Полный текст (272 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وتخفى، أو جذوة ملتهبة توقد وتطفى، والرعد يهدر بزواجر زماجره السحائب فيبكيها، والطير يتلو سطور الندى في طروس الثرى فيمليها ... ".
ونلحظ على هذه القطعة أنه يتعمد ألوانًا خاصة من البديع كالطباق في ظلها وويلها، وخيلها ورجلها، وتليده وطارفه، والجناس غير التام في عساكر البرد والبرد هاجمة، إلخ، ويكثر من الاستعارات تأتي قوية أحيانًا، ومتكلفة أحيانًا، وتطور السجعات آونة حتى تأتي الكلمة المكملة المسجعة كقوله: "كأنه وعليه ثوب الغيم مزرور، وقد وجل من صولة البرد، فلبس فروة السمور"، ويعمد إلى الصورة القديمة الموروثة فالغمام ينيخ بكلاكله، والبرق يهز بيض مناصله، أما قربه حتى كاد يمسك باليدين فقديمًا قال عبيد بن الأبرص في وصف الغمام:
دان مسف فويق الأرض هيدبه ... يكاد يمسكه من قام بالراح
وأما أن البرق قد نشر طرائق طرائفه في الجو، فهو مأخوذ كذلك من قول عبيد في نفس القصيدة:
كأن ما بين أعلاه وأسفله ... ربط منشرة أو ضوء مصباح
وإن دل هذا النثر على شيء، فهو يدل على أنه قد حل محل الشعر في الوصف، وكثرة الأخيلة وضروب المجازات، وأن صاحبه واسع الإطلاع على الأدب القديم، قدير على إيراد السجعات، ومختلف ألوان البديع والاستعارات، وذلك لا ريب مقبول في النثر الأدبي كهذه الرسالة ما لم يأت متكلفًا، على ان عبد الله فكري يكون في أحسن حالاته حين يتوخى الفقرات القصيرة الفواصل، فنشعر أن سجعه طبيعي وأن له رنة مستساغة في الآذان كقوله من رسالة يرد بها على صديق: "سيدي سلمك الله وحياك، وأسعدني برؤية محياك، وزاد عزك وعلياك، وحرص دينك ودنياك، وجمعني على بساط المسرة وإياك، ولا حرمني دوام لقياك، ولا برح الدهر مبتسم الثغر بمحاسن معاليك، ومباهيا اعصار الأوائل بأيامك ولياليك، محليًا أجياد المفاخر بزواهر لآليك - ورد على كتابك الكريم، مورد الإعزاز والتكريم ... إلخ".
стр. 107
وما من أديب أو مستأذب في هذه الفترة حتى أخريات القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين إلا واهتم بكتابة الرسائل، يظهر فيه أدبه ويشهر براعته، وإذا كانت المقالة قد اتخذت طابعًا آخر، وجنحت إلى الأسلوب المرسل غالبًا، فقد ظلت الرسائل موضع احتفاء الكتاب، وتأنقهم وكان شيخهم في ذلك جميعًا عبد الله فكري، وقد وضع النموذج لهم بمحاكاته لكتاب القرنين الثالث، والرابع فنسجوا على منواله في مختلف رسائلهم، وها هو ذا الشيخ محمد عبده يسجل له الشيخ رشيد رضا أكثر من أربعين رسالة، ولنكتف منها بقوله من رسالة للشيخ إبراهيم اليازجي.
"وصل كتابك يحمل من العذر مقبوله، ويرتاد من الرضا مبذوله، ولقد كنت تعلم أني ما أردتك إلا لنفسك، فالحمد لله إذ أرجعك إليها، وله الشكر على ما عطفك عليها، وما أنا بالمقصر بك عما سألت، ولا الذاهب بك إلى خلاف ما طلبت، وغاية قولي لا تثريب عليك اليوم يغفر الله لك، وهو أرحم الراحمين، حياتنا شح روحها المحبة، والمحبة شبح الإخلاص، فما أسعد وقتًا ترى فيه حياتك منتعشة بروحها زاهرة بسر الإخلاص فيها، وليس بذاهب عنك أنك كما تكون يكون الناس لك، وأسأل الله أن ينفي عنك خواطر السوء، ويزيح عن روحك الطيبة وساوس الغرور، ويمن علي برؤيتك عند الغاية التي أحب لك، وسلامي عليك وحدك من بين أهلك، ولتكن مواصلتك دائمة السلام".
ونلاحظ على هذا الكتاب أنه بقلم رجل الدين المتأدب، فيه شيء من غلبة الفكرة على العاطفة، وفيه استشهاد بالقرآن، والحكمة، وفيه طبع رجل الدين الذي يؤثر الموعظة والهداية، وهذه ظاهرة نلمسها في معظم رسائله، وقد مرت بنا إحداهما من قبل حين كان سجينًا في أعقاب الثورة العرابية.
ومن رسائله التي يجدر أن ننوه بها لاتصالها بما نحن فيه تلك الرسالة، التي أرسلها إلى الشاعر حافظ إبراهيم حين أهداه ترجمته للجزء الأول من كتاب "البؤساء"، وقد كتب إليه حافظ يقول:
"إنك موئل البائس، ومرجع البائس، وهذا الكتاب - أيدك الله- قد ألم بعيش البائسين، وحياة البائسين وضعه صاحبه تذكرة لولاة الأمور، وسماه كتاب البؤساء، وجعله بيتًا لهذه الكلمة الجامعة، وتلك الحكمة البالغة "الرحمة فوق العدل".
وقد عنيت بتعريبه لما بين عيشي، وعيش أولئك البؤساء من صلة النسب، وتصرفت فيه بعض التصرف، واختصرت بعض الاختصار، ورأيت أن أرفعه إلى مقامك الأسنى، ورأيك الأعلى، لأجمع في ذلك بين خلال ثلاث: أولها التيمن باسمك، والتشرف بالانتماء إليك، وثانيها ارتياح النفس وسرور اليراع برفع ذلك الكتاب إلى الرجل الذي يعرف مهر الكلام، ومقدار كد الأفهام، وثالثها امتداد الصلة بين الحكمة الغربية، والحكمة الشرقية بإهداء ما وضعه حكيم المغرب إلى حكيم المشرق، فليتقدم سيدي إلى فتاة بقبوله، والله المسئول أن يحفظه للدنيا والدين، وأن يساعدني على إتمام تعريبه للقارئين.
стр. 108
محمد عبده:
فأجابه الشيخ محمد عبده بهذه الرسالة التي تعد تقريظًا له:
"لو كان بي أن أشكرك لظن بالغت في تحسينه، أو أحمدك لرأي لك فينا أبدعت في تزيينه، لكان لقلمي مطمع أن يدنو من الوفاء بما يوجبه حقك، ويجري في الشكر إلى الغاية مما يطلبه فضلك، لكنك لم تقف بعرفك عندنا، بل عممت به من حولنا، وبسطته على القريب، والبعيد من أبناء لغتنا.
رفقت إلى أبناء اللغة العربية عذراء من بنات الحكمة الغربية سحرت قومها، وملكت فيهم يومها، ولا تزال تنبه منهم خامدًا وتهز فيهم جامدًا، بل لا تنفك تحيى من قلوبهم ما أماتته العشرة، وتقوم من نفوسهم ما أعوزت فيه الأسوة، حكمة أفاضها الله على رجل منهم، فجردها من ثوبها الغريب وكساها حلة من نسج الأديب، وجلاها للناظر، وحلاها للطالب، شيقة إلى مؤانسة البصائر: تهش للفهم، وتبش للطف الذوق، وتسابق الفكر إلى مواطن العلم، فلا يكاد يلحظها الوهم إلا، وهي من النفس في مكان الإلهام.
حاول قوم من قبلك أن يبلغوا من ترجمة الأعجمي مبلغك، فوقف العجز بأغلبهم عند مبتدأ الطريق، ووصل منهم فريق إلى ما يحب من مقصده، ولكنه لم يعن بأن يعيد إلى اللغة العربية ما فقدت من أساليبها، ويرد إليه ما سلبه
стр. 109
المعتدون علهيا من متانة التأليف، وحسن الصياغة وارتفاع البيان فيها إلى أعلى مراتبه، أما أنت فقد وفيت من ذلك لا غاية لمزيد بعده، ولا مطمع لطالب أن يبلغ حده، ولو كنت ممن يقول بالتناسخ لذهبت إلى أن روح ابن المقفع كانت من طيبات الأرواح، فظهرت لك اليوم في صورة أبدع، ومعنى أنفع، ولعلك قد سننت بطريقتك في التعريب سنة يعمل عليها من يحاوله بعد ظهور
كتابك، ويحملها الزمان إلى أبناء ما يستقبل منه، فتكون قد أحسنت إلى الأبناء، كما أجملت في الصنع مع الآباء، وحكمت للغة العربية ألا يدخلها بعد من معجمة سوى ما هو في الأسماء -أسماء الأماكن والأشخاص، لا أسماء المعاني والأجناس، ومثلي يعرف قدر الإحسان إذا عم، ويعلي مكان المعروف إذا شمل، ويتمثل في رأيه يقول الحكيم العربي:
ولو أني حبيت الخلد فردًا ... لما أحببت بالخلد انفرادا
فلا هطلت علي ولا بأرضي ... سحائب ليس تنتظم البلادا
فما أعجز قلمي عن الشكر لك، وما أحقك بأن ترضى من الوفاء باللقاء ... إلخ".
وفي هذه الرسائلة يشير الأستاذ الإمام إلى ما كانت تعانيه اللغة على ألسنة الذين يتصدون للترجمة، حيث تلتوي العبارات بين أيديهم، وتغلبهم الأساليب الأعجمية على أمرهم، ويعجزون عن أداء كثير من المعاني لفقرهم في اللغة، ويضطرون إلى حشد كثير من الكلمات الأجنبية لجهلهم بنظائرها في العربية، وإذا أتيح لأحدهم أن يتخلص من كل ذلك، فقل أن يكون يراعه من القوة بحيث يضفي على أسلوبه ثوب الأديب، وتأتي جمله حسنة السبك، قوية الأداء، عليها من الجمال طلاوة كما فعل حافظ، ولقد صارت ترجمته هذه نموذجًا لبعض الأدباء من بعده من أمثال محمد السباعي، وأحمد حسن الزيات، ومحمد عوض، وطه حسين، كما تنبأ الشيخ الإمام.
وللشيخ محمد عبده مواقف رائعة في نهضة اللغة، والأساليب الصحيحة وبيناها في كتابنا "الأدب الحديث"!، والذي يعنينا هنا أنه حاول في أخريات حياته أن يتخلص من السجع، وأن يتوب عنه كما يذكر في رسالة كتبها إلى حفني ناصف:
تسجع لي في كتابتك، وتطمع أن أسجع لك في جوابك، كأنك لم تسمع أني تبت عن السجع، حتى ول ساق إليه الطبع، فماذا أصنع بك، وقد نقضت توبتي بأدبك؟ ".
وسنرى بعد قليل كيف اشتدت الحملة ضد السجع في أوائل القرن العشرين حتى من هؤلاء الذين برعوا فيه، وكيف أن السجع وجد من يدافع عنه ويحميه، ومن الأدباء الذين اشتهروا برسائلهم الأدبية في تلك الحقبة: حمزة فتح الله، وعبد الكريم سلمان، وأديب إسحاق، والشيخ أحمد مفتاح، ومحمد دياب، وحسن توفيق العدل، ومحمود أبو النصر، وحفني ناصف، وإبراهيم اليازجي، وفتحي زغلول، ولكل منهم شخصيته وتفكيره، وهم يختلفون كذلك في ثقافاتهم فمنهم اللغوى، ومنهم القانوني ومنهم الأديب، ومنهم العالم، وإن حاول كل منهم أن يصطنع الأسلوب الأدبي في رسائله.
стр. 110
حمزة فتح الله:
فالشيخ حمزة فتح الله مثلًا اشتهر بلغوياته، ومن أقل رسائله احتفاء بالغريب قوله: مولاي، أما الشوق إلى رؤيتك فشديد، وسل فؤادك عن صديق حميم، وود صميم وخلة لا يزيدها تعاقب الملوين، وتألق النيرين إلا وثوقًا في العرى، وإحكامًا في البناء، وإنماء في الغراس، وتشييدًا في الدعائم، ولا يظن سيدي أن عدم ازدياري ساحته الشريفة، واجتلائي طلعته المنيفة، لتقاعس أو تقصير، فإن لي في ذلك معذرة اقتضت التأخير، والسيد "أطال الله بقاءه"، أجدر من قبل معذرة صديقه، وأغضى عن ريث استدعته الضرورة".
وفي هذه الرسالة -كما نرى- بعض الكلمات التي آثراها الشيخ بالاستعمال مع أن سواها كان أولى كالملوين وازدياري وريث، ولكنها في جملتها محكمة النسج، شديدة الأسر.
стр. 111
عبد الكريم سلمان:
والشيخ عبد الكريم سلمان كان من علماء الأزهر، وتلاميذ جمال الدين وقد عرف بأدبه، وإن كان له تفكير عالم ورجل دين، مع حرية في الفكر، وانطلاق في التعبير، وقد جاء من رسالة كتبها إلى شخص يخطب وده، ويرجو لقاءه ويتعرف عليه: "أما بعد، فهذه أول رسالة أكتبها إلى من لم تكن لي به جامعة جسمية، ولم تضمني وإياه حفلة تعارف شخصية، وهي وإن كانت في عرف غيري تعد هجومًا أو تحس فضولًا"، إلا أني أعتقد أنها أوفدت على كريم يكرم وفادتها، ويجتلى من خلالها إرادة ود، ورجاء ولاء، وبغية فضل ورغبة في إخاء، فيحلها منه محل القبول ويدرأ عنها وصمة الفضول، إن لسيدي آثارًا شهدناها فاستفدناها، ومآثر سمعناها فرويناها أو تناقلناها، ولا مرية في أن ما غاب عنا منها، أكثر مما سمعنا، ونحن "والله يعلم" طلاب كمال ومنتجو إفضال ورواد ما خصب من فيحاء العلوم، وقد توسمنا في السيد "أطال الله بقاءه" طلبتنا، ووجدنا لديه ضالتنا، فحثتنا إلى رحابه مطية المكاتبة ... إلخ".
ونراه يستعمل "أما بعد" على طريقة القدماء في رسائلهم، ويعبر عن اللقاء الشخصي بالجامعة الجسمية على طريقة الفقهاء، ويذكر الرواية، والنقل من أهل الحديث، ويأتي بقوله: "والله يعلم" جملة معترضة كما يفعل الشراح على الكتب القديمة، مع تعسف أحيانًا في التشبيه كقوله: "فحثتنا إلى رحابه مطية المكاتبة"، وهكذا نرى رسالته تنم عن مهنته مع سمة أدبية عامة، وعبارات قوية في جملتها.
стр. 112
أحمد مفتاح:
ومن ذوي الشهرة في كتابه الرسائل في هذه الحقبة الشيخ أحمد مفتاح، وقد تخرج في دار العلوم سنة ١٨٨٥، واشتغل بالصحافة والكتابة فيها زمنا، ثم اتصلت أسبابه بالسيد توفيق البكري، فصار معلمًا له، ثم صار مدرسًا للإنشاء بدار العلوم، وأقام بها سنتين وقد ترك عدة مؤلفات كلها تدل على تمكنه في اللغة، وعنايته بالكتابة وله وسائل عدة في مختلف الأغراض تنم كلها عن ذوق أدبي طيب، وعن قوة في الأداء، واهتمام بالصياغة والموسيقى: وكثيرًا ما تتضمن جملًا متتابعة خالية من السجع، كما كان يكثر من الإشارات التاريخية على طريقة ابن زيدون.
وهاكم رسالة في التعارف قبل اللقاء، وقد أوردتها لنتبين الفرق بينها، وبين رسالة الشيخ عبد الكريم سلمان في الغرض نفسه، يقول الشيخ مفتاح:
"لم أكن فيما أكتبه إليك إلا ساريًا في ليل التعارف على ضياء خلالك، والتي أملاها على لسان المدح، الذي شرق وغرب وطبق الأرض صبيته، وإني وإن لم
أكن أسعدت من قبل باجتلاء طلعتك الزاهرة، واجتناء مفاكهتك الغضة، فقد دلني على الليث زئيره، وعلى البحر خريره، وعلى العقل أثره، ولئن لم تجمعنا
لحمة النسب، فقد جمتنا حرفة الأدب، أو لم يضمنا قبل مصيف ومرتبع، فالطيور على أشكالها تقع، وشبه الشيء منجذب إليه، وأخو الفضائل هو المعول عليه.
وهذه الرقعة، إذا وصفت لك بعض ما أنا مطوي عليه من التهافت على رؤتيك، والميل إلى صداقتك، فقلما تنوب عن المشافهة، أو تقضي حاجات في النفس طالما تردد صداها، وفي ظني أن -سيدي- يود ما أوده وعما قليل يسفر الصبح عن اللقاء، ونتجاذب أهداب المعرفة، وأرى من سيدي فوق ما توسمنه، ويرى مني ما يرضيه والسلام".
وهنا كما ترى فرق في التعبير، ففي حين نرى الشيخ عبد الكريم يعبر عن عدم اللقاء الشخصي حتى آونة الكتابة بقوله: "وهذه أول رسالة أكتبها إلى من تكن لي به جامعة جسمية، ولم تضمني وإياه حفلة تعارف شخصية"، يقول الشيخ مفتاح: "وإني وإن لم أكن أسعدت من قبل باجتلاء طلعتك الزاهرة، واجتناء مفاكهتك الغضة"، وبينما يفصل الأول في مزايا من يكتب إليه بأنه له "أثارًا شهدناها، فاستفدناها، ومآثر سمعناها فرويناها، أو تناقلناها" يعمد الثاني إلى التعميم عن طريق الخيال والمجاز فيقول: "قد دلني على الليث زئيره وعلى البحر خريره، وعلى العقل أثره ... إلخ" ولا شك أن الثاني أقوى، وهكذا لو رحت توازن بين القطعتين لوجدت أن الشيخ مفتاح كان يكتب بقلم أديب متمكن في صنعته، وذواقة مرهف الحس لموضع الكلام، وأما الشيخ سلمان فتلمح في رسالته سمة العلماء على الرغم من قوة أدائه، وحسن تأدبه.
стр. 113
ومن رسائل الشيخ مفتاح في غرض آخر قوله، وقد أهدى أحد كتبه إلى بعض الأدباء: "الهداية "غمرك الله بالمعروف" تبسط يد المودة، وتدربها أخلاف القرب، وتغرس بين المتحابين من الائتلاف بقدر ما تقطع بينهما من شجر الخلاف، وما أنا فيما أهديه إليك إلا: كمستبضع تمرًا إلى أرض خيبر، أو كالواهب الماء للبحر، والضوء للبدر، والملك لسليمان، والمال لقارون، والحلم لأحنف، والذكاء لإياس، والتفسير لابن عباس، وما ذاك إلا كتاب كما تراه ضرب في الإحكام بسهم، ووعي من الأحكام ما خلت منه مفعمات الأسفار، وموجزات الرسائل، فهو كما قيل: "كل الصيد في جوف الفرا".
تزين معانيه ألفاظه ... وألفاظه زائنات المعاني
على أني وإن تطفلت عليك، وسقت لك هذا الكتاب مزدلفًا إلى جنابك الرحب، ومقامك الأسنى -فقد أصبت كبد الصواب، ووضعته حيث يعرفه أهله، ويتقبله من باذله عالموه، علمًا بأن عماد العلوم وأساس الفضائل، لا تغادر شاردة إلا وعيتها، ولا نادرة إلا رويتها، وإلا.
لو كان يهدي على قدري وقدركم ... لكنت أهدي لك الدنيا وما فيها
ولعلك لاحظت ما تضمنه من الإشارات التاريخية، وحسن التأني في عرض الهدية، وقلة ما ورد فيه من الفقر المسجوعة، وأنه كان يعتمد على الازدواج، والترادف الصوتي أكثر مما يعتمد على السجع.
ولا يسعنا أن نسترسل في إيارد الرسائل لمن اشتهروا بها في هذه الحقبة، فعددهم كثير، وكل له طابعه وأسلوبه، وطريقته في التأنق والصياغة وسأكتفي بذكر اثنين منهم أولهما زعيم من زعماء الوطنية، ومن ذوي الأقلام القوية، واشتغل بالسياسة والصحافة، ولكن كانت تغلب عليه ثقافته اللغوية، والأدبية ويسعفه محفوظه من جيد الكلام نثره وشعره، وبخاصة حين يدبج رسالة إلى صديق يضاهيه في أدبه وفضله، أو إلى حبيب يعتب عليه جفاءه، ويستجدي رضاءه.
стр. 114
عبد العزيز جاويش:
وذلكم هو الشيخ عبد العزيز جاويش، وقد تخرج في دار العلوم سنة ١٨٩٧، وأتم تعليمه في إنجلترا، وعين أستاذًا في جامعة أكسفورد مدة سنتين، وانضم إلى الحزب الوطني بعد عودته سنة ١٩٠٦، وحرر في اللواء والعلم، وكان قلمه فيهما يتلظى وحمية، وغيرة على كل مقومات شعبنا العربي بمصر، وله تاريخ حافل في الجهاد وتغرب عن وطنه مدة، وتوفي في يناير ١٩٢٩.
وهاكم رسالة إلى حبيب، وقد وجه إليه الخطاب بصيغة المذكر تقية ومداراة، وكان الشيج جاويش يحرص على بعث بعض الكلمات التي أماتها الإهمال، أو النسيان فيكل مقال يكتبه، فلا يدع إذا غصت رسائله بالغريب، والرسائل موضع الاحتفاء، ومجال المباهاة بالأدب، يقول:
"سيدي -مالي أراك كمن نسي الخليط، وتجرد في الصحبة عن المحيط والمخيط، فإذا ما صادفتك صدفت، أو أنصفتك ما أنصفت، أتظن أني قعيدة بيتك، أو رهين كيتك وذيتك؟، فوحقلك إذا آنست من يدي مللا، أو من قدمي كللا لنحزئها البنات، ووكلت ينقصها الذات، ولو أني آنست من الزاد فترة، أو من الشراب عسرة لطعمت الطوى، واستقيت الجوى، فكيف أداعب وتصاعب، وأحالف وتخالف، وأواصل وتفاصل؟ وأجاب وتجانب؟، لبئست مطيتك التي اقتعدت، وشرعتك التي شرعت، فوالله لولا أن الحب حادث لا يتقى بالتروس، ومعنى لا يدرب إلا في النفوس، وسهام لا ترمى إلا من قسي الحواجب، ونحو أوله المعية وآخره الجوازم، لما افترست بالظباء الأسود الصيد، ولا ملكت الأحرار العبيد، ولولا أني كرعت من صابه، والتحفت ببردة أوصابه لتعوذت منك بسورة الفلق، ونبذتك نبذ الرداء الخلق، ولهان على أن أدعك أو أسمعك:
تمرون الديار ولم تعوجوا ... كلامكم علي إذا حرام
غير أن لي نفسًا شبت على الحب فلم أفطمها، وتقادعت على ناره فلم أعصمها، حتى بلغ السيل الزبى، وتبددت النفس أيدي سبا، إلا حشاشة غفل عنها الوجد، وبقية رمق ألفيتها من بعد، وكلما رأيت منك الشطط والاعتساف، عمدت إلى أن أثنى من رسنها، وأذودها عن عطنها، وشخصت إلى المكافحة، والمكافأة، وألا أكيلك إلا مثلًا، ولا أسفيك إلا وشلا ولا أزيدك إلا فشلا.
стр. 115
ولست أجزيك الجزاء الذي ... على وفاء الصنع لا بخسه
وليس يبكي صاحبًا من إذا ... أهين لا يبكي على نفسه
على أني بالرغم أصبح في نهار أحلك من ليل، وأمسى في ليل أشق على النفس من ويل.
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي
فإن تخلصت من لقائك فإلى الشقاء، وإذا لجأت من عسفك فإلى العناء، وإذا استجرت بفراقك فإلى الرمضاء، وكأنك لم تدر أن دولة الحسن سريعة التفويض، وأنه لا بد من هبوط العمر إلى الحضيض، ولسوف تبلى بعارض، بيد أنه غير ممطر، وبساعة مقبلك فيها مدبر، وستصبح عما قريب قد عفت رسومك، ولم تجد في الصحبة من يسومك، والعاقل من لا يخال بنفسه، ولا يبني على غير أسه، فإنك ما نضدت لؤلؤة مبسمك، ولا نضرت صورة معصمك، ولا شئت فخلقت كما تشاء، ولا اتخذت عند الله عهدا، وهذا الوفاء، ولكن مثلك من أفرغه الله في القالب الذي اختار، وجعله مرتبع النفوس ومسرح الأبصار، وإني أيها العزيز قد تقدمت إليك.
ولي أمل قطعت به الليالي ... أراني قد فنيت بها وداما
فلا تحرمني من سائغ الود وسابغه، ولا تجعلني كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه، وما هو ببالغه.
فأشد ما لقيت من ألم الجوى ... قرب الحبيب وما إليه وصول
كالعيس في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمول
فأعمل في يومك لغدك، واستجز غيرك ببسط يدك، ولا تأخذني بجرما الجاني المتلبس، بيد أني أناشدك الذي يلي العاشق بالمعشوق، وكلفه في الحب بيض الأنوق، وسهدت طرفه بنواعس العيون، وخول للحسن إذا أراد شيئًا أن
стр. 116
يقول له: كن فيكون، كما قرن الهوى بالنوى، والقلب بالجوى، وقضى على المحب، ونشر العشق فلم يحتجب، ما الذي أغرى بك إلى الاعتساف، وعدم الإنصاف؟
ألين الأعطاف أم فتور الأجفان، أم تكسر الكلام، أم هيف القوام؟ لقد شددت أزرك -والله- بضعاف، واستمنت تلك العجاف، وهل وهل حدا إلى قطيعتي بك إني خشن الملمس، رث الملبس، ولم أمنح كما منحت نضرة، ولم ألبس برقع البياض والحمرة، فأعلم أنك إن نظرتني بعين الرضا، ورحمت فؤادا يتقلب منك على جمر الغضا، فستجدني صديقك الذي لا يبطره الوفاء، ولا يثنيه الجفاء، أملك لك من لسان، وأطوع لأمرك من بنان.
أكتب، فأين لعبد الحميد الكاتب قلمي؟ وأشعر، فأين الشعراء إلا تحت علمي، وأبذل، فأين حاتم من كرمي؟ وأحلم فأين أحنف من حلمي؟
وحسبك فخرا أن يجود بنفسه ... على رغب من ليس يأمل في الشكر
ومن يحتمل في الحب ما فوق كاهلي ... فحسبك حلمًا أن يقيم على الهجر
فإن أصخت إلى الداعية، ووعيت كلمات لا تسمع فيها لاغية، فإليك الجزاء وعلي الوفاء، وإلا فالفرار إلى الموت أمر يسير، والقبر للعشاق قليل من كثير".
ولعلكم لحظتم شدته في عتبه، وقسوته على حبه في مستهل رسالته، وأنه أنذره القطيعة، وأنه إذا وجد من يده ملالًا قطعها ومن رجله كلالًا جذها، ولم يقل كما قال قيس بن الملوح.
فيا حبها زدني جوى كل ليلة ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر
ثم نراه قاسيًا في إنذارها بأفول نجمعها وتقوض حسنها، وبعد ذلك يلين ويتشفع، ويصف ما يعانيه، ويصور ما يلاقيه، وأنه يتقلب على جمر الغضا، وألا سبيل إلى السلو، فإن بعد عنها فإلى الشقاء، وإن استجار بالبعد فإلى الرمضاء، وفي الحق إنه عبر عن عاطفته أتم التعبير، عاطفة المحب المدله، الذي كان يظن لنفسه مكانة في قلب الحبيب فقسوته دليل حبه، وصرامته علامة وجده، ثم عبر عن شدة تعلقه بها، وأن لا سبيل إلى هجرانها، وحاول بعد ذلك استرضاءها، والعفو عن زلته والتجاوز عن هفوته.
أما أسلوبه فأسلوب الأديب الذي يختفي بأسلوبه، وقد جاء معظمها مسجوعًا، كما أكثر من ألوان البديع وتعمده، وبخاصة الجناس والطباق، وإن كان لقوة أسره، ومتانة سبكه لا يظهر عليه التكلف والتعمد، كما ضمنه بعض الإشارات التاريخية، واستشهاده بالشعر كثير، وجاء الشعر في موضوعه تمامًا لا نبو فيه، ولا قلق، وقد آثرت أن أورد الرسالة كاملة لطرافة موضوعها، ولمكانة صاحبها؛ ولأنه لم يشتهر بهذا اللون من الكتابة، وقد كان حقًا في غاية اللباقة حين أطرى حسنها، ودلها، وساقه مساقًا لا يبعث فيه الزهو والكبرياء.
стр. 117
حفني ناصف:
أما ثانيهما فهو حفني ناصف وقد تخرج في دار العلوم سنة ١٨٨٢ بعد أن قضى بها ثلاث سنوات، وتلك السنة التي شبت فيها الثورة العرابية، ودخل الإنجليز مصر، وكان حفني أديًبا، وعالمًا لغويًا، وأهم ظاهرة في أدبه شعره ونثره تلك الروح المصرية السمحة التي تتميز بالدعابة والفكاهة، ويقول عنه تلميذه طه حسين: إنه "كان ذكي القلب، خصب الذهن، نافذ البصيرة حاضر البديهة، سريع الخاطر، ذرب اللسان، وكان أسمع الناس طبعًا، وأرجحهم حلمًا، وأعذبهم روحًا، وأرقهم شمائل".
وقد شغل حفني مناصب عدة، فاشتغل بالتدريس والقضاء، وسافر إلى أوروبا وكتب في الصحف، وكان لكل ذلك تأثير في عقله، ومن ثم على قلمه، ولعله أشهر كتاب الرسائل وأقواهم بعد عبد الله فكري، وهو ممن يؤثرون السجع ويدافعون عنه، وسنرى بعد قليل حجته في ذلك، وقد تدعوه روح الفكاهة والظرف إلى استخدام بعض الألفاظ العامية أو المتداولة كثيرًا، إذ يراها تضفي على كتابته الروح التي يريدها، ومن ذلك مثلًا قوله من رسالة يشكر فيها من أهدى له عنبًا: "وصل يا مولاي إلى هذا الطرف ما خصصت به العبد من الطرف "قفص" من عنب كاللؤلؤ في الصدف، تتألق عناقيده كأنها من صناعة "النجف"،
стр. 118
ولعمر الحق إنها تحفة من أحلى التحف، لا يعثر على مثلها إلا بطريق "الصدف"، فقابلناه لثما بالأفواه، ورشفا بالشفاه، واحتفينا بقدومه كل الاحتفاء، ولم نفرط في حبه عند اللقاء، بل حللنا به الحبى، وقلنا له: أهلا وسهلا ومرحبًا، وأوسعناه عضا ولثما، وتناولناه تجمنيشًا وضما ... إلخ".
ولعل من أشهر رسائله، وأدلها على أسلوبه وخصائصه، وكيف كان يضمنها الأمثال والأشعار، ويحل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، بطريقة تدل على مقدرة وتمكن في الكتابة، وعلى أن حفني قد يجد -وكثيرًا ما يجد- في كتابته فيغضب لكرامته، ويكون قاسيًا في معاتبته، مع أدب جم، وذوق رفيع في اختيار الكلمات، وعرض الفكرة -لعل من أشهر رسائله في هذا الباب رسالته إلى السيد توفيق البكري، وقد زاره في بيته فوجد زوارا كثيرين، فانتظر حتى قدم صاحب الدار، ولكنه لم يعره التفاتا، فكتبت إليه يعتب عليه:
"كتابي إلى السيد السند، ولا أجشمه الجواب عنه، فذلك ما لا أنتظره منه، وإنما أسأله أن ينشط لقراءته، وتنزل إلى مطالعته، وله الرأي بعد ذلك أن يحاسب نفسه، أو يزكيها ويحكم لها أو عليها.
فقد تنفع الذكرى إذا كان هجرهم ... دلالًا فأما إن ملالًا فلا نفعًا
"زرت "السيد"، ويعلم الله أن شوقي إلى لقائه، كحرص على بقائه، وكلفي بشهوده، كشغفي بوجوده، فقد بعد والله عهد هذا التلاق، وطال أمد الفراق وتصرم الزمان، وأنا من رؤيته في حرمان، فسألت عنه فقيل لي: أنه خرج لتشييع زائر، وهو عما قليل حاضر، فانتظرت رجوعه، وترقبت طلوعه، ولم أزال أعد اللحظات، وأستطيل الأوقات، حتى بزغت الأنوار، وارتج صحن الدار، وظهر الاستبشار على وجوه الزوار، وجاء السيد في موكبه وجلاله محتده ومنصبه، فقمنا باستقباله، وهيمنا بكماله فمر يتعرف وجوه القوم، حتى حازاني، وكبر على عينه أن تراني، فغادرني ومن على يساري، وأخذ في السلام على جاري، وجر السلام الكلام، وتكرر القعود والقيام، وأنا في هذه الحال أوهم جاري أني في داري، وأظهر للناس أن شدة الألفة تسقط الكلفة، مر السيد بعد ذلك من أمامي ثلاث مرات، ومن الغريب أنه لم يستدرك ما فات.
стр. 119
تمرون الديار ولم تعوجوا ... كلامكم علي إذا حرام
وكنت أظن أن مكانتي عند السيد لا تنكر، وأن عهدي لديه لا يخفر، فإذا أنا لست في العير ولا في النفير، وغيري عند السيد كثير، وذهاب صاحب أو أكثر عليه يسير.
ومن مدت العليا إليه يمينها ... فأكبر إنسان لديه صغير
ولا أدعي أني أوازي السيد "صانه الله" في علو حسبه، أو أدانيه في علمه وأدبه وأقاربه في منصابه ورتبه، أو أكاثره في فضته وذهبه، وإنما أقول: ينبغي للسيد أن يميز بين من يزوره لسماع الأغاني والأذكار، وشهود الأواني على مائدة الإفطار، وبين من يزوره للسلام، وتأييد جامعة الإسلام، وأن يفرق بين من يتردد عليه استخلاصًا للخلاص، ومن يتردد إجابة لدعوى الإخلاص، وألا يشتبه عليه طلاب الفوائد بطلاب العوائد، وقناص الشوارد، بنقباء الموالد، ورواد الطرف بأرباب الحرف.
فما كل من لاقيت صاحب حاجة ... ولا كل من قابلت سائلك العرفا
فإن حسن عند السيد أن يغضي عن بعض الأجناس، فلا يحسن أن يغضي عن جميع الناس، وإلا فلماذا يطوف على الضيوف، ويحييهم بصنوف من المعروف، يتخطى الرقاب "لصروف"، ويخترق لأجله الصفوف؟، فإن زعم السيد أنع أعلم بتصريف الأقلام، فليس بأقدم هجرة في الإسلام، وإن رأى أنه أقدر مني على إطرائه، فليس بممكن أن يتخذه من أوليائه.
ولا أروم بحمد الله منزلة ... غيري أحق بها مني إذا راما
وإنما أصون نفسي عن المهانة والضعة، ولا أعرضها للضيق وفي الدنيا سعة.
وأكرم نفسي، إنني إن أهنتها ... وحقك لم تكرم على أحد بعدي
فلا يصعر السيد من خده، فقد رضيت بما ألزمني من بعده، ولا يغض من عينه، فهذا فراق بيني وبينه، وليتخذني صاحبًا من بعيد، ولا يكلمني إلى يوم الوعيد.
стр. 120
كلانا غني عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشد تغانيا
ومني على السيد السلام، على الدوام، ومبارك إذا لبس جديدًا، وكل عام وهو بخير إذا استقبل عيدًا، ومرحى إذا أصاب، وشيعته السلامة إذا غاب، وقدومًا مباركًا إذا آب، وبالرفاء والبنين إذا أغرس، وبالطالع المسعود إذا أنجب، ورحمة الله إذا عطس، ونوم العافية إذا نعس، وصح نومه إذا استيقظ، وهنيئًا إذا شرب، وما شاء الله إذا ركب، ونعم صباحه إذا انفجر الفجر، وسعد مساؤه إذا أذن العصر، وبخ بخ إذا نثر، ولا فض فوه إذا شعر، وأجاد وأفاد إذا خطب، وأطرب وأغرب إذا كتب، وإذا حج البيت فحجا مبرورًا، وإذا شيع جنازتي فسعيا مشكورًا، والسلام".
ونرى حفني قد سار في هذه الرسالة سيرا طبيعيًا، ومهد لعتبه تمهيدًا لبقا، فبين كم كان مشوقًا إلى لقائه، والحوافز التي دعته إلى زيارته، ثم أجاد في وصف موكب السيد، ووصف حاله هو حين تخطاه ولم يعره التفاتا، وكيف حز ذلك في نفسه، وبين أنه على الرغم من التفاوت بينهما في المنصب، والجاه والحسب والمال، فإنه لم يزره طالبًا رفده أو منظرًا فضله، ويجب عليه أن يفرق بين أنواع الزوار، وضرب مثلًا بحفاوة السيد يعقوب صروف، وبين أنه لا يقل عنه منزلة، فليس ممن سبقوا إلى الإسلام، ثم اشتد في عتبه وثأر لنفسه في أدب، وبين أنه كريم يحافظ على مكانته، وأنه سيفارقه إلى الأبد ضنا بنفسه عن المهانة، وقطع عليه خط الرجعة، فقدم لك كل ما يمكن أن يقال في المناسبات، حتى تشييع جنازته، فهي رسالة أديب حر كريم، ونموذج صادق في ميدان الأدب والكرامة.
ولقد كان حفني بارعًا في تصوير المواقف، والحالات النفسية والمناظر، وكان أسلوبه فيها شفافًا عن نفسه، لم يحل سجعه دون ظهور صدقه، ولم تحل سماحته وسجاحته دون شدته وقوة عارضته، وقد أفاء على سجعه طلاوة قصر فقراته، ومجيئه متمكنًا في مواضعه حتى لا نحس بأدنى تكلف، وقد ضمنها كثيرًا من الأشعار جاءت في مكانها مناسبة للمقام تمام المناسبة.
стр. 121
ولا شك أنه ذوق حفني، وكثرة محصوله من الأدب نثره وشعره، وما كان فيه من حالة نفسية عاطفية قد أضفى على القطعة كلها جو من القوة، وجماله الرونق.
وكان حفني مولعًا بالسجع، متمكنًا فيه كل التمكن، ولذلك لم يعدل عنه رسائله، بل كان يحرر به المقالات، وينشئ المقامات، وفي أخريات تلك الحقبة اشتدت الحملة على السجع ممن أرادوا تحرير النثر من قيوده، وكان ذلك طبيعيًا لتطور العقول، وتحررها من مخلفات الماضي، وازدياد صلتها بالثقافات الأجنبية، ولطور المقالة الصحفية بمختلف أنواعها، فلم لا تسلك ألوان النثر الأخرى مسلكها، ولقد كان حفني يمثل الفريق المحافظ في هذا الصراع بين الثقافتين، ولذلك سجل رأيه في السجع واضحًا فقال:
"أخذوا في ذم السجع والمقفى، وأطلقوا القول في تهجينه، وضللوا المتقدمين من المنشئين، وأئمة الأدب وفرسان البراعة، ولا أقول: إن ذلك ناشئ عن عجزهم وقلة بضاعتهم في ذلك الشأن، فأخذوا يحسنون به القبيح ويقبحون الحسن، سفسطة على العالم، ومغالطة اللناس ومن جهل شيئًا عاداه، بل أقول: إن هذا إطلاق في مقام التقييد، وإرسال للعنان في موضع الإمساك، وإجمال في ساحة التفصيل، والحق أن لكل مقام مقالًا، وأن السجع والتقفية، قد يلبسان القول حسنًا، ويكسبانه رونقًا لا ينهض به تفلسفهم المسجوع، وسفسطتهم الباردة.
نعم إن بعض القاصرين من النشئين قد يضطره الازدواج، وتحكم عليه القافية، فيأتي بألفاظ عن الغرض، أو يعقد الكلام فلا يفي بالمرام، فكانوا -لو أنصفوا- يجعلون هذا محط تهجينهم، ومرمى قذفهم، فإن الحشو مذهب لانتظام القول، مضيع لزينته.
فالغاية أنه يلزم المنشئ أن يكون كلامه وافيًا بالغرض، مؤديًا للمطلوب في سياق مناسب لاختلاف المقامات وتباين الدواعي، فإن سهل عليه ذلك مع مراعاة السجع، والقافية كان أدخل في تمكين المعاني في الأذهان، وأنشط للأسماع.
стр. 122
وأدعى للإقبال، وأخف على الأرواح، فتركه إنما هو رخصة لا عزيمة، فعليك أن تستعمل فكرك في استخلاص الحق، وتبصر وتشيم كل برق فما كل داعي بأهل، لأن يصاخ له، ولا ترم بنفسك في إسار التقليد، ولا تكن في الأمور إمعة، كلما سار إنسان سرت معه".
ومع هذا الدافع عن السجع، وبيان مواطنه المناسبة، فإن التيار كان قويًا، وقد كان حفني ناصف نفسه من العاملين على إشاعة الترسل في الكتابة كما يقول صاحبًا الوسيط، وإن ظل الأسلوب الأدبي متميزًا بطابع خاص، وقد مرت بنا بعض رسائل قل فيها السجع، ومع ذلك حفظت رونقها وطلاوتها كتلك التي كان يكتبها الشيخ مفتاح.
إن دافع حنفي ناصف وثيقة قيمة تكشف عن الصراع في سبيل الوصول إلى الأسلوب المناسب مع تيارات العصر، وكانت آخر سهم وجهته الفرقة المحافظة قبل أن تستسلم.
أما أدباء الشام -سواء منهم من آثر الإقامة بمصر، ومن ظل بدياره فقد كانت السمة الغالبة على نثرهم هي السجع، وحشد المحسنات، وبخاصة في الرسائل، ولقد ذكرت أني سأختار كاتبين من بين كتابهم كان لهما عناية بفن الرسائل، وصلات متينة مع كثير من الأدباء استدعت مكاتبتهم والرد عليهم، وهمها إبراهيم اليازجي، وأديب إسحاق.
стр. 123
إبراهيم اليازجي:
وللشيخ إبراهيم اليازجي يعتذر لصديق، "بم يعتذر إليك من لا يرى لنفسه عذرًا، وكيف يستتر من عتبك من لا يستطيع لذنبه سترًا، بل كفاني من التعب تعنيف نفسي على ما ألقيت عليها من تبعه تقصيري، وما حلت به من التفريط بينها وبين معاذيري، والله يعلم ما كان تقصيري شيئًا أردته، ولا كان تفريطي أمرًا قصدته، ولكنها الأيام إن صاحبتها لم تصحب، وإن عاتبتها لم تعتب، فلقد عبرت بي هذه البرهة كلها، وأنا بين شواغل لا يشغلها عني شاغل، وبلابل قد اختلط حابلها بالنابل، فنازعتها هذه النهزة اليسيرة أجد فيها صلة التذكرة، إلى أن يمن الله بصلة الحبل، واجتماع الشمل، وأستنزل أحرفا من خطك يكتحل بها الناظر ويأنس إليها الخاطر متوقعًا بعد ذلك أن أبقى بين يدي مودتك مذكورًا، وألا يكون عجزي لديك شيئًا منظورًا، وأن تجري بي على عادة حلمك، إلى أن يجمع الله الشتيتين، ويغني العين عن الأثر بالعين إن شاء لله تعالى".
ونلحظ -على الرغم مما عرف عن الشيخ إبراهيم من عنايته برسائله، وأنه كان من المهتمين بالأدب، كثير الكتابة في الصحف، بل كانت له صحيفة يحررها -أنه في رسائله بعامة، وما هذه الرسالة إلا نموذج له، يتكلف بعض العبارات، ويطيل الجملة حتى بالسجعة، ويأتي بجمل غامضة كقوله في آخر رسالته، ويغني العين عن الأثر بالعين جريًا وراء الجناس التام.
أما أديب فكان كعادته مشبوب العاطفة في كل ما يكتب متمكنًا من اللغة، يحسن تصريف الكلام، وعلى الرغم من تكلفه السجع في رسائله، فإن خياله وعاطفته يخففان من وقعه، فيأتي غير ثقيل أو مسترذل كقوله من رسالة كتبها إلى الأمير عبد القادر الجزائري:
"كتابنا أيد الله الأمير الأعز، ونحن عصبة تذكر: ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويأمر بالمعروف، وينه عن المنكر.
رأينا ما ألم بهذه الأقطار من الأضرار، ناشئة عن تحالف القلوب، وتنافر الأفكار حتى صار الود مداجاة والحب عدوانًا، فقلنا يا قوم: لا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا، ورأينا بوادر البلاء وطلائع الشقاء، فخفنا المصاب الأعظم ينقلب به الخير إلى الضير، والمغنم إلى المغرم، ويزول بهاء الأمة، ثم تغضب الأرض التي سقاها السلف الكرام بالدم فنهضنا نروم حفظ الباقيات الصالحات بوسائل السلم، والسلم أسلم، وذكرنا خيركم المدافع عن عشيرته ما لم يأثم.
ورأينا فقيرنا يتعثر بأذيال ناقته، وعظيمنا لا يأمن على راحته، أو على ما في راحته، ومثل ذلك سائر إخوان الوطن الذي ولدنا فيه، أو نزلنا بساحته، فنزعت أنفسنا إلى إعانتهم، ومن كان في حاجة إلى أخيه كان الله في حاجته.
стр. 124
ورأينا فضل الأمير على طور تحلي الحكمة، وتوقظ الراقد، وتنبه الغافل من هاته الأمة، فتكشف عنها كل ملمة، فعلمنا أن لا بد من مساعدته في هذه المهمة، فرفعنا إليه الصحيفة التي هي لسان حالنا لتنوب لديه عن لسان مقالنا، أمل الحصول على القبول شأن الأمير في معاملة من أمة، ورجاء، ورود الجواب بما يراه في أمر هذه الخدمة، في تشريفنا بذلك رأيه العالي مسددًا، وأمره الكريم مؤيدًا إن شاء الله".
وهذه الرسالة تكاد تكون في غرض عام، لا رسالة إخوانية؛ لأنه يرفع الصحيفة إليه، ذاكرًا الحوافز التي دعته إلى إصدار الصحيفة، وهي وجود الخلافات بين أفراد الأمة، ووجود الفوارق بين الطبقات، وعدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -إلى غير ذلك من الأمور التي جاءت في رسالته، ونرى أنه يكثر من حل الآيات القرآنية على طريقة ضياء الدين بن الأثير، فتزيد من رونق كلامه، ورأيناه يسجع أحيانًا ويزاوج أحيانًا، مع ظهور عاطفته قوية؛ لأنه يتحدث في موضوع وطني، وكان أديب كما عرفنا يشتعل حماسة في كل ما يمس الوطن، أو يتصل بشئونه.
ومن رسائله الإخوانية ما كتبه لعبد السلام المويلحي حين انقطعت عنه رسائله:
"لولا دلالة القلب على صفاء الوفاء، وهداية النفس إلى بقاء الإخاء لغالبت الشوق في استطلاع أخبارك منك، ووقفت عن شكوى هجرك إليك مخافة إملالك بما أنت غني عنه، وكراهة إعناتك بما أنت زاهد فيه، ولكني عهدت بين جنبيك قلبًا لا يحوله تغير الأحوال ولا يبدله كرور الأيام والأحوال، فأنا مخاطبه بما يمليه الشوق على رضيت أم غضبت، وسكت أم أجبت.
أي قلب من نحب ونكرم، ونجل ونعظم، لقد اتصلنا منك بأسباب المودة، واعتقلنا منك بأهداب الصداقة، فهل أنت ذاكر معاهدنا بذات الوفاء ليالي هجرنا الرقاد إليك، وقصرنا الوداد إليك، أو رضيناك من الدنيا نصيبًا، واخترناك من العالمين حبيبًا، وكيف لا؟ وقد لازمك الصفاء وصافاك الوفاء، فصفوت على
стр. 125
كدورة الأيام، ووفيت على خيانة الأنام، فإن عدلت وما عدلت فعلى الدنيا السلام".
وفي هذه الرسالة متانة وعلى الرغم من أنها مسجوعة، وفيها جناس متعمد في بعض فقرها، إلا أنها تذكرنا برسائل الكتاب في القرنين الثالث والرابع.
هذا ولو رحنا نتبع كتاب الرسائل في مصر والشام في أخريات القرن التاسع عشر، وجدنا أكثريتهم تصطنع في الرسائل ذلك الأسلوب المحتفى به، الذي تختار كلماته بدقة، ويتضمن ألوانًا من الخيال التفسيري، وبعض البديع وبخاصة الجناس، وكثير منهم كان يؤثر السجع، فإن لم يتيسر فالمزاوجة.
ولا شك أن ذلك الأسلوب زاد اللغة قوة، ودفعها إلى الأمام، فلم تنتكس وتعود إلى عصور الضعف، وهو مقبول في النثر الأدبي، وما من أديب في تلك الفترة إلا كان له جولات في ميدان المراسلة، بيد أن أسلوب الرسائل أخذ يخف منه السجع تدريجيًا منذ أوائل القرن العشرين، وإن حافظ على قوة ديباجته، وحسن صياغته.
هذا وقد ظهرت عدة كتب في تلك الفترة آثر أصحابها أن يكتبوها بالأسلوب المسجوع، المحلى بأنواع الزخارف والبديع على اختلاف بينهم في مقدارها، وتعد من الكتب الأدبية الجديرة بالدراسة؛ لأنها تمثل طورًا من أطوار النثر الأدبي، ومن ذلك حديث عيسى بن هشام للمويلحي الذي ساقه على طريقة المقامة، وأسواق الذهب لشوقي أمير الشعراء، وليالي سطيح لحافظ إبراهيم، وصهاريج اللؤلؤ للبكري.
стр. 126
الكتب الأدبية:
بعض هذه الكتب وضع في أغراض شتى جمع بينها كتاب مثل أسواق الذهب لشوقي، وصهاريج اللؤلؤ للبكري، وبعضها شبه قصة تعالج مشكلات اجتماعية، وتتعرض للوصف على أسلوب المقامة كحديث عيسى بن هشام وليالي سطيح.
ومن الظاهر التي شاعت في أخريات هذا العصر استخدام النثر في موضوعات الشعر، كما رأينا عند فكري في وصف حديقة، أو وصف يوم مطير بالآستانة، وكما رأينا عند حفني ناصف من وصف هدية العنب، أو وصف العصا، وممن اشتهر بهذا اللون كذلك مصطفى نجيب وله براعة في وصف المخترعات الحديثة، ومظاهر المدينة بقلم أديب، وخيال شاعر كوصفه للحاكي ووصفه للنظارة التي يقول عنها: "فلو كانت في يد ذلك الظمآن -استغفر الله- لما كان يحسب أن الشراب ما استغربتها العقول، حتى صار لكل إنسان فيها نظر، واطلعت على تفاوت الناس، فجاءت لكل بصر بقدر، ونال بها كل قصده ومرامه، واستوى عندها، أعمى وأعشى ثم ذو بصر وزرقاء اليمامة، فلو كانت عينا لكشفت حقائق الضمائر، ونظر بها تقلب القلوب، وحقيقة البصائر، شهد لها الجمع بالفضل لما ظهر لكل إنسان لديها حالة ضعفه، وعظم مقدارها كل فرد ورفعها -رغبة أو رغمًا- على أنفه".
وقد كان مصطفى نجيب يحسن ابتكار المعاني، وتوليدها وصوغها في ذلك الأسلوب الرشيق، كما اشتهر بالملح، والدعابة شأن كثير من أدباء مصر، وقد أوردنا وصفه للحاكي كاملًا في الأدب الحديث، وهو ممن يؤثر الأسلوب المسجوع دائمًا، ولكنه في يده لا يشعرك بتكلف، أو تعسف مع تضمين كثير من الآيات القرآنية، والآيات الشعرية.
стр. 127
أسواق الذهب لأحمد شوقي:
وممن أسهم في هذا الباب أمير الشعراء شوقي في كتابه أسواق الذهب، وقد كتبه على سنوات كما يبدو في موضوعاته ومناسباتها، فموضوع قناة السويس كتبه وهو يعبرها في طريقه إلى منفاه، والجندي المجهول كتبه بعد الاحتفال بالجندي المجهول بباريس، ويقول لنا شوقي في مقدمة هذا الكتاب:
"وبعد، فهذه فصول من النثر، ما زعمت أنها غرر زياد أو فقر الفصيح من إياد، ولا توهمت حين أنشأتها أني صنعت "أطواق الذهب" للزمخشري، أو طبعت "أطباق الذهب" للأصفهاني، وإن سميت هذا الكتاب بما يشبه اسميهما، ووسمته بما يقرب في الحسن من رسميهما، وإنما هي كلمات اشتملت على معان شتى الصور، وأغراض مختلفة الخبر جليلة النظر، منها ما طال عليه القدم، وشاب على تناوله القلم، وألم به الغفل من الكتاب والعلم، ومنها ما كثر على الألسنة في هذه الأيام، وأصبح يعرض في طرق الأقلام، وتجري به الألفاظ في أعنة الكلام من مثل: الحرية، والوطن، والأمة والدستور، والإنسانية، وكثر غير ذلك من شئون المجتمع وأحواله، وصفات الإنسان وأفعاله، أو ماله علاقة بأشياء الزمن ورجاله، يكتنف ذلك، أو يمتزج به حكم عن الأيام تلقيتها، ومن التجارب استمليتها، وفي قوالب العربية وعيتها، وعلى أساليبها خبرتها ووشيتها، بعض هذه الخواطر قد نبع من القلب، وهو عند استجمام عفوه، وطلع في الذهن وهو عند تمام صحوه وصفوه، وغيره، -ولعله الأكثر- قد قبل والأكدار سارية، والأقدار بالمكاره جارية والدار نائية، وحكومة السيف عابشة عاتية، فأنا أستقبل القارئ فيه السقطات، وأستوهبه التجاور عن الفرطات، اللهم غير وجهك ما ابتغيت وسوى النفع لخلقك ما نويت، وعليك رجائي ألقيت، وإليك بذلي، وضعفي انتهيت".
стр. 128
ومن يستعرض موضوعات الكتاب يجدها أنواعًا، فمنها التاريخي أو الذي يستطرد فيه لشوقي إلى التاريخ، وهنا تتجلى براعته، وقدرته على بعث الماضي حيا نضرا كموضوع قناة السويس، والأهرام، والمسجد الحرام، والبحر الأبيض المتوسط، وبعضها آراء خاصة في موضوعات اجتماعية مع تصوير دقيق موجز للآفات منها كالظلم، وشاهد الزور "والطلاق"، والكاتب العمومي، وبعضها تأملات تكاد تشبه الفلسفة كالحياة، والموت والمال، والأمس، واليوم والغد، والجمال، والصبر، والعلم، والذكرى، واللسان، والبيان، وبعضها وصفي خالص كالشمس والظبي، والأسد، والأسد في حديقة الحيوان، والشباب والزهر، والقلب، وبعضها ديني كالشهادة والصلاة والزكاة والحج والطلاق، وخطيب المسجد.
وقد آثر شوقي في كثير من الموضوعات السجع مع قصر الجمل، والإشارات التاريخية، وهو أشبه بالشعر المنثور، ففيه خيال شوقي، ورائع تصويره، وعاطفته، وجمال موسيقاه، وإن كان أحيانًا يولع بالغريب، ويتكلف في إيراد الألفاظ، ونرى شوقي في أخريات الكتاب قد عدل عن السجع إلى الازدواج، ولكن بعد ما بين رأيه في السجع ودافع عنه كما سيجيء.
ونرى شوقي في أوج أسلوبه حين يعرض للتاريخ، وحين يكون أسوان جياش العاطفة، خذ مثلًا موضوع قناة السويس، وتكاد تذكرنا في ملامحها العامة، وما ورد فيها من صور، وأفكار بقصيدته "كبريات الحوادث في وادي النيل"، لولا أنه قالها، وهو في طريقه إلى المنفى، فأضفى عليها حزنه لفرقة وطنه، وشعوره الحاد بالظلم عاطفة قوية زادتها روعة، وجمالًا.
يقول شوقي مخاطبًا ولديه حين عبرا معه القناة:
"تلكما يا ابني القناة لقومكما فيها حياة، ذكرى إسماعيل ورياه، وعليا مفاخر دنياه، دولة الشرق المرجاة، وسلطانه الواسع الجاه، طريق التجارة، والوسيلة والمنارة، ومشرع الحضارة، تعبرانها اليوم على مزجاة كأنها فلك النجاة، خرجت بنا بين طوفان الحوادث، وطغيان الكوارث، تفارق برًا مغتصبه مضرى
стр. 129
الغضبة، قد أخذ الأهبة، واستجمع كالأسد للوثبة، وتلاقى بحرًا جنت جواريه، ونزت بالبشر نوازيه، وتمثلت بكل سبيل عواديه، مملوءًا ببغتات الماء، مترعًا بفجاءات السماء، ومن نون ينسف الدوارع، أو طير يقذف البيض مصارع.
فقلت: سيرى عوذتك بوديعة التابوت، وبصاحب الحوت، وبالحي الذي لا يموت وأسري يا ابنة اليم زمامك الروح، وربانك نوح، فكم عليك من منكوب ومجروح.
إن للنفي لروعة، وإن للنأي للوعة، وقد جرت أحكام القضاء بأن نعبر هذا الماء حين الشر مضطرم، واليأس محتدم والعدو منتقم، والخصم محتكم وحين الشامت جذلان مبتسم، يهزأ بالدمع وإن لم ينسجم.
ثم يقول: ماذا تهمسان؟ كأني بكما تقولان: أي شيء بدا له، على هذه الضاحية! وماذا شجا خياله، من هذه الناحية، وأي حس أو طيب لملح يتصبب في كثيب؟ ماء عكر في رمل كدر، قناة حمئة كأنها قناة صدئة، بل كأنها وعبريها رمال، بعضها متماسك، وبعضها منهال، وكأن راكب البحر مصحر، وكأن صاحب البر مبحر.
رويدكما! ليس الكتاب بزينة جلده، وليس السيف بحلية غمده تلك التنائف، من تاريخكم صحائف، وهذه القفار كتب منه وأسفار، وهذا المجاز هو حقيقة السيادة، ووثيقة الشقاء أو السعادة، خيط الرقبة من اغتصبه اختص بالغلبة، ووقف الأعقاب عقبة، ولو سكت لنطقت العبر، وابن العيان وأين الخبر؟
انظرا لتريا على العبرين عبرة الأيام، حصون وخيام، وجنود قعود وقيام، جيش غيرنا فرسانه وقواده، ونحن بعرانه وعلينا أزواده، ديك على غير جداره خلا له الجو فصاح، وكلب في غير داره، انفرد وراء الدار بالنياح.
القناة! وما أدراكما ما القناة، حظ البلاد الأغبر من التقاء الأبيض والأحمر، بيد أنها أحلام الأول، وأماني الممالك والدول، الفراعنة حاولوها، والبطالسة زاولوها، والقياصرة تناولوها، والعرب لأمر ما تجاهلوها ... إلخ".
стр. 130
ويمضي شوقي في الوصف ويتكلم على من عبر القناة من الأنبياء كإبراهيم وموسى وعيسى، وعمرو بن العاص والإسكندر، وصلاح الدين ونابليون، وإبراهيم "باشا" في عرض شائق، وغوص إلى أعماق التاريخ، واستحضار لمشاهده حتى كأنك حاضره، وكأنك تسمع قصيدة عصماء من قصائد شوقي التاريخية بكل ما فيها من روعة، وحلاوة.
وفي الموضوعات الاجتماعية، والآفات الإنسانية لا يطيل التحليل، ولا يتعمق في التعليل، وإنما يورد رأيه، ويصور الآفة تصويرًا يبشعها وينفر منها، داعما آراءه بالحكمة يسوقها محكمة رصينة، خذ مثلًا قوله عن الظلم:
"قليل المدة" كليل العدة، وإن تظاهر بالشدة وتناهى في الجدة، عقرب بشولتها مختالة، لا تعدم نعلًا قتالة، ريح هوجاء لا تلبث أن تتمزق في البيد، أو تتحطم على أطراف الجلاميد، فتبيد، جامع راكب رأسه، مخايل ببأسه، غايته صخرة يوافيها، أو حفرة يتردى فيها، سيل طاغ لا يعدم هضابًا، تقف في طريقه، أو هادًا تجتمع على تفريقه، جدار متداع، أكثر ما يتهدد، حين يهم أن يتهدد هو غدا خراب، وكومة من تراب، نار مقطعة المدد، وإن سدت الجدد، وملأت البلد، يأكل بعضها كنار الحسد".
فيصف الظلم بأنه عقرب ستداس بالنعال، وريح ستتمزق في البيد أو تتحطم على الصخور، والظالم يركب رأسه لا يستمع لنصح، وغايته أن تتحطم رأسه على صخرة عناده، أو يتردى في حفرة خيلائه ... إلخ.
وفي هذا تنفير من الظلم، وتقديم الموعظة للظالم وتهديده، وتعزية للمظلومين فالظلم جدار متداع أكثر ما يتهدد حين يهم أن يتهدد، هو غدا خراب وكومة من تراب، وكأني به يدعوهم للصبر، ويقول لهم: إن يوم الظالم قريب.
ويرى شوقي من بين الآفات الاجتماعية المتفشية بين شبابنا اعتقادهم أن الشهادة هي جواز المرور إلى الحياة، فإن حصلوا عليها انصرفوا عن القراءة ومزقوا الكتب، ولم يفيدوا شيئًا من تجارب الحياة، ويصيبهم الغرور لنيلهم الشهادة
стр. 131
الدراسية، فيعتقدون أن لديهم علم الأوائل والأواخر، فيقول شوقي مسديًا إليهم نصيحة الحكيم الذي عرك الحياة وعركته:
"وما بال الناشئ وصل اجتهاده، حتى حصل على الشهادة، فلما كحل بأحرفها عينيه، وظفر بزخرفها، هجر العلم وربوعه، وبعث إلى معاهده بأقطوعة، طوى الدفاتر، وترك المحابر، وذهب بخايل ويفاخر، ويدعي علم الأوائل والأواخر؟
فمن ينبيه، بارك الله فيه، لأبيه، وجزى سعى معلمه ومربيه: أن الشهادة طرف السبب، وفاتحة الطلب، والجواز إلى أقطار العلم والأدب، وأن العلم لا يملك بالصكوك والرقاع، وأن المعرفة عند الثقات غير وثائق الإقطاع، ومن يقول له أرشده الله: إن شهادة المدرسة غير شهادة الحياة؟ فيا ناشئ القوم، بلغت الشباب، ودفعت على الحياة الباب، فهل تأهبت للمعمعة، وجهزت النفس للموقعة، ووطنتها على الضيق بعد السعة، وعلى شظف العيش بعد الدعة؟ دعت الحياة نزال فهلم اقتحم المجال، وتزود للقتال، أعانك الله على الحياة، إنها حرب فجاءت، وغدر وبيات وخداع من الناس والحادثات، فطوبى لمن شهدها كامل الأدوات، موفور المعدات، سلاحه صلاحه، وترسه دربته، ويلبه أدبه وصمصامته استقامته، وكنانته أمانتاه، وحربته وداعته".
وإذا كان المضمون كما رأيت يزخر بالحكمة البالغة، والنصيحة الصريحة، فإن الأداء على الرغم مما به من سجع، وجناس كان أقرب إلى الشعر منه إلى النثر، له رنين محبب في الأذن، ودل على ذوق شوقي، وحسن تأتيه في إيراد الكلمات واختيارها، يزين كل ذلك خيال شاعر، وعاطفة الشفقة، والمنفعة العامة للوطن.
أما تأملاته في بعض المعنويات، والقضايا الكلية، فمنها ما ردده القدماء، ومنها ما خاض فيه غير متأثر برأي سواه، فكلامه عن الحياة يشبه ما أثر عن الإمام علي في نصيحته لضرار الصدائي من "أنها حلوة مرة، عواقبها نغص، ومشاربها غصص، وأنها أفعى خداعة ولذة لذاعة".
стр. 132
وقد تكلم عنها شوقي ثلاث مرات، كل مرة في موضوع مستقل، جرى في المرة الأولى في وصف مظاهرها، وأبدى سخطه عليها، وفي المرة الثانية حاول أن يستشف سرها، ويدرك كنهها فيقول: "أحق أنها هي الدم حتى يجمد، وأنها الحرارة حتى تبرد، وأنها هي الحركة حتى يقطعها السكون، وأنها هي الجاران حتى تفرق بينهما المنون؟؟
الحق أن افتئات الفلسفة، على ضنائن الله سفه، وأن علم الحياة عند الذي يهبها ويستردها، والذي يقصرها ويمدها، والذي يخلعها ويستجدها، والذي كل حي سواه يموت، وكل شيء ما خلاه يفوت".
وهذه هي عقيدة المسلم الصادق، وقديمًا تساءل المسلون عن كنه الروح، فقال لهم الله في كتابه: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ، ونرى شوقي يحاول أن يفيد من المتنبي حين قال: إنها الجاران حتى تفرق بينهما المنون، متأثرًا بقول المتنبي: "ومفترق جاران دارهما العمر".
ومعظم موضوعات تأملاته مما حار الناس فيها قديمًا وحديثًا، وكأني بنفسه الطلعة تريد أن تهتك عنها الحجاب، وتطلع على أسرارها، ثم تعجز ولا تملك إلا أن تبدي خواطرها إزاء ما أعياها إدراك كنهه، فاليوم والأمس، والغد، ومنها تتكون الحياة، موضوع شائق للبحث الفلسفي، وقد تناوله شوقي بمزيج من الشعر والفلسفة، في عبارة مركزة موجزة، فيقول عن أمس: "أمس ما أمس؟ خطوة إلى الرمس!، خرزة هوت عن السلك أغلى من خرزات الملك، صحيفة طويت والصحف قلائل من كتاب العمل الزائل، ثلمة في الجدار، وهت لها الدار وأنت غير دار، جزء من عمرك حضرت وفاته، وقبرت بيديك رفاته لم ترق عليه عبرة، ولم تشيعه بالتفاتة.
وهو القاعدة التي يبنى عليها العمر، والحب الذي بنيت عليه الشجر، ويخرج منه الثمر، وهو الخير والأثر، والكبت والسير، والأسى والعبر، وهو أبو يومك، والولد سر أبيه، وجد غدك فاجعله النبيل في الجدود النبيه".
стр. 133
فالموضوع كما ترون يشتمل على فكرتين تناول كل فكرة، وعرضها في شتى الصور، فأمس يوم اقتطع من العمر، وهو أساس الغد، وكان لخيال شوقي الشاعر أثر في إيراد هذه الصور المتعددة للمعنى الواحد، وكلها صور رائعة الخيال، تزيد المعنى وضوحًا، والنفس أسى على أمس الدابر.
ولا يسعني هنا -والمقام ضيق- أن أتناول كل ما تعرض له شوقي في كتابه هذا، والذي يعنينا هو أنه تناول موضوعات تشغل الفكر الإنساني المثقف، واستخدم النثر في مقام الشعر، وكلف بالسجع أول الأمر ثم نراه يكاد يعدل عنه آخريات الكتاب، وإن لم تضعف ديباجته، أو يكبو خياله من ذلك قوله عن الجمال:
"جمعت الطبيعة عبقريتها فكانت الجمال، وكان أحسنه وأشرفه ما حل في الهيكل الآدمي، وجاور العقل الشريف، والنفس اللطيفة، والحياة الشاعرة. فالجمال البشري سيد الجمال كله، لا المثال البارع استطاع أن يخلعه على الدمى الحسان، ولا للنيرات الزهر في ليالي الصحراء ماله من لمحة وبهاء، ولا لبديع الزهر وغريبه في شباب الربيع ماله من بشاشة وطيب، وليس الجمال بلمحة العيون، ولا ببريق الثغور، ولا هيف القدود، ولا أسأله الخدود، ولا لؤلؤ الثنايا وراء عقيق الشفاه، ولكن شعاع علوي يبسطه الجميل البديع على بعض الهياكل البشرية يكسوها روعة، ويجعلها سحرًا، وفتنة للناس".
هل تشعر أنك فقدت شيئًا في أسلوب شوقي؟ هل لا يزال لأسلوبه رونقه وبهاؤه وطلاوته؟، أترى هذه القطعة أشد أسرًا، وأقوى جاذبية وجمالًا من نثره المسجوع؟
لعل شوقي لم يتعود الكتابة بالنثر المرسل، ومع كثرة تمرسه بالنثر المقفي، ولعله شعر بأنه ليس في أحسن حالاته، فحاول التجربة مرة ثانية وثالثة في الأمومة، والكاتب العمومي، والحياة وهم ولعب، وأخيرًا أخذ يذرف دمعة على السجع، ويدافع عنه حين افتقده في كتابته ولم يحسن الازدواج إلا قليلًا، ففقد ولا شك شيئًا من موسيقى نثره، فقال:
стр. 134
"السجع شعر العربية الثاني، وقواف مرنة ريضة، خصت بها الفصحى، يستريح إليها الشاعر المطبوع، ويرسل فيها الكاتب المتفنن خياله، ويسلو بها أحيانًا عما فاته من القدرة على صياغة الشعر، وكل موضع للشعر الرصين محل السجع، وكل قرار لموسيقاه قرار كذلك للسجع، فإنما يوضع السجع النابغ فيما يصلح مواضع الشعر الرصين، من حكمة تخترع أو مثل يضرب، أو وصف يساق وربما وشيت به الطوال من رسائل الأدب الخالص، ورصعت به القصار من فقر البيان المحض، وقد ظلم العربية رجال قبحوا السجع، وعدوه عيبًا فيها، وخلطوا الجميل المتفرد بالقبيح المرذول منه، يوضع عنوانًا لكتاب، أو دلالة على باب، أو حثوا في رسائل السياسة، أو ثرثرة في المقالات العلمية، فيا نشء العربية إن لغتكم لسرية، مثرية، ولن يضيرها عائب ينكر حلاوة الفواصل في الكتاب الكريم، ولا سجع الحمام فيا لحديث الشريف، ولا كل مأثور خالد من كلام السلف الصالح".
وشوقي هنا يبين عدة أمور: فهو شاعر، ولذلك يسهل عليه السجع كما تسهل القافية في الشعر، ويقرر أن هذا اللون من النثر يحل محل الشعر في موضوعه، وفي موسيقاه فيستخدم في الحكمة والمثل، والوصف والرسائل الأدبية الطويلة والقصيرة، وإذا كان تكلفه بين الناس، واستخدموه في المقالة السياسية والعلمية والاجتماعية، فإنهم لم يفرقوا بين النثر الأدبي وسواه، ويضرب شوقي مثلًا بحلاوة فواصل القرآن الكريم، والحديث الشريف برهانًا على أن السجع قد يكون مصدر جمال ولا شك، إذا تناولته يد صناع، وقلم بارع.
كتب شوقي عدة موضوعات بالنثر في أخريات كتابه، وإن كان يحن بين الفينة والفينة إلى السجع، على أن ما يعنينا هو اتساع أفق النثر وعمق فكرته، وتناوله موضوعات حية، نتيجة الثقافة القوية في العربية وفي الأدب الغربي معًا، ويهمنا كذلك أن الهوة في هذه الفترة أخذت تتسع بين الأسلوب الصحفي والأسلوب الأدبي، وبدأ كل منهما يتميز عن صاحبه.
وإذا كنا لم نوف هذا الكتاب حقه من الدرس والتحليل، فإن المقام يعجلنا عن ذلك، ولعل هذه الدراسة الواسعة تلح على من يدرس شوقي دراسة كاملة وافية، وبحسبنا هذا الإجمال، وتلك الأمثلة، أداء للغرض الذي ترمى إليه.
стр. 135
حديث عيسى بن هشام للمويلحي:
ولننتقل إلى كتاب آخر لعلم من أعلام البيان في تلك الحقبة التي انتهت بنهاية القرن التاسع عشر، وبضع سنوات من القرن العشرين، قبل أن ينطلق النثر الأدبي من عقاله، ويحلق في آفاق واسعة، غير رازح تحت أي قيد من القيود، إلا ما اقتضاه الفن والتجويد.
ذلك الكاتب هو محمد المويلحي، وكتابه هو حديث عيسى بن هشام، وقد أتيح للكاتب من عوامل الوراثة والثقافة، والتجربة ما جعل الأدب يترقب منه عملًا مجيدًا حقًا، فأبوه إبراهيم المويلحي من تلاميذ جمال الدين، وصاحب جريدة "مصباح الشرق" التي كانت حدثًا أدبيًا عظيمًا إبان ظهورها سواء بموضوعاتها الشائفة، أو بأسلوبها الأدبي المتين، وهي تمثل ما وصلت إليه الصحافة الأدبية في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر من علو وسمو، وقدرة على النقد والتوجيه من غير تعرض لشخص الأديب وحرمانه، وإنما تتناول أدبًا تناولًا موضوعيًا بشيء كثير من الجرأة والحرية والبصيرة، ولإبراهيم المويلحي الكبير أثر غير منكور في تطور المقالة الصحفية والأدبية.
وإذا كان ابنه محمد لم يتح له من التعليم الرسمي غير ما تلقاه في المدرسة الابتدائية، فإن والده جلب له من الأساتذة في العربية، واللغات -شأن أبناء العلية في تلك الآونة- ما حبب إليه المعرفة، فصار يلتهم كل ما يقع تحت ناطريه من الكتب، وما كان أكثرها في بيت والده، ثم سافر مع والده إلى تركيا، ومكث بضع سنين أجاد فيها التركية، وقرأ ما ضمته بعض مكتباتها الشهيرة من كنور الثقافة العربية، وسافر معه إلى إيطاليا حين اختبر كاتم سر الخديوي إسماعيل بعد نفيه، وتعلم ثمة اللغة الإيطالية، مع إجادته للفرنسية، وإلمامه بالإنجليزية واللاتينية.
وإذا كان محمد المويلحي ممن يجمعون بين الثقافة العربية العميقة، والثقافة الغربية الحديثة، فلا يدع إذا جاء أدبه ممثلًا لامتزاج الثقافتين، وقد تجلى ذلك في حديث عيسى بن هشام الذي بدأ يكتبه منجمًا في جريدة "مصباح الشرق" منذ
стр. 136
١٧ من نوفمبر سنة ١٨٩٨، والكتاب يجمع بين سمات الأدب العربي القديم، والأدب الغربي، فهو يجري على أسلوب المقامة في كثير من فقراته، في أسلوب قصصي، ويعالج موضوعات اجتماعية.
ليس حديث عيسى بن هشام قصة، إذ ليس فيه عقدة، وإنما هو لوحات مختلفة تبين بعض الفساد الذي دب إلى المجتمع، وبعض ما حدث من تغيير بمصر في مدى خمسين سنة منذ وفاة "الباشا" حتى بعثه، في نظمها القضائية، وحياتها الاجتماعية والسياسية، ولا يتقيد فيه محمد المويلحي بأسلوب المقامة من السجع القصير الفقرات، وإيراد مختلف المحسنات والتندر بالغريب كما كان يفعل الحريري، وإنما نراه يلجأ إلى هذا الأسلوب حين يتحدث هو متقمصًا شخصية عيسى بن هشام، وحين يصف منظرًا من المناظر، أما حين يسرد الحوادث، فيلجأ إلى الأسلوب المرسل، ويكاد يقرب من حديث الصحافة حيث لا تعمل ولا تكلف، بل يستخدم أحيانًا بعض الكلمات الدخيلة، وإن كان ذلك للضرورة أو للتندر.
قررته وزارة التربية والتعليم على طلبة المدارس عام ١٩٢٧، وجاء بتقريرها عنه ما نصه: "وحديث عيسى بن هشام إذا دخل في المطالعة لطلبة المدارس الثانونية أفادهم أجل الفائدة من ناحية ما يأخذهم به من بلاغة الكلام، وسلامة القول، والصيغة الطريفة التي تناولت كثيرًا من الأسباب الدائرة بين الناس، وهو ما يعوز جميع الكتب التي وضعت في عصور متقدمة، إلى ما يفسح في ملكاتهم، ويطبعهم على دقة الملاحظة وقوة التعبير، وتدبير ألوان الاحتجاج لطرفي الموضوع الواحد".
لقد تبينت فيه الوزارة أنه بخلاف الكتب القديمة يعالج الحياة المعاصرة، وما طرأ عليها من تغيير في فترة من الزمن، وينتقد أوجه الفساد ويشير إلى النقص، ويتهكم بانحراف في الطبع والسلوك، ولقد دل على ما يتمتع به المويلحي من قوة ملاحظة، وشدة تغلغل في صميم الحياة، وبخاصة حياة الدواوين التي ترتبط ارتباطًا قويًا بمصالح الجماهير.
يتخيل المويلحي، "وهو نفسه عيسى بن هشام" أنه كان في المقابر ذات ليلة بغية العظة، والاعتبار فسمع قبرًا ينشق ويخرج منه رجل، فارتعد خوفًا، وهم بالهرب، ولكن الرجل المدرج في الأكفان يناديه، وينبئه بشخصيته وأنه فلان باشا
стр. 137
من قواد العسكرية أيام محمد علي وإبراهيم، وأنه يسكن في البيت الفلاني وعليه أن يذهب لإحضار ثيابه، في حوار طريف جذاب، ثم يورد ما أصاب هذا الباشا الذي ظهر في غير زمنه من كوارث ومحن وتجارب، ودهشة وعجب من كل ما لاقاه في مصر، ولنستمع إليه لنرى كيف ابتدأ الكتاب، قبل أن نورد موضوعاته، ونلم بملاحظاته وتهكماته، قال:
"حدثنا عيسى بن هشام -قال: رأيت في المنام كأني في صحراء الإمام أمشي بين القبور والرجام، في ليلة زهراء قمرية يستر بياضها نجوم الخضراء، فيكاد في سنا نوره ينظم الدر ثاقبه، ويرقب الذر راقبه، وكنت أحدث نفسي بين تلك القبور، وفوق هاتيك الصخور بغرور الإنسان وكبره، وشموخه بمجده وفخره، وإغراقه في دعواه وإسرافه في هواه، واستعظامه لنفسه، ونسيانه لرمسه، فقد شمخ المغرور بأنفه، حتى رام أن يثقب به الفلك استكبارًا لما جمع، واستعلاء بما ملك، فأرغمه الموت، فسد بذلك الأنف شقا في لحده بعد أن وارى تحت صفائحه صحائف غعزه ومجده.
وما زلت أسير وأتفكر، وأجول، وأتدبر حتى تذكرت في خطاي فوق رمال الصحراء، قول الشاعر الحكيم أبي العلاء:
خفف الوطأ ما أظن أديم ال ... أرض إلا من هذه الأجساد
وقبيح بنا وإن قدم ال ... عهد هوان الآباء والأجداد
سر إن اسطعت في الهواء رويدًا ... اختيالًا على رفات العباد
فقرعت سن الندم، وخففت وطأ القدم، وإن في دهماء أولئك الأموات، وغمار تلك الرمم والرفات، لمباسم طالما حول العاشق قبلته لقبلتها، وباع عذوبة الكوثر بعذوبتها، قد امتزجت بغبار الغبراء، واختلطت ثناياها بالحصى والحصباء، وتذكرت أن تلك الخدود".
ويمضي المويلحي فيعدد محاسن النساء الجسمية، وكيف كانت، وكيف صارت بعد الموت، فيذكر العيون والشعر والنهود والشفاه وغيرها، إلى أن يقول:
"وبينما أن في هذه المواعظ والعبر، وتلك الخواطر والفكر، أتأمل في عجائب الحدثان، وأعجب من تقلب الأزمان مستغرقًا من بدائع المقدور مستهديًا
стр. 138
للبحث في أسرر البعث والنشور، إذ برجة عنيفة من خلفي كادت تقضي بحتفي، فالتفت التفاتة الخائف المذعور، فرأيت قبرًا قد انشق من تلك القبور، وقد خرج منه رجل طويل القامة، عظيم الهامة، عليه بهاء المهابة والجلالة، ورداء الشرف والنبالة، فصعقت من هول الوهل "الفزع" صعقة موسى يوم دك الجبل، ولما أفقت من غشيتي، وانتبهت من دهشتي أخذت أسرع في مشيتي، فسمعته يناديني، وأبصرته يدانيني، فوقفت امتثالًا لأمره، واتقاء لشره، ثم دار الحديث بيننا وجرى على نحو ما تسمع وترى بالتركية تارة والعربية أخرى.
الدفين: ما اسمك أيها الرجل، وما عملك، وما الذي جاء بك؟
فقلت لنفسي: حقًا إن الرجل لقريب العهد بسؤال الملكين، فهو يسأل على أسلوبهما، فاللهم أنقذني من الضيق، وأوسع لي في الطريق لأخلص من مناقشة الحسابه، وأكتفي شر العذاب، ثم التفت إليه وأجبته.
عيسى بن هيشام: اسمي عيسى بن هشام، وعملي صناعة الأقلام، وجئت هنا لأعتبر بزيارة المقابر، فهي عندي أوعظ من خطب المنابر.
الدفين -وأين دواتك يا معلم عيسى ودفترك.
عيسى بن هشام: أنا لست من كتاب الحساب والديوان، ولكني من كتاب الإنشاء والبيان.
الدفين: لا بأس بك، فاذهب أيها الكاتب المنشئ، فاطلب لي ثيابي وليأتوني بفرسي "دحمان".
عيسى بن هشام: وأين يا سيدي بيتكم فإني لا أعرفه؟
الدفين مشمئزًا: قل لي بالله من أي الأقطار أنت؟ فإنه يظهر لي أنك لست من أهل مصر، إذ ليس في القطر كله من أحد يجهل بيت أحمد باشا المنيكلي ناظر الجهادية المصرية.
عيسى بن هشام: أعلم أيها الباشا أنني رجل من صميم أهل مصر، ولم أجهل بيتك، إلا؛ لأن البيوت في مصر أصبحت لا تعرف بأسماء أصحابها بل بأسماء شوارعها وأزقتها، وأرقامها، فإذا تفضلت وأوضحت لي شارع بيتكم، وزقاقه
ورقمه انطلقت إليه وأتيتك بما تطلبه.
стр. 139
الباشا "مغضبًا": ما أراك أيها الكاتب إلا أن بعقلك دخلًا فمتى كان للبيوت أرقام تعرف بها وهل هي "إفادات أحكام"، أو"عساكر نظام"؟ والأولى أن تناولني رداءك أستتر به، وتصاحبني حتى أصل إلى بيتي".
فعلى عيسى بن هشام هذا وسارا معًا، ثم تذكر الباشا أنه لا بد لدخول القاهرة من معرفة كلمة سر الليل، وبين له عيسى بن هشام أنه لا داعي إلى هذا فقد وضح النهار، ولكن الباشا لم يصل إلى بيته أبدًا، فقد اعترضته من الأحداث ما جعلته يقضي ليله في مركز الشرطة، إذ كان يلوح بيده فظن مكاري أنه يدعوه، وراءهما طويلًا ثم طالبهما بالأجرة، وتعجب الباشا من قحته ومن صبر عيسى بن هشام معه فيقول:
- إني لأعجب من صبرك على هذا الفلاح السفيه، الذي استرسل معنا في سفاهته، ووقاحته فهلم فاضربه بالنيابة عني حتى تريحه من عيشه وتريحنا منه.
عيسى بن هشام: كيف يكون ذلك، وأين القانون، وأين الحكام؟
ولكن الباشا لا يفهم إلا شيئًا واحدًا، وهو أنه تركي ومن رجال الحكم، وأن الفلاح لا يصلح إلا بالضرب أو القتل، فإذا هم عيسى بن هشام أن يمنح الرجل بعض المال حتى يسكته، وينصرف قال له الباشا:
"لا تعط هذا الكلب النابح درهمًا واحدًا، وقد أمرتك أن تضربه، فإن لم تفعل، فأنا أتنزل إلى ضربه وتأديبه، والفلاح لا يصلح جلده إلا بجلده.
وفعلًا أخذ الباشا يضرب المكاري، وهو يستغيث بالشرطي وينادي "يا بوليس، يا بوليس"، وبعد أن فرغ من ضربه أخذ يستفسر عن البوليس هذا، وهل هو ولي جديد من أولياء الله الصالحين يستغيث به هذا المسكين.
فقال له عيسى بن هشام: نعم إن هذا "البوليس" هو ولي الأمر احتلت فيه القوة الحاكمة.
الباشا: لست أفقه هذا المعنى، فأوضح لي حقيقة البوليس، فأخبره عيسى أنه "القواس" الذي يعرفه، فسأل الباشا عنه حتى يناديه ليحضر، ويعاقب هذا الذي تطاول على المقام الرفيع، فيشير إليه عيسى بأنه هذا الرجل المشغول ببائع لفاكهة
стр. 140
والذي بيمينه عود قصب، وبشماله منديل مملوء بالخضر، مما أخذه من الباعة اغتصابًا، وجاء الشرطي وأبى إلا أن يأخذ الباشا إلى "القسم" ويجره إليه جرًا.
ودخل الباشا في تحقيقات لا تنتهي، وهنا يتعرض المويلحي لوصف رجال الإدارة والنيابة والمحامين والقضاة، وينتقد هذا النظام نقدًا مرًا ويسلق بقلمه الحاد هؤلاء الشبان الذين يلون أمور الناس، وهم على حظ كبير من التطري والتخنث والاهتمام بشئون لهوهم ومرحهم، والاستهتار بكل القيم الجميلة وبمصحلة الجمهور، ويبين تفشي الرشوة، وفساد الأخلاق وتحللها.
حبس الباشا دون أن يجد من يسمع شكاته، وزور عليه الاتهام بأنه ضرب أحد رجال الشرطة بجسمه؛ لأن الرجل كان قد أعياه التعب فوقع على أحد الجنود، وهو يمسح أرض القسم، فاتهمه هذا بأنه ضربه وهو يؤدي وظيفته الرسمية، وشهد الشهود فكان ضرب المكاري وضرب الجندي مما زج به في سجن الشرطة.
فإذا أحيل الباشا إلى النيابة، واضطر إلى أن يذهب إلى قلم "السوابق وتحقيق الشخصية"، يصف المويلحي ما يتعرض له الإنسان في هذه المصلحة من المهانة والامتهان، فإذا انتهى الباشا من هذه المحنة سأل صاحبه: أين نحن الآن، ومن هذا الغلام، وما هذا الزحام؟، فيجيبه بأنهم أمام النيابة، وهذا عضو النيابة، وهؤلاء أرباب الدعاوى، فيسأله من النيابة؟ فيفسرها له: بأن النيابة في هذا النظام الجديد هي سلطة قضائية مكلفة بإقامة الدعاوى الجنائية على المجرمين بالنيابة عن الهيئة الاجتماعية، فيسأل عن الهيئة الاجتماعية، ويعرف أنها مجموعة الأمة، وهناك يقول:
الباشا: ومن هذا الأمير العظيم الذي اتفقت الأمة عليه لينوب عنها.
عيسى بن هشام: ليس هذا الذي تراه بأمير ولا بعظيم من عظماء الأمة، وإنما هو أحد أبناء الفلاحين أرسله أبواه إلى المدارس فنال الشهادة، فاستحق النيابة فتولى في الأمة ولاية الدماء والأعراض والأموال.
стр. 141
الباشا: نعمت المنزلة عند الله الشهادة، وللشهيد في الجنة أعلى الدرجات، ولكن كيف نتصور عقولكم -وأظنكم فقدتموها- أن تجتمع الشهادة في سبيل الله والحياة فيا لدنيا لأحد الناس؟ والذي يفوق ذلك عجبًا، ويزيد العقل خيالًا أن يحكم الناس فلاح وينوب عن الأمة حراث.
فبين له عيسى بن هشام أن الشهادة ليست بشهادة الجهاد، بل هي ورقة يأخذها التلميذ في نهاية دروسه، ليثبت بها أنه تلقى العلوم وترع فيها، وقيمتها لمن يريد الحصول عليها ألف وخمسمائة فرنك في بعض الأحيان -وهذه غمزة اجتماعية تبين ما كان يحدث من شراء الشهادات.
ويدخل اثنان على النائب وهما من لداته يصفهما عيسى بن هشام وصفًا ساخرًا، فيقول: "وبينا نحن في هذا الحديث إذا بشابين رشيقين قد أقبلا يخطران في مشيتهما، والطيب ينتشر في الجو من أردانهما، وهما يصعران خديهما كبرًا
واختيالًا، ولا يلتفتان من حولهما تيهًا وإعجابًا، أحدهما يشق الهواء بعصاه،
والثاني تلعب بالنظارة يداه: فشخصت إليهما الأنظار، وتحولت الأبصار، والحاجب أمامهما يدفع الناس من طريقهما، حتى وصلا إلى باب النائب، فقام لهما عن مجلسه وأمر بأرباب القضايا أن ينصرفوا من حضرته، واشتغل الحاجب بسحبهم وجرهم وطردهم ونهرهم، واشتغل النائب بطي المحاضر، ورفع المحابر حتى خلا لصاحبيه من كل شغل وعمل.
ثم تبين أن الحديث الذي من أجله صرف المتقاضين وأهانهم، وانصرف عن واجبه بسببه حديثتافه يدور حول السهرات، ولعب القمار وصحبة النساء والسؤال عن فلان وفلان ماذا عملًا وماذا جرى لهما؟، فإذا سأل أحدهم أتعرفون لم انتحر فلان؟ كل بيدي رأيه في الأمر، وأخيرًا تبين أنه انتحر تقليدًا لأبيناء العلية من شبان باريس.
وهكذا يمضي المويلحي يغوص إلى أعماق المجتمع، يلحظ وينتقد ويلذع بكلماته هؤلاء الذين لا يراعون حقوق الوطن والمواطنين، وينحرفون عن جادة
الصواب، ويصور الشواذ من الناس تصويرًا بارعًا، ويقف أمام الأشياء العظيمة فيجيد نعتها، كل هذا مع روح مصرية خالصة في وطنيتها وصدقها ومرحها ودعابتها.
стр. 142
يتكلم مثلًا عن المحاماة في مصر، وكيف أنها صناعة شريفة يمارسها كثير من فضلاء القوم، ولكن قد دخل في الصناعة جماعة اتخذوا الخداع والاحتيال بضاعة للكسب، وهؤلاء بعينهم هم الذين عناهم علاء الدين الكندي بقوله:
ما وكلاء الحكم إن خاصموا ... إلا شياطين أولو باس
قوم غدا شرهم فاضلا ... عنهم فباعوه على الناس
وكان ذلك بسبب سمسار المحامي الذي أراد أن يستغل الباشا أسوأ استغلال لولا يقظة عيسى بن هشام.
ويصف ساحة المحكمة وقت التقاضي فيقول: ولما حل يوم الجلسة رافقت الباشا إلى المحكمة، فوجدنا في ساحتها أقوامًا ذوي وجوه مكفهرة، وألوان مصفرة، وأنفاس مقطوعة، وأكف مرفوعة، وشاهدنا باطلًا يذكر، وحقًا ينكر، وشاكيًا يتوعد وجانبًا يتودد، وشاهدًا يتردد، وجنديًا يتهدد، وحاجبًا يستبد، ومحاميًا يستعد، وأما تنوح وطفلًا يصيح، وفتاة تتلهف وشيخنا يتأفف، وسمعنا ألفاظًا متناقضة وأقوالًا متعارضة، ورأينا المحامين عن الخصمين يشحذ كل منهما لسانه ويقدح جنائه، استعدادًا للنزال في ميادين المقال، وتأهبا للدافع في مواقف النزاع ... إلخ".
ثم يصف القضاء وتعدده فمحاكم شرعية، وأهلية، ومختلطة، ومجالس تأديبية وإدارية وعسكرية ومحاكم مخصوصة، فقال الباشا، ما هذا الخلط وما هذا الخبط؟ سبحان الله هل أصبح المصريون فرقًا وأحزابًا، وقبائل وأفخاذًا وأجناسًا مختلفة وفائت غير مؤتلفة وطوائف متبددة، حتى جعلوا لكل واحدة محاكم على حدة، ما عهدناهم كذلك في الأعصر الأول مع دولات الدول، وهل انطمست تلك الشريعة الغراء، واندرست بيوت الحكم والقضاء؟ اللهم لا كفران، ولعن الله الشيطان.
ويصف القاضي وضيق صدره وتبرمه من سماع المرافعة، أو الشرح لا لكثرة القضايا التي أمامه فحسب ولكن؛ لأنه مدعو إلى وليمة بعض رفاقه عند الظهر تمامًا، ونتيجة عدم استماعه حكم على الباشا بالسجن سنة ونصف؛ لأنه ضرب المكاري.
стр. 143
ويتهكم برجال الأزهر لبعدهم عن الكتابة في الصحف، فيقول: علماؤنا ومشايخنا- يغفر الله لهم هم أبعد الناس عن اختيار هذه الطريق، وممارسة هذه الصناعة، وهم يرون الاشتغال بها بدعة من البدع، ويعتبرونه فضولًا تنهى عنه الشريعة، وتداخلًا فيما لا يعني، فلا يأبهون بها، وربما اختلفوا في كراهة الإطلاع عليها أو إباحته، وقد مارس هذه الصناعة قوم آخرون غيرهم فيهم الفاضل وغير الفاضل، واتخذها بعضهم حرفة للتعيش بها، والتكفف على أية حال كانت، فلا تجد بينهم وبين أهل الحرف وباعة الأسواق فرقا في الغش والخداع والكذب، والنفاق والمكر والاحتيال للاستلاب والاغتيال.
عمروا موضع التصنع فيهم ... ومكان الإخلاص منهم خراب
أما وطنيته فتتجلى في مواطن كثيرة، في حرصه البالغ على أن يؤدي كل إنسان عمله على الوجه الأكمل، في كراهيته للاستعمار وأذنابه، في حملته الشديدة على استغلال الأجانب لخيرات البلاد إلى غير ذلك من الموضوعات الوطنية الصادقة، خذ مثلًا قوله في الموازنة بين المصري والأجنبي في محاورة بين الباشا والمحامي:
المحامي: أيها الأمير لا تغبط المصري على نعمته، وتعال فابك من نقمته، فليس له في هذه الجنة من دار، يقر له فيها قرار، وكل ما تراه من هذا الجانب فهو ملك الأجانب.
الباشا: لله أبوك، كيف يختص الأجنبي دون الوطني بهذه الجنان الناضرة، ويستأثر دونه بهذه المساكن الفاخرة؟، ولعلك تلغز في قولك وتحاجي، وتعمي في تعبيرك وتداجي.
المحامي: لا تعمية ولا تحجية، بل هكذا قدر المصري لنفسه، وتبدل سعده بنحسه، واقتنع من دهره بالدون والطفيف، ورضى بالقسم الخسيس الضعيف، فبات محرومًا تحت ظل إهماله وخموله، وغدا بائسًا في نسيانه وذهوله، ومال زال الأجنبي يسعى يكد ويعمل ويجد، وينال ثم يطمع، ويسلب ثم يجمع، والمصري يبذر بجانبه ويسرف، ويبدد ويتلف، ويتحسر ثم يلهو، ويعجز
стр. 144
ثم يزهو، ويفتقر ثم يفتخر، فتساوى السيد والمسود، وتشابه الحاسد والمحسود، وتعادل الرفيع والمنيع، والوضيع، واشتركنا كلنا على السواء في منازل الشدة والبلاء، وأصبح نصيب القوي المكين مثل نصيب الضعيف المستكين، وكذلك تكون عاقبة من يلقي للأجنبي بيديه، ومن أعان ظالمًا سلط عليه.
ومن يجعل الضرغام بازا لصيده ... تصيده الضرغام فيما تصيدا
لم يدع المويلحي شيئًا فيمصر إلا عرج عليه ووصفه مادحًا أو قادحًا.. أبناء الكبراء، وكبراء العصر الماضي، والمحامي الشرعي وفساده وكان رأيه في هذه الطائفة أيامهس في غاية السوء، وزارة الأوقاف وما فهيا من مآس ومفاجع، المحكمة الشرعية والطب والأطباء والإسكندرية، والأمراض المتفشية والفرق بين العامة والخاصة في طرق العلاج والقدرة عليه، ويقوم بعزلة أدبية أو سياحة فكرية مع الباشا، فيطلعك على جواهر محفوظه، وطرف نوادره، وزهد الناس بمصر في القراءة، ويظهر أنها ظاهرة قديمة منذ عصر المويلحي وربما لأبعد من هذا، ولا يفوته أن يتكلم عن الأزهر ويروي مناقشات العلماء وجدلهم في مشكلات لفظية والمحرم والحلال والبدعة، والضلال مما يرونه من مظاهر الحياة المعاصرة لهم، ويتهكم بهم تارة ويرثي لهم تارة أخرى، وينعي عليهم عيهم وبكاءة ألسنتهم، ويتناول الأعيان والتجارة ويصف أنماطهم وأحوالهم، ثم الموظفين، وأنواعهم، وعيونهم، وفسادهم.
ويتكلم عن أبناء الأسر الحاكمة، وبطالتهم وفراغهم العقلي والنفسي، واستغلال الأجانب والمرابين لهم أشد استغلال وأسوأه، ويتكلم عن مشاهد العرس فيمصر وما دخل فيها من البدع وتقليد الفرنجة، ويتكلم عن العمد والقرى، وعن العمدة في القاهرة وفي المطعم وفي المرقص وفي الرهن ولدى الأهرام وفي الملاهي، والمدينة الغربية ومساوئها.
لقد أعطى المويلحي صورة متكاملة للمجتمع في عصره، ومع روح نقدية بناءة، في أسلوب أدبي طريف يلجأ إلى السجع في الوصف الخالص وإلى الأسلوب المرسل في الحوادث والحوار، وهو كما ذكرنا مزيج للثقافتين العربية
стр. 145
والغربية فهو شبه قصة إذ ينقصها العقدة وترابط الأحداث، وإن كان شخص الباشا، وعيسى بن هشام يظهران في كل فصل من فصول الكتاب.
والكتاب كذلك بأسلوب يدل على فترة الانتقال التي كان يمر بها النثر في أخريات القرن التاسع عشر، فيجمع بني الترسل والسجع، لم يخلص لأحدهما: وإن كان السجع فيه مقبولًا ولا يلجأ إليه إلا في المواطن الأدبية التي تحتاج إلى خيال وبراعة.
следующие страницы →