← Тараджим

Тараджим · id 12102

منهج شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في التفسير

مسعد بن مساعد الحسيني

Полный текст (472 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

إذا أتاهم بطعام١. قال: وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ ٢ أي يأتيكم أمر يهلككم كلكم٣. ومن دلائل معرفته بلغة العرب تفسير المفردات على ما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى٤. ومن دلائلها أيضاً أنه ينص على الفروق بين الكلمات المتقاربة في المعنى التي يظن ترادفها، ولا يميز بينها إلا المتأمل في اللغة الخبير بها، إلا أنه وسيرا على منهجه في الاختصار يكتفي بالنص على وجود فرق ولا يبينه غالباً، وإنما يترك على القارئ مهمة البحث عنه ومن أمثلة ذلك: قوله- الفرق بين الأمان والطمأنينة٥. وقوله- الفرق بين العلم والحكم٦. وقوله- الفرق بين التكذيب والتولي٧. وقوله:- الفرق بين التكذيب والإباء٨. وقوله:- الفرق بين العذاب المخزي والعذاب المقيم٩. وقوله- الفرق بين المغفرة والرحمة١٠. وغير ذلك.

стр. 107

المبحث الثاني: معرفته بالنحو والإعراب ومدى اهتمامه به في تفسيره الحال في النحو والإعراب في تفسير الشيخ كالحال في اللغة، إذ يلتزم في كتاباته العلمية وتأليفه ومنها التفسير بقواعد النحو، ويتجنب اللحن كيف وقد حفظ: ألفية ابن مالك في النحو١. وأما بيان جزئيات النحو والإعراب فلا يهتم بالنص عليها غالباً لأن ذلك ليس من أغراض تفسيره كما تقدمت الإشارة إلى نحوه، ومع هذا فلم يخل تفسيره واستنباطاته من بعض اللمحات النحوية إذا دعت الحاجة إليها لبيان معنى أو فائدة من جراء تركيب نحوي معين ومن ذلك: قوله مستنبطاً من قصة آدم وإبليس:- ومنها- أي من الفوائد- المستنبطة- وهي من أعظمها- معرفه الطرق التى يأتينا منها عدو الله كما ذكر الله تعالى عنه في القصة أنه قال: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ ٢ وإنما تعرف عظمة هذه الفائدة بمعرفة شيء من معاني هذا الكلام. قال جمهور المفسرين:- انتصب صراط بحذف على" التقدير: لأقعدن لهم على صراطك. قال ابن القيم: والظاهر أن الفعل "مضمن٣" فإن القاعد على الشيء ملازم له، فكأنه قال: لألزمنه ولأرصدنه ونحو ذلك٤. فقد أورد هذا النقل المتعلق بالنحو لبيان حقيقة المعنى الذي به تتبين عظمة الفائدة كما أسلفت. ومن ذلك أيضاً قوله عند تفسير قول الله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ الآية٥ حيث قال: وقوله: ﴿عَجَباً﴾ أي بليغاً في لفظه ومعناه "أنه استمع"- بالفتح- لأنه نائب فاعل "أوحي" و "إنا سمعنا"- بالكسر- أنه محكى بعد

стр. 108

القول١. ثم قال- والضمير في: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا﴾ للجن، والخطاب في: ﴿ظَنَنْتُمْ﴾ للإنس٢. فنص على مرجع الضمائر ليتبين بها المعنى. وقال عند قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ ٣ ومعنى الاستثناء قيل إنه من: ﴿لَا أَمْلِكُ﴾ أي: أملك إلا بلاغاً من الله،: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي﴾ جملة معترضة لتأكيد نفي الاستطاعة عن نفسه، على معنى أن الله إذا أراد به سوءا من مرض، أو موت، أو غيرهما، لم يصح آن يجيره منه أحد، أو يجد من دونه ملاذا يأوي إليه، والملتحد: الملتجأ. وقيل: ﴿بلاغاً﴾ بدل من ملتحدا أي لن أجد من دون منجى إلا أن أبلغ ما أرسلني به٤. وهذا البيان وإن كان اعتمد فيه على نواحٍ بلاغية إلا أن له علاقة بالنحو، ويظهر ذلك جليا في القول الثاني.

стр. 109

المبحث الثالث: معرفته بالبلاغة ومدى اهتمامه بها في تفسيره من أظهر ما في تفسير الشيخ من النواحي المتعلقة بالعربية وعلومها ما يتعلق بفن البلاغة وضروبها، فقد استفاد الشيخ منها أيما استفادة بل نص على كثير من فنونها وأغراضها، وذلك لأنها تخدم كثيراً منهج الشيخ في إيضاح المعنى والاستنباط، كما أنه يظهر من خلال النص عليه في بيان عظمة أسلوب القرآن، ودقة ألفاظه وتراكيبه وبلاغته وبذلك يظهر للقارئ روعة هذا الكتاب وعظمته. وهو عرض من أغراض التفسير لدى الشيخ. والناظر في تفسيره واستنباطاته يجد أنه يمتلك دقة في النظر والتأمل وتذوقاً للبلاغة، ويهتم من خلال ذلك ببيان بعض المعاني والنكت وتقريرها أولفت أنظار إليهم أو التحذير من بعض المخالفات وهو يسير في بيان اللمحات والأساليب البلاغية على منهجه العام في الاختصار. فانظر إلى فهمه ودقته في الاستنباط عند قول الله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ ١. حيث قال تعظيم الفعل بقوله: ﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ ٢. ووجه هذا التعظيم الذي أشار إليه أن المسألة أمرٌ وتكليف وليست إباحة أو ندباً، ثم إن الآمر هو الرب ، والمأمور به داخل في جمله العباد المأمورين، ففعله الذي هو النكوص عن السجود عظيم مع توفر هذه الدواعي للامتثال. وقوله ضمن المسائل المستنبطة من قوله تعالى: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٣. حيث قال تأكيد النهي٤.

стр. 110

ووجه هذا التأكيد- والله أعلم- أن الله تعالى نهاهما عن قربان الشجرة مبالغة في النهي عن الآكل منها، وفي هذا معنى تأكيد النهي عن الأكل. كما أن في قوله: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ما يقوي هذا النهي أيضاً إذ يترتب على مخالفته كون المخالف ظالماً في فعله هذا. - وقوله مستنبطاً من قول الله تعالى إخباراً عن مقالة يوسف ﵇....: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ الآية١ حيث يقول: كرمه ﵇ في قوله: ﴿أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ ولم يقل: من الجب. وكرمه في قوله: ﴿نَزَغَ﴾ ولم يقل من بعدما ظلمونى٢. وهذا تأمل عجيب، ودليل حس بلاغي، ونظر دقيق لدى الشيخ ﵀. - وقوله عند قول الله تعالى: ﴿نبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ ٣ حيث يقول: ٤ إن المغفرة والرحمة وصف بها نفسه، وأما العذاب الأليم فوصف به عذابه. وقد اقتصر هاهنا على لفت الأنظار إلى هذه الدقيقة، ولم يعللها، ولعله أراد أن يتأمل الناظر ويبحث عن السبب، فإن ما يتوصل إليه بعد بحث وعناء تكون العناية به أشد. وقد عُلِّل هذا الأسلوب في الآية بترجيح جانب الوعد على الوعيد، والرحمة على الغضب٥. - وقوله مستنبطاً من قول الله تعالى في شأن قوم فرعون وطغيانهم: ﴿فَلَمَّا

стр. 111

كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ ١ ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ... ﴾ الآية٢. حيث قال: قوله: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ بالفاء. ولم يذكر الغرض من ذلك ولعل ذلك لما سبق من إرادة تأمل القارئ وبحثه عن السبب، أو لظن عدم خفاء مثل ذلك على القارئ لشهرته. والغرض من هذا- والله أعلم- أن الانتقام مترتب على طغيان قوم فرعون ومتسبب عن نكثهم، وذلك أن من أغراض العطف بالفاء السببية والتعقيب٣. فظهر بما تقدم الحس البلاغي والنظر المتأمل عند الشيخ. وقد وظف الشيخ البلاغة بشكل واضح لترسيخ بعض المعاني أو شرحها واستنباطها أو التحذير مما يخالفها. فانظر إلى قوله- منبهاً على أعظم الأمور في حياة المسلم وهو التوحيد بدلالة أسلوب بلاغي بديع وهو الحصر بطريق النفي والإثبات الذي يذكره كثيراً حيث يقول: إن كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" تتضمن النفي والإثبات، نفي الإلهية عما سوى الله ، وإثباتها لله عز وجل٤. ومما يستدل بها على هذا النفي والإثبات قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ ٥ فهذا دليل النفي، ودليل الإثبات: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ٦.

стр. 112

ويقول أيضاً مقررا هذا المعنى عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١: أنه لا بد مع الإثبات من النفي٢ كما يوضح هذا المعنى جليا فيقول في شرح كلمة التوحيد: ... فإن "لا" في قولك "لا إله إلا الله" هي النافية للجنس، تنفى جميع الآلهة و "إلا" حرف استثناء يفيد حصر جميع العبادة على الله عز وجل٣. ويقول أيضاً مرسخا هذا المعنى من خلال هذا الأسلوب- أسلوب الحصر- ولكن بطريق تقديم ما حقه التأخير ما نصه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فيها توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فيها توحيد الألوهية: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فيها توحيد الربوبية٤. ويوضح هذا المعنى في موضع آخر بأبسط من هذا وبه يتبين جليا اعتباره لهذا المعنى البلاغي فيقول عند نفس الآية: فالعبادة: كمال المحبة، وكمال الخضوع، والخوف والذل، قدم. المفعول وهواه ﴿إِيَّاكَ﴾ وكرر للاهتمام والحصر أي لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة، والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين، فالأول: التبرؤ من الشرك، والثاني: التبرؤ من الحول والقوة، فقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أي إياك نوحد، ومعناه أنك تعاهد ربك أن لا تشرك به في عبادته أحداً لا ملكاً ولا نبياً ولا غيرهما٥. ويقول مرسخا هذا المعنى أيضاً بهذا الأسلوب- أسلوب الحصر- ولكن بطريق تقديم المسند إليه حيث يقول مستنبطاً من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي

стр. 113

أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ١، فيها الاستدلال بإنزال المطر، وأن غيره لا يقدر عليه٢. ونحوه أيضاً قوله عند قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً﴾ الآية٣. حيث يقول تسخير البحر، وأنه الذي فعله لا غيره ٤. فقوله: أن الذي فعله لا غيره، هو تقرير لربوبية الله وتفرده بالتعرف والإنعام لم ومما يدل على التفرد هنا الحصر في الآيتين. وقد نص الشيخ على طرق أخرى من أساليب الحصر مستفيداً منها كالحصر "بإنما" في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ٥ حيث يقول: حصر الكذب فيمن لم يؤمن بآيات الله٦. والحصر المستفاد من توسط الضمير كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ٧ حيث يقول:- ذكر حصر الغفلة فيهم. - حصر الخسران في الآخرة فيهم٨. ومن الأساليب التي نص الشيخ عليها مراراً مستفيداً من دلالتها الاستفهام بأنواعه من إنكار أو تقرير أو نحوه.

стр. 114

ومن ذلك قوله: تقرير التوحيد بقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ الآية١ وقوله: استفهاماً التقرير الدال على عظمه القصة في قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ ٢. وقوله: استفهام الإنكار في هذا الأمر الباهر في قوله: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ ٣. وقد يكتفي أحياناً بقوله: "استفهام التقرير" أو "استفهام الإنكار" مثلا٤. ومن توظيف البلاغة أيضاً لترسيخ بعض المعاني العقدية قوله مستنبطا من قول الله تعالى إخباراً عن قول يوسف "﵇": ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٥. حيث يقول: قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ عام كل ما سوى الله٦. ووجه ذلك أن "شيء" نكرة في سياق النفي فتعم، "ومن" لتأكيد النفي فنبه من خلال الاستفادة من هذا الأسلوب، إلي تقرير التوحيد والنهي عن إشراك آي شيء مع الله تعالى. هذا ولا أريد أن استقصي جميع ما نص عليه الشيخ، أو استفاد منه من أوجه البلاغة، وإنما الغرض هو الإشارة إلى معرفة الشيخ بهذا الفن، بل واهتمامه به في حدود ما يبين المعنى ويوضحه، أو يلفت الأنظار إليه مع السير على منهجه في الاختصار.

стр. 115

وليس من غرض الشيخ بيان التشقيقات البلاغية وضروبها لذاتها، وللزهو بها، ولهذا لما ورده سؤال "ابن عفالق" ١ المتنطع عن أضرب. البلاغة في "سورة العاديات"٢ لم يتكلف الجواب عليه، ولم أعلم ألف رد عليه في رسالته هذه، إذ لا يجب الجواب على المتنطعين الذين يقصدون من أسئلتهم إظهار ملكتهم أو إحراج المسئول أو نحو ذلك، إذ ليس هو بمسترشد فيرشد أو مستفيد فيفاد. "وبالله التوفيق".

стр. 116

الفصل الرابع: مظاهر التفسير بالرأي عند الشيخ مدخل ... الفصل الرابع: مظاهر التفسير بالرأي عند الشيخ لم يسر الشيخ ﵀ في تفسيره على نمط واحد من حيث الطريقة "الشكل" وإنما تنوعت أساليبه في ذلك، ولعل ذلك لتفاوت الزمن الذي ألف فيه تفسيره، ولاختلاف الأغراض الداعية لتفسير جزئية عن أخرى، فقد يُساَّل عن آية أو آيات فيفسرها بطريقة يراها مناسبة للسائل، وقد يختار آية أو آيات فيستنبط منها المسائل، وقد يستعرض سورة كاملة فيفسرها تفسيراً شاملاً ونحو ذلك. وقد استوعب تفسيره ثلاثة مناهج في العرض، سأذكرها إن شاء الله في مباحث:-

стр. 117

المبحث الأول: التفسير الإفرادي وأعني به تفسير المفردات تفصيلاً ببيان كلمة أو كلمات قرآنية بما يرادفها أو يقاربها أو يراد منها. وهذا غالباً فيما يرى أنه يحتاج إلى بيان وإيضاح، وهي طريقة من طرق المفسرين سلفاً وخلفاً. وتكثر أمثلة ذلك في بعض السور، وتقل في البعض الآخر. ومما كثر فيه هذا النوع من التفسير تفسير سورة يوسف، فإنه كثيراً ما يبدأ بشرح مفرداتها ثم يردف باستنباط المسائل منها، ومن ذلك: قوله عند قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ. إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ الآيات١. ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ : شقيقه: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أي جماعة. وقوله: ﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ آي في تقديمهما علينا. وقوله: ﴿اطْرَحُوهُ أَرْضاً﴾ أي ألقوه في أرض بعيدة.... وقوله: ﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ أي أسفله: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ أي المارة من المسافرين: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ أي إن كنتم عازمين على ما تقولون٢. وعند قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ ٣ الآيات. يقول: لما رجعوا إلى أبيهم باكين إظهاراً للحزن على يوسف، اعتذروا باستباقهم وهو الترامي، وقالوا: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ . وقوله: ﴿عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ أي ثيابنا وأمتعتنا. وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ أي بمصدقنا: ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ عندك، فكيف مع التهمة؟! ثم قال: قوله: ﴿سَوَّلَتْ﴾ أي: زينت وسهلت، والصبر الجميل: الذي لا شكوى

стр. 118

معه وقوله: ﴿تَصِفُونَ﴾ أي تذكرون١. ثم يقول عند قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ الآيات٢:- السيارة: الرفقة السائرون، والوارد: الذي يرد الماء ليستقي للقوم: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ : أي أظهروا أنهم أخذوه بضاعة من أهل الماء. وقوله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أي باعوه في مصر بثمن قليل٣. ويقول في مواضع آخر من السورة استعصم امتنع وأبى٤. والعجاف ضد السمان. والملأ: كبار القوم ورؤساؤهم. و ﴿أَضْغَاثُ أَحْلامٍ﴾ : أخلاط وأباطيل. وادكر: تذكر شأن يوسف. دأبا: متوالية تحصنون: تخزنون٥. التحسس: البحث والطلب. وروح الله: رحمة الله٦. ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ : لا تعيير عليكم٧. لولا أن تفندون: والفند ذهاب العقل٨. ويقول في سورة الحجرات عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية٩: معنى التبين وهو التثبت١٠.

стр. 119

معنى العنت: الضيق١. ويقول في مواضع من سورة الفلق:- فمعنى أعوذ: أعتصم وألتجئ وأتحرز. والفلق: هو بياض الصبح إذا انفلق من الليل. والغاسق: الليل. ﴿إِذَا وَقَبَ﴾ أي أظلم ودخل في كل شيء٢. ...... وهكذا.

стр. 120

المبحث الثاني: التفسير الإجمالي وأعني به أن يبين معنى الآية ومقصدها إجمالا، دون آن ينص على معاني ألفاظها لفظة لفظة، وهذا منهج من مناهج التفسير، وقد كان أكثر ما يهتم به السلف من الصحابة وغيرهم أن يفهموا عن الله مراده، دون الاهتمام بالتشقيقات والتعريفات لكل كلمة، وأصلها، ومعناها الخاص، ولهذا وردعن أنس ﵁ قال: قرأ عمر بن الخطاب ﵁: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ فلما أتى على هذه الآية: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبّاً﴾ قال: قد عرفنا الفاكهة، فما الأب؟ قال: لعمرك يا ابن الخطاب إن هذا لهو التكلف١. ولعله- والله أعلم- يعني بذلك أن المعنى العام وهو امتنان الله على عباده بالنعم هو المراد وقد حصل وكل واحد يعلم أن الأب نبات لقوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً. وَعِنَباً وَقَضْباً. وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً. وَحَدَائِقَ غُلْباً. وَفَاكِهَةً وَأَبّاً. مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ ٢. ومثل هذه الطريقة ينهجها الشيخ- غالباً- عندما يرى وضوح معاني المفردات، أو عندما يركز على جانب الدعوة والإصلاح من خلال الآيات. ومن أمثلة هذه الطريقة: قوله عند قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ ٣: أمر الله لنا آن نحاجهم بهذه الحجة القاطعة:- فإذا كان الله رب الجميع، وأيضاً أنه بإقراركم أنه عدل لا يظلم بل كل عامل فعمله له، وافترقنا في كوننا قاصديه٤ مخلصين له الدين، وأنتم قصدتم غيره، فكيف يساوى بيننا وبينكم أو يخص بكرامته من أعرض عنه دون من قصده؟ هذا لا يدخل عقل عاقل٤.

стр. 121

- وقوله عند قول الله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ ١ يقول تعالى: لما أجليتكم عن وطنكم فإن بعد هذا الكلام، وهو أني مرسل إليكم هدى من عندي، لا أكلكم إلى رأيكم، ولا رأي علمائكم، بل أنزل عليكم العلم الواضح الذي يبين الحق من الباطل والصحيح من الفاسد، والنافع من الضار، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، ومعلو أن الهدى هو هذا القرآن٢. وقوله عند قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ٣ التنبيه على سبب الشرك وهو أن المشرك بان له شيء من جلالة الأنبياء والصالحين ولم يعرف الله ، وإلا لو عرفه لكفاه وشفاه عن المخلوق، وهذا معنى قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية٤. وقوله عند قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ ٥. معناه: قام عبد الله يعبده كادوا يزدحمون عليه متراكمين، تعجباً مما رأوا من عبادته، وإعجاباً بما تلا من القرآن لأنهم رأوا منه ما لم يروا مثله، وعبادة عبد الله ليس بأمر مستبعد عن العقل، ولا مستنكر، حتى يكونوا عليه لبدا٦، ثم ذكر أقوالاً أخر في معنى الآية.

стр. 122

المبحث الثالث: الاستنباط المباشر من الآيات كثيرا ما يعمد الشيخ ﵀ إلى الاستنباط المباشر من الآيات دون التعرض لتفسيرها قبل ذلك تفصيلاً أو إجمالاً. ولاشك أنه يتبين من خلال استنباطه فهمه الآيات، ووجهها عنده، إذ الاستنباط ناتج عن ذلك الفهم فلا يتصور أن يستنبط من الآيات الاستنباطات الصحيحة من لم يفهمها. وفهم الشيخ هذا يعتمد في كثير من الأحيان على النظر المتأمل في الآيات دون الاعتماد على أثر في معناها فهو يندرج حينئذ تحت التفسير بالرأي. وينحى الشيخ هذا المنحى غالبا فيما يرى وضوح معناه عموما، وإنما يحتاج إلى النص على ما يقرره من مسائل، وما ينطوي عليه من فوائد. وأمثله هذه الطريقة كثيرة جداً، إذ ينهج هذه الطريقة في أغلب تفسيره من ذلك:- - استنباط من سورة الفاتحة حيث يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ : فيها التوحيد. ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فيها المتابعة١. فهذه الاستنباطات المختصرة مبنية على فهم مسبق للآيات، ويتضح هذا الفهم من خلال تفسيره المبسوط لهذه الآيات فليراجع٢. - وقوله مستنبطاً من أول سورة النور:- ٣ فيه مسائل: الأولى: حد الزانية٤. الثانية: النهي عن الرأفة ٥.

стр. 123

الثالثة: قوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١. الرابعة: تحريم نكاح الزانية٢. الخامسة: ما ذكر الله في رمي المحصنات ما لم يأتوا بالبينة٣. السادسة: رد شهادتهم٤. السابعة. كون الله استثنى التوبة والإصلاح٥. الثامنة: ما ذكر الله في رمي الإنسان زوجته، وفيه من الأحكام أنها إذا لم تلاعن ترجم٦. ... إلى غير ذلك من الاستنباطات المتمشية مع ظاهر النص القرآني ومنها يتبين فهم الشيخ للآيات وإجراؤه إياها على ظاهرها والاكتفاء بالنص على ما فيها من أحكام. ومن ذلك أيضاً قوله مستنبطاً من قول الله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا

стр. 124

كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ ١ الإيمان بالقدر٢. وهذا مبين لوجه المعنى عند الشيخ، وأنه يرى عود الضمير في قوله: ﴿نَسْلُكُهُ﴾ إلى الاستهزاء المذكور والكفر، كما ذهب إليه جمع من السلف على ما سيأتي بيانه في موضع آخر إن شاء الله تعال٣. والأمثلة على هذا القسم كثيرة والغرض هنا بيان هدا المنهج والاستشهاد له لا استقصاء كل ما يندرج تحته. والله أعلم.

стр. 125

الفصل الخامس: السمات العامة لتفسيره بالرأي المبحث الأول: تمشيه مع روح الشريعة الإسلامية إن من أهم مميزات تفسير الشيخ بالرأي أنه يتمش مع روح الشريعة ومقاصدها، ويسير في إطار النصوص الشرعية، فهو إذا ليس تفسير اً مجرداً متحرراً، وإنما هو تفسير مقيد في معناه ومضمونه، ومحدود بحدود التمشي مع النصوص، قد أشرب معانيها، وقرر مقاصدها ومراميها. فقرر الشيخ في تفسيره كثيراً مما تقرر في الشرع من عقيدة، ومعاملات وآداب، ودروس، وعظات، وحذر مما حذر منه الشرع، من شر وفساد ورذيلة على وجه البسط تارة، والإيجاز تارة أخرى. وما كان من هذا القبيل من التفسير هو ما يسميه الزركشي "بالتفسير بالمقتضى من معنى الكلام والمقتضب من قوة الشرع"١. مع تمشيه مع دلالة اللفظ المفسر لغة على ما يقرره، من معان. وشواهد ما ذكرته كثيرة ظاهرة، يتبين كثير منها من خلال ما سيأتي - إن شاء الله تعالى- من تركيزه على جانب العقيدة وترسيخها واهتمامه بما يتعلق بالاتجاه الإصلاحي وتحذيره من البدع كل ذلك من خلال التمشي مع النصوص٢. ولأمثل هنا ببعض أمثلة القريبة التي تتضح من خلالها جلياً هذه السمة في تفسيره. فمن ذلك- قوله:- وأما البسملة فمعناها: أدخل في هذا الأمر من قراءة، أو دعاء/ أو غير ذلك "بسم الله" لا بحولي ولا بقوتي، بل أفعل هذا الأمر مستعيناً بالله، متبركاً باسمه تبارك وتعال٣ ... فانظر إلى ما أشار إليه من خلال البسملة من الاستعانة بالله، والتبري من الحول والقوة، والتبرك باسم الله تعالى، مما هو من مسلمات العقيدة.

стр. 126

ومما يوضح هذه السمة أيضاً قوله ضمن المسائل المستنبطة من قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ... ﴾ الآية١ حيث يقول: - إن السحر نوعان. - إن له تأثيرا، لقوله: ﴿يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ . الإرشاد إلى التوكل، بكونه لا يضر أحداً إلا بإذن الله٢. فهذه المعاني التي استنبطها الشيخ كلها قد قررت في الشريعة، واعتقدها السلف. حيث اعتقدوا أن السحر منه ما هو حقيقة، ومنه ما هو تخييل٣. وأن له تأثيرا ولكن لا يكون إلا بإذن الله سبحانه وقدره ع وليس خارجاً عن قدره في ملكه، فمن توكل على الله كفاه ووقاه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ . فانظر إلى تمشي الشيخ مع النصوص، وتقريره لمعانيها، وتسليمه لدلالتها والسلامة في التسليم لنصوص الشرع. ولله الحمد. ومن تمشيه مع روح الشريعة ومقرراتها قوله:- ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ ٤ أي لابد أن يخلقكم للبعث كما بدأ خلقكم من نطفة. ثم قال: ﴿فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ ٥ فهذا القدر يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، فجمع في هذه الآية الإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالشرع، والإيمان بالقدر. وذكر فيها تفصيل الشرع الذي أمر به، وذكر حال من عكس الأمر فجعل المنكر معروفا، والمعروف منكراً، ثم ختم الآية بهذه المسألة

стр. 127

العظيمة، وهى: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ١ فلا أجهل ممن هرب عن طاعة الله واختار طاعة الشيطان ومع هذا يحسب أنه مهتد مع هذا الضلال الذي لا ضلال فوقه٢. ومن استضاءته بنور الشريعة أنه يذكر في الفروق الشرعية الدقيقة منبها عليها، ليميز بينها، فمن ذلك قوله عند قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ ٣ الآية. إن إضافة العباد إليه إضافة الخاصة لا العامة٤. ويعني بالإضافة التي تكون معها الكفاية، كما ذكر في موضع آخر٥ وهى إضافة تكريم وتشريف، بخلاف الإضافة العامة التي تشمل البر والفاجر كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ ٦. ومن ذلك أيضاً قوله عند قول الله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ. قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٧ إن الشفاعة كلها له ومعرفة هذه بمعرفة صفة الشفاعتين٨. ويعني بالشفاعتين: الشفاعة المثبتة، وهي الشرعية، وتكون لمن أذن الله له ورضي عن المشفوع أن يشفع فيه. والشفاعة المنفية، وهى خلاف ذلك وهي التي فيها شرك أولم تستوف شروطها٩. "والله أعلم"

стр. 128

المبحث الثاني: تمشيه مع تفسيرات السلف وأقوالهم يتمشى الشيخ- من واقع سلفيته- مع أقوال السلف وتفسير اتهم للآيات، ويسير على منهجهم. وقد أكثر "﵀"- كما هو معلوم- من الإطلاع على كتبهم، وأقوالهم، حتى استقرت في ذهنه، وامتزجت بأسلوبه، فصار يقرر "﵀" ما قرروه من معان، ناهجا نهجهم، وسالكاً سبيلهم فنجد في تفسيره أقوالا قد قالوها، أو فسروا بها أو بنحوها، أصبحت من معارفه ومسلماته، وجرى بها قلمه، وزخرت بها مؤلفاته. فغالب اختياراته في التفسير تجد له فيها سلفاً إن لم يكن بنصها فبمعناها، وهو أثر من آثار إطلاعه على تفاسير السلف، وفهمه لمعاني القرآن من خلال النظر الصحيح، المستضيئ بما يثمر له إصابة المعنى، ومن أهمه معرفة أقوال السلف وآرائهم وتفسير اتهم التي اهتم بها، وحث على تعلمها، كما يظهر ذلك في غير موضع من كلامه. فمما يدل على اطلاعه على أقوال المفسرين:- - قوله في سورة الفاتحة: وذلك أن قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وفى القراءة الأخرى "ملك يوم الدين" فمعناه عند جميع المفسرين كلهم ما فسره الله به في قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ. ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ. يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ ١. - وقوله:.... وأنا أذكر لكم آية من كتاب الله أجمع أهل العلم على تفسيرها، وأنها في المسلمين، وأن من فعل ذلك- أي الشرك- فهو كافر في أي زمان كان، قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ إلى آخر الآية وفيها: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ ٢.

стр. 129

وقوله منكراً طاعة الأئمة في مخالفة أمر الله تعالى بعد سياقه قول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١ الآية. فقد فسرها رسول الله ﷺ والأئمة بعده بهذا الذي تسمونه "الفقه" وهو الذي سماه الله شركا واتخاذهم أرباباً، لا أعلم بين المفسرين في ذلك اختلافاً٢. ففي هذه الأقوال وغيرها دليل على ما ذكرت من اطلاعه على تفاسير السلف والمفسرين عموماً، وأنه لا يفسر القرآن بمعزل عن ذلك. وكما أطلع على تفاسيرهم، وأستفاد منها، فقد حث على العناية بها، والاطلاع عليها، وفهمهما والاستفادة منها. فأنظر إلى قوله بعد أن ذكر بعض العلماء وذكر منهم ابن جرير وابن قتيبة وأبا عبيد: فهؤلاء إليهم المرجع في كلام الله، وكلام رسوله، وكلام السلف، وإياك وتفاسير المحرفين للكلم عن مواضعه، وشروحهم، فإنها القاطعة عن الله وعن دينه٣. وقوله بعد أن ذكر بعض الآيات: واطلب تفاسير هذه الآيات من كتب أهل العلم، وأعرف من نزلت فيه، وأعرف الأقوال والأفعال التي كانت سببا لنزول هذه الآيات٤. وغير ذلك مما هو دال على ما ذكرت من عنايته بكلام السلف من المفسرين، ولا شك أنه قد ظهرت آثار هذه العناية في تفسيراته برأيه الذي استضاء فيه بهذه الآراء كما سيتضح ذلك في غير موضع من تفسيره. ومن ذلك: قوله ضمن المسائل المستنبطة من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ

стр. 130

الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ١ التحذير من فتنة جدال منافق بالقرآن٢. ووجه هذا الاستنباط أن الله أثنى على عباده الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ولا يجادلون فيه فيضربون بعضه ببعض. وقد ورد نحو هذا المعنى الذي ذكره الشيخ عن عمر ﵁ حيث ورد عنه أنه قال: يهدم الإسلام زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم اللائمة المضلي٣. ومن ذلك قوله عند قول الله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ٤. حيث قال: قوله: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾ أي أحفظ ما وليتني عليه: ﴿عَلِيمٌ﴾ بأمره وحسابه واستخراجه٥. فتفسيره هذا موافق لما ورد عن السلف، بل كأنه مستقرأ من تفاسيرهم؛ فقد روى الطبري عن قتادة: أنه قال: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ يقول: حفيظ لما وليت عليه، عليم بأمره٦. وروى عن ابن إسحاق أنه قال: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ، أي حافظ لما استودعتني، عالم بما وليتني٧ ... ، ثم أورد الطبري قولا آخر عن الأشجعي٨ حيث قال: ﴿إِنِّي

стр. 131

حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ حافظ للحساب، عليم بالألسن١. ثم اختار القول الأول وهو قول قتادة وابن إسحاق. بينما يظهر من كلام الشيخ استفادته من كلا القولين، وعدم قصره العلم على جانب دون جانب. ومن ذلك أيضاً تعليله قول يعقوب ﵇: ﴿يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ الآية٢: أنه خاف عليهم من العين٣. وهذا التعليل الذي ذكره وردعن ابن عباس ومجاهد وقتادة وجمهور المفسرين٤ ومن سيره على منهج السلف، أنه يبنى استنباطاته أحياناً على تفسيراتهم وأقوالهم فمن ذلك قوله مستنبطاً من قول الله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٥ معرفة أن لا إله إلا الله عمل٦. ووجه ذلك أنه قد ورد عن بعض السلف كأنس ومجاهد أن المراد بقوله: ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي عن لا إله إلا الله٧. فاستنبط الشيخ من ذلك أن لا اله إلا الله عمل، مشيراً بذلك إلى أن العقيدة كما هي اعتقاد وقول فهي عمل أيضاً. ومن ذلك قوله ضمن المسائل المستنبطة من قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ. لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ ٨ الإيمان بالقدر٩.

стр. 132

ووجه ذلك أنه وردعن بعض السلف كابن جريح والحسن وابن زيد:- أن المراد كذلك نسلك الكفر والتكذيب في قلوب المجرمين١. وهذا هو القدر فنص الشيخ على هذا الركن من أركان الإيمان الذي دلت عليه الآية، وهو ما ذهب إليه من ذكر من السلف وغيرهم. فتبين بما سقته من أمثله أن تفسير الشيخ واستنباطاته ليست بمعزل عن تفسيرات السلف واستنباطاتهم وإنما هو مقرر لها ومؤكد ودائر في إطارها. ولله الحمد والمنة.

стр. 133

الباب الثالث: أهم الأغراض التي تناولها الشيخ أو حققها من خلال تفسيره الفصل الأول: التركيز على العقيدة من خلال تفسيره المبحث الأول: اهتمامه بالعقيدة من خلال تفسيره بصفة عامة ... الباب الثالث: أهم الأغراض التي تناولها الشيخ أو حققها من خلال تفسيره ويشتمل على ستة فصول: الفصل الأول: التركيز على العقيدة من خلال تفسيره. ويشتمل على ثلاثة مباحث:- المبحث الأول: اهتمامه بالعقيدة من خلال تفسيره بصفة عامة. المبحث الثاني: أهم المباحث العقدية التي بينها من خلال تفسيره. ويشتمل على مطلبين. المطلب الأول: اهتمامه ببيان أنواع التوحيد من خلال تفسيره. المطلب الثاني: اهتما عه بتقرير أركان الإيمان من خلال تفسيره. المبحث الثالث: استنباطه جوانب حماية العقيدة من خلال تفسيره. الفصل الثاني: اهتمام الشيخ في تفسيره بالردود على المخالفين. الفصل الثالث: الاتجاه الإصلاحي في تفسيره. الفصل الرابع: اهتمامه بالفقه والتأصيل في تفسيره. ويشتمل على مبحثين:- المبحث الأول:- اهتمامه بالفقه في تفسيره. المبحث الثاني:- اهتمامه بالتأصيل في تفسيره. ويشتمل على مطلبين:- المطلب الأول:- اهتمامه بالتأصيل العام في تفسيره. المطلب الثاني:-، اهتمامه بأصول الفقه في تفسيره. الفصل الخامس: القصص في تفسير الشيخ ومدى اهتمامه به. ويشتمل على أربعة مباحث:- المبحث الأول: نظرته إلى القصص واهتمامه به. المبحث الثاني: طريقته في دراسة القصص والاستنباط منها. المبحث الثالث: المنهج الموضوعي في تفسير القصص عنده. المبحث الرابع: موقفه من القصص الإسرائيلي. الفصل السادس: ما ذكره الشيخ من علوم القرآن في تفسيره. ١- القراءات. ٢- فضائل القرآن. ٣- علم قصص القرآن. ٤- علم أسباب النزول. ٥- علم النسخ.

стр. 134

الفصل الأول: التركيز على العقيدة من خلال تفسيره. المبحث الأول: اهتمامه بالعقيدة من خلال تفسيره بصفة عامة. عقيدة الشيخ ﵀ عقيدة سلفية، متمشية مع نصوص كتاب الله وسنة رسوله " ﷺ ". وأهم الشروط لأي تفسير ليلاقي القبول، ويؤثر في القلوب التأثير المستقيم، المثمر للعمل الصالح، أن يكون مبنياً على أسس ثابتة قوية، يكون في مقدمتها النظرة العقدية الصحيحة لنصوص كتاب الله ، ووضعها في مواضعها، وإجراؤها في مجراها الصحيح. وقد تميز تفسير الشيخ بهذه الميزة تميزاً واضحاً، على الرغم من منحى الاختصار الذي ينحاه الشيخ، ولذلك كان تفسيره من التفاسير الموثوق بها عند أهل الاعتقاد الصحيح، كبقية تفاسير السلف التي توافرت على السير على الأسس العقدية الصحيحة، المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله " ﷺ " وأسس قواعدها رسول الله " ﷺ " على هدى وبصيرة من الله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١. وقد ركز الشيخ "﵀" على العقيدة تركيزاً بالغاً، لأهميتها ومنزلتها العظيمة في الدين، ولما رأى من أحوال كثير من الناس الشركية والبدعية فكان لزاماً عليه، وقد صمم على القيام بمهمة الدعوة إلى الله على بصيرة أن يركز على هذا الأساس العظيم، الذي جهله فئام كثيرة من الناس وتجاهله آخرون فلم يعبؤوا به، ولم يرفعوا به رأساً، ولم يهتموا به، استكبارًا أو إعراضاً أو استهانة، أو غير ذلك: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ٢. ومن ألقى نظرة على مؤلفات الشيخ، أو فتاويه، أو رسائله ومكاتباته، يظهر له تركيز، على حذا الجانب جلياً واضحاً.

стр. 135

وحيث إن أهم الأغراض التي وردت في كتاب الله تعالى بيان وحدانية الله وتفرده، بالربوبية والألوهية والكمال المطلق في ذاته وأسمائه وصفاته، ترسيخاً للعقيدة، وحماية لجنابها، وذباً عنها، فلا تكاد تخلو سورة من سور الكتاب العزيز من مبحث عقدي أو إشارة عقدية، فقد اهتم الشيخ بهذا الجانب، فكان يركز في تفسيره واستنباطاته عليه، ويسعى من خلال ذلك لإيضاح العقيدة، وترسيخها، والذب عن حياضها وحماية جنابها، والتحذير مما يناقضها أو يقدح فيها شارحاً للآيات، ومستدلاً بها، ومستنبطاً منها. وفي الحقيقة أنه لا يمكن للمنصف فصل العقيدة عن التفسير، إذ أن أساس معرفة تفصيلات العقيدة هو كتاب الله، والتفسير إيضاح لمعاني كلام الله . ومن هنا نجد آن الشيخ ربط بين العقيدة والتفسير كما هو المنهج الصحيح، ويتضح تمام هذا الربط جليا في كتابه المشهور "كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد"، ويجد ربي وأنا بصدد دراسة منهج الشيخ في الاهتمام بالعقيدة من خلال تفسيره آن أدلل على هذا الاتصال والربط بإلقاء نظرة سريعة على هذا الكتاب القيم، فإن عنوان هذا الكتاب دال على مضمونه، وهو أنه كتاب يبحث في إيضاح التوحيد وتحقيقه وتجريده. ومع هذا ففي الكتاب ملامح تفسيرية واضحة أذكر منها ما يلي: ١- ترجمته بالآية القرآنية أو الآيات وجعلها عنوانا لما يندرج تحتها، ودليلا لما يراد إثباته في هذا الباب، ومثل هذا لا يكون إلا بعد فهم الآية المترجم بها، فإن تراجم الأبواب لها أهمية كبيرة، ولهذا اهتم العلماء بمثل هذه التراجم ومراد المترجم منها في هذا الموضع، وبهذه الصياغة سواء في هذا الكتاب أم في غيره من الكتب، وأفردوها بالمصنفات. وقد ترجم الشيخ لاثني عشر بابا بآيات قرآنية، عدا ما أورده من آيات هي جزء من الترجمة ومن أمثلة ذلك:

стр. 136

قوله١: باب قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ٢. ويوضح الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب وجه إيراد المصنف لهذه الآية في هذا الموضع، وغرضه من ذلك- ويتضح منه مدى فهم الشيخ محمد لها- فيقول: أراد المصنف ﵀ بهذه الترجمة بيان حال الملائكة الذين هم أقوى وأعظم من عبد من دون الله، فإذا كان هذا حالهم مع الله تعالى، وهيبتهم منه، وخشيتهم له، فكيف يدعوهم أحد من دون الله؟ وإذا كانوا لا يدعون مع الله تعالى، لا استقلالا ولا وساطة بالشفاعة فغيرهم ممن لا يقدر على شيء من الأموات والأصنام أولى أن لا يدعى ولا يعبد. ففي الرد على جميع فرق المشركين الذين يدعون مع الله من لا يداني الملائكة ولا يساويهم في صفة من صفاتهم ... إلى آخر ما قال "﵀" ٣. وفى هذا إيضاح تفسير لما يشاكل هذه الآية من الآيات المتعلقة بالدعاء. كم أن ما يورده الشيخ من آيات أخر، وأحاديث وغير ذلك في الباب دال على وجه فهمه لهذه الآية المترجم بها. ٢- إيراده لأكثر من آية في الباب الواحد. وهذه الآيات يبين بعضها بعضاً ويوضح معناه ووجهه فهو من قبيل تفسير القرآن بالقرآن كما أن هذا الإيراد أيضاً يمكن أن يلحق بالتفسير الموضوعي وذلك أنها آيات من مواضع متعددة في القرآن وقد جمعت لاشتراكها في إيضاح موضوع واحد وإن كان ذلك غير شامل لجميع الآيات في الموضوع أحياناً. ومن أمثلة ذلك:- قوله- باب الشفاعة٤. وقول الله : ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ

стр. 137

أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ ١. وقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ ٢. وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ٣. وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ٤. وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ الآيتين٥. فهذه الآيات قد تضافرت في بيان موضوع واحد وهو موضع الشفاعة فيتحمل من مجموعها المذهب الصحيح في الشفاعة نفياً وإثباتاً. وقد أوضح ابن تيمية ذلك بقوله الذي أورده الشيخ تعقيباً على هذه الآيات فقال: قال أبو العباس: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عوناً لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب كما قال: ﴿لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ إلى آخره٦. ٣- إيراده الأحاديث المفسرة للآيات المتقدمة عليها، وهذا من قبيل تفسير القرآن بالسنة، وكثيرا ما يورد ما يكون سببا لنزول الآية، والعلم بالسبب يعين على فهم المسبب. ومن أمثلة ذلك:

стр. 138

قوله: باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء١. وقول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ٢. وعن أبى مالك الأشعري "﵁" أن رسول الله " ﷺ " قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم، والنياحة", وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب" رواه مسلم٣. ولهما عن زيد بن خالد "رضي الله عنة" قال: صلى لنا رسول الله " ﷺ " صلاة الصبح بالحديبية، على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ ", قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي، وكافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب" ٤. ولهما من حديث ابن عباس معناه وفيه: قال بعضهم: لقد مطرنا بنوء كذا وكذا فأنزل الله هذه الآية ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ إلى قوله: ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ ٥.أ. هـ. فقد أوردهنا قول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ والمعنى: وتجعلون

стр. 139

شكركم أنكم تكذبون١. ثم أورد سبب نزول هذه الآية، وهو معين على فهم شيء من ذلك التكذيب المقصود في الآية، وهو قول بعضهم: مطرنا بنوء كذا وكذا في مقابل هذه النعمة، فأتضح معنى الآية بإيراد الأحاديث المتعلقة بها تحتها. ٤- إيراده بعض أقوال السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم، المبينة لمعنى في الآية، وهذا داخل ضمن التفسير بالمأثور. فمن أمثله ذلك: - أنه أورد في باب "قول الله تعالى": ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ٢. قول ابن عباس في قوله: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ ٣ قال: المودة٤. - وأورد في باب "من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله" ٥ وقول الله تعالي: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ ٦. ثم قال: قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم ٧. - وأورد في باب "قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ الآية" ٨.

стр. 140

قول مجاهد ما معناه: هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي١. وقول عون بن عبد الله: لولا فلان لم يكن كذا٢. ثم أردف بقول غير هؤلاء فقال وقال ابن قتيبة: يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا٣. وقال أبو العباس: بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه وإن الله تعالى قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر" الحديث- وقد تقدم٤- وهذا كثير في الكتاب والسنة يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به. وقال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقا، ونحو ذلك مما هو جار على ألسنة كثيرة. فقد أورد هنا بعض النصوص المفسرة للآية. من أقوال السلف. ٥- النص ضمن مسائل الباب الواحد على تفسير الآيات المذكورة. فإن كان تفسيرها قد أتضح فبها ونعمت، وإلا فيرجع إلى تفسيرها الصحيح لأنه معين على فهمها، واستنباط الشاهد للباب منها. وأمثلته كثيرة فكل باب ترجم له بآية نص في المسائل المستنبطة على التفسير بقوله: فيه مسائل: الأولى: تفسير آية كذا وكذا أو نحو ذلك. ومن أمثلته: - قوله "باب من الشرك إرادة الإنسان عمله الدنيا" ٥. وقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ الآيتين٦. ثم أورد حديث أبي هريرة المرفوع: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم" الحديث٧.

стр. 141

ثم قال: فيه مسائل: الأولى: إرادة الإنسان الدنيا بعمل الآخرة. الثانية: تفسير آية هود. ٦- الاستنباط من الآيات وهو داخل ضمن منهجه الاستنباطي من القرآن الكريم ومن أمثله ذلك قوله: "باب من الشرك آن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره" ١ وقول الله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ. وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ الآية٢. وقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ الآية٣. وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الآيتين٤. وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ ٥. وروى الطبراني بإسناده أنه كان في زمن النبي " ﷺ " منافق يؤذى المؤمنين فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله " ﷺ " من هذا المنافق، فقال النبي " ﷺ ": "أنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله" ٦. فيه مسائل: الأولى: أن عطف الدعاء على الاستقامة من عطف العام على الخاص. الثانية: تفسير قوله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ . الثالثة: أن هذا هو الشرك الأكبر. الرابعة: أن أصلح الناس لو يفعله إرضاء لغيره صار من الظالمين. الخامسة: تفسير الآية التي بعدها.

стр. 142

السادسة: كون ذلك لا ينفع في الدنيا مع كونه كفرا. السابعة: تفسير الآية الثالثة. الثامنة: أن طلب الرزق لا ينبغي إلا من الله، كما أن الجنة لا تطلب إلا منه. التاسعة: تفسير الآية الرابعة. العاشرة: أنه لا أضل ممن دعا غير الله. الحادية عشرة: أنه غافل عن دعاء الداعي لا يدري عنه. الثانية عشرة: أن تلك الدعوة سبب لبغض المدعو للداعي، وعداوته له. الثالثة عشرة: تسمية تلك الدعوة عباده للمدعو. الرابعة عشرة: كفر المدعو بتلك العبادة ... وهكذا. وبهذا يتضح ما أردت إيضاحه من الملامح التفسيرية في هذا الكتاب العظيم. هذا وبعد إيضاح الملامح التفسيرية في كتاب التوحيد، والتي يتضح منها تمام ربط الشيخ بين العقيدة والتفسير أعود فأقول: إن تركيز الشيخ على العقيدة في تفسيره يتجلى في اختياره السور والآيات ذات الملامح العقدية الهامة، حتى تكون أساسا لفهم ما يشاكلها في القرآن كله مما يتعلق بموضوع نفسه. فمن السور التي قصرها "سورة الفاتحة" حيث توسع في تفسيرها أكثر من غيرها، وبرز فيها واضحاً تركيزه على العقيدة، وترسيخها، وحماية جنابها من خلال الفهم الصحيح، لآيات هذه السورة العظيمة، وهي سورة لا يخفى شأنها وأهميتها ويكفي أنها "أم الكتاب". ومن تلك السور سورة "النحل" وهى مليئة بالمباحث العقدية. فمنها ما يتعلق بالإشارة إلى اليوم الآخر وتنزيه الله نفسه، وتعاليه عن الشرك: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١. وفيها ذكر تنزيله تعالى الملائكة بالأمر بوحدانية الله تعالى وتقواه ﴿يُنَزِّلُ

стр. 143

الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ ١. كما أن السورة تعرضت لذكر ربوبية الله ، والآيات الدالة عليه، كخلقه السماوات والأرض، وخلقه الإنسان من نطفه فإذا هو خصيم مبين، وما خلقه لعباده من النعم في البر والبحر ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ. وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ. وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ. وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٢. كما تعرضت السورة لبعض مباحث الرسالة: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٣. الآية. إلى غير ذلك من المباحث التي نص الشيخ على كل جزئيه منها في استنباطاته ولست هنا بصدد ذكر تلك الاستنباطات، وإنما أكتفي بالإشارة إلى كثرة المباحث العقدية في هذه السورة المختارة. ومن تلك السور المختارة سورة "الزمر" و"الجن" والمدثر" والإخلاص" والمعوذتين" وفي كل سورة من هذه السور تعلق وثيق بالعقيدة وشمول لمعظم المباحث العقدية. فلعله لهذا اختارها الشيخ للتفسير ليفسر ما يشاكلها من السور والآيات ذات الموضوع نفسه على ضوئها. كما أن تركيز الشيخ على العقيدة في تفسيره كما يتجلى في اختيار السور المفسرة فكذلك الحال بالنسبة للآيات المفسرة، بل قد يكون ذلك أوضح. فمن الآيات المختارة للتفسير قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآيتين٤. فقد أوضح الشيخ ﵀ أهمية هذه الآيات، واتصالها المباشر بالعقيدة

стр. 144

بما فيها من تقرير الإخلاص لله، والبراءة من الشرك، وما فيها من بيان حال الدعاة المصلحين، من الأنبياء وأتباعهم مع أقوامهم، فقال ﵀ بعد ذكر الآيتين السابقتين:- إذا عرفت أن سبب نزولها قول أهل الكتاب "نحن مسلمون نعبد الله إلا إن كنت تريد أن نعبدك"١ عرفت أنها من أوضح ما في القرآن من تقرير الإخلاص والبراءة من الشرك، ومن أعظم ما يبين لك طريق الأئمة المهديين من الأئمة المضلين، وذلك أن الله وصف أئمة الهدى بالنفي والإثبات، فنفى عنهم أن يأمروا أتباعهم بالشرك بهم، أو بالشرك بالملائكة والأنبياء وهم أصلح المخلوقات، وأثبت أنهم يأمرون أتباعهم أن يصيروا ربانيين، فإذا كان من أنزله الله بهذه المنزلة لا يتصور أن يأمر أتباعه بالشرك به ولا بغيره من الأنبياء والملائكة فغيرهم أظهر وأظهر. وإذا كان الذي يأمرهم به كونهم ربانيين، تبين طريقة الأنبياء وأتباعهم من طريقه أئمة الضلال وأتباعهم. ومعرفة الإخلاص والشرك، ومعرفة أئمة الهدى وأئمة الضلال أضل ما حصل المؤمن٢. إلى آخر ما يتعلق بهذه الآية من استنباطات معظمها استنباطات عقدية هامة، نابعة من فهم صحيح للآيات المختارة. ثم بعد الآيتين السابقتين تعرض لتفسير آيتين تاليتين لهما وهما قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ الآيتين٣. وفيهما تقرير نبوة محمد " ﷺ " والبشارة به في الكتب السابقة. يوضح الشيخ هذا وغيره بقوله:- فيه- أي فيما ذكر من الآيتين- ما هو من أبين الآيات للخاص والعام، وكونه " ﷺ " مذكوراً مبشرا ًبه

стр. 145

في كتب الأنبياء، وفيه حجة على أن دعوته عامة في الظاهر والباطن، وفيه أن الإيمان به لا يكفي عن نصرته، بل لا بد من هذا وهذا، وفيه أخذه تعالى الميثاق على الأنبياء بذلك، دليل على شدته إلا على من يسره الله عليه، وفيه أن من آتاه الله الكتاب والحكمة أحق بالانقياد للحق إذا جاء به من بعده، بخلاف ما عرف من حال الأكثر من ظنهم أنه لو اتبعه غيرهم فهو نقص في حقهم وفيه مزيد التأكيد بقوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ . وفيه إشهادهم مع شهادته سبحانه، وفيه أن من تولى بعد ذلك فجرمه أكبر، وفيه أن الآخر مصدق لما معهم لا مخالف له١. ومن الآيات التي اختارها للتفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢. وفيها يتجلى الولاء والبراء، والالتجاء إلى الله والاعتصام به من قبل إبراهيم: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٣. وما تفضل الله به على عبده الحنيف الموحد، ومن سار على نهجه في التوحيد،: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلّاً هَدَيْنَا ... ﴾ الآيات٤. فيستنبط الشيخ من هذه الآيات، التي قصت عليت ما جرى بين إبراهيم وقومه فيقول: القدح في حجتهم، لأن السواد الأعظم ليس لهم حجة إلا هي، فيدل على الرسوخ في مخالفتهم بالأدلة اليقينية، لقوله: ﴿إِنِّي
следующие страницы →