٢- التحذير من فساد هذه القوة العملية.
وحيث قد بين الشيخ القوة العملية فقد اهتم بحماية جنابها والتحذير مما يناقضها أو يؤثر فيها.
فمن ذلك بيأنه الكفر والمكفرات والشرك وأسبابه وقد تقدم شيء من ذلك١.
- يقول الشيخ منبهاً على النهي عن فساد القوة العملية عند قول الله تعالى بعد ذكر قصة يوسف وأخوته ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ٢ قال بعد أن ذكر المسألة الثامنة: إن الذي أتاهم من الآيات ليست هذه وحدها، بل كم وكم من الآيات السماوية والأرضية يمرون عليها، ويعرضون عن الانتفاع بها، وليس هذا قصوراً في البيان، فأنه مشاهد، بل القلوب غير قابلة:
التاسعة: المسألة العظيمة، وهي إخباره ﵎ أن أكثر هذا الخلق لو آمن أفسد إيمأنه بالشرك، فهذه فساد القوة العملية، والتي قبلها فساد القوة العلمية٣.
وذلك أن الشرك- والعياذ بالله- محبط للعمل من أساسه مهما كان ذلك العمل عظيماً كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ ٤.
وقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٥. وسيأتي ما قاله الشيخ عند هذه الآية٦.
ويبين الشيخ عظمة الشرك عند قول الله تعالى لما ذكر قصة نوح مع قومه ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٧. فيقول عظمة الشرك عند الله ولو قصد صاحبه التقرب إلى
стр. 212
الله، وذلك مما فعل الله بأهل الأرض لما عبدوا ودا، وسواعا، ويغوث، ويعوق، ونسرا١. ويقول أيضاً عند قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢: العظيمة التي لم يعرفها أكثر من يدعى الدين وهي مسألة تكفير من أشرك، وحبوط عمله، ولو كان أعبد الناس وأزهدهم٣.
كما يقول محذراً من الكفر ومظاهرة الكافرين، ومبيناً بعض ما يتعلق به عند قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿سبحانه وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٤.
يقول: أن المسلم إذا أطاع من أشار عليه في الظاهر كفر، ولو كان باطنه يعتقد الإيمان، فإنهم لم يريدوا من النبي " ﷺ " تغيير عقيدته. ففيه بيان لما يكثر وقوعه ممن ينتسب إلى الإسلام، في إظهار الموافقة للمشركين خوفاً منهم، ويظن أنه لا يكفر إذا كان قلبه كارهاً له.
- إن الجهل وسخافة العقل هو موافقتهم في الظاهر، وإن العقل والفهم والذكاء هو التصريح بمخالفتهم، ولو ذهب مالك، خلافاً لما عليه أهل الجهل من الاعتقاد أن بذل دينك لأجل مالك هو العقل، وذلك في آخر الآية ﴿أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ .
أما الآية الثانية ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية ففيها مسائل أيضاً:
الأولى: شدة الحاجة إلى تعلم التوحيد فإذا كان الأنبياء يحتاجون إلى ذلك ويحرصون عليه فكيف بغيرهم؟ ففيه رد على الجهال الذين يعتقدون أنهم عرفوه فلا يحتاجون إلى تعلمه.
الثانية: المسألة الكبرى وهي كشف شبهة علماء المشركين الذين يقولون: هذا
стр. 213
شرك ولكن لا يكفر من فعله لكونه يودي الأركان الخمسة، فإذا كان الأنبياء لو يفعلونه كفروا فكيف بغيرهم؟!
الثالثة: أن الذي يكفر به المسلم ليس هو عقيدة القلب خاصة، فإن هذا الذي ذكرهم الله لم يريدوا منه " ﷺ " تغيير العقيدة كما تقدم، بل إذا إطاعة المسلم من أشار عليه بموافقتهم أجل ماله أو بلده أو أهله مع كونه يعرف كفرهم ويبغضهم فهذا كافر إلا من أكره١.
كما ينبه الشيخ على تقبيح الشرك عقلا في آخر هذه الآية فيقول:
إن آخر الآية وهو قوله: ﴿سبحانه وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ينبهك على الحكمة في كونه سبحانه يغفر الكبائر ولا يغفر الشرك، وتزرع بغض الشرك وأهله ومعاداتهم في قلبك. وذلك أن أكبر مسبة بعض الصحابة مثل أبى بكر وعمر لو يصل في منزلته بعض ملوك زماننا مثل سليمان٢ ن أو غيره، مع كون الكل منهم آدمي، والكل ينتسب إلى دين محمد " ﷺ "، والكل يأتي بالشهادتين والكل يصلي ويصوم رمضان.
فإذا كان من أقبح المسبة لأبى بكر أن يسوي بينه وبين بعض الملوك في زماننا، فكيف يجعل للمخلوق من الماء المهين –ولو كان نبياً- بعض حقوق من هذا بعض عظمته وجلاله من كونه يدعى كما يدعى، ويخاف كما يخافه ويعتمد عليه كما يعتمد عليه؟! هذا أعظم الظلم، وأقبح المسبة لرب العالمين وذلك معنى قوله في آخر الآية: ﴿سبحانه وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ولكن رحم الله من تنبه لسر الكلام، وهو المعنى الذي نزلت فيه هذه الآيات، من كون المسلم يوافقهم في شيء من دينهم الظاهر مع كون القلب بخلاف ذلك، فإن هذا هو الذي أرادوا من النبي " ﷺ " فأفهمه فهماً حسناً لعلك
стр. 214
تعرف شيئاً من دين إبراهيم "﵇" الذي بادر أباه وقومه بالعداوة عنده١.
ويقول أيضاً مبيناً الكفر عند استنباطه المسائل من قول الله تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً﴾ ٢.
- المسألة الكبرى أن من ذبح لغير الله أو دعا غيره فقد كذب بقول: "لا إله إلا الله". وقد دعا إلهين اثنين، واتخذ ربين.
- المسألة العظيمة المشكلة على أكثر الناس؛ أنه إذا وافقهم بلسانه مع كونه مؤمناً حقاً كارهاً لموافقتهم فقد كذب في قوله "لا إله إلا الله" واتخذ إلهين اثنين، وما أكثر الجهل بهذه والتي قبلها.
- أن ذلك لو يصدر منهم - أعني موافقة الحاكم فيما أراد من ظاهرهم مع كراهتهم لذلك- فهو قوله: ﴿شَطَطاً﴾ والشطط: الكفر٣.
ومن جوانب الاتجاه الإصلاحي عند الشيخ: استنباط ما يتعلق بإيضاح المنهج الصحيح لاتباع الأئمة المهتدين من خلال الآيات، وذلك أن الحاجة ماسة لإيضاح ذلك، حيث أن الفترة التي قام فيها الشيخ بدعوته قد عم فيها الجمود في التقليد الأعمى، وتجاوز ذلك التقليد في الفقه إلى التقليد في العقيدة، بل في أي عقيدة، ومهما كان ذلك المقلد سواءً أكان ذا منزلة علمية وصلاح، أم لا فحاد كثير من الأتباع عن منهج الاتباع الصحيح، فمنهم من يزعم أنه يحب الصالحين، وأنهم سلفه، ولكنه في العمل مخالف لهم ولهديهم، ومنهم من يعتقد فيهم فوق مالهم.
فلذا لاحظ الشيخ هذا الأمر الخطير، وظهر في تفسيره التنبيه إليه، والتحذير من ضرره في غير موضع.
стр. 215
فأوضح الشيخ من خلال استنباطاته أنه لا بد قبل الاقتداء من النظر في أحوال الأئمة المقتدى بهم لمعرفتهم، وتمييز من يصلح للاقتداء من غيره، فيقول عند قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ ١ إن معرفة هذا مما يوجب الحرص على النظر في الأئمة إذا كان منهم من جعله الله يدعو إلى النار ومنهم من قال فيه: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ ٢.
وفي موضع آخر يستنبط وصف الأئمة المهتدين، وحالهم مع متبوعيهم فيقول عند قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٣ الآيتين: إذا عرفت أن سبب نزولها قول أهل الكتاب: نحن مسلمون نعبد الله إلا إن كنت تريد أن نعبدك٤.
عرفت أنها من أوضح ما في القرآن من تقرير الإخلاص والبراءة من الشرك، ومن أعظم ما يبين لك طريق الأئمة المهديين من الأئمة المضلين، وذلك أن الله وصف أئمة الهدى بالنفي والإثبات، فنفى عنهم أن يأمروا أتباعهم بالشرك بهم أو بالشرك بالملائكة والأنبياء وهم أصلح المخلوقات، وأثبت أنهم في يأمرون أتباعهم أن يصيروا ربانيين، فإذا كان من أنزله الله بهذه المنزلة لا يتصور أن يأمر أتباعه بالشرك به ولا بغيره من الأنبياء والملائكة، فغيرهم أظهر وأظهر.
وإذا كان الأمر الذي يأمرهم به كونهم ربانيين، تبين طريقة الأنبياء وأتباعهم، من طريقة أئمة الضلال وأتباعهم. ومعرفة الإخلاص والشرك، ومعرفة أئمة الهدى وأئمة الضلال أفضل ما حصل المؤمن٥.
ويستنبط في موضع آخر كيفية موالاة الصالحين، ويحذر من الزلل فيها فيقول عند قول الله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ٦ "ضمن استنباطات كثيرة متعلقة بالاتباع":
стр. 216
جوابهم- أي أبناء يعقوب- ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ الآية، لأن في هذا معنى الحجة، وظهور الأمران من اتبع الصالحين يسلك طريقهم، وأما كونه يترك طريقهم بزعمه أنه اتباع لهم فهذا خلاف العقل.
ويقول أيضاً: إخبارهم له بلزوم الإسلام بعد موته. وذكرهم له أن ذلك الإسلام لله وحده لا شريك له، ليس لك ولا لآبائك منه شيء١. ويحاج بهذه الآيات أيضاً الذين لم ينهجوا المنهج الصحيح في الاتباع بل خالفوا من يزعمون أنهم يوالونهم من الصالحين فيقول:- إن ذلك من أوضح الحجج على ذريتهم مع إقرارهم بذلك. ومع هذا يزعمون أنهم على ملتهم مع تركها، وشدة العداوة لمن اتبعها٢.
ويقول أيضاً عند قول الله تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ٣. إن كانت الخصومة في الصالحين، ودعواهم أنهم على طريقهم، فهم لا يقدرون آن يدعوا أن رسول الله " ﷺ " وأصحابه على طريقتهم، بل يصرحون أنهم على غيرها، ولكن يعتذرون أنهم لا يقدرون عليها، فكيف هذا التناقض؟! يدعون أنهم تابعوهم مع تحريمهم اتباعهم وزعمهم أن أحدا لا يقدر عليه٤!
وحيث أن من أسباب الاتباع والتعظيم عند كثير من الناس ما يظهر على أيدي بعض الناس من كرامات، وخوارق للعادات، فيتبعون لذلك، فلم يغفل الشيخ هذا الجانب ومعالجته بالقرآن فقد قال مستنبطاً من قصة آدم وإبليس مبيناً حقيقة الكرامة، ومحذراً من الاغترار بخوارق العادات: ومنها- أي من الفوائد المستنبطة من هذه القصة- أنه لا ينبغي للمؤمن أن يغتر بخوارق العادة إذا لم يكن مع صاحبها استقامة على أمر الله، فإن اللعين أنظره الله تعالى، ولم يكن ذلك إلا إهانة له وشقاء عليه، وحكمة بالغة يعلمها الحكيم الخبير. فينبغي
стр. 217
للمؤمن أن يميز بين الكرامات وغيرها، ويعلم أن الكرامة هي لزوم الاستقامة١ ويقول أيضاً مستنبطاً من إجابة الله طلب إبليس النظرة: إن إجابة دعاء الداعي في بعض الأحيان لا تدل على الكرامة٢.
ويستنبط من هذه القصة أيضاً أن الفاجر قد يعطيه الله سبحانه كثيراً من القوى والإدراكات في العلوم والأعمال، حتى في صحة الفراسة، كما ذكر عن اللعين حين تفرس فيهم أن يغويهم إلا المخلصين، فصدق الله فراسته في قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
كما ينبه الشيخ من أعطي شيئاً من الكرامات أن لا يغتر بها فقد يكون ذلك من قبيل الاستدراج فيقول مستنبطاً من قول الله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ ٤.
عدم الاغترار بالكرامات وإجابة الدعاء٥.
стр. 218
ومن جوانب الاتجاه الإصلاح عند الشيخ والمتعلقة بما سبق:
الإرشاد إلى النظر في حقيقة الأمور بمنظار الشرع، وعدم الاغترار بكثرة من يعمل بها زمنا بعد زمن وما عليه السواد الأعظم من الناس، وليس ضرر ذلك بأقل من ضرر الجمود في التقليد، بل أنه يربو عليه ويكفي في الدلالة على ذلك أن من أعظم ما وقف في وجه دعوات الأنبياء هو هذا، وهو ما أخبر الله به من قول كثير من الأمم لأنبيائهم ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ١.
فكان الشيخ يستنبط من الآيات ما فيه الدلالة على أن اتباع الحق هوا الحق لا اتباع الناس وإن كثروا ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٢، ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
فيقول عند قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ٤.
إن الذي حملهم على إنكاره كونه غريباً مخالفاً لما عليه السواد الأعظم، وذلك لا يوجب رده، لأن اتباع الحق إذا ظهر هو الحق. وإذا ظهر الباطل لم يزينه فعل الأكثر له، مثل الرياء والكذب والخيانة٥.
ويقول أيضاً عند قول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ﴾ الآية٦، إنهم لمحبتهم ما هم عليه من الجاهلية، وغرامهم به، نبذوا كتاب الله الذي عندهم وراء ظهورهم كأنهم لا يعرفونه، والذي حملهم على هذه العظائم أنه أتاهم أمر من الله موافق لدينهم لكن مخالف لعاداتهم الجاهلية٧. ويقول عند قول الله تعالى مخبراً عن قول هود
стр. 219
لقومه: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ ١. كون الشيء معمولاً به قرنا بعد قرن من غير نكير لا يدل على صحته٢.
ففي هذه الاستنباطات وما شابهها لفت الأنظار إلى هذه الحقيقة، وتوجيه لكل من قرأها بأن يكون متبعاً لشرع الله، وقافاً عند حدود الله، لينال السعادة في الدنيا والآخرة.
بل أنه في موضع آخر يسعى لتربية الأتباع، وتوجيههم إلى الاتباع الصحيح المبني على أسس عقدية صحيحة من كتاب الله وسائر ما أوحى إلى رسوله فهو يوضح كون ذلك الوحي سياجاً واقياً، وسلاحاً للمؤمن يشهره في وجوه أعداء الحق ودعاة الضلالة، الذين يزينون الباطل ويدعون إليه، إضلالا منهم، ومعاندة لرب العالمين، وغشاً لعباده.
فيقول عند قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ٣ فيه أربعة عشر جواباً لمن أشار عليك بموافقة السواد الأعظم على الباطل لما فيه من مصالح الدنيا والهرب من مضارها، ولكن ينبغي أن تعرف أولاً أن الكلام مأمور به مؤمن فقيه.
فالأول: أن تجيبه بقوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا﴾ وهذا تصوره كاف في فساده.
الثاني: ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ وهذا أيضاً كذلك.
الثالث: هذا المثل الذي هو أبلغ ما يرغبك في الثبات، ويبغض إليكم موافقته. "ويعني بالمثل المثل المذكور في الآية ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي
стр. 220
الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ .
الرابع: قولك له إذا زعم أن الهدى في موافقة فلان وفلان بدليل الأكثر فتجيبه بقولك: ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ .
الخامس: أن تجيبه بقوله: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فإذا أمرتني بالإسلام لفلان، فالله أمرني بما لا أحسن منه.
السادس: أن تقول وأمرنا بإقامة الصلوات، وهذه خصلة مسلمة لا جدال فيها، ولا يقيمها إلا الذين أمرتني بتركهم، والذين أمرتني بموافقتهم لا يقيمونها.
السابع: أنا مأمورون بتقوى الله، وأنت تأمرني بتقوى الناس.
الثامن: أن هذا الذي أمرتني بترك أمره ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ . كما قالوا لفرعون لما دعاهم إلى ذلك ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقلِبُونَ﴾ ١.
التاسع: أنه هو الذي خلق السموات والأرض بالحق، وهذا مقتضى ما نهيتني عنه. والذي أمرتني به يقتضي أنه خلقها باطلاً.
العاشر: أن الذي تأمرني بترك أمره حشر هذا الخلق العظيم ما دونه إلا قوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ .
الحادي عشر: أن هذا الذي أمرتني بترك أمره قوله الحق، وقد قال ما لا يخفى عليك ووعد عليه بالخلود في النعيم، ونهى عما أمرتني به، وتوعد عليه بالخلود في الجحيم، وهو لا يقول إلا الحق فكيف مع هذا أطيعك؟!
الثاني عشر: أن له الملك يوم ينفخ في الصور، فإذا أقررت بذلك اليوم، وأن عذابه ونعيمه دائمان، فما ترجوه من الشفاعات كلها باطلة ذلك اليوم، وقد بين تعالى معنى ملكة لذلك اليوم في آخر الانفطار "أي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ ٢.
стр. 221
الثالث عشر: أنه عالم الغيب والشهادة، فلا يمكن التلبيس عليه، بخلاف المخلوق ولو أنه نبي.
الرابع عشر: أنه هو الحكيم الخبير، فلا يجعل من اتبع أمره ولو فارق الناس كمن ضيع أمره موافقة للناس، حاشاه من ذلك. ولهذا يقول الموحدون يوم القيامة: قد ذهب الناس فارقناهم في الدنيا أحوج ما كنا إليهم١. والله أعلم.
стр. 222
الفصل الرابع: اهتمامه بجانب الفقه والتأصيل في تفسيره
المبحث الأول: اهتمامه بالفقه في تفسيره
إن من ضرورات المنهج الاستنباطي الشمولي الذي ينحاه الشيخ أن يتعرض لنواحٍ كثيرة مما تضمنه كتاب الله تعالى، وحيث أن هذا الكتاب العظيم تبيان لكل شيء، وتفصيل له من لدن حكيم خبير، كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ١.
ففيه ما يتعلق بتوحيد الله- وهو ما سبق أن أوضحت منهج الشيخ في دراسته- وقصص السابقين وما يتعلق بأحكام المكلفين، وهو ما يتعلق بالفقه والأصول، وهو ما أنا بصدد الحديث عن اهتمام الشيخ به، ومنهجه في بيانه في مجال الفقه هنا.
فمعلوم أن القرآن العظيم هو أول أدلة الأحكام، وأعظم مصادرها، كما دل على هذا حديث معاذ عندما سأله النبي ﷺ : "بم تحكم؟ ", قال: بكتاب الله,.. إلى آخر الحديث. وفيه قول النبي " ﷺ " في آخره، "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله" ٢.
فقد قدم الكتاب على غيره من مصادر الأحكام، وأقره النبي " ﷺ " على ذلك.
فلا يستغني المشتغل بمعرفة الأحكام الفقهية عنه، كما أن الناظر في كتاب الله لا يسعه أن يهمل النظر في الأحكام، وإلا كان نظره قاصراً محدوداً.
وحيث أن الشيخ ﵀ سلفي المنهج والاتجاه، ودعوته كلها معتمدة على الكتاب والسنة، ومستمدة منهما، وقائمة عليهما، فإن ذلك يقتضي
стр. 223
أن يركز على النظر في النصوص، للاستدلال الصحيح بها لما يذهب إليه، واستنباط الأحكام منها.
وهذا هو ما نهجه الشيخ كما تشهد به كتبه الفقهية، ومختصراته في الأحكام، فإنا نجدها مليئة بالاستدلال بالكتاب والسنة، واستنباط الأحكام منهما، طلباً للحق بدليله أسوة علماء السلف الذين يحذو حذوهم، ويسلك مسلكهم.
ولأمثل هنا بمثال واحد مشهور وهو استدلاله على إبطال وقف الجنف١ الذي كان منتشراً في زمنه، ويفتي بجوازه بعض المتفقهة آنذاك فأبطله الشيخ بنصوص الكتاب والسنة، قال ﵀: وأما وقف الإثم والجنف فمن رد، فقد عمد بالسنة، ورد البدعة، واتبع القرآن٢.
وذلك أن الله قد تولى قسم الميراث بنفسه فقال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ٣. وقال: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ ٤ وغير ذلك.
فوقف الجنف على بعض الورثة مخالف لذلك، ولم يشرعه رسول الله ﷺ ، بل هو من الظلم المحرم وتعدي حدود الله فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٥. وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ ٦ وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ٧ فمن قبل ما آتاه الرسول، وانتهى عما نهى عنه، وأطاعه ليهتدي، واتبعه ليكون محبوباً عند الله
стр. 224
فليوقف كما أوقف رسول الله ﷺ ، وكما وقف عمر ﵁، وكما وقفت حفصة١، وغيرهم من الصحابة وأهل العلم٢.
يقول الشيح٣: وأما الوقف المحدث الملعون المغير لحدود الله فهذا الذي قال الله فيه بعد ما حد المواريث والحقوق للأولاد والزوجات وغيرهم ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ٤.
وأما ظهور هذا الجانب- جانب استنباط الأحكام من الآيات- في تفسيره فهو ظاهر جداً حيث لم يهمله، بل كان يستنبط من الأحكام ما يجد له مجالاً ومناسبة وموضع استنباط.
ولعل مما يؤكد اعتبار الشيخ له نصه على ما في قصة "موسى والخضر ﵉" من الفقه، حيث أفرده بالذكر عند تصنيفه الفوائد المستنبطة من هذه القصة تصنيفا موضوعياً.
فقد استنبط من هذه القصة، وما ورد من أحداثها، سواءً في الكتاب أو السنة مما هو معين على فهمها استنباطات تنم عن مقدرة فائقة في استخراج الأحكام والدقائق من مصادرها، وإن كانت تلك المصادر أحداث قصة ماضية، إذ أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه٥.
стр. 225
وهذا ما يبين النظرة الواعية فيما ينبغي على المسلم تجاه كتاب ربه من الاستفادة من كل ما جاء فيه، وأعمال النظر في ذلك، والاهتمام بموضع الفائدة المستنبطة من النص القرآني مباشرة سواءً أكانت اعتباراً بحال من مضى، أم استنباط مسائل فقهيه، أم استدلالاً لها أم نحو ذلك.
وسأذكر هنا- إن شاء الله- بعض ما استنبطه من هذه القصة من مسائل فقهيه، موضحاً موضع استنباطها ما أمكن، ليتبين ما ذكرت.
يقول الشيخ: ما فيها- أي في هذه القصة- من مسائل الفقه.
الأولى: عمل الإنسان في مال الغير بغير إذن إذا خاف عليه الهلاك١.
ووجه استنباطها: هو ما يبينه العلامة الشيخ: عبد الرحمن بن ناصر السعدي، في استنباطه الذي وافق فيه الشيخ، كما وافقه في كثير من استنباطاته من هذه القصة، وسار على منهج الشيخ فيها في إفرادها بالذكر، والاستنباط منها مع بيان وجه الاستنباط من الآيات٢.
فيقول السعدي: ومنها- أي من الفوائد المستنبطة- القاعدة الكبيرة أيضاً وهي: أن عمل الإنسان في مال غيره إذا كان على وجه المصلحة وإزالة المفسدة أنه يجوز، ولو بلا إذن، حتى ولو ترتب على عمله إتلاف بعض مال الغير، كما خرق الخضر السفينة لتعيب، فتسلم من غصب الملك الظالم٣.
قال الشيخ: الثانية: ليس من شروط الجواز خوف الهلاك، بل قد يجوز للإصلاح لقصة الجدار٤.
стр. 226
وهذه المسألة مستنبطة من قصة الجدار كما ذكر. ووجه ذلك أن الخضر عمل في مال غيره بغير إذنه، وعرف من ذلك الإصلاح، مع أنه لا يلزم من عدم عمله ذلك ذهاب كنز الغلامين. والله أعلم.
الثالثة: أنه ليس من شروط المسكين في الزكاة أنه لا مال له١.
ووجه استنباطها أن أصحاب السفينة قد وصفوا بالمسكنة مع ملكهم إياها.
وقد سبق الشيخ إلى مثل هذا البغوي في تفسيره ووافقه السعدي في تفسيره كذلك٢.
الرابعة: أنه استدل بها على أنه أحسن حالاً من الفقير٣.
وممن استدل بها على ما ذكر الشافعي٤، وذلك أن الفقير: من لا مال له، والمسكين: من له مال لا يبلغ كفايته كأصحاب السفينة.
ثم ذكر الشيخ بقية ما يستنبط من هذه القصة من مسائل فقهيه، ومنها ما هو من قبيل الفقه بمعناه الاصطلاحي، ومنها ما هو من قبيله بمعناه العام.
وللشيخ "﵀" طريقتان واضحتان في إيراد المسائل الفقهية، وكلتاهما متمشيتان مع منهجه المقتضب غالباً، وإحداهما أضر من الأخرى:
فالطريقة الأولى: أن يلفت النظر إلى نص الآية وما تضمنه من حكم فقهي ومن ذلك قوله مستنبطاً من أول سورة النور:
- حد الزانية.
- تحريم نكاح الزانية.
стр. 227
- ما ذكر في رمي المحصنات ما لم يأتوا بالبينة.
- رد شهادتهم.
- كون الله سبحانه استثنى التوبة والإصلاح١.
إلى غير ذلك من الاستنباطات الفقهية الكثيرة جداً في أول هذه السورة والتي لا يظن خفاؤها على من قرأ الآيات لظهورها.
والطريقة الثانية: أن يستنبط المسألة الفقهية من الآية.
ومن ذلك ما تقدم من استنباطاته من قصة "موسى والخضر" ٢.
وقوله مستنبطاً من سورة يوسف:
- قوله: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ ٣ فيه جواز بذل الأجرة لمن جاء بالسرقة٤.
- قوله: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ٥ استدل به على صحة الضمان ولزومه٦.
وقوله عند قول الله تعالى إخباراً عن قول يوسف: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ ٧: جواب يوسف يدل على أن السرقة تثبت بوجود المسروق عند الرجل٨.
... وهكذا.
стр. 228
وتمشياً مع هذا المنهج المختصر غالباً نجد أن الشيخ لا يكاد يتعرض لأدلة المسائل المستنبطة- فيما أراد به التفسير والاستنباط- وإنما يكتفي باستنباطها من الآيات فتكون الآية ذاتها دليلاً على المسألة.
كما أنه لا يتعرض لذكر الأقوال في المسألة، ولكنه يشير أحياناً إلى ما في الآية من حكم ورد على المخالف في تلك المسألة مصرحاً بردها عليه أو ملمحا.
ومن أمثلة ذلك قوله مستنبطاً من قصة موسى والخضر ﵉:-
- أنه يجوز أخذ الأجرة على العمل الذي لا يكلف خلاف ما توهمه بعضهم١.
وقوله مستنبطاً من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ٢:
الأمر بالأكل من الطيبات، ففيه رد على الغلاة الذين يمتنعون عنها، وفيه رد على الجفاة الذين لا يقتصرون عليها٣.
وقوله مستنبطاً من قول الله تعالى إخباراً عن مقالة والد البنتين اللتين سقى لهما موسى "﵇" ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ ... ﴾ الآية٤.
حيث قال الشيخ- وقوله: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ﴾ إلى آخره فيه أن هذه الإجارة صحيحة بخلاف قول كثير من الفقهاء، من منعهم الإجارة بالطعام والكسوة للجهالة٥.
الثانية: أن المنفعة يصح جعلها مهراً للمرأة خلافاً لمن منع ذلك٦.
стр. 229
المبحث الثاني: اهتمامه بالتأصيل في تفسيره
المطلب الأول: التأصيل العام في تفسيره
من سمات المنهج الاستنباطي المختصر عند الشيخ الاهتمام بالتأصيل وذكر القواعد العامة كثيراً، فيندرج تحت القاعدة أفرادها، ويغني ذلك عن كلام كثير، كما ينطلق من خلال تلك القواعد إلى تفسير ما يشابه من الآيات.
وللاهتمام بالتأصيل أهميته البالغة ولعل الشيخ استفاد من قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية ترد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت؟ وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات، فيتولد فساد عظيم١.
ولهذا نجد واضحاً تركيز الشيخ على هذه القواعد العامة، عقدية كانت أم فقهية، فيما يسميه غالباً "بالقاعدة الكلية"، وهي قواعد كلية عامة يستنبطها من الآية أو يكون في الآية دليل لها. ويندرج تحتها جزئياتها الكثيرة، وقد ينص على شيء من تفاصيلها، أورد الجزئيات إليها، كما سيتضح من خلال الأمثلة.
وأكثر ما يكون ذلك في خواتم الآيات، إذ كثيرا ما تختم الآيات بقواعد أو أوصاف ذات صلة وثيقة بما تقدم في الآية من وعد أو وعيد أو تكليف أو نحو ذلك، فالمناسبة وثيقة بين الآية وختامها.
وقد أولى الشيخ هذا الجانب اهتماماً كبيراً فركز عليه مراراً، وهو لفت للأنظار منه إلى هذا الجانب وإلى أهمية معرفته والتركيز عليه.
ومن ذكره لتلك القواعد الكلية قوله:
القاعدة الكلية ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ٢.
стр. 230
- وقوله عند قول الله تعالى: ﴿....إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ١:
القاعدة الكلية: وهي من مسائل الصفات٢
ويعني بهذه القاعدة ما ذكره الله تعالى من جريان سنته في جعله الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون.
وقوله عند قول الله تعالى بعد أن ذكر تعالى جمعا من الأنبياء ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ٣ الآية- القاعدة الكلية: أن هذا الطريق هو هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ليس للجنة طريق إلا هو٤.
ومن أمثلة رده المسائل الجزئية إلى القواعد الكلية قوله عند قول الله تعالى إخباراً عن قول يعقوب لبنيه ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٥.
رد المسألة الجزئية إلى القاعدة الكلية٦.
فالمسألة الجزئية هنا استغفاره لهم راجياً أن يغفر الله لهم، والقاعدة الكلية إن ربه ﵎ غفور رحيم.
وكذا قوله عند قول الله تعالى إخباراً عن يوسف ﵇: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً ... ﴾ الآية إلى قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ٧.
رد هذه المسألة الجزئية إلى القاعدة الكلية وهي: إنه ربه ﵎ لطيف لما يشاء، فلذلك أجرى ما أجرى٨.
стр. 231
فالمسألة الجزئية ما ذكر قبل من تصيير الله العاقبة إلى خير بعد أن جرى ما جرى بينه وبين أخوته، والكلية ما صرح بذكره.
ثم قال أيضاً- رد ذلك إلى القاعدة الكلية أيضاً وهي ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ١ ومن ذلك أيضاً قوله عند قول الله تعالى إخباراً عن قول يوسف ﵇: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
- بيان الواجب على العبد في الأديان السؤال عما أمر الله به ونهى عنه، وهو السلطان المنزل من السماء لا يعبد بالظن وما تهوى الأنفس٣.
ثم قال- القاعدة الكلية التي تفرع عنها تلك الجزئية، وهى أن أحكام الدين إلى الله لا إلى آراء الرجال كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ٤.
ثم يقول مستفيداً من تقرير هذه القاعدة الكلية ورد الجزئية إليها:
إذا ثبت أن الحكم له وحده دون الظن وما تهوى الأنفس فإنه سبحانه حكم بأن العبادة كلها محصورة عليه ليس لأحد من أهل السماء وأهل الأرض منها شيء٥.
وبهذا يتبين اهتمام الشيخ بهذه القواعد الكلية- ومثلها كثير- ونصه عليها لما يترتب عليها من أحكام وما تثمره من فوا ئد، وما يندرج تحتها من جزئيات كثيرة.
стр. 232
المطلب الثاني: اهتمامه بأصول الفقه في تفسيره .
وأما أصول الفقه:
فإن الشيخ لم يخل تفسيره واستنباطاته منه بل كان ينص أو يشير أحياناً إلى ما تشتمل عليه الآيات أو تشهد له من قواعد أصولية فقهية.
ومن ذلك: قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فيه حجه الإجماع١.
ووجه ذلك- والله أعلم- أن الله علم المؤمنين أن يدعوه بهذا الدعاء -دعاء الفاتحة- أن يهديهم الصراط المستقيم الذي بينه الله تعالى بأنه هو صراط الذين أنعم عليهم بمعرفة الحق، وإيثاره، وتقديمه على غيره. فمن كانت هذه حالهم من الأنعام عليهم فلا ريب أن ما اجتمعوا عليه حجة، وهو ما يدعو المؤمن ربه أن يوفقه إليه.
- ومن الاستنباطات الأصولية الفقهية أيضاً استنباطه ما يشهد للقول بالعموم والعمل به وذلك في مواضع منها:-
قوله: إن الاستدلال بالعموم صحيح٢. وذلك في مواضع منها عندما أمر الله تعالى الملائكة بالسجود، وكان بينهم إبليس، فلم يسجد معهم فعاتبه الله بقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ ٣ الآية بعد قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ ٤ فأيأسه الله .
- ومن استنباطه المسائل الأصولية وشواهدها أيضاً: قوله عند قول الله تعالى إخباراً عن مقالة إخوة يوسف: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ ٥ إبطال قياس الشبه٦.
وقوله أيضاً عند قوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا
стр. 233
بَشَراً مِثْلَنَا﴾ ١ بيان الله تعالى لتلك الحجج فقولهم ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنَا﴾ فيه القياس الفاسد٢.
وقوله عند قوله تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ الآية٣.
التصريح بالقياس الجلي أن هؤلاء كمن قبلهم٤.
وقوله أيضاً: قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ٥ أن دينهم واحد وأن شرع من قبلنا شرع لنا٦.
وهذا مقيد بما لم يكن في شرعنا ما يخالفه كما هو معلوم٧.
وهكذا يستنبط الشيخ هذه المسائل الأصولية من الآيات ليكون ذلك جزءاً من منهجه الاستنباطي الشامل.
стр. 234
الفصل الخامس: القصص في تفسير الشيخ ومدى اهتمامه به
المبحث الأول: نظرته إلى القصص واهتمامه به
لقد نال القصص القرآني جانباً كبيراً من اهتمام الشيخ، فلم يمنعه اختياره لآيات أو سور معينة، والاستنباط منها بأسلوب مركز مقتضب غالباً من أن يتناول القصص بالدراسة والاستنباط، بل كان من الآيات المختارة أحياناً ما يحي قصة من قصص القرآن، واهتمامه ذلك نابع من نظرته إلى القصص النظرة الصحيحة، وهي أن القصة القرآنية لا تخرج في أهدافها وغاياتها عن بقية أقسام القرآن، من توحيد، وأحكام ووعد ووعيد، كما أن للقصة القرآنية تأثيرها البالغ في القلوب والمشاعر، إذ هي ليست مجرد أحداث مضت، لأمم خلت، في أزمنة سلفت، بل فيها من العظة والعبرة ما فيه مدكر لمدكر، ومزدجر لمزدجر، ومواعظ لمعتبر، فهي جديرة بالاهتمام والعناية.
وقد نقل الشيخ عن بعض السلف قوله "القصص جنود الله" قال الشيخ: يعني إن المعاند لا يقدر يردها١.
ولأهمية القصص القرآني ذكره الحكيم الخبير في كتابه العزيز مرات ومرات ولذا قال بعض العلماء: إن القرآن على ثلاثة أضرب وذكروا منها القصص٢.
وقد اهتم الشيخ بالقصص القرآني اهتماماً فاق فيه كثيراً من المفسرين وسيأتي إن شاء الله إيضاح ملامح اهتمام الشيخ بالقصص وتميزه عن غيره.
والتنبيه على اهتمام الشيخ بالقصص ليس مجرد مسألة استقرائية – كما أن اهتمامه به لم يأت عفويا غير مقصود، بل نبه مراراً إلى الاهتمام بقصص القرآن.
стр. 235
والاعتبار بما فيه من دروس وعظات، إيماناً بقول الله تعالى في شأن قصص الأولين ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ١ فيقول٢: ومن أوضح ما يكون لذوي الفهم قصص الأولين والآخرين، قصص من أطاع الله وما فعل بهم وقصص من عصاه وما فعل بهم، فمن لم يفهم ذلك ولم ينتفع به فلا حيلة فيه، كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ ٣.
فيوضح بعبارته هذه أهمية القصص للمتفكرين المتدبرين لكتاب الله، الناظرين في القصة وأحداثها نظرة واعية، منصبة على النظر في أحوال الناجين وسبب نجاتهم وأحوال الهالكين وأسباب هلاكهم، ففي هذه عبر عظيمة لا يحرمها إلا من أعمى الله بصيرته، حيث أنها واقع مادي ملموس، فكيف يكابر العقل وتنكر المحسوسات.
ويقول الشيخ أيضاً مبيناً أهمية القصص وأن هدف القصة القرآنية هو ترسيخ المعاني الإيمانية والتحذير من ضدها والنص على موضع العظة والعبرة، لا مجرد التسلية، أو سرد الأحداث والوقائع للتسجيل التاريخي فحسب، يقول٤: ولما ذكر الله القصص في سورة الشعراء ختم كل قصة بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٥.أ. هـ. ومعنى آية: دلالة وحجة قاطعة وحكمة بالغة٦.
ويقول الشيخ: فقص الله ما قص لأجلنا كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى﴾ الآية.
стр. 236
ولما أنكر الله على أناس من هذه الأمة في زمن النبي " ﷺ " أشياء فعلوها قال: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ﴾ الآية١.
وكذلك كان رسول الله " ﷺ " يقص على أصحابه قصص من قبلهم ليعتبروا٢.
ومن تنبيه الشيخ على أهمية القصص قوله مستنبطاً من قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
- الثناء على قصص الرسل وأن فيه عبرة.
- أن ما يفهم هذه العبرة مع وضوحها إلا أولوا الألباب.
- تعريضه سبحانه بالأحاديث المفتراه، وإقبال الأكثر عليها، واشتراء الكتب المصنفة بغالي الأثمان، وتكبر من اشتغل بها، وظنه أنه أفضل ممن لم يشتغل بها، وزعمه أنها من العلوم الجليلة، ومع هذا معرض عن قصص الأنبياء، مستحقر لها، زاعم أنه علم العوام الجهال٣.
فانظر إلى هذا الكلام، وما فيه من دلالة واضحة على اهتمام الشيخ بالقصص القرآني، وعلو منزلته عنده، وهو حرى بذلك.
ويقول أيضاً مؤكداً ما سبق من الحث على تعلم القصص القرآني ومعرفته:- فاحرص على معرف ما جرى لأبيك آدم وعدوك إبليس، وما جرى لنوح وقومه وهود وقومه، وإبراهيم وقومه، ولوط وقومه، وموسى وقومه، وعيسى وقومه، ومحمد " ﷺ " وقومه.. لعلك تعرف الإسلام والكفر فإن الإسلام اليوم غريب، وأكثر الناس لا يميز بينه وبين الكفر، وذلك هو الهلاك الذي لا يرجى معه فلاح٤.
стр. 237
فانظر كيف يربط الشيخ هنا بين معرفة القصص وأحداثه، وبين معرفة الإسلام والكفر، إذ أن ما جرى من أحداث بين من ذكر ليست مجرد أحداث شخصية ذاتية، وإنما تبين الصراع بين الحق والباطل، والخير والشر، إذ في محاجة الأنبياء بأقوامهم بيان وحدانية الله، ذي الأسماء الحسنى والصفات العلى، وتفرده بالربوبية والألوهية، وتقرير ذلك، وأمرهم أقوامهم بتحقيقه والبعد عما ينافيه أو يؤثر فيه.
ومعلوم أن القصص القرآني يتفاوت في أهميته، وما يثمره من عظة وعبرة، وما يستخلص منه من دروس، فبينما نجد بعض القصص يرد مرة واحدة في كتاب الله، نجد بعضه قد كثر وتكرر في مواضع متعددة، وبأساليب متنوعة، فبينما تجمل القصة في موضع، يسهب في ذكرها وذكر بعض تفاصيلها في موضع آخر، وذلك لما تميزت به تلك القصة عن غيرها من أهميه، وقد تحكي حالا مشابهة لبعض الأحوال عند نزول القرآن فتعالجها، وفي كل موضع ترد فيه تلك القصة المتكررة من كتاب الله، تقضي غرضاً مهما وتركز على جانب معين من جوانبها، ثم إن تكرارها بصياغات مختلفة مدعاة لأن يفهمها ويتعظ بها كل من يسمعها.
والشيخ تبعاً لذلك قد ركز على أهم القصص، وتعرض لدراستها، وواستنباط الدروس والعبر والفوائد منها. فلنلق نظرة على أهم القصص التي تعرض الشيخ لها وأهميتها بما يتضح به الدواعي لاختيارها.
أولاً: قصة آدم وإبليس:
وهي قصة الإنسان الأولى والتي ما زالت ولن تزال أثارها باقية إلى ن يرث الله الأرض ومن عليها. ولذا ذكرها الله في غير ما موضع من كتابه مذكراً عباده بها وممتناً عليهم بتكريمهم بخلقه أباهم آدم ﵇ بيده، ونفخه فيه من روحه، وأمر ملائكته بالسجود له.
ومحذراً إياهم من عدوهم اللعين الذي تكبر ونكص على عقبيه، ونظر إلى
стр. 238
نفسه، وأعرض عن أمر مولاه، فلم يك من الساجدين، فلما لعنه الله وأبلسه، وسأل الله النظرة فأنظره إلى يوم الدين أقسم ليقعدن لعباد الله الصراط المستقيم ليصرفهم عنه بكل السبل فينقلبوا خاسرين، ويكونوا معه في سواء الجحيم إلا عباد الله المخلصين.
فلا غرابة إن تكررت هذه القصة العظيمة المستمرة. ولا غرابة أن يفردها الشيخ بالدراسة والاستنباط محذراً مما حذر الله منه من كيد إبليس وإغوائه وصده عن الطريق المستقيم.
ثانياً: قصة موسى وفرعون:
وهي امتداد للصراع بين الحق والباطل والخير والشر. الحق الذي يمثله موسى ﵇، بما يحمله من هداية وبيان ودعوة إلى الخير والشر الذي يمثله فرعون بتمرده وعتوه وطغيانه، وتجنيده نفسه وحاشيته لخدمة إبليس وطاعته بالصد عن سبيل الله، وإيذاء عباد الله، وتكذيب رسله، وبلوغ الغاية في العتو والتكبر بادعاء الألوهية. وهذا الصراع بين الحق والباطل لا يزال مستمراً.
فهذه القصة من أعظم قصص الأنبياء كما أن فيها منهجاً عظيماً للدعوة إلى الله والصبر عليها وحسن عاقبه الصابرين.
ثالثاً: قصة موسى والخضر:
وهي قصة عجيبة اشتملت على كثير من الفوائد والأحكام والقواعد، ففيها تعليم للإنسان بأن يسند العلم إلى الله تعالى، ويعلم أن ما أتاه الله من العلم بالنسبة لعلم الله كقطرة من بحر زاخر، فيطلب من الله المزيد، ويسعى في طلب العلم ويتحمل المشاق في تحصيله من أهله، وإن كان أعلى منهم رتبه.
وفيها آداب العالم والمتعلم، وما ينبغي لكل منهما. إلى غير ذلك من الفوائد الكثيرة التي نص الشيخ على بعضها.
فلأهمية هذه القصص مع كثرة ورود القصتين الأوليين في كتاب الله أفردهما الشيخ بالدراسة والاستنباط، ولم يقتصر على هذه القصص بل تناول غيرها بالذكر لها واستنباط المسائل والفوائد والعبر منها كقصة يوسف وإخوته وكثير من قصص الأنبياء ولكن عنايته بالقصص الثلاث السابقة قد فاقت غيرها فلذا أفردت بالذكر.
стр. 239
المبحث الثاني: طريقته في دراسة القصص والاستنباط منها
لم تجر دراسة الشيخ للقصص القرآني على نسق واحد من حيث الشكل، ولعل ذلك لتفاوت الزمن الذي ألف فيه تفسير كل قصة، والاستنباط منها شأنها في ذلك شأن بقية تفسيره، وإن كان بينها بعض السمات المشتركة المتحققة في تفسيراته كلها، وأهم هذه السمات هي المنهج الاستنباطي الذي يركز عليه الشيخ ويهتم به كثيراً، فقد حقق الشيخ هذا المنهج في جانب القصص، واستنبط منها المسائل والفوائد من خلال النظر في الآيات الدالة على أحداثها.
ولذلك فلا أستطيع أن أجد منهجاً شكلياً متحداً لدراسة القصص ولكن دراسته للقصص قد أتت على أنحاء مختلفة أهمها:
١- أنه تارة ينحى منحى الإسهاب والتفصيل إلى حد ما ويركز في ذلك على الفائدة أكثر من تركيزه على أحداث القصة ذاتها.
ويتضح ذلك في قصة آدم وإبليس حيث كثيراً ما يذكر الفائدة ويوضحها بأسلوب يفهمه المتعلم والعامي، ويوضح مأخذها من الآيات مستشهداً لدعم تلك الفائدة أو الاستنباط بآيات أخر أو بالسنة، أو أقوال السلف فمن ذلك قوله ضمن الفوائد المستنبطة من هذه القصة:
- ومنها- أي من الفوائد- معرفة العداوة التي بين آدم وذريته، وبين إبليس وذريته وأن هذا سببها لما طُرِد عدو الله، ولُعِن بسبب آدم لما لم يخضع، وهذه المعرفة مما يغرس في القلب محبة الرب ﷻ ، ويدعوه إلى طاعته، وإلى شدة مخالفة الشيطان، لأنه سبحانه ما طرد إبليس، ولعنه، وجعله بهذه المنزلة الوضيعة، بعد تلك المنزلة الرفيعة، إلا لأنه لم يخضع بالسجود لأبينا آدم، فليس من الإنصاف والعدل موالاته، وعصيان المنعم ﷻ ، كما ذكر هذه الفائدة بقوله: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ
стр. 240
دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ ١.
فقد أوضح الفائدة هنا، وهي معرفة العداوة التي بين آدم وذريته، وإبليس وذريته ومأخذها مما دلت عليه الآيات من نكول إبليس عن السجود لآدم وطرده بسبب ذلك واستدل على هذه الفائدة بذكره سبحانه هذه العداوة في الآية المذكورة.
وقوله٢: ومنها- وهي أعظمها- أنها تفيد الخوف العظيم الدائم في القلب، وأن المؤمن لا يأمن حتى تأتيه الملائكة عند الموت تبشره، وذلك من قصة إبليس وما كان فيه أولاً من العبادة والطاعة، ففي ذلك شيء من تأويل قوله " ﷺ ": "إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ... " إلى آخره٣.
وقد دعم هذا الاستنباط بالسنة.
وقوله٤:- ومنها معرفة شدة عداوة عدو الله لنا، وحرصه على إغوائنا بكل طريق فيعتد المؤمن لهذا الحرب عدته، ويعلم قوة عدوه وضعفه عن محاربته إلا بمعونة الله كما قال قتادة: إن عدوا يرآنا هو وقبيله من حيث لا نراهم أنه لشديد المؤنة إلا من عصمه الله، وقد ذكر الله عداوته في القرآن في غير موضع، وأمرنا باتخاذه عدوا٥.
وقد دعم هذا الاستنباط بقول قتادة التابعي "﵀".
وقد سار الشيخ على هذا النمط كثيراً في استنباطه الفوائد من قصة آدم وإبليس فمن ذلك قوله أيضاً:
стр. 241
ومنها معرفة قدر الإخلاص عند الله، وحمايته لأهله، لقول اللعين: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ ١ فعرف عدو الله أن لا سبيل له على أهل الإخلاص.
ومنها أن كشف العورة مستقر قبحه في الفطر والعقول لقوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ ٢. وقد سماه الله فاحشة. منها أنه لا ينبغي للمؤمن أن يغتر بالفجرة بل يكون على حذر منهم ولو قالوا ما قالوا، خصوصاً أولياء الشيطان، الذين تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته، فإن اللعين حلف: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ ٣.
ومنها أن زخرفة القول قد تخرج الباطل في صوره الحق، كما في الحديث "إن من البيان لسحرا" ٤. فإن اللعين زخرف قوله بأنواع منها: تسمية الشجرة "شجرة الخلد"، ومنها تأكيد قوله: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ وغير ذلك مما ذكر في القصة، فينبغي للمؤمن أن يكون من زخرف القول على حذر، ولا يقنع بظاهرة حتى يعجم العود٥.
وهكذا يتضح في معظم استنباطاته من قصة آدم وإبليس الفائدة ومأخذها، حتى لا يكون هناك مجال لردها، أو ادعاء المبالغة أو التخيل فيها فهي نابعة من صميم القصة وأحداثها.
وقد تكون الفائدة المستنبطة دعما واستدلالا لقاعدة معروفة أو أمر مقرر في الشرع فيقول مثلا:
-ومنها أن في القصة شاهداً لما ذكر في الحديث "إن من العلم جهلا" ٦ أي من بعض العلم ما العلم به جهل، والجهل به هو العلم فإن اللعين من أعلم الخلق بأنواع
стр. 242
الحيل التي لا يعرفها آدم، مع أن الله علمه الأسماء كلها، فكان ذلك العلم من إبليس هو الجهل، وفى الحديث: "إن الفاجر خب لئيم وإن المؤمن غر كريم" ١ وأبلغ من ذلك وأعم منه قول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ ٢ فقيل لهم ما قيل وعوتبوا، فكانت توبتهم أن قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ ٣ فكان كمالهم ورجوعهم عن العتب وكمال علمهم أن أقروا على أنفسهم بالجهل إلا ما علمهم سبحانه، ففي هذه القصة شاهد للقاعدة الكبرى في الشريعة المنبة عليها في مواضع منها قوله " ﷺ ": "وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها" ٤.
وقوله٥: ومنها أن فيها معنى القاعدة الكبرى في الشريعة المذكورة في مواضع منها قوله " ﷺ ": "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ٦ وهي من قوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ ٧ فإنهم ذكروا أن معناه قطع آذان البحيرة تقربا إلى الله على عادات الجاهلية٨.
стр. 243
وقوله:١- ومنها أن فيها شهادة لما ذكر عن بعض السلف: أن من عقوبة السيئة السيئة بعدها.
وقوله: ومنها أنها تفيد القاعدة المعروفة: إن الجزاء من جنس العمل، وذلك أنه قصد الترفع، فقيل له: ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ ٢ فقصد العز فأذله الله بأنواع من الذل٣.
وهكذا يسعى الشيخ لتحقيق شمولية الاستفادة من القصة بكل ما فيها من عبرة وعظة أو استدلال وتقرير لقاعدة أو مسألة إذ القرآن الذي حكاها لنا من لدن حكيم خبير. وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه.
٢- وتارة ينحى منحى الإيجاز في الاستنباط من القصة والإشارة إلى رؤوس الفوائد والمسائل وعدم التفصيل فيها فهو يسير بهذا على منهجه الاستنباطي المقتضب غالباً في تفسيره، وذلك كاستنباطه من قصة موسى وفرعون، فمن ذلك قوله مستنبطاً من قول الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ الآية٤.
هذا وحي إلهام ففيه إثبات كرامات الأولياء.
الثانية: أنها أمرت بإلقائه في اليم وبشرت بأربع.
الثالثة: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ فيه حكمة هذا الالتقاط.
الرابعة: أن اللام لام العاقبة.
الخامسة: أن الإنسان قد يختار ما يكون هلاكه.
السادسة: أن ذلك القدر بسبب خطايا سابقه٥.
وقوله: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ الآية٦.
فيه أن المرأة الصالحة قد يتزوجها رجل سوء.
الثانية: قولها: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ فيه محبة الفأل.
стр. 244
الثالثة: ذكر الترجي.
الرابعة: عدم الشعور١.
وقوله: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً﴾ ٢ الآية فيه: ما ابتليت به.
الثانية: لولا منة الله عليها بالربط.
الثالثة: لتكون من المؤمنين.
الرابعة: أن الإيمان يزيد وينقص٣.
وقوله: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ..﴾ الآية٤ فيه: أن التوكل واليقين لا ينافي السبب.
الثانية: تسبب الأخت أيضاً.
الثالثة: عدم شعورهم مع ذكائهم، وظهور العلامات٥.
стр. 245
المبحث الثالث: المنهج الموضوعي في تفسير القصص لدى الشيخ
ينحى الشيخ في دراسته للقصص في بعض الأحيان منحى الجمع الموضوعي لاحتواء أطراف القصة وأحداثها، ولتحقيق الوحدة الموضوعية وإن كان ذلك في نطاق محدود فيتسنى بذلك جمع الاستنباطات والفوائد المستنبطة من القصة، والمستوحاه منها، في موضع واحد ليسهل بذلك الاطلاع عليها، وتعم الفائدة المرجوه.
فمن ملامح هذا الجمع الموضوعي صنيعة في التعرض لتفسير قصة يوسف بأكملها دون اختيار أجزاء منها مما حدا به إلى تفسير السورة بأكملها حيث شغلت القصة منها حيزاً كبيراً.
وهذه القصة تتجلى فيها الوحدة الموضوعية في أبدع أشكالها، وأبهى حللها، إذ تسير القصة سيرا موضوعيا، منسجما، متكاملا كل جزئية منها متصلة بالجزئية الأخرى اتصالا وثيقا، منذ بداية القصة بالرؤيا: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ ١ ومن ثم الأحداث المتتالية المنتهية بتأويل تلك الرؤيا بعد زمن طويل كان ظرفا لأحداث كثيرة: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً﴾ الآية٢.
ولعل اختيار الشيخ لهذه القصة المتكاملة الأحداث في مكان واحد، واستنباط ما فيها من العبر والدروس اعتبار منه لهذه الوحدة الموضوعية، وإن كان لا يستغرب على من تصدى لتفسير كتاب الله أن يتعرض لتفسير سورة يوسف بما فيها قصة يوسف "﵇".
إلا أن الشيخ كما هو معلوم لم يرد فيما يبدو أن يفسر القرآن كله، بل آيات مختارة منه، فكون سورة يوسف بما فيها من تلك القصة التي تحققت فيها
стр. 246
الوحدة الموضوعية من تلك المختارات اعتبار منه لهذا الأمر. والله أعلم. وتتجلى ملامح هذا الجمع الموضوعي واضحة عند تعرفه للاستنباط من قصة "موسى وفرعون"، فقد أهتم في ذكرها بجمع الآيات ذات العلاقة في موضع واحد، حيث جمع أكثر الآيات التي تعرضت لذكر هذه القصة فبدأ بسورة القصص، واستنبط ما فيها من الفوائد حسبما ذكر من أحداثها في هذه السورة ثم انتقل لذكر ما ورد في سورة "طه" من الزيادة مستنبطاً ما فيها من الفوائد ثم ما ورد في سورة الأعراف ثم الشعراء وهكذا حتى أتى على استنباط الفوائد المتعلقة بهذه القصة من خلال ورودها في خمس عشرة سورة هي:- "الأعراف" و "يونس" و "هود" و "الإسراء" و "المؤمنون" و "الشعراء" و "النمل" و "القصص" و "المؤمن" و "غافر" و "الزخرف" و "الدخان" و "الذاريات" و "القمر" و "المزمل" و "النازعات".
ومن ملامح هذا الجمع الموضوعي أيضاً صنيعه في قصة "آدم وإبليس" فقد تكلم عن القصة والفوائد المستنبطة منها مستفيداً من ورود أحداثها في سور متعددة.
فمثلا قوله: ومنها أن فيها معنى القاعدة الكبرى في الشريعة، المذكورة في مواضع منها قول النبي " ﷺ ": "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ١ وهي من قوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ فإنهم ذكروا أن معناه قطع آذان البحيرة تقرباً إلى الله على عادات الجاهلية.
مستفاد من آية النساء المذكورة رقم "١١٩".
وقوله: "ومنها أن كشف العورة مستقر قبحة في الفطر والعقول لقوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ وقد سماه الله فاحشة٢". مستفاد من آية الأعراف المذكورة رقم "٢٠".
стр. 247
وقوله: "ومنها أن زخرفة القول قد تخرج الباطل في صورة الحق كما في الحديث "إن من البيان لسحرا" ١ فإن اللعين زخرف قوله بأنواع منها: تسمية الشجرة "شجرة الخلد" ومنها تأكيد قوله: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ وغير ذلك مما ذكر في القصة.." ٢.
مثل له بما ذكر في آيتين الأولى في سورة "طة" وهي قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ الآية".
والأخرى في سورة "الأعراف" وهي قوله تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ .
وهكذا بقية الفوائد المستنبطة من القصة هي مستنبطه من سور عديدة، فتحقق بهذا الجمع الموضوعي لهذه القصة بشكل شامل مبسط.
ومما يجدر التنبيه إليه هنا صنيع الشيخ في تصنيف الفوائد المستنبطة من قصة "موسى والخضر" تصنيعاً موضوعيا بديعا مستوحى من هذه القصة وما ورد من بيانها في الكتاب والسنة.
حيث صنف الفوائد المستنبطة إلى أقسام يندرج تحت كل قسم ما يتعلق به من فوائد وعبر عن هذه الأقسام بمسائل وكل مسألة مشتملة على مسائل٣.
فالأولى: ما يتعلق بجلال الله وعظمته وفيه مسائل:
الأولى: معرفة سعة العلم لقوله "ما نقص علمي وعلمك" ٤ وهذا من أعظم ما سمعنا من عظمة الله.
стр. 248
الثانية: الأدب مع الله لقوله: "فعتب الله عليه". ١
الثالثة:- الأدب معه أيضاً في قوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ ٢ وقوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ ٣.
ووجه ذلك- والله أعلم- أنه نسب العيب إلى نفسه. وإرادة الصلاح إلى الله تعالى وهكذا.
الثاني: ما يتعلق بأحوال الأنبياء وفيه مسائل:
الأولى: أن النبي يجوز عليه الخطأ.
قلت: وهي مأخوذة من قول موسى وقد سئل: "أي الناس أعلم؟ فقال: أنا, فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه. فقال: بلى لي عبد بمجمع البحرين هو أعلم منك" الحديث٤.
الثانية: أنه يجوز عليه النسيان.
قلت: وهي مأخوذة من قوله تعالى إخباراً عن قول موسى: ﴿قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ ٥.
وكذا قوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ ٦.
الثالثة: فضيلة نبينا " ﷺ " بعموم الدعوة لقوله: "موسى بنى إسرائيل" ٧. وهكذا.
الثالث: مسائل الأصول. وفيه مسائل:
أعظمها التوحيد، ولكن سبق آنفاً فنقول:
الأولى: الدليل على اليوم الآخر، لأن من أعظم الأدلة إحياء الموتى في دار الدنيا.
الثانية: إثبات كرامات الأولياء على القول بعدم نبوة الخضر.
الثالثة: أنه قد يكون عند غير لنبي من العلم ما ليس عند النبي.
.... وهكذا
стр. 249
الرابع: ما فيها من التفسير:
الأولى: أن المذكور هو الخضر لا كما قال الحر بن قيس١.
الثانية: أن موسى هو المشهور ﵇ خلافاً لنوف٢.
الثالثة: أن النبي ﷺ فسر لهم ألفاظ القرآن كما بينها.
.... وهكذا.
الخامس: آداب العالم والمتعلم ففيه مسائل:
الأولى: تسمية التلميذ الخادم فتى.
الثانية: أن تلك الخدمة مما يرفع الله بها كما رفع يوشع٣.
الثالثة: تعلم العالم عمن دونه.
..... وهكذا.
السادس: ما فيها من مسائل الفقه:
فالأولى: عمل الإنسان في مال الغير بغير إذنه إذا خاف عليه الهلاك.
الثانية: ليس من شروط الجواز خوف الهلاك بل قد يجوز للإصلاح لقصة الجدار.
الثالثة: أنه ليس من شروط المسكين في الزكاة أنه لا مال له.
..... وهكذا.
السابع: المنثور والجامع.
الأولى: القصة بجملتها من أعجب ما سمع، ولا يعرف في نوعها مثلها.
الثانية: عين الحياة ومالله من الأسرار في بعض المخلوقات.
стр. 250
الثالثة: ما أبتلى به موسى ﵇ مما لا يحتمل مع وعده الصبر وتعليقه بالمشيئة.
...... وهكذا.