← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12109

نداءات الرحمن لأهل الإيمان

أبو بكر الجزائري

Полный текст (243 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

القليلة التمتع بالطعام والشراب والكساء والراحة على الآخرة ذات النعيم العظيم والخالد الباقي، فكيف تؤثرون القليل الفاني على الكثير الباقي إن أمركم عجب، ثم وجه إليهم الأمر الموجب للخروج للجهاد لقتال بنى الأصفر _ الروم _، إذ عزموا على قتال الرسول وأتباعه فقال تعالى مهددا موعدا آمرا بالخروج حاثا حاظا عليه: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا﴾ أي تخليتم عن نصرة نبيكم وتركتموه يخرج إلى قتال الروم وحده مع قلة من أصحابه. فالجزاء سيكون عظيما: ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ أي موجعا لا يطاق لشدة ألمه ومرارة مذاقه. وأمر أخر هو أنه إذا أهلككم يستبدل بكم غيركم ممن ينصرون رسوله ويقاتلون معه إذ قال : ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً﴾ أي من الضرر لأنه وليه وناصره ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فلا يعجزه إهلاككم واستبدالكم بغيركم، ونصرة نبيه إن كنتم تركتم نصرته. هذا ولنعلم أيها القارئ الكريم والمستمع أن هذا النداء حمل حكما عاما للمسلمين في إي زمان ومكان، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لذا فلنتأمل ما يلي: ١-الجهاد في سبيل الله تعالى من أفضل الأعمال وهو باق ما بقى من لا يعبد الله تعالى لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ ؛ أولا في جزيرة العرب ثم في كل أنحاء المعمورة؛ إذ أمة الإسلام نائبة عن نبيها في إبلاغ دعوته إلى العالم التي تحمل الهداية والطهر والسعادة والكمال للبشر أجمع. ٢-أن النفير والتعبئة العامة يقوم بها إمام المسلمين عندما تدعو الحاجة إلى ذلك لهذه الآية الكريمة في هذا النداء العظيم. ٣-الجهاد وهو من أفضل الأعمال يكون فرض عين ويكون فرض كفاية وفرض العين يكون في ثلاثة أحوال. أ-أن يعلن الإمام التعبئة العامة والنفير العام كما في هذه الآية التي تضمنها النداء. ب-أن يعين الإمام من شاء من المؤمنين، فيجب على من عينه أن يخرج للجهاد. جـ-أن يداهم العدو أهل ثغر أو بلد على الحدود فعلى كل ذكر بالغ عاقل أن يدافع ويقاتل حتى يقهر العدو أو يصل المدد من إمام المسلمين وحكومته...

стр. 142

٤-أن يكون الجهاد وهو بذل الجهد والطاقة البدنية والفعلية والمالية في سبيل الله أي من أجل رضا الله تعالى، وطاعة رسوله وأميره، فلا يكون من أجل سلطة أو مال، أو جاه أو سمعة. ٥-بيان حقارة الدنيا وتفاهتها وضآلتها أمام الآخرة دار النعيم المقيم والسعادة الأبدية الخالدة لقوله تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ وقول الرسول ﷺ في رواية مسلم: " ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم فلينظر بما ترجع؟ " والإصبع التي أشار بها هي السبابة. ٦-وجوب نصرة رسول الله ﷺ في دينه وفى أمته وسنته. ألا فلنتدبر ونتأمل ما حواه هذا النداء الإلهي الكريم ولنعمل في صدق على إبلاغه بعد العمل به. والحسنة بألف حسنة لقول الرسول ﷺ : " إن الله يجزى الحسنة بألفي حسنة" أما حسنة الجهاد فهي بألف ألف أي بمليون حسنة والله يضاعف لمن يشاء". سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

стр. 143

النداء الرابع الخمسون: في الأمر بتقوى الله والصدق في النية والقول والعمل الآية (١١٩) من سورة التوبة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ . الشرح: اذكر أيها القارئ ما قد سبق أن عرفته وهو أن المؤمنين أحياء، لذا يناديهم ربهم ليكلفهم لقدرتهم على السماع والقول والعمل والترك بخلاف الكافرين فهم يكفرهم أموات غير أحياء وما يشعرون، والدليل أنهم إذا دعوا إلى العمل أو الترك لا يجيبون، وإذا ذكروا لا يذكرون وإذا نودوا لا يسمعون بخلاف المؤمنين لكمال حياتهم فإنهم إذا ناداهم أجابوا، وإذا أمرهم فعلوا، وإن نهاهم تركوا وانتهوا. واعلم أيها القارئ والمستمع أن هذا النداء الإلهي يحمل أمرين عظيمين. الأول: الأمر بتقوى الله ، وهى كما عرفت إن كنت تذكر طاعة الله تعالى وطاعة رسوله في كل ما أمرا به أو نهيا عنه، إذ الله تعالى لا يتقى عذابه ولا غضبه ولا عقابه بأية وقاية إلا بالطاعة له والتسليم لحكمه والرضا بقضائه وقدره. والمؤمن العارف يسره أمر ربه تعالى له ولغيره بالتقوى لعلمه أن ولاية الله تعالى وهى أشرف هدف وأسمى غاية وأعز مطلب، لا تتحقق للمؤمن إلا بالتقوى؛ لأن التقوى تزكى النفس وذلك بفعل الأوامر وترك النواهي، فإذا زكت نفس العبد رضيه الله وليا وأحبه وتولاه. واعلم أيها القارئ أن التقوى لا تتحقق لطالبها إلا بالعلم بمحاب الله تعالى ومكارهه. وبكيفية أداء المحبوبات لتنتج له زكاة نفسه وطهارتها، لذا كان طلب العلم فريضة الله على كل مؤمن ومؤمنة في هذه الحياة. والأمر الثاني: هو الكون مع الصادقين إذ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ أي لا تفارقونهم في أي حال من أحوالهم فلتكن نياتكم كنياتهم وأقوالكم كأقوالهم، وأعمالكم كأعمالهم، وآمالكم كآمالهم لتكونوا في الآخرة معهم. واسمعوا قول الرسول ﷺ في هذا، إذ قال:

стр. 144

"عليكم بالصدق فإن الصدق يهدى إلى البر والبر يهدى إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا ". فإذا كتب صديقا أصبح من أمثال أبى بكر الصديق رضى الله عنه إذ لقبه الرسول ﷺ بالصديق، والقرآن أشار إليه في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ . فالذي جاء بالصدق هو الرسول ﷺ ، والذي صدق به هو أبى بكر الصديق رضى الله عنه. وهناك سبيل أخر للكون مع الصديقين وهو طاعة الله ورسوله في الظاهر والباطن، في السر والعلن، في العسر واليسر؛ إذ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً﴾ . وإليك ما سبق هذا النداء الكريم لتعرف قيمة الصدق وحقيقته وتعمل على أن يكون وصفا لك بين الناس. إنه لما دعا رسول الله ﷺ إلى التعبئة لقتال الروم الذين عزموا على غزو المؤمنين في المدينة النبوية، جاء المنافقون يعتذرون بأعذار واهية وكاذبة وكذلك ضعاف الإيمان؛ لأن الغزوة كانت في عام قحط وجوع وحر شديد. وتخلف من تخلف بدون استئذان من القائد الأعظم ﷺ . ولما رجع رسول الله ﷺ والمؤمنون من تبوك إذ العدو لما بلغه خروج الرسول ﷺ لقتاله جبن وخاف وعدل عن الغزو الذي عزم عليه وصدق رسول الله ﷺ إذ قال: " نصرت بالرعب مسيرة شهر ". فلما عاد الرسول ﷺ والمؤمنون جاء بعض الناس يعتذرون عن تخلفهم فاعتذروا وقبل عذرهم، وتخلف ثلاثة وهم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع أن يعتذروا كما أعتذر غيرهم بأعذار واهية، فأعلن الرسول ﷺ عن هجرانهم ومقاطعتهم واستمرت مقاطعتهم من الرسول ﷺ وكافة أهل المدينة حتى أزواجهم وأولادهم وبعد مرور خمسين يوما، ولما صبروا صادقين أنزل الله توبتهم في قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ . فدلت الآيات على أن الله نجا الثلاثة الذين خلفوا وتاب الله عليهم بصدقهم، فلذا دعا عباده المؤمنين إلى الصدق لما فيه الخير والبركة والفوز بالنجاة من النار ودخول الجنة دار الأبرار. اللهم اجعلنا من عبادك الصادقين. وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

стр. 145

النداء الخامس الخمسون: في وجوب قتال الكفار لإدخالهم في الإسلام ليكملوا ويسعدوا الآية (١٢٣) من سورة التوبة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ . الشرح: اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا النداء الإلهي فيه إشارة إلى قرب وفاة الرسول الحبيب ﷺ ، إذ كان الله تعالى يأمره بالجهاد وأتباعه معه نحو ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ﴾ . وقطعا إن أصحابه معه في الجهاد. إلا في هذا النداء فإنه وجهه تعالى للمؤمنين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ . إنه لما طهرت الجزيرة من الشرك وأصبحت دار سلام، وتم هذا في أخريات حياة النبي ﷺ أمر تعالى المؤمنين بأن يواصلوا الجهاد في سبيله بعد وفاة نبيهم ﷺ وأرشدهم إلى الطريقة التي يجب أن يتبعوها في ذلك وهى أن يبدأوا بدعوة وقتال أقرب الكفار منهم والمراد بالكفار المتاخمين لحدودهم كالأردن والشام والعراف مثلا. فيعسكرون على مقربة منهم ويدعونهم إلى خصلة من ثلاث: الأولى: الدخول في الإسلام دين الرحمة والعدل والطهر والصفا والعزة والكرامة فإن أبوا. فالثانية: وهى قبولهم حماية المسلمين لهم بأن يدخل المسلمون بلادهم يطبقون فيها شرع الله ويحمونه مقابل ضريبة جزئية وهى الجزية التي تضرب على الرجال فقط وتسقط عن العجزة من كبار السن والأطفال والنساء، وبذلك يرى أهل البلاد رحمة الإسلام ونوره وعدله وطهره فيدخلوا فيه بطواعية واختيار بلا إلزام ولا إكراه، فإن أبوا.

стр. 146

فالثالثة: وهى قتالهم حتى يهزموا وتدخل خيل الإسلام بلادهم عنوة وتصبح من مال الإسلام والمسلمين إذ يصبح مال تلك البلاد خراجا، وتصبح تلك البلاد ضمن بلاد المسلمين ثم يعسكرون على حدود البلاد المجاورة، ويعملون ما عملوا مع الحدود الأولى وهكذا حتى يكون الدين كله لله، ولا يبقى من لا دين لله بالإسلام امتثالا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ...﴾ الآية وقوله تعالى: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ أي قوة بأس وشدة مراس ليرهبوكم وليهزموا أمامكم وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ أي بنصره وتأييده، والمتقون هم الذين اتقوا الشرك والمعاصي، والخروج عن السنن الإلهية في النصر والهزيمة. وفعلا امتثل أمر الله تعالى المؤمنون من أصحاب رسول الله ﷺ بعد وفاة نبيهم ﷺ ما إن انتهت حرب الردة في أطراف الجزيرة حتى قام أبو بكر رضى الله عنه خليفة رسول الله ﷺ بتجهيز الجيوش الإسلامية إلى الروم عبدة الصليب وإلى الفرس عبدة النار، ففتح الله تعالى عليه ببركة خلافته لرسوله ﷺ ، وتوفى أبو بكر رضى الله عنه، وتولى أمر المسلمين عمر بن الخطاب رضى الله عنه وواصل الجهاد فاستولى على ممالك في الشرق والغرب، واستشهد عمر رضى الله عنه في محراب رسول الله إذ قتله أبو لؤلؤة المجوسي انتقاما منه لكسره عرش كسرى، وتولى أمر المسلمين خليفته عثمان ذو النورين رضى الله عنه وأرضاه فواصل الزحف والجهاد تنفيذا لأمر الله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ فاتسعت البلاد الإسلامية شرقا وغربا ودخلت ممالك كبيرة وعديدة في دين الله. واستمر الجهاد والفتح وحدود البلاد الإسلامية تتسع شرقا وغربا طيلة ثلاثة قرون وهى القرون التي قال فيها رسول الله ﷺ : " خيركم قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ". وما أن انتهت القرون الذهبية حتى كاد العدو المؤلف من ثلاثة أعداء وهم المجوس واليهود والنصارى حتى أصبح يعرف بالثالوث، كاد أمة الإسلام بالمكر والدس ففرق كلمتها وشتت جيوشها ورجالها ومزق بلادها، وأخذت تتراجع الحدود حتى ضاقت، ووقف المد والجزر والأمر لله من قبل ومن بعد، واليوم البشرية تتطلع إلى الإسلام لينقذها من عللها وأمراضها وظلمتها وشرورها ومفاسدها، فعسى الله تعالى أن يتوب على المؤمنين فتجتمع كلمتهم ودولتهم فينهضون بهذا الواجب: قتال من يلي حدود البلاد الإسلامية

стр. 147

حتى يدخل في الإسلام وهكذا... حتى يتم وعد الله في قوله على لسان رسوله ﷺ " ليتمن الله هذا الأمر حتى ما يبقى بيت مدر ولا وبر إلا يدخله الإسلام بعز عزيز أو ذل ذليل " وأخيرا فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على المعلومات الآتية: ١-وجوب الجهاد واستمراره على أمة الإسلام حتى لا تبقى فتنة أو اضطهاد لمؤمن، ويكون الدين كله لله. ٢-مشروعية البدء في الجهاد بأقرب الكفار إلى بلاد المسلمين من باب (الأقربون أولى بالمعروف) . ٣-وعد الله تعالى بالنصر والتأييد لأهل التقوى العامة والخاصة باق لا يتبدل ولا يتغير. ٤-أمة الإسلام آثمة إذا لم تحقق هذا الواجب وهو قتال من يلي بلادها حتى يعم الإسلام ديار العالم كافة، ولا يعفى من الإثم إلا أهل الأعذار في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ﴾ والنساء والأطفال والمجانين، كل بحسب حاله قوة وضعفا. والله نسأل أن يعفو ويغفر، فإنه عفو غفور. وسلام على المرسلين والخمد لله رب العالمين.

стр. 148

النداء السادس الخمسون: في الأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والجهاد ولزوم الإسلام والاعتصام به الآيتان (٧٧ _ ٧٨) من سورة الحج أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ . الشرح: إنه بعد تقرير العقيدة بأقسامها الثلاثة وهى التوحيد والنبوة والبعث الآخر والجزاء فيه نادى الله ﵎ عباده المؤمنين بعنوان الإيمان الدال على كمال الحياة الروحية، وقوة الإرادة العملية ناداهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي يا من آمنتم بالله ربا وإلها لا رب غيره ولا إله سواه، وآمنتم بمحمد نبيه ورسوله، وامنتم بلقائه وما أعد لأوليائه وما لديه لأعدائه. ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ أي لربكم وحده فأطيعوه فيما يأمركم به وفيما ينهاكم عنه ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ وهو كل ما انتدبهم ربهم إليه ورغبهم فيه من أنواع البر وضروب العبادات ليتأهبوا بذلك للفلاح الذي هو الفوز بالجنة بعد النجاة من النار الدال عليه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . وخص من الصلاة الركوع والسجود من بين أركانها لأنهما أشرف أجزائها وأدلها على خضوع العبد لربه وذلته له كان هذا ما دلت عليه الآية الأولى. أما الآية الثانية وهو قوله تعالى لهم ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ . فإنه آمرهم بأمر عظيم إذ الأمر الأول في تأثيره في أرواحهم بالتطهير والصفاء أكثر من

стр. 149

تأثيره في أبدانهم وأما هذا الأمر فإنه ذو تأثير أعظم في الأرواح والأبدان معا، إنه جهاد أعدائه تعالى وأعدائهم، وهم الكافرون والمشركون والمنافقون، وهذا يتطلب بذل الأموال والأرواح كما هو جهاد الشيطان الذي لا يبرح يزين الشر، ويقبح الخير، يدعو إلى الخبث ويصرف عن الطهر حتى يهبط بالعبد إلى أسوأ الدركات في الخبث والشر والفساد، كما هو جهاد النفس المارة بالسوء، اللوامة عن فعله بعد أن نخضع العبد لفعله وهذا في مرحلة جهادها إلى أن تنهزم وتقهر فحينئذ تطيب وتطهر وتصبح المطمئنة التي لا ترتاح ولا تسعد إلا على ذكر الله تعالى وشكره بأنواع العبادات والقربات. وقوله تعالى: ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾ إنه بذل الطاقة البدنية والعقلية واستفراغ الجهد كاملا نفسا ومالا ودعوة في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى وحده، دل على هذا قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ﴾ أي في سبيل إعلاء كلمته ونصرة أوليائه، على أنفسهم الأمارة بالسوء وعلى الشيطان المزين للباطل المقبح للحق، وعلى أعدائهم وهم الكفار والفجار الذين لا يريدون أن يعبد الله وحده، ولا أن يعز ويطهر أولياؤه. ولما كانت طاقة العبد محدودة ذكر أولياءه بأنه لا يكلفهم ما يوقعهم في الحرج الذي هو الضيق الذي لا يقدر العبد على اجتيازه ولا الخروج منه، ومن مظاهر رفع الحرج أنه تعالى١ فتح لهم باب التوبة من أذنب منهم ذنبا فليتركه نادما على فعله مستغفرا ربه فإنه يقبل ولا يرد. ومن رفع الحرج رخص للمريض والمسافر في الإفطار حال مرضهما أو سفرهما، ورخص للمريض أن يصلى قاعدا أو على جنب أو مستلقيا على حسب قدرته. ورخص للمريض والأعمى والأعرج في عدم الخروج إلى الجهاد في حال التعبئة العامة ورخص لمن لم يجد الماء أو عجز عن استعماله أن يترك الغسل والوضوء ويتيمم بالتراب ويصلى هذه جملة من رفع الحرج على أولياء الله المؤمنين. وقوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ . حث منه تعالى لعباده المؤمنين على أن يلزموا ملة أبيهم إبراهيم ﵇، إذ هو أبو إسماعيل وإسماعيل هو أبو العرب المستعربة الذين منهم سيد الأنبياء محمد ﷺ حظهم وحثهم على لزوم عبادة الله تعالى وحده بنا شرع، وترك الشرك والبدع. بقوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي ألزموها ولا تخرجوا عنها فتتركوها وتستبدلوا بها غيرها فإنها هي مناط عزكم وشرفكم، ومدار سعادتكم في الدنيا والآخرة. وذكرهم بشرف آخر أضفاه عليهم وهو

стр. 150

أنه سماهم المسلمين في الكتب الأولى في القرآن الكريم، إذ قال لهم: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ . وعلة هذه التسمية المشرفة الرافعة للقدر والجاه والمنصب. ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ﴾ لأنه أول من أسلم منكم فهو يغرف الإسلام وأهله لذا إذا إستشهده الرب ﵎ شهد عليكم. وإذا إستشهدكم أنتم شهدتم على الناس على من أسلم منهم فلبه ووجهه لله فعبده وحده ومن لم يسلم ذلك لله فعبد غير الله تعالى فأشرك وكفر وزاغ وضل وابتدع فضل سواء السبيل وآخر ما ناداهم من أجله ودعاهم إليه هو أن يقيموا الصلاة كما ينبغي أن تقام وما نقام به الصلاة هو: ١-الطهارة الكاملة برفع الحدث بالوضوء إن كان أصغر، وبالغسل إن كان أكبر، وطهارة البدن والثوب والمكان الذي يصلى فيه العبد من النجاسات كالبول والعذرة والدم. ٢-أن تؤدى في أوقاتها المعلومة، فلا تقدم ولا تؤخر إلا لعلة سفر أو مرض. ٣-أن تؤدى في جماعة المؤمنين. لا انفراديا إلا في ضرورة قصوى. ٤-الإتيان بأركانها وهى قراءة الفاتحة في كل ركعة، والطمأنينة شفى الركوع والرفع منه وفى السجود والجلوس مع اعتدال الأعضاء في ذلك كله١. ٥-مراعاة سننها وآدابها. حتى تصبح قادرة على إنتاج الطهر والصفا للروح. هذا معنى إقام الصلاة وأن يؤتوا الزكاة ويعتصموا بالله، بمعنى يتمسكوا بدينه الإسلام وما حواه من الشرائع والأحكام وآداب وأخلاق، إذ هو مولاهم والمولى يجب أن يحب ويعظم ويطاع، فهو حينئذ نعم المولى لهم ونعم النصير، لأنهم أحبوه وعظموه وأطاعوه. (تنبيه) القارئ لهذا النداء ولما سبقه من آيات إذا كان متطهرا إذا قال ﴿لعلكم تفلحون﴾ خر ساجدا مسبحا، ثم يرفع رأسه مكبرا ويواصل قراءته لما بقى من الآيات. إذ هذه سجده من سجدات القرآن، إلا أن هذه السجده مختلف في مشروعيتها ولم يجمع عليها كما أجمعوا على سجدة الأعراف. والرعد ومريم وأولى الحج، والفرقان، والنمل، والسجدة وفصلت، والنجم، والانشقاق، والعلق، واختلف أيضا في سجدة ص، والنجم. فلنذكر هذا والله المسؤول أن يبلغنا المأمول في رضاه والنزول بجواره في دار السلام. وسلام على المرسلين والخمد لله رب العالمين.

стр. 151

النداء السابع والخمسون: في النهى عن اتباع خطوات الشيطان وبيان حال المتبع لها. وامتنان الله تعالى على المؤمنين بوقايتهم من الشيطان . الآية (٢١) من سورة النور أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . الشرح: اعلم أيها القارئ الكريم والمستمع المستفيد أن الله تعالى ما ينادى عباده المؤمنين به وبلقائه المصدقين بوعده ووعيده، الراغبين في فضله وإنعامه، الراجين رحمته وإحسانه، ما يناديهم إلا لما يعدهم لذلك ويقربهم منه، ويحققه لهم فها هو ذا يناديهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ﴾ ، لينهاهم عن اتباع خطوات الشيطان فيقول: ﴿لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ فإنه عدو لكم فكيف تمشون وراءه وتتبعونه فيما يزين لكم من قبيح المعاصي، وسيئ الأقوال والأفعال، ويعلل لذلك النهى فيقول، ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ أي إن من يتبع خطوات الشيطان لا يلبث أن يصبح شيطانا يأمر بالفحشاء والمنكر، ألا ففاصلوا هذا العدو وقاطعوه، واتركوا المشي والجري وراءه فإنه لا يأمر بخير قط، إذا فحذروا وساوسه وقاموا نزغاته بالاستعاذة بالله السميع العليم فإنه لا ينجيكم منه إلا هو . فمن زين له سوءا أو قبح له حسنا، أو نزغه ليحركه وراء شهوة باطلة فليفزع إلى الله قائلا: ﴿أعوذ بالله السميع العليم

стр. 152

من الشيطان الرجيم﴾ ، وليواصل ذلك حتى يفر منه ويهرب من ساحته. كان هذا في بيان النهى عن اتباع خطوات الشيطان، وبيان حال المتبع له والعياذ بالله. أما ما تضمنه هذا النداء في امتنان الرب ﵎ على عباده المؤمنين بوقايتهم من الشيطان، وقد قال تعالى فيه بقوله الحق: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ أي إنه لولا فضل الله عليكم أيها المؤمنون الصادقون ورحمته بكم وحفظه لكم بدفع الشيطان عنكم، ما كان ليطهر منكم أحد، وذلك لضعف الإنسان واستعداده الفطري للاستجابة لعدوه وعدو أبيه من قبل، وهو الشيطان عليه لعائن الرحمن إذا فعلى الذين شعروا بكمالهم؛ لأنهم نجوا مما وقع فيه غيرهم من الإثم يستغفروا لإخوانهم الذين تورطوا وان يقللوا من لومهم وعتابهم فإنه لولا فضله تعالى عليهم ورحمته بهم لوقعوا فيما وقع فيه إخوانهم. ألا فليحمدوا الله الذي نجاهم مما وقع فيه إخوانهم. وليتطامنوا تواضعا لله وشكرا له. إن هذه الآيات نزلت في حادثة الإفك التي تولى كبرها رئيس المنافقين ابن أبى عليه لعائن الله. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ، وعليه فيلجأ إليه المؤمنين طالبين تزكية نفوسهم منه ؛ إذ هو الذي يزكى من يشاء، إلا أنه حسب سنته في خلقه لا يزكى إلا من طلب ذلك منه، فمن طلب في صدق زكاة نفسه، فإن الله تعالى لا يخيبه ويزكى نفسه، ومادام تعالى سميعا لأقوال عباده عليما بنيانهم وأفعالهم فليفزع إليه المؤمن الراغب في زكاة نفسه. فليذكره، وليشكره، بفعل الصالحات، والبعد عن الطالحات من الذنوب والآثام، وبذلك يصبح أهلا لزكاة نفسه فتزكو نفسه وتطيب، والفضل لله والمنة لله ، إذ لولاه ما زكى ممن تورطوا في حادثة الإفك، وممن سلم منها ولم يشارك فيها من أولئك الأصحاب رضوان الله تعالى عليهم، ومن عجيب أحداث الكون أن الروافض جلهم متورطون في تلك الفتنة إلى اليوم؛ إذ هم مصرون على اتهام أم المؤمنين بها، وقد برأها الله في كتابه وبشرها بالجنة بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ مع العلم أن من يكذب الله يكفر كفرا يخرجه من الإسلام فسبحان الله كيف يرضى المؤمن بالكفر، ولا لشيء سوى التقليد العمى لأئمته واتباع هواه. والعياذ بالله. وأخيرا إليك أيها القارئ خلاصة طيبة نفعك الله وإياي بها آمين وهى:

стр. 153

١-حرمة اتباع الشيطان فيما يزينه من الفحشاء والمنكر والباطل والسوء. ٢-متابعة الشيطان والجرى وراءه في كل ما يدعو إليه يؤدى بالعبد إلى أن يصبح شيطانا يأمر بالفحشاء والمنكر. ٣-على كل من حفظه الله من الوقوع في الفواحش والمنكر والسوء والباطل في الاعتقاد والقول والعمل؟ عليه أن يشكر الله تعالى، وأن يتواضع ويتطامن، ولا يلغ في أعراض المتورطين، وليكف لسانه عنهم ويدعوا لهم بالهداية إلى طريق تطهير أنفسهم وتزكيتها، ويبين لهم ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة. والجزاء على الله إذ هو رب العالمين ومالك يوم الدين. وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

стр. 154

النداء الثامن والخمسون: في وجوب الاستئذان على من يراد الدخول عليه في بيته، وعدم مشروعية الاستئذان على بيت غير مسكون للعبد حاجة فيه الآيتان (٢٧ _ ٢٩) من سورة النور أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُون﴾ . الشرح: إنه نظرا إلى خطر الرمي بالفاحشة، وخطر فعلها وحرمة ذلك بين المؤمنين شرع الله تعالى الاستئذان عند دخول البيوت فنادى عباده المؤمنين قائلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ﴾ أي يا من آمنتم بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا، ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ والاستئناس هو الاستئذان، لأن الاستئذان لا يكون إلا من إنسان، ولا يكون من حيوان محال فلذا أطلق الاستئناس وأريد به الاستئذان، وكفيته أن يقف المرء إلى جانب باب المنزل عن يمينه أو عن شماله ويقول: " السلام عليكم أأدخل " ثلاث مرات فإن أذن له في الدخول دخل وإلا انصرف راضيا غير ساخط ولا غاضب. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُم

стр. 155

خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي الاستئذان والسلام على أهل البيت قبل الدخول خير للمستأذن ولأهل البيت الذين يريد أن يدخل عليهم؛ إذ علة وجوب الاستئذان هي أن لا يطلع المرء على عورة أخيه، وناظر العورة يتأذى كما يتأذى صاحب العورة سواء بسواء فلذا كان الاستئذان خيرا للجانبين وهو ما أراده الله تعالى بقوله ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي تذكرون أنكم مؤمنون، وأن الله تعالى أمركم بالاستئذان حتى لا يحصل لكم ما يضركم، فتبقى لكم طهارة نفوسكم وسمو أرواحكم، وإن استأذن المرء ولم يجد في البيت أحدا فلا يدخل حتى يوجد من يأذن له بالدخول أو عدمه. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا﴾ ، وإن وجد في البيت أحد، وقال للمستأذن: ارجع فإن عليه أن يرجع ولا يسأل لماذا لم يأذن له بالدخول. لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ ، لأنه ما أمر صاحب البيت بالرجوع إلا لأمر اقتضى ذلك. وفى الرجوع خير من الدخول بدوم إذن صاحب البيت، ولذا قال تعالى: ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ أي أطهر لنفوسكم وأكثر عائدة عليكم بالخير ومن مظاهر ذلك أن تبقى الألفة والمحبة بينكم. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ . أي مطلع على أحوالكم وأعمالكم فتشريعه لكم الاستئذان واقع موقعه. وعليه فأطيعوه فيه وفى غيره تكملوا وتسعدوا وقوله تعالى في الآية الثالثة في هذا النداء ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ ، هذه رخصة منه لعباده المؤمنين وهى أن لا يستأذنوا إذا أرادوا دخول بيوت غير مسكونه أي ليس فيها نساء من زوجات وسريات وغيرهن من النساء ممن يحرم النظر إليهن، وذلك كالدكاكين والفنادق والأسواق، وما إلى ذلك فللمؤمن أن يدخل لقضاء حاجة المعبر عنها بالمتاع بدون استئذان لأنها مفتوحة للعموم من أصحاب الأغراض والحاجات من عامة الناس. هذا في الاستئذان، أما السلام فهي سنة في حق كل مؤمن يدخل أو يمر على مؤمن إذ يسلم الراكب على الماشي والواقف على القاعد والكبير على الصغير. فمن دخل دكانا أو نزلا مطعما من السنة أن يسلم قائلا السلام عليكم ويرد عليه من سلم عليه قائلا وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته هذا النداء الموجب للمؤالفة والمحبة بين

стр. 156

المؤمنين والمحقق للطهر والمحافظة عليه ختمه تعالى بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُون﴾ أي ما تظهرون وما تخفون من نياتكم وأقوالكم وأفعالكم وأحوالكم إذا فراقبوه تعالى فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه فافعلوا المأمور واتركوا المنهي تكملوا في آدابكم وأخلاقكم وتسعدوا في حياتكم. وفى آخرتكم. هذا وإليك أيها القارئ الكريم والمستمع المستفيد معلومات إضافية فاذكرها فإنها خير لك وهى: ١-اذكر أن سبب هذا النداء هو أن امرأة من الأنصار قالت يا رسول الله إنى أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد، لا والد، ولا ولد فيأتي الأب فيدخل على فإنه لا يزال يدخل على رجل من أهلي على تلك الحال فكيف أصنع؟ فأنزل الله هذه الآية. وقال أبو بكر يا رسول الله أرأيت الخانات والمساكن في شرق الشام ليس فيها مساكن؟ فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ ... ﴾ . ٢-إذا أستأذن أحد فقال له صاحب البيت من أنت؟ فلا يقل أنا، وإنما يذكر اسمه أو كنيته. إذ استؤذن على رسول الله ﷺ فقال للمستأذن من هذا؟ فقال: أنا، فقال١: أنا أنا كأنه كره ذلك. ٣-من آداب الاستئذان أن يقف المستأذن بجانب الباب فلا يعترضه وأن يرفع صوته بقدر الحاجة وأن يقرع الباب قرعا خفيفا، وأن يقول السلام عليكم أأدخل ثلاث مرات فإن أذن له وإلا رجع. ٤-اعلم أن في كل طاعة لله ورسوله خير وبركة وإن كانت كلمة طيبة. وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

стр. 157

النداء التاسع والخمسون: في مشروعية استئذان الخدم والأطفال على أهل البيت ثلاثة أوقات. ووجوب استئذان الطفل إذا بلغ الحلم الآيتان (٥٨ _ ٥٩) من سورة النور أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ . الشرح: اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا النداء وإن كان لنزوله سبب ككثير من الآيات والنداءات إلا أن الحكم عام يشمل كل مؤمن ومؤمنة ما بقى الإسلام والمسلمون، وذلك إلى أخر أيام هذه الحياة الدنيا، واسمع أقص عليك سبب نزول هذا النداء وهو أن النبي ﷺ بعث غلاما من الأنصار يقال له مدلج إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه يدعوه له فوجده نائما في وقت الظهيرة فدق الباب ودخل فاستيقظ عمر فانكشف منه شئ _ أي عن عورته _. فقال عمر عندها: وددت أن الله تعالى نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا أن لا يدخلوا علينا فى هذه الساعة إلا بإذن، ثم انطلق إلى رسول الله ﷺ , فوجد هذه الآية نزلت فخر ساجدا شكرا لله تعالى. وليست هذه أول موافقة عمر لربه تعالى فيما ينزل

стр. 158

من أحكام إذ منها نزول آية الحجاب، والصلاة خلف المقام ١إلى غير هذا فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إي يا من آمنتم بالله ولقائه وكتابه ورسوله ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ ، ومعنى هذا الأمر أن عليكم أيها المؤمنون أن تعلموا أطفالكم وخدمكم الاستئذان عليكم في ثلاث أوقات وأمروهم بذلك. والأوقات الثلاث هي التي في قوله تعالى: ﴿ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ﴾ وهى ساعات النوم من الليل، ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ وهى ساعات القيلولة، ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ وهى بداية النوم في الليل. وقوله تعالى: ﴿ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ أي هي مظنة انكشاف العورة فيها فأطلق عليها اسم العورة، والعورة هي ما يستحى من كشفه. وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ أي ليس عليكم أيها الأباء والسادة، ولا عليهم يريد الأبناء الصغار والخدم جناح أي إثم وحرج وتضييق. وقوله تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي يدخلون ويخرجون عليكم للحاجة إليكم وللخدمة لكم فبعضكم يدخل على بعض حيث لا غنى لكم عن بعضكم بعضا فلذا رفع الله تعالى عليكم الحرج في الخول بدون استئذان في غير الأوقات الثلاثة التي لابد من الاستئذان فيها. وقوله تعالى في ختام الآية الأولى من هذا النداء: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ أي كهذا التبيين، الذي يبين لكم فيه حكم الاستئذان، يبين الله لكم الآيات المتضمنة للشرائع والأحكام والآداب إذ هو تعالى عليم بخلقه وما يحتاجون إليه في إكمالهم وإسعادهم حكيم فيما يشرع لهم ويفرض عليهم. وهذا ما دل عليه قوله في ختام الآية ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وحقا هو عليم حكيم سبحانه لا إله إلا هو ولا رب سواه. أما الآية الثانية في هذا النداء وهى قوله تعالى: ﴿َإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ أي سن الاحتلام وهى في الذكور تجاوز الخامسة عشر من العمر، أو إنبات الشعر؛ شعر العانة، أو الاحتلام بأن يفرز الغلام المنى في نومه لرؤية يراها. واما البنت فبالحيض وإنبات شعر العانة أو بلوغ الخامسة عشر من عمرها، والغالب أن البنت تبلغ سن الاحتلام في الثانية عشر فما فوق، كما أن الذكر قد يتأخر بلوغه إلى الثامنة عشرة

стр. 159

من عمره، فإذا بلغ الأطفال سن الاحتلام وجب عليهم أن يستأذنوا عند الدخول إلى بيت غير بيتهم بأن يقول أحدهم إذا أراد الدخول على بيت أحد " السلام عليكم أأدخل" ثلاث مرات كما جاء ذلك في نداء الاستئذان قبل هذا النداء من هذه السورة (النور) لذا قال تعالى: ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وهم الرجال مثل آبائهم وإخوانهم وأعمامهم. وقوله تعالى في ختام هذه الآية: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ﴾ أي لهذا التبيين الذي بينه في آداب الدخول يبين لكم آياته الحاملة للشرائع والأحكام من أجل طهارتكم وأمنكم وسعادتكم. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أي بخلقه وما يصلح لهم ﴿حَكِيمٌ﴾ في شرعه وهذه حال توجب طاعته تعالى فيما شرع فغلا أو تركا. وأخيرا أذكر أيها القارئ الكريم ما دل عليه هذا النداء الكريم وهو ما يلي: ١-وجوب تعليم الآباء لأبنائهم وخدمهم الاستئذان في الأوقات الثلاثة المعبر عنها بالعورات؛ لأنها من مظنة انكشاف العورات. ٢-وجوب استئذان الأولاد إذا بلغوا الحلم. عند الدخول إلى غير بيوتهم؛ لأنهم كلفوا بالبلوغ. ٣-اذكر علامات البلوغ واحفظها وعلمها؛ إذ كثير من النساء والرجال لا يعرفون ذلك. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

стр. 160

النداء الستون: وجوب ذكر النعم وشكرها وبيان موجب الذكر والشكر لله تعالى الآيات (٩ _ ١٠ _ ١١) من سورة الأحزاب أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ . الشرح: اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا النداء الإلهي وإن وجه ابتداء إلى المؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ ليذكرهم بنعمة عظمى ليشكروا الله تعالى بذكره وشكره، وذلك بطاعته ، وطاعة رسوله في العسر واليسر والمنشط والمكره، إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأمر آخر: وهو أن نجاة رسول الله ﷺ وأصحابه مما دبر لهم للقضاء عليهم هي نعمة الله تعالى على كل مؤمن ومؤمنة في هذه الحياة، إذ لو هلكوا في حرب الأحزاب ما بلغنا إسلام ولا عرفنا ربنا ولا ذكرناه ولا شكرناه، فالحمد لله على إنعامه وإفضاله حيث رد المتآمرين على رسول الله وأصحابه ردهم خائبين خاسرين. ونجا رسوله والمؤمنون. وإليك بيان هذه الآيات الثلاث التي حواها هذا النداء الإلهي العظيم: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي يا من آمنتم بالله ربا وإلها وبمحمد نبيا ورسولا وبالإسلام دينا وشرعا ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ، المتمثلة في دفع أكبر خطر قد حاق بكم وهو اجتماع جيوش عدة على غزوكم في عقر داركم وهم جيوش قريش وأسد وغطفان وبنو قريظة من اليهود ألبهم

стр. 161

عليكم وحزب أحزابهم حيي بن أخطب النضرى اليهودي يريد الانتقام منكم؛ إذ أجليتموه عن المدينة وأخرجتموه منها فالتحقوا ١ بخيبر وتيماء. وقوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ هي جنود المتحزبين من المشركين من قريش وأسد وغطفان، وقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا﴾ . وذلك بعد حصار في سفح جبل سلع الجبل وراءهم والخندق أمامهم مدة خمسة وعشرين يوما؛ أرسل الله عليهم ريح الصبا ففعلت بهم العجب حيث أطفأت نيران وقودهم وطبخ طعامهم، وأكفأت قدور طعامهم واقتلعت خيامهم حتى اضطروا إلى الرحيل والهرب، وأرسل تعالى عليهم جنود من الملائكة فأصابتهم بالفزع والرعب الأمر الذي أفقدهم كل رشدهم وصوابهم فرجعوا يجرون أذيال الخيبة المريرة، والحمد لله. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ أي بكل أعمالكم أيها المؤمنون. وذلك كحفر الخندق والمشادات والمناورات التي كانت بينكم وبين عدوكم، وما قاله المنافقون وفاهوا به من أسوأ الأقوال وأقبحها. كل ذلك لم يغيب عنه تعالى منه شئ، وسيجزى به المحسن والمسيء بالإساءة. وقوله تعالى في الآية الثانية من آيات هذا النداء ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ أي من الشرق وهم غطفان وأسد بقيادة عيينة بن حصن. قوله: ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ ، وهم قريش وكنانة أي من الجنوب الغربي، وهذا تحديد لساحة المعركة وسبحان الله العليم الخبير وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ﴾ أي مالت عن كل شئ فلم تبق تنظر إلا إلى القوات الغازية وذلك من شدة الخوف. وقوله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ أي ارتفعت بارتفاع الرئتين فبلغت منتهى الحلقوم، وذلك من شدة الفزع والخوف قد يكون هذا من بعض المؤمنين لا من كلهم وهو كذلك وقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ أي المختلفة من نصر وهزيمة وسلامة وعطب. وهذا منه تعالى تصوير للحال أبدع تصوير إذ حالهم كانت هكذا حرفيا فسبحان العليم الخبير. وقوله تعالى في الآية الثالثة من هذا النداء ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي ثم اختبرهم ربهم ليرى الثابت على إيمانه الذي لا تزعزعه الشدائد ولا تحيله الفتن ويرى المهزوز الإيمان، السريع الانهزام والتحول وذلك لضعف عقيدته وقلة عزمه

стр. 162

وصبره. وقوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ أي أزعجوا وحركوا حراكا شديدا لعوامل: قوة العدو وجنوده وضعف المؤمنين وقلة عددهم، وعامل المجاعة والحصار والبرد الشديد، وما أظهره المنافقون من تخاذل، وما كشفت عنه الحيل من نقض بنى قريظة عهدهم، وانضمامهم إلى الأحزاب١. هذا ولنعلم أن التذكير بالنعم وبما يجب من شكر للمنعم على إنعامه مما ينبغى أن لا ينساه المؤمن؛ إذ الذي لا يذكر النعمة لا يشكرها، ولنعلم أن نعم الله تعالى على عباده لا تحصى، إذ كل ما أوتيه العبد من صحة بدن وسلامة وعقل، وسلامة معتقد، وصحة دين، وأن هذه النعم تتطلب الشكر من العبد، ومما يساعد على الشكر ذكر النعمة ومعرفة المنعم والشكر يكون بطاعة المنعم وبالتقرب إليه بمحابه. مع تعظيمه وإجلاله وإكباره. ومن باب شكر الله على نعمه أن يذكر العبد الله تعالى بقلبه ولسانه ويصرف النعم فيما من أجله وهبها الله تعالى للعبد، ومن شكر النعم زاده الله منها أفضل وأكثر، لقوله ﴿نْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ . اللهم لك الحمد ولك الشكر فزدنا ولا تنقصنا- وآثرنا ولا تؤثر علينا. وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

стр. 163

النداء الحادي والستون: في الأمر بذكر الله وتسبيحه بكرة وعشيا وبيان ثواب ذلك من الله الآيات (٤١ – ٤٢ – ٤٣ – ٤٤) من سورة الأحزاب أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً﴾ . الشرح: اعلم أيها القارئ أن هذا النداء الكريم من رب رحيم يوجه إلى المؤمنين الصادقين، وجهه إليهم ربهم ليعلمهم ما يزيد به إيمانهم ونورهم، ويحفظون به من عدوهم وعدو أبيهم، إبليس عليه لعائن الله. ألا إنه ذكر الله تعالى: إذ قال لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ أي لا حد له ولا حصر، إذ هو الطاقة التي تساعد على الحياة الروحية ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ البكرة من طلوع الفجر إلى الضحى، والأصيل من الزوال إلى غروب الشمس، وقد بين الرسول ﷺ أنواع التسبيح منها: سبحان الله وبحمده مائة مرة، وأن من سبح هذا التسبيح بهذا العدد غفر له ما تقدم من ذنبه، إن قالها بعد الصبح أو بعد العصر فاز بهذا الأجر، وهو مغفرة ذنوبه وأعظم به من أجر، ومنها لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير مائة مرة. وذكر ﷺ أن من أتى بهذا الذكر كان كمن أعتق عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة وحطت عنه مائة خطيئة، وظل يومه ذلك كله في حرز من الشيطان، ولم يأت أحد بمثل ما أتى به من الأجر، إلا من قال مثله أو زاد. ومنها التسبيح دبر الصلوات الخمس نحو سبحان الله ثلاثا وثلاثين والحمد لله ثلاثا وثلاثين، والله

стр. 164

أكبر ثلاثا وثلاثين فهذه تسع وتسعون تسبيحة وختام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير. ومما يدل على أفضلية ذكر الله تعالى قول النبي ﷺ : " ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إعطاء الذهب والورق١ وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال: ذكر الله ". وقوله تعالى في الآية الثالثة من آيات هذا النداء ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ أي هو الذي يثنى عليكم بخير بين الملائكة ويرحمكم برحمته الواسعة وقوله ﴿وَمَلائِكَتُهُ﴾ ، أي وملائكته تعالى تصلى عليكم أيضا، وصلاة الملائكة هي الدعاء لكم بخير والاستغفار لكم. كما قال تعالى في حملة العرش أنهم يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا الآية من سورة المؤمنون (غافر) . وقوله تعالى: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي ليخرجكم من ظلمات الكفر والذنوب والمعاصي إلى نور الإيمان والطاعات فصلاته تعالى وصلاة ملائكته هي عامل الإخراج من الظلمات المهلكة إلى النور الهادي إلى النجاة من مهالك الحياة. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ هذا إنعام آخر وفضل زائد على ما تقدم من صلاته وصلاة ملائكته عليهم. وهو انه بالمؤمنين رحيم أي لا يعذبهم ولا يشقيهم. ولا يذلهم في الدنيا ولا يخزيهم. وقوله تعالى في الآية الرابعة من هذا النداء الكريم ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ أي ما يحيون به يوم موتهم ولقاء ربهم هو السلام. فملك الموت لما يأتى لقبض روح المؤمن يسلم عليه، ولا يقبض روحه حتى يسلم عليه. إذ روى عن البراء بن عازب رضى الله عنه في تفسير هذه الآية ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ قال: فيسلم ملك الموت على المؤمن عند قبض روحه، ولا يقبض روحه حتى يسلم عليه، وتحييهم الملائكة في الجنة بالسلام لقوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ . والرحمن ﷻ وعظم سلطانه يسلم عليهم إذ قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ . أي أمان لهم وأمنة من كل خوف

стр. 165

وحزن، إذ أهل الحنة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون لولاية الله تعالى لهم. وقوله تعالى في ختام هذا النداء: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً﴾ ، أي هيأ لهم وأحضر أجرا كريما وهو الجنة دار السلام. فسبحان الله ما أكرمه، وسبحان الله ما أسعد المؤمنين بفضيلة الإيمان، وطاعة الرحمن طلب منهم أن يذكروه كثيرا وأن يسبحوه بكرة وأصيلا، فأعطاهم ما لا يقادر قدره فسبحانه من إله كريم ورب رحيم. هذا واعلم أيها القارئ الكريم والمستمع المستفيد أن لهذا النداء خلاصة نافعة فإليكها: ١-وجوب ذكر الله تعالى بالقلب واللسان ليلا ونهارا وفى كل الأوقات إلا في حال دخول المرحاض لقضاء الحاجة. ٢-بيان فضل المؤمنين المتقين، إذ الرحمن يصلى عليهم وملائكته كذلك. ٣-التذكير بالبعث الآخر وهو معتقد أهل الإيمان إذ قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ , ولقاء الله يكون يوم القيامة كاملا تاما. ٤-بشرى المؤمنين المتقين بالجنة إذ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ اللهم اجعلنا من أهل الإيمان والتقوى والبشرى في الدنيا والآخرة. وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 166

النداء الثاني والستون: في سقوط العدة على المطلقة قبل المسيس، ووجوب المتعة لها إن لم يسم لها مهر الآيات (٤٩) من سورة الأحزاب أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ . الشرح: اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا النداء الإلهي وجه للمؤمنين لإيمانهم بالله تعالى ربا وإلها، وبالإسلام دينا، لا يقبل الله دينا غيره، دينا ذا شرائع وأحكام رحيمة عادلة، وبمحمد نبيا لا نبي بعده ورسولا إلى الناس كافة، هؤلاء المؤمنون الذين ناداهم الله ﵎ ليعلمهم حكما من أحكام شرعه؛ وهو أن من طلق امرأته التي عقد عليها عقدا شرعيا ثم طلقها قبل أن يخلو بها ويجامعها، فإنه ليس له أن يطالبها بعدة لا بالإقراء ولا بالشهور لأن علة العدة الواجبة هي الحمل، أي كي تعرف المطلقة هل هي حامل أو لا، أما التي لم يمسها زوجها فإنها قطعا لا حمل لها أبدا فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ، ويعنى بنكحتم عقدتم، إذ يطلق لفظ النكاح على العقد وعلى الوطء، وغالبا ما يطلق في القرآن على الوطء والعقد إلا في هذه الآية فإنه أطلق على العقد فقط لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ ولفظ المؤمنات خرج مخرج الغالب، وإلا فالكتابية إذا نكحها المؤمن فحكمها حكم المؤمنة في العدة والصداق والمتعة على حد سواء. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ . أي من قبل أن تجامعوهن، ولفظ الطلاق هو قول الزوج للزوجة أنت طالق أو لقد طلقتك، أو الحقي

стр. 167

بأهلك وهو ناو الطلاق جازم به عازم عليه وهذا يقال له طلاق الكتابة فيحتاج إلى النية أما الأول وهو الصريح أنت طالق وطلقتك لا يحتاج إلى نية إذ لو قال لها أنت طالق وهو لا يريد الطلاق طلقت حتى لو قال أنا هازل طلقت لحديث " ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: الطلاق والعتاق والرجعة " وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ أي ليس على الرجل المطلق أن يطالب المرأة التي طلقها قبل البناء بها بعدة ولو يوما أو شهرا، تقدم من أن علة العدة هي الحمل والتي لم يبن بها قطعا لا حمل يظن بها. فلها أن تتزوج يوم طلاقها ولا حرج عليها. وقوله تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ ، والمتعة إعطاء المطلقة شيئا من المال بحسب قدرة الرجل إذا كان ذا يسار فبحسب يساره، وإن كان ذا إعسار فبحسب إعساره والقاضى هو الذي يقدر ذلك، إذا رفعت القضية إليه. وهذه المتعة واجبة لمن لم يسم لها مهر؛ إذ لو سمى لها مهر لكان لها لقول اله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ أي يتنازلن عما وجب لهن وهو نصف المهر، ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فيترك لها المهر كاملا فله ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ أي اتركوهن يذهبن إلى ذويهن من آباء أو أقارب من غير إضرار بهن ولا أذى تلحقونه بهن. ومن سرح مطلقته سراحا غير جميل بأن سبها أو عيرها أو ذكر عيبا فيها أو ليس فيها أو منعها حقها في المهر إن سمى لها، أو مانعها بشيء نافع ذي قيمة فإنه قد عصى الله وتجب عليه التوبة فورا لأنه خالف أمر الله وهو مؤمن. هذا وإليك خلاصة هذه الأحكام التي تضمنها هذا النداء الإلهي العظيم: ١-مشروعية الطلاق قبل البناء وجوازه بلا حرج. ٢-ليس على المطلقة قبل البناء عدة أبدا إذ لها أن تتزوج يوم طلاقها ولا حرج... ٣-المطلقة قبل البناء إن سمى لها صداق فلها نصفه، وإن لم يسم فلها المتعة واجبة بحسب حال المطلق يسارا وإعسارا. وإن تشاحنا فالقاضى يقدرها. ٤-حرمة أذية المطلقة بأي أذى ووجوب تخلية سبيلها تذهب حيث شاءت.

стр. 168

٥-مشروعية المتعة لكل مطلقة. إلا أنها تجب للتى لم يسم لها صداق.. ٦-العدة التي تحيض ثلاثة قروء أي حيض أو إطهار، ولا يشرع الطلاق إلا في طهر قبل أن يجامعها فيه والتي لا تحيض لكبر سنها أو صغره عدتها ثلاثة أشهر لا غير.، والحامل عدتها ولادتها فمتى ولدت انتهت عدتها. والمتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا. وإن كانت حبلى فتعتد بأطول الأجلين الحمل أو الأشهر إذ هذا خير لها ولأهل زوجها الميت. والإحسان محمود منا أيها المؤمنون والله يحب المحسنين. وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 169

النداء الثالث والستون: في وجوب الأدب مع رسول الله ﷺ بأدنى أذى وحرمة نكاح نسائه بعده ﷺ الآية (٥٣) من سورة الأحزاب أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً﴾ . الشرح: اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا النداء الجليل إلى المؤمنين أيام حياة نبيهم ﷺ ليلتزموا بما يلي إزاء نبيهم ﷺ . ١-أن لا يدخلوا بيوته ﷺ إلا بإذنه كان هذا قبل نزول آية الحجاب هذه لقوله تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ أي لا تدخلوا بيت الرسول ﷺ قبل وقت الأكل بزمن، ولا تجلسوا بعد الأكل أيضا، لقوله تعالى لهم: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ أي أخرجوا منتشرين في الأرض كل إلى أهله أو عمله أو حاجته، ولا تجلسوا بعد الطعام مستأنسين بحديث بعضكم بعضا فتطيلوا الجلوس فتضايقوا رسول الله ﷺ وأهله في هذا الوقت؛ إذ حصل هذا فعلا من بعض الأصحاب رضى الله عنهم، وعلل تعالى لذلك بقوله: ﴿إِنَّ

стр. 170

ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ أي أن يقول لكم اخرجوا أو لا تجلسوا. وقوله: ﴿وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ أن يقول لعباده أو يأمرهم به، ولذا أمرهم أن يخرجوا وينتشروا. ٢-إذا أراد أحدكم أن يطلب شيئا من أزواج رسول الله ﷺ كإناء وشراب أو طعام أو يسأل عن شئ في دينه وجب عليه أن يسأل زوجات الرسول ﷺ من وراء حجاب لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ . وعلل تعالى لذلك بقوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ آي السؤال من وراء حجاب ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ﴾ أيها الرجال وأطهر لقلوبهن أي نساء النبي ﷺ أطهر أي أكثر طهارة من خواطر السوء الفاسدة التي لا يخلو منها قلب الإنسان إذا خاطب المرأة، أو خاطبت المرأة الرجل، إذ مثل هذا من الغرائز الفطرية في الإنسان ذكرا كان أو أنثى. ٣-حرمة أذية رسول الله ﷺ بأي أذى كان؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ وصيغة ﴿وَمَا كَانَ﴾ تدل على أن هذا الأذى لا يكون كالمستحيل وهو كذلك فهل المؤمن الذي يفدى رسول الله ﷺ بنفسه وأهله وماله يتوقع منه أذى له ﷺ لا، لا، ولن يكون أبدا. ٤-حرمة نكاح زوجات الرسول ﷺ بعد وفاته لأنهن أمهات المؤمنين ثبت هذا وتقرر بقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُم﴾ أي في حرمة النكاح ومقدماته إذ هن محرمات على الرجال ما عدا رسول الله ﷺ حرمة مؤبدة كحرمة الأم على ولدها وهذه الحرمة دل عليها قوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً﴾ ، أي إن أذى الرسول ﷺ بأي أذى أو بالزواج بنسائه بعد وفاته كان عند الله أي في حكمه وقضائه وشرعه ذنبا عظيما لا يقادر قدره، ولا يعرف مدى جزائه وعقوبته إلا الله ﷻ وعظم سلطانه. هذا وإليك أيها القارئ في هداية هذا النداء ما يكون عونا لك على السير في منهج الحق والسير في الصراط المستقيم إلى أن تفوز بالنجاة من النار ودخول الجنة دار الأبرار: ١-بيان ما ينبغي أن يلتزمه المؤمن من الآداب في الاستئذان والدخول على البيوت. ٢-بيان كمال الرسول ﷺ وآدابه العالية وخلقه العظيم حتى إنه ليستحي أن يقول

стр. 171

لضيفه أخرج من البيت قد انتهى الطعام. ٣-تقرير صفات الله تعالى وغثباتها في القرآن والسنة إذ وصف تعالى نفسه بأنه لا يستحي من الحق. وعليه فلنصف الله تعالى بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ لا غير فلا نصف الله تعالى بما لم يصف به هو نفسه، ولا بما وصفه رسوله ﷺ ولا ننكر صفاته أو نؤولها هروبا من وصفه بها، كما هو شأن المعتزلة والأشاعرة في الغالب. ٤-حرمة أذية رسول الله ﷺ في نفسه أو في آله أو في أهل ملته من المؤمنين والمؤمنات. ٥-بيان أن أذية الإنسان لا يخلو من خواطر السوء إذا تكلم مع المرأة أو نظر إليها. ٦-مشروعية الحجاب وفرضيته وهو أنه لا يحل لغير المحرم أن يخلو بامرأة من غير محارمه أو يتكلم معها بدون حجاب. إلا أن تكون عجوزا لا تحمل ولا تحيض لكبر سنها. فاذكر هذا أيها المؤمن ولا تنسه واعمل به وعلمه غيرك فإنه واجب ونافع والله المستعان وعليه التكلان. وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 172

النداء الرابع والستون: في وجوب الصلاة والسلام على النبي ﷺ الآية (٥٦) من سورة الأحزاب أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ . الشرح: اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا النداء الكريم له أهميته وشأنه العظيم وحسبك أن ما أمر اله تعالى به عباده المؤمنين كان قد فعله قبل أن يأمر به عباده؛ إذ قال تعالى قبل هذا النداء: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ فأخبر أنه هو تعالى وملائكته يصلون على النبي محمد ﷺ فأين نحن أيها المؤمنون من عظمة الله تعالى، وكمال ملائكته وطهارتهم وهم يصلون على النبي ﷺ . إذا فأمره تعالى لنا بالصلاة على نبيه شرف عظيم لنا، وكرامة تفوق كل كرامة في هذه الحياة. أما المصلى والمسلم عليه فلا نسأل عن كرامته وعلى درجته وسمو مقامه فإنا لا ندرك ذلك، ولا نقوى على تصوره. فاللهم صل وسلم عليه ما ذكرك الذاكرون. وغفل عن ذكرك الغافلون. والسؤال الآن هو ما معنى صلاة الله تعالى، وصلاة الملائكة ثم صلاتنا نحن المؤمنين على النبي ﷺ والجواب كالآتي: ١-صلاة الله تعالى على النبي ﷺ معناها ثناؤه تعالى ورضوانه عليه. ٢-صلاة الملائكة عليه ﷺ دعاؤهم له واستغفارهم له. ٣-صلاة المؤمنين معناها: التشريف والتعظيم له ﷺ . ما حكم صلاتنا على نبينا ﷺ ؟ والجواب أنه الوجوب الحتمي من لم يصل عليه ولو مرة في عمره هلك وخسر بمعصيته هذه التي يتصف بها ولا يأتيها إلا من فارق الإيمان قلبه، وأصبح في عداد من لا يؤمن بالله ورسوله وكتابه والعياذ بالله تعالى من هذه الحال

стр. 173

وسؤال أخر متى تتأكد الصلاة عليه ﷺ ؟ ةالجواب تتأكد في موضعين: ١-في الصلاة أي في التشهد من كل صلاة نافلة أو فريضة. وصيغتها هي: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلي آل محمد، كما باركت علي إبراهيم، وعلي آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، هذه صيغة وهناك أخر هذه أتمها فاذكر هذا. ٢-عند ذكره ﷺ " رغم أنف امرئ ذكرت عنده ولم يصل عليك " والقائل هذا جبريل ﵇ في حديث صحيح. ٣-بدء الدعاء وختمه بالصلاة على النبي ﷺ رجاء الإجابة، إذ سمع ﷺ رجلا يدعو يا رب يا رب ... قال ﷺ : " لقد عجل هذا إذا أراد أحدكم أن يسأل الله شيئا فليحمد الله وليصل على نبيه ثم يسأل حاجته" فالدعاء إذا كان بين صلاتين على رسول الله ر يستجاب. والحمد لله. ٤-بدء الخطبة في الجمعة أو غيرها بحمد الله والثناء عليه ثم بالصلاة والسلام على رسوله ﷺ . ٥-عند الفراغ من الآذان إذ رغب الرسول ﷺ في ذلك وهو أن يقول السامع مثل ما يقول المؤذن إلا عند حي على الصلاة حي على الفلاح، فإنه يقول لا حول ولا قوة إلا بالله فإذا فرغ صلى على النبي الصلاة الإبراهيمية التي يصلى بها في التشهد الأخير في الصلاة وقد تقدمت صيغتها. ثم يقول" اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته " من فعل هذا حلت له شفاعته ﷺ ووجت. ٦-الإكثار منها أي من الصلاة، والسلام على النبي ﷺ يوم الجمعة وليلتها لترغيبه ﷺ في ذلك. ٧-لقد ورد في صيغ الصلاة والسلام على النبي ﷺ نيف وثلاثون صيغة أكملها الصلاة الإبراهيمية والكل جائز وفاضل ومستحب. وأما الصيغة التي في هذا النداء فهي اللهم صل على محمد وسلم تسليما وهذه أصغر الصيغ وأيسرها وأسهلها وبها يؤدى الواجب.

стр. 174

٨-من كتب اسم النبي ﷺ فإنه يكتب ﷺ كما هي مأثورة عن السلف، فأصحاب الصحاح، والسنن، والمسانيد كلهم ذكر النبي ﷺ في الحديث يكتبون ﷺ . وبعض المتأخرين يكتب (ص) وهذا إجحاف ولا ينبغي. وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 175

النداء الخامس والستون: في حرمة أذية رسول الله ﷺ وحرمة التشبه باليهود في أذية موسى ﵇ الآية (٦٩) من سورة الأحزاب أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً﴾ . الشرح: اذكر أيها القارئ الكريم ما قد سبق أن عرفت، وهو أن الله تعالى ينادى المؤمنين لإيمانهم؛ إذ المؤمن حي يسمع ويفهم ويفعل ويترك لكمال حياته بخلاف غيره من أهل الكفر، فلا ينادون ولا يكلفون إلا بالإيمان أولا، فإن آمنوا أصبحوا أهلا للنهوض بما يكلفون به من فعل وترك. وأهلا لأن ينذروا فبحذروا، ويبشروا فيسروا ويفرحوا، ويعلموا فيعملوا، ويفقهوا فيفقهوا وذلك لكمال حياتهم، لأن نداءه تعالى للمؤمنين بلفظ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ معناه يا من أمنتم بالله ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ ، هذا النهى من الله تعالى للمؤمنين له سببه وهو ما أشاعه ابن أبى؛ كبير المنافقين من فريته على أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها حيث تورط فيه عدد من المؤمنين كحسان رضى الله عنه وغيره لذلك ناداهم تعالى بعنوان الإيمان ليشمل كل مؤمن ومؤمنة إذ أذية النبي صلى الله عليه سلم محرمة وأيا كان نوعها، ومن باب التسلية والتخفيف عن النبي صلى الله عليه سلم وأصحابه ذكر تعالى أذى بنى إسرائيل لنبي الله موسى ﵇ فقال: ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ مرة قالوا إنه آدر بمعنى أن إحدى خصيتيه منتفخة، ومرة قالوا إنه قتل أخاه هارون لكونه لينا هينا معنا. وقوله تعالى: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ أي اتهموه به. أما براءته من تهمة الأدرة فإليك رواية مسلم فيها والبخاري بمعناها، أن بنى إسرائيل كانوا يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض وكان موسى يغتسل وحده – لشدة حيائه – فقالوا ما منعه أن يغتسل معنا إلا أنه آدر، فذهب يوما يغتسل فوضع ثوبه على حجر وأخذ يغتسل، وإذ بالحجر يهرب بالثوب، فيجرى موسى وراءه حتى وقف على جمع من بنى إسرائيل

стр. 176

فرأوا أنه ليس به أدرة كما قالوا. وأما براءته من تهمة قتل أخيه هارون فقد روى ابن أبى حاتم عن على رضى الله عنه. " أنه صعد موسى وهارون الجبل جبل الطور – فمات هارون ﵇، فقال بنو إسرائيل لموسى ﵇ أنت قتلته كان ألين لنا منك وأشد حياء فآذوه من ذلك فأمر الله الملائكة فحملته فمروا به على مجالس بنى إسرائيل فتكلمت الملائكة بموته، فما عرف موضع قبره إلا الرخم١، وأن الله تعالى جعله أصم أبكم ". وهكذا رواه أبى جرير أيضا. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً﴾ أي كان موسى ذا وجاهة وجاه عند الله كان إذا سأل أعطاه وإذا استعاذ أعاذه، وإذا استنصره نصره وذلك لكماله الروحي والخلقي والأدبي، وما هيأه الله له من الطهر والصفاء والصدق والوفاء. ولنذكر هنا أن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه قال للرسول صلى الله عليه سلم ادع الله أن يجعلني مجاب الدعوة قال له رسول الله صلى الله عليه سلم " يا سعد أطب مكسبك تجب دعوتك " فكان سعد مجاب الدعوة. هذا وقد أوذي رسول الله من بعض المؤمنين ومن ذلك ما يلي: ١-حادثة الإفك إذ هو أذى في عرضه وشرفه، وعرض إمرأته وشرفها، وأنزل الله تعالى في براءة امرأته أم المؤمنين قرابة سبع عشرة آية والحمد لله، ومن العجب أن المخدوعين المغرر بهم من الروافض ما زالوا يلكون تلك الفرية ويلصقونها بأم المؤمنين مع أن الذي يكذب الله تعالى يكفر. فكفروا وهم لا يعلمون. ٢-قسم يوما صلى الله عليه سلم مالا على أصحابه فقال رجل من الأنصار إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله فقال أحد الحاضرين أما يا عدو الله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه سلم بما قلت فذكره للنبي صلى الله عليه سلم فاحمر وجهه، ثم قال: " رحمة الله على موسى فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر ". ٣-ومرة أخرى لببه بثوبه لأقرع بن حابسن وقال له: هذه القسمة ما أريد بها وجه الله اعدل فينا يا رسول الله فرد عليه قائلا: " ويحك إذا لم أعدل أنا فمن يعدل ثم قال رحم الله أخى موسى أوذي بأكثر من هذا وصبر ". وأخيرا فليحذر كل مؤمن ومؤمنة أن يؤذى رسول الله صلى الله عليه سلم بأي نوع من الأذى فإنه إثم عظيم. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما دائمين إلى يوم الدين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

стр. 177

النداء السادس والستون: في وجوب تقوى الله ووجوب القول السديد الآيتان (٧٠ - ٧١) من سورة الأحزاب أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ . الشرح: اذكر أيها القارئ الكريم ما عرفته من سر نداء الله تعالى للمؤمنين بعنوان الإيمان، وأنه ما يناديهم إلا ليأمرهم أو ينهاهم، أو يبشرهم أو ينذرهم وذلك رحمة بهم وإحسانا إليهم من أجل أن يكملوا ويسعدوا. وها هو ذا تعالى يناديهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ويأمرهم بتقواه إذ تقواه هي المحققة لولايته تعالى لهم بعد الإيمان ومن وليه الله لا يخاف ولا يحزن، ومن عاداه الله ما أمن ولا فرح أبدا. هذا واعلم أن تقوى الله حقيقتها: خوف من الله يحمل الخائف على عدم معصيته في فعل ولا ترك في الظاهر والباطن سواء. ويحمله ذلك على أن يطلب العلم ليعرف ما أمر الله تعالى به عباده المؤمنين وما نهاهم عنه من الاعتقادات والأقوال والعمال والصفات ويجاهد نفسه في ذلك حتى يبلغ بها درجة الطمأنينة فتصبح لا تفرح إلا بطاعة الله ولا تحزن إلا من معصيته تعالى، وتصبح حالها: الإيمان بلقاء الله والرضا بقضاء الله والقناعة بعطاء الله. كما ورد في دعاء الصالحين: اللهم إني أسألك نفسا مطمئنة تؤمن بلقائك وترضى بقضائك وتقنع بعطائك. اللهم وفقنا لهذا المطلب واجعلنا من أهله آمين وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ هذا أمر أخر بعد الأول وهو أن لا يقول

стр. 178

المؤمن إذا قال إلا ما كان صائبا صدقا نافعا غير ضار، هادفا مصيبا ذا أثر محمود. وقد عرفه بعضهم فقال: القول السديد هو لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهو القصد الحق وهو الذي يوافق ظاهره باطنه، وهو ما أريد به وجه الله دون سواه، إذ القول السديد الذي أمر تعالى به عباده المؤمنين يشمل كل هذه التعريفات ويزيد. واعلم أن الله تعالى جعل ثمرة تقوانا له وقولنا لبعضنا القول السديد إصلاح أعمالنا ومغفرة ذنوبنا وفى تحقيق هذين المطلبين سعادة الدارين، وسر ذلك أيها القارئ الكريم أن تقوى الله كفيلة بتطهير النفس وتزكيتها، وسعادة الآخرة تتم بزكاة النفس وطهارتها إذ قال تعال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ ، ومعنى أفلح فاز والفوز هو النجاة من النار ودخول الجنان. كما أن القول السديد كفيل بإصلاح الأعمال الدنيوية من بيع وشراء وهدم وبناء، ونكاح وطلاق وسفر وإقامة، وإلى غير ذلك من أمور الحياة الدنيا الضرورية للإنسان فيها. فما أعظم إرشاد الله تعالى لأوليائه، وما أكرم الله تعالى على عباده المؤمنين إذ أمرهم بأمرين تقواه والقول السديد وجعل الجزاء أمرين إصلاح الأعمال ومغفرة الذنوب، وما بعد هذا المطلب من مطلب. وأخيرا زاد إنعامه وإفضاله على عباده المؤمنين إفضالا فقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ . أما طاعة الله وطاعة رسوله فإنها في الأمر والنهى والترغيب والترهيب وفى النفل والمكروه، وأما الفوز العظيم فهو سعادة الدارين؛ أما في الدنيا فهي الأمن ورغد العيش مع انشراح الصدر وطيب الخاطر، وهدوء البال والعز والكرامة الدائمة وأما في الآخرة فهي النجاة من النار ومواكبة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين إذ قال تعالى من سورة النساء: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً﴾ . وفى ختام بيان هذا النداء أذكر لك أيها القارئ ما يزيد في تقواك ورضاك ما رواه بن أبى حاتم وذكره بن كثير في التفسير أن النبي ﷺ صلى يوما الظهر بأصحابه ثم أومأ إليهم أن اجلسوا فجلسوا ثم قال لهم: " أن الله أمرني بأمر أن آمركم أن تتقوا الله وتقولوا قولا سديدا، ثم أتى النساء فقال لهن: إن الله أمرني بأمر أن آمركن أن تتقين الله وتقلن قولا سديدا " فكان ختام هذا النداء كبداءته والحمد لله المتفضل على عباده. وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

стр. 179

النداء السابع والستون: في نصرة الله وما تثمره من نصرة لعباد الله المؤمنين وبيان خسران الكافرين وتعاستهم وضلالهم الآيتان (٧ - ٩) من سورة محمد ﷺ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ . الشرح: اذكر أيها القارئ الكريم والمستمع المستفيد أن نداء الله تعالى لعباده المؤمنين الذين آمنوا بالله ربا وإلها لا إله غيره ولا رب سواه، وبالإسلام دينا لا دين يقبل غيره، وبمحمد نبيا ولا نبي يأتى بعده، ورسولا إلى الناس كافة أبيضهم وأصفرهم، ومن عاصروه ومن يأتى بعدهم إلى يوم القيامة. كان لأجل أن يأمرهم أو ينهاهم، أو يبشرهم أو ينذرهم، وكل ذلك من أجل إكمالهم في إيمانهم وإسلامهم وإحسانهم، وفى آدابهم وأخلاقهم، ومعارفهم وعلومهم، ولأجل إسعادهم أبدانا وأرواحا، وحاشاه تعالى أن يناديهم لغير إكمالهم وإسعادهم، لأنه ربهم ووليهم العليم الحكيم والبر الرحيم فها هو ذا ناداهم ليخبرهم بأنهم إن نصروه تعالى في رسوله ودينه وأوليائه وهم المؤمنون المتقون من عباده نصرهم على أعدائه وأعدائهم وهم الكافرون بتوحيده وبرسوله وبكتابه وشرعه ولقائه وجزاء أوليائه بالنعيم المقيم، وأعدائه بالعذاب الأليم. إذ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ ، أي في كل معركة تخوضونها ضد أعدائكم الكافرين والمشركين الذين فرض عليكم قتالهم حتى يسلموا لله قلوبهم ووجوههم. إذ قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي شرك أو من يدعو إلى الشرك، ويكون الدين كله لله. كما يخبرهم بأن الذين كفروا به وبرسوله وبكتابه القرآن العظيم، وبلقائه ووعده

стр. 180

ووعيده، وبتوحيده في عباداته، هؤلاء الكفرة المشركون تعسا لهم أي هلاكا لهم وسقوطا في أسفل حياة البهائم، وخسرانا كاملا في الدنيا والآخرة. أما خسران الدنيا فهو حرمانهم من الكمال الروحي، إذ لا أخلاق ولا آداب لهم، ولا زكاة نفس ولا راحة بال إذ هم في ظلمات الكفر يتقلبون وحرمانهم من سعادة الأبدان إذ هم في خوف وشقاء وتعاسة دائمة لحرمانهم من ولاية الله . وأما خسران الآخرة فإنه من ساعة تفيض أرواحهم بنهاية آجالهم، وهم في العذاب الروحي لا يفارقهم إلى أن تبعث أجسادهم فيساقون إلى جهنم زمرا ويصب عليهم العذاب الروحي بالتقريع والتوبيخ، صبا لا يعرفون معه طعم الحياة إذ هم لا يموتون في النار ولا يحيون، وفوق العذاب الروحي العذاب الجسماني البدني إذ يصب فوق رؤوسهم الحميم يصهر ما في بطونهم والجلود ويضربون بمقامع من حديد ويمزق أمعاءهم الجوع فيقدم لهم الزقوم، والضريع. ويعطشون فيسقون الحميم فيمزق أمعاءهم، ويصابون بوحشة، إذ لا أب ولا أم ولا زوجة ولا ولد ولا أنيس، ولكن وحشة وغربة وبلاء عظيم، ولنذكر قول الله تعالى فيهم: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ . كان هذا بعض ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ﴾ أما قوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ فهو إخبار فيه معنى الدعاء عليهم بضلال أعمالهم فلا ينتفعون بشيء منها إذ كانت لبعضهم أعمال خيرية كإطعام جائع، أو سقى ظمآن أو كسوة عار، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَعْساً لَهُمْ﴾ ، أيضا١ وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ . ذلك إشارة إلى تعاستهم وضلال أعمالهم أي حصل لهم ذلك الشقاء والخسران الروحي والبدني بسبب كراهيتهم لما أنزل الله من القرآن لما فيه من الأمر بالتوحيد، والتنديد بالشرك وإنذار الكافرين بالخلود في نار جهنم، وتبشير الموحدين بالخلود في الجنة ونعيمها. فلكراهيتهم لما أنزل الله تعالى في كتابه أحبط الله أعمالهم وأبطلها فلم ينتفعوا منها بشيء. فلا دولة عز وطهر وسعادة يقيمون، ولا حياة فيها يخلدون، ولا جزاء حسنا في الآخرة به يتنعمون ويسعدون. وإنما خسران بعد خسران وشقاء بعد شقاء، وهذا جزاء الكافرين والعياذ بالله رب العالمين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
следующие страницы →