخصوصة، فانتقلت بسبب الإيلاج من باطن إلى باطن، فكانت مع انتقالها باقية على أصلها، لأنها ماء مهين، أدنى شيء يباشرها يفسدها ويغير مزاجها، فهي ماء يختلط جميعه، مستوية أجزاؤه، لا تفاوت فيها بحال، فخلق سبحانه منه الذكر والأنثى بعد نقلها من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى العظام.
ثم كساها اللحم، وشدها بالأعصاب والأوتار ونسجها بالعروق، وخلق الأعضاء وركبها، فدور سبحانه الرأس، وشق فيها السمع والبصر والأنف والفم وسائر المنافذ.
جعل العين للبصر:
ومن العجائب سر كونها مبصرة للأشياء، وهو أمر يعجز عن شرح سره وركبها من سبع طبقات، لكل طبقة صفة وهيئة مخصوصة بها، فلو فقدت طبقة منها أو زالت لتعطلت عن الإبصار.
وانظر إلى هيئة الأشفار التي تحيط بها، وما خلق فيها من سرعة الحركة لتقي العين مما يصل إليها بما يؤذيها من غبار وغيره، فكانت الأشفار بمنزلة باب يفتح وقت الحاجة ويغلق في غير وقتها، ولما كان المقصود من الأشفار جمال العين والوجه جعل شعرها على قدر لا يزيد زيادة تضر بالعين ولا تنقص نقصًا يضر بها، وخلق في مائها ملوحة لتطهير ما يقع فيها، وجعل
стр. 731
طرفيهما منخفضين عن وسطهما قليلاً لينصرف ما يقع في العين لأحد الجانبين، وجعل الحاجبين جمالاً للوجه، وسترًا للعينين وشعرهما يشبه الأهداب في الزيادة المشوهة، وجعل شعر الرأس واللحية قابلاً للزيادة والنقص، فيفعل فيهما ما يقصد به الجمال من غير تشويه.
ثم انظر إلى الفم واللسان وما في ذلك من الحكم، فجعل الشفتين سترًا للفم، كأنهما باب يغلق وقت ارتفاع الحاجة إلى فتحه، وهو ستر على اللثة والأسنان مفيد للجمال، فلولاهما لتشوهت الخلق، وهما معينان على الكلام، واللسان للنطق والتعبير عما في ضمير الإنسان، وتقليب الطعام، وإلقائه تحت الأضراس حتى يستحكم مضغه، ويسهل ابتلاعه.
ثم جعل الأسنان أعدادًا متفرقة، ولم تكن عظمًا واحدًا، فإن أصاب بعضها ثلم انتفع بالباقي، وجمع فيها بين النفع والجمال، وجعل ما كان معكوسًا زائد العب حتى تطول مدته مع الصف الذي تحته، وجعلها صلبة ليست كعظام البدن لدعاء الحاجة إليها على الدوام، وفي الأضراس كبر بلا تسريف لأجل الحاجة إلى درس الغذاء، فإن المضغ هو الهضم الأول، وجعلت الثنايا والأنياب لتقطيع الطعام وجمالاً للفم، فأحكم أصولها، وحدد دروسها، وبيض لونها مع حمرة ما حولها، متساوية الرءوس متناسبة التركيب، كأنها الدر المنظوم.
ثم انظر كيف خلق في الفم نداوة محبوسة لا تظهر إلا في وقت الحاجة إليها، فلو ظهرت وسالت قبل ذلك لكان تشويهًا للإنسان، فجعلت ليبل بها ما يمضغ من الطعام حتى يسهل تسويفه من غير عنت ولا ألم، فإذا فقد الأكل عدمت تلك النداوة الزائدة التي خلقت للترطيب، وبقي منها ما يبل اللهوات والحلق لتصوير الكلام ولئلا يجف، فإن جفافه مهلك للإنسان.
стр. 732
ثم انظر إلى رحمة الله ولطفه، إذ جعل للآكل لذة الأكل، فجعل الذوق في اللسان وغيره من أجزاء الفم، ليعرف بالذوق ما يوافقه ويلائمه من الملذوذ، فيجد في ذلك راحة في الطعام والشراب إذا دعت حاجة إلى تناوله، وليجتنب الشيء الذي لا يوافقه، ويعرف بذلك حد ما تصل الأشياء إليه في الحرارة والبرودة.
ثم إن الله تعالى شق السمع، وأودعه رطوبة مرة يحفظ بها السمع من ضرر الدود، ويقتل أكثر الهوام التي تلج الأذن، وحفظ الأذن بصدفة لتجمع الصوت فترده إلى صماخها، وجعل فيها زيادة حس لتحس بما يصل إليها مما يؤذيها من هوام وغيرها، وجعل تعويجات ليطرد فيها الصوت، ولتكثر حركة ما يدب فيها ويطول طريقه، فيتأثر ويتنبه صاحبها من النوم.
ثم انظر إلى إدراكه للشمومات بواسطة ولوج الهواء، وذلك سر لا يعلم حقيقته إلا الباري سبحانه، إلى غير ذلك.
ثم انظر كيف رفع الأنف في وسط الوجه، فأحسن شكله، وفتح منخريه، وجعل فيهما حاسة الشم ليستدل باستنشاقه على روائح مطاعمه ومشاربه، وليتنعم بالروائح العطرة، ويجتنب الخبائث القذرة، وليستنشق أيضًا روح الحياة غذاء لقلبه وترويحًا لحرارة باطنه.
ثم خلق الحنجرة وهيأها لخروج الأصوات، ودور اللسان في الحركات والتقطيعات، فيقطع الصوت في مجار مختلفة تختلف بها الحروف ليسع طرق النطق، وجعل الحنجرة مختلفة الأشكال في الضيق والسعة والخشونة والملاسة وصلابة الجوهر ورخاوته والطول والقصر، حتى اختلفت بسبب ذلك الأصوات، فلم يتشابه صوتان، كما خلق بين كل صورتين اختلافًا فلم تشتبه صورتان، بل
стр. 733
يظهر بين كل صورتين فرقان، حتى يميز السامع بعض الناس عن بعض بمجرد الصوت، وكذلك يظهر بين كل شخصين فرقان، وذلك لسر التعارف.
فإن الله تعالى لما خلق آدم وحواء خالف بين صورتيهما، فخلق منهما خلقًا جعله مخالفًا لخلق أبيه وأمه، ثم توالى الخلق كذلك لسر التعارف.
ثم انظر لخلق اليدين تهديان إلى جلب المقاصد ودفع المضار، وكيف عرض الكف وقسم الأصابع الخمس، وقسم الأصابع بأنامل، وجعل الأربعة في جانب والإبهام في جانب، فيدور الإبهام على الجميع، فلو اجتمع الأولون والآخرون على أن يستطيعوا بتدقيق الفكر خلقها على وجه آخر بوضع الأصابع على غير ما وضعت عليه من بُعد الإبهام عن الأربعة، وتفاوت الأربعة في الطول وترتيبها في صف واحد لم يقدروا على ذلك، وبهذا الوضع صلح بها القبض والإعطاء فإن بسطها كانت طبقًا يضع عليه ما يريد، وإن جمعها كانت آلة يضرب بها. وإن ضمها ضمًا غير تام كانت مغرفة له، وإن بسطها وضم أصابعه كانت مجرفة.
ثم خلق الأظفار على رءوسها زينة للأنامل وعمادًا لها من ورائها حتى لا تضعف، ويلتقط بها الأشياء الدقيقة التي لا تتناولها الأنامل لولاها، وليحك بها جسمه عند الحاجة إلى ذلك.
فانظر أقل الأشياء في جسمه لو عدمها وظهرت به حكة لكان أضعف الخلق وأعجزهم عن دفع ما يؤلمه، وجلب ما ينتفع به في ذلك ولم يقم له غير الظفر مقامه في حك جسده، لأنه مخلوق لذلك ولغيره، فهو لا صلب كصلابة العظام، ولا رخو كرخاوة الجلد، يطول ويحلق ويقص ويقصر لمثل ذلك.
ثم جعله يهتدي به إلى الحك في حالة نومه ويقظته ويقصد المواضع إلى جهتها من جسده، ولو احتاج إلى غيره واستعان به في حكها لم يعثر الغير
стр. 734
على مواضع الحاجة إلا بعد طوْل وتعب.
ثم انظر كيف مد منه الفخذين والساقين وبسط القدمين ليتمكن بذلك من السعي، وزين القدمين بالأصابع، وجعلها زينة وقوة على السعي، وزين الأصابع أيضًا بالأظفار وقواها بها.
ثم انظر كيف خلق هذا كله من نطفة مهينة، ثم خلق منها عظام جسده فجعلها أجسامًا قوية صلبة لتكون قوامًا للبدن وعمادًا له، وقدرها ﵎ بمقادير مختلفة وأشكال متناسبة، فمنها صغير، وطويل، ومستدير، ومجوف ومصمت، وعريض ودقيق.
ثم أودع في أنابيب هذه العظام المخ الرقيق مصانًا لمصلحتها وتقويتها ولما كان الإنسان محتاجًا إلى جملة جسمه، وبعض أعضائها لتردده في حاجاته لم يجعل الله سبحانه عظامه عظامًا واحدًا، بل عظامًا كثيرة، وبينها مفاصل حتى تتيسر بها الحركة فقدر شكل كل واحد منها على قدر وفق الحركة المطلوبة بها، ثم وصل مفاصلها وربط بعضها ببعض بأوتاد أثبتها بأحد طرفي العظم وألصق الطرف الآخر كالرباط.
ثم خلق في أحد طرفي العظم زوائد خارجة منها، ومن الآخر نقرًا غائصه فيها توافق لأشكال الزوائد لتدخل فيها وتنطبق، فصار الإنسان إذا أراد أن يحرك شيئًا من جسده دون غيره لم يمتنع عليه، فلولا حكمة خلق المفاصل لتعذر عليه ذلك.
ثم انظر كيف جعل الرأس مركبًا من خمسة وخمسين عظمًا مختلفة الأشكال والصور، وألف بعضها إلى بعض بحيث استوت كرة الرأس كما ترى، فمنها ستة تختص بالقحف، وأربعة وعشرون للحي العلى، وأثنان للحي
стр. 735
الأسفل، والبقية من الأسنان بعضها عريض يصلح للطحن، وبعضها حاد يصلح للقطع، ثم جعل الرقبة مركز الرأس، فركبها من سبع خرزات مجوفات مستديرات وزيادات ونقصان، لينطبق بعضها على بعض ويطول ذكر الحكمة فيها.
ثم ركب الرقبة على الظهر من أسفل الرقبة إلى منتهى عظم العجز من أربعة وعشرين خرزة، وعظم العجز ثلاثة أخرى مختلفة، ووصل به من أسفله عظم العصعص، وهو مؤلف من ثلاثة أخرى.
ثم وصل عظام الظهر بعظام الصدر، وعظام الكتف، وعظام اليدين، وعظام العانة، وعظام العجز، وعظام الفخذين، والساقين، وأصابع الرجلين، فجملة عدد العظام من بدن الإنسان مائتا عظم وثمانية وأربعون عظمًا، سوى العظام الصغيرة التي حشى بها خلل المفاصل.
فانظر كيف خلق الباري ذلك كله من نطفة رقيقة سخيفة، والمقصود من ذكر أعدادها تعظيم مدبرها وخالقها، وكيف خلقها وخالف بين أشكالها وخصها بهذا القدر المخصوص، بحيث لو ازدا فيها واحد كان وبالاً واحتاج الإنسان إلى قلعه ولو نقص منها واحد لاحتاج الإنسان إلى جبره، جعل في هذا الخلق عبرة لأولي الأبصار وآيات بينات على عظمته وجلاله بتقديرها وتصويرها.
ثم انظر كيف خلق سبحانه آلات لتحريك العظام وهي العضلات، فخلق في بدن الإنسان خمسمائة وتسع وعشرين عضلة، والعضلة مركبة من لحم وعصب ورباط وأغشية، وهي مختلفة المقادير والأشكال بحسب اختلاف مواضعها وحاجاتها. فأربعة وعشرون منها لحركة العين وأجفانها، بحيث لو نقصت منها واحدة اختل أمر العين، وهكذا لكل عضو عضلات بعدد يخصه
стр. 736
وقدر يوافقه.
وأما أمر الأعصاب والعروق والأوردة والشرايين ومنابتها وسعتها، فأعجب من هذا وشرحه يطول.
ثم عجائب ما فيه من المعاني والصفات التي لا تدرك بالحواس أعظم.
ثم انظر إلى ما شرف به وخص في خلقه بأنه خلق ينتصب قائمًا، ويستوي جالسًا، ويستقبل الأمور بيديه وجوارحه، ويمكنه العلاج والعمل، ولم يخلق مكبوبًا على وجهه كعدة من الحيوانات، إذ لو كان كذلك لما استطاع هذه الأعمال.
ثم انظر من حيث الجملة إلى ظاهر هذا الإنسان وباطنه. فتجده مصنوعًا صنعة بحكمة تقضي منها العجب، وقد جعل سبحانه أعضاءه تامة بالغذاء، والغذاء متوال عليها. لكنه ﵎ قدرها بمقادير لا يتعداها، بل يقف عندها ولا يزيد عليها، فإنها لو تزايدت بتوالي الغذاء عليها لعظمت أبدان بني آدم، وثقلت عن الحركة، وعطلت عن الصناعات اللطيفة ولا تناولت من الغذاء ما يناسبها، ومن اللباس كذلك، ومن المساكن مثل ذلك، وكان من بليغ الحكمة وحسن التدبير وقوفها على هذا الحد المقدر رحمة من الله ورفقًا بخلقه، فإذا وجدت هذا كله صنعة الله تعالى من قطرة ماء، فما ظنك بصنعته في ملكوت السموات والأرض وشمسها وقمرها وكواكبها، وما حكمته في أقدارها وأشكالها وأعدادها وأوضاعها، واجتمع بعضها وافتراق بعضها، واختلاف صورها وتفاوت مشارقها ومغاربها، فلا تظن أن ذرة في السموات والأرض وسائر عالم الله ينفك عن حكم، بل ذلك مشتمل على عجائب وحكم لا يحيط بجمعها إلا الله ، ألم تسمع قوله : ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً
стр. 737
أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا﴾ [النازعات٢٧] ، إلى آخر ما نبه به.
وتأمل لو اجتمع الإنس والجن على أن يخلقوا للنطفة سمعًا وبصرًا وحياة لم يقدروا على ذلك.
فانظر كيف خلقها سبحانه في الأرحام، وشكلها فأحسن تشكيلها، وقدرها فأحسن تقديرها، وصورها فأحسن تصويرها، وقسم أجزاءها المتشابهة إلى أجزاء مختلفة، فأحكم العظام في أرجائها، وحسن أشكال أعضائها، ورتب عروقها وأعصابها، ودبر ظاهرها وباطنها، وجعل فيها مجرى لغذائها، ليكون ذلك سببًا لبقائها مدة حياتها.
ثم كيف رتب الأعضاء الباطنة -من القلب، والكبد، والمعدة، والطحال، والرئة، والرحم، والمثانة، والأمعاء- كل عضو بشكل مخصوص ومقدار مخصوص لعمل مخصوص، فجعل في المعدة لنضج الغذاء عصبًا معينًا شديدًا لحاجتها، وبذلك يمكن تقطيعه وطحنه، وجعل طحن الأضراس أولاً معينًا للمعدة على جودة طحنه وهضمه، وجعل الكبد لإحالة الغذاء إلى الدم فيجذب منه إلى عضو من الغذاء ما يناسبه، فغذاء العظم خلاف غذاء اللحم، وغذاء العروق خلاف غذاء الأعصاب، وغذاء الشعر خلاف غذاء غيره، وجعل الطحال والمرارة والكلية لخدمة الكبد، فالطحال لجذب السوداء، والمرارة لجذب الصفراء، والكلية المائية عنه، والمثانة لقبول الماء عن الكلية، ثم يخرجه في مجرى الإحليل والعروق والكبد في اتصال الدم منه إلى سائر أطراف البدن، وجعل جوهرها أنقى من جوهر اللحم ليصونه ويحصره، فهي بمنزلة الظروف والأوعية.
ثم انظر كيف دبره في الرحم ولطف به ألطافًا يطول شرحها، ولا يستكمل العلم بجملتها إلا خالقها، ويعجز الواصف عن وصف ما وصل إليه
стр. 738
نظره من ذلك، فمن ذلك جعله فيها لا يحتاج إلى استدعاء، ولا يحتاج المولود إلى ما بين ذلك لا بوعظ ولا تنبيه، بل ذلك في الطباع إلى وقت حاجة المولود إلى الإغاثة في غذائه، ولولا ذلك لنفرت الأمهات عنه من شدة التعب وكلفة التربية حتى اشتد جسمه وقويت أعضاؤه الظاهرة والباطنة لهضم الغذاء، فحينئذ أنبت له الأسنان عند الحاجة إليها لا قبل ذلك ولا بعده.
ثم انظر كيف خلق الله فيه التمييز والعقل على التدريج إلى حين كماله وبلوغه، وانظر وفكر في سر كونه يولد جاهلاً غير ذي عقل وفهم، فإنه لو كان ولد عاقلاً فيهما لأنكر الوجود عند خروجه إليه حتى يبقى حيران تائه العقل، إذ رأى ما لا يعرف، وورد عليه ما لم يره ولم يعهد مثله، ثم كان يجد غضاضة أن يرى نفسه محمولاً وموضوعًا معصبًا بالخرق، ومسجى في المهد مع كونه لا يستغنى عن هذا كله لرقة بدنه ورطوبته حين يولد.
ثم كان لا يوجد له من الرقة له، والحلاوة والمحبة في القلوب ما يوجد للصغير لكثرة اعتراضه بعقله واختياره لنفسه، فتبين أن ازدياد العقل والفهم فيه على التدريج أصلح به.
أفلا يرى كيف أقام كل شيء من الخلقة على غاية الحكمة وطريق الصواب وأعلمه تقلب الخطأ في دقيقة وجليلة؟
ثم انظر فيما إذا اشتد خلق فيه طريقًا وسببًا للتناسل، وخلق في وجهه شعرًا ليميزه عن شبه الصبيان والنسوان، ويجمله ويستر به غضون وجهه عند شيخوخته، وإن كانت أنثى أبقى وجهها نقيًا من الشعر لتبقى لها بهجة ونضارة تحرك الرجال لما في ذلك من بقاء النسل.
فكر الآن فيما ذكرناه ودبره سبحانه في هذه الأحوال المختلفة، هل
стр. 739
ترى مثل هذا يمكن أن يكون مهملاً؟
أرأيت لو لم يجر له الدم غذاء وهو في الرحم، ألم يكن يذوي ويهلك ويجف كما يجف النبات إذا انقطع عنه الماء.
ولو لم يزعجه المخاض عند استكماله، ألم يكن يهلك ببقائه في الرحم هو وأمه؟ ولو لم يوافه اللبن عند ولادته، ألم يكن يموت جوعًا وعطشًا أو يغذى بما لا يوافق ولا يصلح عليه بدنه؟
ولو لم يخلق له الأسنان في وقتها، ألم يكن يمتنع عليه مضغ الطعام وازدراده ويقيم على الرضاع ولا يشتد جسمه؟
ولو لم يخرج له شعر الوجه لبقي في هيئة النساء والصبيان، فلا ترى له هيبة ولا جلالاً ولا وقارًا، ومن ذا الذي يرصده حتى يوفيه بكل هذه المآرب في وقتها، إلا الذي أنشأه بعد أن لم يكن شيئًا مذكورًا وتفضل عليه ومن عليه بكل هذه النعم.
فكر في شهوة الجماع الداعية لإحيائه، والآلة الموصلة إلى الرحم النطفة، والحركة الموجبة لاستخراج النطفة، وما في ذلك من التدبير المحكم.
ثم فكر في جملة أعضاء البدن وتهيئة كل عضو منها للإرب الذي أريد منها، فالعينان للاهتداء بالنظر، واليدان للعلاج والحذف والدفع، والرجلان للسعي، والمعدة لهضم الطعام، والكبد للتخليص والتمييز، والفم للكلام ودخول الغذاء، والمنافذ لدفع الفضلات، وإذا تأملت كذلك مع سائر ما في الإنسان وجدته قد وضع على غاية الحكمة والصواب.
فكر في وصول الغذاء إلى المعدة حتى ينضجه ويبعث صفوه إلى الكبد في عروق دقاق قد جعلت كالمصفاة للغذاء، ولكيلا يصل إلى الكبد منه شيء
стр. 740
غليظ خشن فينكؤها، فإنها خلقت دقيقة لا تحمل الغث فتقلبه بإذن الله دمًا، وتنفذ إلى سائر البدن في مجار مهيأة لذلك، فيصل إلى كل شيء من ذلك ما يناسبه من يابس ورخو وغير ذلك -فتبارك الله رب العالمين- ثم ينفذ ما يكون من خبث وفضول إلى أعضاء أعدت لذلك -كما ذكرنا قبل هذا- فكونها كالأوعية تحمل هذه الفضلات، لكيلا تنتشر في البدن فتسقمه.
ثم انظر هل تجد في خلق البدن شيئًا لا معنى له؟ هل خلق البصر إلا ليدرك الأشياء والألوان؟ فلو كانت الألوان ولم يكن بصر يدركها، هل كان في الألوان منفعة؟ ولو لم يكن لخلق الأبصار نور خارج عن نورها ما كان ينتفع بالبصر؟ وهل خلق السمع إلا ليدرك الأصوات، فلو كانت الأصوات، ولم يكن سمع يدركها لم يكن في الأصوات منفعة، وكذلك سائر الحواس والله اعلم وصلى الله على محمد.
следующие страницы →