١- قوله ضمن المسائل المستنبطة من قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ ١.
ما نصه٢: إن من المقامات ما يحسن من شخص، ويلام في تركه، ويذم من شخص آخر، كما نهى رسول الله " ﷺ " من أراد الإقتداء به في الوصال بقوله: "إني لست كهيئتكم" ٣.
٢- قوله ضمن المسائل المستنبطة من قوله تعالى: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ ٤ الآيات.
من نصه:- النصيحة ولو لغير المسلمين كما قال " ﷺ ": "في كل كبد رطبة أجر" ٥. وأما المسلم فنصحه من الفرائض٦.
٣- قوله ضمن المسائل المستنبطة من قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٧- ما نصه٨: إن هذا في مثل هذا المقام ليس من الفخر كما قال النبي " ﷺ ": "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" ٩.
٤- قوله ضمن المسائل المستنبطة من قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً
стр. 72
فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ١.
ما نصه٢:- إن هذه المهنة لا نقص فيها، كيف وقد قال رسول الله " ﷺ ": "ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم" ٣.
ويتضح من كل ما تقدم نظرة الشيخ الشمولية لتفسير القرآن بالسنة، حتى إنه يوضح بعض المعاني المستنبطة من الكتاب بفعل النبي " ﷺ "، "وهو من السنة" ومن ذلك قوله ضمن المسائل المستنبطة من قوله تعالى للوط ﵇: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ ٤.
ما نصه٥: معرفة قدر كونه آخر الرفقة في السفر، كما كان النبي " ﷺ " يتخلف في آخرهم٦.
ويوضح المعاني أحياناً بتقرير النبي " ﷺ " مما يؤكد النظرة الشمولية لمعنى السنة وتفسير القرآن بها ويتضح هذا من إيراده الحديث الآتي بعد قوله في كتاب التوحيد "باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٧.
ولحديث الذي أورده بعد هذه الآية مبيناً لها هو ما ورد عن أبن مسعود، ﵁ قال جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله " ﷺ " فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السموات على أصبع والأرضين على أصبع والشجر على أصبع، والماء على إصبع، والثرى على أصبع وسائر الخلق على أصبع
стр. 73
فيقول: أنا الملك. فضحك النبي " ﷺ " حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وقد تقدم الحديث برواياته١.
ومما يدل على أن الشيخ ﵀ أورد هذا الحديث مورد التفسير للآية قوله ضمن المسائل المستنبطة من هذا الباب: الأولى: تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٢ والله أعلم.
стр. 74
الفصل الثالث: تفسيره القرآن بأقوال السلف من الصحابة والتابعين
المبحث الأول: تفسيره القرآن بأقوال الصحابة
اهتم الشيخ "﵀" بتفسير الصحابة، فكان كثيرا ًما يورد تفاسيرهم في الآية مكتفياً بها حيناً، ومستفيداً من فهمهم وتفسيراتهم حيناً آخر، وخصوصاً من اشتهر منهم بطول باعه، وتضلعه من علم التفسير كحبر الأمة ابن عباس وابن مسعود وغيرهما "﵃ أجمعين".
وذلك أن تفسير الصحابة ﵃ له المنزلة السامية بين تفاسير السلف، فإذا لم نجد التفسير في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله " ﷺ " فإننا نرجع إلى تفسيراتهم، وأقوالهم، واستنباطاتهم من القرآن وذلك لما ورد من الآيات المتكاثرة، والأحاديث المتواترة الناصة على كمالهم، والمورثة العلم القطعي بفضلهم وسبقهم وعدالتهم١، كما قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ ٢ وغير ذلك.
ولكونهم أدرى بالتفسير من غيرهم لما شاهدوه من القرائن والأحوال التى اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح.
وللشيخ "﵀" طريقتان في إيراد أقوال الصحابة والاستفادة من تفسيراتهم:
الطريقة الأولى: أن يصرح بذكر اسم الصحابي المروي عنه، كأن يقول: قال ابن عباس. أو قاله ابن عباس مثلا. أو نحو ذلك.
ومن أمثلة ذلك:
- قوله في تفسير قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ :
стр. 75
اسمان مشتقان من الرحمة، أحدهما أبلغ من الآخر مثل العلام والعليم، قال ابن عباس: هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر١. أي أكثر من الآخر رحمة٢.
- وقوله في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ ٣: قال ابن القيم:- قال ابن عباس: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ يعني آدم, ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ لذريته٤.
- وقوله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾ ٥:
قال ابن عباس في رواية الوالبي٦- الصلصال: الطين اليابس.
وفي رواية: الذي إذا نقر صوت.
- وقوله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾ ٧.
стр. 76
أخرج ابن جرير عن عمر: حيث كان الماء كان المال، وحيث ما كان المال كانت الفتنة١.
وقوله: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾ "قال ابن عباس: شاقاً٢.
الطريقة الثانية: أن لا يصرح بذكر اسم الصحابي المروي عنه، ولكن يذكر أن هذا قول لبعض الصحابة، أو يذكر أنه قول بعض السلف أو نحو ذلك، والمعني هو ذلك الصحابي القائل. ومن أمثلة ذلك:
- قوله عند الكلام على قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ ٣ بعد كلام له:
فذكر الله لمن أعرض عن القرآن وأراد الفقه من غيره عقوبتين:
أحداهما: المعيشة الضنك- وفسرها السلف بنوعين:
الأول: ضنك الدنيا. وهو أنه إن كان غنياً سلط الله عليه خوف الفقر، وتعب القلب والبدن في جمع الدنيا، حتى يأتيه الموت ولم يتهن بعيش.
الثاني: الضنك في البرزخ وعذاب القبر.
وفسر الضنك أيضاً بالجهل، فإن الشك والحيرة لها من القلق وضيق الصدر ما لها٤، فصار في هذا مصداق قوله في الحديث "ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله" ٥.
стр. 77
فالنوع الأول الذي ذكره الشيخ في تفسير المعيشة الضنك روي نحو معناه عن ابن عباس ﵄؛ حيث روي عنه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ يقول: كل مال أعطيته عبداً من عبادي قل أو كثر، لا يتقيني فيه، لا خير فيه، وهو الضنك في المعيشة. ويقال: إن قوماً ضلالاً أعرضوا عن الحق وكانوا أولي سعة من الدنيا مكثرين، فكانت معيشتهم ضنكاً، وذلك أنهم كانوا يرون أن الله ليس بمخلف لهم معايشهم من سوء ظنهم بالله، والتكذيب به، فإذا كان العبد يكذب بالله ويسيء الظن به، اشتدت عليه معيشته فذلك الضنك١.
والنوع الثاني: مروي عن بعض الصحابة كأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة وابن مسعود رضي الله عنهم٢.
стр. 78
المبحث الثاني: تفسيره القرآن بأقوال التابعين .
حيث أن التابعين هم تلامذة الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وقد تلقوا عنهم علومهم ومعارفهم، ونهلوا من منهلهم الصافي. فقد برز منهم علماء أفذاذ في تلك الحقبة الفاضلة، كانوا غرة في جبين الأمة الإسلامية ومسيرتها.
وقد كان لعلومهم أثرها، ولقولهم وزنه، ومن هنا اهتم العلماء بإيراد أقوالهم ضمن إيرادهم للتفسير المأثور في كتبهم التي اهتمت بذلك كتفسير عبد الرزاق، والطبري، والبغوي، وغيرهم.
وكان الشيخ محمد ﵀ من أولئك العلماء الذين اهتموا بالاستفادة من تفاسير التابعين، وإيراد أقوالهم، فأوردها مستعيناً بها على تفسير الآية وإيضاح معناها، ومستشهداً بها على ما يستنبطه من أحكام وفوائد، وإن لم يكن ذلك بالقدر الموجود عند من افردوا التفسير بتصنيف خاص لجميع القرآن، إلا أنه قد طبق منهج المفسرين في هذا الجانب، فلم يهمل تفسير التابعين، بلى إنه أنزله منزلة عالية حتى كأنه يميل إلى حجية تفسير التابعين، يتضح هذا من قوله ضمن كلام وارد في رسالة مبحث الاجتهاد والخلاف وهي مختصرة من "أعلام الموقعين" لابن القيم: ومن تأمل كتب السلف ومن بعدهم وجدها مشحونة بالاحتجاج بتفسير التابعي١.
ولم يعقب الشيخ على هذا الكلام بشيء، مما يوحي بميله إلى هذا القول. ومما يقوي القول بترجيحه لما اقتصر على ذكره أن ابن القيم ذكر في "إعلام الموقعين" قبل هذا الكلام مباشرة أن في الاحتجاج بتفسير التابعي عن الإمام أحمد روايتين٢. فأعرض الشيخ عن هذا الكلام وأورد ما ذكرت ففي هذا ما يوحي باختياره لإحدى الروايتين عن الإمام أحمد في هذا الموضوع.
وإذا كان الأمر كذلك فقد رجع كثير من الأئمة في تفسير القرآن إلى أقوال التابعين،
стр. 79
إذا لم يجدوا التفسير في القرآن نفسه، أو السنة الصحيحة، أو أقوال الصحابة١، فلا يكاد يخلو كتاب من كتب التفسير من إيراد أقوال التابعين، كمجاهد، وقتادة، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، والضحاك، والحسن البصري، وغيرهم.
وقد حكى الأئمة أقوالهم، لأن غالب تفسيراتهم متلقاة من قبل الصحابة، فقد تلقوا عنهم القرآن وتفسيره، وعايشوا الصحابة، ورأوا أحوالهم، وعرفوا عقيدتهم، ومنهجهم، وأقوالهم، فمجاهد مثلا يقول:- عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية منه، وأسأله عنها٢.
وابن أبي مليكة يقول: رأيت مجاهداً يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن، ومعه ألواحه، فيقول له ابن عباس اكتب حتى سأله عن التفسير كله٣.
ولهذا كان سفيان الثوري يقول: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به٤.
وقتادة يقول: ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئاً٥.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض كلامه في الحث على التفسير على منهج السلف والتحذير من الابتداع وفى الجملة: من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئاً في ذلك، بل مبتدعاً، وإن كان مجتهداً مغفوراً له خطؤه.
فالمقصود بيان طرق العلم، وأدلته، وطرق الصواب، ونحن نعلم أن القرآن قرأه الصحابة، والتابعون، وتابعوهم، وأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه، كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله " ﷺ " فمن خالف قولهم، وفسر القرآن بخلاف تفسيرهم فقد أخطأ في الدليل والمدلول جميعاً، ومعلوم أن كل من خالف قولهم له شبهة يذكرها إما عقلية وإما سمعيه كما هو مبسوط في موضعه٦.
стр. 80
بينما ذهبت طائفة أخرى من العلماء إلى عدم الاحتجاج بتفسير التابعين، وهو رواية عن الإمام أحمد وحكي عن شعبة١.
قال الزركشي: ولعل اختلاف الرواية عن أحمد إنما هو فيما كان من أقوالهم وآرائهم٢. قلت: ولا ريب عندي أن الأمر كذلك، إذ ما صرحوا بنقله عن غيرهم لا يكون من قولهم بل هم في هذه الحالة رواة.
أما شعبة فقد حكي عنه أنه قال: أقوال التابعين في الفروع ليست حجه فكيف تكون حجة في التفسير؟ قال شيخ الإسلام: يعني أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم٣. ولعل عدم احتجاج هؤلاء العلماء بتفسير التابعي لأنهم ليس لهم سماع من النبي ﷺ ، كما أنهم لم يشاهدوا القرائن والأحوال التي نزل عليهم القرآن. ثم إن عدالة كل تابعي غير منصوص عليها كما نص على عدالة الصحابة. كما أنه لا دليل على حجية قولهم لذاته. والله أعلم.
والذي أختاره بعد هذا أن النفس تطمئن إلى التفسير المأثور عن التابعين أكثر ممن بعدهم لقربهم من عمر النبوة وخير القرون.
وأما الاحتجاج بأقوالهم لمجردها، فالأمر عندي كما قال شيخ الإسلام: إن أقوالهم لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، أما إذا اجتمعوا على الشيء فلا يرتات في
стр. 81
كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض، ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن، أو السنة، أو عموم لغة العرب أو أقوال الصحابة في ذلك١.
هذا وبعد إيضاح علو منزلة تفسير التابعين عند الشيخ ﵀، والإشارة إلى مذاهب العلماء في حجة تفسيرهم، أعود فأقول إن مجمل روايات التابعين التي يوردها الشيخ تدور على أعلامهم المشهورين منهم بالتفسير كمجاهدين جبر المخزومي، وقتادة بن دعامة السدوس، والحسن البصري.
وله ﵀ طريقتان مشهورتان في إيراد أقوال التابعين والاستفادة من تفسيراتهم:
الطريقة الأولى: أن يصرح باسم التابعي المفسر أو المستشهد بكلامه كمجاهد وقتادة وغيرهما.
ومن أمثلة ذلك ما يلي:
- ما أورده من نقول عن السلف في تفسير بعض الآيات المتعلقة بقصة آدم وإبليس ومنها قوله تعالى إخباراً عن مقالة إبليس: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ ٢.
حيث قال في قوله: ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ : الباطل أرغبهم فيه، قال الحسن: السيئات يحثهم عليها ويزينها في أعينهم٣.
فقد فسر الشيخ ﵀ قوله: ﴿عَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ بأن المراد منه ترغيبهم في الباطل. ثم أورد تفسير التابعي – الحسن البصري – مستشهداً به على ما ذهب إليه من تفسير الآية.
стр. 82
- وعند قوله: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ أورد تفسير مجاهد، وهو قوله: من حيث يبصرون: ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ من حيث لا يبصرون١.
- كما قال عند قوله تعالى: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ ٢ قال الضحاك مفروضا: معلوما٣.
وعند قوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ ٤ قال ابن عباس: دين الله. وقاله ابن المسيب والحسن وإبراهيم وغيرهم٥.
فقد أورد تفسير الصحابي هنا ثم من وافقه من التابعين.
- وعند تفسير قوله تعالى- في قصة يوسف: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيث﴾ ٦ قال: قال مجاهد وغيره، عبارة الرؤيا٧.
وقد قال بهذا القول مع مجاهد قتادة والسدي٨.
- وأورد خلال تفسير سورة الجن بعض تفسيرات التابعين حيث قال عند قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً﴾ ٩ سفيههم إبليس. قاله مجاهد١٠.
стр. 83
- وعند قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ١ قال: قال قتادة: كان اليهود والنصارى إذا دخلوا بيعهم وكنائسهم أشركوا بالله فأمرنا أن نخلص لله الدعوة إذا دخلنا المساجد٢.
وقيل المساجد أعضاء السجود.
- وقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ ٣ ... وعن قتادة قال: لما قام عبد الله للدعوة تلبدت الإنس والجن وتظاهروا عليه ليبطلوا الحق الذي جاءهم به ويطفئوا نور الله: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ﴾ إلا أن يتم هذا الأمر وينصره على من ناوأه٤.
- وقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ ٥.... قال الحسن: أمثالكم فمنهم قدرية ومرجئة ورافضة٦.
الطريقة الثانية:- أن لا يصرح بذكر اسم التابعي، ولكن يميزه عن قوله بما يتميز به، نحو "قال بعض السلف" أو "قيل" ويريد به قول بعض التابعين.
ومن أمثله ذلك:
- قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ وقيل: المساجد أعضاء السجود ٧.أ. هـ.
وهذا القول مروي عن سعيد بن جبير ٨.
- قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ ٩ وقيل- لا يشعرون بإيحائنا ذلك إليه١٠.أ. هـ.
وهذا القول مروي عن مجاهد١١.
стр. 84
- وقال عند قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] ، قال بعض السلف: أعمى عن الحجة لا يقدر على المجادلة بالباطل كما كان يصنع في الدنيا١.
وهذا القول مروي عن مجاهد وأبي صالح.
حيث قال مجاهد: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ عن الحجة٢.
وقال أبو صالح: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ ليس له حجة٣.
والشيخ ﵀ لا يقتصر على إيراد ما هو من قبيل التفسير بل يورد أحياناً من أقوال التابعين ما يناسب المقام وله نوع تعلق بالآية وإن لم يكن من قبيل التفسير فيهدف من ذلك إلى الحث على أمر، أو التحذير منه، أو الاستدلال لصحة استنباط أو نحو ذلك.
فمن ذلك قوله ضمن الفوائد المستنبطة من قصة آدم وإبليس٤: ومنها- أي من الفوائد- معرفة شدة عداوة عدو الله لنا وحرصه على إغوائنا بكل طريق فيعتد المؤمن لهذا الحرب عدته ويعلم قوة عدوه وضعفه عن محاربته إلا بمعونة الله كما قال قتادة: إن عدوا يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم أنه شديد المؤونة إلا من عصمه الله٥.
وقد ذكر الله عداوته في القرآن في غير موضع وأمرنا باتخاذه عدوا.
فقد استنبط الشيخ من هذه القصة شدة عداوة إبليس لت وخطورته وكيفية النجاة منه ثم دعم ذلك بإيراد قول التابعي ﵀.
ثم أورد الشيخ قول قتادة أيضاً بعد تفسير قوله تعالى حكاية عن إبليس: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ..﴾ ٦ الآية حيث يقول: أتاك الشيطان يا ابن آدم من كل وجه إلا أنه لم يأتك من فوقك ولم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة ربك٧.
ومن الاستشهاد بأقوال التابعين أيضاً قوله ضمن المسائل المستنبطة من قصة يوسف وإخوته وحال أبيه من الحزن: العبرة فيما ذكركما قال الحسن: لقد ابتلى بهذه المدة الطويلة وأنه لأكرم أهل الأرض على الله٨.
стр. 85
المبحث الثالث: موقف الشيخ من اختلاف السلف في التفسير
أورد الشيخ ﵀ جملة صالحة من تفاسير السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم كما سبقت الإشارة إلى ذلك في تفسير الصحابة والتابعين في المبحثين السابقين.
ومن المعلوم أن السلف كانوا يختلفون في التفسير أحياناً، فما موقف الشيخ وقد أورد شيئاً من ذلك الاختلاف؟.
لبيان هذا أقول: إن الاختلاف منه ما هو اختلاف تباين، ومنه ما هو من قبيل اختلاف التنوع والعبارة، فيذكر كل من المفسرين نوعاً مما هو مندرج تحت أصل عام، أو يعبر عن المعنى بخلاف ما يعبر عنه الآخر، والكل داخل تحت معنى الآية.
وقد بين الشيخ أن أكثر اختلاف السلف في التفسير من قبيل النوع الثاني وهو اختلاف التنوع والعبارة لا اختلاف التضاد والتباين حيث قال: عادة السلف يفسرون اللفظ العام ببعض أفراده، وقد يكون السامع يعتقد أن ذلك ليس من أفراده. وهذا كثير في كلامهم جداً، ينبغي التفطن له١.
ويقول عند قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ٢ الآية.: اختلاف كلام المفسرين، والمعنى واحد، لكن كل رجل يصف نوعاً من التقدم٣.أ. هـ.
وذلك أن المفسرين اختلفوا في تحديد معنى التقدم المنهي عنه في الآية-
فقال ابن عباس: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة.
وقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله ﷺ بشيء حتى يقضي الله على لسانه.
وقال الضحاك: لا تقضوا أمراً دون الله ورسوله من شرائع دينكم.
وقال سفيان الثوري: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ بقول ولا فعل.
стр. 86
وقيل غير ذلك١.
فوضح الشيخ بعبارته السابقة أن المعنى واحد، وكلاً من المفسرين قد ذكر نوعاً من أنواع التقدم، والكل راجع إلى معنى واحد وهو ما عبر عنه ابن كثير بقوله- قبل إيراده الأقوال المذكورة وغيرها- أي: لا تسرعوا في الأشياء بين يديه- أي قبله- بل كونوا تبعاً له في جميع الأمور٢.
وإنما نبه الشيخ إلى هذا لعظيم فائدته. فينبغي التفطن له، لئلا يظن من لا فهم عنده للمعاني، أومن يقصر نظره عن المعنى العام الجامع فيغفل عنه، ويقصر نظره على أنواعه أن ذلك اختلاف تضاد فيحكي في معنى الآية أقوالاً عديدة، ومآلها إلى معنى واحد، أو هي جميعاً مندرجة تحت أصل عام. وهذه فائدة نفيسة كما ترى. فكثير من الأقاويل عند التدقيق والتحقيق ترجع إلى معنى واحد. وكما نبه الشيخ إلى هذا فإنا نجد في تفسيره منهجاً تطبيقياً لموقف المفسر من هذا الاختلاف، إذ يجمع بعض أقوال السلف إلى بعض ويحسن الربط بينها، وإيضاح وجه كل منها، وبيانه بياناً شافياً، ولربما دعم ذلك البيان بالكتاب والسنة وضرب الأمثلة.
ويتضح ذلك من كلامه على قصة آدم وإبليس عندما ذكر تفاسير السلف لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ ٣.
فقال: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ يعني الدنيا "أو" ٤ الآخرة: ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ يعني
стр. 87
الآخرة "أو" الدنيا١: ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ قال ابن عباس: أشبه عليهم أمر دينهم٢، وعنه أيضاً: من قبل الحسنات٣.
وقوله: ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ الباطل أرغبهم فيه.
قال الحسن: السيئات يحثهم عليها ويزينها في أعينهم٤.
قال قتادة: أتاك الشيطان يا ابن آدم من كل وجه إلا أنه لم يأتك من فوقك، ولم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله٥.
ثم قال الشيخ وهو يوافق قول من "قال" ٦: ذكر هذه الأوجه للمبالغة في التوكيد. أي أتصرف لهم في الإضلال من جميع جهاتهم.
ولا يناقض ما ذكر السلف. فإن ذلك على جهة التمثيل، فالسبل التي للإنسان أربعة فقط، فإنه تارة يأخذ على جهة شماله، وتارة على يمينه، وتارة أمامه، وتارة يرجع خلفه. فأي سبيل من هذه سلكها وجد الشيطان عليها راصداً له، فإن سلكها في طاعة ثبطه، وإن سلكها بالمعصية حداه. وأنا أمثل لك مثالاً واحداً لما ذكر السلف: وهو أن العدو الذي من بني آدم إذا أراد أن يمكر بك لم يستطع أن يمكر بك إلا في بعض الأشياء، وهي الأشياء الغامضة، والأشياء التى ليست بعالية، فلو أراد أن يمكر بك في أمر واضح بين مثل التردي من جبل أو بئر وأنت ترى ذلك لم يستطع، خصوصاً إذا عرفت أنه قد مكر بك مرات متعددة، ولو أراد ليمكر بك لتتزوج عجوزاً شوهاء وأنت تراها لم يستطع ذلك.
стр. 88
وأنت ترى اللعين- أعاذنا الله منه- يأتي الآدمي في أشياء واضحة بينة أنها مما حرم الله ورسوله فيحمله عليها حتى "يفعلها"١، ويزينها في عينه حتى يفرح بها، ويزعم أن فيها مصلحة، ويذم من خالفه كما قال تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ ٢ الآية وقوله: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ ٤.
وهذا معنى قول من قال: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ من قبل الدنيا، فإنهم يعرفونها وعيوبها، ومجمعون على ذمها، ثم مع هذا لأجلها قطعوا أرحامهم، وسفكوا دماءهم، وفعلوا ما فعلوا، وهذا معنى قول مجاهد: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ من حيث يبصرون٥. فهو لم يقنع بإتيانه إياهم من الجهة التي يجهلون أنها معصية مثل ما فسر به مجاهد: ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ قال: من حيث لا يبصرون٦.
ولا من جهة الغيب كما قال فيها بعضهم: الآخرة أشككهم فيها، لم يقنع بذلك عدو الله حتى أتاهم في الأمور التي يعرفونها عياناً أنها النافعة وضدها الضار، وفي الأمور التي يعرفون أنها سيئات وضدها حسنات، ومع هذا أطاعوه في ذلك إلا من شاء الله منهم كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٧.
فقد أوضح الشيخ بهذا البيان والربط البديع بين المعاني- بعد جمعها- أن اختلافها ليس اختلافاً متضاداً، وإنما هو من قبيل التعبير عن الشيء
стр. 89
الواحد بألفاظ متقاربة بل مآلها عند التحقيق واحد. فهي متحدة في الغاية والمصب كما اتحدت في المأخذ والمشرب. ولعل الطبري ﵀ قد شعر بهذا إذ قال بعد أن أورد أقوال السلف في معنى الآية:- وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال:- معناه: ثم لآتينهم من جميع وجوه الحق والباطل، فأصدهم عن الحق وأحسن لهم الباطل، وذلك أن ذلك عقيب قوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ١ فأخبر أنه يقعد لبني آدم على الطريق الذي أمرهم الله أن يسلكوه، وهو ما وصفنا من دين الله الحق، فيأتيهم في ذلك من كل وجوهه، من الوجه الذي، أمرهم الله به، فيصدهم عنه، وذلك من بين أيديهم وعن أيمانهم، ومن الوجه الذي نهاهم الله عنه فيزينه لهم، ويدعوهم إليه، وذلك من خلفهم وعن شمائلهم. وقيل: ولم يقل من فوقهم لأن رحمة الله تنزل على عباده من فوقهم٢.
وقد كان لجمع أقوال السلف فى تفسير هذه الآية أثر كبير في بيان المعنى وتحقيقه وقد نبه إلى أهمية هذا شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ بقوله:- وجمع عبارات السلف في مثل هذا نافع جداً، فإن مجموع عباراتهم أدل على المقصود من عبارة أو عبارتين٣.
ولأمثل بمثال آخر يتأكد به ما ذكرت من سير الشيخ على هذا المنهج، وحرصه على متابعة السلف في أقوالهم وتتبع آثارهم، وإنزالها في مواضعها، وغاية الاستفادة منها، إذ يقول عند قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا ... ﴾ الآيتين٤.
ما نصه: وقد ذكر عن السلف من أهل العلم فيها أنواع مما يفعل الناس اليوم ولا يعرفون معناه.
стр. 90
الأول: من ذلك العمل الصالح الذي يفعل كثير من الناس ابتغاء وجه الله من صدقه وصلاة وإحسان إلى الناس ونحو ذلك، وكذلك شرك ظلم أو كلام في عرض ونحو ذلك مما يفعله الإنسان أو يتركه خالصاً لله لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة، إنما يريدان يجازيه الله بحفظ ماله، وتنميته، وحفظ أهله وعياله، وإدامة النعمة عليهم، ونحو ذلك، ولا همة له في طلب الجنة ولا الهروب من النار فهذا يعطى ثواب عمله في الدنيا وليس له في الآخرة نصيب.
وهذا النوع ذكر عن ابن عباس في تفسير الآية١.
الثاني: وهو أكبر من الأول وأخوف وهو الذي ذكر مجاهد أن الآية نزلت فيه وهو أن يعمل أعمالاً صالحة ونيته رئاء الناس لا طلب ثواب الآخرة وهو يظهر أنه أراد وجه الله وإنما صلى أو صام أو تصدق أو طلب العلم لأجل أن الناس يمدحونه ويجل في أعينهم"فإن الجاه من أعظم أنواع الدنيا ولما ذكر معاوية حديث أبى هريرة في الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار وهم: الذي تعلم ليقال عالم حتى قيل، وتصدق ليقال جواد، وجاهد ليقال شجاع بكى معاوية بكاء شديداً ثم قرأ هذه الآية٢.
الثالث: أن يعمل الأعمال الصالحة ومقصده بها مالاً، مثل أن يحج لمال يأخذه لا لله، أو يهاجر لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، أو يجاهد لأجل المغنم، فقد ذكر هذا النوع أيضاً في تفسير هذه الآية كما في الصحيح أن النبي ﷺ قال: "تعس عبد الدينار وتعس عبد الدرهم تعس عبد الخميصة" ٣..إلخ.
стр. 91
وكما يتعلم العلم لأجل مدرسة أهله أو مكسبهم أو رياستهم أو يقرأ القرآن ويواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد كما هو واقع كثيراً، وهؤلاء اعقل من الذين قبلهم لأنهم عملوا لمصلحة يحصلونها، والذين قبلهم عملوا لأجل المدح والجلالة في أعين الناس ولا يحصل لهم طائل، والنوع الأول اعقل من هؤلاء لأنهم عملوا لله وحده لا شريك له لكن لم يطلبوا منه الخير العظيم وهو الجنة ولم يهربوا من الشر العظيم وهو العذاب في الآخرة١.
النوع الرابع: أن يعمل الإنسان بطاعة الله مخلصاً في ذلك لله وحده لا شريك له لكنه على عمل يكفره كفراً يخرجه عن الإسلام مثل اليهود والنصارى إذا عبدوا الله وتصدقوا أو صاموا ابتغاء وجه الله والدار الآخرة ومثل كثير من هذه الأمة الذين فيهم شرك أكبر أو كفر أكبر يخرجهم عن الإسلام بالكلية إذا أطاعوا الله طاعة خالصة يريدون بها ثواب الله في الدار الآخرة لكنهم على أعمال تخرجهم من الإسلام، وتمنع قبول أعمالهم، فهذا النوع أيضاً قد ذكر في الآية عن أنس بن مالك وغيره٢. وكان السلف يخافون منه كما قال بعضهم: لو أعلم أن الله تقبل مني سجدة واحدة لتمنيت الموت٣، لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ٤ فهذا قصد وجه الله والدار الآخرة، لكن فيه من حب الدنيا والرياسة والمال ما حمله على ترك كثير من أمر الله ورسوله، أو أكثره، فصارت الدنيا أكبر قصده، فلذلك قيل قصد الدنيا. وصار ذلك القليل كأن لم يكن، كقوله ﷺ : "صل فإنك لم تصل" ٥ والأول أطاع الله ابتغاء وجهه، لكن أراد من الله
стр. 92
الثواب في الدنيا، وخاف على الحظ والعيال، مثل ما يقول الفسقة. فصح أن يقال: قصد الدنيا، والثاني والثالث واضح١.
فتبين من خلال هذا أن اختلاف السلف هنا من قبيل اختلاف التنوع فكل منهم يصف نوعاً تشمله الآية. ومثل هذا هو ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله بعد أن ذكر اختلافاً للسلف من هذا القبيل: فكل قول فيه ذكر نوع دخل في الآية، ذكر لتعريف المستمع بتناول الآية له. وتنبيهه به على نظيره، فإن التعريف بالمثال قد يسهل أكثر من التعريف بالحد المطابق.
والعقل السليم يتفطن للنوع كما يتفطن إذا أشير له إلى رغيف فقيل له: هذا هو الخبر٢.
فتبين بهذا هذا المنهج القويم وهذه النظرة الواعية لأقوال السلف وتفسيراتهم بفهمها والجمع بينها ما أمكن، والاستفادة من المعاني التي فسروا بها.
وبالله التوفيق.
стр. 93
الباب الثاني: التفسير بالرأي أو بالمعلول
الفصل الأول: نظرته إلى العقل ومكانته من الشرع
...
الباب الثاني: التفسير بالرأي أو بالمعلول
ويشتمل على خمسة فصول هي:
الفصل الأول: نظرته إلى العقل ومكانته من الشرع.
الفصل الثاني: نظرته إلى التفسير بالرأي.
الفصل الثالث: توفر أدوات التفسير بالرأي لدى الشيخ.
ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: معرفته باللغة ومدى اهتمامه بها في تفسيره.
المبحث الثاني: معرفته بالنحو والإعراب ومدى اهتمامه به في تفسيره.
المبحث الثالث: معرفته بالبلاغة ومدى اهتمامه بها في تفسيره.
الفصل الرابع: مظاهر التفسير بالرأي عند الشيخ.
ويشتمل على ثلاثة مباحث.
المبحث الأول: التفسير الافرادي.
المبحث الثاني: التفسير الإجمالي.
المبحث الثالث: الاستنباط المباشر من الآيات.
الفصل الخامس: السمات العامة لتفسيره بالرأي.
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: تمشيه مع روح الشريعة الإسلامية.
المبحث الثاني: تمشيه مع تفسيره بالسلف وأقوالهم.
стр. 94
الفصل الأول: نظرته إلى العقل ومكانته في الشرع
نص الشيخ مراراً على أهمية التفكر والتدبر امتثالاً لأمر الله بذلك في كتابه في غير ما موضع، إذ من المعلوم أن الإسلام دين العقل والحكمة كما هو دين النقل، وقد حرر العقل من قيود كانت مضروبة عليه، ففك آساره وجعله مناط التكليف، وأنزله منزلته اللائقة به، فقرر به بعض دلائل التوحيد وجزئيات الشريعة، ووجهه الوجهة الصحيحة، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ١، وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ٢، وقال في غير ما آية: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٣: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٤: ﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ ٥ إلى غير ذلك مما به تتأكد أهمية استعمال العقل للنظر والتدبر والتأمل.
يقول الشيخ منبهاً على التفكر عند قول الله تعالى: ﴿أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ ٦ حثه سبحانه على التفكر الذي هو باب العلم كما حث عليه سبحانه في غير موضع ٧.
ويقول مبيناً منزلة العقل، وتقرير الشرع به عند ذكر محاجة إبراهيم قومه كما أخبر الله عنه بذلك بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ الآيات ٨: إن ذلك من أعظم الأدلة على المسألة – أي مسألة التوحيد- ببديهة العقل لأن من رأى نخلاً كثيراً لا يتخالجه شك أن المدبر له ليس نخلة واحدة منه فكيف بملكوت السماوات والأرض٩؟!
стр. 95
ويقول أيضاً عند ذكر مقالة نوح لقومه: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ١ تعريفهم أن هذا الذي استغربوا، ونسبوا من قاله إلى الجهالة والجنون، هو الواجب في العقل، وهو أيضاً حظهم ونصيبهم من الله لأنه سبب الرحمة ففي هذا الكلام من أوله إلى آخره من تحقيق الحق، وذكر أدلته العقلية على تحقيقه، وإبطال الباطل، وذكر الأدلة العقلية على بطلانه، ما لا يخفى على من له بصيرة٢.
وعند قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٣ يقول: ذكر الحكمة في إنزال القرآن على محمد وأنها لبيان المنزل ولتفكرهم ٤.
وعند قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى- عَبْداً إِذَا صَلَّى﴾ ٥ الآيات يقول: تقرير الشرع بالعقل لقوله: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ ٦.
وبهذا تتبين منزلة العقل من الشرع، وأهميته، وإيمان الشيخ بذلك وتركيزه عليه، واستنباطه له.
وفي المقابل، وضح الشيخ تمشياً مع القرآن أيضاً التحذير من زلل العقل، وتقديمه على النقل، وتجرده عنه، إذ أن في ذلك مهاوي الردي ومعاطب الهلاك، فقد جعل الله لكل شيء قدرا.
وكثير من الضلالات نتجت من جراء تجاوز العقل حدوده، وخروجه عن مجاله، ودلالة أسمه، إذ الشأن أن يعقل صاحبه لا أن يحمله على أن يجمح ويتعدى.
стр. 96
فقال الشيخ عند قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ ١: تغليظ رد النص بالرأي٢.أ. هـ وذلك أن إبليس- عليه لعنة الله- اجتهد فيما لا مجال للاجتهاد فيه، فالمقام مقام امتثال وطاعة لأمر الله لا مقام اجتهاد.
ويقول مستنبطاً من قصة آدم وإبليس ونكوص إبليس عن السجود: ومنها أي من الفوائد المستنبطة –التحذير من معارضة القدر بالرأي لقوله: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ ٣ وهذه بلية عظيمة لا يتخلص منها إلا من عصمه الله لكل مقل ومكثر٤.
ومنها- وهي من أعظمها- تأدب المؤمن من معارضة أمر الله ورسوله بالرأي، كما استدل بها السلف على هذا الأمر، ولا يتخلص من هذا إلا من سبقت له من الله الحسنى٥.
ويقول عند قول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ الآية٦: إن نتيجة هذا الدلالة على التمسك بالوحي والتحذير من الرأي المخالف ولو من أعلم الناس٧.
وغير ذلك من الاستنباطات في هذا المجال.
стр. 97
الفصل الثاني: نظرته إلى التفسير بالرأي
يرى الشيخ ﵀ تحريم التفسير بالرأي ١.
كما يحث في الوقت نفسه على التفكر والتدبر في القرآن تبعاً لأمر الله بذلك كما تقدم٢ ومعلوم أن التدبر والتفكر قدر زائد عن مجرد النقل عن السابقين. فما وجه ذلك وما حقيقة رأي الشيخ في التفسير بالرأي؟
وجهه – والله أعلم – أن النظر والتدبر والتأمل ليس حجراً محجوراً على طائفة من الناس، وإنما هو عام للناس كلهم فمن حق كل قارئ للقرآن أن يتدبره ويتأمل معانيه، بل إنه مأمور بذلك.
ومعلوم أن من تفسير كلام الله ما تعرفه العرب من لغتها، ومنه ما لا يعذر أحد بجهالته، كما ورد ذلك عن حبر الأمة رضي الله عنه٣. ولهذا نجد أن عامة المسلمين يفهمون كثيراً من معانيه، وقد كان الرجل يدخل في الإسلام فيسمع آيات الله تتلى عليه فيتأثر بها، ويأتمر بأمرها، وينزجر عما تزجر عنه، والواقع شاهد بهذا حتى في زمننا الحاضر الذي عمت فيه العجمة وبعد فيه الناس عن اللغة العربية الفصحى.
ومن كلام الله ما لا يعلمه إلا العلماء، إذ يحتاج إلى علم ودراية لفهمه وشرحه واستنباط الأحكام منه.
ولعل مما يقرر هذا الأخير من كلام الشيخ، قوله ضمن المسائل التي لخصها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ... وأما النظر في مسألة معينة لطلب حكمها والعبد لا يعرف ما يدله عليه فهذا النظر لا يفيد، بل قد يقع له تصديقات يحسبها حقاً، وهي من إلقاء الشيطان، وقد يقع له تصديقات من إلقاء الملك، وكذلك إذا كان النظر في دليل هادي وهو القرآن فقد يفهم مقصود الدليل فيهتدي، وقد لا يفهمه
стр. 98
أو يحرفه عن مواضعه فيضل به، ويكون ذلك من إلقاء الشيطان، كما قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾ ١ وقال: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾ ٢ وقال: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ ٣ وقال: ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً﴾ ٤ فالناظر في الدليل كالمترائي للهلال، قد يراه، وقد لا يراه لغشى في بصره. وكذلك عمى القلب ... " إلى آخر ما قال رحمه الله٥.
فإذا لم يكن لدى المرء أهلية للتفسير بل تجرأ وفسر القرآن برأيه المجرد فقد وقع في المذموم.. وهو ما عناه الشيخ بالتحريم حيث ترحم في كتاب فضائل القرآن بـ "باب وعيد من قال في القرآن برأيه وبما لا يعلم"٦ وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٧.
وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "من قال في القرآن برأيه" وفي رواية: "من غير علم فليتبوأ مقعده من النار".. رواه الترمذي وحسنه٨.
وعن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ" رواه أبو داود والترمذي وقال:
стр. 99
غريب١.
كما ترجم في كتاب الكبائر بـ "باب ما جاء في القول على الله بلا علم"٢ وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ الآية. قال أبو موسى: من علمه الله علماً فليعلمه الناس، وإياه أن يقول ما لا علم له به فيكون من المتكلفين، أو يمرق من الدين٣.
وفي الصحيح عن ابن عمرو رضي الله تعالى، عنهما مرفوعاً: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من قلوب الرجال، ولكن يقبض العلم بموت العلماء حتى إذا لم يبق أتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" ٤.
وقال الشيخ عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٥ إنكاره عليهم القول عليه بلا علم٦.
وقال عند قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٧: تحريم القول بلا علم٨.
стр. 100
ولاشك أن أعظم القول على الله القول في تفسير كلامه.
ورأي الشيخ هذا في تحريم هذا النوع من التفسير بالرأي صرح به جمع من العلماء وهو مجمع عليه وممن صرح به الإمام الطبري "﵀" حيث قال بعد أن ساق جملة من الأحاديث في تحريم التفسير بالرأي: "وهذه الأخبار شاهدة لنا على صحة ما قلنا من أن ما كان من تأويل آي القرآن الذي لا يدرك علمه إلا بنص بيان رسول الله ﷺ ، أو بنصبه الدلالة عليه، فغير جائز لأحد القيل فيه برأيه، بل القائل في ذلك برأيه وإن أصاب الحق فيه فمخطئ فيما كان من فعله بقيله فيه برأيه، لان إصابته ليست إصابة موقن أنه محق، وإنما هو إصابة خارص وظان ولقائل في دين الله بالظن قائل على الله ما لم يعلم، وقد حرم الله جل ثناؤه ذلك في كتابه على عباده فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ، فالقائل في تأويل كتاب الله الذي لا يدرك علمه إلا ببيان رسول الله ﷺ الذي جعل الله إليه بيانه قائل بما لا يعلم، وإن وافق قيله ذلك في تأويله ما أراد الله به من معناه، لأن القائل فيه بغير علم قائل على الله ما لا علم له به١".
وقد صرح بهذا أيضاً النووي وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما، قال النووي: "ويحرم تفسيره بغير علم، والكلام في معانيه لمن ليس من أهلها، والأحاديث في ذلك كثيرة، والإجماع منعقد عليه.
وأما تفسيره للعلماء فجائز حسن، والإجماع منعقد عليه" ٢.
وإذا كان من التفسير ما يحتاج إلى علم ودراية لفهمه فإن العلماء قد اشترطوا شروطاً للمفسر تؤهله للتفسير، كأن يكون ذا معرفة بعلوم الشريعة، وإلمام بوسائلها كاللغة العربية، وعلومها، من نحو وبلاغة
стр. 101
ونحوها وذلك لفهم مناحي الكلام ومقاصده وقد توفر ذلك في الشيخ ولله الحمد حسبما دل عليه ما ظهر من خلال تفسيره كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
إلا أن الشيخ ﵀ قد نبه على أمر مهم وخطير، وهو أنه لا يشترط للنظر في كتاب الله والتدبر فيه وتفسيره بلوغ تلك الرتبة التي أسماها بعضهم "رتبة الاجتهاد" وشرطوا لبلوغها شروطا قد لا توجد في أجله العلماء، وزعموا أن من بلغها فله أن يجتهد وينظر في كتاب الله، ومن لم يبلغها فلا يسعه إلا التقليد.
وإنما يرى الشيخ أن على عموم المسلمين النظر والتأمل والدراسة لكتاب الله، ومن كان عنده من العلم ما يؤهله للتفسير والاستنباط فإن له ذلك وإن لم يبلغ تلك الرتبة.
وقد رد الشيخ مراراً على من يزعم أن التفسير وقف على المجتهدين من العلماء، كما ذهب إلى ذلك بعض الجهال من المتعصبين الجامدين الذين اعترفوا على أنفسهم بالقصور والجهل، وأرادوا أن يلزموا غيرهم بأن يسلك مسلكهم، حيث اشترطوا للتفسير شروطاً لعلها لا تتوفر في سادة المسلمين وأئمتهم كأبي بكر وعمر ﵄ وغيرها كما ألمحت قريباً.
فأبطل الشيخ هذه المقالة، وفند مزاعم أصحابها، وشبههم، بنصوص القرآن في كل مناسبة.
- ومن ذلك استنباطه من قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ ١ الآية.: الرد على أعداء الله الذين زعموا أن القرآن لا يفهم معناه٢.
ووجه ذلك أن الله احتج عليهم بكون آياته تتلى عليهم ولا يحتج
стр. 102
عليهم بما لا يفهمون.
وقوله عند قول الله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ ١ قوله: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ فيه تكذيب من قال لا يعرفه إلا المجتهد٢.
ووجه ذلك: أن العالمين كل من سوى الله تعالى.
وقوله عند قول الله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ الآية٣:.... ومعلوم أن الهدى هو هذا القرآن، فمن زعم أن القرآن لا يقدر على الهدى منه إلا من بلغ رتبة الاجتهاد فقد كذب الله في خبره أنه هدى، فإنه على هذا القول الباطل لا يكون هدى إلا في حق الواحد من الآلاف المؤلفة، وأما أكثر الناس فليس هدى في حقهم، بل الهدى في حقهم أن كل فرقة تتبع مما وجدت عليه الآباء، فما أبطل هذا من قول! وكيف يصح لمن يدعي الإسلام أن يظن في الله وكتابه هذا الظن٤؟ .
وقد بين الشيخ ستة أصول عظيمة مفيدة بينها الله تعالى بياناً واضحاً وجهلها الكثير من الناس، والأصل السادس رد به على أصحاب هذه المقالة فقال٥: رد الشبهة التي وضعها الشيطان في ترك القرآن والسنة، وإتباع الآراء والأهواء المتفرقة المختلفة، وهى أن القرآن والسنة لا يعرفهما إلا المجتهد المطلق، والمجتهد هو الموصوف بكذا وكذا، أوصاف لعلها لا توجد تامة في أبى بكر وعمر، فإن لم يكن الإنسان كذلك فليعرض عنهما حتما لا شك ولا إشكال فيه، ومن طلب الهدى منهما فهو إما زنديق، وإما مجنون لأجل صعوبة فهمهما، فسبحان الله وبحمده كم بين الله سبحانه شرعاً وقدراً وخلقاً وأمراً في رد هذه الشبهة الملعونة من وجوه شتى بلغت إلى حد
стр. 103
الضروريات العامة ولكن أكثر الناس لا يعلمون: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ ١.
стр. 104
الفصل الثالث: توفر أدوات التفسير بالرأي لدى الشيخ
مدخل
...
الفصل الثالث: توفر أدوات التفسير بالرأي لدى الشيخ
تبين من خلال الفصل السابق انقسام التفسير إلى قسمين:
تفسير بالرأي المحمود، كالتفسير بالرأي المذموم.
وإذا نظرنا إلى تفسير الشيخ ﵀ نجد أنه كثيراً ما يتعرض لتفسير كلام الله بالرأي، ولكنه ليس بالرأي المجرد المذموم النابع أصلاً من التعصب والهوى والتجرؤ على كلام الله بغير علم.
وإنما هو حقيقة ما يفهم من كلام الله تعالى، ومتمش مع معاني الشريعة ومقاصدها، مع تحمل اللفظ لذلك المعنى، على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى١ وذلك أنه قد توفر في الشيخ الشروط اللازمة للتفسير إذ من المعلوم أن الشيخ ﵀ قد تضلع من علوم الشريعة حيث طلب العلم وطالع كثيراً، ورحل من أجله، وأخذ عن أجله من العلماء في عصره، ودرس، وأفتى، وألف، في علوم شتى كالتفسير، والحديث والعقيدة، والفقه، والسيرة، والآداب الإسلامية.
فتدريسه التفسير، وتأليفه فيه- وكثير منه من قبيل التفسير بالرأي المحمود- دليل على أنه يعلم من نفسه أنه أهل لذلك، إذ لا يتصور أن يحث على طلب العلم، وينكر على من يقول بغير علم، تم بعد هذا يتكلم في أعظم شيء بلا علم.
ثم إن الدارس لتفسيره يلحظ اأنه قد ظهر من خلاله ما يدل على معرفته بعلوم أخرى اشترطوها للمفسر مع أنه لم يهدف إلى إظهار تلك العلوم لذاتها، وإنما لتحقيق غرض معين. ومنها: "معرفة اللغة والإعراب والبلاغة وغيرها فضلا عن أساس ذلك وملاكه وهو صحة المعتقد. وإليك بعض اللمحات الدالة على ذلك فيما يتعلق بعلوم العربية في مباحث وأما ما يتعلق بالتضلع في العقيدة ومعرفة الفقه وأصوله وعلم القصص فسأبرزها إن شاء الله في فصول خاصة من خلال تفسيره وسألمح أيضاً إلى علوم أخرى وردت في تفسيره وظهر اعتباره لها كورود بعض القراءات والإشارة للناسخ والمنسوخ وأسباب النزول في مواضعها إن شاء الله تعالى٢.
стр. 105
المبحث الأول: معرفته باللغة ومدى اهتمامه بها في تفسيره .
لغة التأليف عند الشيخ لغة عربية فصيحة، ومن استعرض كتبه من تفسير وغيره مما أراد به التأليف تبين له ذلك، بل إنه ينص في تفسيره أحيانا على بعض المسائل أو المعاني اللغوية، إذا احتاج إليها، إذ ليس من منهجه الاهتمام بالتشقيقات اللغوية لذاتها، فليست هي الغرض من التفسير عنده، بل الغرض فهم كتاب الله، والاستنباط منه، والاهتداء بهديه، واللغة وسيلة لذلك، وتفسير الشيخ للقرآن، واستنباطه منه، وعمله بهداه دليل على فهمه ومعرفته، ولا يمكن ذلك إلا بمعرفة اللغة العربية الصحيحة، فأنى لمن لا يفهم العربية أن يفهم فضلا عن أن يستنبط! اللهم الآن ترجمت له المعاني.
ومن نص الشيخ على بعض المسائل اللغوية قوله عند قول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ الآية١: تقول العرب: بلغ أشده أي منتهى شبابه٢.
وقوله عند قول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ الآية٣: يقال: "جهزت القوم" إذا هيأت لهم جهاز السفر.
والرحل: كل ما يعد للرحيل من وعاء للمتاع، ومركب للبعير، وحلس وغير ذلك٤.
وقوله عند قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ ٥ الآية: قبل أي شيء نريد وقد ردت بضاعتنا: ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أي نأتي لهم بالطعام، يقال: مار وأهله
стр. 106
إذا أتاهم بطعام١.
قال: وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ ٢ أي يأتيكم أمر يهلككم كلكم٣.
ومن دلائل معرفته بلغة العرب تفسير المفردات على ما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى٤.
ومن دلائلها أيضاً أنه ينص على الفروق بين الكلمات المتقاربة في المعنى التي يظن ترادفها، ولا يميز بينها إلا المتأمل في اللغة الخبير بها، إلا أنه وسيرا على منهجه في الاختصار يكتفي بالنص على وجود فرق ولا يبينه غالباً، وإنما يترك على القارئ مهمة البحث عنه ومن أمثلة ذلك:
قوله- الفرق بين الأمان والطمأنينة٥.
وقوله- الفرق بين العلم والحكم٦.
وقوله- الفرق بين التكذيب والتولي٧.
وقوله:- الفرق بين التكذيب والإباء٨.
وقوله:- الفرق بين العذاب المخزي والعذاب المقيم٩.
وقوله- الفرق بين المغفرة والرحمة١٠. وغير ذلك.
стр. 107
المبحث الثاني: معرفته بالنحو والإعراب ومدى اهتمامه به في تفسيره
الحال في النحو والإعراب في تفسير الشيخ كالحال في اللغة، إذ يلتزم في كتاباته العلمية وتأليفه ومنها التفسير بقواعد النحو، ويتجنب اللحن كيف وقد حفظ: ألفية ابن مالك في النحو١.
وأما بيان جزئيات النحو والإعراب فلا يهتم بالنص عليها غالباً لأن ذلك ليس من أغراض تفسيره كما تقدمت الإشارة إلى نحوه، ومع هذا فلم يخل تفسيره واستنباطاته من بعض اللمحات النحوية إذا دعت الحاجة إليها لبيان معنى أو فائدة من جراء تركيب نحوي معين ومن ذلك:
قوله مستنبطاً من قصة آدم وإبليس:- ومنها- أي من الفوائد- المستنبطة- وهي من أعظمها- معرفه الطرق التى يأتينا منها عدو الله كما ذكر الله تعالى عنه في القصة أنه قال: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ ٢ وإنما تعرف عظمة هذه الفائدة بمعرفة شيء من معاني هذا الكلام.
قال جمهور المفسرين:- انتصب صراط بحذف على" التقدير: لأقعدن لهم على صراطك. قال ابن القيم: والظاهر أن الفعل "مضمن٣" فإن القاعد على الشيء ملازم له، فكأنه قال: لألزمنه ولأرصدنه ونحو ذلك٤.
فقد أورد هذا النقل المتعلق بالنحو لبيان حقيقة المعنى الذي به تتبين عظمة الفائدة كما أسلفت.
ومن ذلك أيضاً قوله عند تفسير قول الله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ الآية٥ حيث قال:
وقوله: ﴿عَجَباً﴾ أي بليغاً في لفظه ومعناه "أنه استمع"- بالفتح- لأنه نائب فاعل "أوحي" و "إنا سمعنا"- بالكسر- أنه محكى بعد
стр. 108
القول١.
ثم قال- والضمير في: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا﴾ للجن، والخطاب في: ﴿ظَنَنْتُمْ﴾ للإنس٢.
فنص على مرجع الضمائر ليتبين بها المعنى.
وقال عند قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ ٣ ومعنى الاستثناء قيل إنه من: ﴿لَا أَمْلِكُ﴾ أي: أملك إلا بلاغاً من الله،: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي﴾ جملة معترضة لتأكيد نفي الاستطاعة عن نفسه، على معنى أن الله إذا أراد به سوءا من مرض، أو موت، أو غيرهما، لم يصح آن يجيره منه أحد، أو يجد من دونه ملاذا يأوي إليه، والملتحد: الملتجأ.
وقيل: ﴿بلاغاً﴾ بدل من ملتحدا أي لن أجد من دون منجى إلا أن أبلغ ما أرسلني به٤.
وهذا البيان وإن كان اعتمد فيه على نواحٍ بلاغية إلا أن له علاقة بالنحو، ويظهر ذلك جليا في القول الثاني.
стр. 109
المبحث الثالث: معرفته بالبلاغة ومدى اهتمامه بها في تفسيره
من أظهر ما في تفسير الشيخ من النواحي المتعلقة بالعربية وعلومها ما يتعلق بفن البلاغة وضروبها، فقد استفاد الشيخ منها أيما استفادة بل نص على كثير من فنونها وأغراضها، وذلك لأنها تخدم كثيراً منهج الشيخ في إيضاح المعنى والاستنباط، كما أنه يظهر من خلال النص عليه في بيان عظمة أسلوب القرآن، ودقة ألفاظه وتراكيبه وبلاغته وبذلك يظهر للقارئ روعة هذا الكتاب وعظمته. وهو عرض من أغراض التفسير لدى الشيخ.
والناظر في تفسيره واستنباطاته يجد أنه يمتلك دقة في النظر والتأمل وتذوقاً للبلاغة، ويهتم من خلال ذلك ببيان بعض المعاني والنكت وتقريرها أولفت أنظار إليهم أو التحذير من بعض المخالفات وهو يسير في بيان اللمحات والأساليب البلاغية على منهجه العام في الاختصار.
فانظر إلى فهمه ودقته في الاستنباط عند قول الله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ ١.
حيث قال تعظيم الفعل بقوله: ﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ ٢.
ووجه هذا التعظيم الذي أشار إليه أن المسألة أمرٌ وتكليف وليست إباحة أو ندباً، ثم إن الآمر هو الرب ، والمأمور به داخل في جمله العباد المأمورين، ففعله الذي هو النكوص عن السجود عظيم مع توفر هذه الدواعي للامتثال.
وقوله ضمن المسائل المستنبطة من قوله تعالى: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٣.
حيث قال تأكيد النهي٤.
стр. 110
ووجه هذا التأكيد- والله أعلم- أن الله تعالى نهاهما عن قربان الشجرة مبالغة في النهي عن الآكل منها، وفي هذا معنى تأكيد النهي عن الأكل.
كما أن في قوله: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ما يقوي هذا النهي أيضاً إذ يترتب على مخالفته كون المخالف ظالماً في فعله هذا.
- وقوله مستنبطاً من قول الله تعالى إخباراً عن مقالة يوسف ﵇....: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ الآية١ حيث يقول: كرمه ﵇ في قوله: ﴿أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ ولم يقل: من الجب. وكرمه في قوله: ﴿نَزَغَ﴾ ولم يقل من بعدما ظلمونى٢.
وهذا تأمل عجيب، ودليل حس بلاغي، ونظر دقيق لدى الشيخ ﵀.
- وقوله عند قول الله تعالى: ﴿نبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ ٣ حيث يقول: ٤
إن المغفرة والرحمة وصف بها نفسه، وأما العذاب الأليم فوصف به عذابه. وقد اقتصر هاهنا على لفت الأنظار إلى هذه الدقيقة، ولم يعللها، ولعله أراد أن يتأمل الناظر ويبحث عن السبب، فإن ما يتوصل إليه بعد بحث وعناء تكون العناية به أشد.
وقد عُلِّل هذا الأسلوب في الآية بترجيح جانب الوعد على الوعيد، والرحمة على الغضب٥.
- وقوله مستنبطاً من قول الله تعالى في شأن قوم فرعون وطغيانهم: ﴿فَلَمَّا