قُرْآنٌ مَجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ ١.
هذا وقد استنبط الشيخ في مواضع اخرى ما يتعلق بهذه الأركان الستة نصا عليها وتوضيحا لها. فأشير، إلى اهتمامه بترسيخ هذه الأركان من خلال القرآن وتفسيره.
أولا: الإيمان بالله:
أعظم ما نص عليه الشيخ في تفسيره، ونبه إليه، ووضحه الإيمان بالله تعالى "وقد أوضحت شيئاً من اهتمام الشيخ بهذا الجانب عند الكلام عن اهتمامه بتوحيد المعرفة والإثبات وتوحيد القصد والطلب من خلال تفسيره ففي ذلك الكفاية فليراجع ٢.
ثانيا: الإيمان بالملائكة:
من خلال الاستنباطات ينص الشيخ على ما يتعلق بالملائكة، وصفاتهم، ليرسخ الإيمان بهم في القلوب، وقد سبق أن ذكرت أنه ذكر في قصة آدم وإبليس الدلالة على الملائكة وعلى بعض صفاتهم٣، فهم عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.
ومن خلال القرآن يوضح شيئاً من تلك الصفات التي أجملها هنا. فمن ذلك طاعتهم لله وسجودهم لآدم، وتواضعهم طاعة لرب العالمين، كما قال: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ. فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ ٤.
وينص الشيخ على بعض صفاتهم فيقول: إن الملائكة لما أخبرهم الله تعالى بأنه جاعل في الأرض خليفة قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ ٥ فقيل لهم ما قيل وعوتبوا بقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٦
стр. 177
فكانت توبتهم أن قالوا: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ ١ فكان كما لهم، ورجوعهم عن العتب، وكمال علمهم أن أقروا على أنفسهم بالجهل إلا ما علمهم سبحانه فقالوا: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ٢.
وعند قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٣ مما فيه تفسير لقوله تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٤ يستنبط ما دلت عليه هاتان الآيتان، من صفاتهم فيقول: سجود الملائكة، وعدم استكبارهم مع شرفهم، وخوفهم منه مع ذلك، وأنهم مع ذلك الخوف كاملوا الانقياد فيما أمروا ٥.
ويستنبط من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ ٦.
الآية: أن ملك الموت له أعوان يتوفون٧.
ويستنبط من قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ ٨ أن روح القدس هو جبرائيل٩.
ووجه هذا الاستنباط أنه من المعلوم أن الذي ينزل بالقرآن على النبي ﷺ هو جبرائيل فلما ذكر سبحانه في هذه الآية أن الذي نزله هو روح القدس علم أن روح القدس هو جبرائيل.
стр. 178
ويستنبط من قوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ ١ أن تنزيل الملائكة بالروح بمشيئة الله لا باقتراح الخلق٢.
ثالثا: الإيمان بالكتب.
يستنبط الشيخ من قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ٣. وجوب الإيمان بجميع المنزل على هؤلاء الأنبياء، وعدم التفريق بينهم٤.
وينبه عند قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٥ على ما نصت عليه الآية من الأمر بأتباع المنزل إلينا، والتحريض على ذلك بأنه منزل إلينا من ربنا، والنهي عن اتباع ما سواه٦.
وعند قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ٧ ينبه إلى ما دلت عليه الآيات من أن الحكمة من إنزال القرآن هي تثبيت المؤمنين، وهدايتهم، وتبشيرهم٨.
ثم يوضح عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ
стр. 179
اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ١ أن الإيمان بآيات الله يستلزم العمل ومنه ترك الكذب٢.
وفي هذا إيضاح الغرض من إنزال الكتب وهو الإيمان بالله المتضمن العمل الصالح. ويوضح عند قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ ٣ الآية: ضرورة التسليم لكتب الله، وعدم معارضتها بغيرها، ومع هذا ففي من يدعى العلم من اختار كتب السحر على كتاب الله، ويعارضون بها كتاب الله. واتباع غير كتاب الله ضلال٤.
ولبيان ما تقدم يقول الشيخ: إن الذي يقتصر على الوحي هو البصير، وضده الأعمى٥ وذلك من خلال النظر في قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ ٦.
رابعا: الإيمان بالرسل.
من خلال الفهم الصحيح لآيات كتاب الله تعالى يوضح الشيخ وجوب الإيمان برسل الله، والغرض من إرسالهم، ودلائل رسا لاتهم، وأحوالهم والواجب تجاههم، وغير ذلك مما تنص عليه الآيات فعند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الآية٧ ينبه الشيخ على ما نصت عليه هذه الآية من عموم الرسالة لكل أمه، وأن كل أمة لها رسول يخصها، وأن بعثه الكل لأجل هاتين الكلمتين، وأنه لا بد مع الإثبات من النفي٨.
стр. 180
ويبين الشيخ من خلال قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١ أن كل الرسل رجال لاجني فيهم ولا أنثي، وأن كل رسول لا يرسل إلا ببينات٢.
ويتضح اهتمام الشيخ بالتنبيه على ما يتعلق بأحوال الأنبياء من خلال إفراده الكلام عن الرسالات بالذكر عند تصنيفه لمواضيع بعض السور أو الآيات. فعند تصنيفه لما اشتمل عليه صدر سورة هود من العلوم ذكر العلم الثالث وهو "تقرير الرسالة" ٣ فذكر ما اشتمل عليه صدر هذه السورة مما يتعلق بهذا الموضوع من مسائل وهي:-
الأولى: المسألة الكبرى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ ٤.
الثانية: أنه نذير من الله وبشير لنا.
الثالثة: تقرير صحة رسالته باعتراضهم بقولهم إنها سحر مبين مع موافقتها للعقل.
الرابعة: تقريرها بقولهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾ ٥.
الخامسة: تقريرها بمعرفة العلماء بها.
السادسة: تقريرها بالتحدي.
السابعة: تقريرها بأنها الحق من الله.
والسادسة مستنبطة من قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٦.
стр. 181
والخامسة والسابعة مستنبطتان من قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ١.
وعند تصنيفه لما اشتملت عليه قصة "موسى والخضر" من العلوم ذكر العلم الثاني: ما يتعلق بأحوال الأنبياء. وفيه مسائل٢: "وهي مستنبطة من الكتاب والسنة على أساس أن السنة تبين القرآن".
الأولى: أن النبي يجوز عليه الخطأ "كما وقع من موسى ﵇ حين نفى أن يكون في الأرض من هو أعلم منه"٣.
الثانية: أنه يجوز عليه النسيان وذلك كما نسي فتاه الحوت، ونسي هو شرط الخضر ثم اعتذر بالنسيان فقال: ﴿لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيت﴾ ٤.
الثالثة: فضيلة نبينا " ﷺ " بعموم الرسالة لقوله: موسى بني إسرائيل.
الرابعة: ما جبل عليه موسى ﵇ من الشدة في أمر الله "لقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ ٥.
الخامسة: أنه لا ينكر إصابة الشيطان للأنبياء بما لا يقدح في النبوة لقوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ ٦ مع قوله: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ ٧.
стр. 182
السادسة:- ما عليه الإنسان من البشرية، ولو كان نبيا، وذلك من أدلة التوحيد وذلك من وجوه منها: ﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ ١.
ويوضح الشيخ من خلال الآيات بعض دلائل النبوة فيقول عند قول الله تعالى لما ذكر قصة نوح ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾ ٢ الآية فيها: معرفة آيات رسول الله " ﷺ " حيث وافق ما قصه مع كونه لم يعلم، ولم يأخذ عمن يعلم ما عند أهل الكتاب، فلم يستطيعوا أن يردوا عليه مع شدة العداوة٣.
وعند قوله: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ ٤ يقول آية النبوة وهى إخبارهم، حينئذ بهذا ثم وقع٥.
ويذكر الشيخ أن سورة "المسد" قد اشتملت على بعض دلائل النبوة٦.
ولعل من ذلك الإخبار بمصير أبي لهب وهو حي، فلم يهتد، ومات على كفره والعياذ بالله.
ويستنبط من قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٧ أن من كذب رسولا فقد كذب الرسل٨.
وهو يوافق ما ذكره ابن كثير في تفسيره حيث يقول: أصحاب الحجر هم ثمود الذين كذبوا صالحا نبيهم ﵇، ومن كذب برسول فقد كذب بجميع المرسلين، ولهذا أطلق عليهم تكذيب المرسلين٩.
ويوضح الشيخ من خلال الآيات مناقب الأنبياء، وفضائلهم، فمن ذلك قوله عند
стр. 183
قول الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ ١ الآية: الثناء على إبراهيم بأنه أتم الكلمات التي ابتلاه بها. قيل: إن الله لم يبتل أحداً بهذا الدين فأتمه إلا إبراهيم ولهذا قال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ ٢ وأنه جازاه على ذلك بأمور منها أنه جعله إماماً، وهي مرتبة عظيمة في الدين٣.
وعند قول الله تعالى في شأن موسى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾ الآية٤.
يقول الشيخ: فيها اختصاص موسى بهذه المرتبة – وهي تكليم الله إياه- ولذلك ذكرها إبراهيم ﵇ إذا طلبت منه الشفاعة٥.
وعند قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ﴾ ٦ الآية ينبه الشيخ على ما اختص به خاتم النبيين " ﷺ " من عموم الرسالة فيقول: فيها معنى قوله "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" ٧.
стр. 184
خامساً: الإيمان باليوم الآخر.
اليوم الآخر هو يوم الدين، وهو يوم الجزاء، والحساب، يقول الشيخ عند قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ معناه عند جميع المفسرين كلهم ما فسره الله به في قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ ١ ومن قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ ٢.
يستنبط الشيخ وجوب الإيمان بإتيان الساعة، وأن العلم بإتيانها فيه تعزية للمظلوم٣.
ويستدل الشيخ بالآيات وما تشير إليه من أحداث على اليوم الآخر فيقول في قصة آدم وإبليس كما تقدم: إن خلق آدم من تراب من أبين الأدلة على المعاد٤. وذلك أن القادر على البدء قادر على الإعادة.
وعند قصة أصحاب الكهف يقول: وأما دلالتها على اليوم الآخر فمن طول لبثهم لم يتغيروا، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ ٥.
ويقول أيضاً: إن الساعة لا ريب فيها لما وقع بينهم النزاع، وذلك أن بعض الناس زعم أن البعث للأرواح خاصة، فأعثر عليهم ليكون دليلاً على بعث الأجساد٦.
ويستدل الشيخ بقوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ٧. وبقوله في شأن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ٨ على عذاب القبر كما ذهب إلى ذلك جمع من
стр. 185
العلماء١.
ومن قوله تعالى: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ٢ يستنبط الشيخ أن الشرك وعدم الإيمان بالآخرة متلازمان.
فإنه مع تكاثر أدلة الإلهية، ووضوحها أنكرته قلوب المشركين، فسبب ذلك عدم الإيمان بالآخرة، لاخفاء الأدلة٣.
стр. 186
سادساً: الإيمان بالقدر.
يوضح الشيخ هذا الركن من خلال الآيات فيقول عند قوله تعالى: ﴿فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ ١ فهذا القدر، يهدي من يشاء ويضل من يشاء ٢.
وينص الشيخ على هذا الركن في آيات كثيرة ولا يخوض فيه بل يشير، إلى بعض ما يظهر من الآيات المتعلقة بالقضاء والقدر.
فيقول في قصة آدم وإبليس كما تقدم: فيها الدلالة على القدر خيره وشره والقصة تفيد المعني العظيم المذكور في قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِه﴾ ٣ حيث أنظره الله فلم ينزع إلى التوبة، بل ازداد معصية، فهذا من عجائب القدر، كيف صدر هذا منه مع علمه وعبادته٤.!
ومن خلال هذه القصة يحذر الشيخ من معارضة القدر بالرأي لقوله: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ ٥ وهذه بلية عظيمة لا يتخلص منها إلا من عصمه الله، لكل مقل ومكثر٦.
كما يذكر الشيخ عند قول الله تعالى إخبارا عن قول إبليس: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ٧: أن الاحتجاج بالقدر على المعاصي من طريقة إبليس٨. فيجب أن يقول المرء كقول أبويه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٩. وقد احتج به المشركون والعياذ بالله متبعين لمنهج إبليس هذا كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا
стр. 187
لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ١ ومن خلال الآيات يوضح الشيخ أن السبب يكون من العبد، ولكن الله هو الذي ينفع بمشيئته كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية٢.
وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ الآية٣ ففي الآية ذكر مشيئة الله. وذكر السبب من العبد٤.
стр. 188
المبحث الثالث: استنباطه جوانب حماية العقيدة من الآيات .
يسير الشيخ وراء كتاب الله تعالى في الاهتمام بالعقيدة، وترسيخها، وحماية جنابها بإيضاح ما يناقضها من الشرك أو غيره أو يؤثر فيها. ومن هنا جاءت اهتمامات الشيخ في تفسير الآيات مركزة على ما نص عليه القرآن بل إنه في بعض الأحيان يرى أن النص القرآني لا يحتاج إلى بيان فيكتفي به كقوله مثلًا في بعض المسائل قوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ ١ وكونه: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ ٢.
ومن اهتمامه بحماية جناب التوحيد، من خلال الآيات القرآنية الاهتمام ببيان الشرق، والتحذير منه، وتقبيحه، ولذلك يقول عند قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣.
في الآيات أنواع من بطلان الشرك وتقبيحه:
الأول: استفهام، لإنكار "أي أن في قوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ دلالة على إنكار هذا الأمر".
الثاني: كيف يؤمر بهذا لغير الله. "أي بالعبادة".
الثالث: التسجيل عليهم بالجهل "أي بقوله: ﴿أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ .
стр. 189
الرابع: ما جاء من السمعيات أنه أوحى إليك بهذا الأمر العظيم.
الخامس: أنه أوحاه إلى من قبلك.
السادس: أن أقرب الخلائق منزلة لو يفعله لم يسامح.
السابع: أن الحسنات وإن كثرت- إذا وجد- أي الشرك- لم يبق منها شيء.
الثامن: كون ذلك المقرب لو يفعله لم يكف بطلان عمله بل صار من أولئك١.
ولتبيين خطر الشرك يقول عند قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ ٢.
المسألة التي لم يعرفها أكثر من يدعي العلم، وهي مسألة تكفير من أشرك، وحبوط عمله، ولو كان أعبد الناس وأزهدهم٣.
ويقول عند قول الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ ٤.
المسألة العظيمة: وهي إخبار، ﵎ أن أكثر هذا الخلق لو آمن أفسد إيمانه بالشرك، فهذه أي هذه المسألة- فساد القوة العملية٥. كما ينبه أيضاً على أن في هذه الآية التنبيه على الاحتراز من اجتماع الإيمان مع الشرك المفسد، خصوصا لما ذكر أن هذا حال الجمهور٦.
стр. 190
ثم يستنبط من هذه الآيات أيضاً:- احتقارهم هذا العصيان العظيم كيف أمنوا عقوبة الدنيا. وهو يدل على جهالة من أمن ذلك. وكيف آمنوا أن تأتيهم الساعة بغته وهم لا يشعرون١.
وعند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ٢ يقول:- وصفهم بالشرك، وذكر أنهم يجعلون مع الله إلهاً آخر فلم يتركوا، وتقبيح ذلك في جعلهم معه ذلك كائناً من كان٣.
وينبه على الوعيد في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وأنه لا يناقضه الإمهال٤.
وبما تقدم يتضح أن الشيخ ﵀ يهتم كثيراً بالتنبيه على ما تضمنته الآيات مع الاختصار، مكتفياً بالبيان القرآني الوافي نصه بإيضاح عظم الموضوع وأهميته، فيكتفي الشيخ في الغالب بلفت النظر إلى ما دلت عليه الآيات من عظم الشرك، أو غيره، وذلك واضح في القرآن فمن عرف فليلزم، ومن لم يعرف فليعرف.
وكما يوضح الشيخ مستنبطاً من الآيات عظم الشرك ينص على بعض أنواعه وأضربه وأسبابه، فيوضح أن من أعظم أسباب الشرك الغلو في الصالحين والجهل بعظمة الله عند قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ ٥ حيث يقول معرفة أن لا إله إلا الله كما في قصة آدم وإبليس ويعرف ذلك من عرف أسباب الشرك وهو الغلو في الصالحين، والجهل بعظمة الله٦.
وعند قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٧.
стр. 191
يقول: فيها التنبيه على سبب الشرك، وهو أن المشرك بان له شيء من جلالة الأنبياء والصالحين، ولم يعرف الله ، وإلا لو عرفه لكفاه وشفاه عن المخلوق، وهذا معنى قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية١.
وعند قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ ٢ يقول: إن الذين غلبوا على أمرهم قالوا: لنتخذن عليهم مسجدا فإذا تأملت ما قالوا، وأن الذي حملهم عليه محبة الصالحين، ثم ذكرت قوله " ﷺ " "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة" ٣ عرفت الأمر٤.
فيلاحظ أن الشيخ هنا قد اختصر العبارة في إيضاح سبب الشرك، واقتصر على تفسير القرآن بالسنة، لإيضاح أن تعظيم الصالحين، والبناء على قبورهم، يؤدي إلى عبادتهم من دون الله.
ولاهتمام الشيخ بالتحذير من الغلو في الصالحين ترجم لثلاثة أبواب من "كتاب التوحيد" بما يحذر من الغلو في الصالحين وهي:- باب: ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين٥.
وقول الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ الآية٦.
وأورد حديث ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ ٧.
стр. 192
قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونسي العلم عبدت١.
وباب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده٢؟!
وباب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله٣. ومما أورد فيه ما رواه ابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ ٤ قال: كان يلت لهم السويق فعكفوا على قبره٥.
وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: "كان يلت السويق للحاج"٦.
ويوضح الشيخ أيضاً عند قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ٧ أن من شروط الإيمان بالله، واليوم الآخر أن لا يشرك بعبادة ربه أحداً، ففيه التصريح بأن الشرك في العبادة، ليس في الربوبية.
وفيه الرد على من قال: أولئك يستشفعون بالأصنام ونحن نستشفع بالصالحين، لأنه قال: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ، فليس بعد هذا بيان.
وافتتح الآية بذكر براءة النبي ﷺ الذي هو أقرب الخلق إلى الله وسيله، وختمها بقوله: ﴿أَحَداً﴾ ٨.
стр. 193
ثم يوجه الشيخ النظر المتأمل إلى هذه الآية، ويبين أن معرفة بعض الفوارق بين مسائل العقيدة أساس لفهمها، فيقول واعلم رحمك الله أنه لا يعرف هذه الآية المعرفة التي تنفعه إلا من يميز بين توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية تمييزاً تاماً، وأيضاً يعرف ما عليه غالب الناس، إما طواغيت ينازعون الله في توحيد الربوبية الذي لم يصل شرك المشركين إليه، وإما مصدق لهم، تابع لهم، وإما رجل شاك، لا يدري ما أنزل الله على رسوله " ﷺ " ولا يميز بين دين الرسول ودين النصارى". والله أعلم١.
стр. 194
الفصل الثاني: اهتمام الشيخ في تفسيره بالردود على المخالفين
حيث أنه من أهم أغراض التفسير ومقاصده التي تعرض لها الشيخ في تفسيره الاهتمام ببيان العقيدة من خلال الآيات القرآنية، فإنه من المعلوم أن الحق والباطل في صراع دائم وأصحاب الباطل لا يفتؤون يلبسون الأمور، ويثيرون الشبهات، في محاولة لإطفاء نور الله ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولوكره الكافرون، ولذا فإنه من باب حماية المفهوم الصحيح للآيات الكريمة الرد على تلك الشبه كما يظهر التركيز على هذا الجانب في القرآن الكريم في غير موضع.
ومن خلال استنباطات الشيخ يظهر اهتمامه بهذا الجانب، وإيضاح ما تتضمنه الآيات من الردود على بعض المبتدعين في التأويل والمخالفين عموماً، وقد لا تصل تلك المخالفة إلى حد الابتداع في الدين، ولكن غرض الشيخ "﵀" إيضاح وجه الحق كما تفيده الآيات وتعرية ضده، وبيان عوره وزيفه، سواء أكان بدعة أم خطأ في اجتهاد.
ولا تكاد تمر آية لها مساس بالتحذير من البدع إلا وينص الشيخ على ذلك الجانب منها محذراً من البدعة أياً كانت، ومقبحاً لها، حرصاً منه ﵀ على المحافظة على الحق، ولزوم الاستقامة عليه. وقد نص على أن من القواعد الكلية أن أحكام الدين إلى الله لا إلى آراء الرجال كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ١.
ومن أمثلة استنباطه التحذير من البدع استنباطه من قول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ٢ النهي عن البدع، فإن في التحريض عليه- أي الاقتداء بهديهم- نهي عن ضده٣.
стр. 195
واستنباطه من قول الله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ١ التنبيه على بطلانها- أي المعبودات من دونه- بكونها بدعة ابتدعها من قبلكم فتبعتموهم٢.
ولاهتمام الشيخ بالتحذير من البدع فإنه ينص على القواعد الكلية أو شواهدها من الآيات.
فمن ذلك:
أ- قوله في قصة آدم وإبليس: أن فيها معرفة القاعدة من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد. وهي من قوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ ٣، فإنهم ذكروا أن معناه قطع آذان البحيرة تقرباًً إلى الله على عادات الجاهلية٤.
ب- وقوله ضمن الفوائد المستنبطة من قصة آدم وإبليس أيضاً بعد أن ذكر القاعدة المعروفة وهي أن كل عمل لا يقصد به وجه الله فهو باطل.
ما نصه:- ومنها- أي من الفوائد- الشهادة للقاعدة الثانية وهي:
أن كل عمل على غير اتباع الرسول " ﷺ " غير مقبول، لقوله في القصة: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ الآية٥.
فقسم الناس إلى قسمين: إلى أهل الجنة وهم الذين اتبعوا الهدى المنزل من الله. وأهل الشقاق والضلال وهم من أعرض عنه٦.
стр. 196
ويوضح الشيخ من خلال الآيات أنه ليس كل الشبه والبدع يجب أن يرد عليها فيقول مستنبطاً من قصة آدم وإبليس: إن الشبهة إذا كانت واضحة البطلان، لا عذر لصاحبها، فإن الخوض معه في إبطالها تضييع للزمان، وإتعاب للحيوان، مع أن ذلك لا يردعه عن بدعته، وكان السلف لا يخرجون مع أهل الباطل في رد باطلهم كما عليه المتأخرون، بل يعاقبونهم إن قدروا وإلا أعرضوا عنهم. وقال أحمد لمن أراد أن يرد عليهم: اتق الله ولا تنصب نفسك لهذا فإن جاءك مسترشداً فأرشده.
وهو سبحانه لما قال اللعين: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ ١ قال: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ولما قالت الملائكة ما قالت: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٢ ثم بين لهم ما بين حتى أذعنوا٣.
وبعض استنباطات الشيخ يفهم منها أنها تتضمن الرد على أقوال مخالفة، وإن كان النص على المسائل العقدية في الوقت نفسه قد يكون تنبيهاً على خطأ المخالف في هذه المسألة، إلا أن الرد المفهوم يتجلى في بعض المسائل أكثر من غيرها فمن ذلك:
أ- استنباطه من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٤ أن كل الرسل رجال، لا جني فيهم ولا أنثي٥.
فقد نص هنا على هذه المسألة، ويفهم من نصه هذا الرد على من يزعم خلاف ذلك وهو أن في الجن رسلاً أو في النساء.
وقد صرح في موضع آخر مشابه أن في تلك الآية رداً فقال عند قوله
стр. 197
تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الآية١.
إنهم – أي الرسل- كلهم رجال، ففيه الرد على من يزعم أن في الجن رسلاً أو في النساء٢.
ب- واستنباطه من قوله تعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ ٣ أنه تعالى شهيد على الجزئيات٤.
وهذا رد على من يزعم أن الله تعالى لا يطلع على الجزئيات، ويزعم أنه بهذا ينزه الله عن الإحاطة بالأشياء الحقيرة، مع أن كمال التنزيه في إثبات تمام العلم وشموله، وقد دل عليه آيات من الذكر الحكيم، الذي أنزله الله تعالى ليبين للناس ما اختلفوا فيه فقال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٥.
والرد على المخالفين في الآيات القرآنية إما أن يكون صريحا بأن تكون الآية في محاجة القوم في عقائدهم وادعاءاتهم، وإما أن يكون مستنبطاً من الآية.
أما القسم الأول: فاكتفى فيه الشيخ غالباً بالتنبيه على هذا الرد المنصوص عليه بالآية وإيضاح معناه إن احتيج إلى ذلك فمن ذلك قوله عند قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ
стр. 198
إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ ١: أمره بمحاجتهم بهذه الحجة الواضحة للجاهل والبليد، لكن بشرط التفكر والتأمل، فيا سبحان الله ما أقطعها من حجة، وكيف يخالف من أقر بها٢؟!
ومن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ٣.
فإن الرد على المخالفين واضح بنص هذه الآية، وقد تعرض الشيخ لتوضيحه كما مر ص "١٦٥".
وأما القسم الثاني: وهو الردود المستنبطة من الآيات فهذا كثير في تفسير لشيخ، وقد اهتم به لأن القسم الأول واضح، وأما هذا فيحتاج إلى فهم مذهب الخصم، ثم فهم الآية، ثم القدرة على استنباط الرد منها. ولإيراد الشيخ لهذه الردود أحوال:
١- فأحياناً يستنبط من الآية الرد على الطائفة المخالفة، أو القول المخالف مع ذكر القول المردود عليه ووجه الرد عليه من الآية.
ومن أمثلة ذلك:-
- قوله عند قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ٤.
الأمر بالأكل من الطيبات، ففيه رد على الغلاة الذين يمتنعون عنها، وفيه رد على الجفاة الذين لا يقتصرون عليها٥.
وقوله أيضاً مستنبطاً من الآية نفسها: الأمر بإصلاح العمل مع الأكل من
стр. 199
الطيبات، ففيه رد على ثلاث طوائف:
أولهم: الآكلون الطيبات بلا شكر، والشكر هو العمل المرضي.
وثانيهم: من يعمل العمل غير الخالص مثل المرائي وقاصد الدنيا.
وثالثهم: الذي يعمل مخلصاً لكنه على غير الأمر١.
- واستنباطه من قصة موسى والخضر الرد على منكري الأسباب، لأنه سبحانه قادر على إنجاء السفينة، وتثبيت أبوي الغلام، وإخراج أهل الكنز له بدون ما جرى٢.
٢- وأحياناً يذكر أن في الآية رداً على من قال: "كذا وكذا" مما به يتبين الأمر المردود عليهم فيه، ولا يعين اسم تلك الفرقة لمعرفتها، وليشمل كل من قال بتلك المقالة كما لا يبين وجه الرد من الآية لظهوره فيها.
ومن أمثلة ذلك:
- استنباطه من قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ٣: الرد على من قال: ما عبدتك خوفاً وطمعاً٤.
وهذه مقالة الصوفية الغلاة النافين لما يحب الله من خوفه والطمع في رحمته.
ففي هذه الآية رد عليهم لأن الله تعالى وصف عباده في مقام الثناء عليهم بعبادتهم ربهم بالخوف والرجاء، كما قال في آية أخرى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ٥.
- واستنباطه من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا
стр. 200
آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ١.
الرد على من أنكر التحسين والتقبيح العقلي٢.
وإنكار التحسين والتقبيح العقلي من أصله هو مذهب الأشاعرة ومن وافقهم، وهو مع منافاته للنصوص مكابرة للعقول وإلغاء لها في هذا٣.
ووجه الرد عليهم هنا: أن الفحشاء هي القبيح من قول أو فعل، والمراد بها هنا ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من الطوائف بالبيت عراة، فأنكر الله هذا ووصفه بأنه فاحشة، وفحشها ظاهر بالعقل٤.
٣- وأحياناً يذكر أن في الآية رداً على طائفة معينة، ولا يذكر المعتقد المردود عليهم فيه ولا وجه الرد بل يترك ذلك للقارئ لما يرى من ظهوره وشهرته..
ومن أمثلة ذلك:
- قوله عند قول الله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ٥.
فيها الرد على الخوارج، والرد على المعتزلة٦.
ولم يوضح هنا معتقدهما الذي تضمنت الآية الرد عليهما فيه، وبالتالي لم
стр. 201
يوضح وجه الرد عليهما، إلا أن استنباطه هذا دال على إطلاعه على تفسير الآية وهو ما ورد أن هذا التمني من الكفار عندما يرون أهل الكبائر من الموحدين يخرجون من النار١.
والخوارج والمعتزلة يزعمون أن مرتكب الكبيرة في الآخرة خالد مخلد في النار، ففي هذه الآية رد عليهم في معتقدهم هذا كما يتضح من تفسيرها. - وقوله عند قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٢.
فيها الرد على القدرية، والرد على الجبرية٣.
وهذا استنباط دال على النظر المتأمل في كلام الله والاستفادة من كل كلمة منه، فوجه الرد على القدرية هنا:- أن الله تعالى أثبت في الآية أنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء بمقتضى عدله وحكمته.
والقدرية يزعمون أن العبد يخلق أفعال نفسه، فإن شاء ضل، وإن شاء اهتدى استقلالا، كما سيأتي بيان مذهبهم في موضعه.
ووجه الرد على الجبرية- أن الله تعالى أثبت لعباده عملا هم مسئولون عنه فقال: ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
والجبرية لا يثبتون للعبد فعلا على الحقيقة بل يزعمون أنه مقهور مجبور على أفعاله فهو كالريشة في مهب الريح.
وهكذا يظهر من هذه الأمثلة وغيرها اهتمام الشيخ في تفسيره باستنباط الردود على المخالفين من خلال الفهم الصحيح لآيات الكتاب العزيز، والنظر المتأمل الدقيق، مع سابق اطلاع على تفسير الآية وما قاله العلماء فيها. ومن ذلك أيضاً تطهر الشمولية لدى الشيخ في التفسير والاستنباط وعدم قصره ذلك على مجرد معاني الآيات أو الألفاظ القرآنية. والله أعلم.
стр. 202
الفصل الثالث: الاتجاه الإصلاحي في تفسير الشيخ
إن أظهر السمات البارزة في تفسير الشيخ ﵀ هي الدعوة إلى الإصلاح الشامل في جميع شئون الحياة التي تكدرت بما شابها من زيف وانحراف في الأصول والفروع.
ولذلك نرى أنه يسعى للربط بين الواقع وبين المعاني المفهومة من كتاب الله العزيز، نصحاً وإيضاحاً لما يشكل، وتفنيداً وتزييفاً لما يبطل، كما هو واضح من استنباطاته واهتماماته المتميزة بالنص على الفائدة.
يقول ﵀:- اعلم رحمك الله أن الله سبحانه عالم بكل شيء، يعلم ما يقع على خلقه، وأنزل هذا الكتاب المبارك، الذي جعله تبياناً لكلى شيء، وتفصيلًا لكل شيء، وجعله هدى لأهل القرن الثاني عشر، ومن بعدهم كما جعله هدى لأهل القرن الأول ومن بعدهم.
ومن أعظم البيان الذي فيه بيان الحجج الصحيحة، والجواب عما يعارضها، وبيان الحجج الفاسدة ونفيها، فلا إله إلا الله، ماذا حرمه المعرضون عن كتاب الله من الهدى والعلم!، ولكن لا معطي لما منع الله١. أ. هـ.
وفي سبيل تحقيق الإصلاح الشامل يركز على ناحيتين عظيمتين لا تجدي إحداهما بدون الأخرى.
الناحية الأولى: التركيز على القوة العلمية.
وقد نال استنباط ما يتعلق بالاهتمام بالعلم الصحيح والتحذير من ضده عناية كبيرة من قبل الشيخ، ولا غرو في ذلك إذ أن استنباطاته من كتاب الله الذي وضحت فيه العناية البالغة بهذا الجانب.
فقد لاحظ الشيخ هذا الجانب فاستفاد منه ودعا إليه. وقد نص في مقدمة رسالة الأصول الثلاثة على أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل٢:- أولاهن: العلم ثم أورد قول البخاري ﵀ "باب العلم قبل القول والعمل" والدليل عيه قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ ٣ فبدأ بالعلم
стр. 203
قبل القول والعمل١.
ويتضح اهتمام الشيخ بما يتعلق بالقوة العلمية من خلال الآيات من خلال إفراده الكلام عن آداب العالم والمتعلم٢ بالذكر عند تصنيفه لأمهات المسائل المستنبطة من قصة موسى والخضر.
ومن المسائل التي استنبطها من القصة في هذا المجال:
١- أن خدمة العالم مما يرفع الله بها كما رفع يوشع.
٢- تعلم العالم ممن دونه.
٣- اتخاذ ذلك نعمة يبادر إليها لا نقمة يبغضها.
٤- التعلم بعد الرياسة.
٥- لرحلة في طلب العلم.
٦- رحلة الفاضل إلى المفضول.
٧- ركوب البحر لطلب العلم.
٨- أدب المتعلم لقوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ إلى آخره.
٩- احتمال المشاق في طلب العلم لقوله: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً﴾ .
وإنما أهتم الشيخ بالعلم أنه هو أصل العمل، فلذا ورد التنويه بشأن العلم والعلماء في غير ما آية من كتاب الله تعالى، إذ أن العلم الصحيح بفضل الله عصمة من الزلل لمن قام بحقه.
ويقرر الشيخ هذا المفهوم ضمن المسائل المستنبطة من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ٣ بقوله:
- وجوب طلب العلم بسبب أن هذا "أي هذا الفعل" مع كونه سبباً للإحباط لا يفطن له فكيف بما هو أغلظ منه بكثير؟
стр. 204
وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أي لا تدرون. فإذا كان هذا فيمن لا يدري دل على وجوب التعلم والتحرز، وأن الإنسان لا يعذر بالجهل في كثير من الأمور١.
والعلم الذي يرى الشيخ وجوبه على كل مسلم هو معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة٢.
وهذا شامل لعلم الدين كله.
وتركيز الشيخ على هذه العلوم والمعارف من أظهر ما في تفسيره فمن ذلك قوله عند قول الله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ ٣ فيه مسائل- وذكر منها- الأولى: معرفة أن لا إله إلا الله كما في قصة آدم وإبليس، ويعرف ذلك من عرف أسباب الشرك، وهو الغلو في الصالحين، والجهل بعظمة الله.
الثانية:- معرفة أن محمداً رسول الله، يعرفه من عرف عداوة علماء أهل الكتاب له.
الثالثة:- معرفة الدين الصحيح والدين الباطل، لأنها نزلت في إبطال دينهم الذي نصروا، وتأييد دينه الذي أنكروا٤.
ويبين الشيخ أن أهم مصادر العلم الصحيح هو كتاب الله تعالى فيقول مستنبطاً من قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٥.
إن من أكبر آياته- أي القرآن- تصديقه لما بين يديه من العلوم التي جاءت بها الرسل، التي هي العلم النافع في الحقيقة.
стр. 205
- أن هذا فيه تفصيل كل شيء يحتاج إليه، ففيه العلم النافع، وفيه الإحاطة بالعلوم الكثيرة، ومع هذا يفصلها، أي يبينها.
- وإنه هدى يعتصم به من الضلالة، ورحمة يعتصم به من الهلكة، فلا يضل من اتبعه ولا يشقى١.
ويقول أيضاً عند قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ٢. ومما يدل على أن القرآن كاف عما سواه من الكتب أن عمر أتى النبي " ﷺ " بكتاب فقرأ عليه، فغضب، فقال: "أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقيه لا تسألوهم عن شيء، فيخبروكم بحق فتكذبونه، أو بباطل فتصدقونه، والذي نفسي بيده، لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي" ٣.
ثم يقول: والمراد بأحسن القصص القرآن لا قصة يوسف وحدها. وقوله: ﴿تِلْكَ﴾ أي هذه: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ الواضح الذي يوضح الأشياء المبهمة.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي تفهمون معانيه.
ثم يقول عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ أي الجاهلين وهذا مما يبين جلالة القرآن، لأن فيه دلالة على أن علمه ﷺ من القرآن٤.
ويستنبط الشيخ من كتاب الله تعالى ما يتعلق بحماية القوة العلمية، وذلك بالتحذير من كتب الضلالة، فيقول عند قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي
стр. 206
الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ١
تعريفه سبحانه بالأحاديث المفتراة وإقبال الأكثر عليها واشتراء الكتب المصنفة بغالي الأثمان وتكبر من اشغل بها وظنه أنه أفضل ممن لم يشتغل بها وزعمه أنها من العلوم الجليلة ومع هذا معرض عن قصص الأنبياء مستحقر له زاعم أنه علم العوام الجهال٢.
ويقول مستنبطا من قول الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ ٣ الآية كون أناس من أهل الكتاب إذا وقعت المسألة وأرادوا إقامة الدليل عليها تركوا كتاب الله كأنهم لا يعلمون واحتجوا بما في الكتب الباطلة٤.
ويهدف الشيخ من استنباطه هذا إضافة إلى إيضاح حال القوم – إلى التحذير من فعلهم بالاحتجاج بالكتب الباطلة وترك كتاب الله كما يظهر ذلك من خلال السياق القرآني لأن الله تعالى وصفهم يهذا الوصف في معرض الذم لهم ففيه تحذير من سلوك سبيلهم.
ويقول عند هذه الآية أيضا:
إن في من يدعي العلم من اختار كتب السحر على كتاب الله.
وأنهم يعارضون به كتاب الله وإن اتباع غير كتاب الله ضلال٥.
ثم يقول: لا تأمن الكتب ولا من ينتسب إلى العلم على دينك٦.
وهو يعني كتب الضلالة كتلك التي اتبعها اليهود ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم.
стр. 207
ويعني بمن ينتسب إلى العلم من يدعي أنه عالم وليس بعالم على الحقيقة، وإنما ينتسب انتساباً ويتشبه بالعلماء تشبهاً على وجه التلبيس والتمويه.
ومن قبيل الاتجاه الإصلاحي في مجال الاهتمام بالقوة العلمية توجيه العلماء والدعاة وذلك أن النصيحة واجبة ولو لغير المسلمين لقوله ﷺ . "في كل كبد رطبة أجر" ١، كما ذكر الشيخ هذا عند قول الله تعالى: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُون﴾ ٢ وقال وأما المسلم فنصحه من الفرائض٣.
وذلك أن العلماء والدعاة من أهل القوة العلمية.
يقول الشيخ عند قوله تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ ٤: أمره بالطريق إلى القوة على ما تقدم٥ فهو الصبر خالصاً. ففيها آداب الداعي، لأن الخلل يدخل على رؤساء الدين من ترك هذه الوصايا أو بعضها، ففيها الحرص على الدنيا، فنهى عنه بقوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ومنها عدم الجد فنبه عليه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ٦.
ومنها رؤية الناس فيه العيوب المنفرة لهم عن الدين كما هو الواقع.
ومنها التقصير في تعظيم العلم الذي هو من التقصير في تعظيم الله.
ومنها عدم الصبر على مشاق الدعوة.
ومنها عدم الإخلاص.
ومنها عدم هجران الرجز والتقصير في ذلك، وهو من أضرها على الناس، وهو من تطهير الثياب، لكن أفرد بالذكر كنظائره٧.
стр. 208
فقد استنبط الشيخ من أوائل سورة المدثر نبراساً نيراً للدعاة، إذ هي توجيهات ربانية لإمام الدعاة " ﷺ " تجب العناية بها والاهتمام.
كما يستنبط من إجابة يوسف "﵇" للسائلين المسجونين معه دروساً نافعة للعلماء والدعاة منها:-
١- أنه ينبغي للعالم إذا سأله العامي عما لا يحتاج إليه أو سأله عما غيره أهم منه أن يفتح له باباً إلى المهم.
قلت وهذا مأخوذ من بيان يوسف "﵇" وحدانية الله، وبطلان ما سواه قبل البدء في تفسير رؤياهما لأنهما في هذه الحال مصغيان إليه غاية الإصغاء مهتمان بما يقول لما قد يكون له من علاقة بالجواب.
٢- أنك لا تحقر عن التعليم من تظنه أبعد الناس عنه، ولا تستبعد فضل الله، فإن الرجلين من خدام الملوك الكفرة، بخلاف من يقول: ليس هذا بأهل للعلم بل تعليمه إضاعة للعلم.
٣- أنه أجاب السائل بأكثر مما سأله عنه خلافاً لمن جعل هذا من عدم الأدب١.
ويستنبط الشيخ من قوله في قصة يوسف: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٢ أنه لا ينبغي للإنسان أن يسأل عن مسائل العلم إلا من رآه يحسن ذلك٣.
فهذا توجيه للعوام والمستفتين بأن يسألوا أهل الذكر حقيقة كما أمر الله تعالى بقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٤.
стр. 209
الناحية الثانية: التركيز على القوة العملية.
يركز الشيخ من خلال استنباطاته على العمل كما ركز على العلم تركيزاً بالغاً، وذلك أنه ثمرة العلم، بل أنه يرى أن العلم الذي لا يثمر العمل لا يسمى علماً١. وإن سمى علماً، فأنه علم لا ينفع- والعياذ بالله- يقول الشيخ عند قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أو أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ ٢. معرفة العلم النافع والعلم الذي لا ينفع، فمع معرفتهم أن ما يكشفه إلا الله، ومع معرفتهم بعجز معبوداتهم، ونسيانهم إياها ذلك الوقت يعادون الله هذه المعاداة، ويوالون آلهتهم تلك الموالاة٣ قال تعالى: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ ٤.
ويقول عند قول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ٥: "أن الفائدة في تعليم العلم تذكر المتعلم واهتداؤه٦".
ويقول أيضاً مركزاً على ضرورة اقتران العلم بالعمل عند قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَأنه فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ٧.
بعد أن استنبط بعض المسائل قال:
المسألة الخامسة: "التي سيق لأجلها الكلام، أنك إذا عرفت ملته فالواجب الاتباع لا مجرد الإقرار مع الرغوب عنها٨.
стр. 210
ويقول عند قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إن الهداية إلى ذلك تتضمن العلم النافع، والعمل الصالح، على وجه الاستقامة والكمال والثبات على ذلك إلى أن يلقى الله١.
ولاشك أن هذا التركيز على القوة العملية أمر ضروري، ومن السنن المألوفة من مصلح ومجدد يتخذ من كتاب الله وسنة رسوله " ﷺ " مصدراً للإصلاح الشامل في جميع شئون الحياة إيماناً بقول الله تعالى ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ٢ ويستنبط منهما ما به يكون الإصلاح. حيث يتضح في هذين الأصلين التركيز على الجانب العملي قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ ٣ الآية.
فلذا ركز الشيخ في استنباطاته على هذا الجانب وبيأنه وإصلاحه والتحذير من إفساده وأعظم ما اهتم الشيخ بإصلاحه في مجال القوة العملية إصلاح الجانب الاعتقادي.
إذ العقيدة هي المثمرة للعمل، ومن ثم يسهل إصلاح الحياة بجميع نواحيها الاجتماعية والسياسية وغيرها، للارتباط الوثيق بينها وبين العقيدة، وخصوصاً إذا نظرنا إلى العقيدة تلك النظرة الشمولية المستوعبة لجميع شئون الحياة.
فمن أهم ما ركز عليه في هذا المجال:
١- التوحيد:
وقد تقدم الكلام عن اهتمام الشيخ بجانب ترسيخ العقيدة وبيانها، واستنباطاته المتعلقة بهذا الموضوع في الفصل "الأول" بعنوان "التركيز على العقيدة من خلال تفسيره". إذ الغرض من ذلك البيان والإيضاح هو الإصلاح الاجتماعي كما هو معلوم فليرجع إلى ما سبق٤.
стр. 211
٢- التحذير من فساد هذه القوة العملية.
وحيث قد بين الشيخ القوة العملية فقد اهتم بحماية جنابها والتحذير مما يناقضها أو يؤثر فيها.
فمن ذلك بيأنه الكفر والمكفرات والشرك وأسبابه وقد تقدم شيء من ذلك١.
- يقول الشيخ منبهاً على النهي عن فساد القوة العملية عند قول الله تعالى بعد ذكر قصة يوسف وأخوته ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ٢ قال بعد أن ذكر المسألة الثامنة: إن الذي أتاهم من الآيات ليست هذه وحدها، بل كم وكم من الآيات السماوية والأرضية يمرون عليها، ويعرضون عن الانتفاع بها، وليس هذا قصوراً في البيان، فأنه مشاهد، بل القلوب غير قابلة:
التاسعة: المسألة العظيمة، وهي إخباره ﵎ أن أكثر هذا الخلق لو آمن أفسد إيمأنه بالشرك، فهذه فساد القوة العملية، والتي قبلها فساد القوة العلمية٣.
وذلك أن الشرك- والعياذ بالله- محبط للعمل من أساسه مهما كان ذلك العمل عظيماً كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ ٤.
وقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٥. وسيأتي ما قاله الشيخ عند هذه الآية٦.
ويبين الشيخ عظمة الشرك عند قول الله تعالى لما ذكر قصة نوح مع قومه ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٧. فيقول عظمة الشرك عند الله ولو قصد صاحبه التقرب إلى
стр. 212
الله، وذلك مما فعل الله بأهل الأرض لما عبدوا ودا، وسواعا، ويغوث، ويعوق، ونسرا١. ويقول أيضاً عند قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢: العظيمة التي لم يعرفها أكثر من يدعى الدين وهي مسألة تكفير من أشرك، وحبوط عمله، ولو كان أعبد الناس وأزهدهم٣.
كما يقول محذراً من الكفر ومظاهرة الكافرين، ومبيناً بعض ما يتعلق به عند قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿سبحانه وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٤.
يقول: أن المسلم إذا أطاع من أشار عليه في الظاهر كفر، ولو كان باطنه يعتقد الإيمان، فإنهم لم يريدوا من النبي " ﷺ " تغيير عقيدته. ففيه بيان لما يكثر وقوعه ممن ينتسب إلى الإسلام، في إظهار الموافقة للمشركين خوفاً منهم، ويظن أنه لا يكفر إذا كان قلبه كارهاً له.
- إن الجهل وسخافة العقل هو موافقتهم في الظاهر، وإن العقل والفهم والذكاء هو التصريح بمخالفتهم، ولو ذهب مالك، خلافاً لما عليه أهل الجهل من الاعتقاد أن بذل دينك لأجل مالك هو العقل، وذلك في آخر الآية ﴿أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ .
أما الآية الثانية ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية ففيها مسائل أيضاً:
الأولى: شدة الحاجة إلى تعلم التوحيد فإذا كان الأنبياء يحتاجون إلى ذلك ويحرصون عليه فكيف بغيرهم؟ ففيه رد على الجهال الذين يعتقدون أنهم عرفوه فلا يحتاجون إلى تعلمه.
الثانية: المسألة الكبرى وهي كشف شبهة علماء المشركين الذين يقولون: هذا
стр. 213
شرك ولكن لا يكفر من فعله لكونه يودي الأركان الخمسة، فإذا كان الأنبياء لو يفعلونه كفروا فكيف بغيرهم؟!
الثالثة: أن الذي يكفر به المسلم ليس هو عقيدة القلب خاصة، فإن هذا الذي ذكرهم الله لم يريدوا منه " ﷺ " تغيير العقيدة كما تقدم، بل إذا إطاعة المسلم من أشار عليه بموافقتهم أجل ماله أو بلده أو أهله مع كونه يعرف كفرهم ويبغضهم فهذا كافر إلا من أكره١.
كما ينبه الشيخ على تقبيح الشرك عقلا في آخر هذه الآية فيقول:
إن آخر الآية وهو قوله: ﴿سبحانه وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ينبهك على الحكمة في كونه سبحانه يغفر الكبائر ولا يغفر الشرك، وتزرع بغض الشرك وأهله ومعاداتهم في قلبك. وذلك أن أكبر مسبة بعض الصحابة مثل أبى بكر وعمر لو يصل في منزلته بعض ملوك زماننا مثل سليمان٢ ن أو غيره، مع كون الكل منهم آدمي، والكل ينتسب إلى دين محمد " ﷺ "، والكل يأتي بالشهادتين والكل يصلي ويصوم رمضان.
فإذا كان من أقبح المسبة لأبى بكر أن يسوي بينه وبين بعض الملوك في زماننا، فكيف يجعل للمخلوق من الماء المهين –ولو كان نبياً- بعض حقوق من هذا بعض عظمته وجلاله من كونه يدعى كما يدعى، ويخاف كما يخافه ويعتمد عليه كما يعتمد عليه؟! هذا أعظم الظلم، وأقبح المسبة لرب العالمين وذلك معنى قوله في آخر الآية: ﴿سبحانه وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ولكن رحم الله من تنبه لسر الكلام، وهو المعنى الذي نزلت فيه هذه الآيات، من كون المسلم يوافقهم في شيء من دينهم الظاهر مع كون القلب بخلاف ذلك، فإن هذا هو الذي أرادوا من النبي " ﷺ " فأفهمه فهماً حسناً لعلك
стр. 214
تعرف شيئاً من دين إبراهيم "﵇" الذي بادر أباه وقومه بالعداوة عنده١.
ويقول أيضاً مبيناً الكفر عند استنباطه المسائل من قول الله تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً﴾ ٢.
- المسألة الكبرى أن من ذبح لغير الله أو دعا غيره فقد كذب بقول: "لا إله إلا الله". وقد دعا إلهين اثنين، واتخذ ربين.
- المسألة العظيمة المشكلة على أكثر الناس؛ أنه إذا وافقهم بلسانه مع كونه مؤمناً حقاً كارهاً لموافقتهم فقد كذب في قوله "لا إله إلا الله" واتخذ إلهين اثنين، وما أكثر الجهل بهذه والتي قبلها.
- أن ذلك لو يصدر منهم - أعني موافقة الحاكم فيما أراد من ظاهرهم مع كراهتهم لذلك- فهو قوله: ﴿شَطَطاً﴾ والشطط: الكفر٣.
ومن جوانب الاتجاه الإصلاحي عند الشيخ: استنباط ما يتعلق بإيضاح المنهج الصحيح لاتباع الأئمة المهتدين من خلال الآيات، وذلك أن الحاجة ماسة لإيضاح ذلك، حيث أن الفترة التي قام فيها الشيخ بدعوته قد عم فيها الجمود في التقليد الأعمى، وتجاوز ذلك التقليد في الفقه إلى التقليد في العقيدة، بل في أي عقيدة، ومهما كان ذلك المقلد سواءً أكان ذا منزلة علمية وصلاح، أم لا فحاد كثير من الأتباع عن منهج الاتباع الصحيح، فمنهم من يزعم أنه يحب الصالحين، وأنهم سلفه، ولكنه في العمل مخالف لهم ولهديهم، ومنهم من يعتقد فيهم فوق مالهم.
فلذا لاحظ الشيخ هذا الأمر الخطير، وظهر في تفسيره التنبيه إليه، والتحذير من ضرره في غير موضع.
стр. 215
فأوضح الشيخ من خلال استنباطاته أنه لا بد قبل الاقتداء من النظر في أحوال الأئمة المقتدى بهم لمعرفتهم، وتمييز من يصلح للاقتداء من غيره، فيقول عند قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ ١ إن معرفة هذا مما يوجب الحرص على النظر في الأئمة إذا كان منهم من جعله الله يدعو إلى النار ومنهم من قال فيه: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ ٢.
وفي موضع آخر يستنبط وصف الأئمة المهتدين، وحالهم مع متبوعيهم فيقول عند قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٣ الآيتين: إذا عرفت أن سبب نزولها قول أهل الكتاب: نحن مسلمون نعبد الله إلا إن كنت تريد أن نعبدك٤.
عرفت أنها من أوضح ما في القرآن من تقرير الإخلاص والبراءة من الشرك، ومن أعظم ما يبين لك طريق الأئمة المهديين من الأئمة المضلين، وذلك أن الله وصف أئمة الهدى بالنفي والإثبات، فنفى عنهم أن يأمروا أتباعهم بالشرك بهم أو بالشرك بالملائكة والأنبياء وهم أصلح المخلوقات، وأثبت أنهم في يأمرون أتباعهم أن يصيروا ربانيين، فإذا كان من أنزله الله بهذه المنزلة لا يتصور أن يأمر أتباعه بالشرك به ولا بغيره من الأنبياء والملائكة، فغيرهم أظهر وأظهر.
وإذا كان الأمر الذي يأمرهم به كونهم ربانيين، تبين طريقة الأنبياء وأتباعهم، من طريقة أئمة الضلال وأتباعهم. ومعرفة الإخلاص والشرك، ومعرفة أئمة الهدى وأئمة الضلال أفضل ما حصل المؤمن٥.
ويستنبط في موضع آخر كيفية موالاة الصالحين، ويحذر من الزلل فيها فيقول عند قول الله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ٦ "ضمن استنباطات كثيرة متعلقة بالاتباع":