Полный текст (1 102 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
أَنْجُو بِهِ يَوْمَ هَوْلِ الخَوْفِ والزَّحَم
طُوْبَى لِعَبْدٍ أَطَاعَ الله خَالِقَهُ … وَقَامَ جَنْحَ الدُّجَى بالدَّمْعِ مُنْسَجِمِ
ظَهْرِيْ ثَقِيْلٌ بِذَنبي آهِ واأسَفِي … يَومَ اللقَا إِذْ الأَقْدَامُ في زِحَمِ
أَرْجُوكَ يَا ذَا العُلا كَرْبي تُفْرِّجُهُ … وَاشْفِ بِفَضْلِكَ لِي بَلْوَايَ مَعْ سَقَمِ
غَفَلْتُ عَنْ ذِكْرِ مَعْبُوْدِي وَطَاعَتِهِ … وَقَدْ مَشَيْت إِلى العِصْيَانِ في هَمِمِ
فَاغْفِرْ ذُنُوبِي وَكُنْ يَا رَبِّ مُنْقِذَنَا … مِن الشَّدَائِد وَالأَهْوَالِ وَالتُّهَمِ
قَدْ أَثْقَلَتْنِي ذُنُوبٌ مَا لهَا أَحَدٌ … سِوَاكَ يَا غَافِرَ الزَّلاتِ واللِّمَمِ
كُنْ مُنْجِدِيْ يَا إِلهي واعْفُ عَنْ ذَلَل … وَتُبْ عَليَّ مِن الآثَامِ وَاللِّمَمِ
لاحَ المَشِيْبُ وَوَلىَّ العُمْرُ فِي لَعِبٍ … وَصِرْتُ مِن كَثْرةِ الأَوْزَارِ في نَدَمِ
مَضَى زَمَانِي وَمَا قَدَّمْتُ مِن عَمَلٍ … يَا خَجْلَتِي مِن إِلهي بارِي النَّسَمِ
نَامَتْ عُيُوني وأهْلُ الخَيرِ قَدْْ سَهِرُوْا … أَجْْفَانُهُمْ فِي ظَلامِ اللَّيلِ لَم تَنَمِ
قَامُوا إِلى ذِكْرِ مَوْلاهُم فَقَرِّبَهُمْ … وَخَصَّهُم بالرِّضَا وَالفَضْلِ وَالكَرَمِ
وَلَيْسَ لِي غَيْرَ رَبِّ الخَلْقِ مِنْ سَنَدٍ … أرْجُوْهُ يُوْلِيْني بالغُفْرانَ وَالكَرَمِ
لا أَرْتَجي أَحَد يَوْمَ الزِحَامِ سِوى … رَبِّ البَرَّيةِ مَوْلى الفَضْلِ والكَرِمِ
ثُمَّ الصلاةُ عَلَى المُخْتَارِ مِنْ مُضَرٍ … مُحَمَّدٍ المُصْطَفى المَخْصُوص بِالكَرَمِ
آخر:
أُوْصِيْكُمُ يَا مَعْشَرَ الإِخْوَانِ … عَلَيْكُمُ بِطَاعَةِ الدَّيَانِ
إِيَّاكُمُ أَنْ تُهْمِلُوا أَوْقَاتَكُم … فَتَنْدَمُوا يَومًا عَلَى مَا فَاتَكُمْ
وَإِنَّمَا غَنِيْمَةُ الإِنْسَانِ … شَبَابُهُ وَالخُسْرُ فِي التَّوَانِي
وَمَا أَحْسَنَ الطَّاعَةَ لِلشُّبَّانِ … فَاسْعَوا لِتَقْوَى اللهِ يَا إِخْوانِي
وَأَعْمِرُوا أَوْقَاتَكُمْ بالطَّاعَةَ …
стр. 947
وَالذِّكْرِ كُلَّ لَحظَةٍ وسَاعَةْ
وَمَنْ تَفُتْهُ سَاعَة في عُمْرِهِ … تَكُنْ عَلَيهِ حَسْرَةٌ فِي قَبْرِهِ
وَمَنْ يَكُنْ فَرَّطَ فِي شَبَابِهِ … حَتَّى مَضَى عَجِبْتُ مِن تَبَابهِ
وَيَا سَعَادَةَ امْرِئٍ قََضاهُ … فِي عَمَلٍ يَرضَى بِه مَوْلاهُ
أَحَبَّ رَبِي طَاعَةِ الشَّبَابِ … يَا فَوزَهُمْ بجَنَّةِ الرِّضْوانِ
فَتُبْ إلى مَولاكَ يَا إِنْسَانُ … مِن قَبْلِ أَنْ يَفُوتكَ الأَوَانُ
وَمَن يَقُلْ إِنِّي صَغِيْرٌ أَصْبِرُ … ثُمَّ أُطِيْعُ الله حِيْنَ أَكْبُرَ
فِإِنَّ ذَاكَ غَرَّهُ إِبْلِيْسُ … وَقَلْبُهُ مُغَلَّقٌ مَطْمُوْسُ
لا خَيْرَ فِيْمَنْ لَم يَتُبْ صَغِيْرَا … وَلَمْ يَكُنْ بِعَيْبِهِ بَصِيْرَا
مُجانِبًا لِلإثْمِ والعِصْيَانِ … مُخَالفًا لِلنَّفْسِ والشَّيْطَانِ
مُلازِمَا تِلاوَةَ القُرْآنِ … مُسْتَعْصِمًا بِالذِكْرِ مِن نِسْيَانِ
مُرَاقِبًا لله فِي الشُّئُونِ … مُحَاذِرًا مِنْ سَائِرِ الفُتُونِ
مُجَانبًا رَذَائِلَ الأَخْلاقِ … مُجَافِيًا كُلاًّ عَدَا الخَلاقِ
مُحَارِبًا لِنُزْعَةِ الضَّلالِ … وَصَوْلَةِ الأَهْوَاءِ وَسوْءِ الحَالِ
فَإِنْ أَرَدْتَ الفَوزَ بِالنَّجَاةِ … فَاسْلُكْ سَبيْلَ الحَقِ والهُدَاة
يَا مَنْ يَرُوْمُ الفَوزَ في الجَنْاتِ … بِالمُشْتَهَى وَسَائِرِ اللَّذَاتِ
انْهَضْ إِلى السَّجْدَاتِ فِي الأَسْحَارِ … وَاحْرَصْ على الأَوْرَادِ وَالأَذْكَارِ
وَاحْذَرْ رِياءَ النَّاسِ فِي الطَّاعاتِ … فِي سَائِرِ الأَحْوَالِ وَالأَوْقَاتِ
وَاخْتَرْ مِن الأَصْحَابِ كلَّ مُرْشِدِ … إِنَّ القَرِيْنَ بِالقَرِيْنَ يَقْتَدِي
وَصُحْبَةُ الأَشْرَارِ دَاءٌ وَعَمَى … تَزِيْدُ في القَلْبِ السَّقِيْمَ السَّقَمَا
فَإِن تَبِعْت سُنَّةَ النَّبِي …
стр. 948
فَاحْذَرْ قَرِيْنَ السُوءِ الدَّنِي
وَاخْتَرْ مِن الزَّوْجَاتِ ذَاتَ الدِّيْنِ … وَكُنْ شُجَاعًا فِي حِمَى العَرِيْنِ
وَزَوِّدْ الأَوْلادَ بالآدابِ … تَحْفَظْ قُلُوبَهُم مِن الأَوْصَابِ
وَهَذِّبِ النُفُوسَ بالقُرْآنِ … وَلا تَدَعْهَا نُهْبَةَ الشَّيْطَانِ
وَاحْرِصْ عَلَى مَا سَنَّه الرَّسُولُ … فَهَو الهُدَى وَالحَقُّ إِذْ يَقُولُ
دَعْ عَنْكَ ما يَقُولُه الضَّلاَّلُ … فَفِيْهِ كُلُّ الخُسْرِ وَالوَبَالُ
وَأَصْدَقُ الحَدِيْثِ قَولُ رَبِّنَا … وَخَيْرُ هَدْي اللهِ عَن نَبِيِّنَا
يَا أَيُّهَا الغَفْلانُ عَن مَوْلاهُ … انْظُرْ بِأَي سَيء تَلْقَاهُ
أَمَا عَلِمْتَ المَوتَ يَأْتِي مُسْرِعًا … وَلَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى
وَلَيْسَ لِلإنْسَانِ مِن بَعْدِ الأَجَلْ … إِلا الذِي قَدَّمَهُ مِن العَمَلْ
فَبَادِرِ التَّوبةَ فِي إِمْكَانِهَا … مِن قَبْلِ أَنْ تُصَدَّ عن إِتْيَانِهَا
يَا أَيُّها المَغْرُورُ مَا هَذَا العَمَلْ … إِلى مَتَى هَذَا التَّرَاخِي وَالكَسَلْ
لَوْ يَعْلمُ الإِنْسَانُ قَدْرَ مَوْتِهِ … مَا ذَاقَ طُولَ الدَّهْرِ طَعْمَ قُوتِهِ
مَالِي أَرَاكَ لَمْ تُفِدْ فِيكَ العِبَرْ … وَيْحَكَ هذا القَلْبُ أَقْسَى مِن حَجَرْ
وَأَفْلَسُ النَّاسِ طَوِيْلُ الأمَلِ … مُضَيِّعُ العُمْرِ كَثِيْرُ الخَطَلِ
نَهَارُهُ مُمْضِيهِ فِي البَطَالَةْ … وَلَيْلَهُ في النَّومِ بِئْسَ الحَالَةْ
ادْعُ لَنَا يَا سَامِعا وَصيِّتِي … بَالعَفْوِ والصَّفْحِ مَعَ العَطِيَّةِ
وَالسِتْرِ فَضْلاً مِنْهُ لِلْعُيُوبِ … وَالمَحْوِ في الكِتَابِ لِلْذُنُوبِ
يَا رَبَّ جُدْ بِالفَضْلِ والإِحْسَانِ … وَالرّوْحِ والريْحَانِ والجِنانِ
وَلا تُؤَاخِذْنَا عَلى النِّسيَانِ … وَلا عَلَى الإِخْطَاءِ وَلا العِصْيَانِ
يَا رَبِّ وَاحْفَظْنَا مِن الفَتَّانِ …
стр. 949
وَلا تُذِقْنَا حُرْقَةَ النِّيْرَانِ
يَا رَبّ وانْصُرنَا عَلَى الأَعْدَاءِ … وَاحْمِ الحِمَى مِن هِيْشَةِ الغَوْغَائِي
وَدِيْنَكَ احْفَظْهُ مَع الأَمَانِ … لِلأَهْلَ في الأَقْطَارِ وَالأَوْطَانِ
وَالحَمْد لله على الخِتَامِ … وَالشكرِ لله عَلَى الإِنْعَامِ
مَا أَعْظَم الإنعامَ مِن مَولانا … وَأجْزَلَ الإِفْضَالُ إِذْ هَدَانَا
لِنِعْمَةِ الإِيْمَانِ وَالإِسْلامِ … وَالاقتِدَاءِ بِسَيْدِ الأَنَامِ
ثُمَّ صَلاةُ اللهِ وَالسَّلامُ … مَا نَاحَ طَيْرُ الأيْكِ والحَمَامِ
عَلى النبِي المُصطفى البشير … الهَاشِمِي المجتبَي النَذِيرِ
وَآلِهِ مَا انْبَلَجَ الصَّبَاحُ … وَصَحْبَةِ ما هَبَّتِ الرَّيَاحُ
اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام ثبت محبتك في قلوبنا وقوها وألهمنا يا مولانا ذكرك وشكرك وآمنا من عذابك يوم تبعث عبادك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
شعرا:
وَلكِنَّنَا وَالحمدُ للهِ لَمْ نَزَلْ … عَلَى قَولِ أَصْحَابِ الرَّسولِ نُعَوَّلُ
نُقرُّ بِأَنَّ اللهَ فَوْقَ عِبَادِهِ … عَلَى عَرْشِهِ لَكِنَّمَا الكَيْفُ يُجْهَلُ
وَكُلُّ مَكَانٍ فَهْوَ فِيْهِ بِعِلْمِهِ … شَهِيْدٌ عَلَى كُلَّ الوَرَى لَيْسَ يَغْفُلُ
وَمَا أَثبتَ البَارِئ تَعَالى لِنَفْسِهِ … مِنْ الوَصْفِ أَوْ أَبْدَاهُ مَن هَوَ مُرْسَلُ
فَنُثْبِتُهُ للهِ ﷻ … كَمَا جَاءَ لا نَنْفِيْ وَلا نَتَأَوَّلُ
هُوَ الوَاحِدُ الحيُّ القَدِيْر لَه البقَا … مَلِيْكٌ يُوَلي مَنْ يَشَاءُ وَيَعْزِلُ
سَمِيْعٌ بَصِيْرٌ قَادِرٌ مُتَكَلمٌ …
стр. 950
عَلِيْمٌ مُرَيْدٌ آخِرٌ هُوَ أَوْلُ
تَنَزَّهَ عَنْ نِدٍّ وَوَلْدٍ وَوَالِدٍ … وَصَاحِبَةٍ فاللهُ أَعْلَى وَأَكْمَلُ
وَلَيْسَ كَمِثْل اللهِ شَيءٌ وَمَا لَهُ … شَبِيْهٌ وَلا نِدٌّ بِرَبِّكَ يَعْدِلُ
وَإِنَّ كِتَابَ اللهِ مِنْ كَلِمَاتِهِ … وَمِن وَصْفِهِ الأَعْلى حَكِيْمٌ مُنَزَّلُ
هُوَ الذِكْرُ مَتْلوٌ بِأَلْسِنَةِ الوَرَى … وَفِي الصَّدْرِ مَحْفُوْظٌ وفي الصُّحِف مُسْجَلُ
فَأَلفَاظُهُ لَيْسَتْ بِمَخْلوقَةٍ وَلا … مَعَانِيْهِ فَاتْرَكْ قَوْلَ مَنْ هُوَ مُبْطِلُ
وَقَدْ أَسْمَعَ الرحمنُ مُوسَى كَلامَهُ … عَلَى طُوْرِ سِيْنَا والإِلَهُ يُفَضِّلُ
وَلِلْطُور مَوْلانَا تَجَلَّي بِنُورِهِ … فَصَارَ لِخَوْفِ اللهِ دَكًّا يُزَلْزَلُ
وَإِنَّ عَلَيْنَا حَافِظِيْنَ مَلائِكًا … كِرَامًا بِسُكَّانِ البَسِيْطةِ وُكَّلُوا
فَيُحْصُونَ أَقْوالَ ابْنِ آدَمَ كُلَّهَا … وَأَفْعَالَهُ طُرا فَلا شَيءَ يُهْمَلُ
وَلا حَيَّ غَيْرُ اللهِ يَبْقَى وَكُلُّ مَنْ … سِوَاهُ لَهُ حَوضُ المَنيَّةِ مَنْهَلُ
وَإِنَّ نُفُوسَ العَالمَيْنَ بِقَبْضِهَا … رَسُولٌ مِنَ اللهِ العَظِيْمِ مُوَكَّلُ
وَلا نَفْسَ تَفْنَي قَبْلَ إِكْمَالِ رِزْقِهَا … وَلَكِنْ إِذَا تَمَّ الكِتَابُ المُؤَجَّلُ
وَسِيَّانِ مِنْهُمْ مَن وَدي حَتْفَ أَنْفِه … وَمَن بالظُبَا وَالسَّمْهَرِيَّةِ يُقْتَلُ
وَإِنَّ سُؤَالَ الفَاتِنَيْنَ مُحَقَّقٌ … لِكُلِ صَرِيْعٍ في الثَّرَى حِيْنَ يُجْعَلُ
يَقُولانِ: مَاذَا كُنْتَ تَعْبُدُ؟ مَا الذِي … تَدِيْنُ؟ وَمَن هَذَا الذِي هُوَ مُرْسَلُ؟
فَيَا رَبَّ ثَبّتْنَا عَلَى الحَقِّ وَاهْدِنَا … إِلَيْهِ وَانْطِقْنَا بِهِ حِيْنَ نُسْأَلُ
وَإِنَّ عَذَابَ القَبْرِ حَقٌّ وَرُوْحُ مَن … وَدَى في نَعِيْمٍ أَوْ عَذَابٍ سَتجْعَلُ
فَأَرْوَاحُ أَصْحَابِ السَّعَادَةِ نُعِّمَتْ … بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَمَا هُوَ أَفْضَلُ
وَتَسْرَحُ فِي الجَنَّاتِ تَجْنِي ثِمَارَهَا … وَتَشْرَبُ مِنْ تِلْكَ المِيْاهِ وَتَأْكُلُ
وَلَكِنْ شَهِيْدُ الحَرْبِ حَيٌّ مُنَعَمٌ …
стр. 951
فَتَنْعِيْمُهُ لِلرُّوْحِ والجِسْمِ يَحْصُلُ
وَأَرْواحُ أَصْحَابِ الشَّقَاءِ مُهَانةٌ … مُعَذَّبَةٌ لِلْحَشْرِ وَاللهُ يَعْدِلُ
وَإِنَّ مَعَادَ الرُّوْحِ وَالجِسْمِ وَاقِعٌ … فَيَنْهَضُ مَن قَدْ مَاتَ حَيًّا يُهَرْوِلُ
وَصِيْحَ بِكْلِّ العَالَمِيْنَ فَأَحْضِرُوا … وَقِيْلَ: قِفُوهُمْ لِلْحِسَابِ لِيُسْأَلُوا
فَذَلِكَ يَومٌ لا تُحَدُّ كُرُوْبُهُ … بِوَصْفٍ فإِنَّ الأَمْرَ أَدْهَى وَأَهْوَلُ
يُحَاسَبُ فِيْهِ المَرْءُ عَنْ كُلِّ سَعْيِهِ … وَكُلٌّ يُجَازَى بِالذِي كَانَ يَعْمَلُ
وَتُوْزَنُ أَعْمَالُ العِبَادِ جَمِيْعُهَا … وَقَدْ فَازَ مَن مِيْزَانُ تَقْوَاهُ يَثْقُلُ
وَفي الحَسَنَاتِ الأَجْرُ يُلْقَى مُضَاعَفًا … وَبِالمِثْلِ تُجْزَى السَّيِئَاتُ وَتَعْدَلُ
وَلا يُدْرِكُ الغُفْرَانَ مَن مَاتَ مُشْرِكًا … وَأَعْمَالُهُ مَرْدُوْدَةٌ لَيْسَ تُقْبَلُ
وَيَغْفِرُ غَيْرَ الشِرْكِ رَبِّي لِمَنْ يَشَا … وَحُسْنُ الرَّجَا وَالظَّنِّ باللهِ أَجْمَلُ
وَإِنَّ جِنَانَ الخُلْدِ تَبْقَى وَمَنْ بِهَا … مُقِيْمًا عَلَى طُوْلِ المَدَى لَيْسَ يَرْحَلُ
أُعِدَّتْ لِمَنْ يَخْشَى الإِلَهُ وَيَتِّقِي … وَمَاتَ عَلَى التَّوحِيدِ فَهُوَ مُهَلَّلُ
وَيَنْظُر مَن فِيْهَا إِلى وَجْهِ رَبِّه … بِذَا نَطَقَ الوَحْيُ المُبِيْنُ المُنَزَّلُ
وَإِنَّ عَذَابَ النَّارِ حَقٌّ وَإِنَّهَا … أُعِدَّتْ لأَهْلِ الكُفْرِ مَثْوَى وَمَنْزِلُ
يُقِيْمُونَ فِيْهَا خَالدِيْنَ عَلَى المَدَى … إِذَا نَضِجَتْ تِلْكَ الجُلُودُ تُبَدَّلُ
وَلَمْ يَبْقَ بِالإِجْمَاعِ فِيْهَا مُوَحَّدٌ … وَلَوْ كَانَ ذَا ظُلْمٍ يَصُوْلُ وَيَقْتُلُ
وَإِنَّ لِخَيْرِ الأَنْبِيَاءِ شَفَاعَةً … لَدَى اللهِ في فَصْلِ القَضَاءِ فَيَفْصِلُ
وَيَشْفَعُ لِلْعَاصِيْنَ مِنْ أَهْلِ دِيْنِهِ … فَيُخْرِجُهَم مِن نَارِهِمْ وَهِيَ تَشْعَلُ
فَيُلْقَونَ في نَهْرِ الحَيَاةِ فَينْبتُوا … كما في حَمِيْل السَّيْلِ يَنْبُتُ سُنْبُلُ
وإن لَهُ حَوْضًا هَنِيْئًا شَرَابُهُ … مِن الشَّهْدِ أَحْلَى فَهْوَ أَبْيضُ سَلْسَلُ
يُقَدَّرُ شَهْرًا فِي المَسَافَةِ عَرْضُهُ …
стр. 952
كَأيلَةَ مِن صَنْعَا وَفِي الطُّوْلِ أَطْوَلُ
وَكِيْزَانُهُ مِثْلُ النُجُومِ كَثِيْرَةٌ … وَوَّرَادُهُ حَقًّا أَغَرُّ مُحَجَّلُ
مِن الأَمَّةِ المُسْتَمْسِكِيْنَ بِدِيْنِهِ … وَعَنْهُ يُنَحَّى مُحْدِثٌ وَمُبَدَّلُ
فَيَا رَبِّ هَبْ لِي شَرْبةٌ مِن زُلالِهِ … بِفَضْلِكَ يَا مَنْ لَمْ يَزَلْ بِتَفَضَّلُ
آخر:
وَلَمَّا حَلَلْنَا مِنْ بِجَايةَ جَانِبًا … تُصَانُ به تِلْكَ الجُسُوْمُ وتُكْرَمُ
وَجَدْتُ لها طِيْبًا وَرَوْحًا وَرَاحَةً … كَأني لأنْفَاسِ الصِّبَا أَتَسَنَّمُ
فَقُلْتُ لِصَحْبِي ما الذي أَمْرَجَتْ له … مَقَابِرُ منها لا طِيءٌ وَمُسَنَّمُ
فَأَوْهَمْتُهُم أَنِّي جَهِلْتُ وَإِنَّنِي … لأَدْرَى بِذَاكَ الأَمْرِ مِنهم وأَفْهَمُ
فَقَالوا طَلَبْنَا عِلْمَ ذَاكَ فلم نَجِدْ … سوى رَمَمٍ ممن تُحِبُّ وتُعْظِمُ
تَضَوَّعَ بَطْنُ الأَرْضِ منها كأنما … تَفَتَّقَ مِن دَارِيْنَ مِسْكٌ مُخَتَّمُ
فَقَاضَتْ دُمُوْعي عند ذاك وَرُبَّمَا … تَشَهّرَ بالدَّمْعِ السرارُ المُكتَّمُ
خَلِيْلَيَّ مَا بَالِي وَبَالُ مَصَائِبٍ … يُرَاعُ لِذِكْراها فُؤادِي وَيُكْلَمُ
ومما شَجَانِي وهو أَعْظَمُ أنني … قَذَفْتُ بها مُسْوَدَّة الجَوَف تَلْطِمُ
ولم أَدْرِ ما كانت تَحِيَّةُ خِصْمِهِ … لَهُ هل بِبُشْرَى أم بِشَنْعَاءَ تَقْصِمُ
وَأَعْظَمُ منه مَوْقِعًا وَأَشَدَّهُ … وَمَا خَصَّنِي أَدْهَى عَليَّ وَأَعْظَمُ
بِأَني في تِلْكَ المَسَالكِ سَالِكٌ … أُسَاقُ إِليها إِنْ أَبَيْتُ وَأَرْغَمُ
وَمَا أَنَا أَدْرِي ما أُلاقِي وما الذي … عليه إذا ما كان ذلك أَقْدَمُ
فَهَلْ مِنْ دَمٍ أَبْكِيْهِ صِرْفًا فإنما … يُبْكَّي عَلى هَذَا من المُقْلَةِ الدَّمُ
стр. 953
اللهم اعطنا من الخير فوق ما نرجو واصرف عنا من السوء فوق ما نحذر اللهم علق قلوبنا برجائك واقطع رجاءنا عمن سواك. اللهم إنك تعلم عيوبنا فاسترها وتعلم حاجاتنا فاقضها كفى بك وليا وكفى بك نصيرا يا رب العالمين اللهم وفقنا لسلوك سبيل عبادك الأخيار واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
شعرا:
إلى كم تَمَادَى في غُرُوْرٍ وَغَفْلَةٍ … وكم هكذا نَومٌ إلى غير يَقْظَةِ
لقد ضَاعَ عُمْرٌ سَاعَةٌ منه تُشْترى … بِمِلءِ السَّمَا وَالأَرْضِ أَيةَ ضَيْعَةِ
أَيُنْفَقُ هَذا في هَوَى هَذِه التي … أَبَى اللهُ أَنْ تُسْوى جَنَاحَ بَعُوضَةِ
أَتَرْضَي من العَيْشِ الرَّغِيْدِ وَعِيْشَةٍ … مَعْ المَلأ الأَعْلَى بِعَيْشِ البَهِيْمَةِ
فَيَادُرَّةٌ بَيْنَ المَزَابِلِ أُلْقِيَتْ … وَجَوْهَرَةٌ بِيْعَتْ بِأَبْخَسِ قِيْمَةِ
أَفَانٍ بِبَاقٍ تَشْتَرِيْهِ سَفَاهَةً … وَسُخْطًا بِرضْوَانٍ وَنَارًا بِجَنَّةِ
أَأَنْتَ صَدِيقٌ أم عَدُوٌّ لِنَفْسِهِ … فَإِنَّكَ تَرْمِيْهَا بِكُلِّ مُصِيْبَةِ
وَلَوْ فَعَلَ الأَعْدَا بِنَفْسِكَ بَعْضَ مَا … فَعَلْتَ لَمَسَّتْهُم لَهَا بَعْضُ رَحْمَةِ
لَقَد بِعْتَهَا هَوْنًا عليك رَخِيْصَةً … وكانت بهذا منكَ غير حَقِيْقَةِ
كَلِفْتَ بها دُنْيَا كَثِيْرٍ غُرُوْرُهَا … تُقَابِلُنَا في نُصْحِهَا في الخَدِيْعَةِ
عَليْكَ بما يُجْدِي عليك من التُّقَى … فإنك في سَهْوٍ عَظِيْمٍ وَغَفْلَةِ
تُصَلِي بِلا قَلْبٍ صَلاةً بِمِثْلِهَا … يَكُونُ الفَتَى مُسْتَوْجِبًا لِلْعُقُوْبَةِ
تُخَاطِبُهُ إِيَّاك نَعْبُدُ مُقْبِلاً … عَلَى غَيْرِه فيها لغير ضَرُوْرَةِ
وَلَو رَدَّ مَن نَاجَاكَ لِلْغَيْرِ طَرْفَهُ …
стр. 954
تَمَيَّزْتَ مِن غَيْظٍ عليه وَغَيْرَةِ
فَوَيلَكَ تَدْرِي من تُنَاجِيْهِ مَعْرِضًا … وَبين يَدَي مَن تَنْحَنِي غير مُخُبْتِ
أَيَّا عَامِلاً للنَّارِ جِسْمُكَ لَيْنٌ … فَجَرَّبْهُ تَمْرِيْنًا بحَرِّ الظَّهِيرَةِ
وَدَرِّبْهُ في لَسْعِ الزَّنَابِيرِ تَجْتَرِي … على نَهْشِ حَيَّاتٍ هناك عَظِيْمَةِ
فإن كنت لا تَقْوَى فَوَيْلَكَ ما الذي … دَعَاكَ إلى إِسْخَاطِ رَبِّ البَرِيَّةِ
تُبَارِزُهُ بالمُنْكَراتِ عَشِيَّةً … وَتُصْبِحُ في أَثْوَابِ نُسْكٍ وَعِفَةِ
تُسِيءُ بِهِ ظَنًّا وَتُحِسِنُ تَارةً … عَلَى حَسْبِ مَا يَقْضِي الهَوى بِالقَضِيَّةِ
فأنت عليه أَجْرَي منك على الوَرَى … بما فيك من جَهْلٍ وَخُبْثِ طَوِيَّةِ
تَقُولُ مَعَ العِصْيانِ رَبي غَافِرٌ … صَدَقْتَ وَلَكن غَافِرٌ بِالمَشِيْئَةِ
وَرَبُّكَ رَزَّاقٌ كَما هو غَافِرٌ … فَلِمَ لا تُصَدِّقْ فِيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ
فَكَيْفَ تُرَجِّىْ العَفْوِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ … وَلَسْتَ تُرجِّى الرِّزْقَ إلاَّ بِحِيْلَةِ
على أَنَّه بالرِّزْقِ كفَّلَ نَفْسَهُ … وَلَمْ يَتَكَفَّلْ لِلأنَامِ بِجَنَّتِي
وَمَا زِلْتَ تَسْعَى بِالذِي قد كُفِيتَهُ … وَتُهْمِلَ مَا كُلِفتَهُ مِن وَظِيْفَةِ
إِلهي أَجِرْنَا من عَظِيْمِ ذُنُوبِنَا … وَلا تُخْزِنَا وَانْظُرْ إلينَا بِرَحْمَةِ
وَخُذْ بِنَواصِيْنَا إِليْكَ وَهَبْ لَنَا … يَقِيْنًا يَقِيْنَا كُلَّ شَكٍ وَرِيْبَةِ
إلهي اهْدِنَا فيمن هَدَيْتَ وَخُذْ بِنَا … إِلى الحَقِّ نَهْجًا في سَواءِ الطَّريْقَةِ
وَكُنْ شُغْلَنا عَن كُلِ شُغْلٍ وَهَمَّنا … وَبُغْيتَنَا عن كلِّ همٍّ وَيُغْيَةِ
وَصَلِّ صَلاةً لا تَنَاهى على الذي … جَعَلْتَ بِهِ مِسْكًا خِتَامَ النُّبُوَّةِ
آخر:
صَرَفَّتَ إلى رَبِّ الأَنَامِ مَطَالِبِي … وَوَجَّهْتُ وَجْهِي نَحْوَهُ وَمَآرِبِي
إلى المَلِكِ الأَعْلَى الذِي ليس فَوْقَهُ …
стр. 955
مَلِيْكٌ يُرَجَّى سَيْبُهُ فِي المَتَاعِبِ
إلى الصَّمَدِ البَرِّ الذي فَاضَ جُوْدُهُ … وَعَمَّ الوَرَى طُرًا بِجَزْلِ المَوَاهِبِ
مُقِيْلي إذا زَلَّتْ بي النَّعْلُ عَاثِرًا … وَأَسْمَحَ غَفَّارٍ وَأَكْرَمْ وَاهِبِ
فما زَالَ يُوْلِيْني الجَمِيْلَ تَلَطُّفًا … وَيَدْفَعُ عَنِّي في صُدُورِ النَّوائِبِ
وَيَرْزُقُنِي طِفْلاً وَكَهْلاً وَقَبْلَهَا … جَنِيْنًا وَيَحْمِيْنِي وَبِيَّ المَكَاسِبِ
إذا أَغْلَقَ الأَمْلاكُ دُوْنِي قُصُورَهُم … وَنَهَْهَ عن غِشْيانَهِمْ زَجْرُ حَاجِبِ
فَزِعْتُ إلى بَابِ المُهَيْمِنِ طَارِقًا … مُدِلاً أُنادِي بِاسْمِهِ غير هَائِبِ
فَلَمْ أُلفِ حُجَّابًا وَلم أَخْشَ مِنْعَةً … وَلَوْ كَانَ سُؤْلِي فَوْقَ هَامِ الكَوَاكِبِ
كَرِيْمُ يُلَبِي عَبْدَهُ كُلَّمَا دَعَا … نَهَارًا وَلَيْلاً فِي الدُّجَا وَالغَيَاهِبِ
سَأَسْأَلَهُ مَا شِئْتُ إِنَّ يَمِيْنَهُ … تَسِحُّ دِفَاقًا بِاللُّهَى وَالرَغَائِبِ
فَحَسْبِي رَبِّي في الهَزَاهِزِ مَلْجَأً … وَحِرْزًا إذا خِيْفَتْ سِهِامُ النَّوَائِبِ
اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، ووفقنا للعمل بما فهمتنا، اللهم إن كنا مقصرين في حفظ حقك، والوفاء بعهدك، فأنت تعلم صدقنا في رجاء رفدك، وخالص ودك، اللهم أنت أعلم بنا منا، فبكمال جودك تجاوز عنا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والميتين، برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 956
وقال شيخنا عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي ﵀:
دَعْ عَنْكَ ذِكْرَ الهَوَى وَالمُولَعِيْنَ بِهِ … وانْهَضْ إلى مَنْزِلٍ عَالٍ به الدُّرَرُ
تَسْلُوْ بِمَرْبابِهِ عن كلِّ غَالِيَةٍ … وَعَنْ نَعَيْمٍ لِدُنْيا صَفْوُهَا كَدرُ
وَعن نَدِيْمٍ به يَلْهُو مُجَالِسُهُ … وعن رِيَاضٍ كَسَاهَا النُّورُ والزَّهَرُ
انْهَضْ إلى العِلْمِ في جِدٍ بِلا كَسَلِ … نُهُوضَ عَبْدٍ إلى الخَيْرَاتِ يَبْتِدرُ
واصْبِرْ على نَيْلِهِ صَبْرَ المُجِدِّ لَهُ … فَلَيْسَ يُدْرِكُهُ مَنْ لَيْسَ يَصْطَبَرُ
فَكَمْ نُصُوص أَتَتْ تُثْنِي وَتَمْدَحُهُ … لِلْطَّالبينَ بها مَعْنَى وَمُعْتَبَرُ
أَمَا نَفَي الله بَيْنَ العَالَمِيْنَ بِهِ … وَالجَاهِلِيْنَ مُسَاوَاةً إِذَا ذُكِرُوْا
وَقَالَ لِلْمُصْطَفَى مع ما حَبَاهُ به … ازْدَدْ من العِلُمِ في عِلْمٍ به بَصَرُ
وَخَصَّصَ اللهُ أَهْلَ العِلْمِ يُشْدُهُم … على العِبَادة والتَّوحِيْدِ فَاعْتَبِرُوْا
وَذَمُّ خَالِقنَا لِلْجَاهِلِيْنَ به … في ضُمْنِهِ مَدْحُ أَهْلِ العِلْمِ مُنْحَصرُ
وفي الحَدِيْثِ إنْ يُرِدْ رَبُّ الوَرَى كَرمًا … بِعَبْدِهِ الخَيْرَ وَالمَخْلُوقُ مُفْتَقِرُ
أَعْطَاهُ فِقْهًا بِدِيْنِ اللهِ يَحْمِلُهُ … يَا حَبَّذَا نِعَمًا تَأْتِي وتُنْتَظَرُ
أَمَا سَمِعْتَ مِثَالاً يُسْتَضَاءُ به … وَيِسْتَفِزُّ ذَوِي الأَلْبَابِ إِنْ نَظَرُوْا
بأنَّ عِلْمَ الهُدَى كَالغَيْثِ يُنْزِلُهُ … على القُلُوبِ فمنها الصَّفْوُ والكَدَرُ
أَمَّا الرِياضُ التي طَابَتْ فَقَدْ حَسَنُتْ … منها الرُبَى بِنَبَاتٍ كُلُّه نَضِرُ
فَأَصْبَحَ الخَلْقُ والأَنْعَامُ راتِعَةً … بِكُلِّ زَوْجٍ بَهِيْجٍ ليس يَنْحَصِرُ
وَبَعْضُها سَبَخٌ لَيَسْتَ بِقَابِلَةٍ … إِنْبَاتَ عُشَّبٍ به نَفْعٌ وَلا ضَرَرُ
يَكْفِيْكَ بِالعِلْمِ فَضْلاً أَنَّ صَاحَبَهُ … بِالعِزِّ نَالَ العُلا وَالخَيْرُ يُنْتَظَرُ
يَكْفِيْكَ بالجَهْلِ قُبْحًا أنَّ صَاحَبَهُ … يَنْفِيْهِ عَن نَفْسِهِ وَالعِلْمُ يُبْتَكَرُ
يَكْفِيْكَ بالجَهْلِ قُبْحًا أنَّ مُؤْثِرَهُ …
стр. 957
قد آثَرَ المَطْلَبَ الأَدْنَى وَيفْتَخِرُ
أيُّ المَفَاخِرِ تَرضَى أَنْ تُزَانَ بِهَا … أَجَهْلُكَ النَّفْسَ جَهْلاً مَا له قَدَرُ
أَمْ بِالجَهَالَةِ منك في شَرِيْعَتِهِ … كَيْفَ الصَّلاةُ وَكَيْفَ الصَّومُ وَالطُّهُرُ
أَمْ كَيْفَ تَعْقِدُ عَقْدًا نَافِذًا أَبَدًا … كَيْفَ الطَّلاقُ وَكَيْفَ العِتْقُ يا غُدَرُ
أَمْ افْتِخَارُكَ بِالجَهَل البِسَيْطِ نَعَمْ … وَبِالمُرَكَّبِ لا تُبْقِي ولا تَذَرُ
تَبًّا لِعَقْلٍ رَزين قَدْ أَحَاطَ بِهِ … مَعْ الجَهَالَةِ رَيْنُ الذَّنْبِ والغَرَرِ
كَمْ بَيْنَ مَن هُوَ كَسْلانٌ أَخُو مَلَلٍ … فَمَا لَهُ عَن ضَيَاعِ الوَقِتِ مُزْدَجَرُ
قَدْ اسْتَلانَ فِراشَ العَجْزِ مُرَتَفقًا … حَتَّى أَتَى المُضْعِفانِ الشَّيبُ وَالكِبَرُ
وَبَيْنَ مَنْ هُو ذُو شَوْقٍ أَخُوْ كَلفٍ … عَلَى العُلُومِ فَلا يَبْدُو لَهُ الضَّجَرُ
يَرْعَى التّقى وَيَرْعَى من تَحفُظِهِ … أَوْقَاتَهُ مِن ضَياعِ كُلُّهُ ضَرَرُ
لا يَسْتَريحُ ولا يُلْوي أَعِنَّتَهُ … عن الوُصُول إلى مَطْلُوبِهِ وَطَرُ
تُلِفْيهِ طَوْرًا على كُتب يُطَالِعُهَا … يَحْلُو لَهُ مَن جَنَاهَا مَا حَوَى الفِكَرُ
تُلْهِيهِ عن رَوْضَةٍ غَنَاءَ مُزْهِرةً … أَطْيَارُهَا غَرَّدت والماء مُنْهَمِرُ
وَبَاحِثًا تارةً مع كُلِّ مُنْتَسِبٍ … يَبْغِي الرَّشَادَ فَلا يَطْغَى وَيَحْتَقِرُ
وَاهًا رَجُلاً فَرْدا مَحَاسِنُهُ … بِالحَزْمِ والعَزْمِ هَانَ الصَّعْبُ والعُسُرُ
стр. 958
وقال رحمه الله تعالى يمدح شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ومؤلفاتهما:
يَا طَالِبًا لِعُلُوم الشَّرعِ مُجْتَهِدًا … يَبْغِي انْكِشَافَ الحقِ وَالعِرْفَانِ
احْرِصْ عَلى كُتْبِ الإِمَامَيْنِ اللذين … هما المَحَكُّ لِهِذه الأَزْمَانِ
العَالِمَيْنَ العَامِلِيْنِ الحَافِظَيْنِ … المُعْرِضَيْنِ عن الحُطَامِ الفَانِي
عَاشَا زَمَانًا دَاعِيْن إلى الهُدَى … مَن زَائِغٍ ومُقَلَّدٍ حَيْرَانِ
صَبرا النفُوْسَ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهَا … لِلْقَلْبِ والأَقْوَالِ وَالأَرْكَانِ
كَمْ نَالَهُمْ من نَكْبَةً وَأذيَّةٍ … هَانَتْ لِذَاتِ الخَالِقِ الدَّيَانِ
نَشَرَ الإلهُ لَهُم ثَنَاءً صَادِقًا … إِذ أَحْسَنُوْا في العِلْمِ وَالإِيْمَانِ
فَقُلُوبُ أَهْلِ الخَيرِ من حُبِّ لَهُم … قَدْ أُشْرِبَتْ وَثَنَاؤُهُمْ بِلِسَانِ
أَعْنِي به شَيْخَ الوَرَى وَإِمَامَهُمْ … يُعْزَى إِلى تَيْمِيَّةِ الحَرانِ
وَالآخَرْ المَدْعُوُ بابْنِ القَيِّمِ … بَحْرِ العُلُومِ العَالِمِ الرَّبَانِي
فَهُمَا اللذاننِ قَدْ أَوْدَعَا في كُتْبهِمْ … غُرَرَ العُلُومِ كَثِيْرِةِ الأَلوانِ
فيها الفَوَائِدُ وَالمَسَائِلِ جُمِّعَتْ … من كلِّ فَاكِهَةٍ بِهَا زَوْجَانِ
إن رُمْتَ مَعْرِفَةَ الإِلَهِ وَما لَه … من وَصْفِهِ وَكَمَالِهِ الرَّبَانِي
أَوْ رُمْتَ تَفْسِيْرَ الكِتَابِ وَمَا حَوَى … مِن كَثْرَةِ الأَسْرَارِ وَالتِّبْيَانِ
أَوْ رُمْتَ مَعْرِفَةَ الرَّسُولِ حَقِيْقَةً … وَجَلالةَ المَبْعُوْثِ بِالفُرْقَانِ
أَوْ رُمْتَ فِقْهَ الدِيْنِ مُرْتَبِطًا به … أَصْلُ الدَّلِيْلِ أَدْلَّةَ الإِتْقَانِ
أَوْ رُمْتَ مَعْرِفَةِ القَصَائِدِ كُلّهَا … لِلْمُبْطِلِيْنَ وَرَدَّهَا بِبيَانِ
أَوْ رُمْتَ مَعْرِفَةِ الفُنُونِ جَمِيْعِهَا … مِنْ نَحْوِهَا والطِّبِ لِلأَبْدَانِ
تَلْقَ الجَمِيْعَ مُقَرَّرًا وَمُوضَّحًا …
стр. 959
قَدْ بَيَّنَاهَا أَحْسَنَ التَّبْيَانِ
جَمَعَتْ عَلَى حُسْنِ العِبَارِةِ رَوْنَقًا … وَبِهَاءَ مَعْنَى جَلَّ ذُوْ الأتْقَانِ
تَدْعُوْ القُلُوبَ إِلى مَحَبَّةِ رَبِّهَا … وَالذِكْرِ لِلْرَحمنِ كُلَّ أَوانِ
يَدْرِي بِهَذَا من له نَوعُ اعْتَنَا … في كُتْبِهم مَع صِحَّةِ العِرْفَانِ
فَاحْمَدِ إِلهَ الخَلْقِ إِنْ كُنْتَ امْرَءًا … تَشْتَاقُهَا وَتُحِبُّهَا بِجَنَانِ
وَاحْمَدْ إِلَهَ الخَلْقِ أَيْضًا ثَانِيًا … في نَشْرِهَا في هَذِهِ الأَزْمَانِ
حَتَّى غَدَتْ بَيْنَ العِبَادِ كَثِيْرةً … مَشْهُوْرَةً في سَائِرِ البُلْدانِ
فَعَسَى الذِي بَعْث القروم لنشرها … أَن يبعث العَزَمَاتِ بَعد تَوانِ
حَتَّى تَكون إلى العُلُومِ سَرِيعَة … مُشْتَاقَة لِلْعِلْمِ وَالعِرْفَانِ
وَيَزيل عن هذه القلوب موانعًا … عَاقت وُصُول العِلْم والإِيْقَانِ
وَيلم هذا الدين بعد تشعث … قَد كَادَ أَنْ يَنْهَدَّ لِلأَرْكَانِ
وَيُفَتِّحُ الأَبوابَ بَعد مُضِيِّهَا … دَهْرًا عَلَى التَّغْلِيْقِ وَالأَدْرَانِ
وَيُؤَلِّفُ الرَّحمنُ بَعْدَ تَفَرقٍ … أَرْوَاحَ أَهْلِ العِلْمِ وَالإِيْمَانِ
بِجَلالِهِ وَجَمَالِهِ مُتَوَسِّلاً … يا دَائِمَ المَعْرُوْفِ والإِحْسَانِ
وَعلى الرَّسُولِ مُصَلِّيًا وَمُسَلِّمًا … وَالصَّحْبِ وَالاتْبَاعِ بالإِحْسَانِ
وقال آخر:
بما قَدَّمَتْ أَيْدِي الوَرَى سَتُعَذَّبُ … فَنَاجٍ بِخَدْشٍ والكَثِيْرُ يُكَبْكَبُ
أَمَا يَسْتَحِيْ من كان يَلْهُو ويَلْعَبُ … ذُنُوبُكَ يا مَغْرُورُ تُحَصْىَ وتُحْسَبُ
وَتُجمع في لَوحٍ حَفِيْظٍ وَتُكْتَبُ
وَأَنتَ بِمَا لا يُرْتَضَي كُلَّ لَيْلَةٍ … أَمَا تَتَّقِي مَوْلاكَ في كُلِّ فِعْلَةِ
تَبِيْتُ بِلَذَّاتٍ وَتَلْعَابِ طِفْلَةٍ …
стр. 960
وَقَلْبُكَ في سَهْوٍ وَلَهْوٍ وَغَفْلَةٍ
وَأَنْتَ عَلَى الدُّنيا حَرْيصٌ مُعَذَّبُ
فَلَوْ تَسْتَطِعْ أَخْذَ التَّقِي وَرَحْلِهِ … أَخَذْتَ وَلَوْ فِي بَيْتِهِ وَمَحَلِهِ
وَأَنْتَ على كَنْزِ القَلِيْلِ وَجِلِّهِ … تُبَاهِي بِجَمْعِ المَالِ من غَيْرِ حِلِّهِ
وَتَسْعَى حَثِيْثًا في المَعَاصِي وَتُذْبِبُ
وَتُعْرِضُ عَن فِعْلِ المَرَاضِي وَتَرْتَضِي … فِعَالاً تُنَافِي فِعْلَةَ الدَّيِّنِ الرَّضِي
أَمَا تَرْعَوي يا من على لَهْوهِ رَضِى … أَمَا العُمْرُ يَفْنَى والشبيبةُ تَنْقَضِي
أَمَا العُمْرُ آتٍ وَالمَنِيَّةَ تُطلَبُ
فَلا تَغْتَرِرُ وَاحْذَرْ فَدُنْياكَ يا الغَدِي … إِذَا أَضْحَكتكَ اليَومَ أَبْكَتْكَ في الغَدِي
أَتَلْهُو بِدَارٍ لا تَدُوْمُ لِمَرْغَدِي … أَمَا تَذْكُر القَبْرَ الوَحِيْشَ وَلَحْدَةَ
بِه الجِسْمُ مِن بَعْدِ العَمَارِةِ يَخْرَبُ
وَتَقْتَتِلُ الدِيْدَانُ لا شَكَّ حَوْلَهُ … وَمَا أَحَدٌ يَنْعِي ولا يَعِ عَوْلَهُ
أَمَا آنَ أَنْ تَخْشَى العَزِيْزَ وَطولَهُ … أَمَا تَذْكُر اليومَ الطَّوِيلَ وَهَوْلَهُ
وَمِيْزَانَ قِسْطٍ لِلْوَفَاءِ سَيُنْصَبُ
فَتُوزَنُ أَعْمَالٌ فَتُخْزي رِجَالُهُ … وَكُلٌّ يُجَازَي مَا جَنَتُهُ فِعَالُهُ
وَوَيْلٌ لِمَنْ ضَاقَتْ عَليه مَجَالُهُ … أَمَا جَاءَ أَنَّ اللهَ ﷻ
إِذَا هَتَكَ العَبْدُ المَحارمَ يَغْضَبُ
فَيَهِتكُ سَتْرَ الظالِمِيْنَ بِغِرَّةٍ … وَكُلَّهُمُوْا عَضَّ الأَكُفَّ بِحَسْرَةٍ
ولاتَ مَنَاصٍ حِيْنَ جَادُوْا بِعَبْرِةٍ … أَمَا الواحدُ الدَّيانُ جَلَّ بِقُدْرَةٍ
يُنَاقَشُ عَنْ كُلِّ الذُنُوبِ وَيَحْسِبُ
فَيُنصِفُ لِلْمَظْلُومِ مِمَّنْ لَهُ افْتَرَى …
стр. 961
وَيَقْصِمُهُ قَصْمًا فَيَبْقَى مُقَحْطَرَا
أَمَا زَاجِرٌ يَزْجُرْكَ يا من تَبَخْتَرَي … أَمَا تَذْكُرُ المِيْزَانَ وَيْحَكَ مَا تَرَى
إِذَا كُنْتَ في قَعْرِ الجَحِيمِ مُكَبْكَبُ
أَمَا تَمْشِيْنَ بَيْنَ الوَرَى مُتَوَاضِعًا … أَمَا تَتَّقِي رَبًّا أَلا تَكُ خَاضِعًا
أَحَاطَكَ ظَهْرًا ثُمَّ بَطْنًا وَرَاضِعًا … كَأَنَّكَ مَا تَلْقَي عَلى الأَرْضِ مَوْضِعًا
وَمِنْ بَعْدُ تَلْهُو بِالشَّبَابِ وَتَلْعَبُ
رَأَيْتَ ولَمْ تَشْعُرْ نَذِيْرًا وَنَاهِيًا … وَكُنْتَ بِدُنْيَاكَ الدَّنِيَّةِ سَاهِيًا
سَهِرْتَ وآثَرْتَ الغِنَى وَمَلاهِيًا … تَرُوْحُ وَتَغْدُو في مُرَاحِكَ لاهِيًا
وسَوفَ بِاشْرَاكِ المَنِيَّةِ تَنْشبُ
أَتَحْسَبُ أنَّ الله أَنْشَى الوَرَى سُدَى … سَيأتِيْكَ مَا مِنْهُ تَكُونُ مُكَسَّدًا
وَتُنْزَعُ رَوْحٌ ثُمَّ تَبْقَى مُجَسَّدَا … وَتَبْقَي صَرِيْعًا في التُرابِ مُوَسَّدَا
وَجِسْمُكَ مِن حَرٍ بِهِ يَتَلَهَّبُ
وَمَالَكَ عَن دَفْعِ الأَذِيَةِ صَوْلَةٌ … وَمَالَكَ مُذْ جَاءَ المُقَدَّرُ حِيْلةٌ
تَنُوحُ وَتَبْكِي بِالدُمُوعِ أَهيْلَة … وَحَوْلَكَ أَطْفَالٌ صِغَارٌ وَعَوْلَةٌ
بِهِم بَعْدَ مَغْدَاكَ البَنُونُ تَشَعَّبُ
أَيادِي سَبَا خَلْفًا وَيَمْنَي وَيَسْرَةً … وَكُنْتَ رَهِيْنًا لِلْمَنَايَا وَقسرَةً
وَجَاءَكَ مَا أَوْدَى إليها وَمَسَرَّةً … وَقَدْ ذَرَفَتْ عَيْنَاكَ بِالدَّمْعِ حَسْرَةً
وَخَلَّفْتَ لِلْوُارثِ مَا كُنْتَ تَكْسِبُ
وَتَسْعَى لَهُ مِن تَالِدٍ وَمُحَصَّلٍ … وَتَسْهَرُ لَو فِي سَدِّ يَأْجُوجَ تُوْصِلُ
وبِتَّ وَلَمْ تَسْمَعْ وِصَاةً لِمُوصِلِ … تُعَالُجَ نَزْعَ الرُوْحِ من كُل مَفْصِلِ
стр. 962
فَلا رَاحِمٌ يُنْجِي ولا ثَم مَهْرَبُ
وَضَاقَتْ عَلَيْكَ الرُوْحُ بَعْدَ مُرُوْجِهَا … وَأَنْزِلْتَ عِنْدَ البَابِ بَعْدَ بُرُوْجِهَا
وَقُرَّبتِ الأَكْفانُ بَعْدَ عُرُوْجِهَا … وَغُمِّضَتِ العَيْنَان بَعْدَ خُرُوْجِهَا
وَبُسِّطَتِ الرِجْلان والرَّأَسُ يُعْصَبُ
وَقَامَ سِرَاعُ النَّاسِ لِلْنَّعِشْ يُحْضِرُوْا … وَحَفَّارُ قَبْرٍ في المَقَابِرِ يَحْفُرُ
وَجَدَّ الذِي في حَوْلٍ نَادِِيْكَ حُضَّرٌ … وَقَامُوا سِرَاعًا في جَهَازِكَ أَحْضَرُوْا
حَنُوطًا وَأَكْفَانًا وَلِلْمَاءِ قَرَّبُوا
وَصَبُّوا عَلَيْكَ المَاءَ وَأَنَّ سُمُوعَهُ … وَحَنَّ قَرِيْبٌ بِالبُكَا وَرُبُوعُهُ
وَكُلُّ شَقِيْقٍ جَاءَ جَدَّ زُمُوعُهُ … وَغَاسِكُكَ المحزُونُ تَبْكِي دُمُوعُهُ
بِدَمْعٍ غَزِيْرٍ وَاكِفٍ يَتَصَبَّبُ
كَصَيِّبِ مُزْنٍ وَدقُهُ مُتفرقٌ … حَزِينٌ وَمِن مَا دَمْعِهِ مُتَفَرَّقٌ
وَكُلُّ رَحِيْمٍ قَلْبُهُ مَتَحَّرِقٌ … وَكُلُّ حَبِيْبٍ لُبُّهُ مُتَحرِقٌ
يُحَرِكُ كَفيَّهِ عَلَيْكَ وَيَنْدُبُ
وَجَاءُوا بِأَثوابٍ وَطِيْب بِطَيِّهَا … وَقَدْ نَشَرُوا الأَكْفَانَ مِن بَعْدَ طَيهَا
وَقَدْ بَخَّرُوْا مَنْشُوْرَهُنَّ وَطيَّبُوْا
وَخَاطُوا الذي يَحْتَاجُ مِنْهَا وَأَخْرَجُوا … طَرَأَيدَ لِلْتحِزيمِ مِنْهَا وَأَدْلَجُوْا
جَمِيْعًا بِتَجهازٍ وَجِسْمَكَ أَدْرَجُوْا … وَألقوك فيها بَيْنَهُنَّ وَأَدْرَجُوْا
عَلَيْكَ مَثَانِي طَيَّهُنَّ وَعَصَّبُوْا
وَشَالُوكَ من بَيْنِ الأَخِلاّ مُجَرَّدًا … وَمَالكَ خَلْفًا قَدْ تَركْتَ وَخُرَّدا
وَصَلَّوْا وُقُوْفًا ثُمَّ زَفَّوكَ وُرَّدًا … وَفِي حُفْرةٍ أَلْقَوكَ حَيْرَانَ مُفْرَدَا
стр. 963
تَضُمُّكَ بَيْدَاءٌ مِن الأَرْضِ سَبْسَبُ
بَعيْدٌ عَلَى قُرْبِ المَدَى يَعْلَمُونَهُ … وَسَائِلُكَ المُجْهَادُ لا يَسْمعُوْنَهُ
وَقَبْرَكَ قَامُوْا بَعْدَ ذَا يَسِمُوْنَهُ … وَرَاحُوا لِمَا خَلَّفْتَ يَقْتَسَمُوْنَهُ
كَأَنَّكَ لَمْ تَشْقَى عَليهِ وَتَتْعَبُ
وَتَسْهَرُ حَتَّى كَادَ ظَهْرُكَ يَنْهَصِرْ … وَجِسْمُكَ مَهْزُوْلٌ بِسَعْيِكَ مُنْعَصِرْ
وَخَلَّفْتَهُ طُرًا وَمَالَكَ مُنْتَصِرْ … فَيَا أَيُّهَا المَغْرُوْرُ حَسْبُكَ فَاقْتَصِرْ
وَخَفْ مِن جَحِيْمٍ حَرُّهَا يَتَلَهَّبُ
وَلا تَمْشِ مِن بَيْنَ البَرَّيةِ مُسْبِلا … وَكُنْ صَالِحًا بَرًا تَقِيًا مُحَسْبَلَا
وَتُبْ عَن ذُنُوبٍ لا تَكُنْ متُكَرْبِلَا … وَجَانِبْ لِمَا يُرْديِكَ فِي حُفْرَةِ البِلَا
فَكُلٌ يُجَازَي بِالذِي كَانَ يَكْسِبُ
مَآكِلُ مَا تَحْتَاجُ مِنْهَا لِقُوتِنَا … شَبِيْهُ حَرَامِ وَالسَّمِيْعُ لِصَوْتِنَا
يُجَازِي بِعَدْلٍ لا مَفَرَّ لِفَوْتِنَا … إِذَا كَانَ هَذَا حَالُنَا بَعْدَ مَوْتِنَا
فَكَيْفَ يَطِيْبُ اليَومَ أَكْلٌ وَمَشْرَبُ
وَقُدَّامُنَا َقَبْرٌ بِهِ المَرْءُ أَلْكَنُ … وَلَوْ أَنَّهُ سَحْبانُ مَأَثمَّ أَلْسَنُ
وَكَيْفَ رَبَتْ مِنَّا لُحُومٌ وأَعْكُنُ … وَكَيْفَ يَطِيْبُ العَيْشُ وَالقَبْرُ مُسْكَنُ
بِهِ ظُلُمَاتٌ غَيْهَبٌ ثُمَّ غَيْهَبُ
وَخَوْفٌ بِهِ حَزْنٌ طَوِيْلٌ وَرَعْشَةٌ … وَلَيْتَكُ تَسْلَمْ لا يُصِيْبُكَ نَهْشَةٌ
وَمُنْكَرٌ إِذْ يَسْأَلْ يَهلْك وَدَهْشَةٌ … وَهَولٌ وَدِيْدَانٌ وَرَوْعٌ وَوَحْشَةٌ
وَكُلُّ جَدِيْدٍ سَوْفَ يَبْلَي وَيَذْهَبُ
وَمِنْ بَعْدِ ذَا يَومٌ وَإِنَّ حِسَابَهُ … أَلِيْمٌ مَهُوْلٌ مُفْزِعٌ وَعِقَابُهُ
عَظِيمٌ لِعَاصٍ مَا أَشَدَّ عَذَابَهُ …
стр. 964
فَيَا نَفْسُ خَافِي الله وَارْجِيْ ثَوَابَهُ
فَهَادِمُ لَذَّاتِ الفَتَى سَوْفَ يَقْرُبُ
فَيَأْخُذُ أَطْفَالاً وَيَأْخُذُ رِمَّةً … وَيَأْخُذُ شُبَّابًا وَيَهْدِمُ نِعْمَةَ
فَخَلِي بُنَيَّاتِ الطَّرِيْقِ وَعَسْمَةً … وَقُوْلِي إِلهي أَوْلنِي مِنْكَ رَحْمَةً
وَعَفْوًا فَإِنَّ الله لِلْذَّنْبِ يُذْهِبُ
وَخُذْ بِيَدِي نَحْوَ الطَّريْقِ المُحَمَّدِي … وَكُنْ بِي رَحِيْمًا وَاسْتَقِمْ بِي عَلى الهُدَي
وَلا تُخْزِنِي في الحَشْرِ واطْلِقْ مُقَيَّدِي … وَلا تُحْرِقَنْ جِسْمِي بِنَارِكَ سَيِّدِي
فَجِسْمِي ضَعِيْفٌ وَالرَّجَا مِنْكَ أَقْرَبُ
وُجُوْدُكَ مَنَّانِي ولو كنت أَحْقَرَا … وَعَفْوَكَ رَجَّا مَنْ هَفَا وَتَقَحْطَرَا
وَإِنَّي وإنْ كنت البَعِيْدَ ومِنْ وَرَى … فَمَالِي إِلاَّ أَنْتَ يَا خَالِقَ الوَرَى
عَلَيْكَ اتِّكَالِي أَنْتَ لِلْخَلْقِ مَهْرَبُ
وَأَنْتَ مَلاذٌ لِلْوَرَى فِي رُجُوْعِهَا … مُجِيْبٌ لمن يَدْعُو بِهَامِي دُمُوعِهَا
فَتَرْجُوكَ تَسْمَعْ مِنْ صَمِيْمِ سَمِيْعِهَا … وَنَدْعُوا بِغُفْرَانِ الذُنُوبِ جَمِيْعِهَا
وَخَاتِمَةِ العُمْرِ التِي هِي أَطْلُبُ
وَأَسألُ طُوْلَ الدَّهْرِ مَا نَاءَ طَارِقُ … وَصَلِ إِلهي كُلَّ مَا نَاضَ بَارِقُ
وَما طَلَعَتْ شَمْسٌ ومَا لاحَ كَوْكَبُ
وَمَا حَنَّ رَعْدٌ فِي دَيَاجِي لَيَالِهِ … وَمَا انْهَلَّ سَارٍ مُغْدِقٍ مِنْ خِلالِهِ
وَمَا أمَّ بَيْتَ الله من كلِّ وَالِهِ … على أَحْمَدِ الطُّهْرِ النَّذِيْرِ وآلِهِ
فَهُوْ خَيْرُ أَهْلِ الأَرْضِ طُرًا وَأَطْيَبُ
وَأَكْمُل مَن حَلَّ الصَّفَا وَالمُحَصَّبَا … وَأَحْلاهُمُوا خَلْقًا وخُلْقًا وَمَنْصِبَا
وَأَصْحَابِهِ ما اخْضَرَّ عُوْدٌ وأَخْصَبَا …
стр. 965
كَذَاكَ سَلامُ الله مَا هَبَّتِ الصِّبَا
وَهَبَّتْ شَمالٌ مَع جَنُوبٍ وَهَيْدَبُ
آخر:
إِلى كَمْ تَمَادَى فِي غُرُوْرٍ وَغَفْلَةٍ … وَكَمْ هَكذا نومٌ إِلى غَيْرِ يَقظةِ
لَقَدْ ضَاعَ عُمْرٌ سَاعَةٌ مِنْه تُشْترى … بِمِلءِ السَّمَا وَالأَرْضِ أَيَّةَ ضَيْعَةِ
أَيُنْفَقُ هذا في هَوَى هذه اللَّتِي … أَبَى الله أنْ تُسْوَي جَنَاحَ بَعوضَةِ
أَتَرْضَي مِن العَيْشِ الرَّغِيْدِ وَعِيْشَةٍ … مَعْ الملأَ الأَعْلَى بِعَيشِ البَهِيْمَةِ
فيادُرَّة بَيْنَ المَزَابِلِ أُلْقِيَتْ … وَجَوْهَرَةً بيْعَتْ بِأَبْخَسِ قِيْمَةِ
أَفَانٍ بِبَاقٍ تَشْتَرِيْهِ سَفَاهَةً … وَسُخْطًا بِرضوَانٍ وَنَارًا بِجَنةِ
أَأَنْتَ صَدِيقُ أَمْ عَدوٌ لِنَفْسِهِ … فَإِنَّكَ تَرْمِيْهَا بِكُلِّ مُصِيْبَةِ
وَلَو فَعَلَ الأَعْدَا بِنَفْسِكَ بَعْضَ مَا … فَعَلْتَ لَمَسَّتْهُم لَهَا بَعْضُ رَحْمَةِ
لقد بِعْتَهَا هَوْنًا عَلَيْكَ رَخيْصَةً … وَكَانَتْ بِهَذَا مِنْكَ غَيْرَ حَقِيْقَةِ
أَلا فاسْتَفِقْ لا تَفْضَحَنْهَا بِمَشْهَدٍ … من الخَلْقِ إن كُنْتَ ابنَ أُمٍّ كَرِيْمَةِ
فَبَيْنَ يَدَيْهَا مَشْهَدٌ وَفَضِيْحَةٌ … يُعَدُّ عَلَيْهَا كلُّ مِثْقَالِ ذَرَّةِ
فُتِنْتَ بها دُنْيَا كَثِيْرٍ غُرُوْرُهَا … تُعَامِلُ في لَذَّتِهَا بِالخَدِيْعَةِ
إِذَا أَقْبَلَتْ بَذَّتْ وَإِنْ هِي أَحْسَنَتْ … أَسَاءَتْ وَإِنْ ضَاقَتْ فَثِقْ بالكُدوْرَةِ
وَإِنْ نِلْتَ مِنْهَا مَالَ قَارُوْنَ لَمْ تَنَلْ … سِوَى لُقْمَةٍ في فِيْكَ مِنْهَا وَخِرْقَةِ
وَهَيْهَاتَ تُحْظَى بالأماني وَلَمْ تَكُنْ … لِتَنْزِعَهَا مِن فِيْكَ أَيْدِي المنيَّةِ
فَدَعْهَا وأَهْليْهَا لِتَغْبِطَهُمْ وَخُذْ … لِنَفْسِكَ عنها فهو كُلُّ غَنِيْمَةِ
وَلا تغْبِطْ مِنْهَا بِفَرحَةِ سَاعَةٍ … تَعُوْدُ بِأَحْزَان عَلَيْكَ طَوِيْلَةِ
فَعَيْشُكَ فِيْهَا أَلْفُ عَامِ وَتَنْقَضِي …
стр. 966
كَعَيشِكَ فِيْهَا بَعْضُ يَوْم وَلَيْلَةِ
آخر:
أَبَادَ ذَا المَوْتُ أَمْلاكًا وَمَا مَلَكَوْا … وَدَارَ مُسْتَعْقِبًا عَليهِمُ الفَلَكُ
رَمَي بِهِم حَيْثُ لا قِيْعَانَ تُمْسِكُهُمْ … وَلا مِرَارًا بِهَا المَرْميُّ يَمْتَسِكُ
هَوَتْ هُوِىَّ ثَقِيْل الصَّخْرِ أمُّهُمُ … فَلا حَسِيْسَ وَلا رِكزٌ وَلا حَرَكُ
غَدَتْ رُءُوِسُهُمْ من تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ … وَزُلْزِلَتْ بِهِم الأَطْباقُ وَالدَّرَكُ
يَا بَطْشَةً مِن حَكِيْمٍ مَا بِهَا مَهَلٌ … وَغَضْبَةً مِنْ عَزِيْز مَا بِهَا دَرَكُ
جُرُّوْا مِن اللَّهْوِ مَلاي مِنْ أَعِنَّتِهِمْ … حَتَّى إِذَا ما رَأَوْا خَيْلَ الرَّدى بَرَكُوْا
حُطُّوْا بِدَارِ البِلَى في مَنْزِلٍ حَرِجٍ … وَلَيْتَهُمْ وَيْحَهُمْ فِيْهِنَّ لَوْ تُرِكُوا
لَطَالَمَا نَقَضُوا مُلْكًا وَمَا هَدَمُوْا … عِزًّا وَمَا هَتَكُوا سِتْرًا وما فَتَكُوْا
مَرَّوا وَما بَلَغُوْا كُلَّ الذي طَلَبُوْا … وَلا قَضَوْا وَطَرًا مِن كُلَّ ما تَرَكُوْا
أَضْحَاهُمُ اليَومَ صَرْفُ الدَّهرِ إِذْ هَلَكُوا … كَمَا أَضَلَّهُم بِالأَمْسِ إِذْ مَلَكُوا
اللهم أنك تعلم سرنا وعلانيتنا وتسمع كلامنا وترى مكاننا لا يخفي عليك شيء من أمرنا نحن البؤساء الفقراء إليك المستغيثون المستجيرون بك نسألك أن تقيض لدينك من ينصره ويزيل ما حدث من البدع والمنكرات ويقيم علم الجهاد ويقمع أهل الزيغ والكفر والعناد ونسألك أن تغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 967
فصل
وفي بعض الخطب المروية: أيها الناس إن الأمال تطوى والأعمار تفنى والأبدان تحت التراب تبلى وإن الليل والنهار يتراكضان كتراكض البريد، ويقربان كل بعيد ويبليان كل جديد.
وفي ذلك عباد الله ما يلهي عن الشهوات، ويسلي عن اللذات، ويرغب في الباقيات الصالحات.
وخطب آخر فقال: أيها الناس إن الله كتب على الدنيا الفناء وعلى الآخرة البقاء، فلا فناء لما كتب الله عليه البقاء، ولا بقاء لما كتب الله عليه الفناء، فلا يغرنكم شاهد الدنيا عن غائب الآخرة، واقهروا طول الأمل بقصر الأجل.
وقال بعض العلماء: لا تبت على غير وصية، وإن كنت من جسمك في صحة، ومن عمرك في فسحة، فلا تأمن من هجوم هادم اللذات ومفرق الجماعات.
وقال عبد الله بن مسعود ﵁ ما منكم من أحد إلا وهو ضيف، وما له عارية، فالضيف مرتحل والعارية مردودة.
وقال أحد الحكماء: ليس الدين من عوض، ولا من الإيمان بدل، ولا من الجسد خلف، ومن كانت مطيته الليل والنهار، فإنه يسار به وإن لم يسر.
وقال آخر: أيها الناس إن سهام الموت قد فوقت إليكم فانظروها، وحبالة الأمل قد نصبت بين أيديكم فاحذروها وفتن الدنيا قد أحاطت بكم من كل جانب فاتقوها.
стр. 968
ولا تغتروا بما أنتم فيه من حسن الحال فإنه إلى زوال، ومقيمه إلى ارتحال وممتده إلى تقلص واضمحلال، أما تسمعون أيها الناس لما توعظون به، أما تعتبرون بما إليه تنظرون، أما تفكرون فيما عنه تزولون وفيما إليه ترجعون، وعليه تقدمون.
أين من تقدمكم وكان قبلكم ممن أمل أملكم وسعى سعيكم وعمل عملكم أين الذين بنوا المدائن وملئوا الخزائن واستعدوا لما هو عندهم كائن، أين الذين غرسوا في روضة الملك ونظموا الآمال في سلك، وهتكوا حجبها أيما هتك وكانوا في ظاهر أعمالهم في ريب من الزمان وفي شك.
اللهم إنا نسألك قلبا سليما، ولسانا صادقا، وعملا متقبلا، ونسألك بركة الحياة وخير الحياة، ونعوذ بك من شر الحياة، وشر الوفاة.
اللهم ثبت قلوبنا على دينك وألهمنا ذكرك وشكرك واختم لنا بخاتمة السعادة واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 969
فصل
وقال ﵀ واعلم أن لسوء الخاتمة أعاذنا الله منها أسبابا ولها طرق وأبواب أعظمها الاقبال والإكباب على الدنيا، والإعراض عن الآخرة، والإقدام بالمعصية على الله جل وعلا وتقدس.
وربما غلب على الإنسان ضرب من الخطيئة ونوع من المعصية وجانب من الإعراض عن الله والدار الآخرة، ونصيب من الافتراء، فملك قلبه وسبى عقله وأطفأ نوره، وأرسل عليه حجبه.
فلم تنفع فيه تذكرة، ولا نجعت فيه موعظة، فربما جاء الموت على ذلك فسمع النداء من مكان بعيد فلم يتبين المراد ولا علم ما أراد، وإن أعاد عليه وأعاد.
ويروى أن أحد رجال الناصر بن علناس، نزل به الموت فجعل ابنه يقول له: قل لا إله إلا الله فقال الناصر يا مولاي، فأعاد عليه، فأعاد ثم أصابته غشية فلما أفاق منها قال الناصر أمولاي، ثم قال لابنه يا فلان الناصر إنما يعرفك بسيفك فالقتل ثم القتل ثم مات.
وقيل لآخر قل لا إله إلا الله عندما نزل به الموت فقال الدار الفلانية أصلحوا فيها كذا، والجنان الفلانية افعلوا فيها كذا، وقيل لرجل نزل به الموت قل لا إله إلا الله فجعل يقول بالفارسية ده يا ازده دوازده تفسير عشرة أحد عشر إثنا عشر كان هذا الرجل من أهل العمل والديوان فغلب عليه الحساب والميزان.
وقيل إن رجلا نزل به الموت فقيل له قل لا إله إلا الله فجعل يقول:
يا رُبَّ قَائِلةٍ يَوْمًا وَقَدْ تَعِبَتْ …
стр. 970
أَيْنَ الطَّرِيْقُ إِلى حَمام مَنْجَابِ
وهذا الكلام فيه قصة وذلك أن رجلا كان واقفا على باب داره وكان باب داره يشبه باب الحمام فمرت امرأة لها رونق ومنظر خلاب وهي تسأل عن طريق حمام منجاب.
فقال لها هذا حمام منجاب وأشار إلى داره فدخلت داره ودخل وراءها فلما رأت نفسها معه في داره، وليست بحمام علمت أنه خدعها فاحتالت عليه بأن أظهرت له الفرح والبشر باجتماعها معه على تلك الخلوة في تلك الدار.
وقالت ينبغي أن يكون عندنا ما يطيب به الاجتماع وتقر به عيوننا ففرح وقال الساعة آتيك بكل ما تريدين وما تشتهين. وخرج وتركها في الدار، وظن أنه أغلق عليها الباب، ومضى وأتى بما يصلح لهما ورجع ودخل الدار فوجدها قد خرجت وذهبت ولم يجد لها أثر.
فهام الرجل بها وذهبت بلبه فأكثر الذكر لها والحزن والجزع عليها وجعل يمشي في الطرق ويقول:
يا رُبَّ قَائِلةٍ يَوْمًا وَقَدْ تَعِبَتْ … أَيْنَ الطَّرِيْقُ إِلى حَمام مَنْجَابِ
ومر من عند بيتها وهو ينشد هذا البيت وإذا بها تجاوبه من داخل دارها وتقول بصوت سمعه:
هَلاَّ جَعَلْتَ سَرِيْعًا إِذَا ظَفِرْتَ بِهَا … حِرْزًا عَلَى الدَّارِ أَوْ قُفْلاً عَلَى البِاب
إِنْ يَنْفَذَ الرِّزْقُ فَالرَّزَاقُ يَخْلِفُهُ … وَالعِرْضُ مِنْ أَيْنَ يَا مَغْرُوْرُ يُنْجَابُ
فلما سمع ذلك جعل يردد ذلك ومات
وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله فجعل يهذي بالغناء وقال: وما ينفعني ما
стр. 971
تقول ولم أدع معصية إلا ركبتها ثم مات.
وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله فقال: وما يغني عني وما أعلم أني صليت لله صلاة ثم مات ولم يقلها.
وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله فقال: هو كافر بما تقول ومات.
وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله فقال: كلما أردت أن أقولها فلساني يمسك عنها.
وقال ابن القيم ﵀ أخبرني من حضر بعض الشحاذين عند الموت فجعل يقول لله فليس، لله فليس فمات.
وأخبرني أحد التجار عن قريب له احتضر وهو عنده فجعلوا يلقنونه لا إله إلا الله وهو يقول هذه القطعة رخيصة هذا مشتري جيد.
وسبحان الله كم شاهد الناس من هذا عبرا والذي يخفى عليهم من أحوال المحتضرين أعظم.
وإذا كان العبد في حال حضور ذهنه وقوته وكمال إدراكه قد تمكن منه الشيطان واستعمله بما يريده من المعاصي.
وقد أغفل قلبه عن ذكر الله تعالى وعطل لسانه عن ذكره وجوارحه عن طاعته فكيف الظن به عند سقوط قواه واشتغال قلبه بما هو فيه من ألم النزع.
وجمع الشيطان له كل قوته وهمته وحشد عليه بجميع ما يقدر عليه لينال منه غرضه فإن ذلك آخر العمل.
فأقوى ما يكون عليه الشيطان ذلك الوقت وأضعف ما يكون هو في تلك الحالة أي حالة نزع الروح
فمن ترى يسلم على ذلك فهنالك ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ
стр. 972
الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ فكيف يوفق لحسن الخاتمة من أغفل الله قلبه عن ذكره واتبع هواه وكان أمره فرطا.
فبعيد من قلب بعيد من الله غافل عنه متعبد هواه مصيره لشهواته ولسانه يابس من ذكره وجوارحه معطلة من طاعته مشتغلة بمعصيته فبعيد أن يوفق لحسن الخاتمة، انتهى كلامه ﵀.
ونقل عن شارب الدخان أنه كلما قيل له قل لا إله إلا الله قل تتن حار تتن حار.
ونقل عن بقال أنه كان يلقن عند الموت كلمتي الشهادتين فيقول خمسة ستة أربعة فكان مشغولا بالحساب الذي طال له إلفه فغلب على لسانه ولم يوفق للشهادتين والعياذ بالله.
ويخشى على صاحب المعاصي والمنكرات ومتخذي الآت اللهو من شطرنج وأعواد وأوراق لعب وبكمات واسطوانات وكرة ومذياع وتلفزيون وفيديو وسينما وصور ذوات الأرواح أن يكون مشغولا بها في آخر لحظة من حياته فيكون ختام صحيفته والعياذ بالله ما نطق به لسانه من ما يأتي فيها من المنكرات من أغانِ وصور وتمثيليات ونحو ذلك نسأل الله أن يعصمنا وإخواننا المسلمين منها.
وقال ﵀ واعلم أن سوء الخاتمة أعاذنا الله وإياك وجميع المسلمين منها لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، وإنما تكون لمن كان له فساد في العقل وإصرار على الكبائر وإقدام على العظائم.
стр. 973
فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة ويثب عليه قبل الإنابة ويأخذه الموت قبل إصلاح الطوية فيختطفه الشيطان عند تلك الدهشة والعياذ بالله ثم العياذ بالله أن يكون لمن كان مستقيما لم يتغير عن حاله ولم يخرج عن سنته.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ الآية وقد سمعت بقصة بلعام بن باعوراء وما آتاه الله من آياته وأطلعه عليه من بيناته أخلد إلى الأرض واتبع هواه فسلبه الله سبحانه جميع ما أعطاه وتركه مع من استماله وأغواه.
واعلم رحمك الله أن أمر الخاتمة وما يحذر من سوئه أمر إذا ذكر حقيقة ذكره انفطرت له القلوب وتصدعت له الأكباد وتقطعت.
ولولا أن الله جل وعلا حدد الآجال لزهقت الأنفس عند أول ذكره ولكنها مربوبة مدبرة مقهورة مصرفة تخرج إذا أذن لها في الخروج وتلج إذا أذن لها في الولوج.
وما يمنع القلوب من الانشقاق والانصداع والانفطار والانقطاع والذي يلقى المختوم له بسوء الخاتمة عذاب لا تقوم له السموات والأرض لشدته ولا آخر لمدته.
وما منا أحد إلا ويخاف أن يكون ممن يختم له بسوء الخاتمة، وما الذي أمنه منه، والخاتمة مغيبة، والعاقبة مستورة، والأقدار غالبة والنفس كما ترى، والشيطان منها بحيث تدري.
وهي مصغية ومستمعة إليه قال الله ﵎: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ
стр. 974
بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] فهي ملتفتة نحو الشيطان ومقبلة عليه.
هِي النَّفْسُ إِنْ تَنْظُر إلى الحقِ نَظْرَةً … فَإِنَّ لَهَا فِي غَيْرِهِ نَظَرَاتِ
وَإِنْ نَهَضَتْ يَوْمًا إِلى الله نَهْضَةً … فَإِنَّ لها عَنْهُ غَدًا نَهَضَاتٍ
إِلى الله أَشْكُوْهَا فَبِاللهِ حَوْلُهَا … وَبِاللهِ تَمْضِي في الأُمُورِ وتَاتِي
ورد في الخبر عن النبي ﷺ أنه "إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة، وإنما الأعمال بالخواتيم".
وقال ﵀ فيا لله كم من مجر ذيل إعجابه متطاول على أصحابه، متعاظم على أقرانه وأترابه، تجمع له الأماني وترتاح له الغواني إن بصر لا يستبصر وإن أمر لا يأتمر، وإن زجر لا ينزجر، ويفرح ويمرح، ويبيت من دنياه مثل ما أصبح، قد أبدأ في أمره وأعاد، وأحكم غيه وضلاله فأجاد وأشاد من أمله ما أشاد.
حتى إذا نال مراده أو كاد، صاحت به المنية صيحة الغضبان وصدمته صدمة اللهفان، فهدت أركانه وكسرت أغصانه، وفرقت أنصاره وأعوانه، فأصبح قد باع النفيس بالدون ومضى يعض بنانه المغبون ولم يرح بنائل ولا حصل على طائل.
فيالله كم هناكم من ملك جبار طويل النجاد رفيع العماد عظيم الأجناد كثير الأمداد، قد ملك البلاد، وقهر العباد، ووصل من دنياه إلى كثير مما أراد.
قعد ونهض وأبرم ونقض وجعل أمره المفترض، وطالما حرق وهدم وكسر، وحطم وزلزل ودمدم، واسترحم فلم يرحم ومضى على ما شاء من رأيه وصمم.
стр. 975
بنى المدائن والحصون وأكثر من ماله المخزون واستعد في رأيه لما قد يكون أو لا يكون حتى إذا استحكمت له الأمور، وأطال الفرح والسرور، وزخرف الفلل والقصور، وظن أنه قد ساعده فيما بقي من أمله المقدور، قلبت له الدنيا ظهر المجن وكسته من خطبها ومصائبها ما أجن وأذهل الفطن، وسقته من كربها ما يسكر به ويجن.
نظرت بعينها الشوساء إليه، وقبضت ما كان في يديه، وأتت بنيانه من قواعده فألقته عليه، فأصبح وقد هدم ذلك البنيان، وسقط ذلك الإيوان، وتبددت تلك المقاتلة والفرسان، وتفرقوا شذر مذر بكل مكان، وأصبح كل ما كان كأنه ما كان.
وقيل ملك في سالف الزمان ملك يقال له فلان بن فلان، ولم يحصل على شيء مما ملك من البلاد ولا ما أدخر من المال وأعد من العتاد إلا على حنوط وكفن، وحفرة ضيقة العطن يحتبس فيها ويرتهن، بكل ما عمل من قبيح أو حسن.
فَمَا تَزَوَّدَ ممَّا كَانَ يجمَعُه … سِوَى حَنُوطٍ غَدَاةَ البَيْنِ في خِرَقِ
وَغَيْرَ نَفْخَةِ أَعْوادٍ تُشَبُّ لَهُ … وَقَلَّ ذَلِكَ مِن زَادٍ لِمنْطَلِقِ
стр. 976
(فصل في بيان الاستغناء بالوحي المنزل من السماء عن تقليد الرجال والآراء)
يَا طَالبَ الحَقِّ المُبِيْنِ وَمُؤْثِرًا … عِلْمَ اليَقِيْنِ وَصِحَّةَ الإِيْمَانِ
اسْمَعْ مَقَالَةَ نَاصِحٍ خَبْرَ الذي … عِنْدَ الوَرَى مُذْ شَبَّ حَتَّى الآنِ
مَا زَالَ مُذْ عَقَدَتْ يَدَاهُ إِزَارَهُ … قَدْ شَدَّ مِيْزَرَهُ إِلى الرَّحمنِ
وَتَخلُلُ الفَتَراتِ لِلْعَزمَاتِ … أَمْر لازِم لِطَبِيْعَةِ الإِنْسَانِ
وَتَولُدُ النُّقْصَانِ مِن فَتَراتِهِ … أَوْ لَيْسَ سَائِرُنَا بَنِي النُّقْصَانِ
طَافَ المذاهبَ يَبْتَغِي نُوْرًا … لِيَهْدِيْهِ وَيُنْجِيْهِ مِن النِّيرَانِ
وَكَأنهُ قَدْ طَافَ يَبْغِي ظُلْمَةَ … اللَّيْلِ البَهِيْمِ وَمَذْهَبَ الجيْرَانِ
وَاللَّيْلُ لا يَزْدَادُ إِلا قُوَّةً … وَالصُّبْحُ مَقْهُورَ بِذِي السُّلْطانِ
حَتَّى بَدَتْ فِي سِيْرهِ نَارٌ عَلَى … طُوْرِ المدِيْنَةِ مَطْلَعِ الإِيْمَانِ
فَأَتى لِيَقْبِسَهَا فَلَمْ يُمْكِنْهُ مَعْ … تِلْكَ القُيُودِ مَنَالُهَا بِأَمَانِ
لَوْلا تَدَارَكَهُ الإِلَهُ بِلُطْفِهِ … وَلَّى على العَقِبَيْنِ ذَا نُكْصَانِ
لكن تَوقفَ خَاضِعًا مُتَذِلِّلاً … مُسْتَشْعِرَ الإِفْلاسِ مِن أَثْمَانِ
فَأَتاهُ جُنْدٌ حَلَّ عَنْهُ قُيُوْدُهُ … فَامْتَدَّ حِيْنَئِذٍ لَهُ البَاعَانِ
وَاللهِ لَوْلا أَنْ تُحَلَّ قُيُودُهُ … وَتَزُوْلَ عَنْهُ رِبْقَةُ الشَّيْطَانِ
كان الرُقيُّ إلى الثُريَا مُصْعِدًا … من دُونِ تِلْكَ النَّارِ في الإِمْكَانِ
فَرَأَى بِتْلَكَ النَّارِ آطَامَ المَديْنَةِ … كالخَيامِ تَشُوْفُهَا العَيْنَانِ
وَرَأَى عَلَى طُرُقَاتِهَا الأَعْلامَ قَدْ … نُصِبَتْ لأَجْلِ السَّالِكِ الحَيْرَانِ
стр. 977
وَرَأَى هُنَالِكَ كُلَّ هَادٍ مُهْتَدٍ … يَدْعُو إلى الإِيمانِ وَالإِيْقَانِ
فَهُنَاكَ هَنَّأ نَفْسَهُ مُتَذَكِرًا … مَا قَالَهُ المُشْتَاقُ مُنْذُ زَمَانِ
وَالمُسْتَهامُ عَلَى المَحَبةِ لَمْ يَزَلْ … حَاشَا لِذِكْرَاكُمْ مِن النِّسْيَانِ
لَو قِيْلَ مَا تَهَوَى لَقَالَ مُبَادِرًا … أَهَوَى زِيَارَتَكُم عَلَى الأَجْفَانِ
تَاللهِ إِنْ سَمَحَ الزَّمَانُ بِقُرْبِكُم … وَحَلَلْتُ مِنْكُم بِالمحَلِ الدَّانِي
لأُعَفِّرَنَّ الخَدَّ شُكْرًا في الثَّرَى … وَلأكْحُلَنَّ بِتُرْبِكُم أَجْفَانِي
إنْ رُمْتَ تُبْصِرُ مَا ذَكَرْتُ فَغُضَّ طَرْ … فَا عَن سِوَى الآثَارِ والقُرْآنِ
وَاتْرُكْ رُسُومَ الخَلْقِ لا تَعْبَأْ بِهَا … في السَّعْدِ مَا يُغْنِيْكَ عَن دَبَرانِ
حَدّقْ بِقَلْبِكَ في النُصُوصِ كَمِثْلِ مَا … قَدْ حَدَّقُوا في الرَّأي طُوْلَ زَمَانِ
وَاكْحُلْ جُفُونَ القَلْبِ بالوَحْيَيْنِ … وَاحْذَرْ كُحْلَهُمْ يَا كَثْرةَ العُمْيَانِ
فَاللهِ بَيَّنَ فِيْهَا طُرْقَ الهُدَى … لِعِبَادِهِ في أَحْسَنِ التَّبْيَانِ
لَمْ يُخْرِجْ اللهُ الخَلائِقَ مَعْهُمَا … لِخَيَالِ فَلْتَانٍ وَرَأَي فُلانِ
فَالوَحْيُّ كَافٍ لِلَّذِي يَعْنِي بِه … شَافٍ لِدَاءِ جَهَالِةِ الإِنْسَانِ
وَتَفَاوُتُ العُلُمَاءِ في أَفْهَامِهِم … لِلوَحْي فَوْقَ تَفَاوُتُ الأَبْدَانِ
وَالجَهْلُ دَاء قَاتِل وَشِفَاؤُه … أَمْرَانِ في التَّركِيْبِ مُتَّفِقَانِ
نَصٌ مِنَ القُرآنِ أَوْ مِنْ سُنَّةٍ … وَطَبِيْبُ ذَاكَ العَالِمُ الرَّبَانِي
وَالعِلْمُ أَقْسَامٌ ثَلاث مَالَهَا … مِن رَابِعٍ وَالحَقُ ذُوْ تِبْيَانِ
عِلْمٌ بِأَوْصَافِ الإِلهِ وفِعْلِهِ … وَكَذَلِكَ الأَسْمَاءُ لِلَّرحمنِ
وَالأَمْرُ والنَّهْيُ الذِي هُو دِيْنُهُ … وَجَزَاؤُهُ يَوْمَ المَعَادِ الثَّانِي
وَالكُلُّ في القُرآنِ وَالسُّنَنِ التي … جَاءَتْ عَنْ المبْعُوثِ بِالفُرْقَانِ
стр. 978
والله مَا قَالَ امْرُؤ مُتَحَذْلِقٌ … بِسِوَاهُمَا إِلا مِن الهَذَيانِ
إِنْ قُلْتُم تَقْرِيْرُهُ فَمُقَرَّرٌ … بِأَتَّم تَقْرِيرِ مِن الرَّحمنِ
أَوْ قُلْتُمُ إِيْضَاحُهُ فَمُبَيَّن … بِأَتمَّ إِيْضَاحٍ وَخَيْرِ بَيَانِ
أَوْ قُلتُم إِيْجازُهُ فَهْوَ الذِي … فِي غَايَةِ الإِيْجَازِ وَالتِّبْيَانِ
أَوْ قُلتُم مَعْنَاهُ هَذَا فاقْصُدُوْا … مَعْنَى الخِطابِ بِعَيْنِهِ وَعِيَانِ
أَوْ قُلتُم نَحْنُ التَّراجُمُ فَاقْصُدُوْا … المَعَنْىَ بِلا شَططٍ وَلا نُقْصَانِ
أَوْ قُلتُم بِخِلافِهِ فَكَلامَكَمْ … في غَايِةِ الإِنْكارِ وَالبُطْلانِ
أَوْ قُلتُم قِسْنَا عَلَيْهِ نَظِيْرَهُ … فَقِيَاسُكُم نَوْعَانِ مُخْتَلِفَانِ
نَوعٌ يُخَالِفُ نَصَّهُ فَهْوَ المُحَا … لُ وَذَاكَ عِنْدَ اللهِ ذُو بُطْلانِ
وَكَلامُنا فِيه وَلَيْسَ كَلامُنَا … في غَيْرِهِ أَعْنِيْ القِيَاسَ الثَّانِي
ما لا يُخَالِفُ نَصَّهُ فَالناسُ قَد … عَمِلُوا بِه في سَائِرِ الأَزْمَانِ
لَكِنَّهُ عِنْدَ الضَّرُوْرَةِ لا يُصَا … رُ إِليهِ بَعْدَ ذا الفُقْدَانِ
هذا جَوابُ الشَّافِعي لأَحْمَدٍ … للهِ دَرُكَ مِن إِمَامِ زَمَانِ
وَالله مَا اضْطَرَ العِبَادُ إِليْهِ … فِيْمَا بَيْنَهُم مِنْ حَادِثِ بِزَمَانِ
فَإِذَا رَأَيْتَ النَّصَ عَنْهُ سَاكِتًا … فَسُكُوتُه عَفْوٌ مِن الرَّحمنِ
وَهوَ المُبَاحُ إِبَاحَةَ العَفْوِ الذِي … مَا فيه من حَرِجٍ ولا نُكْرَانِ
فَأَضِفْ إِلى هَذَا عُمُوْمَ اللَّفْظِ … وَالمَعْنَى وَحُسْنَ الفَهْمِ في القُرْآنِ
فَهُنَاكَ تُصْبِحُ في غِنى وَكَفايَةٍ … عَن كُلِّ ذِي رَأَي وذِي حُسْبَانِ
وَمُقَدَّرَاتُ الذُهْنِ لم يُضْمَنْ لَنَا … تِبْيَانُهَا بِالنَّصِ وَالقُرْآنِ
وَهي التِي فِيْهَا اعْتِرَاكُ الرَّأي مِن … تَحْتِ العَجَاجِ وَجَوْلَةِ الأَذْهَانِ
стр. 979
لَكِنْ هُنَا أَمْرَانِ لَوتمَّا لما … احْتَجْنَا إِليه فَحَبَّذَا الأَمْرَانِ
جَمْعُ النُصُوصِ وَفَهْمُ مَعْنَاهَا المُرا … دَ بِلَفْظِهَا وَالفَهْمُ مَرْتَبَتَانِ
إِحْدَاهُمَا مَدْلُولُ ذَاكَ اللَّفْظ … وَضْعًا أو لُزُومًا ثُمَّ هَذَا الثَّانِي
فِيهِ تَفَاوتَتِ الفُهُومُ تَفَاوُتًا … لم يَنْضَبِطْ أَبدًا لَهُ طَرَفَانِ
فَالشيءُ يَلْزَمُهُ لَوَازِمُ جَمَّةٌ … عِنْدَ الخَبِيْرِ بِهِ وَذِيْ العِرْفَانِ
فَبِقَدْرِ ذَاكَ الخُبْرُ يُحْصَى مِن لَوا … زِمِهِ وهذا وَاضِحُ التِّبْيَانِ
وَلِذَاكَ مَن عَرَفَ الكِتَابَ حَقِيْقَةً … عَرَفَ الوُجُودَ جَمِيْعَهُ بِبَيَانِ
وَكَذَاكَ يَعْرِفُ جُمْلَةَ الشَّرْعِ الذِي … يَحْتَاجُهُ الإِنْسَانِ كُلَّ زَمَانِ
عِلْمًا بِتَفْصِيْلٍ وَعِلْمًا مُجْمَلاً … تَفْصِيْلُهُ أَيْضًا بِوَحِي ثَانِ
وَكِلاهُمَا وَحْيَانِ قَدْ ضَمِنَا لَنَا … أَعْلَى العُلُومِ بِغَايَةِ التِّبْيَانِ
وَلِذَاكَ يُعْرَفُ مِن صِفَاتِ الله … وَالأَفْعَالِ وَالأَسْمَاءِ ذِي الأحْسَانِ
مَا لَيْسَ يُعْرفُ مِن كِتَابٍ غَيْرِهِ … أَبَدًا وَلا مَا قَالَتِ الثَّقَلانِ
وَكَذَاكَ يُعْرَفُ مِن صِفَاتِ البَعْثِ … بالتَّفْصِيْلِ وَالإِجْمَالِ في القُرْآنِ
مَا يَجْعَلُ اليَوْمَ العظيمَ مُشَاهَدًا … بِالقَلْبِ كالمَشْهُودِ رَأْي عَيَانِ
وَكَذَاكَ يُعْرفُ مِن حَقِيْقَةِ نَفْسِهِ … وَصِفَاتِهَا بِحَقِيْقَةِ العِرْفانِ
يَعْرِفْ لَوازِمَهَا وَيَعْرفُ كَوْنَهَا … مَخْلُوقَةً مَرْبوبَةً بِبَيَانِ
وَكَذاكَ يَعْرفُ مَا الذِي فِيْهَا من … الحَاجَاتِ وَالاعْدَامِ وَالنُّقْصَانِ
وكذاك يَعْرفُ رَبَّهُ وَصِفَاتِهِ … أَيْضًا بِلا مِثْلٍ وَلا نُقْصَانِ
وَهُنَا ثَلاثَةُ أَوْجُه فافْطَنْ لَهَا … إِنْ كُنْتَ ذَا عِلْمٍ وذَا عِرْفَانِ
بِالضِّدِ والأَوْلَى كَذَا بالامْتِنَا … عِ لِعْلِمِنَا بِالنَّفْسِ وَالرَّحمنِ
стр. 980
فَالضِّدُ مَعْرِفَةُ الإِلهِ بِضِدِ مَا … في النَّفْسِ مِن عَيْبٍ ومِن نُقْصَانِ
وَحَقِيْقَةُ الأولى ثُبُوتُ كَمَالِهِ … إِذْ كَان مُعْطِيْهِ عَلَى الإِحْسَانِ
(فصل في بيان شروط كفاية النصين والاستغناء بالوحيين)
وَكِفَايَةُ النَّصَيْن مَشْرُوْطٌ … بِتَجْرِيدِ التَّلِقي عَنْهُمَا لِمَعانِ
وَكَذاكَ مَشْرُوطٌ بِخَلْع قُيُودِهِمْ … فَقُيودُهَمْ غِل إلى الأَذْقَانِ
وَكَذَاكَ مَشْرُوْطٌ بِهَدْمِ قَوَاعِدٍ … ما أنْزلَتْ بِبَيَانِهَا الوَحْيَانِ
وَكَذَاكَ مَشْرُوْطٌ بِإِقْدَامِ عَلَى الآرَاءِ … إِن عَرِيَتْ عَنِ البُرْهَانِ
بِالرَّدِ وَالإِبْطَالِ لا تَعْبَأ بِهَا … شَيْئًا إِذَا مَا فَاتَهَا النَّصَانِ
لَولا القَوَاعِدُ وَالقُيُودُ وهَذِهِ … الآرَاءِ لاتَّسَعَتْ عَرَى الإِيْمَانِ
لَكِنَّها وَالله ضَيْقة العُرَى … فاحْتَاجَتِ الأيْدِي لِذاكَ تَوانِ
وَتَعَطَّلَتْ من أَجْلِهَا وَالله أَعْدَادَ … من النَّصَّيْنِ ذَاتِ بَيَانِ
وَتَضَمَّنَتْ تَقْيِيْدَ مُطْلَقِهَا وَإِطْلاقَ … المُقَيَّدِ وَهو ذُو مِيْزَانِ
وَتَضَمَّنَتْ تَخْصِيْصَ مَا عَمَّتْهُ … وَالتَّعْمِيْمَ لِلْمَخْصُوصِ بِالأَعْيَانِ
وَتَضَمَّنَتْ تَفْرِيْقَ ما جَمَعَتْ وَجَمْعًا … لِلَّذِي وَسَمَتْهَ بالفُرْقُانِ
وَتَضَمَّنَتْ تَضْيِيْقَ مَا قَدْ وَسَّعَتْهُ … وَعَكْسُهُ فَلْتَنْظُرِ الأَمْرانِ
وَتَضَمَّنَتْ تَحْلِيْلَ مَا قَدْ حَرَّمتْهُ … وَعَكْسُهُ فَلْتَنْظُرِ النَّوعَانِ
سَكَتَتْ وكَانَ سُكُوتُها عَفْوًا فَلَمْ … تَعف القَواعِدْ بِاتْسَاعِ بِطَانِ
وَتَضَمَّنَتْ إِهْدَارِ مَا اعْتِبُرَت كَذَا … بِالعَكْسِ والأَمْرَانِ مَحْذُوْرَانِ
стр. 981
وَتَضَمَّنَتْ أَيْضًا شُرُوطًا لَمْ تَكُنْ … مَشْرُوطَةً شَرْعًا بِلا بُرْهَانِ
وَتَضَمَّنَتْ أَيْضًا مَوانِعَ لم تَكُنْ … مَمْنُوعَةً شَرْعًا بِلا تِبْيَانِ
إِلا بِأقِيْسَةٍ وَآرَاءٍ وَتَقْلِيْدِ … بِلا عِلْمٍ أَو اسْتِحْسَانِ
عَمَّنْ أَتَتْ هَذِي القَوَاعِدُ … مِن جَمِيْعِ الصَّحْبِ والاتْبَاعِ بِالإِحْسَانِ
مَا أَسَّسُوا إِلا اتْبَاعَ نَبِيْهِم … لا عَقْلَ فَلْتَانٍ وَرَأْيَ فُلانِ
بِلا أَنْكَرُوا الآرَاءَ نُصْحًا مِنْهُم … لله وَالدَّاعِي وَلِلْقُرْآنِ
أَوْ لَيْسَ فِي خُلْفٍ بِهَا وَتَنَاقُضٍ … مَا دَلَّ ذَا لُبّ وَذَا عِرْفَانِ
وَالله لَوْ كَانَتْ مِن الرَّحمنِ ما اخْتَ … لَفَتْ وَلا انْتَقَضَتْ مَدَى الأَزْمَانِ
شُبَه تَهَافَتْ كَالزُجَاجِ تَخَالُهَا … حَقًّا وَقَدْ سَقَطَتْ عَلَى صِفْوَانِ
وَاللهِ لا يَرْضَى بِهَا ذُو هِمَّةِ … عَلْيَاءَ طَالبةً لِهَذَا الشَّأنِ
فَمَنَالهَا والله فِي قَلْبِ الفَتَى … وَثَبَاتُهَا في مَنْبَتِ الإِيْمَانِ
كالزَّرْعِ يَنْبُتُ حَوْلَهُ دَغَلٌ فَيَمْنَعُهُ … النَّما فَتَرَاهُ ذا نُقْصَانِ
وَكَذِلكَ الإِيْمَانُ في قَلْبِ الفَتَى … غَرْسٌ من الرَّحمنِ في الإِنْسَانِ
وَالنَّفْسُ تُنْبِتُ حَوْلَهُ الشَّهَواتِ … والشُّبُهات وهي كَثِيْرةُ الأَفْنَانِ
فَيَعُودُ ذَاكَ الغَرْسُ يَبْسًا ذاوِيًا … أو نَاقِصَ الثَّمَراتِ كُلَّ أَوَانِ
فَتَرَاهُ يَحْرِثُ دَائِبًا وَمَغَلُّهُ … نَزْرٌ وَذَا مِن أَعْظَمِ الخُسْرَانِ
وَالله لَو نَكَشَ النَّبَاتُ وكان ذا … بَصَرٍ لِذَاكَ الشَّوْكِ وَالسَّعْدَانِ
لأتَى كَأَمْثالِ الجِبَالِ مَغَلُّهُ … وَلَكَانَ أَضْعَافًا بِلا حُسْبَانِ
стр. 982
وقال رحمه الله تعالى:
يَا مَن يُريد وِلايةَ الرَّحمنِ دُوْنَ … وِلايةَ الشَّيْطَان وَالأَوْثَانِ
فَارِقْ جَمِيْعَ النَّاسِ في إِشْرَاكِهِم … حَتَّى تَنَالَ وِلايةَ الرحمنِ
يَكْفِيْكَ مَنْ وَسعَ الخَلائِقَ رَحْمَةً … وَكِفَايَةً ذُو الفَضْلِ وَالإِحْسَانِ
يَكْفِيْكَ مَنْ لَمْ تَخْلُ مِن إِحْسَانِهِ … في طَرْفَةٍ كَتَلَقُّبِ الأَجْفَانِ
يَكْفِيْكَ رَبٌّ لَمْ تَزَلِ أَلْطَافُهُ … تَأْتِي إِلِيْكَ بِرَحْمَةٍ وَحَنَانِ
يَكْفِيْكَ رَبٌّ لَمْ تَزَلْ فِي سَتْرِهِ … وَيَرَاكَ حِيْنَ تَجِيءُ بِالعِصْيَانِ
يَكْفِيْكَ رَبٌّ لَمْ تَزَلْ في حِفْظِهِ … وَوِقَايةٍ مِنْهُ مَدَى الأَزْمَانِ
يَكْفِيْكَ رَبٌّ لَمْ تَزَلْ في فَضْلِهِ … مُتَقَلِبًا في السِّرِ والإِعْلانِ
يَدْعُوْهُ أَهْلُ الأَرْضِ مَع أَهْلِ السَّمَا … ءِ فَكُلُّ يَوْمٍ رَبْنُا في شَانِ
وَهُوَ الكَفِيْلُ بِكُلِّ مَا يَدْعُونَهُ … لا يَعْتَرِي جَدْوَاهُ مِن نُقْصَانِ
فَتَوَسُّطُ الشُفَعاءِ والشُّركَاءِ … والظُهرَاءِ أَمْرٌ بَيَّنُ البُطْلانِ
آخر:
فَلا تَرْجُ إِلاَّ الله في كلِّ حَادِثٍ … فَأَلْقِ إِليهِ بَثَّ شَكْوَاكَ تُحْمَدِ
لَهُ المُلْكُ بِالأَكْوَانِ لا بُمُؤَازِرِ … وَلا بِنَصِيْرٍ في الدِّفَاعِ لِمُعْتَدٍ
قَرِيْبُ وَلَكِنْ بِالذُّنُوبِ تَبَاعَدَتْ … مَسَائِلُنَا عن رَوْضِ إِحْسَانِهِ النَّدِي
فَقُمْ قَارِعًا لِلْبَابِ وَالنَّابِ نَادِمًا … عَلَى مَا جَرَى وَارْفَعْ دُعَاءكَ يَصْعَدِ
وَقُمْ سَائِلاً وَالدَّمْعُ في الخَدِّ سَائِلٌ … تَجِدْ مَا تَشَأ مِن لُطْفِهِ وَكَأنْ قَدْ
وَقُمْ زُلَفًا في اللَّيْلِ إِنْ نَشَرَ الدُّجَى … جَنَاحَ غُدافٍ يُلْبِسُ الكَوْنَ عَن يَدِ
стр. 983
وَرُدَّ ظَلامَ اللَّيْلِ بالذِّكْرِ مُشْرِقًا … فَقَدْ فَازَ مَن بالذِّكْرِ يَهْدِي وَيَهْتَدِي
وَأَمَّا بَنُو الدُّنْيَا فَرَ تَرْجُ نَفْعَهُمْ … فَلا مُنْجِدٌ فِيْهِم يُرَجَّي لِمُجْتَدِ
فَإِنِّي تَتَبَعْتُ الأَنَامَ فلم أَجِدْ … سِوَى شَامِتٍ أو حَاسِدٍ أو مُفَنِّدِ
وَقَدْ رَضَعُوا ثَدْي المَهَابَةِ كُلُّهُم … وَكُلٌّ بِذَيْلِ الذُّلِ أَصْبَحَ مُرْتَدِ
فَلَمْ أَرَ أَرْمَى بالسِّهَامِ مِن الدُّعَا … إلى مَقْتَل الأَعْدَاءِ مِن قَوْسِ مِذْوَدِ
وَعَن مَا قَلِيْلٍ يُدْرِكُ السَّهْمُ صَيْدَهُ … فَكَمْ صَادَ سَهْمُ اللَّيْلِ مُهْجَةَ أَصْيَدِ
وَأُوْصِيْكَ بِالتَّقْوَى لِرَبِّكَ إِنَّهُ … سَيَحْمِدُ تَقْوَاهُ المُوَّفُق في غَدِ
وَخُذْ لَكَ من دُنْيَاكَ زَادًا فَإِنَّمَا … أَقَامَكَ في الدُّنْيَا لأَخْذِ التَّزَوُدِ
وَعَنْ مَا قَلِيْلٍ قَد أَنَاخَ رِكَابُنَا … بِقَصْرِ خَلِيٍّ مُظْلِمِ الجَوِّ فَدْفَدِ
فَإِنَّ اللَّيَالِي كَالمَرَاكِبِ تَحْتَنَا … تَرُوْحُ بِنَا في كُلَّ حِيْنٍ وَتَغْتَدِي
فَيَا حَبَّذَا جَنَّاتِ عَدْنٍ فَإِنَّهَا … تَحُطُّ رِحَالَ القَادِمِ المُتَزَوُّدِ
وَلَيْسَ لَنَا إِلاَّ الرَّجَاءُ فَإِنَّهُ … يُبْلِغُنَا مِن فَضْلِهِ خَيْرَ مَقْعَدِ
شعرا:
غَفَلْتُ وَحَادِيْ المَوْتِ في أَثَرِي يَحْدُوْ … فَإِنْ لَمْ أَرُحْ يَوْمِيْ فَلا بُدَّ أَنْ أَغْدُ
أَنَعِّمُ جِسْمِيْ بِاللِّبَاسِ وَلِيْنِهِ … وَلَيْسَ لِجِسْمِيْ من لِبَاسِ البِلَى بُدُّ
كَأَنِّيْ بِهِ قَدْ مرَّ في بَرْزخِ البِلَى … وَمِنْ فَوْقِهِ رَدْمٌ وَمِنْ تَحْتِهِ لَحْدُ
وَقَدْ ذَهَبَتْ مِنِّى المَحَاسِنُ وَانْمَحَتْ … وَلَمْ يَبْقَ فَوْقَ العَظْمِ لَحْمٌ وَلا جِلْدُ
أَرى العُمْر قَدْ وَلَّى وَلَمْ أُدْرِك المُنَى … وَلَيْسَ مَعِي زَادٌ وفي سَفَرِي بُعْدُ
وَقَدْ كُنْتُ جَاهرتُ المُهَيْمِنَ عَاصِيًا … وَأَحْدَثْتُ أَحْدَاثًا وَلَيْسَ لَهَا رَدُّ
وَأَرْخَيْتُ خَوْفَ النَّاسِ سِتْرًا مِن الحَيَا … وَمَا خِفْتُ مَنْ سِرَي غَدًا عِنْدَهُ يَبْدُ
стр. 984
بَلَى خِفْتُهُ لَكِنْ وَثِقْتُ بِحِلْمِه … وَأَنْ لَيْسَ يَعْفُو غَيْرُهُ فَلَهُ الحَمْدُ
فَلَوْ لَمْ يَكُنْ شَيءٌ سِوَى المَوتِ وال … بِلَى عَن اللَّهْوِ لَكِنْ زَالَ عَنْ رَأْيِنَا الرُّشْدُ
عَسَى غَافِرُ الزَّلاتِ يَغْفِرُ زَلَّتِي … فَقَدْ يَغْفِرُ المَوْلَى إِذَا أَذْنَبَ العَبْدُ
أَنَا عَبْدُ سُوْءٍ خُنْتُ مَوْلاي عَهْدَهُ … كَذَلِكَ عَبْدُ السُّوءِ لَيْسَ لَهُ عَهْدُ
فَكَيْفَ إِذَا أَحْرَقْتَ بِالنَّارِ جُثَّتِي … وَنَارُكَ لا يَقْوَى لَهَا الحَجَرُ الصَّلْدُ
أَنَا الفَرْدُ عِنْدَ المَوْتِ والفَرْدُ في البِلَى … وَأَبْعَثُ فَرْدًا فَارْحَمْ الفَرْدَ يَا فَرْدُ
آخر:
يَا مَنْ يُتَابِعُ سَيَّدَ الثَّقَلانِ … كُنْ لِلْمُهَيْمِنِ صَادِقَ الإِيْمَانِ
وَاعْلَمْ بأنَّ الله خَالِقُكَ الذِي … سَوَّاكَ لم يَحْتَجْ إلى إِنْسَانِ
خَلَقَ البَرِيَّةَ كُلَّهَا مِن أَجْلِ أَنْ … تَدَعْوُهُ بِالإخْلاصِ وَالأَذْعَانِ
قَدْ أَرْسَلَ الآياتِ مِنْهُ مُخَوِّفًا … لِعَبَادِه كَي يُخْلِصَ الثَّقَلانِ
وَأَبَانَ لِلإنْسَانِ كُلَّ طَرِيْقَةٍ … كَي لا يَكُونَ لَهُ اعْتِذَارٌ ثَانِي
ثُم اقْتَضَى أَمْرًا وَنَهْيًا عَلَّهَا … تَتَمَيَزُ التَّقْوَى عَن العِصْيَانِ
وَوُلِدْتَ مَفْطُورًا بِفِطْرتَكِ التِي … لَيْسَتْ سِوَى التَّصْدِيْقِ والإِيْمَانِ
وَبُلِيْتَ بالتَّكْلِيْفَ أَنْتَ مُخَيَّر … وَأَمَامَك النَّجْدَانِ مُفْتَتَحَانِ
فَعَمِلْتَ مَا تَهْوَى وَأَنْتَ مُرَاقَبٌ … مَا كُنْتَ مَحْجُوبًا عَن الدَّيَانِ
ثُم انْقَضَى العُمْرُ الذِي تَهْنَا بِهِ … وَبَدَأْتَ فِي ضَعْفٍ وَفي نُقْصَانِ
وَدَنَا الفِرَاقُ ولاتَ حِيْنَ تَهْرَّب … أَيْنَ المَفَرُ من القَضَاءِ الدَّانِي
وَالْتَفَّ صَحْبُكَ يَرْقُبُوْنَ بِحَسْرةٍ … مَاذَا تَكُونُ عَوَاقِبُ الحَدَثَانِ
واسْتَلِّ رُوْحَكَ وَالقُلُوبُ تَقَطَّعَتْ … حُزَنًا وَألْقَتْ دَمْعَهَا العَيْنَانِ
стр. 985
فَاحْتَاجَ أَهْلَ الدَّارِ حُزْنٌ بَالِغٌ … وَاجْتَاحَ مِن حَضَرُوا مِن الجِيْرَانِ
فالبِنْتُ عَبْرَى لِلْفِرَاقِ كَئِيْبَةً … وَالدَّمْعُ يَمْلأ سَاحَةَ الأَجْفَانِ
والزَّوْجُ ثُكْلَى والصِّغَارُ تَجَمَعُوا … يَتَطَّلَعُوْنَ تَطَلُعَ الحَيْرَانِ
والابنُ يَدْأبُ في جَهَازِكَ كَاتِمًا … شَيْئًا مِن الأَحْزَانِ وَالأَشْجَانِ
وَسَرَى الحَدِيْثُ وَقَدْ تَسَاءَلْ بَعْضُهُم … أَوْ مَا سَمِعْتُم عَنْ وَفَاةِ فُلانِ
قَالُوا سَمِعْنَا والوَفَاةُ سَبِيْلُنَا … غَيْرُ المُهَيْمِنِ كُلُّ شَيءٍ فَانِي
وَأَتَى الحَدِيْثُ لِوَارِثِيْكَ فَأَسْرَعُوا … مِن كُلِّ صَوْبٍ لِلْحُطَامِ الفَانِي
وَأَتَى المُغَسِّلُ والمُكَفِّنُ قَدْ أَتَى … لِيُجَلِلُوكَ بِحُلِّةِ الأَكْفَانِ
وَيُجَرِّدُوْكَ مِن الثِّيَابِ وَيَنْزَعُوْا … عَنْكَ الحَرِيْرَ وَحُلَّةَ الكَتَّانِ
وَتَعُودُ فَرْدًا لَسْتَ حَامِلَ حَاجَةٍ … مِن هَذِه الدُّنْيَا سِوَى الأَكْفَانِ
وَأَتى الحَدِيْثُ لِوَارِثِيْكَ فَأَسْرَعُوا … فَأَتُوا بِنَعْشٍ وَاهِنَ العِيْدَانِ
صَلُّوا عَلَيْكَ وَأَرْكَبُوكَ بِمَرْكَبٍ … فَوْقَ الظُّهُورِ يُحَفُ بِالأَحْزَانِ
حَتَّى إِلى القَبْرِ الذِي لَكَ جَهَّزُوا … وَضَعُوكَ عِنْدَ شَفِيْرِهِ بِحَنَانِ
وَدَنَا الأَقَارِبُ يَرْفَعُونَكَ بَيْنَهُم … لِلَّحْدِ كَي تُمْسِي مَع الدِّيْدَانِ
وَسَكَنَتْ لَحْدًا قَدْ يَضِيْقُ لِضِيْقِهِ … صَدْرُ الحَلِيمِ وَصَابِرُ الحَيَّوانِ
وَسَمِعَتْ قَرْعَ نِعَالِهِم من بَعْدِ مَا … وَضَعُوكَ في البَيْتِ الصَّغِيْرِ الثَّانِي
فِيهِ الظَّلامُ كَذا السُّكُونُ مُخَيَّمٌ … وَالرَّوْحُ رَدَّ وَجَاءَكَ المَلَكَانِ
وَهُنَا الحَقِيْقَةُ وَالمُحَقِقُ قَدْ أَتَى … هَذَا مَقَامُ النَّصْرِ وَالخُذْلانِ
إِنْ كُنْتَ في الدُّنْيَا لِرَبِّكَ مُخْلِصًا … تَدْعُوْهُ بِالتَّوحِيْدِ والإِيْمَانِ
فَتَظَلُ تَرْفُلُ في النَّعِيْمِ مُرَفَهًا … بِفَسِيْحِ قَبْرٍ طَاهِرِ الأَرْكَانِ
следующие страницы →