النداء الحادي والأربعون: في النهى عن السؤال عما لا فائدة فيه ولا حاجة تدعو إليه والتحذير من عواقبه
الآيتان (١٠١ _ ١٠٢) من سورة المائدة
أعوذ بالله الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ، قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن لهذا النداء سببا من أجله نادى الله تعالى عباده المؤمنين ليؤدبهم ويكملهم رحمة بهم وإحسانا إليهم فله الحمد وله المنة، وإليك بيان سبب هذا النداء قال البخاري حدثنا منذر بن الوليد بن عبد الرحمن الجارودى، حدثنا أبى حدثنا شعبة عن موسى بن أنس عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: خطب رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط وقال فيها: " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، قال: فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم ولهم خنين فقال رجل من أبى؟ قال فلان. فنزلت هذه الآية " وفى رواية لابن جرير قال فيها: حدثنا بشر حدثنا يزيد عن قتادة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ قال فحدثنا أن أنس بن مالك حدثه أن رسول الله ﷺ سألوه حتى أحفوه بالمسألة، فخرج عليهم ذات يوم فصعد المنبر فقال: " لا تسألوني اليوم عن شئ إلا بينته لكم فأشفق أصحاب رسول الله ﷺ أن يكون بين يدي أمر قد حضر، فجعلت لا ألتفت يمينا ولا شمالا إلا وجدت كلا لافا رأسه في ثوبه يبكى، فقام رجل كان يلاقى فيدعى إلى غير أبيه فقال: يا رسول الله من أبى؟ قال: أبوك حذاقة ثم قام عمر فقال: رضينا بالله ربا وبالإسلام
стр. 107
دينا وبمحمد رسولا، أعوذ بالله من شر الفتن ". والروايات في هذه المسألة كثيرة _ وقوله تعالى: ﴿لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أي تظهر لكم ﴿تَسُؤْكُمْ﴾ أي يحصل لكم بها ما يسؤ كم ويؤلمكم. منها على سبيل المثال أن من سأل عن أبيه فأجابه به الرسول ﷺ بأن أباه فلان أرأيت لو سمى له أبا غير أبيه فإنه عار ومذلة له ولأمه وأسرته لا ينمحى حتى لم يبق منهم أحد. ومثل هذا سؤال الذين لما قال رسول الله ﷺ " أيها الناس إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا فقالوا أعاما واحدا أم كل عام يا رسول الله؟ فقال: لا، بل عاما واحدا، ولو قلت كل عام لوجبت ولو وجبت لكفرتم " فهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أي يبينها رسولنا لكم. أما إن تسألوا عنها قبل نزول القرآن بها فذلك لا ينبغي لكم فعله لأنه من باب إحفاء رسول الله وأذيته، وهما محرمان تحريما شديدا، وقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ أي لم يؤاخذكم بما سألتم ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ، فتوبوا إليه يتب عليكم، واستغفروه يغفر لكم فإنه غفور حليم، وقوله تعالى في الآية الثانية: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ أي قد سأل مثل أسئلتكم التنطعية المحرجة لرسول الله ﷺ قوم من قبلكم كاليهود وغيرهم فاصبحوا بها كافرين لأنهم كلفوا ما لم يطيقوه فشق عليهم جزاء تعنتهم في أسئلتهم المحرجة لأنبيائهم فتركوا العمل بها فكفروا وهلكوا والعياذ بالله ومن أمثلة الأسئلة المحرجة التي هلك فيها من هلك سؤال اليهود إذ قالوا: ﴿أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون﴾ وسؤال قوم صالح الناقة فأعطوها ثم عقروها فهلكوا، وسؤال الحواريين عيسى المائدة وقال الله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ .
ولذا فلنعلم أن الغلو والتنطع وكثرة السؤال مما لا ينبغي للمسلم أن يأتيه ويقوله أو يفعله وهذا رسول الله ﷺ يقول فيه " إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شئ لم يحرم عن المسلمين فحرم من أجل مسألته ".
ويقول ﷺ فداه أبى وأمي والعالم أجمع: " إن الله جرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعا وهات. وكره لكم ثلاثا:
стр. 108
قيل وقال وكثرة السؤال، وإضاعة المال ".
ويقول ﷺ لأصحابه رضوان الله عليهم تعليما وتربية وتأديبا: " إن الله تعالى قد فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها" ويقول: " من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه ".
وأخيرا أيها القارئ والمستمع علينا بالأدب مع الله فلا تسأله ما لم تجر سنة الله تعالى به، وعلينا بالأدب مع رسول الله ﷺ فلا نرد عليه ما دعا إليه ونصح به. وعلينا بالأدب مع أهل العلم فلا تسأل سؤال تنطع، ولا نسأل عما نحن به عالمون، ولا عما نحن غير عازمين على العمل به. ولا نسأل الناس أموالهم، ولا نكلفهم مالا يحسنون ولا ما لا يطيقون، ولنلزم الصبر والصمت والذكر، فهذا هو طريق الهداية والكمال فلنسلكه والله مع الصابرين والمحسنين.
وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 109
النداء الثاني والأربعون: في الأمر بإصلاح المؤمن نفسه وتطهيرها بالإيمان والعمل الصالح وإعلامه بأنه لا يضره
الآية (١٠٥) من سورة المائدة
أعوذ بالله الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا النداء الإلهي الرحيم الموجه إلى عباد الله المؤمنين أي المصدقين بالله ربا، لا رب غيره، وإلها لا إله سواه، وبالإسلام دينا لا دين يقبله الله تعالى غيره، وبمحمد نبيا ورسولا من عند الله، هؤلاء المؤمنين حقا وصدقا، يناديهم الجبار ﷻ ، وعظم سلطانه رحمة بهم، وإحسانا إليهم فيقول لهم: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي الزموا أنفسكم هدايتها وإصلاحها، فاحفظوها من الوقوع في الذنوب والآثام لتبقى طاهرة زكيه محلا لرضى الرحمن _ وأعلموا أنه لا يضركم ضلال من ضل ولا غواية من غوى، إذ كل نفس بما كسبت رهينة ولا تزر يوم القيامة وازرة وزر أخرى إذ من يعمل سوءا يجزى به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا.
ولتعلم يقينا أنه لا يضرنا ضلال من ضل إذا نحن اهتدينا، لقول ربنا في إرشاده لنا ﴿لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ . إذا نحن أمرنا بالمعروف من تركه بيننا، ونهينا عن المنكر من ارتكبه فينا ونحن نراه ونشاهده إذ ليس من الهداية الكاملة المنجية من العذاب والمسعدة للعباد أن لا نأمر بالمعروف ولا ننهى عن المنكر إذ الأمر بالمعروف
стр. 110
والنهى عن المنكر صفة لازمة من صفات المؤمنين الصادقين في إيمانهم والمؤمنات الصادقات.
ولنقرأ قوله تعالى في سورة التوبة في وصف المؤمنين بحق والمؤمنات بصدق؛ إذ قال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فلنذكر قوله: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ فهل من الولاية الواجبة التي هي الحب والنصرة أن يرى المؤمن أخاه تاركا معروفا يعاقب على تركه، ولا يأمره به أو يرى أخاه ووليه منغمسا في منكر يخبث نفسه، ويسخط الله تعالى عليه ويتركه؟ والجواب لا، لا، ليس هذا من الولاية بل هو من العداوة هذا أولا.
وثانيا: أليس من صفات المؤمنين والمؤمنات أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؟ والجواب بلى، وكيف والله يقول في صفاته: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ والرسول يقول: " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان " وأمر أخر وهو عظيم وخطير وذلك أننا إذا تركنا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لا نتمكن من الهداية ولا نظفر بها أبدا، إذ الدار، أو المجتمع، إذا ظهر بينهم ترك المعروف وارتكاب المنكر لا يلبثون إلا قليلا، وقد عمهم الفساد فتركوا طاعة الله وطاعة رسوله وخبثوا وساءت أخلاقهم وفسدت أحوالهم، وعمهم العذاب والعياذ بالله تعالى. وها هو رسول الله ﷺ يقرر هذه الحقيقة فيقول: " إن الناس رأوا المنكر ولم يغيروه يوشك الله أن يعمهم بعقابه " ولنصغ للترمذى يحدثنا بما يلي: .... عن ابن أمية الشعبانى قال: أتيت أبا ثعلبة الخشنى فقلت له كيف تصنع بهذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قال: أما والله لقد سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: " بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا،
стр. 111
ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأى برأيه فعليك بخاصة نفسك، دع العوام فإن من ورائكم أياما الصابر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيها مثل أجر الخمسين رجلا يعملون عملكم ".
وأخيرا نصغي إلى أبى بكر الصديق خليفة رسول الله ﷺ وهو يقرر ما سبق في شرح هذا النداء وهو أنه لا هداية تتم للعبد ما لم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، اللهم إلا أن يوجد في بلد أو دار لا يرى فيها معروفا متروكا ولا منكرا مرتكبا، لقد قام أبو بكر الصديق رضى الله عنه خطيبا يوما فقال " يا أيها الناس تقرأون هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وإنكم تتأولونها على غير تأويلها وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب " فلذكر هذا فإنه هاد وكاف بإذن الله.
أما قوله تعالى في ختام النداء: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ إنه يحمل الوعد والوعيد، وعد لمن أطاع الله ورسوله فطهر نفسه وزكاها بالطاعة، ووعيد لمن عصى الله ورسوله فخبث نفسه ودساها، وحكم الله في ذلك واضح وهو قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ .
اللهم زك أنفسنا أنت خير من زكاها وأنت وليها ومولاها.
وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 112
النداء الثالث والأربعون: في وجوب الإشهاد على الوصية وجواز شهادة غير المسلم على الوصية إذا تعذر وجود المسلم
الآيات (١٠٦ _ ١٠٧ _ ١٠٨) من سورة المائدة
أعوذ بالله الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الآثِمِينَ فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا النداء الإلهي يحمل هداية وإرشادا للمؤمنين يحل مشكلة عويصة قد تحدث لبعضهم في يوم من الأيام وهذا بيان ما تضمنه النداء الجامع لثلاث آيات من كتاب الله.
الأولى: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي يا من آمنت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا ورسولا ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي ليشهدا ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي من المسلمين على وصية أحدكم إذا حضرة الموت، وعنده ما يوصى به من مال
стр. 113
وحقوق، هذا في الحضر أما إذا كان أحدكم مسافرا وحضره الموت، ولم يكن معه في سفره مسلم، وإنما معه كفار فقط فلشهد الكافر للضرورة. وإن حصل ريب وشك في صحة ما شهدا به المؤمنان أو الكافران فأحبسوهما أو أوقفوهما بعد صلاة العصر فيقسمان لكم بالله، فيقولان في قسمهما والله: لا نشترى بإيماننا ثمنا قليلا ولا نكتم شهادة الله لأنا نكون حينئذ من الآثمين ونحن لا نرضى الإثم لأنفسنا، هذا إن حصل لكم ريب وشك في شهادتهما سواء كانت الشهادة في الحضر أو السفر إلا أنها في السفر أقرب لحصول الريب والشك في صحة شهادة الشهود وإن وجد عند الشاهدين اللذين شهدا وحلفا على شهادتهما إن وجد عندهما خيانة وكذب بما ظهر من آثار ذلك فليحلف منكم آخران يردان شهادة وحلف الأولين كما قال تعالى: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ﴾ أي الأحقان بالشهادة فيحلفان قائلين لشهادتنا أحق من شهادتهما أي لإيماننا أصدق وأصح من إيمانهما، وما اعتدينا أي عليهما باتهام باطل وكذب مفترى، لأنا لو فعلنا ذلك لكنا من الظالمين، إذ فال تعالى عنهما: ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ أي في إيماننا إنا إذا من الظالمين.
والثانية: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي ما شرعه تعالى لكم من الإشهاد والإيمان على الشهادة، وقيام شاهدين لرد شهادة المرتاب فيهما لا سيما إذا ظهرت علامة عدم صدقهما أقرب أن يصدق الشهود في شهادتهما وفى إيمانهم.
والثالثة: قوله تعالى: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي وأقرب أيضا إلى أن يخاف الشهود أن ترد أيمانهم إذا هم حلفوا، فهم لذلك لا يكذبون خوف الفضيحة أن تلحقهم.
والرابعة: قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي خافوه أيها المؤمنون، فلا تخرجوا عن طاعته بترك أوامره أو بغشيان معاصيه ﴿وَاسْمَعُوا﴾ أي ما تؤمرون به واستجيبوا لله فيه. ومن ذلك قبول هذا التوجيه الإلهي في وجوب الإشهاد على الوصية عند الوفاة وجواز إشهاد غير المسلم في حالة انعدام وجود المسلم كما في السفر. ثم إن حصل ريب وشك في الشهادة فليقم اثنان ذو عدل منكم ويردان الشهادة بإيمان... وإن حصل أيضا بعد الإشهاد والحلف ظهور علامة خيانة وكذب في الشهادة فليقم آخران يردان الشهادة ويعطيان الحق المطلوب.
стр. 114
والخامسة: قوله: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي إلى ما فيه خيرهم وسلامهم وسعادتهم وكمالهم، لأنهم خبسوا أنفسهم ودنسوها بالذنوب والآثام. ألا فلنحذر الغش وهو خروج عن طاعة الله وطاعة رسوله. ومن الفسق ما هو كفر، ومنه ما هو من كبائر الإثم والفواحش فلنحذره إذ كله مانع من هداية الله؛ إذ العبد إذا توغل في الشر والفساد يصبح غير أهل لطلب الهداية بالتوبة والإستقامة، ومن ثم يحرم هداية الله تعالى.
وأخيرا إليك أيها القارئ والمستمع حادثة حدثت على عهد رسول الله ﷺ وفيها نزلت هذه الآيات الثلاث فتأملها فإنها تزيدكم فهما وفقها ومعرفة لما تضمنته الآيات الكريمات: عن تميم الدارى قال برئ الناس منها غيري وغير عدى بن بداء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام فآتيا الشام لتجارتهما، وقدم عليهما مولى لبنى سهم يقال له بديل بن أبى مريم بتجارة معه جام١ من فضة يريد بها الملك وهو أغلى تجارته فمرض فأوصى إليهما أن يبلغا ما ترك أهله. قال تميم فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم، واقتسمناه أنا وعدى، فلما قدمنا إلى أهله فدفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام فسألونا عنه فقلنا ما ترك غير هذا، وما دفع إلينا غيره قال تميم فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله ﷺ المدينة تأثمت من ذلك فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر ودفعت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها فوثبوا عليه فأمرهم النبي ﷺ أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه فحلف فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ .. إلى قوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ فقام عمرو بن العاص ورجل أخر منهم فحلفا فنزعت الخمسمائة من عدى بن بداء. رواه الترمذى وابن جرير وضعفه الترمذى وله شواهد وهو موافق لما تضمنته الآية.
والحمد لله رب العالمين الهادى إلى الصراط المستقيم
وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 115
النداء الرابع والأربعون: في حرمة الفرار من صفوف القتال في سبيل الله وأنه من الكبائر الموجبة لغضب الله وعذابه
الآيتان (١٥ _ ١٦) من سورة الأنفال
أعوذ بالله الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن المؤمن كما عرفت حي بإيمانه قوى بولاية ربه له، لذا نادى الله ﵎ عباده المؤمنين قائلا لهم: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً﴾ أي زاحفين إليهم لتقاتلوهم في سبيل الله ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ أي لا تنهزموا أمامهم فتتولوا هاربين مولينهم أدباركم وهذا عيب كبير، ومعرة لا ينبغي للمؤمن ولى الله أن يتصف بها والنهى هنا للتحريم ليربى الله أولياءه على الإقدام والشجاعة حتى لا يضعفوا عن قتال المشركين الكافرين ولما كان الفرار من العدو له أثار سيئة لاسيما عند المواجهة والزحف ومن تلك الآثار السيئة انتصار العدو الكافر على المؤمنين ومنه إصابة المؤمنين المقاتلين بالجروح والقتل ومنها استيلاء العدو على معدات المسلمين من سلح وغيره ومنها وقف الدعوة الإسلامية وعدم انتشارها وانتصارها لهذه ولغيرها كان التولى يوم الزحف كبيرة من كبائر الذنوب ويكفى من كونها كبيرة قوله تعالى في الآية الكريمة: ﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ وفى الحديث الصحيح أن التولى يوم الزحف من الموبقات أي المهلكات ففي الصحيح يقول الرسول ﷺ : " اجتنوا السبع الموبقات. قيل يا رسول الله وما هي؟ قال: الشرك بالله والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولى
стр. 116
يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " فيكفى في كون التولى يوم الزحف كبيرة ذكره مع أعظم الكبائر وهى الشرك والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا واكل مال اليتيم وقذف المحصنات. وقوله تعالى في الآية الثانية: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ أي ومن يعطى دبره للعدو فارا هاربا يوم الزحف أي ساعة المواجهة وزحف الطائفتين على بعضهما طائفة العدو الكافر وطائفة المجاهدين المؤمنين. وقبل ذكر الجزاء أي جزاء الشرط وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ قال تعالى: مستثنيا حالتين إذا فر منهما المؤمن المجاهد لا إثم عليه فيهما ولا حرج، لأنه تحرف لنصرة الإسلام وأهله لا فرارا من الموت وهى الموت يدفعه الفرار.!!؟؟
فالحالة الأولى: أن يفر المؤمن بين يدي مقاتله الكافر مكيدة له حتى إذا جرى وراءه عدوه وبعد عن صفوف إخوانه كر عليه المؤمن وقتله، هذه صورة من صورتين يفر فيهما المجاهد، ولا إثم عليه فيهما، والصورة الثانية أن يميل جانبا عن صف المجاهدين ليرى غرة من العدو فيصيبها هذا ما دل عليه قوله: ﴿إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ﴾ .
والحالة الثانية: أن يرى ضغطا شديدا من العدو؛ فيرى انه من المصلحة الجهادية أن ينحاز إلى جماعة من المؤمنين تقاتل فيقاتل معها ليقويها ويقوى هو بها، هذه صورة من صورتين جاز فيهما للمجاهد أن ينحاز من وجه العدو لينضم إلى إخوانه ليقويهم ويقوى بهم والصورة الثانية أن يكون الانحياز إلى قائد المعركة وإمام المسلمين ليتقوى به ويقويه فهاتان الصورتان دل عليهما قوله تعالى: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ﴾ أما إذا لم يكن قراره للحالتين الأولى وهى التحرف للقتال، والثانية الانحياز إلى فئة مؤمنة أو إلى القيادة فإن صاحب الفرار قد ارتكب كبيرة إذ لم يتب منها دخل النار والعياذ بالله تعالى، ذلك لقوله تعالى في جواب الشرط: ﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ آي رجع من المعركة مغضوبا عليه من الله ومأواه الأخير جهنم وبئس المصير جهنم يصار إليها. إن بعض السلف قالوا هذا الفرار المتوعد عليه كان خاصا بغزوة بدر، وخالف الجمهور وقالوا الآية عامة وإن نزلت في غزوة بدر، والدليل على عمومها حديث البخاري الذي تقدم وهو الحق والصواب والله يتوب على من تاب فمن فر يوما استوجب العذاب لو مات أما من أناب فإنه يتوب الله عليه ويغفر له كبيرته بتوبته.
والحمد لله التواب الرحيم وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 117
النداء الخامس والأربعون: في وجوب طاعة الله والرسول ﷺ وحرمة معصيتهما، وحرمة التشبه بالمنافقين
الآيات (٢٠ _ ٢١ _ ٢٢ _ ٢٣) من سورة الأنفال
أعوذ بالله الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم والمستمع المستفيد زادكما الله علما وحلما وحكمة، اعلما أن الله تعالى في هذا النداء ينادى عباده المؤمنين الذين أمنوا به وبرسوله وصدقوا بوعده لأوليائه وهو النعيم المقيم، وبوعيده لأعدائه وهو النار وبئس المصير وذلك يوم لقائه . فيأمرهم بطاعته وطاعة رسوله، وينهاهم عن الإعراض عنه وهم يسمعون الآيات تتلى، والعظات والمواعظ تتوالى في كتاب الله وعلى لسان رسول الله ﷺ . لأن نصرهم وتأييدهم كان ثمرة إيمانهم وطاعتهم، فإن هم اعرضوا وعصوا فقد تركوا وقد خسروا ولاية الله تعالى لهم، وأصبحوا كغيرهم من أهل الكفر والفسق والعصيان.
هذا معنى قوله تعالى في أول النداء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ أما فوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ . فإنه ينهاهم أن يسلكوا مسلك المشركين واليهود والمنافقين إذ الكل كان موقفهم مما يدعوهم إليه الرسول ﷺ واحدا وذلك في التصامم عن سماع الآيات الحاملة للحق والداعية إليه والمبينة للهدى والفوز به، وفى التعامى عن رؤية آيات الله الدالة على توحيده كأنهم
стр. 118
يقولون بل يقولون إنا عما يقوم به محمد في صمم، وفيما يذكر ويدعو إليه في عمى. إذ هم يقولون سمعنا بآذاننا وهم بقلوبهم لا يسمعون، وذلك لأنهم لا يفكرون ولا يتدبرون فلذا في سماعهم كمن لا يسمع؛ لأن العبرة في السماع الانتفاع به لا مجرد سماع الصوت كان هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ . أما قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ . فهو إخبار منه تعالى يخبر عباده المؤمنين بحال الكافرين ليكونوا على بصيرة في أمر دعوتهم وجهادهم ومعاملتهم يخبرهم بأنهم شر الدواب، وعلة ذلك كفرهم بربهم وشركهم به أوثانا فعبدوا غيره وضلوا عن سبيله ففسقوا وظلموا وأجرموا الأمر الذي جعلهم حقا دواب في الأرض. كان هذا تنديدا بالمشركين واليهود والكافرين والمنافقين وفى نفس الوقت هو تحذير للمؤمنين وفى كل زمان ومكان ودائما وأبدا من معصية الله ورسوله، والإعراض عن كتابه وهدى نبيه ﷺ لأن الشر الذي اصبح فيه المندد بحالهم من المشركين والكافرين من اليهود والمنافقين إنما كان بسبب معصيتهم لله ورسوله والإعراض عن كتابه وهدى نبيه ﷺ كان هذا معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ .
أما قوله تعالى في الآية الثالثة من آيات هذا النداء الخامس والأربعين: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ . إن هذا النداء من باب الفرض والتقدير إذ سبق علم الله تعالى بهم في أنهم لا يسمعون إيثارا منهم للكفر على الإيمان والفسق على الطاعة، والضلال على الهدى. لذا لو أسمعهم أي لو جعلهم يسمعون آيات الله كما يسمعها المؤمنون الموحدون ويعرفون ما تدعو إليه من الهدى وما تحمله من بشارة للمؤمنين ونذارة للكافرين والمنافقين والمشركين. لتولوا وهم معرضون والعياذ بالله تعالى. وسر هذا الإعراض بعد السماع هو أن سنة الله تعالى في الإنسان أنه إذا توغل في الشر والفساد والظلم والخبث يصبح غير قابل للخير والإصلاح والعدل والطهر. فقد تدعوه ويسمع منك ما تدعوه إليه، وقد تبشره ويسمع منك البشارة وسببها وقد تنذره فيفهم عنك النذارة وما أنذرته منه، ولكن لتوغله في ظلمه الشر والفساد والخبث والشر يجد نفسه مصروفا تمام الصرف عما تدعوه إليه. فلذا حذر الكتاب والسنة من تأخير التوبة وأمر باستعجالها مخافة أن العبد إذا استمر في المعصية زمنا تصبح طبعا من طباعه وخلقا ثابتا له فلا يقدر على تركها فيهلك بها والعياذ
стр. 119
بالله تعالى.
هذا وأخيرا لنعلم أن الله تعالى في هذا النداء أعلمنا بما يلي:
١-وجوب طاعة الله ورسوله.
٢-حرمة التشبه بالمشركين والكافرين.
٣-أن من الناس من هم شر من الكلاب والقردة والخنازير، وذلك لتوغلهم في الشر والفساد والخبث والظلم. ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ أي الخليقة.
ألا فلنذكر هذا ولنعمل على طاعة الله ورسوله، ولا نصر على معصيتهما ساعة فضلا عن يوم أو أسبوع أو شهر أو عام لا نصبح من شر الدواب. ولعياذ بالله العزيز الحكيم.
وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 120
النداء السادس والأربعون: في وجوب الاستجابة لنداء الله والرسول إذا أمرا أو نهيا أو بشرا وأنذرا. ووجوب اتقاء الفتن بما تتقى به
الآيتان ٢٤ _ ٢٥ من سورة الأنفال
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
الشرح:
لتعلم أيها القارئ الكريم أن الله تعالى ما نادى عباده المؤمنين به وبلقائه ليأمرهم إلا من أجل كمالهم وسعادتهم في الدارين، وذلك لأنهم عبيده وأولياؤه والسيد لا يحب لعبده إلا ما يعزه ويكرمه، والولى لا يحب لوليه إلا ما يسعده ويرفعه وها هو تعالى ينادى عباده وأولياءه قائلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ والمراد بالرسول هنا محمد ﷺ خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، والاستجابة بمعنى الإجابة أي أجيبوا الله تعالى إذا دعاكم ورسوله كذلك. أى إذا دعاكم لاعتقاد أحبه ورضيه فاعتقدوه، وإذا دعاكم لقول طيب، والله لا يدعو إلا إلى طيب فقولوه، وإذا دعاكم لعمل صالح، والله لا يأمر إلا بالصالح فاعملوه ولا تقصروا فيه، وكذلك الحال مع رسوله ﷺ إذا دعا إلى معتقد أو قول أو عمل تجب الإجابة الفورية إلا في حال العجز فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها. وكذا إذا دعاكم الله لترك معتقد فاسد، أو قول سيئ أو عمل غير صالح فأجيبوه وأتركوا ما أمركم بتركه وكذا الشأن مع رسوله ﷺ ،
стр. 121
وعلة هذا الأمر والاستجابة هي من أجل أن تكملوا في آدابكم وأخلاقكم وتسعدوا في حياتكم بالعز والطهر والصفاء والأمن والخير الكثير، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ، إذ لا يدعو الله ورسوله عباد الله المؤمنين المتقين إلا لما فيه خيرهم وسعادتهم وحياتهم الحياة الطيبة الطاهرة السعيدة في الدنيا والآخرة. وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ يحمل إشعارا خطيرا وتنبيها عظيما للمؤمنين وهو انه إذا سنحت الفرصة للمؤمن لفعل خير من الخيرات أو عمل صالح من الصالحات عليه أن يقتنصها بسرعة قبل فواتها، لاسيما إذا كانت دعوة من الله ورسوله إلى فعل كذا أو ترك كذا، وذلك لأن الله تعالى قادر على أن يحول بين المرء وما يشتهى، وبين المرء وقلبه، إذ هو قادر على أن يقلب القلب ويصرفه من حيث شاء من خير إلى غير، أو من غير إلى خير، ولنستمع إلى رسول الله ﷺ وهو يدعو ويقرر هذه الحقيقة: " اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " ويقول داعيا أيضا: " اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك ".
أما قوله تعالى في ختام الآية: ﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ يعلم تعالى عباده المؤمنين بحقيقة ينبغي أن لا ينسوها وهى أنهم سيحشرون إليه تعالى يوم القيامة وسيجزيهم بطاعتهم وعصيانهم؛ لذا ينبغي أن لا يترددوا في الاستجابة لله تعالى ورسوله إذا دعاهم لما يحييهم، وهل يدعوهم ربهم وهو وليهم إلى غير ما يحييهم؟ لا والله، وهل يدعوهم رسولهم إلى غير ما يحييهم ويكملهم ويسعدهم؟ لا والله.
أما قوله تعالى في الآية الثانية من هذا النداء السادس والأربعين: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ . فهو تحذير خطير للمؤمنين وفى كل زمان ومكان من أن يتركوا طاعة الله ورسوله بعدم الاستجابة لندائهما ودعوتهما إلى فعل الواجبات وترك المحرمات، لما يترتب على ذلك من انتشار الشر والفساد بصورة يحق بها العذاب وكأن هذا الأمر والنهى المأمور بهما في هذا النداء هما الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وهو كذلك؛ لأن الفتنة لا تعم المجتمع كله صالحة وفاسدة إلا إذا ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ويقرر هذا قول ابن عباس رضى الله عنه في هذه الآية: أمر الله تعالى المؤمنين أن لا يقرروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب. وفى صحيح مسلم ما يقرر هذه الحقيقة ويؤكدها فعن زينب أم المؤمنين رضى الله عنها أنها سألت رسول الله ﷺ قائلة يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: " نعم إذا كثر الخبيث ". وهذا أحمد يروى في مسنده رحمه الله
стр. 122
تعالى فيقول: عن أم سلمة أم المؤمنين رضى الله عنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده، قالت: قلت يا رسول الله أما فيهم أناس صالحون؟ قال: بلى، قالت: كيف يصنع أولئك؟ قال: يصيبهم ما أصاب الناس ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان ". وكيف لا ينزل البلاء ولا يصيب الأمة العذاب وقد تركت الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. والأمثلة على ذلك كثيرة لا تحصى فأين الأندلس وأهلها، أين ممالك الهند الإسلامية وملوكها أين مسلموا أوربا الشرقية وديارهم تحولت إلى دور لهو وباطل... وما ذلك إلا لظهور المنكر من خبث وشر وفساد وتركه حتى عم فنزل العذاب وعم. وأخيرا أيها القارئ والمستمع إليك ما يلي فاعمله:
١-وجوب الاستجابة لأمر الله ورسوله فعلا وتركا معا.
٢-تعيين فرصة الخير إذا سنحت وإياك والتفريط فيها.
٣-وجوب الأمر بالمعروف إذا ترك والنهى عن المنكر إذا أرتكب وإلا فسيعم الخبث وتهلك الأمة، فلنذكر هذا ولنأمر بالمعروف ولننهى عن المنكر ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.
واعلموا أن العاقبة للمتقين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 123
النداء السابع والأربعون: في حرمة خيانة الله والرسول صلى الله عليه سلم، وخيانة الأمانات، والتحذير من فتنة المال والولد
الآيتان (٢٧ _ ٢٨) من سورة الأنفال
أعوذ بالله الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .
الشرح:
اذكر أيها القارئ الكريم ما قد سبق أن عرفته وهو أن الله تعالى ينادى عباده المؤمنين به وبلقائه، وكتابه ورسوله لكمال حياتهم يناديهم ليأمرهم أو ينهاهم أو يبشرهم أو ينذرهم لأنهم أهل لأن يسمعوا ويطيعوا وها هو ذا ناداهم لينهاهم عن أمر خطير وهو خيانتهم له بان يظهر أحدهم الطاعة ويخفى المعصية، إذ هذا الوصف لا يليق بالمؤمن أبدا، وإنما هو وصف المنافقين؛ لذا نهاهم عنه وحذرهم أن يكون فيهم. كما نهاهم عن خيانة الأمانات التي يؤتمنون عليها وهى خاصة وعامة، فالخاصة هي ما يؤمن عليه المرء من أخيه كمال، أو سر من الأسرار، والعامة هي كل التكاليف الشرعية التي كلفنا الله تعالى بها حتى الغسل من الجنابة أمانة. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ عظم جريمة الخيانة وآثارها السيئة على النفس والمجتمع معا.
وقوله تعالى في الآية الثانية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أعلمهم بما من شانه أن يكون السبب الحامل للعبد على خيانة أمانته أل وهو حب المال والولد، وهو حب فطرى إذا لم يقاومه العبد بالخوف من الله، وبمراقبته تعالى، لا يسلم من أذاه وفتنته كما قال تعالى: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ ، ومن شأن الفتنة أنها تصرف عن طاعة الله ورسوله
стр. 124
ومن لم يطع الله ورسوله خسر دنياه وأخرته.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ تنبيه لهم على أن تركهم ما تدعوهم إليه أنفسهم من خيانة الأمانات لأجل الحفاظ على أموالهم، وإسعاد أولادهم عند الله ما هو خير منه وهو الجنة دار السلام. فإن تركوا ما تدعوا إليه نفوسهم إلى ما يدعوا إليه ربهم ، فإن الله يجزيهم بأعظم أجر وأحسن جزاء لأنه تعالى عنده الأجر العظيم يعطيه من جاهد نفسه وصبر على طاعة ربه وطاعة رسوله ﷺ فلم يخن الله ورسوله، ولا أمانته وقد يكون الأجر في الدنيا بالرزق الحسن، والعيش الرغد زيادة على الجنة ونعيمها في الدار الآخرة، إذ ورد أن العبد إذا ترك شيئا من أمور دنياه لله عوضه الله خيرا منه في دنياه وأخراه.
ويحسن هنا أيها القارئ الكريم والمستمع المستفيد أن تذكر ما روى عبد الرازق عن الزهري في سبب نزول هذا النداء الكريم؛ إذ قال: " إنها نزلت في أبى لبابة بن عبد المنذر لما بعثه رسول الله ﷺ إلى بنى قريظة لينزلوا على حكم رسول الله ﷺ وهم محاصرون من قبل المسلمين لنقضهم عهدهم وخيانتهم له. فلما وصل إليهم استشاروه في أمرهم فأشار إليهم بذلك أي بقبول حكم رسول الله ﷺ إلا انه أشار بيده إلى حلقه أي إنه الذبح أي النزول على حكم رسول الله معناه أنه يأمر بذبحهم ثم فطن فعلم أنه بإشارته بيده إلى حلقه قد خان ورسوله. فعاد من ديارهم وحلف أن لا يذوق ذواقا حتى يموت، أو يتوب الله عليه. وانطلق إلى مسجد رسول ﷺ فربط نفسه في ساريه من سواريه وتعرف الأن بسارية أبى لبابة. فمكث تسعة أيام، حتى كان يخر مغشيا عليه من الجهد فأنزل الله تعالى توبته على رسوله فجاءه الناس يبشرونه بتوبة الله تعالى عليه، وأرادوا أن يحلوه من رباطه بالسارية فحلف لا يحله منها أحد إلا رسول الله ﷺ بيده الشريفة، فجاء رسول الله الرءوف بالمؤمنين الرحيم بهم فحله: فقال يا رسول الله إنى كنت نذرت أن انخلع من مالي صدقة. فقال: " يجزئك الثلث أن تصدق به ". ففعل رضى الله عنه ". فهذه الحادثة التي نزلت فيها الآية تعتبر سببا في نزولها وهو كذلك إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فالله نادى المؤمنين ونهاهم عن خيانة الله وخيانة الرسول فيما يتعلق به تعالى وبرسوله من طاعتهما في الأمر والنهى في الظاهر والباطن, وفيما يتعلق بسائر الأمانات إذ قال عز من قائل: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ أي ولا
стр. 125
تخونوا أماناتكم.
وأخيرا فلا تنس العبرة العظيمة في حادثة أبي لبابة وهى أن المؤمن إذا غفل فاستزله الشيطان فخان أمانة من أماناته فإنه على الفور يتوب إلى الله فيكرب ويحزن ويكثر من الاستغفار والصالحات ويتصدق بمال كثير، بعد أن يعترف بزلته ويرد الحق إلى أهله. ومن تاب تاب الله عليه، والله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر إلا أن التوبة تجب على الفور ولا يحل تأخيرها ابدا، ولا عذر لأحد في تأخير التوبة لقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ ١ والقرب هو ساعة ارتكاب المعصية والشعور بذلك... ولنتأمل توبة أبى لبابة فإنه لم يؤخرها دقيقة واحدة.
وفعل في توبته ما لا يقدر عليه غيره فرضى الله عنه وأرضاه. وغفر لنا ذنوبنا وتاب علينا إنه ولينا وليس لنا ولى سواه.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 126
النداء الثامن والأربعون: في الترغيب في تقوى الله وبيان ثمارها العاجلة والآجلة
الآية (٢٩) من سورة الأنفال
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾
الشرح:
اعلم أيها لقارئ والمستمع أن هذا النداء الإلهي الكريم يحمل عطاء إلهيا ما فوقه عطاء وأن المحروم من حرمه، إنه وعد رباني والله لا يخلف الميعاد. وعد لمن اتقاه تقوى حقيقية وهى امتثال أوامره تعالى وأوامر رسوله ﷺ واجتناب نواهيهما، وترك الشبهات مخافة الوقوع في المحرمات، وشحن القلب بالنية الصادقة الخالصة، وشغل الجوارح بالأعمال الصالحة والتحفظ من شوائب الشرك الخفي والجلى معا صاحب هذه التقوى هو الذي يجنى ثمارها وهى كما بلى:
١-الحصول على الفرقان. والفرقان هو نور يملأ قلبه أثمرته له تقواه لله. فصاحب هذا النور ينجو إذا هلك الناس، وينتصر إن انهزم الناس. ويميز بين الحق والباطل، والمعروف والمنكر، والخير والشر، والنافع والضار، والصالح والفاسد، إذا التبس هذا على غيره من فاقدي نور الفرقان الذي أثمرته تقوى الله ، ولك أن تعرف أيها القارئ أن لفظ الفرقان مشتق من الفرق بين الأشياء، فالمتقى تصفو نفسه بفعله للطاعات المزكية للنفس وبعده عن المعاصي المخبثة للنفس. تصفو نفسه صفاء تصبح كأنها تعيش في النور يغشاها من كل جوانبها. فهذا النور يحصل لصاحبه قوة الفرقان التي يميز بها بين الملتبسان والمشتبهات حتى يصبح قل ما يخطئ في نظرية يراها أو يقولها. وهذا عبد الله بن عمر رضى الله عنهما يقول: " ما قال أبى في شئ أظنه
стр. 127
كذا إلا كان كما ظن " وسر ذلك قوة تقوى عمر رضى الله عنه وشدتها حتى استحالت روحه إلى طاقة من نور. يشهد لهذا ويقرره قول الرسول ﷺ فيه: " ما سلك عمر فجا إلا سلك الشيطان فجا غير فجه "، وما ذلك إلا لقوة نوره الذي أثمرته له قوة تقواه لله . وقوله ﷺ فيه: " لو كان من أمتي محدثون _ أي تحدثهم الملائكة _ لكان منهم عمر " رضى الله عنه وأرضاه، ولذلك لقوة تقواه، فلنذكر هذا أيها القارئ والمستمع ولا ننسه.
٢-تكفير السيئات: وهى الخطايا وهو سترها وعدم المؤاخذة بها، وإبطال مفعولها في تلويث النفس وتخبيثها. والسيئات جمع سيئة وهى كل معصية لله ورسوله ﷺ من شأنها أن تسئ إلى النفس البشرية بالتخبيث والتلويث بأوضار السيئة وآثارها، وهل المراد بالسيئات التي فعلها العبد قبل التقوى هذا هو الظاهر، ولكن لا مانع من أن المتقى تزل قدمه ويفعل سيئة ثم يتوب منها فتزيل التقوى التي يعيش عليها أثرها من نفسه ويصبح كأنه لم يقاربها أبدا.
٣-مغفرة الذنوب: وهى الآثام، هذه ثمرة قبل الأخيرة من ثمار تقوى الله التي وعد أصحابها بها، وهى مغفرة ذنوبهم وعدم مؤاخذتهم بها وهذا في الدنيا والآخرة معا؛ إذ بعض الذنوب، يعجل لأصحابها عقوبتها في الدنيا قبل الآخرة. وقد يعذب بها في الدنيا والآخرة، معا، والعياذ بالله.
٤-والأخيرة وهى أعظم تلك الثمار وأشهاها إنها الجنة ونعيمها. وعبر عنها بالأجر العظيم؛ لأنها بمثابة الجزاء على التقوى والجزاء والأجر بمعنى واحد يقال أثابه وأجره وجزاه بكذا على كذا، الكل بمعنى واحد، ولعل السر في عدم ذكر الجنة الاكتفاء بذكر الأجر العظيم؛ لأن الله تعالى لا يعطى العاملين أجرا يوم القيامة غير الجنة ورضاه؛ إذ لا مال يومئذ ولا دينار ولا درهم.
واخيرا أيها القارئ والمستمع لا يفوتكما ولا إياي هذه الصفقة التجارية العظيمة التي ربحها الفرقان العظيم، وتكفير السيئات، ومغفرة الذنوب، والجنة والرضوان في دار السلام، ألا فلنتق الله ولنثبت على ذلك حتى تلقى الله تعالى.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 128
النداء التاسع والأربعون: في بيان عوامل النصر في الجهاد وهى طاعة الله ورسوله، وعدم النزاع ولزوم الصبر، والإخلاص لله .
الآيات (٤٥ _ ٤٦ _ ٤٧) من سورة الأنفال
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم والمستمع المستفيد ولنعلم كلنا وكل مؤمن ومؤمنة أن هذا النداء الإلهي الكريم موجه إلى المؤمنين بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا، وقد أذن لهم في قتال أعدائه الكافرين به وبلقائه وكتابه ورسوله، فكانت أول سرية غزت سرية عبد الله بن جحش رضى الله عنه وتأتى غزوة بدر الكبرى، وانفتح باب الجهاد اليومي على مصراعيه، وهم في حاجة إلى تعليم رباني وهداية إلهية يعرفون بموجبها كيف يخوضون المعارك وينتصرون فيها. وفى هذه الآيات الثلاث التي تضمنها هذا النداء الكريم تعليم عال جدا لخوض المعارك والانتصار فيها وهذا بيانها:
١-الثبات في وجه العدو: والصمود في القتال حتى لكأن المجاهدين جبل شامخ لا يتحرك، دل على هذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ﴾ طائفة مقاتلة ﴿فَاثْبُتُوا﴾ أي في وجه تلك الطائفة الكافرة المقاتلة
стр. 129
ولا تفروا أبدا.
٢-ذكر الله تعالى: تهليلا وتكبيرا وتسبيحا ودعاء وضراعة وذكر وعده تعالى لأوليائه بالنصر ووعيده لأعدائه بالهزيمة. دل عليه قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . أي تفوزوا بالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة بعد النجاة من الهزيمة والمذلة في الدنيا والنار وعذابها في الآخرة.
٣-طاعة الله ورسوله في أمرهما ونهيهما، وطاعة قائد المعركة ومديرها إذ طاعته ثابتة بآية: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ١وهذه الطاعة كما ذكرنا من أكبر عوامل النصر حسب سنة الله تعالى في هذه الحياة.
٤-عدم التنازع والخلاف: إذ هما من موجبات الفشل الذريع وذهاب القوة وحصول الهزيمة المدمرة والعياذ بالله. دل على هذا قوله تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ . والريح القوة وهي الغلبة والنصر. كما يقال الريح لفلان إذا كان غالبا وشاهده من شعر العرب:
إذا هبت رياحك فاغتنمها ... فإن لكل خافقة سكون
ومن أراد فهم معنى الريح المفسرة بالقوة والنصر فليقف في طريق السيارات أي إلى جانب الطريق ولينتظر حتى تمر به شاحنة مسرعة في جريها فإنها تدفعه بريحها كعاصفة شديدة من الرياح، ومن ثم يعرف معنى الريح في هذا النداء وأنه القوة الدافعة للعدو؛ لأن المجاهدين إذا اتحدوا وصاروا صفا واحدا وهجموا يوجد لهم قوة أعظم من ريح الشاحنة القوية، وهم في طريقهم إلى دفع العدو وكسره وتحطيم قوته.
٥-بيان نتائج التنازع والخلاف: وأنها الفشل الذريع وذهاب القوة المعبر عنها بالريح لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ .
٦-الصبر: أي على مواصلة القتال بعد الإعداد له وتوطين النفوس وإعدادها للجهاد في سبيل الله تعالى لقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ أي بالنصر والفوز بعد التثبيت أثناء القتال.
стр. 130
٧-الإخلاص لله تعالى: في الجهاد كما في سائر العبادات؛ إذ الإخلاص روح العبادة فإن فقد فقدت، إذ قال تعالى بعد الآية الثالثة: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فحذر المؤمنين من أن يكونوا كأولئك الذين خرجوا من ديارهم لقتال المؤمنين بطرين متكبرين مرائين بخروجهم وقتالهم غيرهم من المؤمنين لصد الناس عن الإسلام.
فلتذكر أيها القارئ الكريم أن هذه العوامل عوامل النصر وهى أفعال وتروك قد تضمنتها الآيات الثلاث التي نادى الله عباده المؤمنين من أجلها. فلنحفظ الآيات ولنكرر قراءتها وقراءة معانيها فتصبح بذلك أهلا لقيادة الجيوش وخوض والمعارك. ولن يصل إلى مستوانا الرفيع قائد معارك ولو درس في كل كليات الحرب في العالم الكافر الفاجر...
وهناك معلومات إضافية لك إليك بيانها:
١-الذكر أثناء الجهاد يكون سرا إلا ما كان عند الهجمة الأولى فإنه يكون برفع الصوت الله أكبر الله أكبر وذلك لقول رسول الله ﷺ : " إن الله يحب الصمت عند ثلاث: عند تلاوة القرآن، وعند الزحف، وعند الجنازة "، والذكر المأمور به في القتال يكون بالسر بالقلب واللسان إذ صح قول الرسول ﷺ : " يقول الله تعالى: إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو يناجز قرنه ". أي لا يشغله ذلك الحال عن ذكرى ودعائي واستعانتي.
٢-قال أحد العلماء الربانيين لو رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا إذ قال تعالى له: ﴿أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً﴾ . ولو رضى لأحد في ترك الذكر لرخص للمجاهد في المعركة. ومن هنا لا يترك الذكر إلا في حالة واحدة وهى جلوس العبد لقضاء الحاجة (التغوط) .
٣-اعلم أنه لا جهاد للكفار بدون إمامة شرعية. فلا يحل لرجل أو فئة أن تقاتل بدون إذن إمام المسلمين وتعيينه قائدا يقودهم في ساحات الجهاد.
والله أسأل أن لا يحرمنا أجر الجهاد ولو متنا على فرشنا، إنه قدير وبالإجابة جدير.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 131
النداء الخمسون: في حرمة اتخاذ الأقارب أولياء إن هم استحبوا الكفر على الإيمان
الآية (٢٣) من سورة التوبة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم والمستمع المستفيد ولنعلم جميعا أن هذا النداء الإلهي يحمل إنذارا شديدا للمؤمنين به تعالى ربا وإلها وبدينه الإسلام دينا لا يقبل الله دينا سواه، وبنيه محمد ﷺ نبيا ورسولا، ينهاهم في هذا النداء الإنذارى عن اتخاذ من كفر من آبائهم وأمهاتهم أيضا. وإخوانهم وأخواتهم أيضا ومن باب أولى من كان دون ذلك من عامة الأقارب ذكورا وإناثا ينهاهم عن أن يتخذوهم أولياء يحبونهم ويناصرونهم ويدفعون عنهم ويطلعونهم على أسرار المؤمنين وبواطن أمورهم، وفى الحرب والسلم سواء إذ قال لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله ولقائه ووعده ووعيده ﴿لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ﴾ أي آثروا الكفر والإصرار عليه على الإيمان بالله ورسوله. ثم يهددهم إن لم يمتثلوا أمرهم فلم يفاصلوا آباءهم وإخوانهم المستحبين للكفر على الإيمان، والشرك على التوحيد، والخبث على الطهر، والفوضى على النظام، والظلم على العدل، إذ الكفر يكمن فيه كل ما ذكر ويزيد، ولذا قيل ما بعد الكفر ذنب يهددهم فيقول: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾ أي أيها المؤمنون. ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أي المتولونهم ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ، أي المتوغلون في الظلم، الضاربون فيه كأن لم يكن هناك ظالم إلا هم. والعياذ بالله تعالى. ووجه ظلمهم ظاهر غير خفي وهو أنهم وضعوا المحبة موضع
стр. 132
البغضاء، والنصرة موضع الخذلان، إذ حقيقة الظلم هي وضع الشيء في غير موضعه، فالذي تجب محبته وموالاته هو الله المنعم بالخلق والرزق والتدبير للإنسان ولسائر الخلق والذي بيده كل شئ وهو قادر على كل شئ هذا الذي يجب أن يحب ويوالى، أما الذي لا يملك شيئا وهو مملوك ولا يعطى شيئا وكيف وهو معطى فكيف يحب ويوالى.
والذي تجب محبته وموالاته من الناس هو من آمن بالله وكفر بالطاغوت وهو ما عبد دون الله ﷻ وعظم سلطانه من إنسان أو جان، من كوكب أو شجر وحجر وأحب الله تعالى ووالاه، وأحب ما يحب الله، ووالى من أحب الله ووالاه من صالحي عباده المؤمنين به وبلقائه المطيعين له ولرسوله. أما من استحب الكفر على الإيمان والشرك على التوحيد، والكافرين على المؤمنين فكيف تجوز موالاته ومناصرته. اللهم إن هذا ظلم فاضح وصاحبه ظالم لا أظلم منه. وختم تعالى إنذاره بهذا التهديد العظيم الذي لا يطاق فقال لرسوله ﷺ قل لهم: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي إلى التوبة والإنابة إليه، والرجوع إلى محبته وموالاته، إذ هو توغلوا في الفسق بالكفر والظلم والشر والفساد، إذ سنة الله أن من أدمن على شئ قل ما يتركه ويتخلى عنه، وكلمة الفاسقين دالة على التوغل في الفسق بالكفر والظلم والفجور.
هذا وإليك أيها القارئ والمستمع بعض ما يهدى إليه هذا النداء الكريم زيادة على ما علمت من شرحه وبيانه:
١-اعلم أن هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ....﴾ الخ متضمنة حكم حرمة موالاة الكافرين ولو كانوا من أقرب الأقارب وهذا الحكم عام في أمة الإسلام إلى يوم القيامة ولا التفات إلى سبب نزولها؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
٢-أن من تولى المشركين صار مشركا كما قال ابن عباس رضى الله عنهما: من تولاهم فهو مشرك مثلهم؛لأن الرضا بالشرك شرك ويستثنى من هذه المقاطعة
стр. 133
الإحسان والعطية للأقارب الكفرة لحديث أسماء إذ قالت يا رسول الله إن أمي قد قدمت على راغبة وهى مشركة أفأصلها؟ قال: " صلى أمك ".
٣-أن حب الله ورسوله ﷺ من أوجب الواجبات ومن لم يحب الله ورسوله فليس بمؤمن وإن ادعى الإيمان ولنصغ إلى رسول الله ﷺ وهو يقر هذه الحقيقة " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الأيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار".
وصدق رسول الله ﷺ .
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 134
النداء الواحد والخمسون: في حرمة دخول المشركين الحرمين الشريفين ووجوب منعهم من ذلك، ووجوب قتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية
الآيتان (٢٨ _ ٢٩) من سورة التوبة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا النداء الإلهي الموجه إلى المؤمنين من عباده وهم أولياؤه لإيمانهم وتقواهم له يتضمن أمرين عظيمين:
الأول: حرمة دخول المشركين المسجد الحرام والحرم المكي تابع للمسجد، فلا يحل لمشرك أو كافر من أهل الكتاب أو من غيرهم أن يدخل المسجد الحرام ومكة كلها حرم، كما لا يحل للمشرك أو الكافر أن يدخل المسجد النبوي والمدينة كذلك؛ لأن الرسول ﷺ قال: " إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم المدينة ". وكما يحرم دخول المشركين والكافرين الحرمين الشريفين، يجب عل المؤمنين منعهم من ذلك وصدهم بأية حال.
وهذا ما دل عليه قوله تعالى في الآية الأولى في هذا النداء إذ قال :
стр. 135
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ وهو عام تسعة من الهجرة حيث حج أبو بكر رضى الله عنه أميرا على الحج، ونزلت هذه الآية الكريمة، فبعث رسول الله ﷺ من ينادى في عرفات ومنى ومكة بهذا الأمر " أيها الناس ألا لا يطوفن بالبيت عريان، ولا يحجن بعد هذا العام مشرك "؛ إذ كان المشركون يطوفون بالبيت عراة إذا لم يجدوا ثوبا حلالا. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ أي فقرا، لانقطاع المشركين عن الحج إذ كانوا يحملون البضائع التجارية ويبيعون ويشترون. ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فوعدهم بغناهم وسد حاجتهم التي خافوا أنها إذا امتنع المشركون من الحج حصلت لهم أي العيلة. وقوله: ﴿إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ . وهذا استثناء منه حتى تبقى قلوب المؤمنين متعلقة به راجية خائفة غير مطمئنة، وكونه تعالى عليما حكيما يرشح المعنى المذكور ويرجحه، لأن ذا العلم والحكمة لا يضع شيئا إلا في موضعه، فلابد إذا لمن أراد رحمة الله وفضله تعالى أن يجتهد في أن يكون أهلا لذلك بالإيمان والطاعة الكاملة لله ورسوله ﷺ .
والثاني: أي الأمر الثاني الذي تضمنه النداء هو ما تحمله الآية الثانية وهو قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ إنه لما أمر تعالى المؤمنين بمنع المشركين من دخول المسجد الحرام وهذا يقتضي قتالهم حتى يسلموا، أمر المؤمنين أيضا أن يقاتلوا أهل الكتاب حتى يسلموا. أو يدخلوا في ذمة المؤمنين ويعطوا الجزية. فقال تعالى لهم: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ......الخ﴾ وهم اليهود والنصارى، ولم يرض الله تعالى إيمانهم الفاسد، إذ اليهود مشبهة مجسمة يصفون الله تعالى بصفات ينزه عنها الله ﵎، والنصارى يقولون ويعتقدون أن الله ثالث ثلاثة فهو كفر وليس والله بإيمان، فلذا أبطل الله إيمانهم فقال: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ، إذ لو آمنوا بالله واليوم الآخر، لعملوا على دخول الجنة والنجاة من النار بالإيمان الصحيح والعمل الصالح الذي شرعه الله في دينه الحق الإسلام. فلذا هم كافرون بالله واليوم الآخر وقوله تعالى: ﴿وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ ؛ إذ اليهود يدينون ببدعة اليهودية، والنصارى ببدعة النصرانية، والدين الحق الذي لا يقبل دين غيره الذي هو الإسلام كفروا به وحاربوه، فهم إذا يدينون بدين
стр. 136
باطل لا ينجى من النار ولا يدخل الجنة دار الأبرار. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ هذه غاية قتالهم فهم يقاتلون حتى يخضعوا للمسلمين ويعطوا الجزية وبذلك يدخلون في ذمة المسلمين. ويؤمنون في أبدانهم وأموالهم وأعراضهم وأديانهم مع شروط تكتب عليهم جاء تفصيلها في كتاب عمر رضى الله عنه ذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية.
وأخيرا إليك أيها القارئ بيان ما دلت الآيتان فتأمله وعه وافهمه:
١-نجاسة المشركين إنها معنوية وهى شركهم بالله ، وإن كانوا لا يغتسلون من الجنابة ولا يبتعدون عن النجاسات بدليل قول الرسول ﷺ : " المؤمن لا ينجس ". فمفهومه أن الكافر نجس أي بكفره وشركه لذا لو صافحت كتابيا لا تغسل يدك كما يرى بعض الظاهرية، ولا ينقض وضوءك مصافحته.
٢-يجوز أن يدخل الكافر مساجد المسلمين ماعدا المسجد الحرام والمسجد النبوي، ولكن بإذن المؤمنين.
٣-وجوب قتال أهل الكتاب حتى يدخلوا في الإسلام ليكملوا ويسعدوا أو يدخلوا في ذمة المسلمين فيحكمهم المسلمون بالعدل والحق.
٤-وجوب أخذ الجزية وهى قدر معلوم من المال سنويا على الرجال القادرين على الكسب والعمل ولا تؤخذ من العجزة من الشيوخ والأطفال والنساء.
٥-قوله تعالى: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ له معنيان، الأول: أن يؤديها القادر دون العاجز، فمعنى ﴿عَنْ يَدٍ﴾ عن قدرة والمعنى الثاني: أن يؤديها صاحبها بنفسه ولا يصح أن ينيب عنه غيره ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أي ذليلون منقادون لحكم الإسلام.
٦-لا يمنع المؤمن خوف الفقر أن يمتثل أمر ربه. إذ وعد تعالى من أطاعه فيما حرم عليه أو أوجب عليه أن يغنيه إذ هو امتثل أمره. وقد أطاعه المؤمنون في منع المشركين من الحج فأغناهم بما فتح عليهم من الفتوحات وما أفاض عليهم من أموال الجزية التي لا تعد ... ألا فلنمتثل أمر الله ولنترك الربا وبيع المحرمات، والله يغنينا من فضله وهو الغنى الحميد.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 137
النداء الثاني والخمسون: في حرمة أكل أموال الناس بالباطل والوعيد الشديد لمن يكنز الذهب والفضة ولا يخرج زكاتهما
الآيتان (٣٤ _ ٣٥) من سورة التوبة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ .
الشرح:
اذكر أيها القارئ الكريم أن الله تعالى لا ينادى عباده المؤمنين إلا ليأمرهم بفعل ما يكملهم ويسعدهم، أو لينهاهم عما يشقيهم ويخسرهم وها هو ذا تعالى في هذا النداء العظيم يخبرهم بحال أعدائهم من اليهود والنصارى الذين يريدون دوما أن يطفئوا نور الله بأفواههم، والله متم نوره ولو كره الكافرون والمشركون معا، يخبرهم بحال رجال الدين فيهم وهم الأحبار، والرهبان، وانهم ماديون صرفا، وما شعار الدين الذين يحملونه إلا خدعة لعوامهم وجهالهم، إذ قال تعالى: ﴿إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ﴾ وهم علماء اليهود، ﴿وَالرُّهْبَانِ﴾ وهم عباد النصارى وأما علماؤهم فهم القسس، والواحد منهم يقال له قس. ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ أي بدون حق يبيح لهم أكل أموال الناس، إذ هم يأكلونها تحت ستار الكذب والحيل كالرشوة، وكتابة صكوك الغفران لغلاة الذنوب والآثام إلى غير ذلك من أنواع الحيل والكذب.
وقوله تعالى: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الذي هو الإسلام، وعلة صدهم عن الإسلام أن يبقى أتباعهم من اليهود والنصارى سخرة لهم يعيشون سعداء
стр. 138
على حسابهم، إذ لو دخل أتباعهم في الإسلام لحرموا سيادتهم عليهم وأموالهم منهم، وتبع ذلك السلطة والحياة ولم يبق لهم بين الناس ذكر. وهذه حالهم إلى اليوم فإنهم يحاربون الإسلام بكل وسيلة.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.....﴾ هذا إعلام آخر من الله تعالي لعباده المؤمنين معلما محذرا حتى لا يقعوا في مثل ما وقع فيه الأحبار والرهبان إذ أخبرهم أن الذين يكنزون الذهب والفضة وسواء كانوا من الكافرين والمشركين أو من المسلمين وذلك لحرمة كنز الأموال وهى قوام الأعمال، وأداة العيش الرغد في الحياة. فتوعد تعالى الذين يكنزونها ولا ينفقونها في سبيل الله بالعذاب الأليم إذ قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وقد سلك مسلك الأحبار والرهبان علماء الروافض إذ أن أئمتهم يأخذون منهم ضرائب هي خمس دخل كل فرد من أي جهة كان هذا الدخل، أخبرني بهذا أحد رجالهم بمدينة الكويت، ويبين تعالى كيفية تعذيب كانزي الذهب والفضة بها يوم القيامة وهى أن تحول إلى صفائح ويحمى عليها في نار جهنم حتى تلتهب نارا، ثم تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم. فلم يبق موضع من أجسامهم ألا يكوى بتلك الصفائح. ومع هذا العذاب الحسي عذاب معنوي وهو القول لهم: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ . كما يقال لأبى جهل في جهنم ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ استهزاء وسخرية به هذا العذاب المعنوي أعظم ألما من العذاب الجسدي وأشد. هذا معنى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ .
ولنعلم أيها القارئ والمستمع أن هذه الآية لما نزلت اضطرب لها المسلمون، وكبر عليهم أمرها، فقال عمر رضى الله عنه: أنا أفرج عنكم فانطلق إلى رسول الله ﷺ وقال: يا نبي الله إن كبر على أصحابك هذه الآية فقال النبي ﷺ : " إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقى من أموالكم لتكون لمن بعدكم ". فكبر عمر. فقال له رسول الله ﷺ : " ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء: المرأة الصالحة التي إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته "، أي في ماله وعرضه. وهذا الحديث العمرى
стр. 139
حقا نفس عن النفوس المؤمنة ما تجده من ألم في إدخار بعض المال. وحقا لو حرم الادخار ومنع كيف تنزل آيات الميراث.
وتقسيم التركة على الوارثين: للذكر مثل حظ الأنثيين، ولكل من الأب والأم السدس إذا هلك الابن وترك ولدا، وللأم الثلث والباقي للأب إذا لم يترك ولدهما ولدا. وللزوجة الربع إذا لم يترك الزوج ولدا، وله الثمن إن ترك ولدا. وللزوج الربع إن تركت زوجنه ولدا، وله النصف إن لم تترك ولدا. ومن مات من رجل أو إمراة، ولم يترك أبا ولا أما ولا ولدا وإنما ترك أخا أو أختا لأم وعصبة فإن لكل واحد منهما السدس والباقي للعصبة، وإن ترك أكثر من أخ أو أخت لأم فهم شركاء في الثلث، والباقي للعصبة. ومن ترك أختا ولم يكن لها ولد فلها النصف، وإن ماتت هي ولم تترك ولدا فهو يرث مالها كله، وإن مات هو وترك أختين فلهما الثلثان والباقي للعصبة كالأعمام مثلا، ومن ترك منهما إخوة رجالا ونساء فإن الاخوة يقتسمون التركة للذكر مثل حظ الأنثيين كالوالد يموت ويترك بنين وبنات فإنهم يقتسمون التركة للذكر مثل حظ الأنثيين. ولا تقسم التركة إلا بعد إنفاذ الوصية وسداد الدين. هذه قسمة الله تعالى في مال الهالك، فلو كان كنز المال حراما فكيف ينزل القرآن بقسيمته على النحو الذي فصلت؟
لذا الإجماع على أن المال المدخر إذا أخرجت زكاته لا يعد كنزا محرما يعذب به صاحبه، أما الذي لم يخرج زكاته سنويا فالعذاب لازم، وهذا مسلم يخرج حديث أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " ما من رجل لا يؤدى زكاة ماله إلا جعل له يوم القيامة صفائح من نار فيكوى بها جنبه وجبهته وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار " ومثله أيضا " من كان عنده إبل أو غنم أو بقر فلم يؤت زكاتها فإنه يعذب في عرصات القيامة إلى نهاية الحساب، ثم إلى الجنة أو إلى النار".
ألا فلنذكر هذا أيها القارئ والمستمع ولنعلم الناس ما يجب أن يعلموه من دين الله ولنحثهم على العمل به طلبا للنجاة إذ الله شديد العقاب وسريع الحساب.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 140
النداء الثالث الخمسون: في وجوب الخروج إلى الجهاد إذا دعا الإمام إلى ذلك وهو ما يعرف بالتعبئة العامة، وحرمة القعود عنه
الآيتان ٣٨ _ ٣٩ من سورة التوبة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ والمستمع أن هذا النداء وجه يوم نزل إلى المؤمنين بالمدينة النبوية وذلك يوم بلغ الرسول ﷺ أن هرقل ملك الروم قد جمع جموعه لحرب الرسول ﷺ فدعا الرسول ﷺ بالتعبئة العامة، وكان الزمن صيفا حارا، وبالبلاد جدب وقحط ومجاعة، وكان ذلك في شوال من سنة تسع من الهجرة لذا سميت هذه الغزوة بغزوة العسرة، فاستحث الرب ﵎ المؤمنين ليخرجوا مع نبيهم ﷺ لقتال أعدائه الذين عزموا على غزوه في عقر داره فأنزل الله تعالى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي أخرجوا للجهاد في سبيل الله، والقائل رسول الله ﷺ ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ أي تباطأتم كأنكم تحملون أثقالا. لا تريدون الخروج راضين ببقائكم في دوركم وبين أزواجكم وأولادكم. ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ . وهذا إنكار منه الله تعالى على من كانت هذه حالته منهم، وهو عدد قليل وليس بكثير إذ أكثر المؤمنين نفروا مع رسول الله ﷺ وأن من تباطأ أولا خرج ثانيا، إلا من تخلف بإذن من الرسول ﷺ .ثم قال لهم عز من قائل ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ . فكيف تؤثرون الحياة الدنيا
стр. 141
القليلة التمتع بالطعام والشراب والكساء والراحة على الآخرة ذات النعيم العظيم والخالد الباقي، فكيف تؤثرون القليل الفاني على الكثير الباقي إن أمركم عجب، ثم وجه إليهم الأمر الموجب للخروج للجهاد لقتال بنى الأصفر _ الروم _، إذ عزموا على قتال الرسول وأتباعه فقال تعالى مهددا موعدا آمرا بالخروج حاثا حاظا عليه: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا﴾ أي تخليتم عن نصرة نبيكم وتركتموه يخرج إلى قتال الروم وحده مع قلة من أصحابه. فالجزاء سيكون عظيما: ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ أي موجعا لا يطاق لشدة ألمه ومرارة مذاقه. وأمر أخر هو أنه إذا أهلككم يستبدل بكم غيركم ممن ينصرون رسوله ويقاتلون معه إذ قال : ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً﴾ أي من الضرر لأنه وليه وناصره ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فلا يعجزه إهلاككم واستبدالكم بغيركم، ونصرة نبيه إن كنتم تركتم نصرته.
هذا ولنعلم أيها القارئ الكريم والمستمع أن هذا النداء حمل حكما عاما للمسلمين في إي زمان ومكان، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لذا فلنتأمل ما يلي:
١-الجهاد في سبيل الله تعالى من أفضل الأعمال وهو باق ما بقى من لا يعبد الله تعالى لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ ؛ أولا في جزيرة العرب ثم في كل أنحاء المعمورة؛ إذ أمة الإسلام نائبة عن نبيها في إبلاغ دعوته إلى العالم التي تحمل الهداية والطهر والسعادة والكمال للبشر أجمع.
٢-أن النفير والتعبئة العامة يقوم بها إمام المسلمين عندما تدعو الحاجة إلى ذلك لهذه الآية الكريمة في هذا النداء العظيم.
٣-الجهاد وهو من أفضل الأعمال يكون فرض عين ويكون فرض كفاية وفرض العين يكون في ثلاثة أحوال.
أ-أن يعلن الإمام التعبئة العامة والنفير العام كما في هذه الآية التي تضمنها النداء.
ب-أن يعين الإمام من شاء من المؤمنين، فيجب على من عينه أن يخرج للجهاد.
جـ-أن يداهم العدو أهل ثغر أو بلد على الحدود فعلى كل ذكر بالغ عاقل أن يدافع ويقاتل حتى يقهر العدو أو يصل المدد من إمام المسلمين وحكومته...
стр. 142
٤-أن يكون الجهاد وهو بذل الجهد والطاقة البدنية والفعلية والمالية في سبيل الله أي من أجل رضا الله تعالى، وطاعة رسوله وأميره، فلا يكون من أجل سلطة أو مال، أو جاه أو سمعة.
٥-بيان حقارة الدنيا وتفاهتها وضآلتها أمام الآخرة دار النعيم المقيم والسعادة الأبدية الخالدة لقوله تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ وقول الرسول ﷺ في رواية مسلم: " ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم فلينظر بما ترجع؟ " والإصبع التي أشار بها هي السبابة.
٦-وجوب نصرة رسول الله ﷺ في دينه وفى أمته وسنته.
ألا فلنتدبر ونتأمل ما حواه هذا النداء الإلهي الكريم ولنعمل في صدق على إبلاغه بعد العمل به. والحسنة بألف حسنة لقول الرسول ﷺ : " إن الله يجزى الحسنة بألفي حسنة" أما حسنة الجهاد فهي بألف ألف أي بمليون حسنة والله يضاعف لمن يشاء".
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 143
النداء الرابع الخمسون: في الأمر بتقوى الله والصدق في النية والقول والعمل
الآية (١١٩) من سورة التوبة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ .
الشرح:
اذكر أيها القارئ ما قد سبق أن عرفته وهو أن المؤمنين أحياء، لذا يناديهم ربهم ليكلفهم لقدرتهم على السماع والقول والعمل والترك بخلاف الكافرين فهم يكفرهم أموات غير أحياء وما يشعرون، والدليل أنهم إذا دعوا إلى العمل أو الترك لا يجيبون، وإذا ذكروا لا يذكرون وإذا نودوا لا يسمعون بخلاف المؤمنين لكمال حياتهم فإنهم إذا ناداهم أجابوا، وإذا أمرهم فعلوا، وإن نهاهم تركوا وانتهوا. واعلم أيها القارئ والمستمع أن هذا النداء الإلهي يحمل أمرين عظيمين.
الأول: الأمر بتقوى الله ، وهى كما عرفت إن كنت تذكر طاعة الله تعالى وطاعة رسوله في كل ما أمرا به أو نهيا عنه، إذ الله تعالى لا يتقى عذابه ولا غضبه ولا عقابه بأية وقاية إلا بالطاعة له والتسليم لحكمه والرضا بقضائه وقدره.
والمؤمن العارف يسره أمر ربه تعالى له ولغيره بالتقوى لعلمه أن ولاية الله تعالى وهى أشرف هدف وأسمى غاية وأعز مطلب، لا تتحقق للمؤمن إلا بالتقوى؛ لأن التقوى تزكى النفس وذلك بفعل الأوامر وترك النواهي، فإذا زكت نفس العبد رضيه الله وليا وأحبه وتولاه. واعلم أيها القارئ أن التقوى لا تتحقق لطالبها إلا بالعلم بمحاب الله تعالى ومكارهه. وبكيفية أداء المحبوبات لتنتج له زكاة نفسه وطهارتها، لذا كان طلب العلم فريضة الله على كل مؤمن ومؤمنة في هذه الحياة.
والأمر الثاني: هو الكون مع الصادقين إذ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ أي لا تفارقونهم في أي حال من أحوالهم فلتكن نياتكم كنياتهم وأقوالكم كأقوالهم، وأعمالكم كأعمالهم، وآمالكم كآمالهم لتكونوا في الآخرة معهم. واسمعوا قول الرسول ﷺ في هذا، إذ قال:
стр. 144
"عليكم بالصدق فإن الصدق يهدى إلى البر والبر يهدى إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا ". فإذا كتب صديقا أصبح من أمثال أبى بكر الصديق رضى الله عنه إذ لقبه الرسول ﷺ بالصديق، والقرآن أشار إليه في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ . فالذي جاء بالصدق هو الرسول ﷺ ، والذي صدق به هو أبى بكر الصديق رضى الله عنه. وهناك سبيل أخر للكون مع الصديقين وهو طاعة الله ورسوله في الظاهر والباطن، في السر والعلن، في العسر واليسر؛ إذ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً﴾ .
وإليك ما سبق هذا النداء الكريم لتعرف قيمة الصدق وحقيقته وتعمل على أن يكون وصفا لك بين الناس. إنه لما دعا رسول الله ﷺ إلى التعبئة لقتال الروم الذين عزموا على غزو المؤمنين في المدينة النبوية، جاء المنافقون يعتذرون بأعذار واهية وكاذبة وكذلك ضعاف الإيمان؛ لأن الغزوة كانت في عام قحط وجوع وحر شديد. وتخلف من تخلف بدون استئذان من القائد الأعظم ﷺ . ولما رجع رسول الله ﷺ والمؤمنون من تبوك إذ العدو لما بلغه خروج الرسول ﷺ لقتاله جبن وخاف وعدل عن الغزو الذي عزم عليه وصدق رسول الله ﷺ إذ قال: " نصرت بالرعب مسيرة شهر ". فلما عاد الرسول ﷺ والمؤمنون جاء بعض الناس يعتذرون عن تخلفهم فاعتذروا وقبل عذرهم، وتخلف ثلاثة وهم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع أن يعتذروا كما أعتذر غيرهم بأعذار واهية، فأعلن الرسول ﷺ عن هجرانهم ومقاطعتهم واستمرت مقاطعتهم من الرسول ﷺ وكافة أهل المدينة حتى أزواجهم وأولادهم وبعد مرور خمسين يوما، ولما صبروا صادقين أنزل الله توبتهم في قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ . فدلت الآيات على أن الله نجا الثلاثة الذين خلفوا وتاب الله عليهم بصدقهم، فلذا دعا عباده المؤمنين إلى الصدق لما فيه الخير والبركة والفوز بالنجاة من النار ودخول الجنة دار الأبرار. اللهم اجعلنا من عبادك الصادقين.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 145
النداء الخامس الخمسون: في وجوب قتال الكفار لإدخالهم في الإسلام ليكملوا ويسعدوا
الآية (١٢٣) من سورة التوبة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا النداء الإلهي فيه إشارة إلى قرب وفاة الرسول الحبيب ﷺ ، إذ كان الله تعالى يأمره بالجهاد وأتباعه معه نحو ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ﴾ . وقطعا إن أصحابه معه في الجهاد. إلا في هذا النداء فإنه وجهه تعالى للمؤمنين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ . إنه لما طهرت الجزيرة من الشرك وأصبحت دار سلام، وتم هذا في أخريات حياة النبي ﷺ أمر تعالى المؤمنين بأن يواصلوا الجهاد في سبيله بعد وفاة نبيهم ﷺ وأرشدهم إلى الطريقة التي يجب أن يتبعوها في ذلك وهى أن يبدأوا بدعوة وقتال أقرب الكفار منهم والمراد بالكفار المتاخمين لحدودهم كالأردن والشام والعراف مثلا.
فيعسكرون على مقربة منهم ويدعونهم إلى خصلة من ثلاث: الأولى: الدخول في الإسلام دين الرحمة والعدل والطهر والصفا والعزة والكرامة فإن أبوا.
فالثانية: وهى قبولهم حماية المسلمين لهم بأن يدخل المسلمون بلادهم يطبقون فيها شرع الله ويحمونه مقابل ضريبة جزئية وهى الجزية التي تضرب على الرجال فقط وتسقط عن العجزة من كبار السن والأطفال والنساء، وبذلك يرى أهل البلاد رحمة الإسلام ونوره وعدله وطهره فيدخلوا فيه بطواعية واختيار بلا إلزام ولا إكراه، فإن أبوا.