Полный текст (1 102 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
قال: وهذه الكلمة لها تأثير عجيب في معاناة الأشغال الصعبة، وتحمل المشاق والدخول على الملوك ومن يخاف، وركوب الأهوال، ولها أيضا تأثير في دفع الفقر، قال: ومبنى الدين على قاعدتين الذكر والشكر
إِِذَا رُمْتَ أَنْ تُحْظَي بِعِزِّ وَرِفْعَةٍ … بِدُنْيَاكَ وَالأَخْرَى لِنَيْل السَّعَادَةِ
عَلَيْكَ بِذِكْرِ اللهِ ﷻ … وَإِيَّاكَ أَنْ تَغْفُلْ وَلَوْ قَدْرَ لَحْظَةِ
آخر:
إِلَهُ الوَرَى حَتْمٌ عَلَى النَّاسِ حَمْدُهُ … لِمَا جَادَ مِنْ فَضْلِ عَلَيْهِمْ بِلا مَنِّ
وليس المراد بالذكر مجرد ذكر اللسان بل الذكر القلبي واللسان، وذلك يستلزم معرفته والإيمان به وبصفات كماله ونعوت جلاله والثناء عليه بأنواع المدح وذلك لا يتم إلا بتوحيده فذكره الحقيقي يستلزم ذكر نعمه وآلائه، وإحسانه إلى خلقه.
وأما الشكر فهو القيام بطاعته، فذكره مستلزم لمعرفته، وشكره متضمن لطاعته وهما الغاية التي خلق لأجلها الجن والإنس.
(فائدة) قال الشيخ تقي الدين: من ابتلى ببلاء قلب أزعجه فأعظم دواء له قوة الالتجاء إلى الله ودوام التضرع والدعاء بأن يتعلم الأدعية المأثورة ويتوخى الدعاء في مظان الإجابة مثل آخر الليل، وأوقات الآذان والإقامة وفي السجود وأدبار الصلوات، ويضم إلى ذلك الاستغفار.
وليتخذ وردا من الأذكار طرفي النهار وعند النوم، وليصبر على ما يعرض له من الموانع والصوارف، فإنه لا بد أن يؤيده الله بروح منه ويكتب الإيمان في قلبه وليحرص على عمود الدين، وليكن هجيراه لا حول ولا قوة
стр. 877
إلا بالله العلي العظيم.
فإنه بها يحمل الأثقال ويكابد الأهوال، وينال رفيع الأحوال ولا يسأم من الدعاء والطلب، فإن العبد يستجاب له ما لم يعجل وليعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا، ولم ينل أحد شيئا من عميم الخير إلا بالصبر والله الموفق.
شعرا:
لا تَقْصُدِ النَّاسَ إِذَا أَدْبَرَتْ … دُنْيَاكَ وَاقْصُدْ مِنْ جَوَادٍ كَرَيْم
كَيْفَ يُرَجَّى الرِّزْقُ منْ عِنْدِ مَنْ … يَطْلُبُ الرِّزْقَ مِنْ الرَّبِ الرَّحِيْم
آخر:
يَا أَيْهُا الطَّالِبُ مِنْ مِثْلِهِ … رِزْقًا لَهُ جُرْتَ عن الحِكْمَةِ
لا تَطْلُبَنَّ الرِّزْقَ مِنْ طَالِبٍ … مِثْلُكَ مُحْتَاجُ إِلى الرَّحْمَةِ
وَارْغَبْ إِلى اللهِ الذِي لَمْ يَزَلْ … في يَدِهِ النَّعْمَةُ وَالنَّقْمَة
شعرا:
بِذِكْرِِكَ يَا مَوْلى الوَرَى نَتَنَعَّمُ … وَقَدْ خَابَ قَوْمٌ عن سَبِِيْلِكَ قَدْْ عَمُوا
شَهِشدْنَا يَقِيْنًا أَنَّ عِلْمَكُ واسِعٌ … فَأَنْتَ تَرَى ما في القُلُوبِ وَتَعْلَمُ
إِلَهي تَحَمَّلْنَا ذُنُوبًا عَظِيْمَةً … أَسَأْنَا وَقَصَّرْنَا وُجُودُكَ أَعْظَمُ
سَتَرْنَا مَعَاصِيْنَا عَن الخلقِ غَفْلَةٌ … وَأَنْتَ تَرَانَا ثُمَّ تَعْفُو وَتَرْحَمُ
وَحَقِّكَ مَا فِيْنَا مُسِيءُ يَسُرُّهُ … صُدُودُكََ عَنْهُ بَلْ يَخَافُ وَيَنْدَمُ
سَكَتْنَا عَنِ الشَّكَوى حَيَاءٌ وَهَيْبَةٌ … وَحَاجَتُنَا بِالمُقْتَضَى تَتَكَلَّمُ
إِذَا كَانَ ذُلُّ العَبْدِ بِالحَالِ نَاطِقًا …
стр. 878
فَهَلْ يَسْْتَطِيْعُ الصَّبْرَ عَنْهُ وَيَكْتُمُ
إِلَهي فَجُدْ واصْفَحْ وَأَصْلِحْ قُلُوبَنَا … فَأَنْتَ الذِي تُولِي الجَمَيلَ وَتُكْرِمُ
وَأَنْتَ الذِي قَرَّبْتَ قَومًا فَوَافَقُوا … وَوَفَّقْتَهُم حَتَّى أَنَابُوا وَسَلَّمُوا
وَقُلْْتَ اسْتَقَامُوا مِنَّةً وَتَكَرُّمًا … فَأَنْتَ الذِي قَوَّمْتَهُم فَتَقَوَّمُوا
لَهُمْ في الدُّجَى أُنْسٌ بِذِكْرِكَ دَائِمًا … فََهُمْ في اللَّيَالِي سَاجِدُونَ وَقُوَّمُ
نَظَرْتَ إِلَيْهِم نَظْرَةً بِتَعَطُفٍ … فَعَاشُوا بِهَا وَالنَّاسُ سَكْرَى وَنُوَّمُ
لَكَ الحَمْدُ عَامِلْْنا بِمَا أَنْتَ أَهْلُهُ … وَسََامِحْ وَسَلِّمْنَا فَأَنْتَ المُسَلِّمُ
اللهم ألهمنا ذكرك وشكرك ووفقنا لما وفقت له الصالحين من خلقك واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
فصل
قال في حادي الأرواح: ولما علم الموفقون ما خلقوا له وما إيجادهم له رفعوا رءوسهم فإذا علم الجنة قد رفع لهم شمروا إليه وإذا صراطها المستقيم قد وضح لهم فاستقاموا عليه ورأوا من أعظم الغبن بيع مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر في أبد لا يزول ولا ينفد بصبابة عيش إنما هو أضغاث أحلام أو كطيف زار في المنام مشوب بالنغص ممزوج بالغصص إن أضحك قليل أبكى كثيرا وإن سر يوما أحزن شهورا آلامه تزيد على لذاته وأحزانه أضعاف مسراته أوله مخاوف وآخره متالف.
فيا عجبًا من سفيه في صورة حكيم ومعتوه في مسلاخ عاقل آثر الحظ الفاني الخسيس على الحظ الباقي النفيس باع جنة عرضها الأرض والسموات
стр. 879
بسجن ضيق بين أرباب العاهات والبليات ومساكن طيبة في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار بأعطان ضيقة أخرها الخراب والبوار.
وأبكارًا عربا أترابا كأنهن الياقوت والمرجان بقذرات دنسات سيئات الأخلاق مسافحات أو متخذات أخدان وحورا مقصورات في الخيام بخبيثات مسيبات بين الأنام وأنهارا من خمر لذة للشاربين بشراب نجس مذهب للعقل مفسد للدنيا والدين، ولذة النظر إلى وجه العزيز الرحيم بالتمتع برؤية الوجه القبيح الذميم.
وسماع الخطاب من الرحمن بسماع المعازف والغناء والألحان والجلوس على منابر اللؤلؤ والياقوت والمرجان والزبرجد ويوم المزيد بالجلوس في مجالس الفسوق مع كل شيطان مريد.
وإنما يظهر الغبن الفاحش في هذا البيع يوم القيامة ويتبين سفه بائعه يوم الحسرة والندامة إذا حشر المتقون إلى الرحمن وفدا وسيق المجرمون إلى جهنم وردا ونادى المنادي على رءوس الأشهاد ليعلمن أهل الموقف من أولى بالكرم من بين العباد.
فلو توهم المتخلف عن هذه الرفقة وما أعد لهم من الإكرام وادخر لهم من الفضل والإنعام وما أخفي لهم من قرة أعين لم يقع على مثلها بصر ولا سمعته أذن ولا خطر على قلب بشر علم أي بضاعة أضاع وأنه لا خير له في حياته وهو معدود من سقط المتاع.
وأن القوم قد توسطوا ملكا كبيرا لا تعتريه الآفات ولا يلحقه الزوال وفازوا بالنعيم المقيم في جوار الرب الكبير المتعال، فهم في روضات الجنات
стр. 880
يتقلبون وعلى أسرتها تحت الحجال يجلسون وعلى الفرش التي بطائنها من إستبرق يتكئون وبالحور العين يتمتعون وبأنواع الثمار يتفكهون ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون تالله لقد نودي عليها في سوق الكساد فما قلب ولا استام إلا أفراد من العباد وقال ﵀ في النونية:
بِاللهِ مَا عُذْرُ امْرِءٍ هُو مُؤْمِنٌ … حَقَّا بِهَذَا لَيْسَ بِاليَقْظَانِ
بَلْ قَلْبُهُ في رَقْدَة فإذا اسْتَفا … قَ فَلُبْسُهُ هُو حُلَّةُ الكَسْلانِ
تَاللهِ لَوْ شَاقتْكَ جَنَّاتُ النَّعِيْمِ … طَلَبْتَهِا بِنَفائِسِ الأَثْمَانِ
وَسَعَيْتَ جُهْدَكَ في وِصَالِ نَواعِمِ … وَكَواعِبٍ بِيْضِ الوُجُوهِ حِسَانِ
جُلَيَتْ عَلَيْكَ عَرائسٌ وَاللهِ لَوْ … تُجْلَى على صَخْرٍ مِنَ الصُّوَّانِ
رَقَّتْ حَواشِِيْهِ وَعَادَ لِوقتِهِ … يَنْهَالُ مِثْلَ نَقَى مِن الكُثْبَانِ
لَكِنْ قَلْبَك في القَسَاوَةِ جَازَ حَدْدَ … الصَّخْْرِ والحَصْبَاءِ في أَشْجَانِ
لَوْ هَزَّكَ الشَّوقُ المُقيمُ وَكُنْتَ ذَا … حِسٍّ لما اسْتَبْدَلْتَ بِالأَدْوَانِ
أَوْ صَادَفَتْ مِنْكَ الصَّفاتُ حَياةَ قَلْبٍ … كُنْتَ ذَا طَلَبٍ بِهَذَا الشَّأنِ
حُورٌ تُزَفُّ إِلى ضَرِيْرٍ مُقَعَدٍ … يَا مِحْنَةِ الحَسْنَاءِ بِالعُمْيَانِ
شَمْسٌ لِعِنينٍ تَزَفُّ إِليهِ مَا … ذَا حِيْلَةُ العَنين في الغَشَيَانِ
يَا سِلُعَةَ الرحمن لَسْتِ رَخِيْصَةً … بَلْ أَنْتِ غَالية عَلَى الكَسْلانِ
стр. 881
يَا سِلْعَةَ الرَّحمن لَيْسَ يَنَالًُهَا … بِالأَلْفِ إلا واحدٌ لا اثْنَانِ
يَا سِلْعَةْ الرَّحمن مَاذَا كَفُوْهَا … إِلا أَوُلُوا التَّقْوى مَعَ الإِيْمَانِ
يَا سِلُعةَ الرَّحمن سُوقُكِ كاسِدٌ … بين الأَرَاذَلِ سَفْلَةِ الحَيوانِِ
يَا سِلْْعَةَ الرحمن أَيْنَ المُشْتَرِي … فَلَقَدْ عُرِضْْتِ بَأيْسرِ الأَثْمانِ
يَا سِلْعَةَ الرَّحمن هَلْ مِنْ خَاطِبٍ … فَالمَهْرُ قَبْلَ الموتِ ذُو إِمْكَانِ
يَا سِلْعَةَ الرحمن كَيْفَ تَصْبُّر ال … خُطَّابُ عَنْكَ وَهم ذَوُو إِيْمَانِ
يَا سِلْعَةَ الرَّحمنِ لَولا أَنَّهَا … حُجِبَتْ بِكُل مَكَارِهِ الإِنْسَانِ
مَا كَانَ عَنْهَا قَطْ مِنْ مُتَخِلفٍ … وَتَعَطَّلتْ دَارُ الجَزاءِ الثَّانِي
لَكِنَّهَا حُجِبَتْ بِكُلِّ كَرِيْهَةٍ … لِيَصُدُّ عَنْهَا المُبْطِلُ المُتَوانِي
وَتَنَالُهَا الهِمَمُ التِّي تَسْمُوا إِلى … رَبّ العُلَى بِمَشِيْئَةِ الرَّحمنِ
اللهم اجعلنا من المتقين الأبرار وأسكنا معهم في دار القرار، اللهم وفقنا بحسن الإقبال عليك والإصغاء إليك ووفقنا للتعاون في طاعتك والمبادرة إلى خدمتك وحسن الآداب في معاملتك والتسليم لأمرك والرضا بقضائك والصبر على بلائك والشكر لنعمائك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله أجمعين.
فصل
ثم اعلم رحمنا الله وإياك والمسلمين أن حب الدنيا في القلب راسخ وإخراجها منه صعب جدا إلا لمن عصمه الله جل وعز، والنفس إلى الدنيا أميل وهي بها أشغف، وفي طلبها أهلك وعن طريق الرشد أبعد وأصرف، واسمع إلى ما قيل في الدنيا:
стр. 882
هِيَ المُشْتَهى وَالمُنْتَهَي وَمَع السُّهَى … أَمَانيٌّ مِنْهَا دُوْنَهُنَّ العَظَائِمُ
وَلَمْ تُلْفِنَا إِلا وَفِيْنَا تَحَاسُدٌ … عَلَيْهَا وَإِلا الصُّدُورِ سَخَائِمُ
وقال الآخر:
يُسِيءُ أمْرؤٌ مِنَّا فَيُبْغَضُ دَائِمًا … وَدُنْيَاكَ مَا زَالَتْ تُسِيءُ وَتُومَقُ
أَسَرَّ هَوَاهَا الشَّيخُ وَالكهلُ والفَتَى … بِجَهْلٍ فَمَنْ كُلَّ النَّواظِر تُرْمَقُ
وَمَا هِي أَهْلٌ يُؤَهَّلِ مِثْلُهَا … لِوُدٍ وَلَكنَّ ابْنَ آدَمَ أَحْمَقُ
وقال الآخر:
لِسَانُك لِلدُّنْيَا عَدَوٌ مُشَاحِنٌ … وَقَلْبُكَ فيها لِلسَانِ مُبَاينُ
وَمَا ضَرَّهَا مَا كَانَ مِنْكَ وقد صَفَا … لَهَا مِنْكَ ودٌّ في فُؤادِكَ كَامِنُ
وإن حب الدنيا لهو الداء العضال، الذي أهلك النساء والرجال وأفسد كثيرا من الأعمال، إلا أن تأتي العناية الإلهية، فتصرف الإنسان إلى النظر الصحيح، وتحمله على الطريق المستقيم.
فيرى بعين الحقيقة وصحيح البصيرة أنه لا بد من الموت، وأنه يدفن تحت أطباق الثرى، ويرمى به في ظلمات الأرض، ويسلط الدود على جسده، والهوام على بدنه، فتأخذه من قرنه إلى قدمه.
وقد عدم الطبيب وأسلمه القريب، وتركه الصديق والحبيب والقريب، وأتاه منكر ونكير، ولم يجد هناك أنيسا إلا عمله.
أَسْلَمنِي الأَهْلُ بِبَطْنِ الثَّرَى … وانْصَرَفُوا عَنِّي فَيَا وَحْشَتَا
وَغَادَرُونِي مُعْدِمًا يَائِسًا … مَا بِيَدي اليَومَ إِلا البُّكَا
وَكُلُّ مَا كَانَ كَأن لَمْ يَكُنْ … وَكَان مَا حَاذَرْتُهُ قَدْ أَتَى
وَذَاكُم المَجمُوعُ والمُقْتَنَى …
стр. 883
قَد صَارَ في كَفي مِثْلَ الهَبَا
وَلَمْ أَجِدْ لِي مُؤْنِسًا هَهُنَا … غَيْْر فُجُورٍ كَانَ لِي أَوْ تُقَى
فَلَوْ تَرَانِي أَوْ تَرى حَالَتِي … بَكَيْتَ لِي يَا صَاحَ مِمَّا تَرَى
اللهم نجنا برحمتك من النار وعافنا من دار الخزي والبوار وأدخلنا بفضلك الجنة دار القرار وعاملنا بكرمك وجودك يا كريم يا غفار واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فصل
وأما الدنيا فينظر إليها فإن كان ملكا نظر إلى من تقدمه من الملوك وما فعل الموت بهم كيف فرق جموعهم وشتت شملهم وأقفرت منهم قصورهم وعمرت بهم حفرهم وقبورهم.
وكذلك إن لم يكن ملكا وكان من أصناف الناس وصفاتهم في تقلب الدنيا بهم معلومة وأنه ليس من إنسان إلا وله نصيب من الكدر والهم يقل عند إنسان ويكثر عند آخر.
فإذا أخذ الإنسان نفسه بهذه الأفكار وعرض عليها هذا الاعتبار أثر عليه هذا وأعرض عن الدنيا ولم يلتفت إليها إلا بمقدار ما يقيته، وتذكر الموت وخاف فجْأته، لم يأمن بغْتته وهجْمته وصدْمته وصرْعته.
والله ولي التوفيق بفضله وكرمه لا رب غيره ولا معبود سواه.
стр. 884
وقال ﵀: واعلم أن من كان منتظرا لعقاب أن ينزل به من أمير بلدته فإنه لا يزال متألم القلب مشغول النفس.
فإن من توعد أن يضرب مائة سوط فإنه أشغل قلبا ممن توعد أن يضرب عشرة أسواط.
ومن توعد أن يقطع منه جارحة أكثر توجعا ممن توعد أن يضرب مائة سوط ومن توعد أن يضرب عنقه أشد خوفا ممن توعد أن يقطع أحد جوارحه يده أو رجله أو نحو ذلك.
وما منا من أحد إلا وقد توعد بالقتل لأن الموت قتل في الباطن كالخنق فقد بان لك أن كل واحد منا ينتظر القتل ينتظر ملك يثب عليه فيقبض روحه.
فلو كشف للناس عن أبصارهم فرأوا الموت حين يهجم عليك وشاهدوه في الباطن حين يأخذ روحك لما كان بينه وبين إنسان يقتلك في الظاهر فرق إلا أن الإنسان يحتاج إلى آلة يقتل بها من سيف أو سكين أو نحوهما وملك الموت لا يحتاج إلى شيء من ذلك.
واعلم أن شدة سكرات الموت لا يعرفها على الحقيقة إلا الله جل وعلا ومن ذاقها، ومن لم يذقها فإنما يعرفها إما بالقياس على الآلام التي أدركها وإما بالاستدلال بأحوال الناس في النزع على شدة ما هم فيه، والنزع عبارة عن مؤلم نزل بنفس الروح فاستغرق جميع أجزائه.
فألم النزع يهجم على نفس الروح فيستغرق جميع أجزائه، فإن المنزوع والمجذوب من كل عرق من العروق وعصب من الأعصاب وجزء من الأجزاء ومفصل من المفاصل ومن أصل كل شعرة وبشرة من رأسه إلى قدمه فلا
стр. 885
تسأل عن كربه وألمه.
ولا تسأل عن بدن يجذب منه كل عرق من عروقه، ولو كان المجذوب عرقا واحدا لكان ألمه عظيما فكيف والمجذوب نفس الروح المتألم، وليس هو من عرق واحد، بل من جميع العروق. ثم يموت كل عضو من أعضائه تدريجا فتبرد أولا قدماه لفراغها من الروح، ثم ساقاه كذلك ثم فخذاه، ولكل عضو سكرة بعد سكرة، وكربة بعد كربة، حتى يبلغ بها الحلقوم.
فعند ذلك ينقطع نظره عن الدنيا وأهلها، ويغلق دونه باب التوبة، وتحيط به الحسرة والندامة والهموم، والغموم، وسائر الأحزان.
نسأل الله العلي العظيم الحي القيوم ذا الجلال والإكرام أن يلطف بنا ويتداركنا بعفوه وغفرانه وجوده وإحسانه.
ويروى أن العبد يقول لملك الموت عند الموت يا ملك الموت أخرني يوما استعتب فيه وأتوب إلى ربي وأعمل صالحا فيقول له فنيت الأيام فلا يوم فيقول أخرني ساعة فيقول فنيت الساعات فلا ساعة.
فتبلغ الروح الحلقوم فيؤخذ بكظمه عند الغرغرة فيغلق باب التوبة دونه، ويحجب عنها وتنقطع الأعمال وتطوى الصحف وتتم الأوقات ويبقى عدد الأنفاس يشهد فيها المعاينة عند كشف الغطاء.
اللهم إنا نسألك حياة طيبة، ونفسا تقية، وعيشة نقية، وميتة سوية ومردا غير مخزي ولا فاضح.
اللهم اجعلنا من أهل الصلاح والنجاح والفلاح، ومن المؤيدين بنصرك وتأييدك ورضاك يا رب العالمين.
стр. 886
اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير.
يا ودود يا ذا العرش المجيد يا مبدئ يا معيد يا فعال لما تريد نسألك بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك وبقدرتك التي قدرْت بها على جميع خلقك وبرحمتك التي وسعت كل شيء لا إله إلا أنت أن تغفر ذنوبنا وسيئاتنا وأن تبدلها لنا بحسنات إنك جواد كريم رءوف رحيم.
اللهم افتح لدعائنا باب القبول والإجابة واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلي الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
فصل
ثم أعلم أنه ينبغي لمن لا يدري متى يبغته الموت أن يكون مستعدا له خشية أن يفجأه.
اغْتنِمْ في الفَراغِ فَضْلَ رُكوعٍ … فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مَوتُكَ بَغْتَةْ
كَم صَحِيْحٍ رَأَيْتَ مِنْ غَيْرِ سُقْمٍ … ذَهَبَتْ نَفْسُهُ العزيزةُ فَلْتَةْ
ولا تغتر بالشباب والصحة لا سيما في وقتنا الذي كثرت فيه الحوادث بأسباب الآلات الحديثة من سيارات وطائرات ودبابات ونحوها فأكثر من يموت الشباب، وأقل من يموت الأشياخ ولهذا يندر من يكبر وأنشدوا في ذلك.
يُعَمَّرُ واحِدٌ فَيَغُرُّ أَلْفًا … وَيُنْسَي مَن يَمُوتُ مِن الشَّبَابِ
آخر
لا تَغْتَرِرْ بِشَابٍ نَاعِمٍ خَضِلٍ … فَكَمْ تَقَدَّم قَبْلَ الشَّيب شُبَّانُ
стр. 887
ومن الاغترار طول الأمل وما من آفة أعظم منه، فإنه لولا طول الأمل ما وقع إهمال أصلا وإنما يقدم الإنسان على المعاصي ويؤخر التوبة لطول الأمل وإن لم تستطع قصر الأمل فاعمل عمل قصير الأمل ولا تمس حتى تنظر في يومك وتحاسب نفسك فإن رأيت زلة فامحها بالتوبة الصادقة النصوح والاستغفار والباقيات الصالحات وإذا أصبحت فعليك بتلاوة كلام الله والباقيات الصالحات وتأمل ما مضى في ليلك ونهارك واحذر التسويف فإنه أكبر جنود إبليس.
وَكُنْ صَارِمًا كَالوَقْتِ فَالمَقْتُ فِي عَسَى … وَإِيَّاكَ مَهْلاً فهي أَخْطَرُ عِلَّتِي
بِسَيْفِ العَزْمِ سَوْفَ فاتَجُدْ … تَجِدْ نَفَسًا فالنَّفْسُ إِنْ جُدْت جَدَّتِ
ثم صور لنفسك قصر العمر وكثرة الأشغال وقوة الندم على التفريط عند الموت وطول الحسرة على عدم البدار بعد الفوت وصور ثواب الكاملين وأنت ناقص والمجتهدين وأنت متكاسل ولا تخل نفسك من موعظة تسمعها وفكرة تحادثها بها.
وَالنَّفْسُ كالطِّفْلِ إِنْ تُهْمِلُهُ شَبَّ على … حُبِّ الرَّضاعِ وَإِنْ تَفطِمْه يَنْفَطِمِ
وَرَاعِهَا وَهِي في الأَعْمَالِ سَائِمَةً … وَإِنْ هِيَ اسْتَحَلَّتِ المرعة فلا تَسِمِ
كَمْ حَسَّنَتْ لَذَّةً لِلْمَرْءِ قَاتِلَةً … مِنْ حَيْثُ لَمْ يَدْرِ أَنَّ السُّمَّ في الدَّسِمِ
اللهم يا من لا تضره المعصية ولا تنفعه الطاعة أيقظنا من نوم الغفلة ونبهنا لاغتنام أوقات المهلة ووفقنا لمصالحنا واعصمنا من قبائحنا وذنوبنا ولا تؤاخذنا بما انطوت عليه ضمائرنا وأكنته سرائرنا من أنواع القبائح والمعائب التي تعلمها منا واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 888
فصل
قال أحد العلماء إخواني مثل أهل الدنيا في غفلتهم وطول أملهم كمثل الحاج نزلوا منزلا فقام قوم يقطعون الصخور ويبنون البيوت والدكاكين ويعملون أعمال من لم يخطر الموت لهم على بال فقال المستيقظون منهم ويحكم ما هذا البله والتغفيل، الرحيل عن هذا المنزل بعد ساعة، فانتبهوا فلم يشعروا حتى نودي بالرحيل فتركوا المنزل وما فيه:
شعرا:
لا يُلْهِنَّكَ مَنزلٌ لَعِبَتْ بِهِ … أَيْدِي البلى مِن سَالِف الأزْمَانِ
فَلَقد تَرحَّل عنه كُلُّ مَسَرَّةٍ … وَتَبَدَّلََتْ بَالهِم وَالأَحْزانِ
وقال إنه بقدر إجلالكم لله يحبكم وبقدر تعظيم قدره واحترامه يعظم أقداركم وحرمتكم ولقد رأيت من أنفق عمره في العلم إلى أن كبرت سنه ثم تعدى الحدود فهان عند الخلق وكانوا لا يلتفتون إليه مع غزارة علمه وقوة مجاهدته، ولقد رأيت من كان يراقب الله في صبوته مع قصوره بالإضافة إلى ذلك العالم فعظم الله قدره في القلوب حتى علقته النفوس ووصفته بما يزيد فيه من الخير اهـ.
وقال: متى تكامل العقل فقدت لذة الدنيا فتضاءل الجسم وقوي السقم واشتد الحزن لأن العقل كلما تلمح العواقب أعرض عن الدنيا والتفت إلى ما تلمح ولا لذة عنده بشيء من العاجل وإنما يلتذ أهل الغفلة عن الأخرة ولا غفلة لكامل العقل اهـ.
ذُو العَقْلِ يَشْقى بِالنَّعيم بِعَقلِهِ … وَأَخُو الجَهَالِة بَالجَهَالِة يَنْعَمُ
стр. 889
اللهم ثبت محبتك في قلوبنا وقوها وألهمنا ذكرك وشكرك ووفقنا للقيام بأمرك وأعذنا من عدونا وعدوك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
شعرا:
أَكْدَحْ لِنَفْسكَ قَبْلَ الموتِ في مَهَلٍ … وَلا تَكُنْ جَاهِلاً في الحَقِّ مُرْتابًا
إِنْ المَنِيَّة مَورُودٌ مَنَاهِلُها … لا بُدَّ مِنْهَا وَلَو عُمِّرتَ أَحْقابًا
وَفي اللَّيَالِي وفي الأَيَّامِ تَجْربةٌ … يَزْدادُ فِيْهَا أَولُوا الأَلبَابِ أَلبابًا
بَعْدَ الشَّبَابِ يَصِير الصّلْبُ مُنْحَنيًا … وَالشَّعرُ بَعْدَ سَوادٍ كَانَ قَدْ شَابَا
يُفْنِي النُفُوسَ وَلا يُبْقِي عَلَى أَحَدٍ … لَيلٌ سَريعٌ وَشَمْسٌ كَرُّها دَابَا
لِمُسْتَقرٍ وَمِيقَاتٍ مُقَدَّرِةٍ … حَتَّى يَعُودَ شُهودُ النَّاسِ غِيابَا
وَمَن تعَاقِرهُ الأَيَّامُ تُبْدِلُهُ … بالجارِ جَارًا وَبِالأَصْحَابِ أَصْحَابَا
خَلَّوا بُروَجًا وَأَوْطَانًا مُشَيَّدةً … وَمُؤْنِسِينَ وَأَصْهَارًا وَأَنْسَابَا
فَيَالَهُ سَفَرًا بُعْدًا وَمُغْتَربَا … كُسِيْتَ مِنْهُ لِطُولِ النَّأْي أَثْوَابَا
بِمُوحِشٍ ضَيِّقٍ نَاءٍ مَحَلّتُهُ … وَلََيْسَ مَن حَلَّهُ مِن غَيْبَةٍ آبَا
كَمْ مِن مَهِيْبٍ عَظِيْمِ المُلْكِ مُتَّخِذٍ … دُونَ السُّرادِقِ حُرَّاسًا وَحُجَّابَا
وأَضْحَى ذَليلاً صَغِيرَ الشَّأنِ مُنْفَرِدا … وَمَا يُرَى عِنْدَهُ في القَبْرِ بَوَّابَا
وَقَبْلكَ النَّاسُ قَدْ عَاشُوا وَقَدْ هَلَكوا … فَأَضْرَبَ الحيُّ عَن ذِيْ النَّأْي إِضرابَا
اللهم ارحمنا ذلنا يوم يقوم الأشهاد وأمن خوفنا من فزع المعاد ووفقا لما تنجينا به من الأعمال في ظلم الألحاد ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف
стр. 890
الميعاد واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصل الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فصل
قال ﵀ واعجبا من عارف بالله يخالفه ولو أتلف نفسه، لما قال إبراهيم لإسماعيل ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات١٠٢] ، هل العيش إلا مع رضى الله؟ وهل الدنيا والآخرة إلا له، أف لمترخص في فعل ما يكره لنيل ما يحب تالله لقد فاته أضعاف ما حصل، أقبل على ما أقل يا ذا الذوق هل وقع تعثير في عيش وتخبيط في حال إلا حال مخالفته، فبالله يا أرباب المعاملة لا تكدروا المشرب قفوا على باب المراقبة وقوف الحرس وادفعوا ما لا يصلح عن أن يلج فيفسد، واهجروا أغراضكم لتحصيل ما يحبه الله إخواني لنفسي أقول فمن له شرب معي فليرد، أيتها النفس لقد أعطاك ما لم تأملي وبلغك ما لم تطلبي وستر عليك من قبيحك ما لو فاح لضجت المشام فما هذا الضجيج من فوات كمال الأغراض، قربت سفينة العمر من ساحل القبر وما لك في المركب بضاعة تربح بلغت نهاية الأجل وعين هواك تتلفت إلى الصبا واعجبا كلما صعد العمر نزلت وكلما جد الموت هزلت.
بَكَتْ عَيْنِي وحق لها بُكَاهَا … عَلَى نَفْسِي التي عَصت الإِلَه
ومن أوْلى بطُول الحُزْن مِنها … وبالآثام قد قطعت مداها
فلا تَقْوى تَصُدُّ عن المعاصِي … ولا تخشى الإله ولا تناهي
تَتُوبُ من الإِساة في صباحٍ …
стр. 891
وتنْقُض قَبل أن يأتِي مساها
وتنْكُثُ عَهْدها حِيْنًا فحِيْنًا … كأنَّ الله فيه لا يراها
وَتَقْعُدُ عَنْ حُقُوق الله عَمْدًا … وَتَبْغِي دَائِمًا مَالاً وَجاهَا
قال بعضهم يبوخ نفسه ويحك يا نفس كأنك لا تؤمنين بيوم الحساب وتظنين أنك إذا مت وانفلت وتخلصت تتركين هيهات هيهات، أما تعلمين أن الموت موعدك والقبر بيتك والتراب فراشك، والدود أنيسك، والفزع الأكبر بين يديك اعملي يا نفس بقية عمرك في أيام قصار لأيام طوال وفي دار زوال لدار مقام، وفي دار حزن ونكد وكبد ونصب ولغب وهموم لدار سرور وأفراح ونعيم وخلود وهناء اعملي قبل طي الصحيفة اخرجي من الدنيا خروج الأتقياء الأحرار قبل أن تخرجي خروج الأشقياء على الاضطرار ولا تفرحي بما يساعد من زهرة الدنيا فرب مسرور مغبون ورب مغبون لا يشعر وويل لمن له الويل ثم لا يشعر، يضحك ويفرح، ويلهو ويمرح، ويأكل ويشرب، وقد حق له في كتاب الله أنه من وقود النار نسأل الله المعافاة في الدنيا والآخرة.
اللهم وفقنا لصالح الأعمال، ونجنا من جميع الأهوال، وأمنا من الفزع الأكبر يوم الرجف والزلزال واغفر لنا ولوالدينا، ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
شعرا:
أَجنِب جِيَادًا مِن التَّقْوى مُضَمَّرةٌ … لِلسَّبْقِ يَومَ يَفُوزُ النَّاسُ بِالسَّبقِ
تَمُرُّ مَرَّ الرِّيَاحِ الهُوْجِ عَاصِفَةً … أَوْ لَمْحَةِ البَرْقِ إِذْ يَجْتَازُ بالأُفُقِ
стр. 892
وارْكُضْ إلى الغَايَةِ القُصْوة وَخَلِّ لَهَا … عِنَانَ صِدْق رَمَى في فِتْيَةٍ صُدُقِ
فَإِنَّ خَلْفَكَ أَعْمَالاً مُثْبَّطَةً … وَلَسْتَ تَنْهَضُ إلا وَيْكَ بالعَنَقِ
كَمْ حَلَّ عَزْمَكَ مِن دُنْيا مُعَرِّجَة … بِقَصْدِكَ اليومَ عن مَسْلُوْكَةِ الطُّرِقِ
يَا غَافِلاً وَالمَنَايَا مِنْهُ ذَاكِرَةٌ … وَضَاحِك والرَّدَى مِنْهُ عَلَى حَنَقِ
قَطعْتَ عُمْرَكَ في سَهْو وفي سِنَةٍ … وَمِنْ أَمَامِكَ لَيْلٌ دَائِمُ الأرَقِ
انتهى.
آخر:
أَرَى النَّاَس في الدُّنْيَا، مَعافِّى وَمُبتلى … وَمَا زَالَ حُكمُ الله في الأَرْضِ مُرْسَلا
مَضَى في جَمِيْعِ النَّاسِ سَابقُ عِلمهِ … وَفَصَّلَهُ، مِن حَيْثُ شَاءَ، وَوَصلا
وَلَسْنَا عَلَى حُلْوِ القَضَاءِ وَمُرُّهِ … نَرَى حكَمًا فِيْنَا، مِنَ اللهِ، أَعْدَلا
بَلَا خَلْقَهُ بِالخَيرِ وَالشَّرِّ، فِتْنَةً … لِيَرغَبَ مِمَّا فِي يَدَيْهِ وَيَسْألا
وَلَمْ يَبْغِ إِلا أَنْ يَبُوءَ بِفَضْلِهِ … عَلينَا، وَإِلا أَنْْْ نَتُوبَ فَيَقْبَلا
هُوَ الأحَدُ القَيومُ مِنْ بَعْدِ خَلقِه … وَمَا زالَ في دَيمومَةِ المُلْْكِ أَولا
وَمَا خَلَقَ الإِنْسَانَ إِلا لِغَايَةٍ … وَلَمْ يُترَكِ الإِنْسَانَ في الأرْضِ مُهمَلا
كَفَى عبِرَةً أَنِّي وَأَنّكَ، يا أخي … نُصَرَّفُ تَصرِيفًا لَطِيفًا، وَنُبتَلى
كَأَنَّا، وَقَدْ صِرْنَا حَدِيْثًا لِغَيْرِنَا … نُخَاضُ كما خُضْنَا الحديثَ لِمن خَلا
تَوَهَمْتُ قَوْمًا قَدْ خَلَوا، فَكَأنَّهم … بِأَجْمَعِهِم كَانُوا خَيَالاً تَخَيّلا
وَلَسْتُ بِأَبْقَى منهُم في دِيَارِهِم … وَلَكِن لِي فِيْهَا كتابًا مُؤجَّلَا
وَمَا النَّاسُ إلاَّ مَيِّتٌ وابْنُ مَيِّتٍ … تَأجّلَ حَيٌّ مِنْهُم، أَوْ تَعَجّلَا
стр. 893
وَلا تَحْْسَبَنَّ اللهَ يُخْلِفُ وَعْدَهُ … بِمَا كَانَ أَوْصَى المُرْسَلِيْنَ، وَأَرْسَلَا
هو المَوْتُ يا ابنَ المَوْتِ وَالبَعْثُ بعدهُ … فَمِنْ بَيْنِ مَبعوثٍ مُخفا، وَمُثقَلَا
وَمِنْ بَيْنِ مَسْحوبٍ عَلَى حُرّ وَجْهِهِ … وَمنْ بِيْنِ مَنْ يَأتِي أَغَرّ مُحَجَّلا
عَشِقْنَا مِنَ اللَّذاتِ كل مَحرَّمٍ … فَأُفِّ عَلَيْنَا مَا أَغَرّ وَأَجْهَلا
رَكَنّا إلى الدُّنْيَا فَطَالََ رُكُونُنَا … وَلَسْنَا نَرَى الدُّنْيَا، عَلَى ذَاكَ مُنْزِلا
لَقَدْ كَانَ أَقْوَامٌ مِنَ النَّاسِ قَبْلَنا … يَعافُونَ مِنْهُنّ الحَلالَ المُحَلَّلا
فَلِلَّهِ دارٌ مَا أَحَثّ رَحِيلَها … وَمَا أَعرَضَ الآمَالَ فِيْهَا وَأَطْوَلا
أَبَى المَرْءُ إِلاَّ أَنْ يَطُولَ اغْترارُهُ … وَتَأبَى بِهِ الحالاتُ إِلا تَنَقّلا
إِذَا أمَّلَ الإِنْسَانُ أَمْرًا، فَنَالَهُ … فَمَا يَبْتَغي فَوْقَ الذي كَانَ أَمّلا
وَكَمْ من ذَلِيلٍ عَزّ مِنْ بَعْد ذِلّةٍ … وَكَمْ من رَفِيعٍ صَارَ في الأَرْض أَسْفَلا
وَلَمْ أَرَ إِلا مُسْلمًا في وَفَاتِهِ … وَإِنْ أَكْثَر البَاكِي عَلَيْهِ، وَأعْوَلا
وَكَمْ مِنْ عَظِيْمِ الشَّأنِ في قَعرِ حُفرةٍ … تَلَحّفَ فيها بالثَّرى، وَتَسَرْبَلا
أَيَا صَاحِبَ الدُّنْيَا وَثِقْتَ بِمَنْزِلٍ … تَرَى المَوْتَ فِيْه، بالعِبَادِ مُوَكَّلا
تُنافِسُ في الدُّنْيَا لِتَبلُغَ عِزّها … وَلَسْتَ تَنَالُ العِزّ حتى تُذَللا
إِذَا اصْطَحَب الأَقْوامُ كَانَ أَذَلُّهُم … لأصحابِهِ نَفَسًا، أَبَرَّ وَأَفْضَلا
وَمَا الفَضْلُ في أَنْ يُؤْثِرَ المَرءُ نَفْسَهُ … وَلَكِن فَضْلَ المَرْءِ أَنْْ يَتَفَضَّلا
انتهى.
آخر:
يَا مَن يُريدُ طَريقةً تُدْنيه مِنْ … ربَّ العبادِ بصالحِ الأَعْمَالِ
وَتُقيمُه للاستقَامةِ بَعْدُ في الأَ … حْوَالِ وَالأَعْمَالِ وَالأَقْوَالِ
стр. 894
وكذاكِ تُوصِلُهُ إِلَيْهَا إِنْ يَكُنْ … ذَا هِمَّةٍ لِمَوَاقِعِ الأَفضالِ
هِيَ أَنْ تُرِدْ تَحْصِيّلَهَا شَيئانِ أَمَّا … الأَوَّلُّ المَقْصُودُ في الأَمْثَالِ
حِفظُ الخَواطِرِ بِالحِراسةِ ثُم كُنْ … حَذِرًا مِنَ التَّفْرِيطِ وَالإِهْمَالِ
بَلْ لا تَكُونُ مَعَ الخَواطِرِ غَافِلاً … مُسْترسلاً في مُدَّةِ الإِمْهَالِ
أَوْ مُؤْثِرًا كُلَّ الفَسَادِ بِأسْرِهِ … ِمِنْهَا يَجِيءُ وَلَيْسَ ذَا إِشْكَالِ
وَلأَنَّهَا لِلْنَّفْسِ وَالشَّيطانِ بَذْ … رٌ في القُلوبِ بِغَيرِ مَا إِقْلالِ
فَإِذَا تَمكَّنَ بَذْرُهَا مِنْ أَرْضِهَا … بِالسَّقي من ذِي الفَاجِرِ المُجْتَالِ
إِذَا قَدْ يَصيرُ بِسَقيهَا مُتَعاهِدًا … وَالعَبْدُ في الغَفَلاتِ عَنْ ذِي الحَالِ
حَتَّى تَصِيْرَ إِذَا أَرَادَتٌ كَذَا … حَتَّى تَصِيْرَ عَزَائِمُ الأفعالِ
وَيَظَلُّ يَسْقِيهَا وَيُدْمِنُ سَقيها … حَتَّى تُغِلَّ بَأَخْبَثِ الأَعْمَالِ
هَيْهَاتَ إِنَّ الدَّفعَ وهي خَوَاطِرٌ … لَوْ كَانَ ذَاكَ بِأَيْسَرِ الأَحْوَالِ
فَهُنَاكَ يَصْعُب دَفْعُها مِن بَعْدِ أن … صَارَتْ هُنَاكَ إِرَادَةَ الأَعْمَالِ
وَهُو المفرُّط حَيْثُ كَانَتْ خَاطِرًا … شَيْئًا ضَعِيفًا غَيْرَ ذِي أَحْمَالِ
مِثلَ الشَّرَارة هَانَ مِنْهَا بدؤُها … والشَّأنُ كلَّ الشَّأنِ في الإِهْمَالِ
حَتَّى إِذَا عَلقتْ هَشِيمًا يَابسًا … وَتَمكَّنتْ مِن ذَاكَ بِالإِشْعَالِ
عَجَز المفرِّطُ بعدُ عَنْ إِطفائِها … يَا خَيْبَةَ المتَكَاسِلِ البَطَّالِ
***
فَإِذَا أَردتَ طريقةً في حِفْظِها … إِذْ كُنْتَ ذَا حِرْصٍ وَذَا إِقْبَالِ
فَاسْمَعْ إِذًا أَسْبَابَ موصلةً إلى … تلكَ الطَّرِيْقِ بِأَوضَحِ الأَقْوَالِ
عِلْمٌ بِرَبكَ جَازمٌ مِنْ أَنَّهُ … بِالاطلاعِ وَلَيْسَ ذَا إِهْمَالِ
стр. 895
لِلْقَلْبِ بِالنَّظرِ الذِي هُو وَصْفُه … وَالعِلْمِ بالخطراتِ في الأَحْوَالِ
وَكَذا الحَياءُ مِنَ الإِلَه فَإِنَّهُ … سَبَبٌ لَهَا بِالحِفْظِ وَالإِكْمَالِ
وَكَذَاكَ إِجْلالُ لَهُ مِنْ أنْ يَرَى … في بَيْتِهِ المَخلوقِ لِلإِجْلَالِ
كَالحبِّ وَالتعظيمِ ﷻ … تِلْكَ الخَواطِرُ تَحض بالأغلالِ
وَكَذَاكَ إِيْثَارٌ لَهُ سُبْحانَه … وَهُو الغَنِيُّ فَجَلَّ عنْ أَمْثالِ
عَنْ أَنْ يُسَاكنَ قَلْبَكَ المَربُوبُ غَيْر … الحُب للمعبودِ ذِي الإِفْضَالِ
فَتَظَلَّ تَسْتَعِرُ اسْتِعَارًا يَأكلُ الإ … يمانَ مِنْ حُبٍّ وَمِنْ إِجْلالِ
مَعَ كُلِّ ما فِي القَلْبِ مِنْ خَيْرٍ فَيَذْ … هَبُ جُمْلَةً وَالعَبْدُ في إِغْفالِ
وَكَذَا مِنَ الأَسْبَابِ عِلْمُكَ إِنَّمَا … تِلْكَ الخَوَاطِرُ غَيْرَ ذِي إِشْكَالِ
كَالحبِّ يُلْقَى لِلْطيُورِ لِصَيْدِهَا … وَالعَبْدُ مَقْصُودًا لِذِي الأَحْبَالِ
يَصْطَادهُ الشَّيطَانُ في فَخِ الرَّدَى … والطُّعْمُ فِيْهِ خَوَاطِرُ الإِضْلالِ
وَكَذَا مِنَ الأَسباب عِلْمُك أَنَّهَا … وَخَواطِرِ الأَعْمَالِ وَالأَقْوَالِ
كَالحبِّ والإِيمَانِ لَنْ يَتَلاقيَا … في القَلْبِ إلا كَالتُّقَى الأَبْطَالِ
بَلْ إِنَّ دَاعِي الحُبِّ ثُمَّ إِنَابَة … ضِدَّ الخَوَاطِرِ فاسْتَمِعْ لِمَقَالِ
مِنْ كلِّ وَجْهٍ وَالقِتَال فَقَائِمٌ … حَتَّى يكونَ الضدُ ذَا إِذْلالِ
لَوْ كَانَ قَلْبُكَ ذَا حَيَاةٍ ضَرَّهُ … أَلمُ المُصَابِ فَصَارَ ذَا إِقْبَالِ
لَكِنَّ قَلْبُكَ في البَطَالَةِ غَافِلٌ … مَا كَانَ ذَا هَمٍّ وَذَا إِشْغَالِ
وَكَذَا مِنَ الأَسْبَابِ تَعْلمُ أَنَّها … بَحْرٌ عَمِيْقٌ مِن بُحُورِ خَيالِ
وَالقَلبُ يَفْرَقُ بَعْدَ مَا يَدْخُلْ بِهِ … وَيَتَيِهُ ثُمَّ بِظُلْمةِ الأَهْوَالِ
فَيَظَلُّ يَطْلُبُ لِلْخَلاصِ فَلَمْ يَجِدْ … مِنْ ذَاكَ نَهْجًا يُنْج مِنْ أَوْبَالِ
стр. 896
أَوْ مَا تَرَى أَنَّ الخَوَاطِرَ كُلَّمَا … غَلبَتْ لِقَلبِكَ صَارَ ذَا إِذْلالِ
قَدْ أَوْرَثَتُهُ وَسَاوِسًا ذَلَّ بِهَا … حَتَّى اغْتَدى بالغَيرِ ذُو إِشْغَالِ
عَزلَتهُ عَنْ سُلْطَانِه وَمحِلِّهِ … عَنْ ذِي المَحَلِ المُشمَعِلِ العَالِ
وَعَليه أَفْسدَتْ الرَّعَايَا كُلَّهَا … فالملكُ وَالسلطانُ في اضْمِحْلالِ
وَرَمَتْهُ في الأَسْرِ الطويلِ مُكَبَّلاً … بِيَدِ الهَلاكِ يُجَرُ بِالأَغْلالِ
وَإِذَا عَلِمْتَ بأَنَّ هَذا كُلَّهُ … في الخَوَاطِرِ النَّفْسيِّ ذِي الإِضْلالِ
فَخَواطِرُ الإِيْمَانِ في قَلْبِ الفَتَى … لِلْخَيْر أَصْلٌ لَيْسَ ذَا إِشْكَالِ
فَمَتَى بَذَرْتَ خَوَاطِرَ الإِيْمَانِ في … أَرْضِ القُلوبِ بِغَيْرِ ما إِهْمَالِ
مِنْ خَشْيِةٍ وَمَحبَّةٍ وَإِنَابَةٍ … وَكَذَا رَجَاءِ ثَوَابِ ذِي الإِفْضَالِ
وَكَذَلكَ التَّصديقُ بِالوَعْدِ الذِي … تَرْجُوْهُ مِنْه بِصَالِحِ الأَعْمَالِ
وَسَقَيْتَها مُتَكَرِّرًا مُتَعَاهِدًا … وَحَفِظْتَهَا بِالحِفْظِ والإِكْمَالِ
فَهُناكَ تُثْمرُ كُلَّ فِعْلٍ طيِّبٍ … مِنْ صَالِحَاتِ القَوْلِ وَالأَفْعَالِ
وَهُنَاكَ تَملأ قَلْبَه الخَيْراتُ وَا … لطَّاعَاتُ لِلْمَعْبُودِ ذِي الإِجْلالِ
وَهُنَاكَ السُّلْطانُ في سُلْطَانِهِ … قَدْ يَسْتَقرُّ بِأَكْمَلِ الأَحْوَالِ
وَكَذَا رَعِيَّتُهُ اسْتِقَامَةُ رَغْبَةٍ … بَعْدَ اسْتَقَامَتِه مِنَ الإِضْلالِ
***
واعْلَمْ بِأَنْ لا بُدَّ مِنْ شَرْطَيْن لا … تَغْتَرَّ بِالإِغْفَالِ وَالإِهْمَالِ
أَنْ لا تَكُونَ لِوَاجبٍ أَوْ سُنَّةٍ … بِالتَّركِ ذُو عَجْزٍ وَذُو إِغْفَالِ
أَوْ تَجْعَلْ الأَضَّدادَ مَوْضِعَ خَشْيَةِ … الرَّحمنِ مِنْ حُبٍّ وَمِنْ إِجْلالِ
стр. 897
هَذَا وثَانِي ذَيْنِكَ الشَّيئَينِ إِنْ … رُمْتَ المقالَ فَخُذْهُ بالإِجْمَالِ
صِدْقُ التَّأهُّبِ للقَاءِ فَإِنَّهُ … مِنْ أَبْلَغِ الأَسْبَابِ وَالأَعْمَالِ
فَمَتى اسْتَعدَّ وَكَانَ هَذا شَأْنَه … والشأْنُ كُل الشأنِ في الإِقْبالِ
انْحَلَّتْ الدُّنيا جَمِيْعًا وَانْجَلَتْ … عَنْ قَلْبه فاشْتَاقَ لِلْتَّرْحَالِ
وَهُنَاكَ يُخْبِتُ قَلبُه للهِ جَلَّ … اللهُ عن ندٍ وَعَنْ امْثَالِ
وَغَدَا بِهِمَّتِهِ مُنِيْبًا عَاكِفًا … بِالقَولِ وَالأَعْمَالِ والأَحْوَالِ
وَهُنَاكَ يُحدثُ هِمَّةً أُخرى بِهَا … يَرْجُو الفَلاحَ بِموقِفِ الأَهْوَالِ
فَتَكُونُ نِسْبَةُ قَلْبِه فِيْهَا إلى الأَ … خرَى كَهَاذِي الدَّارِ بِالأَطفالِ
أَوْ لَيْسَ بَطْنُ الأُم كَانَ حجَابُهَا … لِلْجِسْمِ في الدُّنْيا بِلا إِشْكَالِ
فَكَذَا حِجَابُ القَلْبِ كَانَ هُو الهَوى … والنَّفْسُ مِنْ أَحِراه بالإِضْلالِ
وَالحَاصِلُ المقْصُودُ أَنَّ جَمِيْعَ أَعْمَا … لِ القُلوبِ وَسَائِرِ الأَعْمَالِ
مُفْتَاحُها صِدْقُ التَّأهُبِ لِلُّقا … وَالفَاتِحُ المَعْبُودُ ذُو الإِجْلالِ
انتهى.
آخر:
وَكُلُّ مَنْ نَامَ بِلَيْلِ الشَّبَابِ … يوقظه الدهر بصبح المشيبْ
يَا رَاكِبَ العَجْزِ أَلا نَهْضَةٌ … قَدْ ضَيَّقَ الدَّهْرُ عَلَيْكَ المَجَالْْ
لا تَحْسِبَنَّ أَنَّ الصِّبَا رَوْضَةٌ … تَنَامُ فِيْهَا تَحْتَ فيءِ الظِّلالْ
فَالعَيْشُ نَومٌ وَالرَّدَى يَقْظَةٌ … وَالمَرءُ مَا بَيْنَهُمَا كَالخَيَالْ
وَالعُمْر قَدْ مَرَّ كَمرِّ السَّحَابِ … وَالمُلْتَقَى بِاللهِ عَمَّا قَرِيبْ
وَأَنْتَ مَخْدُوعٌ بِلَمْعِ السَّرَابْ … تَحْسِبُهُ مَاءً وَلا تَسْتَرِيبْ
стр. 898
فَكُلُّ مَنْ يَرْجُو سِوَى الله خَابْ … وَإِنَّمَا الفَوزُ لِعَبْدٍ مُنِيبْ
يَسْتَقْبِلُ الرُّجْعَى بِصِدقِ المَتَابْ … وَيَرقُبُ الله الشَّهِيدَ القَرِيبْ
يَا حَسرَتَا مَرَّ الصِّبَا وَانْقَضَى … وَأَقْبَلَ الشَّيْبُ يَقُصُّ الأَثَرْ
وَاخَجْلَتا وَالرحْلُ قَدْ قُوِّضَا … وَمَا بَقِي في الخُبْرِ غَيْرُ الخَبَرْ
وَلَيتَنِي لَوْ كُنْتُ فِيمَا مَضَى … ادَّخِرُ الزَّادَ لِطُولِ السَّفَرْ
قَدْ حَانَ مِن رَكْبِ التَّصَابِي إِيابْ … وَرَائِدُ الرُّشْدِ أَطَالَ المَغِيبْ
انتهى.
آخر:
أَسَأتُ فَمَا عُذْرِي إِذَا انْكَشفَ الغِطَا … وَأَظْهَرَ رَبُّ العَرْشِ مَا أَنَا أسْتُرُ
إِذَا اللهُ نَادَانِي بِيَوْمِ قِيَامَةٍ … تعَدَّيْتَ حَدَّ العِلْمِ هَلْ أَنْتَ تُوْجَرُ
أَسَأتَ إِلى خَلْقِي وَحَقِّي تَرَكْتَهُ … فَأَيْنَ الحَيَا مِنِّي فَإِنِّي أَكْبَرُ
دَعَوْتَ إِلى عِلْمٍ وَأَظْهَرْتَ حِكْمَةً … وَأَنْتَ عَلَى الدُّنْيَا عَكُوفٌ مُشَمِّرُ
وَخَالَفْتَ مَا قَدْ قُلْتَ وَازْدَدتَ غَفْلَةً … وَقَلْبُكَ لِلَّذَاتِ وَالغِشِّ يُضْمِرُ
ظَنَنْتَ بِأَنِّي مُهْمِلٌ لامْرءٍ عَصَى … كَأَنَّكَ لَمْ تَعْلَمْ بِأَنَّكَ تُحْشَرُ
هُنَالِكَ يَمْتَازُ المُسِيْؤُنَ كُلُّهُمْ … فَوَاحَسْرَتَا إِنْ كُنْتُ مِمَّنْ يُحَسَّرُ
فَيَا حِيُّ يَا قَيُّومُ يَا خَيْرَ رَاحِمٍ … وَمَنْ هُو لِلزلاتِ والذَّنْبِ يَغْفِرُ
عَصَيْتُكَ مِنْ لُؤْمِي وَنَفْسِي ظَلَّمْتُهَا … وَذَنْبِي فِي عُمْرِي يَزِيْدُ وَيَكْثُرُ
وَلَكِنَّنِي إِنْ جِئْتُ ذَنْبًا وَزَلَّةُ … أَرَجيْكَ يَا رَحْمَنُ لِلْوَهْنِ تَجْبُرُ
وَتَغْفِرُ لِي ذَنْبِي وَتُصْلِحُ عِيْشَتِيْ … وَتَرْحَمُ آبَائِي فإِنَّكَ تَقْدِرُ
وَأَرْجُوكَ يَا رَحْمَنُ إِذْ مَا سَتَرتَنِي … بِدُنْيَايَ في يَوْمِ القِيَامَةِ تَسْتُرُ
стр. 899
آخر:
قَطَّعْتُ مِنْك حَبائِل الآمَالِ … وَحَطَطْتُ عَنْ ظَهَرِ المَطِي رِحالي
وَيَئسِتُ أنْ أَبْقَى لشيء نِلتُ مِمَّا … فيكِ يَا دُنيا وَأَنْ يَبقَى لِي
فَوَجَدْتُ بَرْدَ اليّأسِ بَيْنَ جَوانحِي … وَأَرَحْتُ مِنْ حَلَي وَمِنْ تَرْحَالِي
وَلَئِنْ بَئِسْتُ لَرُبّ بَرْقَةِ خُلّبِ … بَرَقَتْ لذي طَمَعٍ وَبَرَقْةِ آل
مَا كانَ أَشأمَ، إِذْ رَجاؤكِ قَاتِلي … وَبَناتُ وَعْدِكِ يَعْتَلِجْنَ بِبَالِي
فَالآن يا دُنيا عَرَفَتُكِ فاذهبِي … يَا دَار كُل تَشَتَتٍ وَزَوَالِ
والآنَ صَارَ لِي الزَّمَانُ مُؤدِّبًا … فَغَدَا عَليَّ وَرَاحَ بِالأَمْثَالِ
وَالآنَ أَبْصَرْتُ السَبيلَ إِلى الهُدَى … وَتَفَرَّغَتْ هِمَمِيْ عَنْ الأَشْغَالِ
وَلَقَدْ أَقَامَ لِي المَشِيبُ نُعَاتَهُ … يُفْضِي إِلي بِمَفْرقٍ وَقذَالِ
وَلَقَدْ رَأيتُ المَوْتَ يُبْرِقُ سَيْفَهُ … بِيَدِ المَنيَّةِ: حَيْثُ كُنْتُ، حِيالِي
وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَرَى الحَياتِ تَخَرَّمَتْ … وَلَقَدْ تَصَدّى الوَارِثُونَ لِمَالِي
وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَلَى الفَنَاءِ أَدلةً … فِيمَا تَنَكّرَ مِنْ تَصَرفِ حَالِ
وَإِذَا اعْتَبْرتُ رَأَيْتُ خَطْبَ حَوادِثٍ … يَجريْنَ بِالأَرْزَاقِ، وَالآجَالِ
وَإِذَا تَنَاسبِ الرِّجالُ، فَمَا أَرَى … نَسَبًا يُقاسُ بِصَالِحِ الأَعْمَالِ
وَإِذَا بَحَثْتُ عَنِ التُّقَى وَجَدْتُهُ … رَجُلاً يُصَدِّقُ قَوْلَهُ بِفَعالِ
وَإِذَا اتْقَى الله امْرُؤٌ وَأَطَاعَهُ … فَيَداهُ بَيْنَ مَكَارِمٍ وَمعَالِ
وَعَلَى التَّقى إِذَا تَرَسخَ فِي التُّقَى … تَاجَانِ تَاجُ سَكينَةٍ وَجَلالِ
وَاللَّيْلُ يَذْهَبُ وَالنَّهارُ تَعَاوُرا … بِالخَلْقِ في الإِدْبارِ وَالإِقْبَالِ
وَبِحَسْبِ مَنْ تُنْعَى إِلَيهِ نَفْسُهُ … مِنْهُ بِأَيَّامٍ خَلَتْ، وَلَيَالِ
стр. 900
اضْرَبْ بِطَرفِكَ حَيْثُ شِئْتَ فأَنْتَ فِي … عِبَرٍ لَهُنَّ تَدَارُكٌ وَتَوَالِ
يَبْكِي الجَديدُ وَأَنْتَ فِي تَجْديدِه … وَجَميعُ مَا جَدَّدْتَ مِنْهُ فَبَالِ
يَا أَيُّهَا البَطِرُ الذي هو في غَدٍ … في قَبْرِهِ مُتَفَرَقُ الأَوْصالِ
حَذَفَ المُنَى عَنْهُ المُشَمِّرُ في الهُدَى … وَأَرَى مُنَاكَ طَويلَةَ الأَذْيَالِ
وَلَقَلّ مَا تَلْقَى أَغَرَّ لِنَفْسِهِ … مِنْ لاعِبٍ مَرحٍ بِهَا، مُخْتالِ
يا تاجِرَ الغَيَّ الُمضِرَّ بِرُشْدِهِ … حَتَّى مَتَى بالغَيَّ أنْتَ تُغَالِي
الحَمْدُ لله الحَميدِ بِمَنَّه … خَسِرَتْ وَلم يَرْبَحْ يَدُ البَطَّالِ
لله يَوْمٌ تَقْشَعِرَّ جُلُودُهُمْ … وَتَشِيبُ مِنْه ذَوَائِبُ الأطْفالِ
يَوْمُ النَّوازِلِ والزَّلازِلِ وَالَحوا … مِلِ فيِه إذْ يَقِذفْنَ بالأحْمَالِ
يِوْمٌ التَّغاُبنِ، والتَّبايُنِ والتنَّا … زُلِ وَالأمُورِ عَظيمَةِ الأهْوَالِ
يَوْمٌ يَنَادَي فيهِ كُلٌ مَضَلَّلٍ … بِمُقَطعَاتِ النَّار، والأغْلالِ
لِلْمُتَّقِينَ هُناكَ نَزْلُ كَرامَةٍ … عَلَتِ الوُجُوهَ بنَضرةٍ وَجَمالِ
زُمَرَّ أضَاءَتْ لِلْحِسَابِ وُجُوهُها … فَلَهَا بَرِيقٌ عِندَهَا وَتَلالي
وَسَوَابِقٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ جَرتْ … خُمْصَ البُطونِ خَفِيفَةَ الأثَقالِ
مِنْ كُلّ أَشْعَثَ كَاَنَ أَغْبَر ناحِلاً … خَلَقَ الرّداءِ، مُرَقعَ السَّرْبالِ
حِيِلُ ابنِ آدَمَ في الأمُورِ كَثيرَةٌ … وَالمَوْتُ يَقطعُ حِيلَةَ المُحْتَالِ
نَزَلُوا بأَكْرَمِ سَيَّدٍ فأظَلّهُمْ … في دارِ مُلْكِ جَلالَةٍ وَظِلالِ
وَمِنَ النَّعاةِ إلى ابنِ آدَمَ نَفْسَهُ … حَرَكُ الخُطَى وطُلُوعُ كُل هِلالِ
ما لِيْ أرَاكَ لِحُرّ وَجْهِكَ مُخْلِقًا … أَخْلقْتِ يا دنُيْا وُجُوهَ رِجالِ
قِسْتَ السؤّالَ فكانَ أعْظَمَ قيمةً … مِنْ كُل عَارِفَةٍ جَرَتْ بسُؤُالِ
стр. 901
كُنْ بالسؤالِ أشَدَّ عَقْدِ ضَنَانَةٍ … مِمّنْ يَضِنّ عَليَكَ بالأمْوَالِ
وَصُنِ المَحامِدَ ما استَطَعتَ فإنّها … في الوَزْنِ تَرْجُحُ بَذْلَ كلّ نَوَالِ
وَلَقَدْ عَجِبْتُ مِنَ المُثَمَّرِ مالَهُ … نَسيَ المُثَمَّرُ زِينَةَ الإقْلالِ
وَإذا امْرُؤٌ لَبِسَ الشٌّكُوكَ بِعَزْمِهِ … سَلكَ الطّريقَ عَلى عُقودِ ضَلالِ
وَإذا ادَّعَتْ خُدَعُ الَحوادِث قَسْوَةٍ … شَهِدَتْ لُهنّ مَصارِعُ الأبْطالِ
وِإذا ابتُليتَ ببَذْلِ وَجْهِكَ سائِلا … فابْذُلْهُ لِلْمتَكَرّمِ المِفْضَالِ
وَإذا خَشِيْتَ تَعَذٌّرًا في بَلْدَةٍ … فاشْدُدْ يَدَيْكَ بعاجِلِ التّرْحالِ
وَاصْبِرْ عَلَى غِيِرِ الزّمانِ فإنّما … فَرَجُ الشّدائِدِ مِثلُ حَلَّ عِقالِ
انتهى
آخر:
غَفَلْتُ وَحَادِيْ المَوْتِ في أَثَرِيْ يَحْدُوْ … فَإنْ لَمْ أَرُحْ يَوْمِيْ فَلا بُدَّ أَنْ أَغْدُ
أُنَعَّمُ جِسْمِيْ بِاللَّبَاسِ وَليْنهِ … وَلَيْسَ لِجِسْمِيْ مِنْ لِبَاسِ البلَى بُدٌّ
كَأَنَّيْ بِهِ قَدْ مَرَّ في بَرْزخِ البلَى … وَمِنْ فَوقِهِ رَدْمٌ وَمِنْ تَحْتِهِ لَحْدٌ
وَقَدْ ذَهَبَتْ مِنيْ المَحَاسِنُ وَانْمَحَتْ … وَلَمْ يَبْقَ فَوْقَ العَظْمِ لَحْمٌ وَلَا جِلْدٌ
أَرىَ العُمْرَ قَدْ وَلى وَلَمْ أُدْرِك المُنَى … وَلَيْسَ مَعِيْ زَادٌ وَفي سَفَريْ بُعْدُ
وَقَدْ كُنْتُ جَاهَرْتُ المُهَيْمِنَ عَاصِيًا … وَأَحْدَثْتُ أَحْدَاثًا وَلَيْسَ لَهَا رَدُّ
وَأَرْخَيْتُ خَوْفَ النّاسِ سِتْرًا مِنْ الْحَيَا … وَمَا خِفْتُ مَنْ سِرّىْ غَدًا عِنْدَهُ يَبْدُو
بَلَ خِفْتُهُ لَكِنْ وَثِقْتُ بِحِلْمِهِ … وَأَنْ لَيْسَ يَعْفُو غَيْرُهُ فَلَهُ الحمْدُ
فَلَوْ لَمْ يَكُنْ شَيءٌ سِوَى المَوْتِ وَالبِلَى … عَن اللهْوِ لَكِنْ زَالَ عَنْ رَأْيِنَا الرُّشْدُ
стр. 902
عَسَى غَافِرُ الزلاتِ يَغْفِرُ زَلَّتِيْ … فَقَدْ يَغْفِرُ اَلمَوْلَى إذَا أَذْنَبَ العَبْدُ
أَنَا عَبْدٌ سُوْءٍ خُنْتُ مَوْلايَ عَهَّدَهُ … كَذَلِكَ عَبْدُ السُّوءِ لَيْسَ لَهُ عَهْدُ
فَكَيْفَ إذَا أَحْرَقْتَ بالنارِ جُثتِيْ … وَنَارُكَ لا يَقْوَى لهَا الحَجَرُ الصَّلْدُ
أَنَا الفَرْدُ عِنْدَ المَوْتِ وَالفَرْدُ في البِلَى … وَأَبْعَثُ فَرْدًا فارْحَمْ الفَرْدَ يَا فَرْدُ
انتهى.
آخر:
تَفِيْضُ عُيُوْنِيْ بالدُّمُوعِ السَّواكِبِ … وَمَا لِيَ لا أَبكِي عَلى خَيْرِ ذَاهِبِ
عَلى العُمْرِ إذْ ولَّى وَحَانَ انْقِضَاؤُهُ … بآمَالِ مَغْرُوْرٍ وَأَعْمَالِ نَاكِبِ
عَلى غُرَرِ الأيامِ لَمَّا تَصَرَّمَتْ … وَأَصْبَحْتُ مِنْهَا رَهْنَ شُؤْمِ المَكَاسِبِ
عَلى زَهَرَاتِ العَيْشِ لَمَّا تَسَاقَطَتْ … بِرِيْحِ الأمانيْ وَالظُّنوْنِ الكَوَاذِبِ
عَلى أَشْرَفِ الأوْقاتِ لَمَّا غُبِنْتُهَا … بأَسْوَاقِ غَبْنٍ بَيْنَ لَاهٍ وَلَاعِبِ
عَلى أَنْفَسِ الساعَاتِ لَما أَضَعْتْهَا … وَقَضيْتُهَا في غَفلٍَة وَمَعَاطِبِ
عَلى صَرْفِيَ الأيامَ في غَيْرِ طَائِلٍ … وَلَا نَافِعٍ مِنْ فِعْلِ فَضْلٍ وَوَاجِبِ
عَلى مَا تَوَلى مِنْ زَمَاٍن قَضَيْتُهُ … وَرَجَّيْتُهُ في غَيْرِ حَق وَصَائِبِ
عَلى فُرَصٍ كَانَتْ لَوْ أَنَّيْ انْتَهَزْتُهَا … لَقَدْ نِلْتُ فِيْهَا مِنْ شَرِيْفِ المَطَالِبِ
وَأَحْيَانَ آناءٍ مِنْ الدَّهْرِ قَدْ مَضَتْ … ضيَاعًا وَكَانَتْ مَوْسِمًا لِلرَّغَائِبِ
عَلى صُحٍف مَشْحُوْنَةً بِمَآثِمٍ … وَجُرْمٍ وَأَوْزَارٍ وكَمْ مِنْ مَثَالِبِ
عَلى كَمْ ذُنُوبٍ كَمْ عُيُوْب وَزَلَّةٍ … وَسَيَّئٍة مَخْشِيَّةٍ فِيْ العَوَاقبِ
عَلى شَهَواٍت كَانَتِ النَّفسُ أَقْدَمَتْ … عَلَيْهَا بِطَبْعٍ مُسْتَحَثٍّ وَغَالِبِ
стр. 903
عَلَى أَنَّنِي آثَرْتُ دُنْيَا دَنِيَّةً … مُنَغِّصَةً مَشْحُونَةً بِالْمَعَائِبِ
عَلَى عَمَلٍ لِلْعِلْمِ غَيْرِ مُوَافِقٍ … وَمَا فَضْلُ عِلْمٍ دُونَ فِعْلٍ مُنَاسِبِ
عَلَى فِعْلِ طَاعَاتٍ بِسَهْوٍ وَغَفْلَةٍ … وَمِنْ غَيْرِ إِحْضَارٍ وَقَلْبٍِ مُرَاقِبِ
أُصَلِّي الصَّلَاةَ الْخَمْسَ وَالْقَلْبُ جَائِلُ … بِأَوْدِيَةِ الْأَفْكَارِ مِنْ كُلِّ جَانِبِ
عَلَى أَنَّنِي أَتْلُو الْقُرْآنَ كِتَابَهُ … تَعَالَى بِقَلْبٍ ذَاهِلٍ غَيْرِ رَاهِبِ
عَلَى طُولِ آمَالٍ كَثِيرٍ غُرُورُهَا … وَنِسْيَانِ مَوْتٍ وَهْوَ أَقْرَبُ غَائِبِ
عَلَى أَنَّنِي قَدْ أَذْكُرُ اللَّهَ خَالِقِي … بِغَيْرِ حُضُورٍِ لَازِمٍ وَمُصَاحِبِ
عَلَى أَنَّنِي لَا أَذْكُرُ الْقَبْرَ وَالْبِلَى … كَثِيرًا وَسَفَرًا ذَاهِبًا غَيْرَ آيِبِ
عَلَى أَنَّنِي عَنْ يَوْمِ بَعْثِي وَمَحْشَرِي … وَعَرْضِي وَمِيزَانِي وَتِلْكَ الْمَصَاعِبِ
مَوَاقِفُ مِنْ أَهْوَالِهَا وَخُطُوبِهَا … يَشِيبُ مِنَ الْوِلْدَانِ شَعْرُ الذَّوَائِبِ
تَغَافَلْتُ حَتَّى صِرْتُ مِنْ فَرْطِ غَفْلَتِي … كَأَنِّي لَا أَدْرِي بِتِلْكَ الْمَرَاهِبِ
عَلَى النَّارِ أَنِّي مَا هَجَرْتُ سَبِيلَهَا … وَلَا خِفْتُ مِنْ حَيَاتِهَا وَالْعَقَارِبِ
عَلَى السَّعْيِ لِلْجَنَّاتِ دَارِ النَّعِيمِ وَالْـ … ـكَرَامَةِ وَالزُّلْفَى وَنَيْلِ الْمَآرِبِ
مِنَ الْعِزِّ وَالْمُلْكِ الْمُخَلَّدِ وَالْبَقَا … وَمَا تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ مِنْ كُلِّ طَالِبِ
وَأَكْبَرُ مِنْ هَذَا رِضَا الرَّبِّ عَنْهُم … وَرُؤْيَتُهُمْ إِيَّاهُ مِنْ غَيْرِ حَاجِبِ
فَآهًا عَلَى عَيْشِ الْأَحِبَّةِ نَاعِمًا … هَنِيئًا مُصَفًّى مِنْ جَمِيعِ الشَّوَائِبِ
وَآهًا عَلَيْنَا فِي غُرُورٍ وَغَفْلَةٍ … عَنِ الْمَلَاءِ الْأَعْلَى وَقُرْبِ الْحَبَائِبِ
وَآهًا عَلَى مَا فَاتَ مِنْ هَدْيِ سَادَةٍ … وَمِنْ سِيرَةٍ مَحْمُودَةٍ وَمَذَاهِبِ
عَلَى مَا لَهُمْ مِنْ هِمَّةٍ وَعَزِيمَةٍ … وَجَدٍّ وَتَشْمِيرٍ لِنَيْلِ الْمَرَاتِبِ
عَلَى مَا لَهُمْ مِنْ عِفَّةٍ وَفُتُوَّةٍ … وَزُهْدٍ وَتَجْرِيدٍ وَقَطْعِ الْجَوَاذِبِ
стр. 904
عَلَى مَا لَهُمْ مِنْ صَوْمِ كُلِّ هَجِيرَةٍ … وَمِنْ خُلْوَةٍ بِاللَّهِ تَحْتَ الْغَيَاهِبِ
عَلَى الصَّبْرِ وَالشُّكْرِ اللَّذَيْنِ تَحَقَّقَا … وَصِدْقٍ وَإِخْلَاصٍ وَكَمْ مِنْ مَنَاقِبِ
عَلَى مَا صَفَا مِنْ قُرْبِهِمْ وَشُهُودِهِمْ … وَمَا طَابَ مِنْ أَذْوَاقِهِمْ وَالْمَشَارِبِ
وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ جَلَالَهُ … وَقُدْرَتَهُ فِي شَرْقِهَا وَالْمَغْرِبِ
إِلَيْهِ مَآبِي وَهْوَ حَسْبِي وَمَلْجَئِي … وَلِي أَمَلٌ فِي عَطْفِهِ غَيْرِ خَائِبِ
وَأَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ فِيمَا بَقِيَ لِمَا … يُحِبُّ وَيَرْضَى فَهْوَ أَسْنَى الْمَطَالِبِ
وَأَنْ يَتَغَشَّانَا بِعَفْوٍ وَرَحْمَةٍ … وَفَضْلٍ وَإِحْسَانٍ وَسَتْرِ الْمَعَائِبِ
وَأَنْ يَتَوَلَّانَا بِلُطْفٍ وَرَأْفَةٍ … وَحِفْظٍ يَقِينَا شَرَّ كُلِّ الْمَعَاطِبِ
وَأَنْ يَتَوَفَّانَا عَلَى خَيْرِ مِلَّةٍ … عَلَى مِلَّةِ الْإِسْلَامِ خَيْرِ الْمَوَاهِبِ
مُقِيمِينَ لِلْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الَّتِي … أَتَانَا بِهَا عَالِي الذُّرَى وَالْمَرَاتِبِ
مُحَمَّدٌ الْهَادِي الْبَشِيرُ نَبِيُّنَا … وَسَيِّدُنَا بَحْرُ الْهُدَى وَالْمَنَاقِبِ
عَلَيْهِ صَلَاةُ اللَّهِ ثُمَّ سَلَامُهُ … وَآلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ كَالْكَوَاكِبِ
وللأمير الصنعاني في الحث على تدبر كتاب الله والتفكر في آياته والثناء على الله قصيدة بليغة:
الْوَارِدَاتُ عَلَيْنَا كُلُّهَا مِنَنٌ … مِنْ رَبِّنَا فَلَهُ الْإِحْسَانُ وَالْحَسَنُ
إِنَّا لَنَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ مَوَاهِبِهِ … مَا لَا تُحِيطُ بِهِ عَيْنٌ وَلَا أُذُنُ
فَشُكْرُ بَعْضِ أَيَادِيهِ الَّتِي شَمِلَتْ … عَنْ شُكْرِهَا يَعْجَزُ الْعَلَّامَةُ اللَّسِنُ
يَا عَالِمَ الْغَيْبِ لَا يَخْفَاهُ خَافِيَةٌ … وَعِلْمُهُ يَتَسَاوَى السِّرُّ وَالْعَلَنُ
أَهْلُ الْبَسِيطَةِ طُرًّا تَحْتَ قَبْضَتِهِ … وَكُلُّهُمْ بِالَّذِي يَأْتِيهِ مُرْتَهَنُ
بِحِكْمَةٍ وَبِعِلْمٍ كَانَ مُبْتَدِئًا … هَذَا الْوُجُودَ الَّذِي حَارَتْ لَهُ الْفِطَنُ
стр. 905
دَحَى الْبَسِيطَةَ فَرْشًا لِلْأَنَامِ وَقَدْ … عَلَتْ عَلَيْهَا الْجِبَالُ الشُّمُّ وَالْقُنَنُ
كَيْلَا تَمِيدَ بِأَهْلِيهَا وَأَوْدَعَهَا … لَهُمْ مَنَافِعَ إِنْ سَارُوا وَإِنْ قَطَنُوا
بَنَى السَّمَاءَ بِأَيْدٍ فَوْقَهَا وَحَوَتْ … عَجَائِبَ أَعْرَضُوا عَنْهَا وَمَا فَطِنُوا
فَفِي التَّأَمُّلِ فِي آيَاتِهَا عِبَرُ … لَوْ كَانَ يُطْلِقُ عَنْ أَفْكَارِنَا الرَّسَنُ
وَقَدْ حَكَى اللَّهُ إِعْرَاضَ الْعِبَادِ فَهَلْ … غَطَّى عَلَى الْعَيْنِ مِنْ أَفْكَارِنَا الْوَسَنُ
إِنَّ التَّفَكُّرَ فِي آيَاتِ خَالِقِنَا … عِبَادَةُ الْفِكْرِ فِيهَا الْخَلْقُ قَدْ غُبِنُوا
تَزْدَادُ بِالْفِكْرِ إِيمَانًا وَمَعْرِفَةً … فَلَا يَفُوتُكَ شَيْءٌ مَا لَهُ ثَمَنُ
مَنَّ الْإِلَهُ عَلَيْنَا بِالْكِتَابِ فَقُلْ … يَا مِنَّةً قَصُرَتْ مِنْ دُونِهَا الْمِنَنُ
فَصَرِّفِ الْفِكْرَ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ تَجِدْ … فِيهِ الْعُلُومَ الَّتِي لَمْ يَحْوِهَا الْفِطَنُ
آيَاتُهُ أَعْجَزَتْ كُلًّا بَلَاغَتُهَا … وَأَبْلَغُ الْخَلْقِ قَدْ أَوْدَى بِهِ اللَّكَنُ
أَدِلَّةٌ وَأَقَاصِيصٌ وَأَمْثِلَةٌ … لَفْظٌ بَلِيغُ وَمَعْنَى فَائِقٌ حَسَنُ
غُصْ بَحْرَهُ تَلْقَ فِيهِ الدُّرَّ مُبْتَذِلًا … وَفُلْكُ فِكْرٍ فِي أَمْوَاجِهِ السُّفُنُ
كَمْ قِصَّةٍ وَصَفَتْ أَخْبَارَ مَنْ دَرَجُوا … مِنْ صَالِحٍ وَشَقِيٌّ رَبُّهُ الْوَثَنُ
قِفْ بِالْمَثَانِي تَرَى آيَاتَهَا عَجَبًا … أَوْ بِاْلِمِئينَ فَفِيهَا كُلِّهَا الْمِنَنُ
أَوِ الطِّوَالِ فَفِيهَا الْعِلْمُ أَجْمَعُهُ … خَزَائِنٌ هِيَ لِلْأَحْكَامِ تَخْتَزِنُ
وَفِي الْمُفَصَّلِ آيَاتٌ مُفَصَّلَةٌ … قَوَارِعٌ لِقُلُوبٍ مَا بِهَا دَرَنُ
إِنَّ الذُّنُوبَ لِأَوْسَاخِ الْقُلُوبِ فَلَا … يَكُنْ فُؤَادُكَ بَيْتًا حَشْوُهُ الدِّمَنُ
وَدَاوِ قَلْبَكَ مِنْ قَبْلِ الْمَمَاتِ فَمَا … يُجْدِي الدَّوَاءُ بِمَيْتٍ بَعْدَ مَا دَفَنُوا
بِمَرْهَمِ التَّوْبَةِ الصِّدْقِ النَّصُوحِ فَذَا … هُوَ الدَّوَاءُ لِذَاكَ الدَّاءِ لَوْ فَطِنُوا
وَنَارُ ذَنْبِكَ تُطْفِيهَا الدُّمُوعُ إِذَا … أَثَارَهَا الْخَوْفُ مِنْ مَوْلَاكَ وَالْحَزَنُ
стр. 906
بَادِرْ بِهَذَا الدَّوَا مِنْ قَبْلِ مَيْتَتَهِ … فَمَا لِسَهْمِ الْقَضَا مِنْ دُونِهِ جُنَنُ
وَرُبَّ شَخْصٍ تَوَفَّى قَبْلَهُ وَثَوى … فِي صَدْرِهِ فَهْوَ قَبْرٌ وَالْحَشَا كَفَنُ
تَرَاهُ فِي النَّاسِ يَمْشِي حَامِلًا جَدَثًا … فَهَلْ بِأَعْجَبِ مِنْ هَذَا أَتَى الزَّمَنُ
فَأَسْأَلُ اللَّهَ تَوْفِيقًا يَكُونُ بِهِ … حُسْنُ الْخِتَامِ فَفِيهِ الْفَوْزِ مُرْتَهَنُ
فَفِي الصَّلَاةِ عَلَى خَيْرِ الْوَرَى وَعَلَى … الْآلِ الْكِرَامِ مَعَ التَّسْلِيمِ يَقْتَرِنُ
وقال بعضهم يخاطب نفسه ويوبخها على تفريطها وإهمالها:
يَا نَفْسُ هَذَا الَّذِي تَأْتِينَهُ عَجَبُ … عِلْمٌ وَعَقْلٌ وَلَا نُسْكٌ وَلَا أَدَبُ
وَصْفُ النِّفَاقِ كَمَا فِي النَّصِّ نَسْمَعُهُ … عِلْمُ اللِّسَانِ وَجَهْلُ الْقَلْبُ وَالسَّبَبُ
حُبُّ الْمَتَاعِ وَحُبُّ الْجَاهِ فَانْتَبِهِي … مِنْ قَبْلُ تُطْوَى عَلَيْكَ الصُّحُفُ وَالْكُتُبُ
وَتُصْبِحِينَ بِقَبْرٍ لَا أَنِيسَ بِهِ … الْأَهْلُ وَالصَّحْبُ لَمَّا أَلْحَدُوا ذَهَبُوا
وَخَلَّفُوكَ وَمَا أَسْلَفْتَ مِنْ عَمَلٍ … الْمَالُ مُسْتَأْخَرُ وَالْكَسْبُ مُصْطَحَبُ
وَاسْتَيْقِنِي أَنَّ بَعْدَ الْمَوْتِ مُجْتَمَعًا … لِلْعَالَمِينَ فَتَأْتِي الْعُجْمُ وَالْعَرَبُ
وَالْخَلْقُ طُرًّا وَيَجْزِيهِمْ بِمَا عَمِلُوا … فِي يَوْمٍ لَا يَنْفَعُ الْأَمْوَالُ وَالْحَسَبُ
وَاخْشَيْ رُجُوعًا إِلَى عَدْلٍ تَوَعَّدَ مَنْ … لَا يَتَّقِيهِ بِنَارٍ حَشْوُهَا الْغَضَبُ
وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْأَحْجَارُ حَامِيَةٌ … لَا تَنْطَفِي أَبَدَ الْآبَادِ تَلْتَهِبُ
وَالْبُعْدُ عَنْ جَنَّةِ الْخُلْدِ الَّتِي حُشِيَتْ … بِالطِّيِّبَاتِ وَلَا مَوْتٌ وَلَا نَصَبُ
فِيهَا الْفَوَاكِهُ وَالْأَنْهَارُ جَارِيَةٌ … وَالنُّورُ وَالْحُورُ وَالْوِلْدَانُ وَالْقُبَبُ
وَهَذِهِ الدَّارُ دَارٌ لَا بَقَاءَ لَهَا … لَا يَفْتِنَّنَكَ مِنْهَا الْوَرِقُ وَالذَّهَبُ
وَالْأَهْلُ وَالْمَالُ وَالْمَرْكُوبُ تَرْكَبُهُ … وَالثَّوْبُ تَلْبَسُهُ فَالْكُلُّ يَنْقَلِبُ
لَا بَارَكَ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا سِوَى عِوَضٍ … مِنْهَا يَعُدُّ إِذَا مَا عُدَّتْ الْقُرُبُ
стр. 907
يُرِيدُ صَاحِبُهُ وَجْهَ الْإِلَهِ بِهِ … دُونَ الرِّيَا إِنَّهُ التَّلْبِيسُ وَالْكَذِبُ
لَا يَقْبَلُ اللَّهَ أَعْمَالاً يُرِيدُ بِهَا … عُمَّالُهَا غَيْرَ وَجْهِ اللَّهِ فَاجْتَنِبُوا
تَمَّتْ وَصَلُّوا عَلَى الْمُخْتَارِ سَيِّدِنَا … وَالْآلِ وَالصَّحْبِ قَوْمٌ حُبُّهُمْ يَجِبُ
من منظومة الآداب لابن عبد القوي ﵀:
بِحَمْدِكَ ذِي الْإِكْرَامِ مَا رُمْت أَبْتَدِي … كَثِيرًا كَمَا تَرْضَى بِغَيْرِ تَحَدُّدِ
وَصَلِّ عَلَى خَيْرِ الْأَنَامِ وَآلِهِ … وَأَصْحَابِهِ مِنْ كُلِّ هَادٍ وَمُهْتَدِ
وَبَعْد فَإِنِّي سَوْفَ أَنَظِّمُ جَمْلَةً … مِن الأَدَبِ الْمَأْثُورِ عَن خَيْرِ مُرْشِدِ
مِنْ السُّنَّةِ الغَرَّاءِ أَوْ مِنْ كِتَابٍ مَنْ … تَقَدَّسَ عَنْ قَوْلِ الغُوَاةِ وَجَحْدِ
وَمِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ عُلَمَائِنَا … أَئِمَةَ أَهْلِ السلم من كل أمجد
لَعَلَ إلَهَ العَرْشِ يَنْفَعُنَا بِه … وَيُنْزِلُنَا في الحَشْرِ في خَيرِ مَقْعَدِ
أَلَا مَنْ لَهُ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ رَغْبَةٌ … لِيَصْغَ بِقَلْبٍ حَاضِرٍ مُتَرَصِّدٍ
وَيَقْبَلُ نُصْحًا مِنْ شَفِيقٍ عَلَى الْوَرَى … حَرِيصٍ عَلَى زَجْرِ الْأَنَامِ عَنْ الرَّدَى
فَعِنْدِي مِنْ عِلْمِ الْحَدِيثِ أَمَانَةٌ … سَأَبْذُلُهَا جَهْدِي فَأَهْدِي وَأَهْتَدِي
أَلَا كُل مَنْ رَامَ السَّلَامَةَ فَلْيَصُنْ … جَوَارِحَهُ عَمَّا نَهَى الله يَهْتَدِي
يَكُبُّ الْفَتَى فِي النَّارِ حَصْدُ لِسَانِهِ … وَإِرْسَالُ طَرَفِ الْمَرْءِ أَنْكَى فَقَيِّدِ
وَطَرْفُ الْفَتَى يَا صَاحِ رَائِدُ فَرْجِهِ … وَمُتْعِبُهُ فَاغْضُضْهُ مَا اسْطَعْتَ تَهْتَدِ
وَيَحْرُمُ بُهْتٍ وَاغْتِيَابُ نَمِيْمَةٍ … وَإِفْشَاءُ سِرِّ ثُمَّ لَعْنِ مُقَيْدِ
وَفُحْشٌ وَمَكْرٌ وَالْبَذَاءُ خَدِيعَةٌ … وَسُخْرِيَةٌ والهزو وَالْكَذِبُ قَيِّدْ
بِغَيْرِ خِدَاعٍ الْكَافِرِينَ بِحَرْبِهِمْ … وَلِلْعِرْسِ أَوْ إصْلَاحِ أَهْلِ التَّنَكُّدِ
وَيَحْرُمُ مِزْمَارٌ وَشِبَّابَةٌ وَمَا … يُضَاهِيهِمَا مِنْ آلَةِ اللَّهْوِ وَالرَّدِي
وَلَوْ لَمْ يُقَارِنْهَا غِنَاءٌ جَمِيعُهَا …
стр. 908
فَمِنْهَا ذَوُو الْأَوْتَارِ دُونَ تَقَيُّدٍ
وَلَا بَأْسَ بِالشِّعْرِ الْمُبَاحِ وَحِفْظِهِ … وَصَنْعَتِهِ مَنْ رَدَّ ذَلِكَ يَعْتَدِي
فَقَدْ سَمِعَ الْمُخْتَارُ شِعْرَ صِحَابِهِ … وَتَشْبِيبَهُمْ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ خُرَّدِ
وَحَظْرَ الْهَجَا وَالْمَدْحِ بِالزُّورِ وَالْخَنَا … وَتَشْبِيبِهِ بالأَجْنَبِيَّاتِ أكد
وَوَصْفُ الزِّنَا وَالْخَمْرِ وَالْمُرْدِ والنسا ا … لفتيات أَوْ نَوْحِ التَّسَخُّطِ مُورِدِ
وَأَوْجِبْ عَنْ الْمَحْظُورِ كَفَّ جوارح … وَنَدْبٌ عَنْ الْمَكْرُوهِ غَيْرُ مُشَدِّدِ
وَأَمْرُك بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ يَا فَتَى … عَنْ الْمُنْكَرِ اجْعَلْ فَرْضَ عَيْنٍ تَسْدَدِ
عَلَى عَالِمٍ بِالْحَظْرِ وَالْفِعْلِ لَمْ يَقُمْ … سِوَاهُ مَعَ أَمْنِ عُدْوَانِ مُعْتَدِ
وَلَوْ كَانَ ذَا فِسْقٍ وَجَهْلٍ وَفِي سِوَى … الَّذِي قِيلَ فَرْضٌ بِالْكِفَايَةِ فَاحْدَدِ
وَبِالعُلَمَا يَخْتَصُ مَا اخْتَصَّ عِلْمُهُ … بِهِمْ وَبِمَنْ يَسْتَنْصِرُونَ بِهِ قَدِ
وَأَضْعَفُهُ بِالْقَلْبِ ثُمَّ لِسَانِهِ … وَأَقْوَاهُ إنْكَارُ الْفَتَى الْجَلْدِ بِالْيَدِ
وَأَنْكِرْ عَلَى الصِّبْيَانِ كُلَّ مُحَرَّمٍ … لِتَأْدِيبِهِمْ وَالْعِلْمِ فِي الشَّرْعِ لَرَدِي
وَبِالْأَسْهَلِ ابْدَأْ ثُمَّ زِدْ قَدْرَ حَاجَةٍ … فَإِنْ لَمْ يَزُلْ بِالنَّافِذِ الْأَمْرِ فَاصْدُدْ
إذَا لَمْ يَخْفَ فِي ذَلِكَ الأَمْرُ حَيْفَهُ … إذَا كَانَ ذَا الإنْكَارِ حَتْمَ التَّأَكُّدِ
وَلَا غُرْمَ فِي دُفِّ الصُّنُوجِ كَسَرْته … وَلَا صُوَرٍ أَيْضًا وَلَا آلَةِ الدَّدِ
وَآلَةِ تَنْجِيمٍ وَسِحْرٍ وَنَحْوِهِ … وَكُتُبٍ حَوَتْ هَذَا وَأَشْبَاهَهُ اُقْدُدْ
وَقُلْتُ كَذَاكَ السِّيْنَمَاءُ وَمِثْلُهُ … بِلَا رَيْبَ مِذْيَاعٌ وَتِلْفَازٌ مُعْتَدِي
وَأَوْرَاقُ أَلْعَابٍ بِهَا ضَاعَ عُمْرُهُم … وَكُوْرَاتِهم مَزِّق هُدِيْتَ وَقَدِّدِ
كَذَا بِكَمَاتٌ وَالصَّلِيبُ وَمِزْمَر … وَآلةُ تَصْويْرٍ بِهَا الشَّرُّ مُرْتَدِي
كَذَلِكَ دُخَّانٌ وَشِيشَةُ شُرْبِهِ … وَآلةُ تَطْفَاةٍ لَهُ اكْسِرْ وَبدِّدِ
وَمِنْ بَعْدِ ذَا فَاسْمَعْ كَلامًا لِنَاظِمٍ …
стр. 909
يَسُوقُ لَكَ الآدَابَ عَن خَيْرِ مُرْشِدِ
وَبِيْضٍ وَجَوْزِ لِلْقِمَارِ بِقَدْرِ مَا … يُزِيْلُ عن الَمَنْكُورِ مَقْصَدَ مُفْسِدِ
وَلَا شَقِّ زِقِّ الْخَمْرِ أَوْ كَسْرِ دَنِّهِ … إذَا عَجَزَ الْإِنْكَارُ دُونَ التَّقَدُّدِ
وَإِنْ يَتَأَتَّى دُونَهُ دَفْعُ مُنْكَرٍ … ضَمِنْت الَّذِي يُنْقَى بِتَغْسِيلِهِ قَدْ
وَهِجْرَانُ مَنْ أَبْدَى الْمَعَاصِيَ سُنَّةٌ … وَقَدْ قِيلَ إنْ يَرْدَعْهُ أَوْجِبْ وَآكَدِ
وَقِيلَ عَلَى الإطْلَاقِ مَا دَامَا مُعْلِنًا … وَلَاقِهْ بوَجْهٍ مُكْفَهِرٍ مُعَرْبَدِ
وَيَحْرُمُ تَجْسِيسٌ عَلَى مُتَسَتِّرٍ … بِفِسْقٍ وَمَاضِي الْفِسْقِ إنْ لَمْ يُجْدَدْ
وَهِجْرَانُ مَنْ يَدْعُو لِأَمْرٍ مُضِلٍّ أَوْ … مُفَسِّقٍ احْتِمْهُ بِغَيْرِ تَرَدُّدِ
عَلَى غَيْرِ مَنْ يَقْوَى عَلَى دَحْضِ قَوْلِهِ … وَيَدْفَعُ إضْرَارَ الْمُضِلِّ بِمِذْوَدِ
وَيَقْضِي أُمُورَ النَّاسِ فِي إتْيَانِهِ … وَلَا هَجْرَ مَعَ تَسْلِيمِهِ الْمُتَعَوَّدِ
وحظر انتفا التسليم فوق ثلاثة … على غير من قلنا بهجر فأكد
وَكُنْ عَالِمًا أَنَّ السَّلَامَ لِسُنَّةٍ … وَرَدُّك فَرْضٌ لَيْسَ نَدْبًا بِأَوْطَدِ
وَيُجْزِئُ تَسْلِيْمُ امْرِىءٍ مِن جَمَاعَةٍ … وَرَدُّ فَتىً مِنُهم على الكُلِ يا عَدِي
وَتَسْلِيْمُ نَزْرٍ والصَّغِيْرِ وَعَابِرِ … سَبيْلِ وَرُكْبَانٍ عَلى الضِدِّ أيِدِ
وإنْ سَلَّمَ المَأْمُوْرُ بالرَّدِ مِنهُمُ … فَقَدْ حَصَلَ المَسْنُونُ إذْ هُوَ مُبْتَدِي
وَسَلَّمَ إذَا مَا قُمْتَ عَن حَضْرَةِ امْرئٍ … وَسَلَّمْ إِذا مَا جِئْتَ بَيْتَكَ تَهْتَدِي
وإفْشاؤُكَ التَّسْلِيْمَ يُوْجِبْ مَحَبَّةً … مِن الناسِ مجْهُولاً وَمَعْرُوْفاً أقْصُدِ
وَتَعْرِيفُهُ لَفْظَ السَّلَامِ مُجَوَّزٌ … وَتَنْكِيرُهُ أَيْضًا عَلَى نَصِّ أَحْمَدِ
وَقَدْ قِيلَ نَكِّرْهُ وَقِيلَ تَحِيَّةً … كَلِلْمَيِّتِ وَالتَّوْدِيعَ عَرِّفْ كَرَدِّدِ
وَسُنَّةٌ اسْتِئْذَانُهُ لِدُخُولِهِ … عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَقْرَبِينَ وَبُعَّدِ
ثَلَاثًا وَمَكْرُوهٌ دُخُولٌ لِهَاجِمِ …
стр. 910
وَلَا سِيَّمَا مِنْ سَفْرَةٍ وَتَبَعُّدِ
وَوَقْفَتُهُ تِلْقَاءَ بَابٍ وَكُوَّةٍ … فَإِنْ لَمْ يُجَبْ يَمْضِي وَإِنْ يُخْفَ يزدد
وَتَحْرِيكُ نَعْلَيْهِ وَإِظْهَارُ حِسِّهِ … لِدَخْلَتِهِ حَتَّى لِمَنْزِلِهِ اشهد
وكُلُ قِيَامٍ لَا لِوَالٍ وَعالِمٍ … وَوَالِدِهِ أَو سَيّدٍ كُرْهَهُ أمْهَدِ
وَصَافِحْ لِمَنْ تَلْقَاهُ مِن كُلِّ مُسْلِمٍ … تَنَاثَرْ خَطَايَاكُمْ كَمَا في المُسَنَّدِ
وَلَيْسَ لِغَيْرِ اللهِ حَلَّ سُجُوْدُنَا … وَيُكْرَهُ تَقْبِيْلُ الثَّرَى بِتَشَدُّدِ
وَيُكْرَهُ مِنْك الِانْحِنَاءُ مُسَلِّمًا … وَتَقْبِيلُ رَأْسِ الْمَرْءِ حَلَّ وَفِي الْيَدِ
وحَلَّ عِنَاقٌ لِلْمُلَاقِي تَدَيُنَاْ … وَيُكْرَهُ تَقْبِيْلُ الفَمْ أَفْهَمْ وَقَيِّدِ
وَنَزْعُ يَدٍ مِمَّنْ يُصَافحُ عَاجِلاً … وَأَنْ يَتَنَاجَى الجَمْعُ مِن دُوْنِ مُفْرَدِ
وَأَنْ يَجْلِسَ الْإِنْسَانُ عِنْدَ مُحَدِّثٍ … بِسِرٍّ وَقِيلَ احظر وَإِنْ يَأْذَنْ اُقْعُدْ
وَمَرْأَى عَجُوزٍ لم تُرْدِ وَصِفَاحُهَا … وَخُلْوَتُهَا أكْرَهْ لا تَحِيْتَهَا أَشْهَدِ
وَتَشْمِيْتَهَا واكْرهْ كِلَا الخِصْلَتَيْنِ … لِلشَبَاب مِن الصِّنفَيْنِ بُعْدَى وَأَبْعَدِي
وَيَحْرُمُ رَأْيُ الْمُرْدِ مَعَ شَهْوَةٍ فَقَطْ … وَقِيلَ وَمَعْ خَوْفٍ وَلِلْكُرْهِ جَوِّدْ
وَكُنْ واصِلَ الأَرْحَامِ حَتَّى لَكَاشِحٍ … تُوَفَّرَ في عُمْرٍ وَرِزْقً وَتَسْعَدِ
وَيَحْسُنُ تَحْسِينٌ لِخُلْقٍ وَصُحْبَةٍ … وَلَا سِيَّمَا لِلْوَلَدِ الْمُتَأَكِّدِ
وَلَوْ كَانَ ذَا كُفْرٍ وَأَوْجَبَ طَوْعَهُ … سِوَى في حَرَامٍ أَوْ لأَمْرٍ مُؤَكَّدِ
كَتَطْلَابِ عِلْمٍ لَا يَضُرُّهُما بِهِ … وَتَطْلِيْقِ زَوْجَاتٍ بِرْأٍي مُجَرَّدِ
وَأَحْسِنْ إلَى أَصْحَابِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ … فَهَذَا بَقَايَا بِرِّهِ الْمُتَعَوَّدِ
وَيُكْرَهُ فِي الْحَمَّامِ كُلُّ قِرَاءَةٍ … وَذِكْرُ لِسَانٍ وَالسَّلَامُ لِمُبْتَدِي
وَغَيِّرْ بِغَيْرِ الْأَسْوَدِ الشَّيْبَ وابقه … وَلِلْقَزَعِ اكْرَهْ ثُمَّ تَدْلِيسَ نهد
وَيُشْرَعُ إِيكَاءِ السِقَا وَغِطَا الإِنَا …
стр. 911
وَإيجَافُ أَبْوَابٍ وَطَفْءُ لمُِوَقَّدِ
وَتَقْلِيْمُ أَظْفَارٍ وَنَتْفٌ لإِبْطِهِ … وَحَلْقاً وَلِلتَّنْوِيْرِ لِلْعَانَةِ أُقْصدِ
وَيَحْسُنُ خَفْضُ الصَّوتِ مِن عَاطِسٍ وأَنْ … يُغَطِّيَ وَجْهاً لاسْتِتَارٍ مِن الرَّدِي
وَيَحْمَدُ جَهْراً وَلْيُشَمِّتْهُ سَامِعٌ … لِتَحْمِيْدِهِ والْيُبْدِ رَدَّ المُعَوَّدِ
وَقُلْ لِلْفَتَى عُوْفِيْتَ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ … وَلِلطّفْلِ بُوْرِكْ فِيْكَ وَأْمُرهُ يَحْمَدِ
وَغَطِّ فَمًا وَاكْظِمْ تُصِبْ فِي تَثَاؤُبٍ … فَذَلِكَ مَسْنُونٌ لِأَمْرِ الْمُرَشَّدِ
وَلَا بَأْسَ شَرْعاً أَنْ يَطِبَّكَ مُسْلِمٌ … وشَكْوَى الذي تَلْقَى وبالحَمْدِ فابْتَدِي
وَتَرْكُ الدَّوا أَوْلَى وَفْعْلُكَ جَائِزُ … ولم تَتَيَقَنْ فِيْهِ حُرْمَةَ مُفْرَدِ
وَرَجِّحْ عَلَى الْخَوْفِ الرَّجَا عِنْدَ يَأْسِه … هِ وَلَاقِ بِحُسْنِ الظَّنِّ رَبَّك تسعد
وَتُشْرَعُ لِلْمَرْضَى الْعِيَادَةُ فَأْتِهِمْ … تَخُضْ رَحْمَةً تَغْمُرْ مَجَالِسَ عُوَّدِ
فَسَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ مَلَائِكَةِ الرِّضَا … تُصَلِّي عَلَى مَنْ عَادَ يَمْشِي إلَى الْغَدِ
وَإِنْ عَادَهُ فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ وَاصَلَتْ … عَلَيْهِ إلَى اللَّيْلِ الصَّلَاةَ فَأَسْنِدْ
فَمِنْهُمْ مُغِبًّا عُدْهُ خَفِّفْ وَمِنْهُمْ ال … ذِي يُؤْثِرُ التَّطْوِيلَ مِنْ مُتَوَرِّدٍ
فَفَكِّرْ وَرَاعِ فِي الْعِيَادَةِ حَالَ مَنْ … تَعُودُ وَلَا تُكْثِرْ سُؤَالًا تنكد
وَمَكْرُوهٌ اسْتِئْمَانُنَا أَهْلَ ذِمَّةٍ … لِإِحْرَازِ مَالٍ أَوْ لِقِسْمَتِهِ اشهد
وَمَكْرُوهٌ اسْتِطْبَابُهُمْ لَا ضَرُورَةً … وَمَا رَكَّبُوهُ مِنْ دَوَاءٍ مُوَصَّدٍ
وَإِنْ مَرِضَتْ أُنْثَى وَلَمْ يَجِدُوا لَهَا … طَبِيبًا سِوَى فَحْلٍ أَجِزْهُ ومهد
وَيُكْرَهُ حَقْنُ الْمَرْءِ إلَّا ضَرُورَةً … وَيَنْظُرُ مَا يَحْتَاجُهُ حَاقِنٌ قَدْ
كَقَابِلَةٍ حِلٌّ لَهَا نَظَرٌ إلَى … مَكَانِ وِلَادَاتِ النِّسَا فِي التَّوَلُّدِ
وَيُكْرَهُ إنْ لَمْ يَسْرِ قَطْعُ بواسر … وَبَطُّ الْأَذَى حِلٌّ كَقَطْعِ مُجَوَّدٍ
لِآكِلَةٍ تَسْرِي بِعُضْوٍ أَبِنْهُ إنْ …
стр. 912
تَخَافَنَّ عُقْبَاهُ وَلَا تتردد
وَقَبْلَ الْأَذَى لَا بَعْدَهُ الْكَيَّ فاكرهن … وَعَنْهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ غَيْرُ مُقَيَّدِ
وَفِيمَا سِوَى الْأَغْنَامِ قَدْ كَرِهُوا الْخِصَا … لِتَعْذِيبِهِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِمُسْنَدِ
وَقَطْعُ قُرُونٍ وَالْآذَانِ وَشَقُّهَا … بِلَا ضَرَرٍ تَغْيِيرُ خَلْقٍ مُعَوَّدِ
وَيَحْسُنُ فِي الْإِحْرَامِ وَالْحِلِّ قَتْلُ مَا … يَضُرُّ بِلَا نَفْعٍ كَنَمِرٍ وَمَرْثَدِ
وَغِرْبَانُ غَيْرِ الزَّرْعِ أَيْضًا وَشِبْهُهَا … كَذَا حَشَرَاتُ الْأَرْضِ دُونَ تَقَيُّدِ
كَبَقٍ وَبُرْغُوثٍ وَفَأْرٍ وَعَقْرَبٍ … وَدَبُّرًا وَحَيْاَّتٍ وَشِبْهِ المُعَدِّدِ
وَيُكْرَهُ قَتْلُ النَّمْلِ إلَّا مَعَ الْأَذَى … بِهِ وَاكْرَهَنَّ بِالنَّارِ إحْرَاقَ مُفْسِدِ
وَلَوْ قِيلَ بِالتَّحْرِيمِ ثُمَّ أُجِيزَ مَعْ … أَذًى لَمْ يَزُلْ إلَّا بِهِ لَمْ أُبَعِّدْ
وَقَدْ جَوَّزَ الْأَصْحَابُ تَشْمِيسَ قَزِّهِمْ … وَتَدْخِينَ زُنْبُورٍ وَشَيًّا بِمَوْقِدِ
وَيُكْرَهْ لِنَهْيِ الشَّرْعِ عَنْ قَتْلِ ضِفْدَ … عٍ وَصِرْدَانِ طَيْرٍ قَتْلُ ذَيْنِ وَهُدْهُدِ
وَيُكْرَهُ قَتْلُ الْهِرِّ إلَّا مَعَ الْأَذَى … وَإِنْ مُلِكَتْ فَاحْظُرْ إذَنْ غَيْرَ مُفْسِدِ
وَقَتْلُكَ حَيَّاتِ الْبُيُوتِ وَلَمْ تَقُلْ … ثَلَاثًا لَهُ اذْهَبْ سَالِمًا غَيْرَ مُعْتَدِ
وَذَا الطُّفْيَتَيْنِ اُقْتُلْ وَأَبْتَرَ حَيَّةٍ … وَمَا بَعْدَ إيذَانٍ تُرَى , أَوْ بِفَدْفَدِ
وَمَا فِيهِ إضْرَارٌ وَنَفْعٌ كَبَاشِقٍ … وَكَلْبٍ وَفَهْدٍ لِاقْتِصَادِ التَّصَيُّدِ
إِذَا لَمْ يَكُنْ مُلْكاً فَأَنْتَ مُخَيَّرُ … وإنْ مُلِكَتْ فاحْظِرْ وإنْ تُؤْذِ فاقْدُدِ
وَيُكْرَهُ نَفْخٌ فِي الْغَدَا وَتَنَفُّسٌ … وَجَوْلَانُ أَيْدٍ فِي طَعَامٍ مُوَحَّدِ
فَإِنْ كَانَ أَنْوَاعًا فَلَا بَأْسَ فَاَلَّذِي … نَهَى فِي اتِّحَادٍ قَدْ عَفَا فِي التَّعَدُّدِ
وَأَخْذٌ وَإِعْطَاءٌ وَأَكْلٌ وَشُرْبُهُ … بِيُسْرَاهُ فَاكْرَهْهُ وَمُتَّكِئًا دَدْ
وَأَكْلَكَ بِالثِّنْتَيْنِ , وَالْأُصْبُعِ اكْرَهْنَ … وَمَعْ أَكْلِ شَيْنِ الْعَرْفِ إتْيَانَ مَسْجِدِ
وَيُكْرَهُ بِالْيُمْنَى مُبَاشَرَةُ الْأَذَى …
стр. 913
وَأَوْسَاخِهِ مَعَ نَثْرِ مَاءِ أَنْفِهِ الرَّدِي
كَذَا خَلْعُ نَعْلَيْهِ بِهَا وَاتِّكَاؤُهُ … عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى ورا ظَهْرِهِ اشْهَدْ
وَيُكْرَهُ فِي التَّمْرِ الْقِرَانُ وَنَحْوُهُ … وَقِيلَ مَعَ التَّشْرِيكِ لَا فِي التَّفَرُّدِ
وَكُلْ جَالِسًا فَوْقَ الْيَسَارِ وَنَاصِبَ … الْيَمِينِ وَبَسْمِلْ ثُمَّ فِي الْاِنْتِهَا احْمَدْ
وَيُكْرَهُ سَبْقُ الْقَوْمِ لِلْأَكْلِ نَهْمَةً … وَلَكِنَّ رَبَّ الْبَيْتِ إنْ شَاءَ يَبْتَدِي
وَلَا بَأْسَ عِنْدَ الْأَكْلِ مِنْ شِبَعِ الْفَتَى … وَمَكْرُوهٌ الْإِسْرَافُ وَالثُّلْثَ أَكِّدْ
وَيَحْسُنُ تَصْغِيرُ الْفَتَى لُقْمَةَ الْغِذَا … وَبَعْدَ ابْتِلَاعٍ ثَنِّ وَالْمَضْغَ جَوِّدْ
وَيَحْسُنُ قَبْلَ الْمَسْحِ لَعْقُ أَصَابِعً … وَأَكْلُ فُتَاتٍ سَاقِطٍ بِتَثَرُّدِ
وَتَخْلِيلُ مَا بَيْنَ الْمَوَاضِعِ بَعْدَهُ … وَأَلْقِ وَجَانِبْ مَا نَهَى اللَّهُ تَهْتَدِ
وَغَسْلُ يَدٍ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ … وَيُكْرَهُ بِالْمَطْعُومِ غَيْرَ مُقَيَّدِ
وَكُلْ طَيِّبًا أَوْ ضِدَّهُ وَالْبَسْ الَّذِي … تُلَاقِيهِ مِنْ حِلٍّ وَلَا تَتَقَيَّدْ
وَمَا عِفْتَهُ فَاتْرُكْهُ غَيْرَ مُعَنِّفٍ … وَلَا عَائِبٍ رِزْقًا وَبِالشَّارِعِ اقْتَدِ
وَلَا تَشْرَبَنْ مِنْ فِي السِّقَاءِ وَثُلْمَةِ الْ … إنَاءِ وَانْظُرَنْ فِيهِ وَمَصًّا تَزَرَّدِ
وَنَحِّ الأنا عَن فِيْكَ واشْرَبْ ثَلَاثةً … هُوْ أهْنَا وَأَمْرَا ثم أَرْوَي لِمَنْ صُدِي
وَلَا تَكْرَهَنَّ الشُّرْبَ مِنْ قَائِمٍ وَلَا انْ … تِعَالَ الْفَتَى فِي الْأَظْهَرِ الْمُتَأَكِّدِ
وَيُكْرَهُ لُبْسٌ فِيهِ شُهْرَةُ لَابِسٍ … وَوَاصِفُ جِلْدٍ لَا لِزَوْجٍ وَسَيِّدٍ
وَإِنْ كَانَ يُبْدِي عَوْرَةً لِسِوَاهُمَا … فَذَلِكَ مَحْظُورٌ بِغَيْرِ تَرَدُّدِ
وَخَيْرَ خِلَالِ الْمَرْءِ جَمْعًا تَوَسُّطُ الْ … أُمُورِ وَحَالٌ بَيْنَ أَرْدَى وَأَجْوَدِ
وَلُبْسَ مِثَالِ الْحَيِّ فَاحْظُرْ بِأَجْوَدِ … وَمَا لَمْ يُدَسْ مِنْهَا لِوَهْنٍ فَشَدِّدْ
وَأَحْسَنُ مَلْبُوسٍ بَيَاضٌ لِمَيِّتٍ … وَحَيٍّ فَبَيِّضْ مُطْلَقًا لَا تُسَوِّدْ
وَلَا بَأْسَ بِالْمَصْبُوغِ مِنْ قَبْلِ غَسْلِهِ …
стр. 914
مَعَ الْجَهْلِ فِي أَصْبَاغِ أَهْلِ التَّهَوُّدِ
وَقِيلَ اكْرَهَنْهُ مِثْلَ مُسْتَعْمَلِ الْإِنَا … وَإِنْ تَعْلَمْ التَّنْجِيسَ فَاغْسِلْهُ تَهْتَدِ
وَأَحْمَرَ قَانٍ والمُعَصْفَرَ فاكْرَهَنْ … لِلُبْسِ رِجَالٍ حَسْبُ في نَصِّ أَحْمَدِ
وَلَا تَكْرَهَنْ في نَصِّ ما قَدْ صَبَغَتَهُ … مِن الزَّعْفَرانِ البَحْتِ لَوْنَ المُوَرَّدِ
وَلَيْسَ بِلُبْسِ الصُّوفِ بَأْسٌ وَلَا الْقَبَا … وَلَا لِلنِّسَا , وَالْبُرْنُسِ افْهَمْهُ وَاقْتَدِ
وَلُبْسَ الْحَرِيرِ اُحْظُرْ عَلَى كُلِّ بَالِغٍ … سِوَى لِضَنًى أَوْ قَمْلٍ أَوْ حَرْبِ جُحَّدِ
وَيَحْرُمُ بَيْعٌ لِلرِّجَال لِلِبْسِهِمْ … وَتَخَيْيطْهُ والنَّسْجُ في نَصِّ أَحْمَدِ
وَيَحْرُمُ لُبْسٌ مِنْ لُجَيْنٍ وَعَسْجَدٍ … سِوَى مَا قَدْ اسْتَثْنَيْتُهُ فِي الَّذِي اُبْتُدِيَ
وَيَحْرُمُ سِتْرٌ أَوْ لِبَاسُ الْفَتَى الَّذِي … حَوَى صُورَةً لِلْحَيِّ فِي نَصِّ أَحْمَدِ
وَفِي السِّتْرِ أَوْ مَا هُوَ مَظِنَّةُ بَذْلَةٍ … لَيُكْرَهُ كَتْبٌ لِلْقُرْآنِ الْمُمَجَّدِ
وَلَيْسَ بِمَكْرُوْهٍ كِتَابَةُ غيْرِهِ … مِنَ الذِكْرِ فيْما لَم يُدَسْ وَيُمَهَّدِ
وَحَلً لمَنْ يَسْتَأْجِرُ البَيْتَ حَكُهُ ال … تَصَاوِيْرَ كَالحَماَّم لِلدَّاخِلِ اشْهَدِ
وَفِي نَصِّهِ أَكْرَهُ لِلرِّجَالِ وَلِلنِّسَا الرَّ … قِيقَ سِوَى لِلزَّوْجِ يَخْلُو وَسَيِّدِ
وَيُكْرَهُ تَقْصِيرُ اللِّبَاسِ وَطُولُهُ … بِلَا حَاجَةٍ كِبْرًا وَتَرْكُ الْمُعَوَّدِ
وَأَطْوَلُ ذَيْلِ الْمَرْءِ لِلْكَعْبِ وَالنِّسَا … بِلَا الْأُزُرِ شِبْرًا أَوْ ذِرَاعًا لَتَزْدَدِ
وَلَا بَأْسَ بِالْخَاتَمِ مِنْ فِضَّةٍ وَمِنْ … عَقِيقٍ وَبِلَّوْرٍ وَشِبْهِ الْمُعَدَّدِ
وَيُكْرَهُ مِنْ صُفْرٍ رَصَاصِ حَدِيدِهِمْ … وَيَحْرُمُ لِلذُّكْرَانِ خَاتَمُ عَسْجَدِ
وَيَحْسُنُ فِي الْيُسْرَى كَأَحْمَدَ وَصَحْبِهِ … وَيُكْرَهُ فِي الْوُسْطَى وَسَبَّابَةِ الْيَدِ
وَمَنْ لَمْ يَضَعْهُ فِي الدُّخُولِ إلَى الْخَلَا … فَعَنْ كَتْبِ قُرْآنٍ وَذِكْرٍ بِهِ اصدد
وَيَحْسُنُ فِي الْيُمْنَى ابْتِدَاءُ انْتِعَالِهِ … وَفِي الْخَلْعِ عَكْسٌ وَاكْرَهْ الْعَكْسَ ترشد
وَيُكْرَهُ مَشْيُ الْمَرْءِ فِي فَرْدِ نَعْلِهِ اخْ …
стр. 915
تِيَارًا أَصِخْ حَتَّى لِإِصْلَاحِ مُفْسِدِ
وَلَا بَأْسَ فِي نَعْلٍ يُصَلِّي بِهِ بِلَا … أَذًى وَافْتَقِدْهَا عِنْدَ أَبْوَابِ مَسْجِدِ
وَيَحْسُنُ الِاسْتِرْجَاعُ فِي قَطْعِ شِسْعِهِ … وَتَخْصِيصِ حَافٍ بِالطَّرِيقِ الْمُمَهَّدِ
وَقَدْ لَبِسَ السِّبْتِيَّ وَهُوَ الَّذِي خَلَا … مِنْ الشَّعْرِ مَعَ أَصْحَابِهِ بِهِمْ اقْتَدِ
وَيُكْرَهُ سندي النِّعَالِ لِعُجْبِهِ … بصرارها زِيُّ الْيَهُودِ فأبعد
وَسِرْ حَافِيًا أَوْ حَاذِيًا وَامْشِ وَارك … بن تمعْدد وَاخْشَوْشَن وَلَا تَتَعَود
وَأَشْرَفُ مَلْبُوسٍ إلَى نِصْفِ سَاقِهِ … وَمَا تَحْتَ كَعْبٍ فَاكْرَهَنْهُ وَصَعِّدْ
وَلِلرُّصْغِ كُمُّ الْمُصْطَفَى فَإِنْ ارْتَخَى … تَنَاهَى إلَى أَقْصَى أَصَابِعِهِ قَدْ
وَلَا بَأْسَ فِي لُبْسِ السَّرَاوِيلِ سُتْرَةً … أَتَمُّ مِنْ التَّأْزِيرِ فَالْبَسْهُ وَاقْتَدِ
بِسُنَّةِ إبْرَاهِيمَ فِيهِ وَأَحْمَدَ … وَأَصْحَابِهِ الْأُزُرَ أَشْهَرُ أكد
وَيَحْسُنُ تَنْظِيفُ الثِّيَابِ وَطَيُّهَا … وَيُكْرَه مَع طُولِ الغِنَا لُبْسُكَ الرَّدِي
وَلا بَأْسَ فِي لُبْسِ الفِرَاءِ واشْتِرَائِها … جُلُودَ حَلَالٍ مَوْتُهُ لَمْ يوطد
وَكَاللَّحْمِ الْأَوْلَى احظرن جِلْدَ ثَعْلَبٍ … وَعَنْهُ لِيُلْبَسْ وَالصَّلَاةَ بِهِ اصدد
وَمَنْ يَرْتَضِي أَدْنَى اللِّبَاسِ تَوَاضُعًا … سَيُكْسَى الثِّيَابَ الْعَبْقَرِيَّاتِ فِي غَدِ
وَيَحْسُنُ حَمْدُ اللَّهِ فِي كُلِّ حَالَةٍ … وَلَا سِيَّمَا فِي لُبْسِ ثَوْبٍ مُجَدَّدِ
وَكُنْ شَاكِرًا لِلَّهِ وَارْضَ بِقَسْمِهِ … تُثَبْ وَتُزَدْ رِزْقًا وَإِرْغَامَ حسد
وَقُلْ لِأَخٍ أَبْلِ وَأَخْلِقْ وَيُخْلِفُ الْ … إِلَهُ كَذَا قُلْ عِشْ حَمِيدًا تُسَدِّدْ
وَيُكْرَهُ فِي الْمَشْيِ الْمُطَيْطَا وَنَحْوُهَا … مَظِنَّةَ كِبْرٍ غَيْرَ فِي حَرْبِ جُحَّدِ
وَيُكْرَهُ لُبْسُ الْأُزُرِ وَالْخُفِّ قَائِمًا … كَذَاك الْتِصَاقُ اثْنَيْنِ عُرْيًا بِمَرْقَدٍ
وَثِنْتَيْنِ وَافْرُقْ فِي الْمَضَاجِعِ بَيْنَهُمْ … لَوْ إخْوَةً مِنْ بَعْدِ عَشْرٍ تُسَدَّدْ
وَيُكْرَهُ نَوْمُ الْمَرْءِ مِنْ قَبْلِ غَسْلِهِ …
следующие страницы →