← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 120

مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار

عبد العزيز السلمان

Полный текст (1 102 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

والصفح الجميل من أحسن الشيم والصدق منجاة وكرامة. ٣٤٩- المصائب في الدنيا عند الاشتراك فيها تهون أما في الآخرة فلا، قال الله تعالى عن أهل النار: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ شعرا: واخَجلَةِِ القَلْبِ مِن إِحْسَانِ سَيْدِهِ وَاحَيْرةَ القَلْبِ مِنْ أَلْطَافِ نَعْمَاهُ واح وَاحَسْرةَ الطَّرْفِ كَمْ يَرنُوا لِخائِنةٍ … مِن المآثِم لا يَرْضَى بِهَا الله فَكَمْ أَسَاتُ وبِالإِحْسَانِ عامَلني … واخَجْلتي واحيائي حِيْن ألقَاهُ وَكَمْ لهُ مِنْ أَيادٍ غَيْرِ واحدةٍ … وَافَتْ إِلى تُريْنِي أَنْهُ الله بِلُطْفِهِ وبفضْلٍ مِنْهُ عَرَّفني … في حُبِّهِ كَيْفَ أَرْجُوهُ وَأَخْشَاهُ ٣٥٠- الشريعة المحمدية صلاح البرية، والشفيع جناح الطالب، والكشر لله زينة الغني، وهو من الإيمان. ٣٥١- السلامة في الاستقامة على اتباع الكتاب والسنة والعمل بهما. ٣٥٢- الصبر عند الصدمة الأولى، والصبر جنة من الفاقة بإذن الله، والصبر عدة البلاء والصبر مر لا يتجرعه إلا حر قال الشاعر: شعرا: وَالصَّبرُ مِثْلُ اسْمِهِ مُرٌ مَذاقَتُهُ … لَكِنْ عَوَاقُبهُ أَحْلَى مِن العَسَلِ آخر: نَعَى لكَ ظِلُّ الشَّبَاب المشيب … وَنَادَتْكَ بِاسْم سِوَاكَ الخُطُوبِ

стр. 842

فكن مُسْتعد لِدَار الفنَاء … فَإِنَّ الذِي هو آتٍ قَريب أَلَسْنَا نَرى شَهواتِ النُفُوس تَفْنَى … وَتَبْقَى عليها الذُّنُوب وَقَبْلَكَ دَاوَي المرِيضَ الطَبيْبُ … فَعَاشَ المَريْضُ وَمَاتَ الطَبيب يَخَافُ على نَفْسِهِ مَنْ يَتُوب … فكَيْفَ تَرى حال من لا يَتُوب ٣٥٣- ضل من ركن إلى الأشرار، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، والطيور على أشكالها تقع، وطاعة النساء ندامة في الغالب في غير طاعة الله لأنهن ناقصات عقل ودين. ٣٥٤- العاقل من وعظه الكتاب والسنة والتجارب والعدل يجمع القلوب في الغالب بإذن الله قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ والعدل حياة والجور موت. ٣٥٥- احذر الغفلة ومخاتل العدو وطربات الهوى وأماني النفس وضراوة الشهوة، وقال آخر أطلب آثار من زاده العلم خشية والعمل بصيرة والعقل معرفة، واعلم أن في كل فكرة أدبا وفي كل إشارة علما وإنما يميز ذلك من فهم عن الله مراده وجني فوائد اليقين من خطابه، وعلامة ذلك في الصادق أنه إذا نظر اعتبر وإذا صمت تفكر وإذا تكلم ذكر وإذا منع صبر وإذا أعطي شكر وإذا ابتلي حمد الله واسترجع وإذا جهل عليه حلم وإذا علم تواضع وإذا علم رفق وإذا سئل بذل. ٣٥٧- المؤمن الحقيقي هو الذي إذا مدح وأثنى عليه وذكر طرفا مما وهبه الله من المحاسن استحيا تعظيمًا وإجلالاً أن يثنى عليه فيزداد بذلك مقتا لنفسه واستحقارا لها ونفورا عنها ويقوى عنده رؤية إحسان الله تعالى إليه

стр. 843

وشهوده فضله عليه ومنته في إظهار المحاسن عليه ويشكر الله ويحمده على ما أولاه من نعمه التي لا تعدو ولا تحصى. ٣٥٨- من علامات المعرفة بالله القيام بحقوقه والتخلص من حقوق العباد ومن علامات محبة العبد لله اتباع محمد ﷺ قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ . ٣٥٩- ست خصال يرفع الله بها العبد العلم النافع والأدب المستفاد من الكتاب والسنة والأمانة والعفة والصدق والوفاء. ٣٦٠- عمارة القلب في أربعة أشياء في العلم النافع والتقوى وطاعة الله وذكره وخرابه من أربعة أشياء من الجهل والمعصية والاغترار والغفلة والنسيان الله. ٣٦١- من علامات موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من الطاعات وترك الندم على ما فرط منك من الزلات قال ﷺ "من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن". ٣٦٢- من نتائج المعصية قلة التوفيق وفساد الرأي وخفاء الحق وفساد القلب وخمول الذكر وإضاعة الوقت ونفرة الخلق والوحشة مع الرب ومنع إجابة الدعاء وقسوة القلب ومحق بركة العمر ولباس الذل وضيق الصدر. ٣٦٣- الشكر من أعلى المقامات وهو أعلى من الصبر والخوف والزهد وهو مقصود لنفسه ولذلك لا ينقطع في الجنة وليس فيها خوف ولا توبة ولا صبر ولا زهد والشكر دائم في الجنة قال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ . ٣٦٤- أما كيفية الشكر لله فيتم بأمور: أولا: أن يحمد الله على نعمه بلسانه ويشكره.

стр. 844

ثانيا: أن يعتقد أن هذه النعمة أو النعم آتيته من الله. ثالثا: أن لا يستعين بها على معاصيه بل يطيع الله فيها. رابعا: أن يعرف فضل الله عليه وكرمه فليستحي من الله فلا يعصيه. ٣٦٥- العلم بلا عمل ضرر ووبال، والعلم حياة القلوب والعلم إذا عمل به خير من المال العلم وراثة كريمة. ٣٦٦- آية العقل امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه والعقل فضيلة الإنسان والعقول مواهب من الله وعمل البر خير صاحب وخير الزاد تقوى الله جل وعلا. مَنْ يَغْني بالله يجد رُوحَ الغِنَي … وَالله يُوفِي مَن يشأ ما يشأ وَخَيْرُ مَا يَدَّخِرُ المَرءُ التُّقَى … وَخَيْرُ أثواب الفتى ثَوبُ الحِجا مَا أَقْبَحَ الصَّبْوة مِن بَعْدِ النُّهى … إِنَّ المشيْبَ قَدْ طَوَى ثَوْبَ الفَتَى فَبَادِرِ المَوْتَ وَدَعْ عَنْكَ الهَوَى … فَإِنَّه عَمَّا قَلِيْلٍ قَدْ أَتَى قَدْ قِيْلَ فِيْمَا قَدْ مَضَى قَوْلٌ جَرَى … عِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرى وَتَلْفُظُ العَيْنُ عُلالاتِ الكَرَى … أَيْنَ ذَوُو المَالِ وَأَرْبَابُ القُرى من عَمَر الدُّنْيَا ومن شاد البِنَا … أَضْحَوا جَمِيْعًا تَحْتَ أَطْبَاقِ الثَّرى لا أَثَرَ مِنْهُمْ ولا عَيْنٌ تُرى … إِنَّ أَخَا اللُّبِ تَنَاهَى وانْتَهَى لَيْسَ سَوَاءً مَنْ أَطَاعَ وَاتَّقَى … ومن على الله بِجَهْلٍ افْتَرَى ٣٦٧- اغتنم الفرصة لطاعة الله فإنها تمر مر السحاب، الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما بما يحبه الله ويرضاه ومن طلب العز ناله بطاعة الله .

стр. 845

٣٦٨- ما استهان قوم بالدين إلا حل بهم الهوان وما أكثر العبر وأقل الاعتبار، وما أوضح الحق لمن طلبه بالصدق والإنصاف. ٣٦٩- ما أقرب العقوبة والنقمة من أهل البغي والعدوان، لا تعن قويا على مؤمن ضعيف. ٣٧٠- لا تقل بغير تفكير ولا تقل ما لا تفعل ولا تكن حاطب ليل ولا تلم غيرك بما أنت فيه. ٣٧١- أخوك المخلص لك من عرفك العيوب وصديقك حقيقة من حذرك من المعاصي والذنوب. ٣٧٢- على قدر حبك لله يحبك الخلق وعلى قدر شغلك بالله يشتغل الخلق بأمرك. ٣٧٣- عجب ممن يحزن على نقصان ماله كيف لا يحزن على نقصان عمره ودينه. مَالِي أَرَى النَّاس والدُّنْيَا مُوَلِّيَةٌ … وَكُل جَمْعٍ عليها سوف يَنْدِثرُ لا يَشْعُرُونَ إِذَا مَا دِيْنَهُم نُقِصوا … يَومًا وَإِنْ نُقِصَتْ دُنْيَا هُمُوا شَعَرُوا ٣٧٤- قال رجل لعامر بن قيس وهو يريد صلاة الجمعة قف حتى أكلمك فقال لولا أني أبادر لوقفت لك قال وما تبادر قال أبادر خروج روحي وجلس آخر إلى رجل ممن عرفوا قيمة الوقت يريد أن يتحدث معه فقال أنا في شغل اذهب إلى أمثالك ممن لا يعرفون قيمة الوقت فانصرف. إِذَا كَانَ رَأَسُ المَالِ عُمْركَ فاحْترِزْ … عَلَيْهِ مِنَ الإِنْفَاقِ فِي غَيْرِ وَاجِبِ والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 846

(فصل) ٣٧٥- اعلم وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين لما يحبه ويرضاه أن عمر الإنسان ميدان للأعمال الصالحة المقربة إلى الله والموجبة الثواب له في الدار الآخرة وهذه هي السعادة التي يكدح العبد ويسعى من أجلها وليس له منها إلا ما سعى كما قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ . بَقيَّةَ العُمْرِ عِنْدِي ماله ثَمَن … وَإِنْ غَدَا لَيْسَ مَحْسُوبًا مِنَ الزَّمَنِ يَسْتَدرك المَرءُ فِيْهَا كُلَّ فَائِتَةٍ … مِنَ الزَّمَانِ وَيَمْحُو السُّوء بِالحسنِ ٣٧٦- وقال علي بن أبي طالب ﵁ "بقية عمر المرء ما لها ثمن يدرك فيها ما فات ويحيي ما أمات". ٣٧٧- وقال آخر العمر أنفاس معدودة وتفنيه اللحظات. وَمَا نَفْسٌ إِلا يُبَاعِدُ مَوْلِدًا … وَيُدْنى المنايا للنُفُوسِ فَتَقْرُبُ آخر: ذَهَبَ الفتى وَمضى بغير توقُفٍ … كَهِلال أول ليْلة مِن شَهْرِهِ آخر: أَرَانا على السَّاعَاتِ فُرْسَانَ غَارةٍ … وَهُنَّ بِنَا يَجْرِينَ جرْي السَّلاهِبِ وعن ابن عباس أنه قرأ ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ [مريم٨٤] فبكى وقال آخر العدد خروج نفسك، آخر العدد فراق أهلك، آخر العدد دخول قبرك.

стр. 847

وقال آخر: إخواني تفكروا في مصارع الذين سبقوا وتدبروا مصيرهم أين انطلقوا واعلموا أن القوم انقسموا وافترقوا قوم منهم سعدوا ومنهم قوم شقوا: وَالمَرءُ مِثلُ هِلالُ عِنْدَ طَلعتِهِ … يَبْدُو ضئيْلاً لَطِيْفًا ثُمَّ يَتَّسِقُ يَزْدَاد حتَّى إِذَا مَا تَمَّ أَعْقَبهُ … كَر الجديدين نَقْصًا ثُمَّ يَنْمَحِقُ كَانَ الشَّبَابُ رِدَاءً قَدْ بُهجْتُ بِهِ … فَقَدْ تَطَايْرَ مِنْهُ لِلْبَلَى خِرَقُ عَجِبْتُ والدهْر لا تَفْنَى عَجَائبُهُ … للرَّاكنين إلى الدُّنْيَا وَقَدْ صَدَقُوا وَطَالمَا نُغِّصُوا بِالفَجْعِ ضَاحِيةً … وَطَالَ بِالفَجْعِ وَالتَّنْغِيْصِ مَا طَرقُوا دَارٌ تغرُ بها الآمالُ مُهلكةً … وَذُو التَّجَارُبِ فِيْهَا خَائِفٌ فَرِقُ يا لِلْرِجَالِ لَمخْدُوْعٍ بِزُخرفها … بَعْد البَيْان ومغْرُور بها يَثقُ أَقُولُ وَالنَّفْسُ تَدعوني لِبَاطِلِها … أَينَ المُلوكُ مُلُوك الناسِ وَالسَّوَقُ أَيْنَ الذينَ إلى لذَاتِهَا رَكَنُوا … قَدْ كَانَ فِيْهَا لَهُم عَيْشُ وَمُرْتَفَقُ أَمْسَتْ مَسَاكِنُهُم قَفْرًا مُعَطَّلَةً … كأنَّهُم لَمْ يَكنُوا قَبْلَهَا خُلقُوا يَا أَهْل لَذَّاتِ دَارٍ لا بَقَاء لَهَا … إِنَّ اغْتَرَارًا بِظلٍ زَائِلٍ حُمُقُ ٣٧٨- وعن ابن السماك وقد قرأها إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع أن تنفد: تَنَبَّهْ فإِنَّ الدَّهر ذُو فَجَعَاتِ … وَشَمْلُ جَمِيْع صَائِرٌ لِشَتَاتِ تَخَلَّفُ مأمُوْلاتُنا وَكَأَنَّنَا … نَسِيْرُ إِلَيْهَا لا إِلى الغَمَراتِ هَلْ المَرْءُ فِي الدُّنْيَا الدَّنيَّةِ نَاظِرٌ … سِوَى فَقَدْ حِبٍّ أَوْ لِقَاءِ مَماتِ سَيُسْقَى بَنُو الدنيا كؤوسَ حُتُوفِهِم … إلى أَنْ يَنَامُوا لا مَنَامَ سُبَاتِ

стр. 848

وَمَا فَرِحَتْ نَفْسٌ بِبَلْوَى وَقَدْ رَأَتْ … عِظَاتٍ مِنَ الأَيْامِ بَعْدَ عِظَاتِ إِذَا بَغتَتَ أَشْيَاءُ قَدْ كَانَ مِثْلُها … قَدِيمًا فَلا تَعْتدها بغتاتِ وَأَعْقِبْ مِن النَّومِ التَّيَقُظ رَاشِدًا … فلا بُدَّ لِلنُّوامِ من يَقظاتِ ومن عظة الحسن البصري لعمر بن عبد العزيز أما بعد فإن الدنيا دار ظعن ليست بدار إقامة لها في كل حين قتيل تذل من أعزها وتفقر من جمعها هي كالسم يأكله من لا يعرفه وفيه حتفه فكن فيها كالمداوي جراحه يحتمي قليلا مخافة ما يكره طويلا ويصبر على شدة الدواء مخافة طول الداء، فأحذر هذه الدنيا الخداعة الغدارة الختالة التي قد تزينت بخدعها وقتلت بغرورها وتحلت بآمالها وسوفت بخطابها. فأصبحت كالعروس المجلية العيون إليها ناظرة والقلوب عليها والهة وهي لأزواجها كلهم قالية، فلا الباقي بالماضي معتبر ولا الآخر بالأول مزدجر، فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته فاغتر وطغى ونسي المعاد فشغل فيها لبه حتى زلت به قدمه فعظمت ندامته وكثرت حسرته واجتمعت عليه سكرات الموت وتألمه وحسرات الفوت بغصته وراغب فيها لم يدرك منها ما طلب ولم يرح نفسه من التعب فخرج بغير زاد وقدم على غير مهاد. فاحذرها يا أمير المؤمنين وكن أسر ما تكون فيها أحذر لها فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن فيها إلى سرور أشخصته إلى مكروه وضار وقد وصل الرخاء منها بالبلاء وجعل البقاء إلى فناء فسرورها مشوب بالأحزان أمانيها كاذبة وآمالها باطلة وصفوها كدر وعيشها نكد وابن آدم فيها على خطر اهـ , وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 849

(فصل) ٣٧٩- اعلم أن عدم الاهتمام بأمر الموت وعدم الروعة منه وما بعده والله أعلم حب الدنيا والهوى وطول الأمل والشيطان والنفس الأمارة بالسوء وقيل والله أعلم إن السبب الحقيقي هو سلب الله للخواطر المنصرفة إلى ذكر الموت وتصور حقيقة أمره، وسلب الدواعي إلى الاشتغال به لما في ذلك من الاعتماد على الدنيا وانتظام أمرها الذي هو مقصود للحكيم. ٣٨٠- ولما كان الموت أمرا حتما لا بد منه لكل نفس فلا بد من تذكره دائما وأبدا ففي تذكره محاسبة للنفس على ما قدمت من خير أو شر فإن قدمت خيرا فذكر الموت يريحها ويحثها على التزود من الأعمال الصالحة والابتعاد عن كل شر وإن فرطت وأهملت واستمرت على فعل المعاصي والشرور فذكر الموت يردعها عن غيها وطغيانها ويحول بينها وبين عبثها. يَا وَيْحَ نَفْسِي من تتابع حَوْبتي … لو قد دعاني للحساب حسيبي فَاسْتَيْقِظِي يَا نَفْسُ وَيَحكِ وَاحْذَرِي … حذرًا يَهيجُ عَبْرتي وَنَحِيْبي وَاسْتَدرِكي ما فات مِنْكِ وسابِقي … سَطواتِ موْتٍ لِلْنُفُوس طَلُوبِ وَابْكِي بُكاء المُسْتَغِيْثِ وَأعْولِي … إِعْوالَ عَانٍ في الوثاقِ غَرِيْبِ هَذَا الشَّبَابُ قَدْ اعْتَلَلْتُ بِلَهْوِهِ … أَفَلَيْسَ ذَا يَا نَفْسُ حِيْنَ مَشيْبِي هَذَا النَّهَار يَكرُّ وَيْحَكِ دَائِبًا … يَجْرِي بِصَرْف حَوادثٍ وخُطُوبِ هَذَا رقيْبٌ لَيْسَ عَنِّي غافِلاً … يُحْصِي عليَّ وَلَوْ غَفَلْتُ ذُنوبِي أَوَ لَيْسَ مِنْ جَهْلٍ بِأَنِّي نَائِمٌ … نَوْم السَّفِيْهِ وَمَا يَنامُ رَقِيْبِي

стр. 850

وقال بعضهم: لو عرفت منك نفسك التحقيق لسارت معك في أصعب مضيق، لكنها ألفت التفاتك، فلما طلبت قهرها فاتك هلا شددت الحيازم وقمت قيام حازم، وفعلت فعل عازم، وقطعت قطع جازم، تقصد الخير ولكن ما تلازم. وَيَعْرِفَ أَخْلاق الجبان جوادُهُ … فَيُجْهِدُهُ كَرًّا وَيُرْهِبُهُ ذُعْرًا وَمَنْ يَحْلُ تَطْلابُ المَعَالِي بِصَدرِهِ … يَجَدْ حُلْوَ مَا يُعْطَاهُ مِنْ غَيْرها مُرًّا ٣٨٤- أحسن القول ما وافق العمل قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ . ٣٨٥- انتبه يا من ضيع عمرا طويلا حمل فيه وزرا ثقيلا كم نصب الموت لك دليلا إذ ساق العزيز ذليلا ولقد حمل إلى القبور جيلا بعد جيلا ونادى في الباقين رحيلا رحيلا فيا إخواني البدار البدار فقد ذهبت الغفلات بالأعمار. مَكْرُ الزَّمَانِ عَلينا غَيْرُ مَأْمُوْنِ … فَلا تَظُنَّنَّ أَمْرًا غَيْرَ مَظْنُونِ بَلْ المخوفُ عَلينا مَكْرة أنْفُسِنا … ذات المني دُوْن مَكْرِ البِيْضِ والُجوِن إِنَّ اللَّيالِي وَالأَيَّام قد كَشَفَتْ … مِن مَكْرِها كُلَّ مَسْتَورِ وَمَكْنُونِ وَحَدَّثتنا بأنا من فرائِسَهَا … نَواطِقًا بِفَصِيْح غَيْر مَلْحُونِ واسْتَشْهَدَتْ من مَضَى مِنَّا فَأَنْبَأنا … عن ذاك كُلُّ لَقى مِنَّا وَمَدْفُونِ وأُمُ سُوءٍ إِذَا مَا رَامَ مُرْتضِعٌ … أَخْلافها صَدَّ عنها صدَّ مَزْبُونِ وَنَحْن في ذَاكَ نُصْفيها مَودَّتَنَا … تَبًّا لِكُل سَفِيهِ الرَّأي مَغْبُون نَشْكُو إِلى اللهِ جَهْلاً قَدْْ أضرَّ بِنَا … بَلْ لَيْسَ جَهْلاً وَلَكِنْ علم مَفْتُون

стр. 851

أَغوى الهَوى كُلَّ ذِيْ عَقْلٍ فَلَسْتَ تَرَى … إلا صَحِيْحًا لَهُ أَفْعَالُ مَجْنُونِ اللهم اجعلنا من المتقين الأبرار وأسكنا معهم في دار القرار، اللهم وفقنا بحسن الأقبال عليك والإصغاء إليك ووفقنا للتعاون في طاعتك والمبادرة إلى خدمتك وحسن الآداب في معاملتك والتسليم لأمرك والرضا بقضائك والصبر على بلائك والشكر لنعمائك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله أجمعين. فصل ٣٨٦- ينبغي لمن وصل إلى عمر النبي ﷺ ثلاث وستون سنة (٦٣) أن يحرص كل الحرص على حفظ وقته والاعتناء به وتعبيته في الباقيات الصالحات ويجعل الغالب عليه المداومة على تلاوة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والتهيؤ للرحيل ويتفقد نفسه وما عليه من حقوق الله وحقوق خلقه ويوفر على نفسه إلا من تصنيف يفتقر إليه ولتكن همته في تهذيب أخلاقه وتنظيف نفسه وتنقيتها وتفقد زلاته وملازمة ذكر الله ليلا ونهارا سرا وجهارا في كل مكان إلا في محل قضاء الحاجة، والمحلات المستقذرة ويكرر ذكر الله والاستغفار خشية أن يفجأه الموت وهو غافل عنه. أَعِدْ ذكر قال الله قال رَسولُهُ … هُمَا المِسْكِ ما كَرَّرْتهُ يَتَضَوَّعُ قال أحد العلماء أعجب ممن عرف الله فعصاه وعرف الشيطان فاتّبعه وعرف الدنيا فركن إليها ٣٨٧- أعز الأشياء وأشرفها عند الإنسان قلبه ووقته فإذا أهمل قلبه وضيع وقته فماذا بقي معه كل الفوائد ذهبت.

стр. 852

٣٨٨- متى ما جرى أمر لا تعرفه ولا تفهمه ولا تعرف علته فانسب ذلك إلى قصور علمك قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ . ٣٨٩- ينمو الفكر بأربع إدامة التفكير، ومطالعة الكتب النافعة واليقظة لتجارب الحياة والإلحاح على الله بالدعاء. موعظة لله در العارفين بزمانهم إذا باعوا ما شانهم بإصلاح شأنهم، ما أقل ما تعبوا وما أيسر ما نصبوا، وما زالوا حتى نالوا ما طلبوه، شمروا عن سوق الجد في سوق العزائم ورأوا مطلوبهم دون غيره ضربة لازم، وجادوا مخلصين فربحوا وصبحوا منزل النجاة وأنت في اللهو نائم، متى تسلك طريقهم يا ذا المآثم. للهِ قَومٌ أَطَاعُوا الله خَالِقَهُم … فآمنوا واسْتَقَامُوا مِثْل ما أُمِرُوا وَالوَجْدُ والشوقُ وَالأَفْكَارُ قُوتهُمُوا … وَلازَمُوا الجَدَّ والإدْلاجَ في البُكَرِ وَبَادَرُوا لرِضَا مَوْلاهُمُوا وَسَعَوْا … قَصْدَ السَّبِيْلِ إليه سَعْي مُؤْتَمِرِ وَشَمَّرُوا وَاسْتَعَدُّوا وِفْقَ ما طُلِبُوا … وَاسْتَغْرقوا وَقْتهُم في الصَّوم والسَّهرِ وَجَاهَدُوا وانْتهوا عَمَّا يُبَاعِدُهم … عَنْ بَابِهِ وَاسْتَلانُوا كُلَّ ذِي وَعرِ جَنَّاتُ عَدْنٍ لَهُم مَا يَشتهون بها … في مَقْعَدِ الصِّدْقِ بَيْنَ الرَّوض والزَّهرِ لَهُم مِنَ اللهِ مَا لا شَيءَ يَعْدِلُهُ … سَمَاعُ تَسْليمِهِ وَالفَوزُ بِالنَّظرِ ٣٩٠- نصيحة تنعم بمالك قبل أن يتنعم به غيرك واحرص على بذله فيما يقربك إلى الله والدار الآخرة كبناء المساجد وبث كتب دينية تعين على فهم كتاب الله

стр. 853

وسنة رسوله ﷺ واحذر أن يكون مالك عونا على معاصي الله كالاتجار بالمحرمات كآلات اللهو من فيديوات أو مذياع أو كورات أو دخان أو سينمات أو تليفزيون، واحذر أن تؤجر من يتعاطى هذه المحرمات أو من يبيع المحرمات أو يحلق اللحا أو يصور أو يبيع الصور واحذر مقارنة من يتعاطى هذه المحرمات وخصوصا الذين يلعبون بالكورة أو يحضرونها. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ فاحرص كل الحرص على حفظ وقتك وعبه بطاعة الله من تلاوة كتابه وحفظه، وسنة رسوله ﷺ فإنك مسئول عن عمرك فيما أفنيته. شعرا: مَا دَارُ دُنْيًا لِلْمُقِيمِ بِدَارِ … وَبِهَا النُّفوسُ فَريْسَةُ الأقْدارِ مَا بَيْنَ لَيْلٍ عاكفٍ وَنَهارِهِ … نَفَسَان مُرْتَشِفَانِ للأعْمَارِ طُولُ الحَياة إِذَا مَضَى كَقَصِيْرهَا … وَاليُسْرُ لِلإنْسَانِ كَالإِعْسَارِ وَالعَيْشُ يَعقبُ بِالمَرارَةِ حُلْوَهُ … وَالصَّفْوُ فِيْهِ مُخَلَّفُ الأَكْدَارِ وَكَأنَّمَا تَقْضِي بُنِيَّاتُ الرَّدَي … لِفَنَائِنَا وَطَرًا مِن الأَوْطَارِ وَالمَرءُ كَالطيْفِ المُطِيفِ وَعُمْرُهُ … كَالنَّومِ بَيْنَ الفَجْر والأَسْحَارِ خَطْبٌ تَضَاءَلَتَ الخُطُوبُ لِهَوْلِهِ … أَخْطَارُهُ تَعْلُو عَلَى الأَخْطَارِ ط نُلْقِي الصَّوارِمَ والرمَاحَ لِهَوْلِهِ … وَنَلَوْذُ مِنْ حَرْبٍ إلى اسْتِشْعَارِ إِنَّ الذينَ بَنَوا مَشِيْدًا وَانْثَنَوا … يَسْعَونَ سَعْي الفَاتِكَ الجَبَّارِ سُلبُوا النَّضَارَةَ والنَّعِيْمَ فَأصْبَحُوا … مُتَوسِّدِيْنَ وَسَائِدَ الأَحْجَارِ تَركُوا دِيَارَهُمُ على أَعْدَائِهِم … وَتَوسَّدُوا مَدَرًا بِغَيْرِ دِثَارِ

стр. 854

خَلَطَ الحِمَامُ قَويَّهُم بِضَعِيْفِهم … وَغَنِيَّهُم سَاوَي بِذِي الإِقْتَارِ وَالخَوفُ يُعْجِلُنَا عَلَى آثَارِهِم … لا بُدَّ مِن صُبْحٍ المُجِدِّ السَّارِي وَتَعَاقُبُ المَلَويْن فِيْنَا نَاثِرٌ … بِأكَرِّ مَا نَظَمَا مِن الأَعْمَارِ شعرا: اعْتِزَلْ أَهْلَ المَلاهِي وَالكرُةْ … واحْذَرْ الفِديُو وَتِلْفَازَ الضَّرَرْ كَمْ بِهَا قَدْ ضَاع عُمْر يَا فَتِى … لَوْ صُرِفْ فِي طَاعَةٍ نِعْمَ الذُّخُرْ والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 855

(فصل) يحتوي على أمثلة نافعة ٣٩٠- من تعلم العلم النافع وهو ما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ وعمل بما علم انتفع ونفع وساد، قال بعضهم مثل من تعلم العلم وعمل به، مثل رجل رزقه الله مالا حلالا طيبا فانتفع به وتنعم به وأنفق منه على جيرانه وأقاربه والمسلمين، ومثل من يتعلم العلم فيعمل به في نفسه ولا يعلم غيره مثل رجل رزقه مالا كثيرا فانتفع به وتنعم به آناء الليل والنهار. ولا يعطف به على أقاربه ولا جيرانه من المسلمين ولا غيرهم ومثل من يتعلم العلم ولا يعمل به ولا يعلمه الناس مثل رجل رزقه مالا كثيرا فكل من أخذ منه أو سرق منه لا يبالي بذلك ولا ينفق على نفسه منه ولا على عياله ويموت عياله عريا وجوعا وهو أيضا في بؤس وعري وفاقة من المطعم والمشرب والملبس لا تسمح٠ نفسه أن يأكل منه شيئا فقد خسر هو في الدنيا والآخرة نسأل الله العفو والعافية، ومثل من يتعلم العلم للرياء والسمعة ويبذله للناس للمباهات والرفعة في الدنيا مثل السراج ينور للناس، ويحرق نفسه، ومثله أيضا كمثل رجل وضع السراج على طرف سطحه على الشارع فانتفع به المارون في الطريق وبيته مظلم ومثل من يطلب العلوم الكثيرة ويجمعها ولا يعمل بها ولا يرى أثر ذلك عليه فيجمع كتب العلم دائما ولا يمل من طلبها وجمعها مثل من يجمع كل يوم طعاما كثيرا من فنون الأطعمة والأشربة والفواكه وكثيرا مما يسرع إليه التلف ولا يأكل منها ولا يشرب منها وهو جائع وعريان أو يأكل شيئا بسيطا منه فلا يعتبر هذا عاقلا.

стр. 856

وقال بعض العلماء: اعلم أن للعالم العامل بعلمه حقيقة علامات وأمارات تفرق بينه وبين علماء اللسان المخلطين المتبعين للهوى المؤثرين للدنيا على الآخرة. فمن علامات العالم الحقيقي الممتاز أن يكون متواضعا خائفا وجلا مشفقا من خشية الله زاهدا في الدنيا قانعا باليسير منها بعيدا عن الحسد والعجب والغيبة والنميمة والمداهنة. ملتمسا للفقراء المتمسكين بدينهم الخالية بيوتهم من الملاهي والمنكرات الذين ليس لهم موارد ولا مساكن ليسعفهم بما يقدر عليه من مال وجاه. ناصحا لعباد الله شفيقا عليهم رحيما بهم، آمرا بالمعروف فاعلا له وناهيا عن المنكر، ومجتنبا له ومسارعا في الخيرات ملازما. دالاً على الخير داعيًا إلى الهدى، ذا صمتِ وتوأدة ووقار وسكينة. حسن الأخلاق، واسع الصدر، لين الجانب، مخفوض الجناح للمؤمنين لا متكبرا ولا متجبرا ولا طامعا في الناس، ولا حريصا على الدنيا ولا مؤثرا لها على الآخرة. ولا منهمكا بجمع المال، ولا مانعا له عن حقه، ولا فظا ولا غليظا، ولا مماريا، ولا مخاصما بالباطل، ولا سيئ الأخلاق، ولا ضيق الصدر، ولا مداهنا، ولا مخادعا، ولا غشاشا، ولا مقدما للأغنياء على الفقراء، ولا مرائيا ولا محبا للولايات. وبالجملة فيكون متصفا بجميع ما يحثه عليه الكتاب والسنة، مؤتمرا بما يأمرانه به من الأخلاق المحمودة والأعمال الصالحة.

стр. 857

مجانبا لما ينهى عنه كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ من الأخلاق والأعمال المذمومة. وهذه صفات ينبغي أن يتصف ويتحلى بها كل مؤمن، إلا أن العالم وطالب العلم أولى أن يتصف بها ويحافظ عليها ويدعو إليها. وينبغي للعالم أن يكون حديثه مع العامة في حال مخالطته لهم في بيان الواجبات والمحرمات ونوافل الطاعات وذكر الثواب والعقاب على الإحسان والإساءة. ويكون كلامه بعبارة يعرفونها ويفهمونها، ويبين لهم الأمور التي هم ملابسون لها. ولا ينبغي له أن يسكت حتى يسأل وهو يعلم أنهم محتاجون إليه، أو مضطرون له والله الموفق. شعرا: وَنَفسكَ فازْجُرْها عَن الغَي والخَنَا … وَلا تَتَّبْعها فَهي أُسُّ المَفَاسِدِ وَحَاذِرْ هَواهَا مَا اسْتطعَتَ فَإِنَّهُ … يَصُدُّ عَن الطاعاتِ غَيْرَ المجاهِدِ وَإِن جهادَ النَّفس حَتْمٌ على الفتى … وإنَّ التُّقَى حَقًّا لِخَيْرُ المَقَاصِدِ فَإِنْ رُمْتَ أن تُحْظى بنَيْل سعادةٍ … وَتُعْطى مَقَامَ السالكينَ الأَمَاجِدِ فَبَادِرْ بِتَقْوَى الله واسْلُكْ سبيلها … ولا تَتَّبعْ غَيَّ الرَّجيم المُعَانِدِ وَإِيَّاكَ دُنْيا لا يَدُومُ نَعِيْمُهَا … وَإِنَّكَ صَاح لَسْتَ فِيْهَا بِخَالِدِ تَمَسَّكَ بِشَرْعِ اللهِ وَالْزَمْ كِتَابهُ … وَبِالعِلْمِ فاعْمَلْ تَحْوِ كُلَّ المَحَامِدِ اللهم امنن علينا بإصلاح عيوبنا واجعل التقوى زادنا وفي دينك اجتهادنا وعليك توكلنا واعتمادنا واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 858

فائدة عظيمة النفع ويليها موعظة ٣٩١- عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ﷺ "رأس الشكر الحمد لله وما شكر الله عبد إلا بحمده" فالشكر أصله في القلب، ومعرفة العبد بربه أنه لا شريك له، وفرعه على اللسان وهو كلمة لا إله إلا الله وتحقيقه في الطاعات فمن أكثر قول (لا إله إلا الله) فإنه يحط خطاياه، ومن أكثر من قول (الحمد لله) فإنه يحط عن نفسه أثقال الشكر، وينبغي لمن متعه الله فوصل إلى ثلاث وستين سنة أن يستغرق أوقاته مهما أمكنه في تلاوة كلام الله والإلمام بكلام رسوله، والإكثار من ذكر الله إناء الليل والنهار قائما وقاعدا مضطجعا وماشيا، ويجعل معه شيئا يذكره إذا غفل، وإذا حضر مع أناس في مجلس أو في سيارة أو طائرة أو سفينة أن يشغلهم بذكر الله وحمده والثناء عليه وتعداد نعمه لئلا يقعوا في غيبة أو في أمور لا فائدة فيها ليحصل لهم أجر ويحصل له مثل أجرهم لحديث من دل على خير فله مثل أجر فاعله. عَليكَ بِذِكرِ الله في كُلِّ لَحْظةٍ … فَمَا خَابَ عَبْدٌ للمُهَيْمنِ يَذْكر آخر: لَوْ يَعْلَم العَبْدُ مَا في الذِّكْر مِن شَرَفٍ … أَمْضَى الحَيَاةَ بِتَسْبِيْحٍ وَتَهْلِيْلٍ موعظة إخواني اعتبروا بالذين قطنوا وخزنوا كيف ظعنوا وحزنوا انظروا إلى آثارهم تعلموا أنهم قد غبنوا ضيعوا الأوقات النفيسة في الملاهي الخسيسة ولاحت لهم الدنيا فاغتروا بها وفتنوا فما انجلى سحاب المني حتى ماتوا ودفنوا وكأن الغافلين بهم قد لحقوا وتندموا على تفريطهم وحزنوا.

стр. 859

شعرا: جَمَعُوا فَمَا أَكَلُوا الذِي جَمَعُوا … وَبَنَوْا مَسَاكِنَهُم فما سَكَنُوا فَكَأنَّهُم كانُوا بِهَا ظَعَنًّا … لِمَا اسْتَرَاحُوا سَاعَةً ظَعَنُوا قال شداد بن أوس لو أن الميت نشر فأخبر أهل الدنيا بألم الموت ما انتفعوا بعيش ولا التذوا بنوم، وكان عمر بن عبد العزيز يجمع الفقهاء كل ليلة فيتذكرون الموت والقيامة ثم يبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة. شعرا: أَلا يَا غَفَلاً تُحْصَى عليه … مِنَ العَمَل الصَّغِيْرةُ وَالكَبِيْرة يُصَاحُ بِهِ وَيُنْذَرُ كُلَّ يَوْمٍ … وَقَدْ أَنْسَتْهُ غَفْلَتُهُ مَصِيْرَه تَأَهَّبْ لِلرَّحِيْل فَقَدْ تَدَانَي … وَأَنْذَرَك الرَّحِيْلَ أَخٌ وَجِيْرَة وَكَمْ ذَنْبٍ أَتَيْتَ عَلَى بَصِيْرة … وَعَيْنُكَ بالذِي تَأَتِي قَرِيْرَة تُحَاذِرُ أَنْ تَراكَ هُنَاكَ عَيْنٌ … وإِنَّ عَلَيْكَ للعَيْنُ البّصِيْرَة وَكَمْ مِن مَدْخَل لَوْ مُتَّ فِيْه … لَكُنْتَ بِهِ نَكَالاً لِلْعَشِيْرَة وُقِيْتَ السُوءَ وَالمكرُوُه مِنْهُ … وَرُحْتَ بِنعْمَةٍ فِيْهِ سَتِيْرَة اللهم إنا نسألك الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لا نعلم ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم ونسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل ونسألك أن تغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين وترحمنا وإياهم برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 860

موعظة إخواني مر الزمان وعظ الألباب ويكفي في الإنذار موت الأقارب والجيران والأصحاب وكم ترون في التراب من أتراب أغمدت تلك السيوف كم فرح بشهر وإهلاله متهلل لرؤية هلاله اختطفه الموت في خلاله وكم مائل إلى جمع ماله تركه تركة ومر بأثقاله هل رحم الموت مريضا لضعف حاله وأوصاله أو هل ترك كاسبا لأجل أطفاله هل أمهل ذا عيال من أجل عياله، كم أيتم طفلا صغيرا ولم يباله، فلله در أقوام علموا قرب الرحيل، فهيئوا آلة السفر وهونوا بالدنيا فقنعوا منها مما حضر واستوثقوا بقفل التقوى من أذى النطق والنظر مالك خبر بحالهم ولا عندك منهم خبر قاموا بالجد وقعدت، وسهروا في الدجي ورقدت. شعرا: لَمَّا رَأَيْتُ مُنَادِيْهم أَلَمَّ بِنَا … شَدَدتُ مِيْزَر إِحْرَامي وَلبَيْتُ وقُلْتُ لِلنَّفْسِ جُدِّي الآن واجْتَهِدِي … وَسَاعِدِيْنِي كَهَذَا مَا تَمَنَّيْتُ آخر: قَوْمٌ هُمُومُهم بِاللهِ قَدْ عَلِقَتْ … فَمَا لَهُم هِمَمٌ تَسْمُو إِلى أَحَدِ فَمَطْلبُ القَوم مَوْلاهُم وَسَيِّدهُم … يَا حُسْنَ مَطْلَبِهم لِلواحِد الصَّمَدِ مَا إِنْ تُنَازِعُهُم دُنْيَا وَلا شَرفٌ … مِن المَطَامِعِ والذَّاتِ والوَلَدِ ولا لِلْبسِ ثِيابٍ فَائِقٍ أَنِقٍ … وَلا لِرَوْحِ سُرُوْرٍ حَلَّ فِي بَلَدِ إِلا مُسَارَعَةً فِي إِثْرِ مَنْزِلَةٍ … قَدْ قَارَبَ الخَطْو فيها بَاعِد الأبَدِ اللهم سلمنا من شرور أنفسنا التي هي أقرب أعدائنا وأعذنا من عدوك

стр. 861

واعصمنا من الهوى ومن فتنة الدنيا ومكن محبتك في قلوبنا وقوها وألهمنا ذكرك وشكرك وفرح قلوبنا بالنظر إلى وجهك الكريم في جنات النعيم واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. موعظة إخواني مر الأقران على مدرجة، وخيول الرحيل للباقين مسرجة وسار القوم إلى القبور هملجة وباتت أرواح من الأشباح مستخرجة إلى كم هذا التسويف وبضائعكم كل غش وبهرجه وستعرفون الخبر وقت الحشرجة. لَعَمْرُكَ مَا يَغْنَي الثراءُ عَن الفَتَى … إِذَا حَشْرَجَتْ يَومًا وَضَاقَ بِهَا الصدر ثم اعلم أن في ذكر الموت فوائد عديدة من ذلك أنه يردع عن المعاصي ويلين القلب القاسي ويذهب بالفرح والسرور في الدنيا ويزهد فيها ويهون المصائب. ثانيًا: التأثر في مشاهدة سكراتهم عند نزع الروح وشخوص أبصارهم عند نزع الروح وتسللها من الجسد وعجزهم عن الكلام عند خروجها وتأمل صورهم بعد خروج الروح فإن في ذلك ما يقطع عن النفوس لذاتها ويطرد عن القلوب مسراتها ويمنع الجفون من النوم ويمنع الأبدان من الراحة ويبعث على الجد والاجتهاد في العمل للآخرة فروي عن الحسن البصري أنه دخل على مريض يعوده فوجده في سكرات الموت فنظر إليه وما حل به من الكرب وشدة ما نزل به فرجع إلى أهله بغير اللون الذي خرج به فعرضوا عليه الطعام فلم يأكل وقال فوالله لقد رأيت مصرعا لا أزال أعمل له حتى اللقاء.

стр. 862

شعرا: لا مِرْيَةَ في الرَّدَى ولا جَدَلْ … العُمْرُ دَيْنٌ قَضَاؤُه الأَجَلْ لِلْمَرء في حَتْفِ أَنْفِهِ شُغُل … فَمَا تُرِيْدُ السُّيُوفُ وَالأَسَلْ يَفْرِي الدُّجى والضُحى بِأسْلحةٍ … سِيَّانِ فِيْهَا الدُّرُوْعُ وَالحُلَلْ كَأْسٌ أُدِيْرَتْ عَلَى لذَاذاتِهَا … عَدل فِيْهَا الزُّعَافُ وَالعَسَلْ كُلٌّ إلى غَايةٍ يَصِيْرُ وَلا … تَمْيِيْز إلا الإِسْرَاعِ وَالمَهَلْ والناسُ رَكْبٌ يَهْوَوْنَ حَثَّهم … وَلا يُسَرُّوْنَ أَنَّهُم نُزُلْ كَيْفَ يَعُدُّ الدُّنْيَا لَهُ وَطَنًا … مَن هُو عَنْهَا يَنْأى وَيَنْتَقِلْ نَسْخُوا بِأَعْمَارِنا وَنَبْخَلُ … بِالمَالِ فَتَبَّ السَّخَاءُ وَالبُخلْ وَلَوْ نَجَا الهَائِبُ الجَبَانُ مِن … المَوْتِ نَجا في إِقْدَامِهِ البَطَلْ مَا أَسْلَمُوا هذِه النُّفُوس إلى … الأجدَاثُ إِلا إِذَا ضَاقَتِ الحِيَلْ اللهم يسر لنا سبيل الأعمال الصالحات وهيئ لنا من أمرنا رشدا واجعل معونتك العظمى لنا سندا واحشرنا إذا توفيتنا مع عبادك الصالحين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال بعض العلماء: إلى متى تبقى بدائك هذا الذي حل بك برائك لقد حل فناؤك بفنائك وأخبر أن انتقاض بنائك بنمائك وإن وراءك طالبا لا تفوته وقد نصب لك علم لا تجوزه فما أسرع ما يدركك الطالب، وما أعجل ما تبلغ العلم هذا الموت غدا يقول الرحيل غدا كيف بكم إذا صاح إسرافيل في الصور بالصور

стр. 863

فاسمع العظام البالية تحت المدر فاجتمعت فقامت تبكي على فوات الخير وسار الخلائق كلهم حفاة عراة. قال الله جل وعلا ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ وترى الخلائق كل مشغول بما عراه وقد رجت الأرض رجا وبست الجبال بسا قال الله جل وعلا: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ هنا تذهل العقول ويشيب الأطفال قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ . أَيا نَفْسُ حَقَكِ أَنْ تَجْزَعِي … وَيَا عَيْنُ إِيَّاكِ أن تَهْجَعِي وَيَا أُذُنِي إِنْ دَعَاكِ دَاعِ الهَوَى … فَإِيَّاكِ إِيَّاكِ أَنْ تَسْمَعِي وَبِاللهِ يَا جَفْنُ عَيْنِي القَرِيح … خَرَّجْ بِفَيْضِ الدَّمَا أَدْمُعِي وَيَاكُلُ جَارِحَةٍ لِي عَليكِ … حَفيْظٌ فَابْكِ وَنُوحِي مَعِي يُسَارُ بنا مِنَ مَوضع إِلى مَوضع … نَرْحَلُ عنهُ إلى مَوْضِع إلى حَيْثُ لا العَيْن فيه ترى … وَلا الأذْنُ إن خاطبوها تَعِي فَيَا وَيْلَنَا مِن طَرِيْقٍ هُناك … طَوِيْلٌ بَعِيْدُ المَدَى مَسْبَعُ

стр. 864

خطبة أيضا الحمد لله العلي الأعلى، الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى، له ملك السموات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى، الملك الحق المبين الذي على العرش استوى، وعلى الملك احتوى، وقد وسع كل شيء رحمة وعلما، أحمده سبحانه وبحمده يلهج أولو الأحلام والنهى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له عالم السر والنجوى، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى كلمة التقوى، اللهم صلى على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أئمة العلم والهدى، وسلم تسليما كثيرا. أما بعد فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى حق التقوى، وراقبوه مراقبة من يعلم أنه يسمع ويرى، فقد طال إعراضكم عن النبأ العظيم تغافلا وجهلا، وكثر اشتغالكم بالعرض الخسيس الأدنى، وصار إقبالكم على ما يصد عن الصراط السوى والهدي. أما أيقظكم ما رأيتموه من حوادث القدر والقضا، أما أنذركم ما سمعتموه من أخبار من كذب وعصى، ومن أعرض عما جاءت به الرسل وغلبه عليه الشقاء والهوى، كيف وجدوا عقوبات الذنوب، وكيف كان الحال بمن بغى وطغى، بلغتهم دعوة الرسل فلم يجيبوا، ورفعت إليهم المواعظ فلم يلتفتوا ولم ينيبوا. فجاءهم أمر الله بغتة وأصيبوا، فهل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا، سل عنهم تلك القصور الدامرة، والقبور الداثرة والعظام الناخرة، وكيف كان السؤال والجواب، وهل وجدوا لهم من دون الله ملجأ وإزرا، فاتقوا الله عباد الله وأعملوا ليوم العرض والجزاء، ولا تكونوا ممن

стр. 865

أعرض عن ذكر ربه ولم يرد إلا الحياة الدنيا. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل، لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم خطبة أيضا الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، فصل وبين وقرر صراطا مستقيما ومنهجا، ونصب ووضح من براهين معرفته وتوحيده سلطانا مبينا وحججا، أحمده سبحانه حمد عبد جعل له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة ترفع الصادقين إلى منازل المقربين درجا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي وضع الله برسالته عن المكلفين آصارا وأغلالا وحرجا. اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه خير الأنام طريقة وأهداهم منهجا، وسلم تسليما كثيرا، أما بعد فيا أيها الناس اتقوا الله حق تقواه، وسارعوا إلى مغفرته ورضاه، فقد خلقكم لأمر عظيم، وهيأكم لشأن جسيم، خلقكم لمعرفته وعبادته، وأمركم بتوحيده وطاعته، وجعل لكم

стр. 866

ميعادا تجتمعون فيه للحكم فيكم وفصل القضاء بينكم فخاب وشقي عبد أخرجه الله من رحمته التي وسعت كل شيء وجنة عرضها السموات والأرض، وإنما يكون الأمان غدا لمن خاف واتقى، وباع قليلا بكثير، وفانيا بباق، وشقوة بسعادة، عباد الله، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين تتقلبون. ويستخلفها بعدكم الباقون. ألا ترون أنكم في كل يوم تشيعون غاديا ورائحا إلى الله قد انقضى أجله وانقطع عمله فتضعونه في بطن صدع من الأرض غير ممهد ولا موسد قد خلع الأسباب، وفارق الأحباب، وواجه الحساب، فاتقوا الله عباد الله وبادروا بالتوبة قبل أن يغلق الباب ويسبل الحجاب أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. خطبة أيضا الحمد لله فاطر الأرض والسموات، عالم الأسرار والخفيات، المطلع على الضمائر والنيات، وأحاط بكل شيء علما، ووسع كل شيء رحمة وحلما، وقهر كل مخلوق عزة وحكما يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما، لا تدركه الأبصار، ولا تغيره الدهور والأعصار، ولا تتوهمه الظنون والأفكار، وكل شيء عنه بمقدار، أتقن كل ما صنعه وأحكمه وأحصى كل

стр. 867

شيء وعلمه، وخلق الإنسان وعلّمه، أحمده سبحانه على ما ألهمه من معلوم وفهمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من عرف الحق والتزمه. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل من صدع بالحق وأسمعه. الله صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وسائر من نصره وكرمه، وسلم تسليما كثيرا أما بعد فيا أيها الناس اتقوا الله حق التقوى، واعرفوا ما دلت عليه هذه الكلمة من الحقيقة والمعنى، وتفطنوا لتفاصيل ذلك على القلوب والأعضاء، وتدبروا كتاب الله واعرفوا ما فيه من العلم والهدى، وعالجوا به أمراض القلوب فهو الدواء النافع والشفا، وهو السبب الأعظم في حصول السعادة والسيادة في الآخرة الأولى، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله، ومن أعرض عنه استحوذ عليه الشيطان وتولاه. فهو حبل الله المتين، ونوره المبين، وصراطه المستقيم. قال جندب بن عبد الله ﵁: عليكم بالقرآن فإنه نور بالليل وهدي بالنهار، فاعملوا به على ما كان من فقر وفاقة فإن عرض بلاء فقدم مالك دون نفسك، فإن تجاوز البلاء فقدم نفسك دون دينك، فإن المحروب من حرب دينه، والمسلوب من سلب دينه، إنه لا فاقة بعد الجنة ولا غنى بعد النار. إن النار لا يفك أسيرها ولا يستغنى فقيرها، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ ﴿

стр. 868

وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل، لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. ١٨٩- موعظة قال بعضهم: يا أيها الناس اعملوا على مهل وكونوا من الله على وجل ولا تغتروا بالأمل ونسيان الأجل ولا تركنوا إلى الدنيا فإنها غدارة خداعة، قد تزخرفت لكم بغرورها، وفتنتكم بآمانيها، وتزينت لخطابها فأصبحت كالعروس المجلية، العيون إليها ناظرة، والقلوب عليها عاكفة، والنفوس لها عاشقة، فكم من عاشق لها قتلت. وَلَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا مِن الإِنْسِ لَمْ تَكُن … سِوَى مُوْمِسِ أَفْنَتْ بِمَا سَاءَ عُمْرُهَا آخر: وَلَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا عَرُوسًا و … جَدتَهَا بِمَا قَتَلتْ أَوْلادَهَا لا تَزَوَّجُ وكم مطمئن إليها خذلت فانظر إليها بعين الحقيقة فإنها دار كثير بوائقها وذمها خالقها دار نفاد لا دار إخلاد ودار عبور لا دار حبور ودار فناء لا بقاء ودار انصرام لا دار دوام جديدها يبلى وملكها يفنى وعزيزها يذل وكثيرها يقل ودها يموت وخيرها يفوت. وقد تطابق على ما ذكر دلالات قواطع النقول وصحاح العقول والطغام وقضى به الحس والعيان حتى لم يقبل لوضوحه إلى زيادة في العرفان. وَليْسَ يَصحُ فِي الأَذْهانِ شَيءٌ … إِذَا احْتَاجَ النَّهارُ إلى دَلِيْلِ

стр. 869

ولما كانت الدنيا بهذه الحال التي ذكرت والعظة التي تقدمت جاء في القرآن الكريم من التحذير عن الاغترار بها والركون إليها والاعتماد عليها ما هو أعرف من أن يذكر وأشهر من أن يشهر. وكذلك جاءت الأحاديث النبوية والآثار الحكيمة فلهذا كان الأيقاظ من أهلها هم العلماء العقلاء الزهاد., العاملون بعلمهم الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم لم يركنوا إلى الدنيا بل اتخذوها مطية إلى الآخرة. لا علماء الألسن الذين يلبسون للناس جلود الضأن من اللين وقلوبهم قلوب الذئاب الذين يتخللون بألسنتهم كما تتخلل البقرة بلسانها، قال بعضهم وأجاد في وصف الدنيا. أَلا إِنَّما الدُّنْيَا كَجِيْفَةِ مَيْتَةٍ … وَطُلابُهَا مِثْلُ الكِلابِ الهَوَامِس وَأَعْظََمُهُم ذَمًّا لَهَا وَأَشدُّهُم … بِهَا شَغَفًا قَوْمٌ طِوَالُ القَلانُسِ وختاما فاستيقظوا رحمكم الله من غفلتكم وانتبهوا من رقدتكم قبل أن يقال فلان مريض أو مدنف ثقيل فهل من دليل يدل على الدواء لهذا العليل أو هل إلى الطبيب من سبيل. فتنقل إلى المستشفى وتدعى لك الأطباء ولا يرجى لك الشفاء ثم يقال فلان أوصى ولماله أحصى ثم يقال قد ثقل لسانه وما يقدر على أن يكلم إخوانه. وها هو في سكرات الموت لا يعرف من عنده من أولاده وإخوانه وجيرانه وعرق عند ذلك جبينك وتتابع أنينك وثبت يقينك وارتفعت جفونك وصدقت ظنونك.

стр. 870

وتلجلج وتحير لسانك وبكى أولادك وإخوانك وقيل لك هذا ابنك فلان وهذا أخوك فلان وهذه أمك وهذا أبوك وبصرك شاخص وعيونك غرقى من الدمع ولا تقدر على الكلام. فتصور نفسك يا مسكين وأنت ملقي على الأرض حتى خلقت منها جثة تتصاعد روحك والناس من حولك يبكون ولكن دون جدوى لأن قضاء الله وقدره لا بد أن ينزل بك. ثم ختم على لسانك فلا ينطق ثم حل بك القضاء وانتزعت نفسك من الأعضاء ثم عرج بها إلى السماء فاجتمع عند ذلك أولادك وإخوانك وأحضرت أكفانك وجيء بالنعش والمغسل. فجردك من الثياب وغسلك وجيء بالكفن فكفنوك وحنطوك فانقطع عوادك واستراح حسادك وانصرف أهلك إلى مالك وبقيت مرتهنا بأعمالك فيا لها من رحلة ويا له من قدوم. نَصِيْبُكَ مِمَّا تَجْمَعَ الدَّهْرَ كُلَّهُ … رِدَاءان تُلْوَى فِيْهمَا وَحَنُوْطُ آخر: تَجَرَّد مِنْ الدُّنْيَا فَإِنَّكَ إِنَّمَا … خَرَجْت إلى الدُّنْيَا وَأَنْتَ مُجَرَّدُ آخر: فَمَا تَزَوَّدَ مِمَّا كَانَ يَجْمَعُهُ … سِوى حَنوطٍ غَداة البَيْنِ فِي ِخَرِق وَغَيْرَ نفحَةِ أَعْوَادٍ تُشَبُّ لَهُ … وَقلَّ ذلكَ من زَادٍ لِمَنْطَلِقِ اللهم وفقنا للاستعداد لما أمامنا واهدنا سبيل الرشاد ووفقنا للعمل الصالح ليوم المعاد واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 871

" فصل في فوائد ذكر الله تعالى " قال ابن القيم ﵀: وفي ذكر الله أكثر من مائة فائدة يرضي الرحمن ويطرد الشيطان ويزيل الهم ويجلب الرزق ويكسب المهابة والحلاوة ويورث محبة الله التي هي روح الإسلام. ويورث المعرفة والإنابة والقرب وحياة القلب وذكر الله للعبد هو قوت القلب وروحه ويجلي صداه ويحط الخطايا ويرفع الدرجات ويحدث الأنس ويزيل الوحشة. ويذكر بصاحبه وينجي من عذاب الله ويوجب تنزل السكينة وغشيان الرحمة وحفوف الملائكة بالذاكر ويشغل عن الكلام الضار ويسعد الذاكر ويسعد به جليسه ويؤمن من الحسرة يوم القيامة وهو مع البكاء سبب لإظلال الله العبد يوم الحشر الأكبر في ظل عرشه. وأنه سبب لعطاء الله للذاكر أفضل ما يعطي السائلين، وأنه أيسر العبادات وهو من أجلها وأفضلها، وأنه غراس الجنة، وأن العطاء والفضل الذي رتب عليه لم يرتب على غيره، وأن دوام الذكر للرب ﵎ يوجب الأمان من نسيانه الذي هو سبب شقاء العبد في معاشة ومعاده. شعرا: لَوْ يَعْلَم العَبْدُ ما فِي الذِّكْرِ مِنْ شَرَفٍ … أَمْضَى الحَيَاةَ بِتَسْبِيْحٍ وَتَهْلِيْلِ آخر: مَا أَنْعَمَ العِيْشَةَ لَوْ أَنَّ الفَتَى … يُلْهَمُ تَسْبِيْحًا لِخَلاقِ الوَرَى وأن الذكر يسير العبد وهو في فراشه وفي سوقه، وأن الذكر نور الذاكر في الدنيا ونور له من قبره ونور له في معاده وأن في القلب خلة وفاقة لا

стр. 872

يسدها شيء البتة إلا ذكر الله . وأن الذكر يجمع ما تفرق على العبد من قلبه وإرادته وهمومه وعزمه والذكر يفرق ما اجتمع عليه من الهموم والغموم والأحزان والحسرات على موت حظوظه ومطالبه، ويفرق ما اجتمع على حربه من جند الشيطان. وأن الذكر ينبه القلب من نومه ويوقظه، والقلب إذا كان نائما فاتته الأرباح والمتاجر، وأن الذكر شجرة تثمر المعارف والأحوال التي شمر إليها السالكون، فلا سبيل إلى نيل ثمارها إلا من شجرة الذكر. وأن الذاكر قريب من مذكوره ومذكوره معه وهذه المعية معية خاصة، وأن الذكر يعدل عتق الرقاب ونفقة الأموال، والحمل على الخيل في سبيل الله ، وإن الذكر رأس الشكر، وأن أكرم الخلق على الله من المتقين من لا يزال لسانه رطبا من ذكر الله. وأن في القلب قسوة لا يذيبها إلا ذكر الله تعالى وإن الذكر شفاء القلب ودواؤه والغفلة مرضه، وأن الذكر أصل موالاة الله وأنه ما استجلبت نعم الله واستدفعت نقمه بمثل ذكر الله. شعرا: عَلَيْكَ بِذِكْرِ اللهِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ … فَمَا خَابَ عَبدٌ لِلْمُهَيْمِنِ يَذْكُرُ آخر: فَجالِسْ رِجَالَ العِلْمَ وَاحْفَظْ حديثهم … وَلا تَكُ لِلْجُهَّالِ يَوْمًا مُوَاخِيَا وَلازَمْ فَتَى فِي كُلِّ وَقْتٍ مُلازمٌ … لِذِكْرِ الذِي فَوْقَ السَّمَواتِ عَالِيَا لَعَلَّكَ أَنْ تَعْتَادَ لِلْذِكْرِ مِثْلَهُ … فَتُحْرِزْ غُفْرانًا وَأَعْلَى الأَمَانِيَا وأن الذكر يوجب صلاة الله وملائكته على الذاكر وأن من

стр. 873

شاء أن يسكن رياض الجنة في الدنيا فليستوطن مجالس الذكر فإنها رياض الجنة، وأن مجالس الذكر مجالس الملائكة. وأن الله يباهي بالذاكرين ملائكته، وأن مدمن الذكر يدخل الجنة وهو يضحك وأن جميع الأعمال، إنما شرعت إقامة لذكر الله تعالى، وأن أفضل أهل كل عمل أكثرهم فيه ذكرا لله ، فأفضل الصوام أكثرهم ذكر لله . وأن ذكر الله يسهل الصعب وييسر العسير ويخفف المشاق، وأن ذكر الله يذهب عن القلب مخاوفه كلها، وله تأثير عجيب في حصول الأمن، وأن في الاشتغال بالذكر اشتغالا عن الكلام الباطل من الغيبة والنميمة واللغو، وأن عمال الآخرة كلهم في مضمار السباق والذاكرون أسبقهم في ذلك المضمار ولكن القترة والغبار يمنعان من رؤية سبقهم. فإذا انجلى. الغبار وانكشف، رآهم الناس، وقد حازوا قصب السبق، وأن الذكر سبب لتصديق الرب عبده، فإنه أخبر عن الله بأوصاف كماله ونعوت جلاله فإذا أخبر بها العبد صدقه ربه ومن صدقه الله لم يحشر مع الكاذبين ورجى له أن يحشر مع الصادقين. شعرا: وَدَاوِمْ وَلازِمْ قَرْعَ بَابٍ مُؤمِّلاً … فما خَيَّبَ المَوْلَى رَجَاءَ مُؤَمِّل وَصَابِرْ فَمَا نَالَ العُلا غَيْر صَابرٍ … وَقُلْ وَاعِظًا لِلنَّفْسِ عِنْدَ التَّملْمُلِ مَعْ الصَّبْر إِحْدَى الحُسْنَينِ مُنَاكِ أَوْ … مَنَايَا كِرَامِ فَاْصبِرِي وَتَحَمَّلِ وَدَاو لِسُقْمِ القَلْبِ وَاعْمُرْ خَرَابَهُ … بِذِكْرِ الذي نَعْمَاهُ لِلْخَلْقِ تَشْمِلُ

стр. 874

آخر: لَوْ يَعْلم النَّاسُ مَا في الذِّكرِ مِنْ شَرَفٍ شرف … لَمْ يُلْهِهِمْ عَنْهُ تَجْمِيْعُ الدَّنَانِيْرِ وَلَمْ يُبَالُوا بِأَوْرَاقٍ ولا ذَهَبٍ … وَلَوْ تَحَصَّل آلافُ القَنَاطِيْرِ اللهم ألهمنا ذكرك ووفقنا للقيام بحقك وبارك لنا في الحلال من رزقك ولا تفضحنا بين خلقك يا خير من دعاه داع وأفضل من رجاه راج يا قاضي الحاجات ومجيبا للدعوات، هب لنا من ما سألناه وحقق رجاءنا فيما تمنيناه يا من يملك حوائح السائلين ويعلم ما في ضمائر الصامتين أذقنا برد عفوك وحلاوة مغفرتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله أجمعين. فصل ومن فوائد الذكر أيضا ما ذكره ابن القيم ﵀: أن دور الجنة تبني بالذكر، فإذا أمسك الذاكر عن الذكر أمسكت الملائكة عن البناء، وأن الذكر سد بين العبد وبين جهنم فإذا كانت له إلى جهنم طريق عمل من الأعمال، كان الذكر سدا في تلك الطريق، وأن الملائكة تستغفر للذاكر كما تستغفر للتائب، وأن الجبال والقفار تتباهى وتستبشر بمن يذكر الله عليها، وأن كثرة ذكر الله أمان من النفاق، فإن المنافقين قليلوا الذكر لله . قال ﵎ في المنافقين: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ وأن للذكر من بين الأعمال لذة لا يشبهها شيء فلو لم يكن للعبد من ثوابه إلا اللذة الحاصلة للذاكر، وأنه يكسو الوجه نضرة في الدنيا ونورا في الآخرة، وأن في دوام الذكر في الطريق والبيت والحضر والسفر والبقاع تكثيرا لشهود العبد يوم القيامة، فإن البقعة والدار والجبل والأرض تشهد للذاكر يوم القيامة، وأن

стр. 875

الذكر يعطي الذاكر قوة حتى أنه ليفعل مع الذكر ما لم يظن فعله بدونه، قال وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في سننه وكلامه وإقدامه وكتابته أمرا عجيبا، فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة وأكثر. مَا دُمْتَ تَقْدِرْ فَأَكْثَرْ ذِكْرِ خَالِقنَا … وَأَدِّ وَاجِبَهُ نَحْوَ العِبَادَاتِ د فَسَوْفَ تَنْدمُ إِنْ فَرطَّتَ في زَمنٍ … مَا فِيْهِ ذِكْرٌ لِخَلاقِ السَّمَوَاتِ وقد علّم النبي ﷺ ابنته فاطمة وعليا ﵄ أن يسبحا كل ليلة إذا أخذا مضاجعهما ثلاثا وثلاثين، ويحمدا ثلاثا وثلاثين، ويكبرا، أربعا وثلاثين، لما سألته الخادم، وشكت إليه ما تقاسيه من الطحن والسعي والخدمة، فعلمها ذلك، وقال: إنه خير لكما من خادم. فقيل إن من داوم على ذلك وجد قوة في عمله مغنية عن خادم، قال وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يذكر أثرا في هذا الباب، ويقول: إن الملائكة لما أُمروا بحمل العرش، قالوا يا ربنا كيف نحمل عرشك وعليه عظمتك وجلالك، فقال: قولوا لا حول ولا قوة إلا بالله. فلما قالوا حملوه حتى رأيت ابن أبي الدنيا قد ذكر هذا الأثر بعينه عن الليث بن سعد عن معاوية بن صالح قال حدثنا مشيختنا أنه بلغهم أن أول ما خلق الله حين كان عرشه على الماء حملة العرش قالوا: ربنا لم خلقتنا؟ قال: خلقتكم لحمل عرشي، قالوا: ربنا ومن يقوى على حمل عرشك وعليه عظمتك وجلالك ووقارك؟ قال: لذلك خلقتكم، فأعادوا عليه ذلك مرارا، فقال: قولوا لا حول ولا قوة إلا بالله فحملوه.

стр. 876

قال: وهذه الكلمة لها تأثير عجيب في معاناة الأشغال الصعبة، وتحمل المشاق والدخول على الملوك ومن يخاف، وركوب الأهوال، ولها أيضا تأثير في دفع الفقر، قال: ومبنى الدين على قاعدتين الذكر والشكر إِِذَا رُمْتَ أَنْ تُحْظَي بِعِزِّ وَرِفْعَةٍ … بِدُنْيَاكَ وَالأَخْرَى لِنَيْل السَّعَادَةِ عَلَيْكَ بِذِكْرِ اللهِ ﷻ … وَإِيَّاكَ أَنْ تَغْفُلْ وَلَوْ قَدْرَ لَحْظَةِ آخر: إِلَهُ الوَرَى حَتْمٌ عَلَى النَّاسِ حَمْدُهُ … لِمَا جَادَ مِنْ فَضْلِ عَلَيْهِمْ بِلا مَنِّ وليس المراد بالذكر مجرد ذكر اللسان بل الذكر القلبي واللسان، وذلك يستلزم معرفته والإيمان به وبصفات كماله ونعوت جلاله والثناء عليه بأنواع المدح وذلك لا يتم إلا بتوحيده فذكره الحقيقي يستلزم ذكر نعمه وآلائه، وإحسانه إلى خلقه. وأما الشكر فهو القيام بطاعته، فذكره مستلزم لمعرفته، وشكره متضمن لطاعته وهما الغاية التي خلق لأجلها الجن والإنس. (فائدة) قال الشيخ تقي الدين: من ابتلى ببلاء قلب أزعجه فأعظم دواء له قوة الالتجاء إلى الله ودوام التضرع والدعاء بأن يتعلم الأدعية المأثورة ويتوخى الدعاء في مظان الإجابة مثل آخر الليل، وأوقات الآذان والإقامة وفي السجود وأدبار الصلوات، ويضم إلى ذلك الاستغفار. وليتخذ وردا من الأذكار طرفي النهار وعند النوم، وليصبر على ما يعرض له من الموانع والصوارف، فإنه لا بد أن يؤيده الله بروح منه ويكتب الإيمان في قلبه وليحرص على عمود الدين، وليكن هجيراه لا حول ولا قوة

стр. 877

إلا بالله العلي العظيم. فإنه بها يحمل الأثقال ويكابد الأهوال، وينال رفيع الأحوال ولا يسأم من الدعاء والطلب، فإن العبد يستجاب له ما لم يعجل وليعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا، ولم ينل أحد شيئا من عميم الخير إلا بالصبر والله الموفق. شعرا: لا تَقْصُدِ النَّاسَ إِذَا أَدْبَرَتْ … دُنْيَاكَ وَاقْصُدْ مِنْ جَوَادٍ كَرَيْم كَيْفَ يُرَجَّى الرِّزْقُ منْ عِنْدِ مَنْ … يَطْلُبُ الرِّزْقَ مِنْ الرَّبِ الرَّحِيْم آخر: يَا أَيْهُا الطَّالِبُ مِنْ مِثْلِهِ … رِزْقًا لَهُ جُرْتَ عن الحِكْمَةِ لا تَطْلُبَنَّ الرِّزْقَ مِنْ طَالِبٍ … مِثْلُكَ مُحْتَاجُ إِلى الرَّحْمَةِ وَارْغَبْ إِلى اللهِ الذِي لَمْ يَزَلْ … في يَدِهِ النَّعْمَةُ وَالنَّقْمَة شعرا: بِذِكْرِِكَ يَا مَوْلى الوَرَى نَتَنَعَّمُ … وَقَدْ خَابَ قَوْمٌ عن سَبِِيْلِكَ قَدْْ عَمُوا شَهِشدْنَا يَقِيْنًا أَنَّ عِلْمَكُ واسِعٌ … فَأَنْتَ تَرَى ما في القُلُوبِ وَتَعْلَمُ إِلَهي تَحَمَّلْنَا ذُنُوبًا عَظِيْمَةً … أَسَأْنَا وَقَصَّرْنَا وُجُودُكَ أَعْظَمُ سَتَرْنَا مَعَاصِيْنَا عَن الخلقِ غَفْلَةٌ … وَأَنْتَ تَرَانَا ثُمَّ تَعْفُو وَتَرْحَمُ وَحَقِّكَ مَا فِيْنَا مُسِيءُ يَسُرُّهُ … صُدُودُكََ عَنْهُ بَلْ يَخَافُ وَيَنْدَمُ سَكَتْنَا عَنِ الشَّكَوى حَيَاءٌ وَهَيْبَةٌ … وَحَاجَتُنَا بِالمُقْتَضَى تَتَكَلَّمُ إِذَا كَانَ ذُلُّ العَبْدِ بِالحَالِ نَاطِقًا …

стр. 878

فَهَلْ يَسْْتَطِيْعُ الصَّبْرَ عَنْهُ وَيَكْتُمُ إِلَهي فَجُدْ واصْفَحْ وَأَصْلِحْ قُلُوبَنَا … فَأَنْتَ الذِي تُولِي الجَمَيلَ وَتُكْرِمُ وَأَنْتَ الذِي قَرَّبْتَ قَومًا فَوَافَقُوا … وَوَفَّقْتَهُم حَتَّى أَنَابُوا وَسَلَّمُوا وَقُلْْتَ اسْتَقَامُوا مِنَّةً وَتَكَرُّمًا … فَأَنْتَ الذِي قَوَّمْتَهُم فَتَقَوَّمُوا لَهُمْ في الدُّجَى أُنْسٌ بِذِكْرِكَ دَائِمًا … فََهُمْ في اللَّيَالِي سَاجِدُونَ وَقُوَّمُ نَظَرْتَ إِلَيْهِم نَظْرَةً بِتَعَطُفٍ … فَعَاشُوا بِهَا وَالنَّاسُ سَكْرَى وَنُوَّمُ لَكَ الحَمْدُ عَامِلْْنا بِمَا أَنْتَ أَهْلُهُ … وَسََامِحْ وَسَلِّمْنَا فَأَنْتَ المُسَلِّمُ اللهم ألهمنا ذكرك وشكرك ووفقنا لما وفقت له الصالحين من خلقك واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين. فصل قال في حادي الأرواح: ولما علم الموفقون ما خلقوا له وما إيجادهم له رفعوا رءوسهم فإذا علم الجنة قد رفع لهم شمروا إليه وإذا صراطها المستقيم قد وضح لهم فاستقاموا عليه ورأوا من أعظم الغبن بيع مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر في أبد لا يزول ولا ينفد بصبابة عيش إنما هو أضغاث أحلام أو كطيف زار في المنام مشوب بالنغص ممزوج بالغصص إن أضحك قليل أبكى كثيرا وإن سر يوما أحزن شهورا آلامه تزيد على لذاته وأحزانه أضعاف مسراته أوله مخاوف وآخره متالف. فيا عجبًا من سفيه في صورة حكيم ومعتوه في مسلاخ عاقل آثر الحظ الفاني الخسيس على الحظ الباقي النفيس باع جنة عرضها الأرض والسموات

стр. 879

بسجن ضيق بين أرباب العاهات والبليات ومساكن طيبة في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار بأعطان ضيقة أخرها الخراب والبوار. وأبكارًا عربا أترابا كأنهن الياقوت والمرجان بقذرات دنسات سيئات الأخلاق مسافحات أو متخذات أخدان وحورا مقصورات في الخيام بخبيثات مسيبات بين الأنام وأنهارا من خمر لذة للشاربين بشراب نجس مذهب للعقل مفسد للدنيا والدين، ولذة النظر إلى وجه العزيز الرحيم بالتمتع برؤية الوجه القبيح الذميم. وسماع الخطاب من الرحمن بسماع المعازف والغناء والألحان والجلوس على منابر اللؤلؤ والياقوت والمرجان والزبرجد ويوم المزيد بالجلوس في مجالس الفسوق مع كل شيطان مريد. وإنما يظهر الغبن الفاحش في هذا البيع يوم القيامة ويتبين سفه بائعه يوم الحسرة والندامة إذا حشر المتقون إلى الرحمن وفدا وسيق المجرمون إلى جهنم وردا ونادى المنادي على رءوس الأشهاد ليعلمن أهل الموقف من أولى بالكرم من بين العباد. فلو توهم المتخلف عن هذه الرفقة وما أعد لهم من الإكرام وادخر لهم من الفضل والإنعام وما أخفي لهم من قرة أعين لم يقع على مثلها بصر ولا سمعته أذن ولا خطر على قلب بشر علم أي بضاعة أضاع وأنه لا خير له في حياته وهو معدود من سقط المتاع. وأن القوم قد توسطوا ملكا كبيرا لا تعتريه الآفات ولا يلحقه الزوال وفازوا بالنعيم المقيم في جوار الرب الكبير المتعال، فهم في روضات الجنات

стр. 880

يتقلبون وعلى أسرتها تحت الحجال يجلسون وعلى الفرش التي بطائنها من إستبرق يتكئون وبالحور العين يتمتعون وبأنواع الثمار يتفكهون ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون تالله لقد نودي عليها في سوق الكساد فما قلب ولا استام إلا أفراد من العباد وقال ﵀ في النونية: بِاللهِ مَا عُذْرُ امْرِءٍ هُو مُؤْمِنٌ … حَقَّا بِهَذَا لَيْسَ بِاليَقْظَانِ بَلْ قَلْبُهُ في رَقْدَة فإذا اسْتَفا … قَ فَلُبْسُهُ هُو حُلَّةُ الكَسْلانِ تَاللهِ لَوْ شَاقتْكَ جَنَّاتُ النَّعِيْمِ … طَلَبْتَهِا بِنَفائِسِ الأَثْمَانِ وَسَعَيْتَ جُهْدَكَ في وِصَالِ نَواعِمِ … وَكَواعِبٍ بِيْضِ الوُجُوهِ حِسَانِ جُلَيَتْ عَلَيْكَ عَرائسٌ وَاللهِ لَوْ … تُجْلَى على صَخْرٍ مِنَ الصُّوَّانِ رَقَّتْ حَواشِِيْهِ وَعَادَ لِوقتِهِ … يَنْهَالُ مِثْلَ نَقَى مِن الكُثْبَانِ لَكِنْ قَلْبَك في القَسَاوَةِ جَازَ حَدْدَ … الصَّخْْرِ والحَصْبَاءِ في أَشْجَانِ لَوْ هَزَّكَ الشَّوقُ المُقيمُ وَكُنْتَ ذَا … حِسٍّ لما اسْتَبْدَلْتَ بِالأَدْوَانِ أَوْ صَادَفَتْ مِنْكَ الصَّفاتُ حَياةَ قَلْبٍ … كُنْتَ ذَا طَلَبٍ بِهَذَا الشَّأنِ حُورٌ تُزَفُّ إِلى ضَرِيْرٍ مُقَعَدٍ … يَا مِحْنَةِ الحَسْنَاءِ بِالعُمْيَانِ شَمْسٌ لِعِنينٍ تَزَفُّ إِليهِ مَا … ذَا حِيْلَةُ العَنين في الغَشَيَانِ يَا سِلُعَةَ الرحمن لَسْتِ رَخِيْصَةً … بَلْ أَنْتِ غَالية عَلَى الكَسْلانِ
следующие страницы →