لأن هذا في غير شدة الحاجة، كما أن خالدا لما أخذ الراية يوم موته من غير أمرة مدح على ذلك١.
الخامسة: قوله: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ "ليس"٢ هذا مما نهي عنه من تزكية النفس٣، بل يذكر الإنسان ما فيه من الفضائل عند الحاجة. إذا لم "يقصد"٤ التزكية، كما ورد عن جماعة من الصحابة٥.
стр. 352
"قوله"١: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ "أي"٢ ارض مصر.
وقوله: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾ أي أحفظ ما وليتني عليه،: ﴿عَلِيمٌ﴾ بأمره وحسابه واستخراجه٣.
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ٤.
فيه مسائل:
الأولى: قوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ قيل: معنى ذلك "كما أنعمنا عليه بنعم الدين أنعمنا عليه بنعم الدنيا"٥.
الثانية: أن ذلك تمكينه في أرض مصر يحل وينزل منها: "ما"٦ أراد بعد ذلك الحبس والضيق.
[الثالثة: "تسمية الله"٧ سبحانه "ذلك"٨ رحمة في قوله: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾ ٩] ١٠
стр. 353
وهذه من أشكل المسائل على أكثر الناس، بعضهم يظن أن هذا كله نقص أو مذموم وأن التجرد من المال مطلقاً هو الصواب، "وبعض"١ يظن أن "عطاء الدنيا"٢ يدل على رضي الله "وكلاهما على غير الصواب"٣، وذلك أن من أنعم الله عليه بولاية أو مال فجعلها طريقاً إلى طاعة الله فهو ممدوح، وهو أحد الرجلين "اللذين يغبطهما"٤ المؤمن، وإن كان غير هذا فلا.
الرابعة:- أن هذه الأمور وإن جلت وصارت أعلى المراتب وأصعبها طريقاً فتحصيلها مردود إلى محض المشيئة لا إلى الأسباب.
الخامسة: رد هذه المسألة الجزئية إلى القاعدة الكلية وهى أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
السادسة: أن من عدم إضاعته "أنه٥" يعجل في الدنيا بعضه لمن أراد الله كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ ٦.
السابعة: "أن"٧ الأجر الثاني لمن أحسن "خير"٨ من ملك يوسف وسليمان ابن داود.
الثامنة: قوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ "فالإيمان"٩ يدخل فيه الدين كله. وأيضاً يدخل كله في التقوى، وأما إذا "قرن"١٠ "بينهما"١١ كما هنا فالإيمان الأمور الباطنة والتقوى
стр. 354
الأمور الظاهرة. "وإن"١ قلت الإيمان فعل الواجبات والتقوى ترك المحرمات فقد أصبت٢.
﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ ٣
قيل: لما اطمأن يوسف في ملكه ومضت "السنين"٤ المخصبة. ودخلت "السنين" "الجدب"٥ وأصاب الشام من القحط ما أصاب غيرهم، فأرسل يعقوب بنيه إلى مصر، وأمسك "بنيامين"٦ عنده. فلما دخلوا عليه عرفهم. قيل "كان"٧ بين دخولهم عليه "وإلقائه"٨ في الجب أربعون سنه، فلذلك لم يعرفوه٩. فقال١٠ أخبروني ما أمركم؟ فقالوا: نحن قوم من أرض كنعان جئنا نمتار طعاماً.
стр. 355
قال: كم أنتم؟ "قالوا"١: عشرة قال: أخبروني خبركم. قالوا "إنا"٢ إخوة "بنو رجل"٣ صديق، وإنا كنا "اثني عشر"٤ فذهب "أخ له معنا"٥ في البرية فهلك فيها، "وكان أحبنا إلى أبينا"٦. "قال"٧ "فإلى من سكن"٨ أبوكم بعده؟ قالوا: "إلى"٩ أخ لنا أصغر منه، فذلك قوله: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ ١٠ يقال: جهزت القوم إذا هيأت لهم جهاز السفر١١، وحمل لكل رجل منهم بعيرا، وقال ألا ترون أني أوف الكيل وأنا خير المنزلين"١٢.
стр. 356
"المضيفين"١.
قيل: "إنه"٢ أحسن ضيافتهم ثم أوعدهم على ترك الإتيان بالأخ فقال: فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون"٣.
وقوله: ﴿..﴾ ، والرحل "كل ما"٤ يعد للرحيل "من"٥ وعاء "للمتاع"٦ ومركب للبعير وحلس٧ "وغير ذلك"٨.
قيل: مراده أنهم يعرفون "كرمه٩" فيحملهم على العود١٠.
وقيل: خاف أن لا يكون عندهم ما يرجعون به١١.
فيه مسائل:
الأولى: كون القحط عم البلاد لم يكن على مصر خاصة.
стр. 357
الثانية: إنكارهم إياه "ومعرفته لهم"١.
الثالثة: حيلته "﵇"٢ في التوصل إلى إتيان أخيه.
الرابعة: "كون"٣- ما فعل "معهم"٤ حثهم "به"٥ على الإتيان به.
الخامسة: أن هذا "ليس"٦ من تزكية النفس "المذموم"٧.
السادسة: أن هذا ليس من المن "والأذى"٨ المذموم٩.
السابعة: "أن"١٠ قوله: ﴿فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ﴾ ليس من منع المضطر المذموم١١.
الثامنة: ما صنع الله "له"١٢ من إذلالهم بين يديه، وذلك أنهم "وعدوه أنهم"١٣ يراودون "عنه"١٤ أباه "وأكدوا ذلك له"١٥ بالعزم على الفعل.
стр. 358
التاسعة: أمره "الفتيان أن يجعلوا البضاعة"١ في رحالهم٢، والحكمة في ذلك أنهم إذا رجعوا إلى أهلهم "وفتحوا المتاع"٣ ووجدوها ردت إليهم رجعوا.
﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
فيه مسائل:
الأولى: أنهم وفوا ليوسف "بما وعدوه"٤.
الثانية: أنهم ذكروا لأبيهم ما يقتضي الإجابة وهو منع الكيل.
الثالثة: أن هذا "يدل"٥ "على"٦ أنهم لاغناء "بهم"٧ عن التردد إلى الميرة٨.
стр. 359
الرابعة:- أنهم وعدوه حفظه، وأكدوه بإن واللام.
الخامسة: "جوابه ﵇ لهم"١، فيدل على قوله "﵇"٢: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين" ٣.
السادسة: أن من "أساء"٤ فعله ساء الظن فيه ولو لم يكن كذلك.
السابعة:- أنهم لما ذكروا له أنهم يحفظونه وأكدوا أجابهم بقوله: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً﴾ .
الثامنة: أنه أجابهم أيضاً بكون الله أرحم الراحمين.
التاسعة: ذكرك للممنوع سبب منعك إياه.
العاشرة: أنه "فعلكم"٥ كقوله: ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ ٦.
﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ٧ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ .
فيه مسائل:
الأولى: استعطاف "الممتنع"٨ بالخصال التي توجب إجابته.
стр. 360
الثانية: أنهم لم يعلموا أنها ردت إليهم حتى وصلوا "إلى"١ أهلهم وفتحوا المتاع.
الثالثة: ذكرهم له حاجة الضعفاء والذرية إلى الكيل.
الرابعة: أنهم "يزدادون"٢ حملا آخر على ما أتوا به.
الخامسة: ذكرهم الثناء على يوسف بأن الحمل عليه يسير لكرمه مع شدة حاجتنا إليه وغلاء ثمنه٣.
السادسة: أنه ﵇ لما ذكروا "له ذلك"٤ رجع عن رأيه الأول ورأى إجابتهم.
السابعة: أنه شرط عليهم هذا الشرط الثقيل.
الثامنة: أنهم أعطوه إياه على ثقله.
التاسعة: أنهم لما "آتوه٥" الموثق وعظهم "وأكده"٦ عليهم بقوله: ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ ٧.
العاشرة: أن هذا يدل على أنهم في جوع "وضراء"٨ عظيمة، وهم أكرم أهل الأرض على الله، وابتلاهم بذلك لا لهوانهم عليه.
стр. 361
﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ١ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
فيه مسائل:
الأولى: خوف عليهم من العين٢.
الثانية: أمره لهم بالسبب الذي يمنع، ونهيهم عما قد يكون سبباً لوقوعها.
الثالثة: أنه مع فعل السبب تبرأ من الالتفات إليه.
الرابعة: أنه دلهم على عدم الالتفات إلى أبيهم٣.
الخامسة: أنه دلهم على التوكل على الله.
السادسة: أنه "أخبرهم أنه توكل"٤ عليه وحده لا شريك له، لا على "علمه"٥ وفطنته ولا على السبب الذي أمرهم به.
السابعة٦: أنه أخبرهم أن توكل المتوكلين "كلهم"٧ "على الله فمن توكل"٨ على غيره فليس منهم.
стр. 362
الثامنة: خبره "تبارك و"١ تعالى أنهم قبلوا وصية أبيهم وعملوا بها "فتفرقوا"٢ على الأبواب لما أرادوا دخول البلد.
التاسعة: أن ذلك لا يغني عنه "من الله شيئاً"٣ لا يريد بهم "شيئاً"٤.
العاشرة: الاستثناء، وهو أن ذلك التعليم من الرجل الحكيم المصيب، وقبول المنصوح "وعمله"٥ بالنصيحة التي هي سبب لو أراد الله أن العين تصيبهم أصابتهم ولو تفرقوا "على الأبواب"٦ حظا للعباد على الاعتماد عليه لا على الأسباب.
الحادية عشرة: ثناؤه على يعقوب بأنه "ذو علم لما عملناه"، قيل: معناه "عامل بما علم"٧، وهو يدل على أن العلم الذي لا يثمر العمل لا يسمى علماً.
الثانية عشرة: ذكره أن أكثر الناس لا يعلمون.
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ٨ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
قيل إنه قال لهم "ليصر"٩ كل اثنين جميعا١٠. فبقي "أخوه"١١ وحده فآواه
стр. 363
إليه.
"فقال"١ له: ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ .
قيل: إنه أخبره الخبر٢.
وقيل: المراد أخوة المحبة٣.
"وقوله"٤: ﴿مَا نَبْغِي﴾ ٥. قيل أي شيء نريد وقد ردت بضاعتنا٦.
و"قوله"٧: أي "نأتي"٨ لهم بالطعام، يقال مار أهله "إذا"٩ أتاهم بطعام١٠.
стр. 364
"وقوله"١ ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ أي يأتيكم أمر يهلككم "كلكم"٢.
﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾
فيه مسائل:
الأولى: كونه ﵇ احتال بهذه الحيلة، ولا حجة في هذا لأهل الحيل الربوية٤، لأن ذلك مما أذن الله فيه ليوسف عليه السلام٥ وإلا لو "يفعل ذلك"٦ "الآن رجل"٧ مع
أبيه وإخوته حرم إجماعا.
стр. 365
الثانية: قوله: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ ١ "أي"٢ المنادى بصوت رفيع
يسمى "مؤذنا"٣ "وقوله"٤: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ قيل: فيه جواز المعاريض "إن"٥ أراد بذلك أنهم سرقوه من أبيه فإنه لم يقل: سرقتم الصواع٦.
стр. 366
الثالثة: قوله: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ فيه جواز "بذل"١ الأجرة لمن جاء بالسرقة٢.
"قوله"٣: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ استدل به على صحة الضمان٤ ولزومه، "وهي"٥ الرابعة.
الخامسة:- "قوله":٦ ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ . فيه جواز الحلف على مثل هذا
مع أن العلم في القلب، "لكن بعض ما في القلب يعرف بالقرائن"٧.
أي: ما جئنا "لهذا"٨، وما هذا "بفعل لنا"٩، "ولا يصلح منا"١٠، "ولسنا أهلا له"١١.
стр. 367
السادسة: "أن"١ السرقة ونحوها من الفساد في الأرض.
"وقوله"٢: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ قيل: "كان"٣ في شرعهم استعباد السارق هو لهم كالقطع في شرعنا٤ فلهذا ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ "٥.
السابعة: "بداءته"٦ بأوعيتهم "قبل وعاء أخيه"٧ "إبعادا عن تهمته"٨ وذلك من كيد الله له٩.
الثامنة: قوله: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ أي "حكمه"١٠ علي السارق غير ذلك١١، ولكن
الله دبر ما جرى نصرة ليوسف، لأنهم ظلموه، فكاد له، كما كادوا أباهم.
التاسعة: قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ أي ما جرى على ألسنتهم من ذلك لقول الذي حكموا به على أنفسهم، فأخذه بفتياهم وذلك من مشيئة الله.
стр. 368
العاشرة: كونه يسبحانه "فاوت"١ بين عباده "تفاوتا عظيما"٢، حتى الأنبياء "رفع"٣ بعضهم فوق "بعض"٤ درجات٥.
الحادية عشرة: التنبيه "على"٦ أن ذلك لا يكون إلا بمشيئة "الله"٧.
الثانية عشرة: أن رفع الدرجات الذي ينافس "فيه"٨ هو رفعها بالعلم.
الثالثة عشرة: أنه ذكر أن "فوق كل ذي علم عالم أعلم منه"٩ حتى "ينتهي"١٠ العلم إلى الله.
﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ
الثانية: أن تعيير غيرك بذنب قد فعلت أكبر منه غير صواب، كما في قوله: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ....﴾ الآية١
الثالثة: كون المظلوم المرمي "بشيء خفي"٢ يتعزى بعلم الله "تعالى"٣ ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظَالِمُونَ﴾ ٤.
فيه مسائل٥:
الأولى: بيان مبالغتهم في حفظ "أخيهم"٦.
الثانية: جواب يوسف يدل على أن السرقة تثبت بوجود المسروق عند الرجل٧.
стр. 371
الثالثة: أن من وجب عليه الحد لو بذل "غيره"١ نفسه عنه لم يحل٢.
الرابعة: "أن الرجل"٣ يثبت أنه ظالم "ولو"٤ بفعلة واحدة.
الخامسة: أنهم عرفوا "منه"٥ "﵇"٦ من العدل والإحسان "ما فهموا"٧ أنه من المحسنين.
السادسة: استشفاعك، على غيرك بما فيه من الخصال الحميدة.
السابعة: المعاريض فإنه ﵇ لم يقل إنه سارق٨.
الثامنة: إبطال استدلال أهل الحيل المحرمة فإن هذا يدل على أنه "إنما أخذه برضا"٩ أو بوحي خاص١٠.
стр. 372
التاسعة: أن المظلوم يجوز له أن يعامل من ظلمه بما لا يحلى أن يعامل به غيره١.
العاشر: "أن هذا"٢ يدل على "أن"٣ أهل مصر لم يعرفوا "يعقوب"٤ معرفة تامة٥.
﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ٦
стр. 373
فيه مسائل:
الأولى: أنهم بالغوا حتى استيأسوا منه.
الثانية: ثقل الأمر عليهم كما فعل كبيرهم.
الثالثة: أنه ذكر أنه على هذه الحال "إلى أن يأذن له أبوه"١ "أو يحكم"٢ الله له فإنه سبحانه يحكم لك أو عليك.
الرابعة: رد هذه المسألة الجزئية إلى القاعدة الكلية، وهى معرفة أن الله "أحكم"٣ الحاكمين٤.
الخامسة: الشهادة على الرجل بالسرقة إذا وجد المسروق عنده٥.
السادسة: أن هذه شهادة "بعلم"٦ مع كونهم ما علموا إلا القرينة٧.
стр. 374
السابعة: الاعتذار بعدم علم الغيب.
الثامنة: الرجوع إلى الجيران وأهل الخبرة في الأمور الخفية.
التاسعة: "تسمية"١ المدينة قرية٢.
العاشرة: اتهام المتهمين كما ذكر النعمان بن بشير٣.
стр. 375
الحادية عشرة: لتعزي بالعزم على الصبر الجميل عند "توالي"١ المصائب.
الثانية عشرة: الرجوع إلى الله في تفريج "الكرب"٢.
الثالثة عشرة: رد هذه المسألة الجزئية٣ إلى القاعدة الكلية "وهي قوله:"٤ ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾
﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٥.
فيه مسائل:
الأولى:- التولي عن مثل هؤلاء كما قال "تعالى:"٦ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ ٧.
стр. 376
"الثانية: قوله: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ أن الكلام"١ إذا لم يكن فيه جزع "لم يناف"٢ الشكوى٣.
الثالثة: ذكر الله تعالى كبر مصيبته أنه ابيضت عينا، من البكاء، وابتلى "سنين"٤ كثيرة.
الرابعة: العبرة "فيما ذكر"٥ كما قال الحسن٦. لقد ابتلى "بهذا تلك
стр. 377
المدة الطويلة"١ وإنه لأكرم أهل الأرض على الله٢.
الخامسة: تسمية البكاء٣ "حزنا"٤ لأنه نشأ عنه٥.
السادسة: وصفه بأنه كظيم، أي أنه كاظم "لحرارة"٦ المصيبة "لا يشكو"٧.
السابعة: معاتبتهم له على الحزن مع "مصيبة"٨ طال "العهد"٩ بها.
стр. 378
الثامنة: "جوابه لهم ﵇"١، وهو يدل على أن الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر بل هي ممدوحة كما ذكر عن أيوب٢.
التاسعة: أخبار الرجل بنيته الصالحة إذا احتاج "أو انتفع"٣ السامع ولا "محذور"٤ في ذلك.
العاشرة.: قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ كيف صار هذا جواباً لهم!
الحادية عشرة: قيل معناه: أعلم من صفات الله ورحمته ولطفه ما لا تعلمون٥.
وقيل: إن يوسف لم يمت٦.
стр. 379
الثانية عشرة: أن هذا في "مثل"١ هذا المقام ليس من الفخر، كما قال " ﷺ ": "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" ٢.
﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٣.
فيه مسائل:-
الأولى: أمره لهم بالتحسس عن يوسف مع استبعادهم ذلك.
والتحسس "هو"٤: البحث والطلب٥.
الثانية: نهيهم عن اليأس من روح الله.
الثالثة: وهي العظيمة، أنه قد يقع اليأس من روح الله في مثل هذه القضية.
الرابعة: "إخباره لهم"٦ بقدر هذا الذنب "بأنه"٧ لا يصدر من مسلم بل لا يكون إلا من كافر. "وروح الله" "رحمة الله"٨.
стр. 380
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ١.
فيه مسائل:
الأولى: قولهم: ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرّ﴾ أن الإخبار بالحال من غير "شكوى"٢ لا يذم.
الثانية: ما ابتلى الله "به"٣ أهل هذا البيت من الجوع المضروهم أكرم أهل الأرض على الله٤.
الثالثة: ذكرهم قدر السلعة التي معهم أنها ناقصة "ردية"٥ وليس هذا من ازدراء النعمة المذموم٦
الرابعة: سؤالهم عند الحاجة، فيدل على أن مثل هذا السؤال في مثل هذه الحال لا يذم.
стр. 381
الخامسة: سؤالهم الصدقة، فيدل على أنها غير محرمة عليهم١.
السادسة.: رد هذه المسألة الجزئية٢ إلى القاعدة الكلية وهي السابعة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ .
الثامنة: قوله: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ..﴾ ٣ الآية يدل على أن مثل هذا التقريع ليس بمذموم.
التاسعة: أنه "﵇" ذكر في التقريع "ما يهونه"٤ عليهم٥.
العاشرة: استثباتهم أنه يوسف مع رؤيتهم له وذلك لاستبعادهم ذلك.
الحادية عشرة: قوله: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ يدل على أنهم فعلوا مع أخيه ما لا يحسن.
قوله: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ إسناد النعمة إلى مسديها في مثل هذا الموطن وهي الثانية عشرة.
الثالثة عشرة: رد هذه المسألة الجزئية٦ إلى القاعدة الكلية وهي قوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
стр. 382
الرابعة عشرة: الجمع بين التقوى والإيمان "ومعرفة الفرق بينهما"١.
الخامسة عشرة: "أن"٢ من جمع بينهما فهو من "المحسنين"٣.
السادسة عشرة: "قولهم"٤: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ "الآية"٥ "اقروا باثنتين"٦: بفعل الله مع يوسف، وفعلهم مع أنفسهم.
السابعة عشرة: "انتصار"٧ الله له هذا الانتصار العظيم.
الثامنة عشرة: إذلاله إياهم٨ هذا الإذلال العجيب.
التاسعة "عشرة"٩: قوله: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ أي لا تعيير عليكم، يعنى أنى عفوت "عنكم"١٠، ومن عفوي١١ أني لا أذكر لكم "ذ نبكم"١٢ بعد اليوم.
стр. 383
العشرون: استغفاره لهم، "لما غفر"١ "لهم"٢ حقه سأل الله لهم المغفرة.
الحادية والعشرون: رد هذه المسألة الجزئية٣ إلى القاعدة الكلية٤ وهي الثانية والعشرون.
الثالثة والعشرون: "تصديق القلب بأن الله أرحم الراحمين"٥.
"الرابعة والعشرون"٦: أن الذي خافوا منه واشتد عليهم "حتى فعلو بأبيهم وأبيهم ما فعلوا"٧ "ظنا"٨ أنه عليهم مضرة كبيرة وهو كون يوسف أرفع منهم صار أكبر المصالح لهم في دنياهم وفي دينهم "يبينه"٩ الخامسة والعشرون.
وهي: قوله: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ١٠ ذكر انه قميص هبط به جبرائيل على إبراهيم حين ألقي في النار، فلما ولد إسحاق جعله عليه، فجعله
стр. 384
إسحاق على يعقوب ["وجعله"١ يعقوب على يوسف] ٢
ونسيه إخوته لما ألقوه في الجب فأمرهم أن يذهبوا به "فيلقوه"٣ على وجه يعقوب ليرتد "إليه"٤ بصره٥.
السادسة والعشرون:- ما جعله الله من الأسباب الباطنة في بعض مخلوقاته.
السابعة والعشرون:- "أن"٦ التبرك بذلك وإمساكه والتداوي به ليس من الشرك كما كانوا "يفعلون"٧ بآثار "رسول الله"٨ صلى الله عليه وسلم٩، بل ذلك حسن مطلوب.
الثامنة والعشرون: أنه أمرهم بالإتيان بأهلهم كلهم، والانتقال عنده فأعطاهم الله هذا الخير والفرج من الشدة بسبب ارتفاعه الذي كرهوا "كراهة"١٠ شديدة.
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ قَالَ سَوْفَ
стр. 385
أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ١.
فيه مسائل:
الأولى: كونه أدرك الريح من مكان بعيد.
الثانية: أنه عرف أنه ريح يوسف. قيل: "انه عرف ريح القميص"٢ "وأنه"٣ ليس إلا مع يوسف٤.
الثالثة: قوله: ﴿لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ والفند: ذهاب العقل٥، ففيه الأخبار بما تعلم أن المخبر يكذبك إذا كان في ذلك مصلحة.
الرابعة: قولهم: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ لا ينبغي لمن حدث بغريب أن يغضب إذا كذب أو شتم.
الخامسة: الآية في رد بصره عليه بسبب إلقاء القميص.
السادسة: تقريره لهم ما أنكروا من تفاصيل القاعدة الكلية٦.
السابعة: طلبهم الاستغفار من المظلوم.
الثامنة: "عفو المظلوم"٧ "ودعاؤه"٨ لمن طلب ذلك منه.
التاسعة: الاعتراف منهم بالذنب.
العاشرة: رد المسألة الجزئية إلى القاعدة الكلية٩.
السابعة: شكر نعمة الله عليه حيث جعلها حقا.
الثامنة: شكر نعمة الله في إخراجه من السجن.
التاسعة: شكر نعمة الله في إتيانه بأهله من "البدو"١.
العاشرة: شكر نعمة الله أنه بعد ما نزغ الشيطان بينهم صير الله العاقبة إلى "خير"٢ ولم يضرهم نزع الشيطان.
الحادية عشرة: رد هذه "المسائل"٣ الجزئية٤ إلى القاعدة الكلية وهى آن ربه ﵎ لطيف لما يشاء فلذلك أجرى ما أجرى "وهي"٥ الثانية عشره.
الثالثة عشرة: رد ذلك إلى القاعدة الكلية أيضاً وهى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ وهي الرابعة عشر٦.
الخامسة عشرة: كرمه ﵇ في قوله: ﴿أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْن﴾ ولم يقل من الجب.
السادسة عشرة: كرمه "أيضاً"٧ في قوله: ﴿نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ ٨ ,٩ ولم يقل "من"١٠ بعد ما ظلموني.
стр. 388
"السابعة عشرة"١: أن إخراج الله الآدمي من البدو نعمة تشكر، ففيه فضل الحاضرة على البادية.
الثامنة عشرة: دعاؤه بهذا الدعاء٢ وهو في غاية نعيم الدنيا.
التاسعة عشرة: "شكره"٣ نعمة الملك.
العشرون: "شكر"٤ نعمة التعبير.
الحادية والعشرون: ثناؤه على ربه "بأنه"٥ فاطر السماوات والأرض٦.
"الثانية والعشرون"٧: إقراره "لله"٨ بكونه وليه في الدنيا والآخرة.
الثالثة والعشرون: توسله بذلك كله إلى هذه "الحاجة"٩ "وهى" ١٠وفاته على الإسلام وإلحاقه بالصالحين.
قوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ ١١.
فيه مسائل:
стр. 389
الأولى: تنبيه الله على آية الرسالة بأن هذه "القضية"١ غيب لا يتوصل إليها الرسول إلا بالوحي لكونه لا يقرأ "و"٢ لا يغط ولا آخذ عن عالم٣.
الثانية: تقريره هذه الحجة بقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ لأن هذا لا سبيل إلى العلم به إلا بالوحي أو بحضوره.
الثالثة: أن مكرهم خفي. لو حفرهم أحد لخفي عليه.
الرابعة: ذكر، سبحانه حقيقة الحال، أن الأكثر لا يقبلون الحق ولو تبين لهم بالأدلة.
الخامسة: ذكر حرصه " ﷺ " على إيمان الناس.
السادسة: أنه لا مانع مع هذا البيان مثل سؤال الأجر٤.
السابعة: أنه ذكر لهم مع شدة كراهتهم له، كما كره الأخوة ارتفاع يوسف.
الثامنة: أن الذي أتاهم من الآيات ليست هذه وحدها، بل كم وكم من آية من الآيات السماوية والأرضة "يمرون عليها ويعرضون عن الانتفاع بها"٥. "وليس هذا للقصور في البيان"٦ فإنه مشاهد "بل القلوب"٧ غير قابلة.
стр. 390
التاسعة: المسألة العظيمة، وهي إخباره ﵎ أن أكثر هذا الخلق لو آمن أفسد إيمانه بالشرك، فهذه١ فساد القوة العملية، والتي قبلها٢ فساد القوة العلمية.
العاشرة: التنبيه على الاحتراز من اجتماع الإيمان مع الشرك المفسد له خوصا لما ذكر أن هذا حال الجمهور.
الحادية عشرة: احتقارهم هذا العصيان العظيم، كيف أمنوا عقوبة الدنيا، وهو يدل على جهالة من أمن "عقوبة"٣ ذلك.
الثانية عشرة: كيف أمنوا أن تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون.
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ٤.
فيه مسائل:
الأولى: أمره سبحانه نبيه بإخبار الناس بدينه مجملا.
الثانية: أن هذا "أيضاً"٥ سبيل من اتبعه.
الثالثة: أن ذلك هو الدعوة إلى الله وحده لا شريك له.
الرابعة: أن ذلك "هو الدعوة إلى الله"٦ على بصيرة خلافا لمن اتبع الحق ودعا إلى الله "على"٧ غير بصيرة.