← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 120

مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار

عبد العزيز السلمان

Полный текст (1 102 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وقدر يوافقه. وأما أمر الأعصاب والعروق والأوردة والشرايين ومنابتها وسعتها، فأعجب من هذا وشرحه يطول. ثم عجائب ما فيه من المعاني والصفات التي لا تدرك بالحواس أعظم. ثم انظر إلى ما شرف به وخص في خلقه بأنه خلق ينتصب قائمًا، ويستوي جالسًا، ويستقبل الأمور بيديه وجوارحه، ويمكنه العلاج والعمل، ولم يخلق مكبوبًا على وجهه كعدة من الحيوانات، إذ لو كان كذلك لما استطاع هذه الأعمال. ثم انظر من حيث الجملة إلى ظاهر هذا الإنسان وباطنه. فتجده مصنوعًا صنعة بحكمة تقضي منها العجب، وقد جعل سبحانه أعضاءه تامة بالغذاء، والغذاء متوال عليها. لكنه ﵎ قدرها بمقادير لا يتعداها، بل يقف عندها ولا يزيد عليها، فإنها لو تزايدت بتوالي الغذاء عليها لعظمت أبدان بني آدم، وثقلت عن الحركة، وعطلت عن الصناعات اللطيفة ولا تناولت من الغذاء ما يناسبها، ومن اللباس كذلك، ومن المساكن مثل ذلك، وكان من بليغ الحكمة وحسن التدبير وقوفها على هذا الحد المقدر رحمة من الله ورفقًا بخلقه، فإذا وجدت هذا كله صنعة الله تعالى من قطرة ماء، فما ظنك بصنعته في ملكوت السموات والأرض وشمسها وقمرها وكواكبها، وما حكمته في أقدارها وأشكالها وأعدادها وأوضاعها، واجتمع بعضها وافتراق بعضها، واختلاف صورها وتفاوت مشارقها ومغاربها، فلا تظن أن ذرة في السموات والأرض وسائر عالم الله ينفك عن حكم، بل ذلك مشتمل على عجائب وحكم لا يحيط بجمعها إلا الله ، ألم تسمع قوله : ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً

стр. 737

أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا﴾ [النازعات٢٧] ، إلى آخر ما نبه به. وتأمل لو اجتمع الإنس والجن على أن يخلقوا للنطفة سمعًا وبصرًا وحياة لم يقدروا على ذلك. فانظر كيف خلقها سبحانه في الأرحام، وشكلها فأحسن تشكيلها، وقدرها فأحسن تقديرها، وصورها فأحسن تصويرها، وقسم أجزاءها المتشابهة إلى أجزاء مختلفة، فأحكم العظام في أرجائها، وحسن أشكال أعضائها، ورتب عروقها وأعصابها، ودبر ظاهرها وباطنها، وجعل فيها مجرى لغذائها، ليكون ذلك سببًا لبقائها مدة حياتها. ثم كيف رتب الأعضاء الباطنة -من القلب، والكبد، والمعدة، والطحال، والرئة، والرحم، والمثانة، والأمعاء- كل عضو بشكل مخصوص ومقدار مخصوص لعمل مخصوص، فجعل في المعدة لنضج الغذاء عصبًا معينًا شديدًا لحاجتها، وبذلك يمكن تقطيعه وطحنه، وجعل طحن الأضراس أولاً معينًا للمعدة على جودة طحنه وهضمه، وجعل الكبد لإحالة الغذاء إلى الدم فيجذب منه إلى عضو من الغذاء ما يناسبه، فغذاء العظم خلاف غذاء اللحم، وغذاء العروق خلاف غذاء الأعصاب، وغذاء الشعر خلاف غذاء غيره، وجعل الطحال والمرارة والكلية لخدمة الكبد، فالطحال لجذب السوداء، والمرارة لجذب الصفراء، والكلية المائية عنه، والمثانة لقبول الماء عن الكلية، ثم يخرجه في مجرى الإحليل والعروق والكبد في اتصال الدم منه إلى سائر أطراف البدن، وجعل جوهرها أنقى من جوهر اللحم ليصونه ويحصره، فهي بمنزلة الظروف والأوعية. ثم انظر كيف دبره في الرحم ولطف به ألطافًا يطول شرحها، ولا يستكمل العلم بجملتها إلا خالقها، ويعجز الواصف عن وصف ما وصل إليه

стр. 738

نظره من ذلك، فمن ذلك جعله فيها لا يحتاج إلى استدعاء، ولا يحتاج المولود إلى ما بين ذلك لا بوعظ ولا تنبيه، بل ذلك في الطباع إلى وقت حاجة المولود إلى الإغاثة في غذائه، ولولا ذلك لنفرت الأمهات عنه من شدة التعب وكلفة التربية حتى اشتد جسمه وقويت أعضاؤه الظاهرة والباطنة لهضم الغذاء، فحينئذ أنبت له الأسنان عند الحاجة إليها لا قبل ذلك ولا بعده. ثم انظر كيف خلق الله فيه التمييز والعقل على التدريج إلى حين كماله وبلوغه، وانظر وفكر في سر كونه يولد جاهلاً غير ذي عقل وفهم، فإنه لو كان ولد عاقلاً فيهما لأنكر الوجود عند خروجه إليه حتى يبقى حيران تائه العقل، إذ رأى ما لا يعرف، وورد عليه ما لم يره ولم يعهد مثله، ثم كان يجد غضاضة أن يرى نفسه محمولاً وموضوعًا معصبًا بالخرق، ومسجى في المهد مع كونه لا يستغنى عن هذا كله لرقة بدنه ورطوبته حين يولد. ثم كان لا يوجد له من الرقة له، والحلاوة والمحبة في القلوب ما يوجد للصغير لكثرة اعتراضه بعقله واختياره لنفسه، فتبين أن ازدياد العقل والفهم فيه على التدريج أصلح به. أفلا يرى كيف أقام كل شيء من الخلقة على غاية الحكمة وطريق الصواب وأعلمه تقلب الخطأ في دقيقة وجليلة؟ ثم انظر فيما إذا اشتد خلق فيه طريقًا وسببًا للتناسل، وخلق في وجهه شعرًا ليميزه عن شبه الصبيان والنسوان، ويجمله ويستر به غضون وجهه عند شيخوخته، وإن كانت أنثى أبقى وجهها نقيًا من الشعر لتبقى لها بهجة ونضارة تحرك الرجال لما في ذلك من بقاء النسل. فكر الآن فيما ذكرناه ودبره سبحانه في هذه الأحوال المختلفة، هل

стр. 739

ترى مثل هذا يمكن أن يكون مهملاً؟ أرأيت لو لم يجر له الدم غذاء وهو في الرحم، ألم يكن يذوي ويهلك ويجف كما يجف النبات إذا انقطع عنه الماء. ولو لم يزعجه المخاض عند استكماله، ألم يكن يهلك ببقائه في الرحم هو وأمه؟ ولو لم يوافه اللبن عند ولادته، ألم يكن يموت جوعًا وعطشًا أو يغذى بما لا يوافق ولا يصلح عليه بدنه؟ ولو لم يخلق له الأسنان في وقتها، ألم يكن يمتنع عليه مضغ الطعام وازدراده ويقيم على الرضاع ولا يشتد جسمه؟ ولو لم يخرج له شعر الوجه لبقي في هيئة النساء والصبيان، فلا ترى له هيبة ولا جلالاً ولا وقارًا، ومن ذا الذي يرصده حتى يوفيه بكل هذه المآرب في وقتها، إلا الذي أنشأه بعد أن لم يكن شيئًا مذكورًا وتفضل عليه ومن عليه بكل هذه النعم. فكر في شهوة الجماع الداعية لإحيائه، والآلة الموصلة إلى الرحم النطفة، والحركة الموجبة لاستخراج النطفة، وما في ذلك من التدبير المحكم. ثم فكر في جملة أعضاء البدن وتهيئة كل عضو منها للإرب الذي أريد منها، فالعينان للاهتداء بالنظر، واليدان للعلاج والحذف والدفع، والرجلان للسعي، والمعدة لهضم الطعام، والكبد للتخليص والتمييز، والفم للكلام ودخول الغذاء، والمنافذ لدفع الفضلات، وإذا تأملت كذلك مع سائر ما في الإنسان وجدته قد وضع على غاية الحكمة والصواب. فكر في وصول الغذاء إلى المعدة حتى ينضجه ويبعث صفوه إلى الكبد في عروق دقاق قد جعلت كالمصفاة للغذاء، ولكيلا يصل إلى الكبد منه شيء

стр. 740

غليظ خشن فينكؤها، فإنها خلقت دقيقة لا تحمل الغث فتقلبه بإذن الله دمًا، وتنفذ إلى سائر البدن في مجار مهيأة لذلك، فيصل إلى كل شيء من ذلك ما يناسبه من يابس ورخو وغير ذلك -فتبارك الله رب العالمين- ثم ينفذ ما يكون من خبث وفضول إلى أعضاء أعدت لذلك -كما ذكرنا قبل هذا- فكونها كالأوعية تحمل هذه الفضلات، لكيلا تنتشر في البدن فتسقمه. ثم انظر هل تجد في خلق البدن شيئًا لا معنى له؟ هل خلق البصر إلا ليدرك الأشياء والألوان؟ فلو كانت الألوان ولم يكن بصر يدركها، هل كان في الألوان منفعة؟ ولو لم يكن لخلق الأبصار نور خارج عن نورها ما كان ينتفع بالبصر؟ وهل خلق السمع إلا ليدرك الأصوات، فلو كانت الأصوات، ولم يكن سمع يدركها لم يكن في الأصوات منفعة، وكذلك سائر الحواس والله اعلم وصلى الله على محمد.

стр. 741

(قواعد وضوابط وأصول) اخترناها من طريق الوصول إلى العلم المأمول ١) الشكر مبني على خمس قواعد: خضوع الشاكر للمشكور له وحبه له واعترافه بنعمته والثناء عليه بها، وأن لا يستعملها فيما يكره. ٢) الحياء خلق ناشئ عن حياة القلب ورؤية الآلاء الغزيرة ورؤية التقصير في حقوق ربه، ويثمر اجتناب المحرمات والقيام بالواجبات، ولهذا قال ﷺ : «الحياء لا يأتي إلا بخير» . ٣) قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣] ، فالذي جاء بالصدق هو من شأنه الصدق في قوله وعمله وحاله وأعلى مراتب الصدق مرتبة الصديقية وهي كمال الانقياد للرسول ﷺ مع كمال الإخلاص للمرسل. ٤) البخل (وهو منع الحقوق الواجبة) ثمرة الشح، والإيثار ثمرة الجود والجود عشر مراتب: الجود بالنفس، والجود بالراحة، والجود بالعلم، والجود بالمال، والجود بالجاه، والجود بنفع البدن، والجود بالعرض، والجود بالعفو عن جنايات الخلق، والجود بالخلق والبشر والبسطة، والجود بتركه ما في أيدي الناس وهذا غير الجود بالمال، ولكل واحدة من هذه ثمرات جليلة طيبة. ٥) الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين، وحسن الخلق يقوم على أربعة أركان: الصبر والعفة والشجاعة والعدل، فالصبر يحمله على الاحتمال، وكظم الغيظ والحلم والاناة والرفق وعدم

стр. 742

الطيش والعجلة والعفة تحمله على اجتناب الرذائل والقبائح من القول والفعل. والشجاعة تحمله على عزة النفس وإيثار معالي الأخلاق والشيم وعلى البذل والندى الذي هو شجاعة النفس وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته وتحمله على كظم الغيظ والحلم، فإنه بقوة نفسه وشجاعتها، أمسك عنائها عن النزع والبطش، وحقيقة الشجاعة ملكة يقتدر بها على قهر خصمه، والعدل يحمله على اعتدال أخلاقه وتوسطه بين طرفي الإفراط والتفريط، فمنشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة. ومنشأ جميع الأخلاق السافلة وبناؤها على أربعة أركان: الجهل والظلم والشهوة والغضب. ٦) في النفس ثلاثة دواع متجاذبة: داع يدعوها إلى الاتصاف بأخلاق الشياطين من الكبر والحسد والعلو والبغي والشر والأذى والفساد والغش، وداع يدعوها إلى أخلاق الحيوان وهي داعي الشهوة، وداع يدعوها إلى أخلاق الملك من الإحسان والنصح والبر والعلم والطاعة، فحقيقة المروءة بغض الداعيين الأولين وإجابة الداعي الثالث، وقلة المروءة أو عدمها هو الاسترسال مع ذينك الداعيين والتوجه لدعوتهما. ٧) الأدب اجتماع خصال الخير في العبد وهو ثلاثة أنواع: أدب مع الله بأن يصون قلبه أن يلتفت إلى غيره أو تتعلق إرادته بما يمقته عليه ويصون معاملته أن يشوبها بنقيضه. وأدب مع الرسول بكمال الانقياد وتلقي خبره بالقبول والتصديق وأن لا يعارضه بغيره بوجه من الوجوه، وأدب مع الخلق بمعاملتهم على اختلاف مراتبهم بما يليق بهم ويناسب حالتهم. ٨) الغنى نوعان: غنى بالله وغنى عن غير الله، وحقيقة الغنى غنى القلب وهو تعلقه بالله وحده، وحقيقة فقره المذموم تعلقه بغيره.

стр. 743

٩) والحكمة نوعان: علمية وعملية، فالعلمية الإطلاع على بواطن الأشياء ومعرفة ارتباط الأسباب بمسبباتها خلقًا وأمرًا، قدرًا وشرعًا، والعملية وضع الشيء في موضعه. ١٠) وروح العبادة هو الإجلال والمحبة، فإذا خلى أحدهما عن الآخر فسدت العبودية، فإذا أقترن بهذين الثناء على المحبوب المعظم فذلك حقيقة الحمد. ١١) وأصل السكينة هو الطمأنينة والوقار والسكون الذي ينزله الله في قلب عبده عند اضطرابه من شدة المخاوف. فلا ينزعج بعد ذلك لما يرد عليه، ويوجب له زيادة الإيمان وقوة اليقين والثبات، والطمأنينة سكون القلب إلى الشيء وعدم اضطرابه وقلقه فالطمأنينة أثر السكينة. ١٢) المحبة لله هي روح العبودية والأسباب الجالبة لها عشرة: ١- قراءة القرآن بالتدبر. ٢- التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض. ٣- دوام ذكره على كل حال. ٤- إيثاره على محاب النفس عند غلبات الهوى. ٥- مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومعرفتها. ٦- مشاهدة بره ونعمه الظاهرة والباطنة. ٧- انكسار القلب بين يديه. ٨- الخلوة به وقت النزول الإلهي. ٩- مجالسة المحبين الصادقين.

стр. 744

١٠- مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله ومراتبها عشر: ١- العلاقة. … ... ٢- الإرادة. … ... ٣- الصبابة. ٤- الغرام. … ... ٥- الوداد. … ... ٦- الشغف. ٧- العشق. … ... ٨- التتيم. … ... ٩- التعبد. ١٠- الخلة، ولها آثار وثمرات جليلة جميلة كثيرة: كالشوق والإنس واليقين والرغبة في الطاعة وكراهة المعصية ونحوها. ١٣) كل من التوحيد والذكر والصلاة وسائر القرب نوعان: خاصي، وهو ما بذل فيه العامل نصحه وقصده، بحيث يوقعها على أحسن الوجوه وأكملها، والعامية ما لم يكن كذلك، فالمسلمون كلهم مشتركون في إتيانهم بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتفاوتهم في معرفتهم بمضمون هذه الشهادة وقيامهم بحقها ظاهرًا وباطنًا أمر لا يحصيه إلا الله. ١٤) قاعدة شريفة نافعة: اعلم أن كل حي سوى الله فهو فقير إلى جلب ما ينفعه في دينه ودنياه وإلى دفع ما يضره فيهما، فلابد من أمرين أحدهما هو المطلوب المقصود المحبوب الذي ينتفع به ويتلذذ به، والثاني هو المعين الموصل المحصل لذلك المقصود والمانع لحصول المكروه والدافع له بعد وقوعه، فها هنا أربعة أمور: أمر محبوب مطلوب الوجود، وأمر مكروه مطلوب العدم ووسيلة إلى حصول المطلوب، ووسيلة إلى دفع المكروه. فالله هو المطلوب المعبود المحبوب وحده لا شريك له وهو المعين للعبد على حصول مطلوبه، فلا معبود سواه ولا معين على المطلوب غيره وما سواه هو المكروه المطلوب بعده وهو المعين على دفعه، فهو سبحانه الجامع للأمور الأربعة دون ما سواه، وهذا معنى قول العبد: إياك نعبد وإياك نستعين، فإن العبادة تتضمن

стр. 745

المقصود المطلوب على أكمل الوجوه والمستعان هو الذي يستعان به على حصول المطلوب ودفع المكروه. ١٥) وهذا مبني على أصلين: أحدهما: إن نفس الإيمان بالله والتقرب إليه هو غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه، كما عليه أهل الإيمان، لا كما يقوله المتكلفون إنه تكليف ومشقة على خلاف مقصود القلب ولذته، بل لمجرد الامتحان والابتلاء، بل أوامر المحبوب قرة العيون وسرور القلوب. الأصل الثاني: كمال النعيم في الدار الآخرة أيضًا برؤيته وسماع كلامه وقربه ورضوانه، فلذتهم ونعيمهم في حظهم من الخالق أعظم مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال، وهذان الأصلان ثابتان بالكتاب والسنة وعليهما أهل العلم والإيمان، ويتكلم عليهما العارفون وهما من فطرة الله التي فطر الناس عليها. ١٦) قاعدة كمال العبد وصلاحه يتخلف عنه من أحد جهتين: إما أن تكون طبيعته قاسية غير لينة ولا منقادة ولا قابلة لما به كمالها وفلاحها وإما أن تكون لينة منقادة سلسة الانقياد لكن غير ثابتة، بل سريعة الانتقال عنه كثيرة التقلب، فمتى رزق العبد انقيادًا للحق وثباتًا عليه فليبشر فقد بشر بكل خير وذلك فضل الله. ١٧) قاعدة: إذا ابتلى الله عبده بشيء من أنواع البلاء فإن رده إلى ربه وصار سببًا لصلاح دينه فهو علامة سعادته وإرادة الخير بهن ولا بد أن تقلع الشدة وقد عوض عنها أجل عوض، وإن لم يرده ذلك البلاء إليه بل شرد قلبه عنه ورده إلى الخلق وأنساه ذكر ربه فهو علامة الشقاء وإذا أقلع عنه البلاء رده إلى طبيعته

стр. 746

وسلطان شهوته، فبلية هذا وبال، وبلية الأول رحمة وتكميل والله الموفق. ١٨) قاعدة في الإنابة التي تكرر ذكرها في القرآن أمرًا ومدحًا وترغيبًا وآثارًا جميلة، وهي الرجوع إلى الله، وانصراف دواعي القلب وجواذبه إليه، وهي تتضمن المحبة والخشية، والناس في إنابتهم درجات متفاوتة، فمنهم المنيب إلى الله بالرجوع إليه من المخالفات والمعاصي والحامل عليها الخوف والعلم. ومنهم المنيب إلى الله في أنواع العبادات، فهو ساع بجهده ومصدرها الرجاء ومطالعة الوعد والثواب، وهؤلاء أبسط نفوسًا من الأولين وكل منهما منيب بالأمرين، ولكن يغلب الخوف على الأولين والرجاء على الآخرين، ومنهم المنيب إليه بالتضرع والدعاء وكثرة الافتقار وسؤال الحاجات كلها مع قيامهم بالأمر والنهي، ومنهم المنيب إلى الله عند الشدائد فقط إنابة اضطرار لا إنابة اختيار. وأعلى أنواع الإنابات إنابة الروح بجملتها إليه لشدة المحبة الخالصة المغنية لهما عما سوى محبوبهم، وحين أنابت إليه لم يتخلف منهم شيء عن الإنابة، فإن الأعضاء كلها رعيتها وأدت وظائفها كاملة، فساعة من إنابة هذا أعظم من إنابة سنين من غيره وذلك فضل الله. ١٩) تكليف ما لا يطاق على وجهين. الأول ما لا يطاق للعجز عنه، كتكليف الزمنى المشي، وتكليف الإنسان الطيران ونحو ذلك، فهذا غير واقع في الشريعة، والثاني ما لا يطاق للاشتغال بضده كاشتغال الكافر بالكفر، وهذا واقع ولا ينبغي أن يعبر عنه أنه لا يطاق. ٢٠) أهل السنة يقولون إن العبد له قدرة وإرادة وفعل وهو فاعلن حقيقة الله خالق ذلك كله كما هو خالق كل شيء، كما دل على هذين الأصلين نصوص الكتاب والسنة وهو الواقع.

стр. 747

٢١) وفعل العبد حادث ممكن فيدخل في عموم خلق الله للحوادث واتفق أهل السنة أن الله أخص المؤمنين بنعمة دون الكافرين بأن هداهم للإيمان، ولو كانت نعمته على المؤمنين مثل نعمته على الكافرين لم يكن المؤمن مؤمنًا كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧] . والله خالق الملائكة والأنبياء وخالق الشياطين والحيات والعقارب وغيرها من الفواسق، فهذا محمود معظم، وهذا فاسق يقتل في الحل والحرام، وهو سبحانه خالق في هذا طبيعة كريمة تقتضي الخير والإحسان، وفي هذا طبيعة خبيثة توجب الشر والعدوان. ٢٢) الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة تتعلق بالأمر وإرادة تتعلق بالخلق فالإرادة المتعلقة بالأمر أن يريد من العبد فعل ما أمره، وأما إرادة الخلق فأن يريد ما يفعله هو، فإرادة الأمر هي المتضمنة للمحبة والرضا وهي الإرادة الدينية، والإرادة المتعلقة بالخلق هي المشيئة وهي الإرادة الكونية القدرية، فالكفر والفسوق والعصيان ليس مرادًا للرب بالاعتبار الأول والطاعة موافقة لتلك الإرادة أو موافقة للأمر المستلزم لتلك الإرادة، فأما موافقة مجرد النوع الثاني فلا يكون به مطيعًا. ٢٣) وكما على العبد أن يؤمن بقدر الله وقضائه فعليه أن يوافق الله في حبه وبغضه، فقضاء الشرور من جهة خلقة الرب لها محبوبة مرضية لأن الله خلقها لما له في ذلك من الحكمة، والعبد فعلها وهي ضارة له موجبة له العذاب، فنحن ننكرها ونكرهها وننأى عنها، وإذا أرسل الله الكافرين على المسلمين، فعلينا أن نرضى بقضاء الله في إرسالهم، وعلينا أن نجتهد في دفعهم

стр. 748

وقتالهم، وأحد الأمرين لا ينافي الآخر. ٢٤) أهل السنة متفقون على أن الأنبياء معصومون في تبليغ الرسالة، ولا يجوز أن يستقر في شيء من الشريعة خطأ باتفاق المسلمين، وكل ما يبلغونه عن الله من الأمر والنهي فهم مطاعون فيه باتفاق المسلمين، وما أخبروا به وجب تصديقهم فيه بإجماع المسلمين، وما أمروهم به ونهوهم عنه فهم مطاعون فيه عند جميع فرق الأمة، والجمهور الذي يجوزون عليهم الصغائر ومن يجوز الكبائر يقولون إنهم لا يقرون عليها، بل يحصل لهم بالتوبة منها من المنزلة أعظم مما كان قبل ذلك. ٢٥) القياس نوعان: مذموم إما لفوات شرطه وهو عدم المساواة في مناط الحكم، وإما لوجود مانعه وهو النص الذي يجب تقديمه عليه. وصحيح محمود وهو الذي يستوي فيه الأصل والفرع في مناط الحكم، ولم يعارضه ما هو أرجح منه. ٢٦) الصديق قد يراد به الكامل في الصدق، وقد يراد به الكامل في التصديق، وكمال ذلك علم ما أخبر به النبي ﷺ جملة وتفصيلا وتصديق ذلك تصديقًا كاملاً في العلم والقصد والقول والعمل، وأكمل الناس في هذا الوصف أبو بكر الصديق ﵁. ٢٧) فمن تكلم في هذا الباب، أي مدح الصحابة أو القدح فيهم بجهل أو بخلاف ما يعلم كان مستوجبًا للوعيد، ولو تكلم بحق لقصد الهوى لا لوجه الله أو ليعارض به حقًا آخر لكان أيضًا مستوجبًا للذم والعقاب ومن علم ما دل عليه القرآن والسنة من الثناء على القوم ورضي الله عنهم واستحقاقهم الجنة، وإنهم خير هذه الأمة التي أُخرجت للناس لم يعارض هذا

стр. 749

المتيقن المعلوم بأمور مشتبهة، منها ما لا يعلم صحته، ومنها ما يتبين كذبه، ومنها ما لا يعلم كيف وقع، ومنها ما يعلم عذر القوم فيه، ومنها ما يعلم توبتهم منه، ومنها ما يعلم أن لهم من الحسنات ما يغمره، فمن سلك سبيل أهل السنة استقام قوله، وكان من أهل الحق والاستقامة والاعتدال وإلا حصل في جهل ونقض وتناقض كحال هؤلاء الرافضة الضلال. ٢٨) والرجل الصالح المشهود له بالجنة قد يكون له سيئات يتوب منها أو تمحوها حسناته أو تكفر عنه بالمصائب أو غير ذلك، فإن العبد إذا أذنب كان لدفع عقوبة النار عنه عشرة أسباب، ثلاثة منه وثلاثة من الناس وباقيها من الله: التوبة والاستغفار والحسنات الماحية ودعاء المؤمنين وإهداؤهم له العمل الصالح وشفاعة نبينا ﷺ ، والمصائب المكفرة في الدنيا وفي البرزخ وفي عرصات القيامة ومغفرة الله له بفضل رحمته. ٢٩) الفرقان والسلطان يكون بالحجة والعلم ويكون بالنصر والتأييد كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] . ٣٠) من أمره الشارع بعبادة وطاعة يفعلها فهو أفضل من هذا الوجه ممن لم يؤمر بها دينًا وإيمانًا وإن لم يكن الآخر عاصيًا ولا معاقبًا، وذلك أن أصل أهل السنة والجماعة أن الإيمان يتفاضل من وجهين: من جهة أمر الله ومن جهة فعل العبد الواقع منه. ٣١) فعلى كل مؤمن أن لا يتكلم في شيء من الدين إلا تبعًا لما جاء به الرسول، ولا يتقدم بين يديه بل ينظر ما قال فيكون قوله تبعًا لقوله وعمله تبعًا لأمره، فمن قول الله وقول رسوله يتعلم وبه يتكلم، وفيه ينظر ويتفكر

стр. 750

وبه يستدل فهذا أصل أهل السنة، وأهل البدع بخلاف ذلك، وكل من خالف ما جاء به الرسول لم يكن عنده علم بذلك ولا عدل بل لا يكون عنده إلا جهل وظلم وظن وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى فإن ما أخبر به الرسول حق ظاهرًا أو باطنًا فلا يناقضه إلا الباطل والضلال. الوحي وحيان: وحي رحماني وهو إلهام الخير والواردات الموافقة للحق ووحي شيطاني وهي الواردات والأذواق المنافية لما جاء به الرسول ﷺ . ٣٢) ومما ينبغي أن يعلم أن الأمة يقع فيها أمور بالتأويل في دمائها وأموالها وأعراضها، كالقتال واللعن والتكفير وجماهير العلماء يقولون: إن أهل العدل والبغاة إذا اقتتلوا بالتأويل لم يضمن هؤلاء ما أتلفوا لهؤلاء ولا هؤلاء ما أتلفوا لهؤلاء، كما قال الزهري: وقعت الفتنة وأصحاب محمد متوافرون فأجمعوا أن كل دم أو مال أصيب بتأويل القرآن، فإنه هدر أنزلوهم منزلة الجاهلية في الدماء والأموال، فكيف بالإعراض كاللعن والتكفير والتفسيق. ٣٣) ومما ينبغي أن يعلم أن أسباب الفتن تكون مشتركة فيرد على القلوب من الواردات ما يمنع القلوب عن معرفة الحق وقصده، ولهذا تكون بمنزلة الجاهلية، والجاهلية ليس فيها معرفة الحق وقصده والإسلام جاء بالعلم النافع والعمل الصالح بمعرفة الحق وقصده. ٣٤) ويترتب على هذا الأصل أن الرجل العظيم في العلم والدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة قد يحصل منه نوع من الاجتهاد مقرونًا بالظن ونوع من الهوى الخفي فيحصل بسبب ذلك ما لا ينبغي اتباعه فيه وإن كان من أولياء المتقين ويصير فتنة لطائفتين. طائفة تعظمه فتريد تصويب ذلك الفعل واتباعه عليه، وطائفة تذمه فتجعل ذلك قادحًا في ولايته وتقواه، بل في بره

стр. 751

وكونه من أهل الجنة، بل في إيمانه حتى تخرجه من الإيمان، وكل هذين الطرفين فاسد، ومن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظيم وأحبه ووالاه وأعطى الحق حقه، فيعظم الحق ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات، فيحمد ويذم ويثاب ويعاقب ويحب من وجه ويبغض من وجه هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافًا لأهل البدع. ٣٥) فالدين الذي شرعه الله ورسوله توحيد وعدل وإحسان وإخلاص وصلاح للعباد في المعاش والمعاد، وما لم يشرعه الله ورسوله من العبادات المبتدعة فيه شرك وإساءة وفساد العباد في المعاش والمعاد، فإن الله أمر بعبادته والإحسان إلى عباده كما قال: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [النساء: ٣٦] . ٣٦) فالصراط المستقيم هو ما بعث الله به رسوله محمدًا ﷺ بفعل ما أمر وترك ما حظر، وتصديقه فيما أخبر. لا طريق إلى الله إلا ذلك، وهذا سبيل أولياء الله المتقين. ٣٧) وبين الخالق والمخلوق من الفروق ما لا يخفى على ذي بصيرة منها أن الرب غني بنفسه عما سواه ويمتنع أن يكون مفتقرًا إلى غيره بوجه من الوجوه، والملوك وسادة العبيد محتاجون إلى غيرهم حاجة ضرورية، ومنها أن الرب وإن كان يحب الأعمال الصالحة ويرضى ويفرح بتوبة التائبين فهو الذي يخلق ذلك وييسره، فلم يحصل ما يحبه ويرضاه إلا بقدرته ومشيئته، والمخلوق قد يحصل له ما يحبه بفعل غيره. ومنها أن الرب أمر العباد بما يصلحهم ونهاهم عما يفسدهم، بخلاف المخلوق الذي يأمر غيره بما يحتاج إليه وينهاه عما ينهاه عنه بخلاً عليه، ومنها أنه سبحانه هو المنعم بإرسال الرسل وإنزال الكتب،

стр. 752

وهو المنعم بالقدرة والحواس، وغير ذلك مما يحصل به العلم والعمل الصالح، وهو الهادي لعباده فلا حول ولا قوة إلا به، ولهذا قال أهل الجنة ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] . وليس يقدر المخلوق على شيء من ذلك. ومنها أن نعمه على عباده أعظم من أن تحصى، فلو قدر أن العبادة جزاء النعمة لم تقم العبادة بشكر القليل منها، فكيف والعبادة من نعمته أيضًا. ومنها أن العباد لا يزالون مقصرين محتاجين إلى عفوه ومغفرته. فلن يدخل أحد الجنة بعمله، وما من أحد إلا وله ذنوب يحتاج فيها إلى مغفرة الله. ٣٨) وفي ذكر الله أكثر من مائة فائدة يرضي الرحمن ويطرد الشيطان ويزيل الهم ويجلب السرور ويقوي القلب والبدن وينور القلب والوجه ويجلب الرزق ويكسب المهابة والحلاوة ويورث محبة الله التي هي روح الإسلام ويورث المعرفة والإنابة والقرب وحياة القلب وذكر الله للعبد وهو قوت القلب وروحه ويجلو صدأه ويحط الخطايا ويرفع الدرجات ويحدث الأنس ويزيل الوحشة ويذكر بصاحبه وينجي من عذاب الله. ويوجب تنزل السكينة وغشيان الرحمة وحفوف الملائكة بالذاكر ويشغل عن الكلام الضار ويسعد الذاكر ويسعد به جليسه ويؤمن الحسرة يوم القيامة وهو مع البكاء سبب إظلال الله للذاكر وبه تحصل العطايا والثواب المتنوع من الله وهو أيسر العبادات وأفضلها وهو غراس الجنة ويؤمن العبد من نسيان ربه وانفراط أمور العبد ويسير بصاحبه في كل حال من أحواله وهو نور للعبد في دنياه وقبره ويوم حشره وبه تخرج أعمال العبد وأقواله ولها نور وهو رأس الولاية وطريقها ويزيل خلة القلب ويفرق غمومه وهمومه وينبه القلب من نومه ويثمر المعارف والأحوال الجليلة والذاكر قريب من مذكوره والله معه.

стр. 753

وأكرم الخلق على الله من لا يزال لسانه رطبًا من ذكر الله ويزيل قسوة القلب وما استجلبت نعم الله واستدفعت نقمه بمثل ذكره ويوجب صلاة الله وملائكته على الذاكر ومجالس الذكر مجالس الملائكة ورياض الجنة وجميع الأعمال إنما شرعت لإقامة ذكر الله. وأفضل كل عامل أكثرهم لله ذكرًا وإدامة الذكر تنوب مناب كثير من الطاعات البدنية والمالية والمركبة منهما وهو يعين على طاعة الله ويسهل كل صعب وييسر الأمور ويعطي الذاكر قوة في قلبه وبدنه والذاكرون أسبق العمال وهو سد بين العبد وبين نار جهنم وتستغفر الملائكة للذاكر وتتباهى الجبال وبقاع الأرض بمن يذكر الله عليها وتشهد له، والذكر أمان من النفاق، ويدخل في ذكر الله ذكر أسمائه وصفاته والثناء عليه بهما وتنزيهه عما لا يليق به، والخبر عن أحكام ذلك وذكر أمره ونهيه، ويكون الذكر بالقلب واللسان وهو الأكمل ثم القلب وحده ثم اللسان وحده. ٣٩) وأفضل أنواع الذكر القرآن، ثم الذكر والثناء على الله، ثم أنواع الأدعية. ٤٠) وأسماء الله تتضمن صفاته ليست أعلامًا محضة وهو مستحق للكمال المطلق لأنه واجب الوجود بنفسه يمتنع العدم عليه ويمتنع أن يكون مفتقرًا إلى غيره بوجه من الوجوه إذ لو افتقر إلى غيره بوجه من الوجوه لكان مفتقرًا إلى ذلك الغير، والحاجة إما إلى حصول كمال له وإما إلى دفع ما ينقص كماله، ومن أحتاج في شيء من كماله إلى غيره لم يكن كماله موجودًا بنفسه بل بذلك الغير، وهو بدون ذلك الكمال ناقص، والناقص لا يكون واجبًا بنفسه بل ممكنًا مفتقرًا إلى غيره. ٤١) فأي شيء اعتبرته من العالم وجدته مفتقرًا إلى شيء آخر من

стр. 754

العالم، فيدلك ذلك مع كونه ممكنًا مفتقرًا ليس بواجب بنفسه إلى أنه مفتقر إلى فاعل ذلك الآخر حتى ينتهي الأمر إلى الرب الخالق لكل شيء، ويمتنع أن يكون للعالم فاعلان مفعول كل منهما مستغن عن مفعول الآخر كما قال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] . ويمتنع أن يكونا مستقلين، لأنه جمع بين النقيضين، ويمتنع أن يكونا متعاونين متشاركين كما يوجد ذلك في المخلوقين لاستلزام ذلك العجز والحاجة إلى الآخر. ٤٥) وهو تعالى مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه، إذ كل غاية تفرض كمالا إما أن تكون واجبة له أو ممكنة أو ممتنعة، والقسمان الأخيران باطلان فوجب الأول، فهو منزه عن النقص وعن مساواة شيء من الأشياء له في صفات الكمال، بل هذه المساواة هي من النقص أيضًا، وذلك لأن المتماثلين يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، فلو قدر أنه ماثل شيئًا في شيء من الأشياء للزم اشتراكهما فيما يجب ويجوز ويمتنع على ذلك الشيء وكل ما سواه ممكن قابل للعدم، بل معدوم مفتقر إلى فاعل، وهو مصنوع مربوب محدث، فلو ماثله لزم اشتراكهما في هذه الأمور، وقد تبين أن كماله من لوازم ذاته لا يمكن أن يكون مفتقرًا فيه إلى غيره، فضلاً عن أن يكون ممكنًا أو مصنوعًا أو محدثًا. ٤٦) وأما المخالفون للرسل من المشركين والصابئة ومن اتبعهم من الجهمية والفلاسفة والمعتزلة ونحوهم، فطريقتهم نفي مفصل وإثبات مجمل ينفون صفات الكمال ويثبتون مالا يوجد إلا في الخيال، فيقولون ليس بكذا ولا بكذا إلى آخر ما يقولون.

стр. 755

٤٧) والله سبحانه ضرب الأمثال في كتابه لما في ذلك من البيان والإنسان لا يرى نفسه وأعماله إلا إذا مثلت له نفسه بأن يراه في مرآة وتمثل له أعماله بأعمال غيره، ولهذا ضرب الملكان المثل لداود، وضرب الأمثال مما يظهر به الحال، وهو القياس العقلي الذي يهدي به الله من يشاء من عباده. ٤٨) العبد كماله في حاجته إلى ربه وعبوديته وفقره وفاقته، فكلما كانت عبوديته أكمل كان أفضل، وصدور ما يحوجه إلى التوبة والاستغفار مما يزيده عبودية وفقرًا وتواضعًا. ٤٩) ومن أراد أن يمدح أو يذم فعليه أن يبين دخول الممدوح والمذموم في الأسماء التي علق الله ورسوله عليها المدح والذم، فأما إذا كان الاسم ليس له أصل في الشرع ودخول الداخل فيه مما ينازع فيه المدخل بطلت كل من المقدمتين. ٥٠) فعل الحسنات له آثار محمودة في النفس وفي الخارج، وكذلك السيئات، والله تعالى جعل الحسنات سببًا لهذا والسيئات سببًا لهذا، كما جعل أكل السم سببًا للمرض والموت، وأسباب الشر لها أسباب تدفع بمقتضاها، فالتوبة والأعمال الصالحة يمحى بها السيئات، والمصاب في الدنيا تكفر بها السيئات. ٥١) ومن العلوم علوم لو علمها كثير من الناس لضرهم ذلك، ونعوذ بالله من علم لا ينفع، وليس إطلاع كثير من الناس بل أكثرهم على حكمة الله في كل شيء نافعًا لهم، بل قد يكون ضارًا قال تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] . ٥٢) والاحتجاج بالقدر حجة داحضة باطلة باتفاق كل ذي عقل ودين من جميع العاملين، والمحتج به لا يقبل من غيره هذه الحجة إذا احتج به في ظلم ظلمه إياه وترك ما يجب عليه من حقوقه، بل يطلب منه ما له عليه

стр. 756

ويعاقبه على عدوانه عليه، وإنما هو من جنس شبه "السوفسطائية" التي تعرض في العلوم، ولا يحتج به أحد إلا مع عدم علمه بالحجة بما فعله، فإذا كان معه علم بأن ما فعله هو المصلحة وهو المأمور وهو الذي ينبغي فعله لم يحتج بالقدر، وكذلك إذا كان معه علم بأن الذي لم يفعله ليس عليه أن يفعله أو ليس بمصلحة أو ليس هو مأمورًا به لم يحتج بالقدر، بل إذا كان متبعًا لهواه بغير علم احتج بالقدر. فالرسل صلوات الله عليهم بعثوا بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، فأتباع الرسل أكمل الناس في ذلك والمكذبين للرسل انعكس الأمر في حقهم فصاروا يتبعون المفاسد ويعطلون المصالح، فهم شر الناس. ٥٣) تفاضل الأعمال عند الله بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص والمحبة وتوابعها، فهذا العمل الكامل يكفر تكفيرًا كاملا والناقص بحسبه. ٥٤) المقبول من العمل قسمان: أحدهما: أن يصلي العبد ويعمل سائر الطاعات وقلبه متعلق بالله ذاكرًا لله على الدوام فعمله في أعلى المراتب. الثاني: أن يعمل العبد الأعمال على العادة والغفلة وينوي بها الطاعة والتقرب إلى الله، فأركانه مشغولة بالطاعة وقلبه لاه عن ذكر الله وكذلك سائر أعماله. فهذا عمله مقبول ومثاب عليه بحسبه. ٥٥) وفي ذكر الله أكثر من مائة فائدة يرضى الرحمن ويطرد الشيطان ويزيل الهم ويجلب السرور ويقوي القلب والبدن وينور القلوب. ٥٦) ومما ينبغي أن يعلم أن القرآن والحديث إذا عرف تفسيره من جهة

стр. 757

النبي ﷺ لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولهذا قال الفقهاء الأسماء ثلاثة أنواع نوع يعرف حده بالشرع كالصلاة والزكاة ونوع يعرف حده باللغة كالشمس والقمر. ونوع يعرف حده بالعرف كلفظ القبض ولفظ المعروف في قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وكان من أعظم ما أنعم الله به عليهم اعتصامهم بالكتاب والسنة، فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن لا برأيه ولا ذوقه ولا معقوله ولا قياسه ولا وجده، فإنه ثبت عندهم بالبراهين القطعيات والآيات البينات أن الرسول جاء بالهدى ودين الحق وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم. ٥٧) فعلى كل مؤمن أن لا يتكلم في شيء من الدين إلا تبعًا لما جاء به الرسول ولا يتقدم بين يديه، بل ينظر ما قال فيكون قوله تبعًا لقوله وعمله تبعًا لأمره، فهكذا كان الصحابة ومن سلك سبيلهم من التابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين، فلهذا لم يكن فيهم من يعارض النصوص بمعقوله ولا يؤسس دينًا غير ما جاء به الرسول، وإذا أراد معرفة شيء من الدين والكلام فيه نظر فيما قاله الله والرسول، فمنه يتعلم وبه يتكلم وفيه ينظر ويتفكر وبه يستدل، فهذا أصل أهل السنة، وهذا هو الفرقان بين أهل الإيمان والسنة وأهل النفاق والبدعة فإنهم يخالفون هذا الأصل كل المخالفة. ٥٨) فلما طال الزمان خفي على كثير من الناس ما كان ظاهرًا لهم، ودق على كثير من الناس ما كان جليًا لهم، فكثر من المتأخرين مخالفة الكتاب والسنة ما لم يكن مثل هذا في السلف، وإن كانوا مع هذا مجتهدين معذورين يغفر الله لهم خطاياهم ويثيبهم على اجتهادهم، وقد يكون لهم من الحسنات

стр. 758

ما يكون للعامل منهم أجر خمسين رجلاً يعملون في ذلك الزمان لأنهم يجدون من يعينهم على ذلك، وهؤلاء المتأخرون لم يجدوا من يعينهم على ذلك، لكن تضعيف الأجر في أمور لم يضعف للصحابة لا يلزم أن يكونوا أفضل من الصحابة، ولا يكون فاضلهم كفاضل الصحابة فإن الذي سبق إليه الصحابة من الإيمان والجهاد ومعاداة أهل الأرض في موالاة الرسول وطاعته فيما يخبر به ويوجبه قبل أن تنتشر دعوته، وتظهر كلمته، وتكثر أعوانه وأنصاره، وتنتشر دلائل نبوته، بل مع قلة المؤمنين وكثرة الكافرين والمنافقين، وإنفاق المؤمنين أموالهم في سبيل الله ابتغاء وجهه في مثل تلك الحال أمر ما بقى يحصل مثله لأحد. ٥٩) جمهور مسائل الفقه التي يحتاج الناس إليها ويفتون بها ثابتة بالنص أو الإجماع، وإنما يقع الظن والنزاع في قليل مما يحتاج إليه، وهذا موجود في سائر العلوم. ٦٠) العلم ما جاء به الدليل والنافع منه ما جاء به الرسول، وقد يكون علم من غير الرسول، لكن في أمور دنيوية مثل الطب والحساب والفلاحة والتجارة، وأما الأمور الإلهية فهذه العلم فيها ما أخذ عن الرسول، فالرسول أعلم الخلق بها وأرغبهم في تعريف الخلق بها وأقدرهم على بيانها وتعريفها، فهو فوق كل أحد في العلم والقدرة والإرادة، وهذه الثلاثة بها يتم المقصود، وغير الرسول لا يقاربه. في شيء من ذلك، وبيان الرسول على وجهين، تارة يبين الأدلة العقلية الدالة عليها والقرآن مملوء من ذلك وتارة يخبر بها خبرًا مجردًا. ٦١) دل الكتاب والسنة وأقوال الصحابة أن السيئات تحبط الحسنات، كما أن الحسنات يذهبن السيئات. والحبوط نوعان: عام وخاص فالعام

стр. 759

حبوط الحسنات كلها بالردة والسيئات كلها بالتوبة، والخاص حبوط السيئات والحسنات بعضها ببعض، وهذا حبوط مقيد جزئي. ٦٢) وأولياء الله هم المؤمنون المتقون، وكراماتهم ثمرة إيمانهم وتقواهم لا ثمرة الشرك والبدعة والفسق، وأكابر الأولياء إنما يستعملون هذه الكرامات بحجة للدين أو حاجة للمسلمين والمقتصدين قد يستعملونها في المباحات، وأما من استعان بها على المعاصي فهو ظالم لنفسه متعدٍ حدَّ ربه وإن كان سببها الإيمان والتقوى. ٦٣) فكل عمل لا يراد به وجه الله فهو حابط باطل لا ينفع صاحبه وقت الحاجة إليه، فكل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل لأن ما لم يرد به وجهه، إما أن لا ينفع بحال، وإما أن ينفع في الدنيا دون الآخرة فالأول ظاهر والثاني قد يحصل للإنسان في الدنيا لذات وسرور، وقد يُجزى بأعماله في الدنيا لكن تلك اللذات إذا كانت تعقب ضررًا أعظم منها أو تفوت أنفع منها وأبقى فهي باطلة أيضًا فثبت أن كل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل وإن كان فيه لذة ما. ٦٤) والله تعالى لم يأمر عباده لحاجته إلى خدمتهم ولا هو محتاج إلى أمرهم وإنما أمرهم إحسانًا منه ونعمة أنعم بها عليهم، فأمرهم بما فيه صلاحهم ونهاهم عما فيه فسادهم وإرسال الرسل وإنزال الكتب من أعظم نعمه على خلقه. ٦٥) ومن تأمل نصوص الكتاب والسنة وجدها في غاية الإحكام والإتقان، وأنها مشتملة على التقديس لله عن كل نقص والإثبات لكل كمال وإنه تعالى ليس له كمال ينتظر بحيث يكون قبله ناقصًا بل من الكمال أنه يفعل ما يفعله بعد أن لم يكن فاعله وإنه إذا كان كاملاً بذاته وصفاته

стр. 760

وأفعاله، لم يكن كاملاً بغيره ولا مفتقرًا إلى سواه، بل هو الغني ونحن الفقراء وهو سبحانه في محبته ورضاه ومقته وسخطه وفرحه وأسفه وصبره وعفوه ورأفته له الكمال الذي لا تدركه الخلائق وفوق الكمال، إذ كل كمال فمن كماله يستفاد، وله الثناء الحسن الذي لا يحصيه العباد، وإنما هو كما أثنى على نفسه له الغنى الذي لا يفتقر إلى سواه ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥] . ٦٦) يجب أن يعلم أن الكمال ثابت لله بل الثابت له أقصى ما يمكن من الأكملية بحيث لا يكون وجود كمال لا نقص فيه إلا وهو ثابت للرب تعالى يستحقه بنفسه المقدسة وثبوث ذلك مستلزم نفي نقيضه، فثبوت الحياة يستلزم نفي الموت، وثبوت العلم يستلزم نفي الجهل، وثبوت القدرة يستلزم نفي العجز وأن هذا الكمال ثابت له بمقتضى الأدلة العقلية والبراهين اليقينية مع دلالة السمع على ذلك. ٦٧) ودلالة القرآن على الأمور نوعان: أحدهما: خبر الله الصادق، فما أخبر الله ورسوله به فهو حق كما أخبر الله به. والثاني: دلالة القرآن بضرب الأمثال وبيان الأدلة العقلية الدالة على المطلوب فهذه دلالة شرعية عقلية، فهي شرعية لأن الشرع دل عليها وأرشد إليها. وعقلية لأنها تعلم صحتها بالعقل. وثبوت معنى الكمال لله قد دل عليه القرآن بعبارات متنوعة دالة على

стр. 761

معاني متضمنة لهذا المعنى فما في القرآن من إثبات الحمد له وتفصيل محامده وأن له المثل الأعلى، وإثبات معاني أسمائه ونحو ذلك دال على هذا المعنى وقد ثبت لفظ الكامل في تفسير ابن عباس للصمد، أن الصمد المستحق للكمال وهو السيد الذي كمل في سؤدده والعليم الذي كمل في علمه والعظيم الذي قد كمل في عظمته، وهكذا سائر أسمائه الحسنى على هذا المنوال، وهذا المعنى هو المستقر في فطر الناس، فكما أنهم مفطورون على الإقرار بالخالق فإنهم مفطورون على أنه أجل وأكبر وأعلى وأعلم وأكمل من كل شيء. ٦٨) ومن ثبوت الكمال لله بالعقل أنه قد ثبت وجوب وجوده وقيوميته وقدمه وسائر أوصافه وأن له المثل الأعلى، وبيان نقص ما عبد من دونه من المخلوقات وتفضيل حمده الذي يستحقه من صفات كماله وحمده الذي فيه الإحسان المتنوع على خلقه وعلى كمال حكمته وسعة علمه ورحمته وبيان كمال ألوهيته واستحقاقه الجلال والإكرام فله صفات الجلال والعظمة ويستحق من عباده أن يكون مألوهًا معظمًا أعظم من كل شيء وأحب إليهم من كل شيء ﵎. ٦٩) وإذا علم العبد من حيث الجملة أن لله فيما خلقه وما أمر به حكمة عظيمة كفاه ذلك ثم كلما ازداد علمًا وإيمانًا ظهر له من حكمة الله ورحمته ما يبهر عقله ويتبين له تصديق ما أخبر الله به في كتابه حيث قال: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] . ٧٠) والمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها قلوبهم واحدة موالية لله ولرسوله ولعباده المؤمنين، معادية لأعداء الله ورسوله وأعداء الدين فما دام هذا وصفهم فقلوبهم الصادقة وأدعيتهم الخالصة هن العسكر الذي لا يغلب

стр. 762

والجند الذي لا يخذل، فإنهم هم الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة وليعتبر المعتبر بسيرة نور الدين وصلاح الدين ثم العادل، كيف مكنهم الله وأيدهم وفتح لهم البلاد وأذل لهم الأعداء لما قاموا بذلك بما قاموا به من الدين، وليعتبر بسيرة من والى النصارى كيف أذله الله وكبته. ٧١) جعل الدين قسمين: أصولاً وفروعًا لم يكن معروفًا في الصحابة والتابعين ولم يقل أحد من السلف والصحابة والتابعين أن المجتهد الذي استفرغ وسعه في طلب الحق يأثم لا في الأصول ولا في الفروع، ولكن هذا التفريق ظهر من جهة المعتزلة، وأدخله في أصول الفقه من نقل ذلك عنهم، وكل مجتهد لا يأثم عند عامة الأئمة أبي حنيفة والشافعي وأحمد ومالك وغيرهم، والذين فرقوا بين الأصول والفروع لم يذكروا ضابطًا يعتمد عليه. ٧٢) والسلف لم يذموا جنس الكلام فإن كل آدمي يتكلم ولا ذموا الاستدلال والنظر والجدل الذي أمر الله به ورسوله، والاستدلال بما بينه الله ورسوله، بل ولا ذموا كلامًا هو حق، بل ذموا الكلام الباطل وهو المخالف للكتاب والسنة، وهو المخالف للعقل أيضًا وهو الباطل. ٧٣) الطرق الباطلة توصل إلى الجهل والضلال لمن اعتقد صحتها، وإلى الحيرة والشك لمن تبين له تناقضها من حذاق أهلها، وإلى اليقين لمن عرف الحق وسلكه بالطرق الصحيحة فإنه بمعرفته الباطل يزداد بصيرة بالحق، وبضدها تتبين الأشياء. ٧٤) من ضيع الأصول حرم الوصول، والأصول إتباع ما جاء به الرسول. ٧٥) والدليل يدل ويقوم على أن كلام الله صفة ذات وصفة فعل، صفة ذات يقوم بذات الرب والله متصف به، وصفة فعل يتكلم بمشيئته

стр. 763

وقدرته متى شاء وحيث شاء أزلا وأبدًا. ٧٦) الفرق بين الرجاء وبين التمني أن التمني يكون مع الكسل ولا يسلك بصاحبه طريق الجد والاجتهاد والرجاء يكون مع بذل الجهد وحسن التوكل، فالأول كحال من يتمنى أن يكون له أرض يبذرها ويأخذ زرعها، والثاني كحال من يشق أرضه ويفلحها ويبذرها ويرجو طلوع الزرع، فمن عمل بطاعة الله ورجا ثوابه أو تاب من الذنوب ورجا مغفرته فهو الراجي، ومن رجا الرحمة والمغفرة بلا طاعة ولا توبة فهو متمني ورجاؤه كاذب، وللسالك إلى ربه نظران: نظر إلى نفسه وعيوبه وآفات عمله يفتح عليه باب الخوف، ونظر إلى سعة رحمة الله وفضله العام والخاص به يفتح عليه باب الرجا، وقال شيخ الإسلام: الخوف المحمود ما حجز العبد عن محارم الله. ٧٧) ومراتب العلم والعمل ثلاثة: رواية وهي مجرد النقل وحمل المروى، ودراية وهي فهمه وتعقل معناه، ورعاية وهي العمل بموجب ما علمه. ٧٨) مراقبة الرب علم العبد وتيقنه بإطلاع الحق على ظاهره وباطنه، فاستدامته لهذا العلم واليقين هي المراقبة وهي ثمرة علمه بأن الله رقيب عليه ناظر إليه سامع لقوله ومطلع على عمله كل وقت وكل لحظة ونفس وكل طرفة. ٧٩) المعترضون على الله ثلاثة أقسام، معترضون على أسمائه وصفاته، ومعترضون على شرعه ودينه، ومعترضون على قضائه وقدره، ولا يتم للعبد دين وإيمان إلا بترك هذا الاعتراض والتسليم لحكمه الديني والقدري. ٨٠) تعظيم حرمات الله ما يجب احترامه وحفظه من الحقوق والأشخاص والأزمنة والأماكن، فتعظيمها توفيتها حقها وحفظها عن الإضاعة. ٨١) حقيقة الإخلاص توحيد المطلوب، وحقيقة الصدق توحيد الطلب

стр. 764

والإرداء ولا يثمران إلا بالاستسلام المحض للمتابعة، فهذه الأركان الثلاثة هي أصول الطريق التي من لم يبن عليها سيره، فهو مقطوع، ومن اجتمعت له فهو السابق الذي لا يجارى، وذلك فضل الله. ٨٢) المطلوب من العبد الاستقامة على عبودية الله، فإن لم يقدر عليها فالمقاربة، فإن نزل عنها فالتفريط والإضاعة. ٨٣) ولا يتم التوكل الكامل إلا بمعرفة الله وصفاته وأفعاله وإثبات الأسباب والاجتهاد فيها، وقوة الاعتماد على الله والاستناد إليه والسكون، بحيث لا يبقى القلب مضطربًا من تشويش الأسباب، ولا بد من حسن الظن والثقة بالله في نيل ما توكل العبد على الله فيه، والتفويض إلى الله واستسلام القلب له، ويتوكل على الله في كل مطلوب حصوله أو دفع مكروه، وأفضل التوكل ما كان في حصول خير ديني خاص أو عام. ٨٤) الصبر ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وصبر على معصية الله، وصبر على امتحان الله، فالأول صبر على ما يتعلق بالكسب، والثالث صبر على ما لا كسب للعبد فيه، وصبر الاختيار أكمل من صبر الاضطرار، وتمام الصبر أن يكون كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ [الرعد: ٢٢] . وأقواه أن يكون بالله معتمدًا فيه عليه لا على نفسه ولا على غيره من الخلق. سمعت شيخ الإسلام يقول: الصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه ولا معه والصفح الجميل هو الذي لا عتاب معه، والهجر الجميل هو الذي لا أذى معه. ٨٥) قال النبي ﷺ : «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولاً» ، وقال: «من قال حين يسمع النداء: رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا غفرت له ذنوبه» . وهذان الحديثان عليهما مدار مقامات الدين وإليهما ينتهي، وقد تضمنها الرضا بربوبيته سبحانه وألوهيته،

стр. 765

والرضا برسوله والرضا بدينه والتسليم له، ومن اجتمعت له فهو الصديق حقًا. ٨٦) من أراد أن يحصل له الرضا عن الله الذي هو من أفضل الدرجات فليلزم ما جعل الله رضاه فيه، فإنه يوصله إلى مقام الرضا. ٨٧) والله تعالى أخبر أنه ينصر رسله في الحياة الدنيا وفي الآخرة والله سبحانه يجزي الإنسان من جنس عمله، فالجزاء من جنس العمل، فمن خالف الرسل عوقب بمثل ذنبه وأرى عباده ذلك عيانًا، وإذا ظهرت البدع التي تخالف الرسل انتقم الله ممن خالف الرسل وانتصر لرسله. ٨٨) والإيمان بالرسول والجهاد عن دينه سبب لخير الدنيا والآخرة وبالعكس البدع والإلحاد ومخالفة ما جاء به سبب لشر الدنيا والآخرة. ٨٩) التوحيد وتصديق الرسل جماع الإيمان، والشرك وتكذيب الرسل جماع الكفر. ٩٠) فمن دفع النصوص التي يحتج بها غيره لم يؤمن بها بل آمن بما يحتج هو به صار ممن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض. ٩١) وإذا ترك الناس بعض ما أنزل الله وقعت بينهم العداوة والبغضاء إذ لم يبق هنا جامع يشتركون فيه، بل تقطعوا أمرهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون. ٩٢) ودين الأنبياء كلهم الإسلام وهو الاستسلام لله وحده، وذلك إنما يكون بطاعته فيما أمر به في ذلك الوقت، فطاعة كل نبي هي من دين الإسلام إذ ذاك، وكل مبتدع خالف سنة الرسول لا يتبع إلا دينًا مبدلا أو منسوخًا. انتهى ما اخترناه مما جمعه شيخنا عبد الرحمن الناصر السعدي من كُتب شيخ الإسلام رحمهما الله وصلى الله على محمد وآله وسلم

стр. 766

فوائد ومواعظ وحكم وأحكام قال بعض العلماء:- (١) أصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضا عن النفس، وأصل كل طاعة ويقظة وعفة عدم الرضا منك عنها ولأن تصحب جاهلاً لا يرضى عن نفسه خيراً لك من أن تصحب عالمًا يرضى عن نفسه، فأي علم لعالم يرضى عن نفسه، وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه. (٢) لا تستغرب وقوع الأكدار، ما دمت في هذه الدار، فإنها ما أبرزت إلا ما هو مستحق وصفها وواجب نعتها. (٣) لا يكن تأخر العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبًا ليأسك فهو ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك، لا فيما تختار لنفسك، وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريده، قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] . (٤) إحالتك الأعمال إلى وجود الفراغ من رعونات النفس. (٥) لا تصحب من لا ينهضك حاله ولا يدلك على الله مقاله. (٦) من علامات موت القلب، عدم الحزن على ما فاتك من الطاعات، وترك الندم على ما فعلته من المعاصي والزلات. (٧) لا تترك ذكر الله لعدم حضور قلبك لمعاني الذكر، لأن غفلتك عن وجود ذكر الله أشد من غفلتك مع وجود ذكره وأسأله أن يوقظ قلبك

стр. 767

ويوفقك لحضوره، وفهم ما تلفظ من ذكره. (٨) لا يعظم الذنب عندك عظمة تصدك عن حسن الظن بالله وتوقعك في القنوط من رحمته فإن من عرف ربه وكرمه وجوده استصغر في جنب كرمه وعفوه ذنبه. وقال الله جل وعلا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر: ٥٣] . (٩) لا صغيرة إذا قابلك عدله ولا كبيرة إذا واجهك جوده وكرمه وفضله. وبعبارة أخرى لا كبيرة مع التوبة والندم والاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار وعدم التوبة والاستغفار. (١٠) من لم يشكر الله على ما تفضل به من النعم فقد تعرض لزوالها ومن شكرها فقد قيدها بعقالها ووعد بالمزيد. (١١) خَفْ من وجود إحسان الله إليك مع وجود إساءتك معه، أن يكون ذالك استدراجًا. قال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢] . (١٢) الرجاء ما قارنه عمل، وإلا فهو أمنية إنما يؤلمك المنع لعدم فهمك عن الله فيه. (١٣) متى أعطاك فقد أشهدك بره وإحسانه، ومتى منعك أشهدك حكمته وقهره، فهو في كل ذلك متعرف إليك ومقبل بوجود لطفه عليك. (١٤) نعمتان ما خرج موجود عنهما، ولا بد بكل مكون منهما، نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد أنعم عليك أولاً بالإيجاد وثانيًا بتوالي الإمداد. (١٥) خير أوقاتك وقت تعمل فيه بطاعة الله وتشهد فيه وجود فاقتك

стр. 768

إلى رضا الله وعفوه وإحسانه. (١٦) لا تطالب بتأخر مطلبك، ولكن طالب نفسك بتأخر أدبك، فهل أديت الواجبات وتركت المحرمات. (١٧) لا يخاف عليك من التباس الطرق، وإنما يخاف عليك من غلبة الهوى والنفس والشيطان والدنيا. (١٨) الغافل إذا أصبح ينظر في أمور دنياه ماذا يفعل، والعاقل الموفق ينظر ماذا أوجب الله عليه فيعمله، ويحفظ وقته من الضياع فيما لا يعود إلى أمور الآخرة، وما يحتاج إليه في دنياه. (١٩) الستر على قسمين ستر عن المعصية وستر فيها، فالعامة يطلبون من الله الستر فيها خشية سقوط مرتبتهم عند الخلق، والخاصة يطلبون من الله الستر عنها خشية سقوطهم من نظر الله. (٢٠) الناس الذي يمدحونك إما كذب وإما لما يظنونه فيك فكن ذامًا لنفسك لما تعلمه منها. قال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] . وقال ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] . (٢١) المؤمن العاقل الموفق إذا مدح استحيا من الله أن يثنى عليه بوصف لا يعلمه من نفسه. (٢٢) من أجهل الناس من ترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس. إذا وقع منك ذنب فلا يكن سببًا ليأسك من حصول الاستقامة فقد يكون ذلك آخر ذنب قدر عليك. (٢٣) حظ النفس في المعصية ظاهر جلي وحظها في الطاعة باطن

стр. 769

خفي، ومداواة ما يخفى صعب علاجه. (٢٤) استشرافك أن يعلم الخلق بأعمالك دليل على عدم صدقك في عبوديتك وأنك عندك رياء فانتبه من عرف الله حقيقة ورأى نعمه عليه - وإن نعمه جل وعلا لا تحصى - ولا تعد أحبه ولم يؤثر عليه شيئًا. (٢٥) إذا التبس عليك أمران فانظر أثقلهما على النفس فإنه لا يثقل عليها إلا ما كان حقًا. (٢٦) من علامات إتباع الهوى والنفس الأمارة بالسوء المسارعة إلى النوافل والتكاسل عن القيام بالواجبات. (٢٧) من لم يعرف النعم بوجدانها عرفها بوجود فقدانها. (٢٨) لا تدهشك واردات النعم عن القيام بحقوق شكرها فإن ذلك مما يحط من وجود قدرك. (٢٩) تمكن حلاوة الهوى من القلب هو الداء العضال. (٣٠) لا يخرج الشهوة من القلب إلا خوف مزعج أو شوق مقلق. (٣١) لا تستبطئ من النوال ولكن استبطئ من نفسك وجود الإقبال. (٣٢) ما فات من عمرك لا عوض له وما حصل لك منه لا قيمة له. (٣٣) الرب جل وعلا لا تنفعه طاعتك ولا تضره معصيتك وإنما أمرك بهذه ونهاك عن هذه لما يعود عليك. (٣٤) الرب جل وعلا لا يزيد في عزه إقبال من أقبل عليه ولا ينقص من عزه إذبار من أدبر عنه.

стр. 770

(٣٥) من تمام النعمة عليك أن يرزقك الله ما يكفيك ويمنعك ما يطغيك. (٣٦) إن أردت ألا تعزل فلا تتولى ولاية لا تدوم لك. (٣٧) خير العلم ما كانت خشية الله معه. (٣٨) إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده ﴿مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦] . (٣٩) من أثبت لنفسه تواضعًا فهو متكبر إذ ليس التواضع إلا عن رفعة. (٤٠) ليس المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنه فوق ما صنع ولكن المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنه دون ما صنع. (٤١) المؤمن يشغله الثناء على الله عن أن يكون لنفسه شاكرًا وتشغله حقوق الله عن أن يكون لحظوظه ذاكرا. (٤٢) الآيات القرآنية التي يفهم منها بعض الناس التعارض يجب حمل كل نوع منها على ما يليق ويناسب المقام. من ذلك الإخبار في بعض الآيات أن الكفار لا ينطقون ولا يتكلمون في يوم القيامة، وفي بعض الآيات أنهم ينطقون ويحاجون ويعتذرون، ثم إذا ختم على أفواههم، تكلم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون ثم يخرسوا فلم ينطقوا قال الله جل وعلا: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] . (٤٣) ومن ذلك أن الله جل وعلا أخبر أنه لا يكلمهم ولا ينظر إليهم

стр. 771

يوم القيامة، وأثبت الكلام لهم معه، فالنفي المراد به الكلام الذي يسرهم، وكذلك النظر والإثبات واقع على الكلام الواقع بين الله وبينهم على وجه التوبيخ لهم والتقريع، فالنفي يدل على أن الله ساخط عليهم، والإثبات يوضح أحوالهم ويبين للعباد كمال عدل الله بهم إذ هو يضع العقوبة موضعها. (٤٤) ونظير ذلك أنه في بعض الآيات أخبر أنه لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان وفي بعض الآيات أنه جل وعلا يسألهم، قال تعالى: ﴿ماذا كنتم تعبدون﴾ وقال تعالى: ﴿ماذا أجبتم المرسلين﴾ [فالسؤال المنفي سؤال الاستعلام والاستفهام عن الأمور المجهولة، فإنه لا حاجة إلى سؤالهم مع كمال علم الله وإطلاعه قال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] . والسؤال المثبت واقع على تقريرهم بأعمالهم وتوبيخهم وبيان أن الله حكم فيهم بعدله وحكمته. (٤٥) ومن ذلك الإخبار أنه لا أنساب بين الناس يوم القيامة وفي آيات أخرى أثبت لهم ذلك فالمثبت هو الأمر الواقع والنسب الحاصل بين الناس كقوله ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٥] . والمنفي هو الانتفاع بها فإن الكفار يدعون أن أنسابهم تنفعهم يوم القيامة فأخبر تعالى أن لا ينفع مال ولا بنون ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩] . (٤٦) ومن ذلك الشفاعة فإنه أثبتها في عدة مواضع ونفاها في مواضع من القرآن وقيدها في بعض المواضع بإذن ولمن ارتضى من خلقه فتعين حمل المطلق على المقيد وأنها حيث نفيت فهي الشفاعة التي بغير إذنه ولغير من رضي الله قوله وعمله وحيث أثبتت فهي الشفاعة التي بإذنه لمن ﵁ وأذن فيه.

стр. 772

(٤٧) ومن ذلك أن الله جل وعلا أخبر في آيات كثيرة أنه لا يهدي القوم الكافرين والفاسقين والظالمين وفي آيات أخرى أنه يهديهم ويوفقهم فتعين حمل المنفيات على من حقت عليه كلمة الله. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧] . وحمل المثبتات على من لم تحق عليهم الكلمة وإنما حقت عليهم كلمة الله بالعذاب والطرد والإبعاد على من ارتكسوا في حمأة التقليد وغرقوا في بحر الغفلة وأبوا أن يستجيبوا لداعي آيات الله الكونية والعلمية. قال الله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] . ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧] . وهذا هو الحق الذي لا ريب فيه. (٤٨) ومن ذلك الإخبار في بعض الآيات أنه العلي الأعلى. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] . وقال: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ [غافر: ١٥] . وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:: ١٨] . وفي آيات أخرى أخبر أنه مع العبد. قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] . وقال: ﴿وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] . فعلوه سبحانه أمر ثابت له وهو من لوازم ذاته ودنوه ومعيته لعباده لأنه أقرب إلى كل أحد من حبل الوريد فهو سبحانه على عرشه عليٌ على خلقه ومع ذلك فهو معهم في كل أحوالهم ولا منافاة بين الأمرين لأن الله جل وعلا: ليس كمثله شيء في جميع نعوته وما يتوهم

стр. 773

بخلاف ذلك فإنه في حق المخلوقين قال ابن القيم ﵀: وَلَهُ العُلو من الوُجُوه جَمِيعَهَا … ذاتًا وَقَدرًا مَعْ عُلُو الشَّانِ والمعية تنقسم قسمين: عامة تأتي في سياق التخويف والتحذير والتراغيب والترهيب وتقدمت الآيات للعامة والخاصة والمعية الخاصة بالمحسنين والمتقين والصابرين والصادقين ونحوهم وهذه تتضمن محبتهم وتوفيقهم وكلاءتهم وإعانتهم فحيث وقعت في سياق التحذير والتخويف والترهيب فهي من النوع الأول. (٤٩) ومن ذلك النهي في كثير من الآيات عن موالات الكفار وعن موادتهم وفي بعض الآيات الأمر بالإحسان إلى من له حق على الإنسان منهم ومصاحبته بالمعروف كالوالدين والجار ونحوهم فالآيات العامة من الطرفين قد وضحها الله في قوله ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] . ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٩] . فالنهي واقع على التولي والأمر بالإحسان والبر واقع على الإحسان لأجل القرابة والجيرة، ومن ذلك أنه أخبر أنه خلق الأرض ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات، وفي آية أخرى لما أخبر عن خلق السموات أخبر أن الأرض بعد ذلك دحاها، فهذه الآية تفسر المراد وأن خلق الأرض متقدم على السموات ثم بعد خلق السموات دحا الأرض فأودع فيها جميع المصالح التي يحتاج إليها سكانها. (٥٠) ومن ذلك أنه تعالى أخبر أنه بكل شيء عليم وأخبر تارة بتعلق

стр. 774

علمه ببعض أعمال العباد وبعض أحوالهم وهذا الأخير فيه زيادة معنى وهو يدل على المجازات على ذلك العمل سواء كان خيرًا أو شرًا فيتضمن مع إحاطة علمه الترغيب والترهيب. (٥١) مبنى الدين على قاعدتين الذكر والشكر وليس المراد بالذكر مجرد ذكر اللسان بل الذكر القلبي واللساني وذلك يستلزم معرفته والإيمان به وبصفات كماله ونعوت جلاله والثناء عليه بأنواع المدح وذلك لا يتم إلا بتوحيده فذكره الحقيقي يستلزم ذلك كله ويستلزم ذكر نعمه وآلائه وإحسانه إلى خلقه. وأما الشكر فهو القيام بطاعته فذكره جل وعلا مستلزم لمعرفته وشكره متضمن لطاعته وهذان هما الغاية التي خلق لأجلها الجن والإنس. قال أبو الدرداء: يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم كيف يغبنون به قيام الحمقى وصومهم والذرة من صاحب تقوى أفضل من أمثال الجبال من عبادة المغترين وهذا من جواهر الكلام وأدله على كمال فقه الصحابة وتقدمهم على من بعدهم في كل خير ﵃. (٥٢) لا شيء أفسد للأعمال من العجب ورؤية النفس ولا شيء أصلح لها من شهود العبد منة الله وتوفيقه والاستعانة به والافتقار إليه وإخلاص العمل له. (٥٣) أصول المعاصي كلها كبارها وصغارها ثلاثة تعلق القلب بغير الله، وطاعة القوة الغضبية، والقوة الشهوانية، وهي الشرك، والظلم والفواحش فغاية التعلق بغير الله شرك، وغاية القوة الغضبية القتل، وغاية القوة الشهوانية الزنا، ولهذا جمع الله الثلاثة في قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] .

стр. 775

(٥٤) هجر القرآن أنواع، هجر سماعه والإيمان به وهجر العمل به وهجر تحكيمة وهجر تدبره وهجر الاستشفاء به في أمراض القلوب والأبدان وكل هذا داخل في قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ [الفرقان: ٣٠] . (٥٥) للقلب ستة مواطن يجول فيها ثلاثة سافلة دنيا تتزين له، ونفس تحدثه، وعدو يوسوس له وثلاثة عالية، علم يبين له، وعقل يرشده ورب يعبده، والقلوب جوالة في هذه المواطن. (٥٦) إنما يجد المشقة في ترك المألوفات من تركها لغير الله فأما من تركها صادقًا مخلصًا من قلبه، فإنه لا يجد في تركها مشقة إلا في أول وهلة، ليمتحن أصادق هو في تركها أم كاذب، فإن صبر على ترك المشقة استحالت لذة، من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، والعوض أنواع مختلفة وأجل ما يعوض به الأنس بالله ومحبته وطمأنينة القلب به وقوته ونشاطه وفرحه ورضاه عن ربه. (٥٧) العبد يترقى من معرفة أفعال الله إلى الصفات ومن معرفة الصفات إلى معرفة الذات فإذا شاهد شيئًا من جمال الأفعال استدل به على جمال الصفات ثم استدل بجمال الصفات على جمال الذات فما ظنك بجمال حجب بأوصاف الكمال وستر بنعوت العظمة والجلال ولهذا كان له الحمد كله من جميع الوجوه. (٥٨) أنفع الناس لك من نفعك في دينك وحذرك من قطع وقتك في غير طاعة الله.
следующие страницы →