← Тараджим

Тараджим · id 12102

منهج شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في التفسير

مسعد بن مساعد الحسيني

Полный текст (472 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ثم قال: فيه مسائل: الأولى: إرادة الإنسان الدنيا بعمل الآخرة. الثانية: تفسير آية هود. ٦- الاستنباط من الآيات وهو داخل ضمن منهجه الاستنباطي من القرآن الكريم ومن أمثله ذلك قوله: "باب من الشرك آن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره" ١ وقول الله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ. وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ الآية٢. وقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ الآية٣. وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الآيتين٤. وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ ٥. وروى الطبراني بإسناده أنه كان في زمن النبي " ﷺ " منافق يؤذى المؤمنين فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله " ﷺ " من هذا المنافق، فقال النبي " ﷺ ": "أنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله" ٦. فيه مسائل: الأولى: أن عطف الدعاء على الاستقامة من عطف العام على الخاص. الثانية: تفسير قوله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ . الثالثة: أن هذا هو الشرك الأكبر. الرابعة: أن أصلح الناس لو يفعله إرضاء لغيره صار من الظالمين. الخامسة: تفسير الآية التي بعدها.

стр. 142

السادسة: كون ذلك لا ينفع في الدنيا مع كونه كفرا. السابعة: تفسير الآية الثالثة. الثامنة: أن طلب الرزق لا ينبغي إلا من الله، كما أن الجنة لا تطلب إلا منه. التاسعة: تفسير الآية الرابعة. العاشرة: أنه لا أضل ممن دعا غير الله. الحادية عشرة: أنه غافل عن دعاء الداعي لا يدري عنه. الثانية عشرة: أن تلك الدعوة سبب لبغض المدعو للداعي، وعداوته له. الثالثة عشرة: تسمية تلك الدعوة عباده للمدعو. الرابعة عشرة: كفر المدعو بتلك العبادة ... وهكذا. وبهذا يتضح ما أردت إيضاحه من الملامح التفسيرية في هذا الكتاب العظيم. هذا وبعد إيضاح الملامح التفسيرية في كتاب التوحيد، والتي يتضح منها تمام ربط الشيخ بين العقيدة والتفسير أعود فأقول: إن تركيز الشيخ على العقيدة في تفسيره يتجلى في اختياره السور والآيات ذات الملامح العقدية الهامة، حتى تكون أساسا لفهم ما يشاكلها في القرآن كله مما يتعلق بموضوع نفسه. فمن السور التي قصرها "سورة الفاتحة" حيث توسع في تفسيرها أكثر من غيرها، وبرز فيها واضحاً تركيزه على العقيدة، وترسيخها، وحماية جنابها من خلال الفهم الصحيح، لآيات هذه السورة العظيمة، وهي سورة لا يخفى شأنها وأهميتها ويكفي أنها "أم الكتاب". ومن تلك السور سورة "النحل" وهى مليئة بالمباحث العقدية. فمنها ما يتعلق بالإشارة إلى اليوم الآخر وتنزيه الله نفسه، وتعاليه عن الشرك: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١. وفيها ذكر تنزيله تعالى الملائكة بالأمر بوحدانية الله تعالى وتقواه ﴿يُنَزِّلُ

стр. 143

الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ ١. كما أن السورة تعرضت لذكر ربوبية الله ، والآيات الدالة عليه، كخلقه السماوات والأرض، وخلقه الإنسان من نطفه فإذا هو خصيم مبين، وما خلقه لعباده من النعم في البر والبحر ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ. وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ. وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ. وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٢. كما تعرضت السورة لبعض مباحث الرسالة: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٣. الآية. إلى غير ذلك من المباحث التي نص الشيخ على كل جزئيه منها في استنباطاته ولست هنا بصدد ذكر تلك الاستنباطات، وإنما أكتفي بالإشارة إلى كثرة المباحث العقدية في هذه السورة المختارة. ومن تلك السور المختارة سورة "الزمر" و"الجن" والمدثر" والإخلاص" والمعوذتين" وفي كل سورة من هذه السور تعلق وثيق بالعقيدة وشمول لمعظم المباحث العقدية. فلعله لهذا اختارها الشيخ للتفسير ليفسر ما يشاكلها من السور والآيات ذات الموضوع نفسه على ضوئها. كما أن تركيز الشيخ على العقيدة في تفسيره كما يتجلى في اختيار السور المفسرة فكذلك الحال بالنسبة للآيات المفسرة، بل قد يكون ذلك أوضح. فمن الآيات المختارة للتفسير قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآيتين٤. فقد أوضح الشيخ ﵀ أهمية هذه الآيات، واتصالها المباشر بالعقيدة

стр. 144

بما فيها من تقرير الإخلاص لله، والبراءة من الشرك، وما فيها من بيان حال الدعاة المصلحين، من الأنبياء وأتباعهم مع أقوامهم، فقال ﵀ بعد ذكر الآيتين السابقتين:- إذا عرفت أن سبب نزولها قول أهل الكتاب "نحن مسلمون نعبد الله إلا إن كنت تريد أن نعبدك"١ عرفت أنها من أوضح ما في القرآن من تقرير الإخلاص والبراءة من الشرك، ومن أعظم ما يبين لك طريق الأئمة المهديين من الأئمة المضلين، وذلك أن الله وصف أئمة الهدى بالنفي والإثبات، فنفى عنهم أن يأمروا أتباعهم بالشرك بهم، أو بالشرك بالملائكة والأنبياء وهم أصلح المخلوقات، وأثبت أنهم يأمرون أتباعهم أن يصيروا ربانيين، فإذا كان من أنزله الله بهذه المنزلة لا يتصور أن يأمر أتباعه بالشرك به ولا بغيره من الأنبياء والملائكة فغيرهم أظهر وأظهر. وإذا كان الذي يأمرهم به كونهم ربانيين، تبين طريقة الأنبياء وأتباعهم من طريقه أئمة الضلال وأتباعهم. ومعرفة الإخلاص والشرك، ومعرفة أئمة الهدى وأئمة الضلال أضل ما حصل المؤمن٢. إلى آخر ما يتعلق بهذه الآية من استنباطات معظمها استنباطات عقدية هامة، نابعة من فهم صحيح للآيات المختارة. ثم بعد الآيتين السابقتين تعرض لتفسير آيتين تاليتين لهما وهما قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ الآيتين٣. وفيهما تقرير نبوة محمد " ﷺ " والبشارة به في الكتب السابقة. يوضح الشيخ هذا وغيره بقوله:- فيه- أي فيما ذكر من الآيتين- ما هو من أبين الآيات للخاص والعام، وكونه " ﷺ " مذكوراً مبشرا ًبه

стр. 145

في كتب الأنبياء، وفيه حجة على أن دعوته عامة في الظاهر والباطن، وفيه أن الإيمان به لا يكفي عن نصرته، بل لا بد من هذا وهذا، وفيه أخذه تعالى الميثاق على الأنبياء بذلك، دليل على شدته إلا على من يسره الله عليه، وفيه أن من آتاه الله الكتاب والحكمة أحق بالانقياد للحق إذا جاء به من بعده، بخلاف ما عرف من حال الأكثر من ظنهم أنه لو اتبعه غيرهم فهو نقص في حقهم وفيه مزيد التأكيد بقوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ . وفيه إشهادهم مع شهادته سبحانه، وفيه أن من تولى بعد ذلك فجرمه أكبر، وفيه أن الآخر مصدق لما معهم لا مخالف له١. ومن الآيات التي اختارها للتفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢. وفيها يتجلى الولاء والبراء، والالتجاء إلى الله والاعتصام به من قبل إبراهيم: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٣. وما تفضل الله به على عبده الحنيف الموحد، ومن سار على نهجه في التوحيد،: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلّاً هَدَيْنَا ... ﴾ الآيات٤. فيستنبط الشيخ من هذه الآيات، التي قصت عليت ما جرى بين إبراهيم وقومه فيقول: القدح في حجتهم، لأن السواد الأعظم ليس لهم حجة إلا هي، فيدل على الرسوخ في مخالفتهم بالأدلة اليقينية، لقوله: ﴿إِنِّي

стр. 146

أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١. وينبه الشيخ في ما أشارت إليه الآيات من البراء فيقول: براءته من شركهم، نفي أولا كونها "تستحق" ٢، ونفى ثانيا عن نفسه الالتفات إليها. - تصريحه بما ذكر، ولم يدار مع كثرتهم ووحدته. - تصريحه بالبراءة منهم بقوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣. ويقول الشيخ مستنبطاً من الآيات إنعام الله على عباده الموحدين:- - أن العلم بدلائل التوحيد، وبطلان الشبه فيه، يرفع الله به المؤمن درجات. - معرفة آن الرب ﵎ حكيم يضع الأشياء في مواضعها. - كونه عليم بمن هو أهل لها كما قال تعالى: ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ . - ذكر نعمة على إبراهيم بذريته التي أنعم عليهم بالهداية. - أن العلم والهداية أفضل النعم لقوله: ﴿وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ . - هدايته لمذكورين أصولهم وفروعهم ومن في درجتهم. - ذكر الذي هداهم الله إليه وهو الصراط المستقيم. وهو المقصود من القصة٤. ومن الآيات التي اختارها الشيخ للتفسير أيضاً قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٥. وفى هاتين الآيتين يتضح حال من لم يرد بعمله وجه الله تعالى، بل أراد عرضاً زائلاً، وأن ذلك سبب لحبوط عمله وخسرانه في الآخرة، والعياذ بالله. وقد ذكرنا ما ذكره الشيخ من أقوال السلف في ذكر الأقسام المندرجة تحت هذه الآية٦.

стр. 147

وللشيخ رحمة الله مقدرة فائقة في استنباط المسائل العقدية من الآيات، وكيف لا وهو حامل لواء تجديد العقيدة الإسلامية التي خالطت روحه وفكره وثقافته، فتراه حتى في الآيات المتعلقة بالقصص القرآني يركز على الجانب العقدي، وإيضاح ما يستفاد من دروس عقدية من القصة، فلا يقف عند مجرد سرد أحداث القصة القرآنية كما درج عليه كثير من المفسرين، وذلك أن العقيدة واحدة لم تتغير بتغير الأمم، ولاشك أن الهدف من القصص هو العظة والعبرة، لا مجرد سرد الأحداث وسيأتي- إن شاء الله- مزيد تفصيل لمنهج الشيخ في القصص القرآني. واكتفى هنا بذكر مثال واحد يتضح به ما ذكرت. فقد قال الشيخ مستنبطاً من قصة آدم وإبليس١: وفي القصة فوائد عظيمة وعبر لمن اعتبر بها، منها: أن خلق آدم من تراب من أبين الأدلة على المعاد، كما استدل عليه سبحانه في غير موضع، وعلى قدرته سبحانه، وعظمته، ورحمته، وعقوبته، وإنعامه، وكرمه، وغير ذلك من صفاته. ومنها: أنها من أدلة الرسل عامة، ومن أدلة نبوة محمد " ﷺ " خاصة، ومنها: الدلالة على الملائكة وعلى بعض صفاتهم، ومنها: الدلالة على القدر خيره وشره، فقد اشتملت على أصول الإيمان الستة في حديث جبريل، ومنها: وهى أعظمها أنها تفيد الخوف العظيم الدائم في القلب، وأن المؤمن لا يأمن حتى تأتيه الملائكة عند الموت تبشره. وذلك من قصة إبليس، وما كان فيه أولا من العبادة والطاعة، ففي ذلك شيء من تأويل قوله " ﷺ ": "إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع" إلى آخره٢. والشيخ ﵀ لم يكتف بالامتثال منه وكفى، بل دعا غيره إلى إتباع الحق والتمسك به ونبذ ما يخالفه من البدع والأهواء، وهذا وأضح تمام الوضوح في تفسيره. فقد كان يهتم كثيراً بإيضاح العقيدة، ويرى أنها روح الإسلام وجوهره، بل هي الدين كله. فانظر إلى كلامه حيث يقول وأما قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فالعبادة كمال المحبة وكمال الخضوع. والخوف والذل، وقدم المفعول وهو إياك، وكرر للاهتمام والحصر أي لا نعبد إلا إياك ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين، فالأول التبرؤ من الشرك والثاني لتبرؤ من الحول

стр. 148

والقوة، فقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أي إياك نوحد، ومعناه أنك تعاهد ربك أن لا تشرك به في عبادته أحدا، لا ملكا، ولا نبياً ولا غيرهما كما قال للصحابة: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١. فتأمل هذه الآية. واعرف ما ذكرت لك في الربوبية أنها التي نسبت إلى "تاج" و"معمد بن شمسان" ٢ فإذا كان الصحابة لو يفعلونها مع الرسل كفروا بعد إسلامهم، فكيف بمن فعلها في تاج وأمثاله؟ وقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ هذا فيه أمران: أحدهما: سؤال الإعانة من الله، وهو التوكل والتبريء من الحول والقوة، وأيضاً طلب الإعانة من الله كما مر أنها من نصف العبد٣.أ. هـ. فانظر إلى كلامه "﵀" عند تفسير هذه الآية العظيمة التي تضمنت الدين كله كما قال، حيث إن العلاقة بين المخلوق والخالق عبادة من المخلوق للخالق، وتكرم بالعون من الخالق للمخلوق، فنصرف لله وحده ماله من العبادة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ، ونسأله التفضل علينا بالعون في جميع الأمور، ونتوكل عليه سبحانه، فلا حول ولا قوة لنا إلا بالله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، ومن هنا كان الدين كله يرجع إلى هذين المعنيين كما قال الشيخ.

стр. 149

وقد أوضح الشيخ كلا المعنيين هنا بينما اختصر القول في موضع آخر في الاستنباط من هذه الآية واكتفى بقوله: فيها التوحيد. وهذا جري على منهجه الاستنباطي المعروف فاكتفى بهذه الكلمة الفذة الشاملة عن كلام كثير جداً لو سطره لوسع مجلدات كما فعل ابن القيم من قبل في كتابه "مدارج السالكين بين مراتب ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ". ولكن الشيخ "﵀" كما هو معهود عنه من كتاباته ومؤلفاته يهدف إلى الاختصار، والنص على أصول المسائل المفيدة من أقصر طريق، وإن كان يرى أن الموضوع وأسع جدا، ومما يؤيد هذا أن الشيخ بعد أن استنبط من الفاتحة بعض المسائل المختصرة قال في آخرها: آيات الفاتحة كل آية منها لو يعلمها الإنسان صار فقيهاً، وكل آية قد أفرد معناها بالتصانيف١. وإضافة إلى بيان الشيخ للعقيدة وأسسها من خلال تفسيره، فإنه يبين أحياناً أهمية بعض المسائل بطريقة ما كأن ينص على أهميتها، أو يتعجب من عظمها، أو غفلة الناس عنها إن كانت حسنة أو انغماسهم فيها إن كانت خلاف ذلك. ولاشك أن مثل هذا الأسلوب يحدو بالقارئ إلى آن يقف عند هذه المسألة وقفة ليتمعن فيها، ويتأثر بما تأثر به الشيخ منها. وأمثلة ذلك كثيرة جدا فمنها: قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فمن عرف تفسير هذه الآية وعرف تخصيص الملك بذلك اليوم مع أنه سبحان مالك كل شيء ذلك اليوم وغيره عرف أن التخصيص لهذه المسألة الكبيرة العظيمة، التي بسبب معرفتها دخل الجنة من دخلها، ودخل النار من دخلها، فيالها من مسألة لو رحل الرجل فيها أكثر من عشرين سنة لم يوفها حقها! فأين هذا المعنى والإيمان بما صرح به القرآن مع قوله " ﷺ ": "يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاً" ٢. من قول صاحب البردة:

стр. 150

ولن يضيق رسول الله جاهك بي ... إذا الكريم تجلي باسم منتقم فإن لي ذمة منه بتسميتي ... محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم إن لم تكن في معادي أخذاً بيدي ... فضلا وإلا فقل يازلة القدم فليتأمل من نصح نفسه هذه الأبيات ومعناها، ومن فتن بها من العباد، ممن يدعي أنه من العلماء، واختاروا تلاوتها على تلاوة القرآن. هل يجتمع في قلب عبد التصديق بهذه الأبيات والتصديق بقوله: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ ١ وقوله: "يا فاطمة بنت محمد لا أغنى عنك من الله شيئاً " ٢؟! لا والله. لا والله. لا والله ٣.... ومن ذلك قوله ضمن المسائل المستنبطة من قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا: أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ ٤. حيث يقول:- المسألة العظيمة الكبيرة وهى الاستدلال بصفات الله على ما أشكل عليك من القدرة، لأنه سبحانه رد عليهم ما وقع في أنفسهم من استبعاد كون الله حرمهم، وخص هؤلاء بالكرامة٥. ويقول: جلالة هذه المسألة، وهي مسألة علم الله، لأنه سبحانه رد بها على الملائكة لما قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ ٦ الآية ورد بها على الكفار والجهال في هذه الآية كما ترى" ٧. وقوله ضمن المسائل المستنبطة من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٨ العظيمة التي لم يعرفها

стр. 151

أكثر من يدعي الدين وهي مسألة تكفير من أشرك، وحبوط عمله، ولو كان من أعبد الناس، وأزهدهم١. وقوله ضمن المسائل المستنبطة من قوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ٢حيث يقول: إبطال ما غرهم به الشيطان أن قصدهم وجه الله لا غير، وما أجلها من مسألة! ٣ ومن نصه على أهمية بعض المسائل قوله في قصة يوسف: وأعظم ما فيها تقرير الشهادتين بالأدلة الواضحة٤. ومن كمال نصح الشيخ "﵀" أن يهتم بإيضاح المسائل التي قد يشكل أمرها على بعض الناس من خلال التفسير، لئلا يتوهم متوهم وجود اختلاف أو تعارض أو إشكال في أمر من الأمور. وقد وجد مناسبات كثيرة لهذه التنبيهات في قصة يوسف فمنها:- ما استنبطه من قوله تعالى حكاية عن يوسف قال: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ٥ حيث قال الشيخ- قوله: ﴿عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ هذا فيه طلب الولاية كما قال عمر بن الخطاب لبعض الصحابة لما عرض عليه ولاية فأبى فقال: طلبها من هو خير منك، يعني يوسف "﵇" ولا يخالف هذا ما ورد من النهي عن طلب الأمارة، لأن هذا في غير شدة الحاجة كما أن خالداً لما أخذ الراية يوم موته من غير إمرة مدح على ذلك٦. - وقوله: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ فليس هذا مما نهي عنه من تزكية النفس

стр. 152

بل يذكر الإنسان ما فيه من الفضائل عند الحاجة إذا لم يقصد التزكية كما ورد عن جماعة من الصحابة١. وكذا قوله عند قول، الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٢ حيث قال:- تسمية الله سبحانه ذلك رحمة في قوله: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾ وهذه من أشكل المسائل على أكثر الناس، بعضهم يظن أن هذا كله نقص أو مذموم، وأن التجرد من المال مطلقا هو الصواب، وبعض يظن أن عطاء الدنيا يدل على رضا الله، وكلاهما على غير الصواب. وذلك أن من أنعم الله عليه بولاية أو مال فجعلها طريقا إلى طاعة الله فهو ممدوح وهو أحد الرجلين اللذين يغبطهما المؤمن، وإن كان غير هذا فلا٣. كما استنبط من قوله تعالى حكاية عن يوسف: ﴿أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ ٤. إن هذا ليس من تزكية النفس المذموم. وان هذا ليس من المن والأذى المذموم٥. واستنبط مما حكاه الله عن يعقوب من قوله: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ ٦ إن الكلام إذا لم يكن فيه جزع لم يناف الشكوى٧. وقال عند قوله تعالى حكاية عن يعقوب أيضاً: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٨.

стр. 153

جوابه لهم ﵇ وهو يدل على أن الشكوى إلى الله لا تنافى الصبر بل هي ممدوحة كما ذكر عن أيوب. - إخبار الرجل بنيته الصالحة إذا احتاج، أو انتفع السامع، ولا محذور في ذلك١ كما استنبط من قوله تعالى حكاية عن يوسف: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٢ أن التبرك بذلك وإمساكه والتداوي به ليس من الشرك كما كانوا يفعلون بآثار رسول الله " ﷺ " بل ذلك حسن مطلوب٣. ومن المعلوم أن الحق والباطل في صراع دائم، وعلى الصراط دعاة يصدون عنه من آمن ويبغونها عوجا. وفي كتاب الله من الحجج ما يقذف به الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق. ولحماية جناب العقيدة، والذب عن حياضها من خلال التفسير نجد آن الشيخ "﵀" قد ركز على جانب الردود على أهل البدع كثيراً بنص الآيات أو بدلا لالتها وما يستنبط منها، كما سيأتي بيانه في مبحث خاص إن شاء الله تعالى٤.

стр. 154

المبحث الثاني: أهم المباحث العقدية التي بين لها الشيخ في تفسيره المطلب لأول: اهتمامه ببيان أقسام التوحيد من خلال تفسيره ... المبحث الثاني: أهم المباحث العقدية التي بين لها الشيخ في تفسيره كما أهتم الشيخ "﵀" بالجانب العقدي في تفسيره وركز عليه في الجملة فقد نبه على كثير من المسائل عندما وجد لذكرها مجالا ومناسبة. وقد آن لي أن أبين أهم النواحي العقدية التي تعرض لها في تفسيره، وسيكون إيضاحي لهذه النواحي من خلال الاستنباط- إن شاء الله- على وجه التنبيه والإعلام والاستدلال مع الاختصار في كل ذلك ما أمكن. وأما تفصيل القول في تلك النواحي العقدية وغيرها، ومعتقد الشيخ فيها، وتقريره لها فأحيل الراغب في معرفتها إلى كتاب "عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي" تأليف شيخنا الدكتور: صالح بن عبد الله العبود. فقد أفاد وأجاد وفصل القول في جوانب مهمة من العقيدة، فجزاه الله خيرا، وأجزل مثوبته. وليكن أيضاً حي لأهم المباحث العقدية التي بينها الشيخ في تفسيره في مطلبين:- المطلب لأول: اهتمامه ببيان أقسام التوحيد من خلال تفسيره لقد أهتم الشيخ بهذا الجانب كثيراً وبينه وقرره واستنبط من الآيات ما يدل عليه حتى كان أظهر ما في تفسيره "﵀" واليك بيانه: أولاً: اهتمامه بتوحيد المعرفة والإثبات في تفسيره. أهتم الشيخ في تفسيره بتوضيح توحيد المعرفة والإثبات وهو المشتمل على توحيد الربوبية والأسماء والصفات، وهو التوحيد العلمي الخبري، وذلك لأنه الأصل، فلا يغلط في الإلهية إلا من لم يعطه حقه. وقد سار الشيخ في إيضاح هذا التوحيد مع كتاب الله ، حيث الإشارة إلى وحدانية الله، وكماله، وتفرده بتعريف ملكوت السماوات والأرض، وذكر الدلائل الشرعية والعقلية لتقرير هذا التوحيد.

стр. 155

ففي مجال إيضاح توحيد الربوبية: يوضح الشيخ معنى الرب في تفسير سورة الفاتحة بأنه المالك المتصرف ثم يقول:- وأما العالمين" فهو اسم لكل ما سوى الله ﵎، فكل ما سواه من ملك ونبي وانسي وجني وغير ذلك مر بوب مقهور يتصرف فيه، فقير، محتاج، كلهم صامدون إلى واحد لا شريك له في ذلك، وهو الغني الصمد١. ويستدل على توحيد الربوبية ببديهة العقل، لأن توحيد الربوبية ثابت مشهود، فيقول في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ ٢ الآيات:- فإن ذلك من أعظم الأدلة على المسألة- أي الربوبية- ببديهة العقل، أن من رأى نخلا لا يتخالجه شك أن المدبر له ليس نخلة واحدة منه، فكيف بملكوت السماوات والأرض٣؟! ويقول: والله من فضله أعطى الفطر ثم العقول ثم بعث الرسل وأنزل الكتب٤، فمع ثبوت آيات الله الكونية الدالة عقلا على ربوبية الله تعالى إلا أن الله قد أقام الحجة على خلقه ببعث الرسل، وإنزال الكتب، لتنبيه الخلق على دلائل ربوبيته ووحدانيته وتقريرها. وقد سار "﵀" في إيضاح هذا التوحيد مع تلك الآيات القرآنية الدالة على ربوبية الله تعالى، وتفرده بخلق السماوات والأرض والملكوت كله، والتفرد بالضر والنفع والتصرف فيما شاء سبحانه. فمن دلائل ربوبية الله تعالى خلق المخلوقات، والتصرف فيها، كما في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ ٥. وقد ذكر الشيخ هذه الآية، ثم ذكر ما فيها من براهين دالة على الدين الحق وضده في مسائل مستنبطه وهي:

стр. 156

الأولى: خلق السماوات والأرض. الثانية: أنه الحق. الثالثة: تكوير المكورين. الرابعة: تسخير النيرين. الخامسة: ذكر عزته في هذا. السادسة: ذكر مغفرته١. ثم ذكر براهين أخرى في الآية التي تليها وهي قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ٢. وقد ذكر هذه البراهين في مسائل تدعو إلى التفكر وهي: الأولى: خلقنا من نفس واحدة مع هذه الكثرة. الثانية: إنزاله لنا من الأنعام هذه النعم العظيمة. الثالثة: خلقنا في البطون. الرابعة: أنه خلق من بعد خلق. السادسة: أنه في الظلمات الثلاث. السابعة: كلمة الأخلاص. الثامنة التعجب من الغلط في هذا مع كثرة هذه البراهين ووضوحها٣. ومن دلائل ربوبية الله تعالى إنعامه على عباده، بالنعم، وتربيتهم بها، كما قال: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ. وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ ٤ فيض الشيخ على ما ذكرت هاتان الآيتان فيقول:

стр. 157

الآية الأولى: فيها ذكر نعمته بالتمكين في الأرض. الثانية: ذكر نعمته بما فيها من المعايش. الثالثة: ذكر قلة شكرهم. وفى الآية الثانية: ذكر نعمة الخلق. الثانية: ذكر نعمة التصوير. الثالثة: ذكر نعمة أمر الملائكة بالسجود لأبينا آدم١. ويذكر الشيخ أيضاً بعض دلائل ربوبية الله تعالى من خلال الآيات كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ. وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ. إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ. وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ. وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ. وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ. وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ. وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ. وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ٢. فيذكر ما في الآية من دلائل ربوبية الله فيقول: فيها ما جعل الله في البروج من الآيات سواء قيل: أنها النجوم، أو الكبار منها. الثانية: تزيين السماء. الثالثة: حفظها من الشياطين. الرابعة: ذكر الاستراق. الخامسة: ذكر عقوبته. السادسة: مد الأرض. السابعة: الرواسي. الثامنة: إنبات البنات.

стр. 158

التاسعة: كثرته، وكونه من كل شيء. العاشرة: كونه موزونا. الحادية عشرة: ذكر المعا يش. الثانية عشرة: ذكر الأنعام. الثالثة عشرة: كوننا لا نرزقهم مع كونهم لنا. واستنبط من قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ مسألتين: الأولى: فيها أن كل شيء خزائنه عنده. الثانية: إنزاله بقدر معلوم. كما استنبط من قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ... ﴾ إلى آخر الآيات ما يلي: الأولى: فيها ذكر إنعامه بإرسال الرياح. الثانية: أنها تلقح السحاب والشجر. الثالثة: إنزال الماء من السماء. الرابعة: تسهيل تناوله. الخامسة: عجزهم عن خزانته. السادسة: تفرده بالإحياء والإماتة. السابعة: أنه الو ارث. الثامنة: علمه بالمستقدم والمتأخر في الزمان وفي الطاعة. التاسعة: تفرده بحشر الجميع. العاشرة: ذكر حكمه وعلمه مع ذلك١. ويوضح الشيخ أيضاً أن من دلائل ربوبية الله تعالى، تفرده سبحانه بالضر والنفع فيقول عند قوله تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٢.

стр. 159

أنهم لما خصموا رجعوا إلى التخويف كفعل أمثالهم، فذكر أنه لا يخاف إلا الله المتفرد بالضر والنفع، بخلاف آلهتهم، فذكر النفي الإثبات١. ولله تعالى مقاليد السماوات والأرض ليس لأحد فيهما شرك بل الملك كله لله سبحانه. يوضح الشيخ هذا مستنبطاً إياه من الآيات بقوله عند ذكر قصة نوح عليه السلام٢: - التحقيق بكون المخلوق ليس له من الأمر شيء ولو كان نبياً مرسلاً بسبب ما فيها من قمة ابن نوح. - تبرؤ الرسل من دعوى أن عندهم خزائن الله وعلم الغيب مع أن الطواغيت في زماننا ادعوا ذلك وصدقوا وعبدوا أجل ذلك. - معرفة شيء من حكمة الله في تأديبه الرسل كما قال لنوح: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ٣. فالشيخ ﵀ قد تمشى في إثبات ما تقدم من دلائل ربوبية الله "ووحدانيته مع كتاب الله واكتفى بالله، والتنبيه على ما دلت عليه الآيات من الدلائل وذلك مدعاة ليجول الناظر بتفكيره في هذه الدلائل العظيمة ثم أن مجرد التنبيه على توحيد الربوبية والتذكير به كاف في إثباته لذوي العقول الإسلامية. كما أن هذا يوضح حقيقة هامة، وهي أن الشيخ يرى أن من كتاب الله ما لا يحتاج إلى شرح وتفسير بل هو واضح في نفسه، فلفظه دال دلالة ظاهرة على معناه، فالمرء بحاجة إلى لفت النظر، إلى نص كتاب الله تعالى فقط. وفي مجال توحيد الربوبية أيضاً يوضح الشيخ أنه متقرر عند الكفار عبده الأوثان ربوبية الله فهم يعرفون ذلك معرفة مجردة. يقول الشيخ٤: فالله تعالى مالك كل شيء، وهو المتصرف فيه، وهذا حق.

стр. 160

ولكن أقربه عباد الأصنام الذين قاتلهم رسول الله " ﷺ "، كما ذكر الله عنهم في القرآن في غير موضع كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ١. بل إن الكفار يعرفون بعض صفات الله فقد استنبط الشيخ من قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ ٢. أنه متقرر عند الكفار، عبدة الأوثان، منكري البعث، أن الله سبحانه حكيم، يضع الأشياء في مواضعها "والاشاعرة يزعمون أنه لا يفعل شيئاً لشيء٣ ". ولكن الكفار لم يعبدوا الله وحده كما هو مقتضى شهادتهم بالربوبية كما قال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ٤. وذلك لأنهم لم يعطوا هذا التوحيد حقه، وإلا فكيف يشرك بالله من يعلم أنه هو النافع الضار؟! وكيف يؤثر على الله شيئاً من يعلم أن الملك كله لله وحده؟! وكيف يشرك بالله من يعلم أن الله يعلم السر وأخفى؟! نسأل الله السلامة. وقد أشار الشيخ إلى نحو من هذه المعاني عند قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا﴾ الآيات٥. حيث ذكر بعض المسائل التي يجاوب بها من أشير عليه بشيء يصير به مرتداً ومنها: - الجواب بقوله: ﴿أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا﴾ يعني كيف تدبر

стр. 161

عن هذا وتقبل على هذا؟ أن الملك كله له يوم ينفخ في الصور، فكيف تؤثر عليه مالاً، أوحالاً أو جاهاً، أو غير ذلك؟!. - أنه عالم السر وأخفى فكيف لي بفعل ما تأمرني به وهو لا يغفى عليه١؟! ولهذا يبين الشيخ أن من عرف الله معرفة حقة، وعرف عظمته لم يشرك به، فيقول عند قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢. ففي الصحيح أن رسول الله " ﷺ " قرأها على المنبر وقال: "إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين وتكون السماوات بيمينه"، ثم ذكر تمجيد الرب ﵎ نفسه، وأنه يقول:- "أنا الجبار أنا المتكبر أنا الملك أنا العزيز أنا الكريم" قال ابن عمر فرجف برسول الله ﷺ حتى قلنا ليخرن به٣. ويستنبط الشيخ من هذه الآية التنبيه على سبب الشرك، وهو أن المشرك بان له شيء من جلالة الأنبياء والصالحين، ولم يعرف الله ، وإلا لو عرفه لكفاه وشفاه عن المخلوق، وهذا معنى قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية٤.

стр. 162

وأما في مجال إيضاح توحيد الأسماء والصفات: فقد اهتم به الشيخ في تفسيره، نظراً لكثرة وروده وتقريره وتأكيده في كتاب الله تعالى، فكان الشيخ تبعاً لذلك يبين هذا القسم من التوحيد، ويهتم به، ويرى أنه أصل العلوم١. فلذا يجب تعلمه والقيام بحقوقه، لأنه لا يستقيم للمرء توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية إلا بالإقرار بالصفات. وهو يسير في تفسير، لآيات الأسماء والصفات على منهج السلف الصالح، أهل السنة والجماعة. فعند تفسير سورة الفاتحة يبين الشيخ شيئاً مما يتعلق بالأسماء والصفات، وهو أن الله تعرف إلى عباده بأسمائه وصفاته فيقول: ....فذكر الله في أول هذه السورة التي هي أول المصحف الألوهية والربوبية والملك في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ كما ذكره في آخر سورة في المصحف: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ. مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ﴾ فهذه ثلاثة أوصاف لربنا ﵎ ذكرها مجموعة في موضع واحد في أول القرآن ثم ذكرها مجموعة في موضع واحد في آخر ما يطرق سمعك من القرآن، فينبغي لمن نصح نفسه أن يعتني بهذا الموضع، ويبذل جهده في البحث عنه، ويعلم أن العليم الخبير لم يجمع بينهما في أول، القرآن ثم في آخره إلا لما يعلم من شدة حاجة العباد إلى معرفتها، ومعرفة الفرق بين هذه الصفات، فكل صفة لها معنى غير معنى الصفة الأخرى٢. ويقول عند الكلام في موضع آخر على سورة الفاتحة أيضاً منبهاً على ما فيها مما يتعلق بالأسماء والصفات: وفي سورة الفاتحة معرفة الله على التمام، ونفى النقائص عنه ﵎، وفيها معرفة الإنسان ربه، ومعرفة نفسه، فإنه إذا كان هنا رب فلا بد من مربوب، و، إذا كان هنا راحم فلا بد من مرحوم، وإذا كان هنا

стр. 163

مالك فلا بد من مملوك، وإذا كان هنا عبد فلا بد من معبود، وإذا كان هنا هاد فلا بد من مهدى، وإذا كان هنا منعم فلا بدمن منعم عليه، وإذا كان هنا مغضوب عليه فلا بد من غاضب، و، إذا كان هنا ضال فلا بد من مضل. فهذه السورة تضمنت الألوهية، والربوبية، ونفي النقائص عن الله ، وتضمنت معرفة العبادة وأركانها١. فانظر- يرحمك الله- إلى هذا النظر المستنير إلى ما تضمنته هذه السورة من مباحث تتعلق بالأسماء والصفات وغيرها، إذ أن هذه الجمل الشرطية معتمدة على فهم آيات الفاتحة ومتمشية معها، فتأمل. ومن اهتمامه باستنباط ما يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات من الآيات أن ميزه عن غيره من العلوم وأفرده بالذكر وقدمه عند تصنيفه لصدر سورة هود، وذكر ما فيه من العلوم حيث قال: ذكر ما في صدر سورة هود من العلوم: الأول: علم معرفة الله: الأولى٢: ذكر أنه حكيم. الثانية: أنه خبير. الثالثة أنه قدير. الرابعة: أنه ذكر شيئاً من تفصيل العلم في قوله: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ٣. الخامسة: ذكر شيء من تفصيل القدرة، في قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ

стр. 164

فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ١ السادسة: خلق السماوات والأرض في ستة أيام. السابعة: كون عرشه على الماء. الثامنة: ذكر شيء من تفصيل الحكمة في قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ٢. التاسعة- كونه وكيلاً على كل شيء٣. والشيخ من واقع منهجه السلفي يوضح أحياناً معاني بعض الأسماء والصفات الواردة في القرآن الكريم، فإن معانيها معلومة لأنها بلسان عربي مبين، أما الكيفية فلا يعلمها إلا الله ﵎. يقول الشيخ: "الرحمان الرحيم": اسمان مشتقان من الرحمة، أحدهما أبلغ من الآخر مثل العلام والعليم. قال ابن عباس: هما اسمان رقيقان أحدهما ارق من الآخر أي أكثر من الأخر رحمة. ويقول: "وأما قوله: ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فالله علم على ربنا ﵎ ومعناه: الإله أي المعبود لقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ أي المعبود في السماوات والمعبود في الأرض ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ الآيتين٤. وأما الرب فمعناه المالك المتصرف ٥. ويقول: قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٦ أي "عليم" بمن يصلح للاجتباء "حكيم" يضع الأشياء في مواضعها٧.

стр. 165

ويقول: إنه الحكيم الخبير فلا يتصور أنه يشتبه عليه من يعصيه بمن يطيعه، ولا يتصور أنه يجعل من أطاعه كمن عصاه، لأنه الحكيم الخبير يضع الأشياء في مواضعها١. ويقول في تفسير سورة "الإخلاص" وما تضمنته من الأسماء والصفات: و"الأحد" الذي لا نظير له. و"الصمد" الذي تصمد الخلائق كلها إليه في جميع الحاجات، وهو الكامل في صفات السؤدد، فقوله: "الصمد" إثبات صفات الكمال. وفى قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ نفي الصاحبة والعيال. وفي قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ نفي الشركاء لذي الجلال٢. وقد وضح الشيخ في تفسيره من خلال الآيات مرارا أن العلم والقدرة هما أصل الأسماء والصفات لله تعالى. فقال عند قوله تعالى"إخباراً عن إبراهيم": ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٣ ما نصه:- - سعة العلم وما قبله سعة القدرة، وهاتان هما اللتان خلق العالم العلوي والسفلي لأجل معرفتنا لهما. - أن من ادعى معرفتهما وأشكل عليه التوحيد فعجب ولذلك قال: ﴿أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٤. ويركز من خلال الآيات أيضاً على الاستفادة العملية التي يثمرها علم الأسماء والصفات، وهي من لوازم هذا التوحيد لمن عرف معرفة حقه، فإن فائدة العلم العمل.

стр. 166

فمن أوجه الاستفادة العملية:- ما تورثه هذه المعرفة من إجلال الله وتعظيمه ومحبته، فأسماء الله سبحانه دالة على صفاته، ومعرفة صفاته مستلزمة عبادته كما قال تعالى: ﴿وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١. فاستنبط الشيخ من هذه الآية: الأمر بالتقوى في هذا الموضع أي النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله:- والاستدلال بالأسماء الحسنى على المسألة٢ وذلك أن من علم أن الله "سَمِيعٌ عَلِيمٌ" أثبت لله صفة "السمع والعلم"، فإذا آمن بهما حقا فذلك مستلزم لتقوى "السميع والعليم" ومراقبته لئلا يسمع منه ولا يعلم إلا خيرا. ومن خلال، الفهم الصحيح للآيات، والاستنباط الدقيق منها، المهتدى بالمنهج السلفي في التفسير نجد أن الشيخ يرى أن الأسماء والصفات قواعد كليه يستدل بها على جزئيات كثيرة، وأنه يستدل بها على ما أشكل على الإنسان من القدرة ونحوها، والاستدلال بصفات الله على أفعاله. فيقول مستنبطاً من قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيه:- الاستدلال بالصفات على الأفعال. والاستدلال بالقدرة على ما لا يظن وقوعه. والاستدلال بها على جعل العفو سببا لعز العافي وذل المعفو عنه. ولكن أحسن ما فيها تنبيه أعلم الناس على أشكل المسائل بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٤.

стр. 167

ويقول عند قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ ١ ما نصه:- - المسألة العظيمة الكبيرة، وهي الاستدلال بصفات الله على ما أشكل عليك من القدرة، لأنه سبحانه رد عليهم ما وقع في أنفسهم من استبعاد كون الله حرمهم، وخص هؤلاء بالكرامة. - جلالة هذه المسألة، وهى مسألة علم الله، لأنه سبحانه رد بها على الملائكة لما قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ الآية٢ ورد بها على الكفار الجهال في هذه الآية كما ترى٣. ومن خلال الآيات أيضاً يركز الشيخ على جانب آخر من الاستفادة العملية من معرفة الأسماء والصفات وهو دعاء الله بها، والتوسل إليه بأسمائه وصفاته، كما أمر الله بقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ٤ ولهذا ترجم الشيخ بهذه الآية في "كتاب التوحيد" فقال باب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ الآية٥. وكان أنبياء الله وأولياؤه يتوسلون إلى الله بأسمائه وصفاته كما أخبر عنهم فقال: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٦.

стр. 168

وقد نبه الشيخ على هذا أيضاً عند قول الله تعالى إخباراً عن يوسف: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ. فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ١. فقال- استفتاحه الدعاء بربه وقوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ ٢. فأشار بهذا إلى توسله إلى الله بهذا الوصف وهو الربوبية "رب" ففيه معنى التربية والعناية، ومن كان بهذه الصفة فهو الذي يجأر إليه في الشدائد، ويدعى في الملمات، فكان من لطف هذا الرب المربي بالنعم التفضل على عبده بالإجابة، وصرف الكيد عنه وهذا من كمال عناية الرب تعالى بمربوبه. "والله أعلم ". وهكذا يسير الشيخ في بيان آيات الصفات ومعانيها وما يستنبط منها على المنهج الصحيح فيقررها، ويبين معانيها، وأهميتها، وثمرتها، ولا يحرف معانيها أو يتاولها على غير تأويلها. "ولله الحمد والمنة".

стр. 169

ثانيا: اهتمامه بتوحيد القصد والطلب وهو توحيد الإلهية والعبادة. وقد ركز عليه في تفسيره كثيرا مستنبطاً إياه من الآيات ومقررا له. فعند قول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يوضح الشيخ معنى الإله وأنه المعبود فيقول: إذا عرفت أن معنى الله هو الإله، وعرفت أن الإله هو المعبود، ثم دعوت الله أو ذبحت له أو نذرت له فقد زعمت أنه هو الله، فمن عرف أنه قد جعل "شمسان" أو "تاجا" ١. برهة من عمره هو الله عرف ما عرفت بنو إسرائيل لما عبدوا العجل، فلما تبين لهم ارتاعوا، وقالوا ما ذكر الله عنهم: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٢. فقد بين هنا معنى الإله وشيئاً من كيفية تحقيق العبودية لله تعالى. كما بين ضروبا من الشرك في العبودية تحذيرا منها وحماية لجناب، التوحيد. وعند قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يوضح أن العبودية كمال المحبة، وكمال الخضوع والخوف والذل، فيقول: وأما قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . فالعبادة كمال المحبة، وكمال الخضوع، والخوف والذل، وقدم المفعول وهو إياك وكرر للاهتمام والحصر، أي لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك وهذا هو كمال الطاعة، والدين كله يرجع، إلى هذين المعنيين، فالأول: التبرؤ من الشرك والثاني: التبرؤ من الحول والقوة فقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أي، إياك نوحد ومعناه أنك تعاهد ربك أن لا تشرك به في عبادته أحدا ل املكا مقربا ولا نبيا ولا غيرهما كما قال للصحابة، ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٣ فتأمل هذه الآية واعرف ما ذكرت لك في الربوبية أنها التي نسبت إلى "تاج ومحمد بن شمسان". فإذا كان الصحابة لو يفعلونها مع الرسل كفروا

стр. 170

بعد إسلامهم، فكيف بمن فعلها في تاج وأمثاله١؟. وقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ هذا فيه أمران أحدهما: سؤال الإعانة من الله وهو التوكل، "والثاني" التبريء من الحول والقوه، وأيضاً: طلب الإعانة من الله كما مرأنها من نصف العبد ٢. فقد بين هنا العبادة، وأهميتها، وان الدين كله دائر بين معاني: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ووضح معنى كل منهما. ويوضح الشيخ عند قول الله تعالى إخبارا عن قول إبراهيم لأبيه: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً﴾ ٣ أن أعظم شيء عند المسلم آلهة ومعبودة فيقول: قوله: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً﴾ السؤال عن معنى الآلهه؟ فإنها جمع إله، وهو أعلى الغايات عند المسلم والكافر، فكيف يتغذ جمادا؟! وهذا أعجب وأبعد عن العقل من جعل الحمار قاضيا، لأن الحيوان أكمل من الجماد فإذا كان هذا من خشب أو حجر لم يعص الله فكيف بمن اتخذ فاسقا إلها مثل نمرود وفرعون؟! فإن كان اتخذه بعد موته فأعجب وأعجب٤. ويوضح الشيخ في بداية تفسيره عند الكلام على الاستعاذة والبسملة بعض أنواع العبادة والإخلاص فيها فيقول: فمعنى "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" ألوذ بالله واعتصم بالله وأستجير بجنابه من شر هذا العدو أن يضرني في ديني أو دنياي، أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني على فعل ما نهيت عنه، لأنه أحرص ما يكون على العبد إذا أراد عمل الخير من صلاة أو قراءة وغير ذلك. وذلك أنه لا حيلة لك في دفعة إلا بالاستعاذة بالله لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ ٥ فإذا طلبت

стр. 171

من الله أن يعيذك منه، واعتصمت به، كان هذا سببا في حضور القلب، فاعرف معنى هذه الكلمة، ولا تقلها باللسان فقط كما عليه أكثر الناس. وأما البسملة: فمعناها أدخل في هذا الأمر من قراءة أو دعاء، أو غير ذلك: "بِسْمِ اللَّهِ" لا بحولي ولا بقوتي، بل أفعل هذا الأمر مستعينا بالله متبركا باسمه ﵎، هذا في كل أمر تسمى في أوله من أمر الدين أو أمر الدنيا فإذا أحضرت في نفسك أن دخولك في القراءة بالله مستعينا به، متبرئا من الحول والقوة، كان هذا أكبر الأسباب في حضور القلب وطرد الموانع من كل خير١. فقد قرر ﵀ خلال شرح معنى الاستعاذة والبسملة معنى الاستعاذة والاستعانة والالتجاء إلى الله والإخلاص في ذلك وبين ما يترتب عليه من عون الله وتوفيقه وحمايته لعبده. وعند قول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يتعرض الشيخ لإيضاح أنواع الحمد المستغرق في الآية فيقول:- اعلم أن الحمد هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري فأخرج بقوله: "الثناء باللسان" الثناء بالفعل الذي يسمى لسان الحال فذلك من نوع الشكر، وقوله: "على الجميل الاختياري" أي الذي يفعله الإنسان با رادته، وأما الجميل الذي لا صنع له فيه مثل الجمال ونحوه فالثناء به يسمى مدحا لا حمدا، والفرق بين الحمد والشكر: أن الحمد يتضمن المدح والثناء على المحمود بذكر محاسنه سواء كان إحسانا إلى الحامد أو لم يكن، والشكر لا يكون إلا على إحسان المشكور، فمن هذا الوجه الحمد أعم من الشكر، لأنه يكون على المحاسن والإحسان، فإن الله يحمد على ماله من الأسماء الحسنى، وما خلقه في الآخرة والأولي، ولهذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾ ٢ الآية، وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ٣ إلى غير ذلك من الآيات.

стр. 172

وأما الشكر فإنه لا يكون إلا على الإنعام، فهو أخص من الحمد من هذا الوجه، لكنه يكون بالقلب واليد واللسان، ولهذا قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً﴾ ١ والحمد إنما يكون بالقلب واللسان، فمن هذا الوجه الشكر أعم من جهة أنواعه، والحمد أعم من جهة أسبابه. والألف واللام في قوله "الحمد" للاستغراق، آي جميع أنواع الحمد لله لا لغيره، فأما الذي لا صنع للخلق فيه مثل خلق الإنسان، وخلق السمع والبصر والسماء والأرض والأرزاق وغير ذلك فواضح، وأما ما يحمد عليه المخلوق مثل ما يثني به على الصالحين، والأنبياء، والمرسلين، وعلى من فعل معروفا، خصوصا إن أسداه إليك، فهذا كله لله أيضاً بمعنى أنه خلق ذلك الفاعل، وأعطاه ما فعل به ذلك، وحببه إليه، وقواه عليه، وغير ذلك من إفضال الله الذي لو يختل بعضها لم يحمد ذلك المحمود فصار الحمد لله كله بهذا الاعتبار٢. فقد أوضح الشيخ أولا معنى كل من الحمد والشكر والعلاقة بينهما وفصل القول في ذلك تفصيلا وافيا بالغرض وذكر أنواع الحامد ودخولها في ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . ثم بين أنها لله وحده، ووجه ذلك. وخلال تفسير الشيخ لسورة الفاتحة يذكر بضرورة حضور الذهن عند قراءتها وذلك لما تثمره في قلب صاحبها من كمال العبودية لله تعالى، إذا قرأها بتدبر لمعانيها، وما تتضمنه من الدعاء فإنه لا يستجاب الدعاء من قلب غافل. يقول الشيخ: فإذا علم العبد أنها- أي الفاتحة- نصفان: نصف لله، وهو أولها، إلى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ونصف للعبد، دعاء يدعو به لنفسه وتأمل أن الذي علمه هذا هو الله تعالى، وأمره أن يدعو به، ويكرره في كل ركعة، وأنه سبحانه من فضله وكرمه ضمن إجابة هذا الدعاء إذا دعاه

стр. 173

بإخلاص وحضور قلب تبين له ما أضاع أكثر الناس١. ومن خلال القرآن ومحاجة المعاندين به يبين الشيخ أن تلك الآيات فيها ترسيخ توحيد الألوهية والتحذير من الشرك فيه فيقول عند قوله تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ٢. إذا كان رسول الله " ﷺ " وأصحابه والأئمة بعدهم قد أجمعنا أنهم ومن اتبعهم على الحق، ومن خالفهم فهو على الباطل، فنقول: هذه المسألة التي اختلفنا وإياكم فيها هل رسول الله " ﷺ " وأصحابه على قولنا أو على قولكم؟ فإذا أقروا أن دعاء أهل القبور، والبناء عليها وجعل الأوقاف والسدنة عليها من دين الجاهلية، فلما بعث الله محمدا " ﷺ " ونهى عن ذلك كله، وهدم البناء الذي جعلته الجاهلية على القبور، ونهي عن دعاء الصالحين، وعن التعلق بهم، وأمر بإخلاص الدعوة لله، وآمر بإخلاص الإستعانة لله، وبلغنا عن الله أنه يقول: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٣ ومضى رسول الله " ﷺ " وأصحابه والتابعون وأتباعهم والأئمة، وأصحابهم، على ذلك ولم يحدث هذا إلا بعد ذلك "أعني دعاء غير الله والبناء على القبور، وما يتبع ذلك من المنكرات، فكيف تقرون أن رسول الله " ﷺ " وأصحابه والأئمة بعدهم على ما نحن عليه، ثم تنكرونه أعظم من إنكار دين اليهود والنصارى مع إقرار كم أنه الدين الذي عليه رسول الله ﷺ وأصحابه والأئمة؟ أم كيف تنصرون الشرك وما يتبعه، وتبذلون في نصره النفس والمال مع إقراركم أنه دين الجاهلية المشركين؟!

стр. 174

هذا هو الشيء العجاب لأجعل الآلهة إلهاً واحداً١. فقد بين في هذه المحاجة للمبطلين أن النبي " ﷺ " قد بعث بالحنيفية السمحة داعياً إلى التوحيد ومحذراً من الشرك وبين ذلك واستدل له ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.

стр. 175

المطلب الثاني: اهتمامه بتقرير أركان الإيمان من خلال تفسيره إن الناظر في استنباطات الشيخ "﵀" من الآيات القرآنية يرى أنه يهتم بالنص على ما تتضمنه تلك الآيات من ركائز الإيمان وأركانه، بل يجعل ذلك من أوليات ما ينظر إليه كي يثمر العلم العمل، فإن الأعمال داخلة في مسمي الإيمان كما ذكر الشيخ عند قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ ١. وقد ذكر الشيخ عند استنباطه من قصة آدم وإبليس أن هذه القصة قد اشتملت على أصول الإيمان الستة في حديث جبريل وذكر هذه الأصول في موضع واحد فقال ٢: وفي القصة فوائد عظيمة وعبر لمن اعتبر بها، منها أن خلق آدم من تراب من أبين الأدلة على المعاد كما استدل به سبحانه في غير موضع "وهذه دلالة القصة على الإيمان باليوم الآخر". ومنها أنها من أبين الأدلة على قدرته سبحانه وعظمته ورحمته وعقوبته و، إنعامه وكرمه وغير ذلك من صفاته "وهذه بعض دلالتها على الإيمان بالله". ومنها: أنها من أدلة الرسل عامة، ومن أدلة نبوة محمد " ﷺ " خاصة "وهذه دلالتها على الإيمان بالرسل". ومنها: الدلالة على الملائكة وعلى بعض صفاتهم "وهذه دلالتها على الإيمان بالملائكة". ومنها: الدلالة على القدر خيره، وشره "وهذه دلالتها على الإيمان بالقدر". أما دلالتها على الإيمان بالكتب فلعل ذلك لكون هذه القصة، إنما أتت عن طريق الكتب، ولم يأت بها البشر من عند أنفسهم ولم يشهدها أحد منهم فدل ذلك على أن الكتاب منزل من لدن حكيم خبير كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ

стр. 176

قُرْآنٌ مَجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ ١. هذا وقد استنبط الشيخ في مواضع اخرى ما يتعلق بهذه الأركان الستة نصا عليها وتوضيحا لها. فأشير، إلى اهتمامه بترسيخ هذه الأركان من خلال القرآن وتفسيره. أولا: الإيمان بالله: أعظم ما نص عليه الشيخ في تفسيره، ونبه إليه، ووضحه الإيمان بالله تعالى "وقد أوضحت شيئاً من اهتمام الشيخ بهذا الجانب عند الكلام عن اهتمامه بتوحيد المعرفة والإثبات وتوحيد القصد والطلب من خلال تفسيره ففي ذلك الكفاية فليراجع ٢. ثانيا: الإيمان بالملائكة: من خلال الاستنباطات ينص الشيخ على ما يتعلق بالملائكة، وصفاتهم، ليرسخ الإيمان بهم في القلوب، وقد سبق أن ذكرت أنه ذكر في قصة آدم وإبليس الدلالة على الملائكة وعلى بعض صفاتهم٣، فهم عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. ومن خلال القرآن يوضح شيئاً من تلك الصفات التي أجملها هنا. فمن ذلك طاعتهم لله وسجودهم لآدم، وتواضعهم طاعة لرب العالمين، كما قال: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ. فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ ٤. وينص الشيخ على بعض صفاتهم فيقول: إن الملائكة لما أخبرهم الله تعالى بأنه جاعل في الأرض خليفة قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ ٥ فقيل لهم ما قيل وعوتبوا بقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٦

стр. 177

فكانت توبتهم أن قالوا: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ ١ فكان كما لهم، ورجوعهم عن العتب، وكمال علمهم أن أقروا على أنفسهم بالجهل إلا ما علمهم سبحانه فقالوا: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ٢. وعند قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٣ مما فيه تفسير لقوله تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٤ يستنبط ما دلت عليه هاتان الآيتان، من صفاتهم فيقول: سجود الملائكة، وعدم استكبارهم مع شرفهم، وخوفهم منه مع ذلك، وأنهم مع ذلك الخوف كاملوا الانقياد فيما أمروا ٥. ويستنبط من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ ٦. الآية: أن ملك الموت له أعوان يتوفون٧. ويستنبط من قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ ٨ أن روح القدس هو جبرائيل٩. ووجه هذا الاستنباط أنه من المعلوم أن الذي ينزل بالقرآن على النبي ﷺ هو جبرائيل فلما ذكر سبحانه في هذه الآية أن الذي نزله هو روح القدس علم أن روح القدس هو جبرائيل.

стр. 178

ويستنبط من قوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ ١ أن تنزيل الملائكة بالروح بمشيئة الله لا باقتراح الخلق٢. ثالثا: الإيمان بالكتب. يستنبط الشيخ من قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ٣. وجوب الإيمان بجميع المنزل على هؤلاء الأنبياء، وعدم التفريق بينهم٤. وينبه عند قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٥ على ما نصت عليه الآية من الأمر بأتباع المنزل إلينا، والتحريض على ذلك بأنه منزل إلينا من ربنا، والنهي عن اتباع ما سواه٦. وعند قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ٧ ينبه إلى ما دلت عليه الآيات من أن الحكمة من إنزال القرآن هي تثبيت المؤمنين، وهدايتهم، وتبشيرهم٨. ثم يوضح عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ

стр. 179

اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ١ أن الإيمان بآيات الله يستلزم العمل ومنه ترك الكذب٢. وفي هذا إيضاح الغرض من إنزال الكتب وهو الإيمان بالله المتضمن العمل الصالح. ويوضح عند قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ ٣ الآية: ضرورة التسليم لكتب الله، وعدم معارضتها بغيرها، ومع هذا ففي من يدعى العلم من اختار كتب السحر على كتاب الله، ويعارضون بها كتاب الله. واتباع غير كتاب الله ضلال٤. ولبيان ما تقدم يقول الشيخ: إن الذي يقتصر على الوحي هو البصير، وضده الأعمى٥ وذلك من خلال النظر في قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ ٦. رابعا: الإيمان بالرسل. من خلال الفهم الصحيح لآيات كتاب الله تعالى يوضح الشيخ وجوب الإيمان برسل الله، والغرض من إرسالهم، ودلائل رسا لاتهم، وأحوالهم والواجب تجاههم، وغير ذلك مما تنص عليه الآيات فعند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الآية٧ ينبه الشيخ على ما نصت عليه هذه الآية من عموم الرسالة لكل أمه، وأن كل أمة لها رسول يخصها، وأن بعثه الكل لأجل هاتين الكلمتين، وأنه لا بد مع الإثبات من النفي٨.

стр. 180

ويبين الشيخ من خلال قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١ أن كل الرسل رجال لاجني فيهم ولا أنثي، وأن كل رسول لا يرسل إلا ببينات٢. ويتضح اهتمام الشيخ بالتنبيه على ما يتعلق بأحوال الأنبياء من خلال إفراده الكلام عن الرسالات بالذكر عند تصنيفه لمواضيع بعض السور أو الآيات. فعند تصنيفه لما اشتمل عليه صدر سورة هود من العلوم ذكر العلم الثالث وهو "تقرير الرسالة" ٣ فذكر ما اشتمل عليه صدر هذه السورة مما يتعلق بهذا الموضوع من مسائل وهي:- الأولى: المسألة الكبرى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ ٤. الثانية: أنه نذير من الله وبشير لنا. الثالثة: تقرير صحة رسالته باعتراضهم بقولهم إنها سحر مبين مع موافقتها للعقل. الرابعة: تقريرها بقولهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾ ٥. الخامسة: تقريرها بمعرفة العلماء بها. السادسة: تقريرها بالتحدي. السابعة: تقريرها بأنها الحق من الله. والسادسة مستنبطة من قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٦.
следующие страницы →