دخل "حبه"١ في داخل قلبها.
فيه مسائل:
الأولى: أن هذا قبيح في عرفهن "وإن"٢ لم يكن مسلمات.
الثانية: حب امرأة حب عظيما من هو دون مرتبتها مما يعينه.
الثالثة: أنها لم تكتم٣ بل سعت في طلب الفاحشة بالراودة.
الرابعة: أن "هذا"٤ من مثلها ضدل "مبين" عندهن.
﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ٥ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ ٦
فيه مسائل:
الأولى: بيان كمال عقلها الذي "يقصر"٧ عنه أكثر "عقول"٨ الرجال٩.
الثانية: "ما أعطي"١٠ يوسف ﵇ من جمال الصورة التي تبهر الناظر١١.
стр. 317
الثالثة: غيبة عقولهن، وعدم إحساسهن بقطع "أيديهن"١. وهذه من أعجب ما سمع.
الرابعة: معرفتهن بالملائكة.
الخامسة: جلالة الملائكة "عندهن"٢ وأنهم أكمل من البشر.
السادسة: معنى: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ في هذا المقام٣.
السابعة: وصفهن الملك بالكرامة.
﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلِيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِين﴾
فيه مسائل:
الأولى: إظهار عذرها لما أصابهن ما ذكر.
الثانية: إقرارها أنها ستعود.
стр. 318
"الثالثة"١: "لما"٢ أرتهن جماله الظاهر بالحسن، أخبرتهن بجماله الباطن بالعفة٣.
الرابعة: "إخبارهن"٤ أنها لا صبر لها عنه، فإن لم يفعل سعت في سجنه ومهونته.
الخامسة: معنى: ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾ امتنع "وأبى٥".
﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ٦ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ*فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ .
فيه مسائل:
الأولى: فضيلة يوسف "﵇" كيف اختار السجن على ما ذكر مع قوة
الدواعي وصرف الموانع "ولا يعرف"٧ لأحد نظير "هذ"١٨.
الثانية: التصريح "بأن النسوة"٩ دعونه من غير امرأة العزيز.
стр. 319
الثالثة: معرفته ﵇ بنفسه "وبربه"١، وأن القوة التي فيه لا تنفع إلا إن "أمده"٢ الله "تعالى"٣ "بمدد منه"٤.
الرابعة: أن هذا الكلام دعاء ولو كان بهذه الصيغة٥.
الخامسة: آن الله سبعا نه "ذكر أنه"٦ استجاب "دعاءه"٧، "فدعاؤه"٨ ﵇ سبب لصرف ذلك عنه.
السادسة: ختمه سبحانه ما ذكر بوصف نفسه "بأنه"٩ السميع العليم١٠.
стр. 320
السابعة: استفتاحه الدعاء "بـ "رب "١" وقوله "تعالى":٢ ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ ٣.
الثامنة: إثبات المكر"أولاً"٤ والكيد بعده لهن.
﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ الآية.
قيل: "سبب٥" ذلك أن الحديث شاع في الناس "فأرادوا سجنه إظهارا للناس أنه المذنب"٦ ﴿حَتَّى حِينَ﴾ قيل: إلى أن تسكن القضية٧.
فيه مسائل:
الأولى٨: أنهم تمالوا على ذلك "ليس"٩ رأيا لزوجها١٠ خامة.
الثانية: أن تلك الحيلة لم تنفع، بل أظهر الله "ما يكرهون"١١ على الرغم منهم.
стр. 321
الثالثة: ابتلاء الله أحب الخلق إليه وهم الأنبياء بالسجن.
الرابعة: أن السبب الذي أظهروا١ أكبر بلية "من"٢ السجن عند أهل المروءات.
الخامسة: أن رؤية الآيات "والقطع على المسألة"٣ "لا يستلزم"٤ اتباع الحق وترك الباطل.
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ٥ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
فيه مسائل، ونذكر "القصة"٦ قبل ذلك:
قيل إن الملك بلغه أن الخباز يريد أن يسمه، وأن صاحب "شرابه"٧ مالأه
على ذلك فحبسهما جميعا "فذلك"٨ قوله: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ ٩.
стр. 322
فقال الساقي: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً﴾ "أي أعصر عنبا خمرا"١، وقال صاحب الطعام: ﴿إنِي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزا ً٢ تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا﴾ "أخبرنا"٣: ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾ بتفسيره: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٤، تأتي "الأفعال"٥ الجميلة٦، وقيل: ممن يحسن تعبير الرؤيا٧.
стр. 323
فيه مسائل١:
الأولى: "أن"٢ عبارة الرؤيا علم صحيح ذكره الله في القرآن "ولأجل ذلك"٣ قيل لا يعبر الرؤيا إلا من هو من أهل العلم بتأويلها٤ أنها من أقسام الوحي٥.
الثانية: تعبير أكل الطير من الخبز الذي فوق رأس الرجل بما ذكر.
стр. 324
الثالثة: تعبير عصر الخمر بسلامة الذي رآه، ورجوعه إلى مرتبته.
الرابعة: فيه "دلالة"١ على قوله " ﷺ ": "إذا رأى أحدكم ما يكره فلا يذكرها" ٢ وقوله: "الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت" ٣.
الخامسة: أن التأويل في كلام الله "ولغة"٤ العرب غير التأويل في عرف المتأخرين.
ومعناه: ما يؤول الأمر إليه٥.
السادسة: أنه لا ينبغي للإنسان أن يسأل عن مسائل العلم إلا من رآه يحسن ذلك.
стр. 325
﴿قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
يقول ﵇: إني عليم بتعبير الرؤيا هذه وغيرها، فلا يأتيكما طعام "في المنام"١ إلا نبأتكما بتأويله قبل إتيانه فكيف بغير ذلك!
ففيه مسائل:
الأولى: ذكر العالم أنه من أهل العلم عند الحاجة، ولا يكون من تزكية النفس.
الثانية: إضافة هذه النعمة العظيمة إلى معطيها لا إلى فهم الإنسان واجتهاده.
стр. 326
الثالثة: ذكر سبب إكرام الله "له"١ بهذا الفضل، وهو الترك والفعل، فترك الشرك الذي هو مسلك الجاهلين، واتبع التوحيد الذي هو "سبيل"٢ أهل العلم "من الأنبياء"٣ وأتباعهم.
الرابعة: ذكره أنه من "ذرية"٤ هؤلاء الأكرمين فانتسب إلى البيت الذي هو أشرف بيوت أهل الأرض، وهذا جائز على "غير سبيل"٥ الافتخار خصوصا عند الحاجة.
الخامسة: أنه صرح لهم بأنهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب٦.
"السادسة"٧: أن الجد يسمى أبا كما ذكر ابن عباس، واحتج بالآية٨ على زيد بن ثابت٩
стр. 327
السابعة: قوله: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قيل "معناه"١: إن الله عصمنا٢. وهذه الفائدة٣ من أكبر الفوائد وأنفعها لمن عقلها، والجهل بها "من"٤ أضر الأشياء وأخطرها.
الثامنة: قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ عام "كل ما"٥ سوى الله٦، وهذه المسألة٧ "هي"٨ التي غلط فيها أذكياء العالم، عقلاء بني آدم، كما قال تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ ٩.
стр. 328
التاسعة: ذكر سبب معرفتهم بالمسألة وعلمهم بها "وثباتهم"١ عليها هو مجرد فضل الله فقط عليهم.
العاشرة: أن فضله سبحانه "هذا"٢ ليس مخصوصا بنا، بل عام للناس "كلهم"٣ لكن منهم من قبله، ومنهم من رده، وذلك أنه أعطى "الفطر"٤ ثم العقول ثم بعث الرسل وأنزل الكتب.
الحادية عشرة: "إزالة"٥ الشبهة عن المسألة التي "هي"٦ "من"٧ أكبر الشبه، وذلك "أن"٨ الله. إذا تفضل بهذا "كله"٩ خصوصا البيان، فما بال الأكثر لم يفهم، ولم يتبع، وما أكثر الجاهلين "بهذا"١٠، وما أكثر الشاكين فيه! "فقال"١١ تعالى إن "السبب أن"١٢ جمهور الناس "لم يشكروا" ١٣، فأما من عرف "نعمة الله"١٤ فلم يلتفت إليها فلا إشكال فيه، وأما من لم يعرف فذلك لإعراضه، ومن أعرض فلم يطلب معرفة دينه فلم يشكر.
стр. 329
الثانية عشرة١: دعوته إياهما ﵇ إلى التوحيد في تلك الحال، فلم تشغله عن النصيحة، والدعوة إلى الله، فدعاهما أولا بالعقل، ثم "بالنقل٢". وهى الثالثة عشره٣.
الرابعة عشرة٤: قوله: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ "فهذه حجة عقلية شرحها في قوله "تعالى٥": ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ ٦ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾ الآية٧.
الخامسة عشرة.: أن الذي في الجانب الآخر "هو الله الذي"٨ "جبلت"٩ القلوب وأقرت الفطر أنه ليس له "كفو"١٠.
السادسة عشرة: أنه هو القهار مع كونه "واحدا"١١ وما سواه لا يحصيهم إلا هو، "فهذه قوته"١٢، وهذا عجزهم، فكيف "يعدل به واحد"١٣ منهم
стр. 330
أو عشرة "أو"١ مائه!
السابعة عشرة:- "بيان"٢ بطلان ما عبدوا من دونه بأنها أسماء لا حقيقة لها.
الثامنة عشرة:- التنبيه على بطلانها بكونها بدعة ابتدعها من قبلكم فتبعتموهم.
التاسعة عشرة:- بيان أن الواجب على العبد في "الأديان"٣ السؤال عما أمر الله به ونهى عنه، وهو السلطان المنزل من السماء، لا يعبد بالظن وما تهوى الأنفس.
العشرون:- القاعدة الكلية التي "تتفرع"٤ "منها"٥ تلك "المسائل"٦ الجزئية وهي أن أحكام "الدين"٧ إلى الله لا إلى آراء الرجال كما قال "تعالى"٨: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ ٩ الحادية والعشرون: إذا ثبت أن الحكم له وحده دون الظن وما تهوى الأنفس فإنه سبحانه حكم بأن العبادة كلها محصورة عليه "وحده"١٠، ليس لأحد من أهل السماء "وأهل"١١ الأرض منها شيء.
стр. 331
"الثانية والعشرون"١: أن هذه المسألة هي الدين القيم، "وكل ما"٢ خالفها أو ليس منها فليس بقيم بل "أعوج"٣ فعلامة الحق أن العقول السليمة تعرف "استقامته"٤ بالفطرة، "وعلامة الباطل أن العقول السليمة تعرف اعوجاجه بالفطرة"٥، ومع هذا أنزل الله السلطان من السماء بتحقيق هذا والإلزام به، وتبطيل ذلك "و"٦ تغليظ الوعيد عليه.
الثالثة والعشرون- المسألة "الكبيرة العظيمة"٧ التي لو "تجعلها"٨ نصب عينيك ليلا ونهارا لم يكن كثيرا، "وأيضا"٩ تبين "لك كثيرا من المسائل التي أشكلت على الناس، وهي أن الله "بي"١٠ لنا بيانا واضحا أن الأكثر "الجمهور"١١ الذين يضيقون الديار، ويغلون الأسعار من أهل الكتاب والأميين لا يعلمون هذه المسألة مع "إيضاحها"١٢ "بالعقل والنقل"١٣ والفطرة، والآيات النفسية والأفقية١٤.
стр. 332
الرابعة والعشرون: أنه ينبغي للعالم إذا "سأله"١ العامي عما لا يحتاج إليه، أو سأله عما غيره أهم منه أن يفتح له بابا إلى المهم.
الخامسة والعشرون: أنك لا تحقر عن التعليم من تظنه "من"٢ أبعد الناس عنه، ولا تستبعد فضل الله، فإن الرجلين من خدام الملوك الكفرة.
بخلاف من يقول: ليس هذا "بأهل"٣ للعلم بل تعليمه
إضاعة للعلم.
﴿يَا صَاحِبَيِ ٤ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ .
سبق ما في هذا من المسائل٥، لكن فيه ما لم "٦يذكر":
منها: "أنه يجوز للمفتي"٧ أو يستحب أن "يفتي"٨ "السائل"٩ بما لا يحتاج إليه.
ومنها "أنه"١٠ يجيب السائل بما يسؤوه "إذا كانت الحال تقتضيه"١١.
стр. 333
"ومنها: تأكيد الفتيا بما يسوؤة"١ بما ذكر من قضاء الله "عليه"٢ ذلك.
﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ .
يعنى٣: قال يوسف للساقي الذي ظن نجاته- "قيل إن الظن هنا هو اليقين"٤ ﴿اذْكُرْنِي﴾ ٥ ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي الملك، ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ﴾ "أي أنسى
стр. 334
الشيطان"١ يوسف ذكر الله٢.
والبضع ما بين الثلاث إلى التسع٣.
فيه مسائل:
الأولى: أن الرب كما يطلق على "المالك"٤ يطلق على المخدوم٥.
стр. 335
الثانية: أن "مثل"١ هذا٢ مما يعاقب "به"٣ الأنبياء مع كونه "جائزا"٤ لغيرهم.
الثالثة: أن المقرب قد "يؤاخذ"٥ بما لا يؤاخذ به من دونه.
الرابعة: أن الشيطان قد يتوصل إلى "الأنبياء"٦ بمثل هذا.
الخامسة: أن ترك هذا القول والاستغناء بالله من التوكل٧.
السادسة: أن من المقامات ما يحسن "من"٨ "شخص"٩، ويلام في تركه ويذم من شخص آخر كما نهى رسول الله ﷺ من "أراد الإقتداء"١٠ به في الوصال وقال: "إني لست كهيئتكم" ١١.
стр. 336
السابعة: أن هذا من أبين أدلة التوحيد لمن عرف أيشاب الشرك بالمقربين، "وهو١" أبلغ من قوله "صلى الله عليه وسلم٢": "يا فاطمة "بنت" ٣ محمد لا أغني عنك من الله شيئا" ٤ وتمامها بمعرفة الثامنة وهي:
أن الله عاقبه باللبث في السجن هذه المدة الطويلة، مع "أن"٥ لبث الإنسان فيه سنة واحدة من العذاب الأليم "فكيف"٦ "بشاب"٧ ابن نعمه.
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعَالِمِينَ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ .
стр. 337
﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾
فيه مسائل١:
الأولى: تسمية الله ذلك الرجل بالملك٢.
الثانية: أن الذي "سأل"٣ عنه هو البقر والسنابل.
الثالثة٤: أنه استفتى الملأ وهم الأشراف٥، ولكن بشرط إن كان عندهم علم.
الرابعة: جوابهم بقولهم: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلامٍ﴾ يدل على أن مما يراه النائم
فيه رؤيا حق، "وفيه"٦ أضغاث أحلام "باطلة"٧، "وقد صح بذلك
стр. 338
الحديث عن النبي ﷺ "١.
الخامسة: إقرارهم بعدم العلم بالتعبير ولم يأنفوا مع أنهم الملأ.
السادسة: كلام الساقي وحذقه، كونه قطع أنها رؤيا وأن عند يوسف تعبيرها.
"السابعة"٢: قوله: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ ٣ أي "ذكر ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي"٤ دهر٥، "فيه٦ أن "الدهر"٧ يسمى أمة.
стр. 339
الثامنة١: أنه لم يذهب مع تحققه ما طلب الملك إلا بعد الاستئذان.
التاسعة٢: قوله: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ يدل على أنه يعرف معنى الصديقية٣، أنه عرف اتصاف يوسف بذلك.
العاشرة٤: أنه ذكر ليوسف العلة، وهي علم الناس بما أشكل عليهم.
الحادية عشرة: أنه عبر البقر السمان بالسنين "المخصبة"٥ والبقر العجاف بالسنين المجدبة، وأكلها "المسمان"٦ كون "غله"٧ السنين٨ المخصبة يأكلها الناس في "السنين المجدبة، وكذلك السنابل الخفر، واليابسات. قيل: إنه رأى سبع سنابل خضر قد انعقد حبها "وسبعا"٩ آخر "يابسات"١٠ قد "استحصدت"١١، فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليهن١٢.
стр. 340
الثانية عشرة: أنه أجاب السائل بأكثر مما سأله عنه، خلا فالمن جعل هذا من عدم الآداب١.
الثالثة عشرة: كرمه وطيب "أخلاقه٢" "﵇" ٣ كما قال بعض "السلف"٤ "لو كنت المسئول ما أجبتهم إلا بكذا وكذا"٥.
الرابعة عشرة: معرفته ﵇ بأمور الدنيا، وأن الحب إذا كان في سنبله لم تأته الآفة" ولو لبث سنين٦.
الخامسة عشرة- أنه أمرهم بتدبير "المعيشة"٧ لأجل "السنين"٨ الجدب، ولا يأكلون إلا قليلا.
السادسة عشرة: أنه فهم من الرؤيا أن الخصب يأتي بعد سبع سنين.
السابعة عشرة: "ادخار الطعام للحاجة"٩ "وأنه"١٠ لا يصير من الاحتكار المذموم.
стр. 341
"وكان ﷺ يدخر لأهله قوت سنة١".
الثامنة عشرة:- النصيحة ولو لغير المسلمين كما قال " ﷺ ": "في كل كبد رطبة أجر" ٢وأما المسلم فنصحه من الفرائض.
التاسعة عشرة:- أن الرؤيا الصحيحة قد تكون من "كافر٣" كما استدل بها البخاري في صحيحه٤.
العشرون: الفرق بين الحلم والرؤيا كما قال " ﷺ ": "الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان" ٥.
стр. 342
الحادية والعشرون: التعبير عن الماضي بالمضارع١.
والعجاف: ضد السمان، والملأ: كبار القوم "ورؤوسهم"٢، وأضغاث أحلام: أخلاط وأباطيل، "وادكر"٣: تذكر شأن يوسف، دأبا. متوالية، "تحصنون"٤: "تخزنون"٥: ﴿يَعْصِرُونَ﴾ ٦:- قيل من العنب عصيرا، ومن الزيتون زيتا، ومن السمسم دهنا٧، للخصب الذي أتاهم.
стр. 343
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
فيه مسائل:
الأولى: أمر الملك بالإتيان به ليأخذ عنه مشافهة، وكذلك يفعل العقلاء والسفهاء في الأمر الذي "يهتون"١ به.
الثانية: أن طلب العلم الذي يزحزح عن النار ويدخل الجنة أحق بالحرص من جميع المهمات٢.
الثالثة: هذا الأمر العظيم الذي "لم يسمع بمثله"٣ ولهذا قال " ﷺ ": "ولو" ٤ لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي" ٥
الرابعة: قوله: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ ٦.
стр. 344
الخامسة: قوله: ﴿النِّسْوَةِ﴾ قيل: لم يفرد امرأة العزيز أدباً وحفظاً لحق الصحبة١.
السادسة: قوله في هذا الموطن: ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ ٢.
السابعة: قولهن٣: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ "فيه"٤ رد لبعض الأقوال٥ التي قيلت في "الهم"٦.
стр. 345
الثامنة:- قولها١: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ ٢. [إقرار بما فعلت. وقولها: ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في قوله: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ ٣.
التاسعة: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ هذا علة لما جرى سواء كان رد الرسول أو إقرارها، فإن كان الأول فالضمير للعزيز زوج المرأة، وإن كان الثاني فالضمير ليوسف٤.
العاشرة:- رد هذه المسألة الجزئية إلى القاعدة الكلية وهي: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ أي لا يرشد "كيد"٥ من خان "أمانته"٦.
стр. 346
قيل: يفتضح في العاقبة١.
الحادية عشرة: قوله: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ ما أجلها من مسألة وما أصعب فهمها! سواء كان "هذا من كلام يوسف ﵇ أو من كلام امرأة العزيز"٢.
الثانية عشرة: رد هذه المسألة الجزئية "إلى القاعدة الكلية وهي: أن هذا حال النفس" ٣..
"الثالثة عشرة"٤: الاستثناء من ذلك وهو من "﵀"٥، فأجاره الله من شر نفسه، كذلك ما أجلها من مسألة! "لكن"٦ لمن فهمها٧.
الرابعة عشرة: رد هذه المسألة الجزئية إلى القاعدة الكلية وهي "قوله"٨: ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
стр. 347
"وقوله١": ﴿فاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ ٢ قيل: معناه. اسأله أن يكشف عن الخبر حتى يعلم الحقيقة٣. ففيه المسألة الخامسة عشرة وهي:
حرص المخلص لله على براءة عرضه عند الناس وأن ذلك لا يناقض الإخلال بل قد يكون واجباً، ولم يعتب عليه "في هذا"٤ كما عتب عليه في قوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ .
قيل: إن: ﴿ما﴾ في هذا الموضع٥ بمعنى "من"٦.
قوله: ﴿مَا بَال﴾ ما شأن النسوة.
﴿مَا خَطْبُكُنّ﴾ ٧ ما أمركن وقصتكن.
"وقوله٨": ﴿حَصْحَصَ الْحَقّ﴾ "أي"٩ ظهر وتبين١٠.
﴿الْآنَ﴾ أي هذا الوقت.
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾
стр. 348
فيه مسائل:
الأولى: ﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ ""أي: أجعله خالصاً لي دون غيري"١ كما يقال: الرفيق قبل الطريق٢، "وكما قيل"٣: "لينظر أحدكم من يخالل" ٤.
стр. 349
الثانية: وهى أعجب: قوله: ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾ "وبيانها"١ لما دخل بعض العلماء، على بعض الملوك وكان "دميما"٢ فضحك الملك "من دمامته"٣ فذكر له هذه الآية واستحسن الملك جوابه٤.
ومعنى هذا٥ أن الملك لم يتمكن من قلبه لما رأى جمال صورته بل لأجل علمه الذي تبين له لما كلمه.
الثالثة: قوله: ﴿قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا﴾ ٦ أي عندنا: ﴿مَكِينٌ﴾ أي مكنتك من ملكي تصرف فيه،: ﴿أَمِينٌ﴾ أي عرفت صحة أمانتك فأمنتك على ما تحت يدي، وهذا معنى قول أبي العباس٧- الولاية لها ركنان
стр. 350
القوة والأمانة كما في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ ١.
الرابعة.- قوله: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ ٢ "هذا"٣ فيه طلب الولاية كما قال عمر بن الخطاب لبعض الصحابة لما عرض عليه "ولاية"٤ "فأبى"٥، فقال: طلبها من هو خير منك٦، يعني يوسف "﵇"٧، ولا يخالف هذا ما ورد من النهي عن طلب الإمارة٨،
стр. 351
لأن هذا في غير شدة الحاجة، كما أن خالدا لما أخذ الراية يوم موته من غير أمرة مدح على ذلك١.
الخامسة: قوله: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ "ليس"٢ هذا مما نهي عنه من تزكية النفس٣، بل يذكر الإنسان ما فيه من الفضائل عند الحاجة. إذا لم "يقصد"٤ التزكية، كما ورد عن جماعة من الصحابة٥.
стр. 352
"قوله"١: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ "أي"٢ ارض مصر.
وقوله: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾ أي أحفظ ما وليتني عليه،: ﴿عَلِيمٌ﴾ بأمره وحسابه واستخراجه٣.
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ٤.
فيه مسائل:
الأولى: قوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ قيل: معنى ذلك "كما أنعمنا عليه بنعم الدين أنعمنا عليه بنعم الدنيا"٥.
الثانية: أن ذلك تمكينه في أرض مصر يحل وينزل منها: "ما"٦ أراد بعد ذلك الحبس والضيق.
[الثالثة: "تسمية الله"٧ سبحانه "ذلك"٨ رحمة في قوله: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾ ٩] ١٠
стр. 353
وهذه من أشكل المسائل على أكثر الناس، بعضهم يظن أن هذا كله نقص أو مذموم وأن التجرد من المال مطلقاً هو الصواب، "وبعض"١ يظن أن "عطاء الدنيا"٢ يدل على رضي الله "وكلاهما على غير الصواب"٣، وذلك أن من أنعم الله عليه بولاية أو مال فجعلها طريقاً إلى طاعة الله فهو ممدوح، وهو أحد الرجلين "اللذين يغبطهما"٤ المؤمن، وإن كان غير هذا فلا.
الرابعة:- أن هذه الأمور وإن جلت وصارت أعلى المراتب وأصعبها طريقاً فتحصيلها مردود إلى محض المشيئة لا إلى الأسباب.
الخامسة: رد هذه المسألة الجزئية إلى القاعدة الكلية وهى أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
السادسة: أن من عدم إضاعته "أنه٥" يعجل في الدنيا بعضه لمن أراد الله كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ ٦.
السابعة: "أن"٧ الأجر الثاني لمن أحسن "خير"٨ من ملك يوسف وسليمان ابن داود.
الثامنة: قوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ "فالإيمان"٩ يدخل فيه الدين كله. وأيضاً يدخل كله في التقوى، وأما إذا "قرن"١٠ "بينهما"١١ كما هنا فالإيمان الأمور الباطنة والتقوى
стр. 354
الأمور الظاهرة. "وإن"١ قلت الإيمان فعل الواجبات والتقوى ترك المحرمات فقد أصبت٢.
﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ ٣
قيل: لما اطمأن يوسف في ملكه ومضت "السنين"٤ المخصبة. ودخلت "السنين" "الجدب"٥ وأصاب الشام من القحط ما أصاب غيرهم، فأرسل يعقوب بنيه إلى مصر، وأمسك "بنيامين"٦ عنده. فلما دخلوا عليه عرفهم. قيل "كان"٧ بين دخولهم عليه "وإلقائه"٨ في الجب أربعون سنه، فلذلك لم يعرفوه٩. فقال١٠ أخبروني ما أمركم؟ فقالوا: نحن قوم من أرض كنعان جئنا نمتار طعاماً.
стр. 355
قال: كم أنتم؟ "قالوا"١: عشرة قال: أخبروني خبركم. قالوا "إنا"٢ إخوة "بنو رجل"٣ صديق، وإنا كنا "اثني عشر"٤ فذهب "أخ له معنا"٥ في البرية فهلك فيها، "وكان أحبنا إلى أبينا"٦. "قال"٧ "فإلى من سكن"٨ أبوكم بعده؟ قالوا: "إلى"٩ أخ لنا أصغر منه، فذلك قوله: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ ١٠ يقال: جهزت القوم إذا هيأت لهم جهاز السفر١١، وحمل لكل رجل منهم بعيرا، وقال ألا ترون أني أوف الكيل وأنا خير المنزلين"١٢.