← Адаб

Адаб · id 12116

نشأة النثر الحديث وتطوره

عمر الدسوقي

Полный текст (272 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الباشا: نعمت المنزلة عند الله الشهادة، وللشهيد في الجنة أعلى الدرجات، ولكن كيف نتصور عقولكم -وأظنكم فقدتموها- أن تجتمع الشهادة في سبيل الله والحياة فيا لدنيا لأحد الناس؟ والذي يفوق ذلك عجبًا، ويزيد العقل خيالًا أن يحكم الناس فلاح وينوب عن الأمة حراث. فبين له عيسى بن هشام أن الشهادة ليست بشهادة الجهاد، بل هي ورقة يأخذها التلميذ في نهاية دروسه، ليثبت بها أنه تلقى العلوم وترع فيها، وقيمتها لمن يريد الحصول عليها ألف وخمسمائة فرنك في بعض الأحيان -وهذه غمزة اجتماعية تبين ما كان يحدث من شراء الشهادات. ويدخل اثنان على النائب وهما من لداته يصفهما عيسى بن هشام وصفًا ساخرًا، فيقول: "وبينا نحن في هذا الحديث إذا بشابين رشيقين قد أقبلا يخطران في مشيتهما، والطيب ينتشر في الجو من أردانهما، وهما يصعران خديهما كبرًا واختيالًا، ولا يلتفتان من حولهما تيهًا وإعجابًا، أحدهما يشق الهواء بعصاه، والثاني تلعب بالنظارة يداه: فشخصت إليهما الأنظار، وتحولت الأبصار، والحاجب أمامهما يدفع الناس من طريقهما، حتى وصلا إلى باب النائب، فقام لهما عن مجلسه وأمر بأرباب القضايا أن ينصرفوا من حضرته، واشتغل الحاجب بسحبهم وجرهم وطردهم ونهرهم، واشتغل النائب بطي المحاضر، ورفع المحابر حتى خلا لصاحبيه من كل شغل وعمل. ثم تبين أن الحديث الذي من أجله صرف المتقاضين وأهانهم، وانصرف عن واجبه بسببه حديثتافه يدور حول السهرات، ولعب القمار وصحبة النساء والسؤال عن فلان وفلان ماذا عملًا وماذا جرى لهما؟، فإذا سأل أحدهم أتعرفون لم انتحر فلان؟ كل بيدي رأيه في الأمر، وأخيرًا تبين أنه انتحر تقليدًا لأبيناء العلية من شبان باريس. وهكذا يمضي المويلحي يغوص إلى أعماق المجتمع، يلحظ وينتقد ويلذع بكلماته هؤلاء الذين لا يراعون حقوق الوطن والمواطنين، وينحرفون عن جادة الصواب، ويصور الشواذ من الناس تصويرًا بارعًا، ويقف أمام الأشياء العظيمة فيجيد نعتها، كل هذا مع روح مصرية خالصة في وطنيتها وصدقها ومرحها ودعابتها.

стр. 142

يتكلم مثلًا عن المحاماة في مصر، وكيف أنها صناعة شريفة يمارسها كثير من فضلاء القوم، ولكن قد دخل في الصناعة جماعة اتخذوا الخداع والاحتيال بضاعة للكسب، وهؤلاء بعينهم هم الذين عناهم علاء الدين الكندي بقوله: ما وكلاء الحكم إن خاصموا ... إلا شياطين أولو باس قوم غدا شرهم فاضلا ... عنهم فباعوه على الناس وكان ذلك بسبب سمسار المحامي الذي أراد أن يستغل الباشا أسوأ استغلال لولا يقظة عيسى بن هشام. ويصف ساحة المحكمة وقت التقاضي فيقول: ولما حل يوم الجلسة رافقت الباشا إلى المحكمة، فوجدنا في ساحتها أقوامًا ذوي وجوه مكفهرة، وألوان مصفرة، وأنفاس مقطوعة، وأكف مرفوعة، وشاهدنا باطلًا يذكر، وحقًا ينكر، وشاكيًا يتوعد وجانبًا يتودد، وشاهدًا يتردد، وجنديًا يتهدد، وحاجبًا يستبد، ومحاميًا يستعد، وأما تنوح وطفلًا يصيح، وفتاة تتلهف وشيخنا يتأفف، وسمعنا ألفاظًا متناقضة وأقوالًا متعارضة، ورأينا المحامين عن الخصمين يشحذ كل منهما لسانه ويقدح جنائه، استعدادًا للنزال في ميادين المقال، وتأهبا للدافع في مواقف النزاع ... إلخ". ثم يصف القضاء وتعدده فمحاكم شرعية، وأهلية، ومختلطة، ومجالس تأديبية وإدارية وعسكرية ومحاكم مخصوصة، فقال الباشا، ما هذا الخلط وما هذا الخبط؟ سبحان الله هل أصبح المصريون فرقًا وأحزابًا، وقبائل وأفخاذًا وأجناسًا مختلفة وفائت غير مؤتلفة وطوائف متبددة، حتى جعلوا لكل واحدة محاكم على حدة، ما عهدناهم كذلك في الأعصر الأول مع دولات الدول، وهل انطمست تلك الشريعة الغراء، واندرست بيوت الحكم والقضاء؟ اللهم لا كفران، ولعن الله الشيطان. ويصف القاضي وضيق صدره وتبرمه من سماع المرافعة، أو الشرح لا لكثرة القضايا التي أمامه فحسب ولكن؛ لأنه مدعو إلى وليمة بعض رفاقه عند الظهر تمامًا، ونتيجة عدم استماعه حكم على الباشا بالسجن سنة ونصف؛ لأنه ضرب المكاري.

стр. 143

ويتهكم برجال الأزهر لبعدهم عن الكتابة في الصحف، فيقول: علماؤنا ومشايخنا- يغفر الله لهم هم أبعد الناس عن اختيار هذه الطريق، وممارسة هذه الصناعة، وهم يرون الاشتغال بها بدعة من البدع، ويعتبرونه فضولًا تنهى عنه الشريعة، وتداخلًا فيما لا يعني، فلا يأبهون بها، وربما اختلفوا في كراهة الإطلاع عليها أو إباحته، وقد مارس هذه الصناعة قوم آخرون غيرهم فيهم الفاضل وغير الفاضل، واتخذها بعضهم حرفة للتعيش بها، والتكفف على أية حال كانت، فلا تجد بينهم وبين أهل الحرف وباعة الأسواق فرقا في الغش والخداع والكذب، والنفاق والمكر والاحتيال للاستلاب والاغتيال. عمروا موضع التصنع فيهم ... ومكان الإخلاص منهم خراب أما وطنيته فتتجلى في مواطن كثيرة، في حرصه البالغ على أن يؤدي كل إنسان عمله على الوجه الأكمل، في كراهيته للاستعمار وأذنابه، في حملته الشديدة على استغلال الأجانب لخيرات البلاد إلى غير ذلك من الموضوعات الوطنية الصادقة، خذ مثلًا قوله في الموازنة بين المصري والأجنبي في محاورة بين الباشا والمحامي: المحامي: أيها الأمير لا تغبط المصري على نعمته، وتعال فابك من نقمته، فليس له في هذه الجنة من دار، يقر له فيها قرار، وكل ما تراه من هذا الجانب فهو ملك الأجانب. الباشا: لله أبوك، كيف يختص الأجنبي دون الوطني بهذه الجنان الناضرة، ويستأثر دونه بهذه المساكن الفاخرة؟، ولعلك تلغز في قولك وتحاجي، وتعمي في تعبيرك وتداجي. المحامي: لا تعمية ولا تحجية، بل هكذا قدر المصري لنفسه، وتبدل سعده بنحسه، واقتنع من دهره بالدون والطفيف، ورضى بالقسم الخسيس الضعيف، فبات محرومًا تحت ظل إهماله وخموله، وغدا بائسًا في نسيانه وذهوله، ومال زال الأجنبي يسعى يكد ويعمل ويجد، وينال ثم يطمع، ويسلب ثم يجمع، والمصري يبذر بجانبه ويسرف، ويبدد ويتلف، ويتحسر ثم يلهو، ويعجز

стр. 144

ثم يزهو، ويفتقر ثم يفتخر، فتساوى السيد والمسود، وتشابه الحاسد والمحسود، وتعادل الرفيع والمنيع، والوضيع، واشتركنا كلنا على السواء في منازل الشدة والبلاء، وأصبح نصيب القوي المكين مثل نصيب الضعيف المستكين، وكذلك تكون عاقبة من يلقي للأجنبي بيديه، ومن أعان ظالمًا سلط عليه. ومن يجعل الضرغام بازا لصيده ... تصيده الضرغام فيما تصيدا لم يدع المويلحي شيئًا فيمصر إلا عرج عليه ووصفه مادحًا أو قادحًا.. أبناء الكبراء، وكبراء العصر الماضي، والمحامي الشرعي وفساده وكان رأيه في هذه الطائفة أيامهس في غاية السوء، وزارة الأوقاف وما فهيا من مآس ومفاجع، المحكمة الشرعية والطب والأطباء والإسكندرية، والأمراض المتفشية والفرق بين العامة والخاصة في طرق العلاج والقدرة عليه، ويقوم بعزلة أدبية أو سياحة فكرية مع الباشا، فيطلعك على جواهر محفوظه، وطرف نوادره، وزهد الناس بمصر في القراءة، ويظهر أنها ظاهرة قديمة منذ عصر المويلحي وربما لأبعد من هذا، ولا يفوته أن يتكلم عن الأزهر ويروي مناقشات العلماء وجدلهم في مشكلات لفظية والمحرم والحلال والبدعة، والضلال مما يرونه من مظاهر الحياة المعاصرة لهم، ويتهكم بهم تارة ويرثي لهم تارة أخرى، وينعي عليهم عيهم وبكاءة ألسنتهم، ويتناول الأعيان والتجارة ويصف أنماطهم وأحوالهم، ثم الموظفين، وأنواعهم، وعيونهم، وفسادهم. ويتكلم عن أبناء الأسر الحاكمة، وبطالتهم وفراغهم العقلي والنفسي، واستغلال الأجانب والمرابين لهم أشد استغلال وأسوأه، ويتكلم عن مشاهد العرس فيمصر وما دخل فيها من البدع وتقليد الفرنجة، ويتكلم عن العمد والقرى، وعن العمدة في القاهرة وفي المطعم وفي المرقص وفي الرهن ولدى الأهرام وفي الملاهي، والمدينة الغربية ومساوئها. لقد أعطى المويلحي صورة متكاملة للمجتمع في عصره، ومع روح نقدية بناءة، في أسلوب أدبي طريف يلجأ إلى السجع في الوصف الخالص وإلى الأسلوب المرسل في الحوادث والحوار، وهو كما ذكرنا مزيج للثقافتين العربية

стр. 145

والغربية فهو شبه قصة إذ ينقصها العقدة وترابط الأحداث، وإن كان شخص الباشا، وعيسى بن هشام يظهران في كل فصل من فصول الكتاب. والكتاب كذلك بأسلوب يدل على فترة الانتقال التي كان يمر بها النثر في أخريات القرن التاسع عشر، فيجمع بني الترسل والسجع، لم يخلص لأحدهما: وإن كان السجع فيه مقبولًا ولا يلجأ إليه إلا في المواطن الأدبية التي تحتاج إلى خيال وبراعة.

стр. 146

ليالى سطيح لحافظ إبراهيم: وإذا أردنا أن نقف على الدوافع التي حدث بحافظ إبراهيم إلى كتابة ليالي سطيح، علينا أن نلقي نظرة خاطفة على حياة حافظ في الحقبة التي سبقت تأليف الكتاب: تخرج حافظ في المدرسة الحربية، وكان قد دخلها بالشهادة الابتدائية، ويعد تخرجه عين في الجيش، وسافر إلى السودان. وكان حافظ منذ حداثته مشغوفًا بالشعر يتخير جيده ويحفظ منه الكثير، وقد آنس في نفسه القدرة على نظمه، ولم يكن أبدًا ميالًا إلى الحرب، ولعله دخل الحربية تأسيا بمثله الأعلى في الشعر محمود سامي البارودي، ولكن شتان بين طبيعتين، طبيعة الفارس الذي تجري في عروقه دماء أجداده المماليك، وطبيعة حافظ الوداعة المسالمة. ولم يشترك حافظ إبان مقامه بالسودان في معركة، أو يحمل سيفًا، وإنما رضي أن يجلس خلف مكتب في إدارة التعيينات، يلبس البزة العسكرية وعقله يهيم في أودية الشعر، وكان قد اشتهر بين إخوانه بقول الشعر وجودة الإلقاء. ونصاعة الخطاب فاختاروه مدافعًا عنهم في القضايا التي كانوا يتهمون فيها، وقد دافع في عشرين قضية ريحها كلها وبرأ أصحابها إلا واحدة، اعترف فيها المتهم بالقتل، ولم يملك حافظ وسيلة لتبرئته، وهو مصر على اعترافه. وقد رأى في السودان بشاعة الاستعمار الإنجليزي، وذاته المصريين، والدسائس التي تحاك حولهم، فضاقت نفسه وبرم بهذا الجو الخانق، وهو الذي فطر على الحرية، وأخذ يجأر بالشكوى لأستاذه الإمام محمد عبده عله يتشفع له فيعود إلى مصر، تلك التي أخذ يحن إليها حنينًا شديدًا سجله في أكثر من قصيدة، ومن ذلك قوله يرثي لنفسه التي زج بها في الجندية ألوان الشقاء، وجنى عليها.

стр. 147

رميت بها على هذا التباب ... وما أوردتها غير السراب وما حملتها إلا شقاء ... تقاضيني به يوم الحساب خجنيت عليك يا نفسي وقبلي ... عليك جنى أبي فدعي عتابي فلولا أنهم وأدوا بياني ... بلغت بك المنى وشفيت ما بي سعيت وكم سعى قبلي أديب ... فآب بخيبة بعد اغتراب وكان حافظ كلما طال مقامه بالجيش المصري في السودان ازداد سخطًا وكراهية للإنجليز، وقد أحسوا منه هذه الكراهية، ودس له صنائعهم لديهم. فوجدت وشايتهم آذانًا صاغية، حتى إذا كانت ثورة الجيش في السودان التي تلت حرب "الترنسفال" سنة ١٩٠١، أتهم حافظ مع جماعة من الضباط بالتآمر، وأرسلوا إلى قلعة الجبل ليحاكموا فيها، وكاد يحكم عليهم بالإعدام لولا شفاعة الخديوي لهم، فاكتفى بإحالتهم إلى المعاش وأرسلوا إلى مصر. وعاد حافظ إلى مصر، ولكنه عود غير حميد، وغير ما كان يرجوه ويصبو إليه، عاد مطرودًا من الجيش، صقر الكف من الوظيفة، ورأى الدنيا موصدة أبوابها في وجهه، فلا يدع إذ سمعناه ينفث تلك الزفرة الحارة من أعماق قلبه ألمًا وحزنًا: سعيت إلى أن كدت أنتعل الدما ... وعدت وما أعقبت إلا التندما لحا الله عهد القاسطين الذي به ... تهدم من بنياتنا ما تهدما إذا شئت أن تلقي السعادة بينهم ... فلا تك مصريًا ولا تك مسلمًا سلام على الدنيا سلام مودع ... رأى في ظلام القبر أنسًا ومغنمًا وهذا لعمري حديث من بلغ اليأس منه مبلغًا، ومن رأى الدنيا أضيق من سم الخياط، حتى آثر عليها القبر بوحشته وظلمته، بلوجد فيه أنسًا ومغنمًا. بيد أنه وجد فرجة من الأمل في الأستاذ محمد عبده الذي أضفي عليه من بره، وقدمه لكبار القوم، وشجعه على قول الشعر حتى لقد راودته نفسه أن يكون

стр. 148

من المقربين لدى الخديوي، بيد أنه وجد الأبواب دونه موصدة، والتزاحم على بابه يعوقه عن الوصول إلى حماه، وفي تلك الحقبة أخذ يترجم "البؤساء"، ويهديها إلى أستاذه ونصيره، فيكتب لها مقدمة كلها إطراء وثناء، وقد أشرنا إليها آنفًا، ولكن الأستاذ الإمام تختطفه المنية في سنة ١٩٠٥، فيفجع فيه حافظ فجيعة اعتصرت فؤاده، وأحالت الدنيا أمام عينيه ظلاما دامسًا، ولم يجد من القوم من يشد عزمه، ويأخذ بيده، فيعتكف في بيته، ويتناول قلمه يبثه شجونه، ويسح على شباته ماء أحزانه، فكانت "ليالي سطيح" التي أخرجها بعد وفاة الإمام بعام أي في سنة ١٩٠٦. نحا حافظ في هذا الكتاب نحو "حديث عيسى بن هشام" للمويلحي، وقد تأثر به دون شك في روحه النقادة، وفي نظراته للمفاسد الاجتماعية، بل نقل عن قطعة طويلة هي وصف المويلحي لقصر إسماعيل، كما نقل عن الشيخ على يوسف مقالا بأكمله كان قد نشره في المؤيد تحت عنوان "السياسة الضعيفة العنيفة" تناول فيها مأساة "دنشواي"، وسياسة الإنجليز بمصر. وقد اختار حافظ إبراهيم "سطيح" بن ربيعة كاهن بني ذؤيب في الجاهلية ليكون الحكيم الذي ينطق بالقول الفصل في المشكلات التي يعرضها حافظ، ومن معه عليه، ولم يصرح حافظ باسمه، وإنما كنى عنه بقول "حدث أحد أبناء النيل". "ضاقت عن النفس مساحتها لهم نزل بي، وأمر بلغ مني فخرجت أروح عنها، وأهون عليها، فما زلت أسير والنيل، حتى سال ذهب الأصيل، فإذا أنا من الأهرام أدنى ظلام، وقد فتر مني العزم، وسئمت الحركة، فجلست أنفس عني كرب المسير، واضطجعت وما تنبعث فيجارحة من التعب، وكنت في نفسي في وحدة الضيغم ومن همومي في جيش عرمرم، وجعلت أفكر في الدهر وأبنائه، فجرى على لساني هذا البيت: عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذا عوى ... وصوت إنسان فكدت أطير

стр. 149

وهكذا أخذ حافظ يناجي نفسه، ويحاول أن يخفف ما بها، ولكن ما لبث أن شم ريحًا كريهة "انقبض لها صدر الجو وتعبس بها وجه النهر، فلما أفاق من غشيته نظر فإذا أصل البلاء جيفة فوق وجه الماء، فغاظه ما رأى وهاجه ما شم وقال يخاطب النيل. "ويحك إلى متى يسع حلمك جهل هذه الأمة المكسال، وإلى كم تحسن إليها وتسيء إليك، علمت أن سيكون منك الوفاء فلم تحرص على ودك، واتكلت على حلمك، وبالغت بعد ذلك في عقوقك، ولقد كانت ترتجو في سالف الدهر خيرك، وتتقي شرك، فتحتفل في مهاداتك، وتتحامى طريق معاداتك، ثم أمعنت في العقوق فصيرتك مقبرة للجيف لتصبح بذلك مجرى للبلاء، ومستودعًا للوباء". واستمر حافظ على هذه النغمة يعنف الأمة لجحودها وكفرانها، ويستطرد لذكر حاله، أو يشير إلى مآله فيقول: "ينبغ فيها النابغة، فينبعث أشقاها للطعن عليه فلا يزال يكيد له حتى يبلغ منه، ويكتب فيها الكاتب فينبري به سفيهها فلا يفتأ ينبح عليه حتى ينشب فيه نابه ويفسد عليه كتابه، ويشعر فيها الشاعر فيحمل عليه جاهل، فلا ينفك عنه حتى يغلبه على أمره، ويقهره على شعره. يا رب أخرجني إلى دار الرضا ... عجلًا فهذا عالم منحوس ظلوا كدائرة تحول بعضها ... عن بعضها فجميعها معكوس هكذا ابتدأ حافظ كتابه هذا ليالي سطيح، حتى إذا سكت عن هذه المناجاة، وعزم على التحول من هذا المكان إلى سواه، وقع في سمعه صوت إنسان يسبح الرحمن، فاقترب منه عله يجد أحد العباد يستدعيه دعوة يمحو بها الله سوء ما هو فيه، فلما داناه إذا هو يقول: "أديب بائس، وشاعر بائسن دهمته الكوارث، ودهته الحوادث، فلم يجد له عزمًا، ولم تصب منه حزمًا، خرج يروح عن نفسه ويخفف من نكسته، فكشف له مكاني، وقد آن أواني. أي فلان! لقد أخرجت للناس كتابًا ففتحوا عليك من الحروب أبوابًا، وخلا غابك من الأسد، فتذاءب

стр. 150

عليك أهل الحسد، أي فلان إذا ألقى عصاه ذلك المسافر، وغادر بحر العلم أرض الجزائر، فقد بطل السحر والساحر، فانكفئ إلى كسر دارك، وبالغ في كتم أسرارك، وأقبل غدًا مع الليل، وترقب طلوع سهيل، ومتى سمعت من قبلنا التسبيح، فقل لصاحبك الذي يليك: هلم بنا إلى سطيح". ثم انقطع صوته فلبثت في مكاني حتى استوحشت لوحدتي وانفرادي في جوف ذلك الليل فرجعت أدراجي، وكنت لقيته في ذهول من عقلي، ودهشة من أمري، ولما ثاب إلى السكون جعلت أتأمل في عباراته، وأتروى في مغزى سجعاته، وقلت في نفسي: لقد كنت أعلم أن سطيحًا قد قضى نحبه ولقى ربه، فهل صدق القائلون بالرجعة أم جعل الله لكل زمن سطيحًا! على أني في غد سألقاه، وأطلب إليه أن أراه، وأسأله عن أشياء كتمتها في صدري، وكادت تدخل معي قبري. ثم يروي حافظ كيف وصل إلى داره قبيل الفجر، وأنه كان يستأنس في وحدته بلزومات أبيا لعلاء المعري الذي يمثل في نفسه مكانة لا تدانيها مكانة، وأخذ بعد ذلك يقص علينا لياليه مع سطيح على شاطئ النيل، وكيف كان يجد في كل ليلة قبل ظهور سطيح إنسانًا تجالسًا يتجاوب معه الحديث إلى أن يحين موعد ظهور سطيح، فيخبره خبره، ويذهبان معًا إليه، وهو في أثناء قصته هذه يبدي ملحوظات انتقاديه سريعة على بعض العادات القبيحة في المجتمع المصري دون تعمق في معرفة الأسباب، أو تشخيص الداء بحيث يسهل وصف الدواء. فهو مثلًا ينعي على بعض المصريين ما يقومون به في عيد شم النسيم، وكان الذي يجلس بجواره في الليلة الثانية "قاسم أمين"، وإن لم يصرح باسمه، فاستهجن هذا الاختلاط المبتذل، وقال يحدث نفسه وحافظ يسمعه: ألا يأتي أولئك الموكلون بالرد على أهل الصواب، فينظروا ما صنع أهل النعيم في شم النسيم، ويروا كيف ابتذلت فيه الخدور، ونفقت سوف الفحش والفجور، فلقد فعلوا تحت الحجاب ما ينكس له الأدب رأسه، ودعوناهم إلى غير ذلك فأبوا علينا الطلب وأنكروا الدعوة، وقالوا: إن تربية النساء ما لا تحمد معه المغبة ... إلخ".

стр. 151

وفي تلك الليلة قال سطيح لصاحب حافظ هذا: "صاحب مذهب جديد ورأي سديد، دعا القوم إلى رفع الحجاب وطالبهم بالبحث في الأسباب، فألقوا معه نقاب الحياء، وتنقبوا من دونه بالبذاء، أي فلان إذا مضت على كتابك خمسون حجة، وظهر لذي عينين إدلاؤك بالحجة، تكفل مستقبل الزمان بإقامة الدليل والبرهان، فلعل الذي سخر لجماعة الرقيق والخصيان من أنقذهم من يد الذل والهوان يسخر لتلك السجين الشرقية، والأسيرة المصرية، من يصدع قيد أسرها، ويعمل على إصلاح أمرها". وقد استعرض حافظ في كتابه هذا كثيرًا من المشكلات السياسية والاجتماعية في عصره، ولكنه كان يمر عليها مرورًا سريعًا دون أن يقف ليشفي الغلة ويكشف عن العلة، تعرض لمشكلة السوريين في مصر، تلك التي كانت موضعًا للجدل الصحافي حقبة من الزمن، وترى حافظًا لا يغمطهم حقهم بل يعترف بفضلهم في نشر العربية وفي خدمة الصحافة، ويعترف كذلك بما قدمته مصر لهم من فرص عزت عليهم في ديارهم، وقد أجرى على لسان سطيح حين سأله جليس حافظ السوري عما يأخذه علي بني وطنه، فقال: "إنني لا أكذب الله، لقد أكثر من التداخل في شئونهم، فعز ذلك عليهم من أقرب الناس إليهم، نزلتهم بلادهم فنزلتم رحبًا، وتفيأتم ظلالهم فأصبتم خطبأ، ثم فتحتم أبواب الصحافة فقالوا: أهلا، وحللتم معهم في دور التجارة فقالوا: مهلًا، لو أنكم وقفتم عند هذا الحد لرأيتم منهم ودا صحيحًا وإخلاصًا صريحًا، ولكنكم تخطيتم ذلك إلى المناصب فسددتم طريق الناشئين، وضيقتم نطاق الاستخدام على الطالبين، وأنتم تعلمون أن المصري يعبد خدمة الحكومة فهو يصرف إليها همه، ويقف عليها علمه، فهي إن فاتته فاته الأمل وفتر نشاطه عن السعي والعمل، حببت إليكم الحركة، وحبب إليهم السكون، وجبلتم على الجد، وجبلوا على المجون، فاصرفوا أنفسكم عن مزاحمتهم في أعز الأشياء عليهم حتى تخلق الحاجة في نفوسهم شعورًا جديدًا، فيحس ناشئهم أنه إنما يتعلم لنفسه، ولأمته لا لخدمة حكومته".

стр. 152

وينظر حافظ نظرة سريعة إلى تقاعس المصريين عن بناء جامعة لهم، وعدتهم عشرة ملايين، يكتفون بإرسال أبنائهم إلى جامعة بيروت الأمريكية فيقول على لسان سطيح: "أليس من العار أن تكونوا أكثر مالًا وأعز نفرًا، ولا تجدوا في مصر لتعليم أولادكم مستقرًّا، وليست بيروت بأخصب من عروس النيل أرضًا، ولا بأوسع من ملك مصر طولًا وعرضًا". ثم يتكلم عن الامتيازات الأجنبية في سرعة شديدة، وكأنه خشي أن يخوض فيها فتعد عليه كلماته وتحصى إشاراته، ويعلل لبقائها بأن الإنجليز لو أرادوا لأزالوها، ولكنهم يريدون أن يسأم المصريون حياة الذلة في ظلها فيركنون إلى رجال الاحتلال يطلبون منهم الحماية، ويصف سياسة الإنجليز بأنها كالكهرباء تدرك العين فعلها، ولا يدرك العقل كنهها، وهم إذا دخلوا قرية جعلوا أعزة اهلها أذلة، وكان لهم في اجتذاب ثروتها كياسة الأسفنج في اجتذاب الماء مع ذلك الرفق والسهولة، ثم ينتقل إلى بعض أدواء المجتمع، فيصف "مشيخة السجادة الصوفية والوصاية على اليتيم والزار" في كلمات خاطفة كأنه يحصيها إحصاء دون ترتيب، فيقول على لسان عابر طريق يقول لزميل له وهو ينصت إليهما: "لقد أفاض الفلاسفة في تعريف السعادة، وتفننوا في تصوير اللذة، ولكني لم أجد فيهم من نفذ فهمه إلى حقيقة ذلك التعريف جهلوا أن السعادة كل السعادة في مشيخة السجادة، وأن أسعد الناس حالًا وأرخاهم بالًا جالس فوقها، يجري رزقه من تحتها، فهي الجنة التي تجري من تحتها أنهار النذور، والكنز الذي لا تفنى ذخائره أمد الدهور". وأسعد من هذا الحي ميت يسخر له الله من بيني على قبره قبة عالية، ثم يدعو الناس إلى التبرك بتلك العظام البالية، فتجيء سعادته في مماته على قدر شقائه في حياته، وتطير بذكر كراماته الأنباء، وتحمده على تلك النعمة الأحياء، وفي ذلك يقول قائلهم: أحياؤنا لا يرزقون بدرهم ... وبألف ألف ترزق الأموات من لي بحظ النائمين بحفرة ... قامت على أحجارها الصلوات

стр. 153

ويقول الثاني: إن كل السعادة في الوصاية على اليتيم وفي النظارة على وقف حبس على العظم الرميم، يأكل الأول ما شاء ولا محاسبة، ويلتهم الثاني ما أراد ولا مراقبة، ثم يسأل صاحبه: أتعرف السعيدة من الناس كما عرفت السعيد من الرجال: قال السعيدة من النساء من سهلت لها الأقدار، فأصبحت تدعى شيخة الزار فهي تملأ يديها ذهبًا، وبيتها نشبًا ... إلخ. ويتهكم بعد ذلك بالصحافة والصحفيين، وينعي على الشرق تقليده للغربي، ويتكلم عن الحرية وكيف أساء الناس فهمها حتى زعموا أن تعريفها الشافي: "هو أن يعمل المرء ما شاء أن يعمل، ويرى من رأي ما شاء أن يرى، وأن سبيله في ذلك أن يستطرد به جواد الإرادة المطلقة في ميدان الشهوات لا يبالي داس به آداب ذلك المجتمع الإنساني، أم تخطئ أعناق الفضائل". ويستطرد حافظ إلى النقد الأدبي في عهده، وقد قابل شاعرًا من الشعراء "وقد عنى نفسه"، فأسمعه شعره فقال له: "أسمعتني الليلة كلامًا لو نحله ابن أوس ما شك سامعه في أنه من مختاراته، فما لك تكتم الناس مثل هذا الشعر السري، ولو أنك أذعته لفضضت به من كثير من أولئك الذين باتت تطن الصحف بذكرهم، قال: ليس من أمري المديح، ولا سبيل إلى إذاعته في تلك الصحف إذا أنا لم أسلك به تلك الطريق، قلت: فإن أعياك الأمر فمالك لا تجمعه في ديوان، ثم تخرج للناس كما يفعل الشعراء ممن هم دونك في منازل الأدب ومراتب القريض. قال: يكون ذلك حقيقيًا بي لو أن من يقرأ الأثر في مصر يقرأه لذاته لا لذات صاحبه، ونحن بحمد الله في بلد لا تنفق فيه سلعة الأديب ما لم يكن صاحبها حظيظًا عند تلك الصحف، حتى إذا ظهر أثره في الناس قامت تقرظه بصنوف المديح والإطراء، وتنزل نفسها في الدعوة إلى كتابة منزلة أولئك المبشرين في الدعوة إلى دينهم، ويسوقه الحديث إلى محاباة الصحف لشوقي، وهو لا يرى في شعره شيئًا يستحق المحاباة اللهم إلا ما يتباصر به علينا من تلك المعاني الغريبة التي ما سكنت في مغنى عربي إلا ذهبت بروائه".

стр. 154

وبعد جدل مع صاحبه الذي يدافع عن شوقي بحرارة، وينصفه من حافظ يحتكمان إلى سطيح، فيحكم أن كلا منهما جانب الصواب، فالإغراق في القدح كالإغراق في المدح لا يعطي الرأي الصائب، ثم يقول: "إنه أرقكم طبعًا وأجملكم صنعًا"، وينتهي بقوله: "ولو أنه منح من رقة المباني ما منع من رقة المعاني، فسلم أسلوبه من ذلك التعقيد الذي أخلق ديباجته لكان شاعركم غير مدافع وواحدكم غير منازع"، وقد كان هذا طبعًا قل أن ينفي شوقي إلى الأندلس، ويعكف على قراءة الشعر العربي الجزل ويعود من منفاه، وقد استوى بين يديه ميزان الشعر لفظه ومعناه، ولكن حافظًا ظل يجادل في منزلة شوقي، ويستدل على سرقاته للمعاني، ولعل هذه هي المرة الوحيدة التي جأر فيها بالتهجم على شوقي، ولعله كان يطمع لمثل منزلته لدى القصر، وهو في أشد الحاجة إلى ما يمسك أوده، فوجد شوقي ثمة يسد عليه الأبواب، وقد صارحه سطيح بأنه إنما يحسده على مكانته، ولكنه يتعقب سيئاته دون ذكر شيء من حسناته. ويتعرض حافظ لعديد من الموضوعات لا نستطيع أن نقف عندها جميعًا وبحسبنا أن نذكرها، فيتكلم على الأفغاني، ومحمد عبده، والعامية والفصحى، والشهرة والحسد، ووصف كتشنر، والخلق المصري، ويطيل في الكلام عن تجربته المرة في السودان، وعن المدرسة الحربية في عهد الإنجليز، ويصف ما عليه المصريون من الذلة، وهم في الجيش فيقول: "ينظر المصري إلى الإنجليزي وهو كأنه ينظر إليه بالنظارة المعظمة فيكبره رهبة وإجلالًا، ويتضعضع لرؤيته، وينظر إليه الإنجليزي بتلك النظارة وقد عكسها، فيصغره استخفافًا بشأنه، ويطيل عتاب الخالق الذي فطره على شكله وصورته، ومنحه نعمة التنفس في جو يتنفس الإنجليزي فيه، ويصف حال كبار ضباط الجيش المصري كبار الرتب، والأجسام لا كبار النفوس والأحلام، ويوسعهم ذمًا وتبكيتًا، ويقول له صاحبه: أراك موتورًا فلا يدع إذا بالغت في النعي على القوم فيما يذهبون إليه من ضروب سياستهم". وقد نقل ما قاله على يوسف في المؤيد عن كرومر وحادثة دنشواي، ووصيف كرومر بأنه كالملك المطلق الإرادة، قضى كل هذا الزمن طيب الخاطر

стр. 155

هادئ البال قرير العين بهذا السلطان القوي الذي يدير دولاب الحكومة المصرية، وقد لقي من الأمة مهادًا طريًّا، ومن أمير البلاد مسالمة مرضية، ومن الوزراء استسلامًا ليست العبودية أوفى منها في العبد لسيده". وكان هذا الكلام طبعًا بعد أن طوحت حادثة دنشواي بكرومر، وأخرجته من مصر. وقد رأى حافظ في ذلك المقال ما يشفي غلته من الإنجليز فنقله كاملًا، ولكنه رأى المقال لا يتعرض لدانلوب فأوسعه ذما، ونقد سياسته الخبيثة في التعليم، ذلك الرجل الذي "أبلى البلاء الحسن في قتل النفوس واستحياء الجسوم"، ونراه يقسو قسوة كبيرة فيحكمه على المصريين، فيقول على لسان أحدهم: "لقد نزلت هذه الأمة منزلة من الخمول هبطت بها إلى مصاف العجماوات حتى خشيت أن يخطئها البعث يوم البعث". ويختم حافظ الكتاب بحديثه عن بؤسه وشقائه، ويصف نفسه وصفًا مؤثرًا فيقول: "وما كدنا نأتي على هذا الحديث حتى رأينا فتى يتوكأ على عصا، وهو لا يكاد يحمل بعضه بعضَا من قرط الهزال، وما تنطق به معارف وجهه من سوء الحال يرد عن نفسه حملات الألم، وصدمات السأم بأناشيد أودعها من الأنين ما يعلم به الصخور كيف تلين، فاستوقف هيكله أبصارنا واسترعى صوته أسماعنا، فإذا به يغني هذه الأبيات: لقد كان هذا الظلم فوضى فهذبت ... حواشيه حتى بات ظلمًا منظمًا تمن علينا اليوم أن أخصب الثرى ... وأن أصبح المصري حرا منعمًا أعد عهد إسماعيل جلدًا وسخرة ... فإني رأيت المن أنكى وآلاما عملتم على عز الجماد وذلنا ... فأغليتم طينًا وأرخصتم دما

стр. 156

فإذا سألوه عن حاله ذكر أنه من تلاميذ الأستاذ الإمام، وراح حافظ يثني على أستاذه ما وسعه الثناء، وأن الخير كل الخير في تلك المدرسة العظيمة مدرسة الأستاذ الإمام، فإذا كان من خير يرجي لهذا البلد، فعلى أيديهم يكون. ولقد رأينا من هذا العرض أن حافظًا اصطنع هذا القالب القريب من القصة، ولا نستطيع أن نقول إنه قصة وإنما هو من المقامة أدنى، إذ تنقصه عناصر القصة وحبكتها وعرضها وشخصياتها، ليدلي إلينا بآرائه في المجتمع الذي يعيش فيه، ولقد كان يردد كثيرًا من الآراء التي شاعت في عصره، وجهر بها قادة الإصلاح الاجتماعي منذ عهد جمال الدين الأفغاني ومدرسته، ولكن حافظًا كما رأينا وقف علينا ولم يطل الوقوف، ولقد كان صريحًا في مجاهرته بنقائص الإنجليز وسوء استعمارهم، وعظم بطشهم وغطرستهم، ولا بدع فهو يحمل في ذاكرته كثيرًا من تجاربه المرة معهم في السودان، ولكنه لم يجرؤ على الجهر بهذه الآراء إلا بعد أن اشتدت به المحنة، وخرج كرومر الداهية من مصر، وثارت مصر كلها وراء مصطفى كامل تندد به وبسياسته واستبداده. ونلحظ على أسلوب هذا الكتاب أنه يراوح بين السجع والترسل، السجع في الغالب يأتي على لسان سطيح، وعلى لسان حافظ قليلًا، يكثر في الكتاب من الاستشهاد بشعره وشعر سواه، ونراه يحاول التجديد في التشبيه كقوله يصف الإنجليز: "وأما خلتهم فبيناهم ضعاف يغضون للخطب إذا هم أشداء ركابون للهول، فهم أشبه شيء بالخمر ضعيفة في الكأس شديدة في الرأس، ولهم نظر يشف له كل شيء كأنما قد جمعت لأشعة راتنجن من أشعته، وإرادة سخر لها البخار في البحار كما سخر الريح لسليمان، وكان لهم في اجتذاب ثروتها كياسة الإسفنج في اجتذاب الماء مع ذلك الرفق والسهولة". ويأتي ببعض الجناس كقوله: "ترفل في الحرائر من هبات الحرائر"، وقوله: "لأنبذن تلك الحرفة التي اضطرتني إلى التحام الأعراض والميل مع الأغراض". وقوله: "ردني بارك الله فيك، وأسمعني تأويل ذلك من فيك"، وقوله: "هنا

стр. 157

كانت تصدح القيان على المزاهر والأعواد، فتجاوبها الورق على الأفنان والأعواد"، وإن كانت الجملة الأخيرة اقتباسًا من كلام المويلحي في وصف قصر إسماعيل. وهناك ألوان أخرى من البديع تأتي على قلة كالتورية والمقابلة، ويكثر من الاقتباس من القرآن، ويتكئ في بعض معانيه على آياته الكريمة. وتجري على لسانه أحيانًا بعض عبارات من الكلام الدراج، وإن كان نادرًا كقوله: "يسكنون في فرد إقليم"، وهو مأخوذ من اللهجة السورية، ويأتي ببعض الكلمات المعجمية كقوله: "نهاز أذنبه الكلام"، وقوله: "ويأتي حامل الضب" أي الحقد. ونراه يتكلف أحيانًا تكلفًا ظاهرًا في عبارته التي تدور حول معنى تافه كقوله على دولة الشعر والأدب: "ولو لم يتداركها الأفغاني لقضت نحبها ولقيت ربها، قبل أن يمتعها بكم ويمتعكم بها، أدركها الأفغاني ولم يبق فيها إلا الذماء فنفخ فيها نفخة حركت من نفسها، وشدت من عزمها، أدركها وهي شمطاء قد نهض منها بياض المثيب في سواد الشباب، فشاب قرناها قبل أن تشيب ناصية القرن الخامس، فسودت يده البيضاء ما بيضت من شعرها سود الليالي". والذي نلحظه على الأسلوب جملة أنه لا يستخدم فيه من ألوان الخيال سوى الخيال التفسيري من مجازات وتشبيهات واستعارات، وأنه لا يسمو به سمو الأداء الأدبي، ولعل طبيعة الموضوع، والنقد الاجتماعي حالًا بينه وبين ذلك، إذ كان الكتاب في جملته نظرات اجتماعية وسياسية مركزة جدًا، وللأسلوب الاجتماعي خصائصه التي ذكرناها آنفًا، وإن رفت عليه مسحة الأدب في هذا الكتاب.

стр. 158

صهاريج اللؤلؤ للبكري: وتوفيق البكري من هؤلاء الذين واتتهم الفرصة ليجددوا في الكتابة، ولكن حالت بينهم وبين التجديد عوائق، فالبكري كان نقيب الأشراف، ورئيس المشيخة البكرية، ومشيخة المشايخ الصوفية، وقد تلقى التعليم المدني وعرف اللغات الأجنبية، ثم شاء له طموحه وما كان يعد نفسه له أن يدرس علوم الأزهر، وينال إجازته، وقد حرص على التزود من ذخائر الأدب العربي وحفظ الكثير منها، إذ كان محبًا للأدب ولو عابه، ويقول عن نفسه: "أما العلم فقد اختصصت منه بعلم الأدب، والاختصاص سر النجاح؛ لأن العلم يعطيك من نفسه بقدر ما تعطيه من نفسك". وإذا درسنا مؤلفات البكري وقفنا على نوع الدراسة التي كونت عقله، وأثرت في أسلوبه، فمن هذه المؤلفات: "أراجيز العرب" جمع فيه مختارات من هذه الأراجيز وشرحها شرحًا وافيًا، ومن المعروف أن أصحاب الأراجيز كالعجاج وابنه رؤبة، ومن على شاكلتهما كان لهم ولع بالغريب حتى صارت منبعًا لعلماء اللغة، ومرجعًا للأدباء والشعراء. ومن مؤلفاته كذلك "فحول البلاغة"، وهو مختارات من شعر العصر العباسي الأول، شرحها وعلق عليها فلا عجب إذا رأينا البكري -وكان على حظ كبير من الذكاء- يجنح إلى القديم، وكأنه كان يطمح أن يكون في كتابته كابن العميد أو الصاحب بن عباد، أو أبي بكر الصولي، ومن على شاكلتهم من كبار كتاب العصر العباسي. ولقد حشد البكري كل طاقته الفنية في كتابه صهاريج اللؤلؤ، ولكنه كان فيه شديد التزمت، والتمسك بتقاليد العرب، قد جاء هذا من جهتين: من جهة حسبه ودينه، وكان يعتز بهما كل الاعتزاز على حد قوله: وإني من البيت الذي تعلمينه ... أقام عمود الدين لما تأوَّدا وأول هذا الأمر نحن أساته ... وآخره حتى يكون كما بدا

стр. 159

وقد أهله هذا الحسب ليتولى هذه المناصب الدينية الكبيرة، فكان من المتوقع أن يكف من غرب بيانه، فلا يدعه يجري على سجيته، وإنما يراعى طبيعة منصبه وحسبه ودينه، والجهة الثانية كثرة محفوظة من التراث العربي القديم، ومع أن البكري كانت له طبيعة الفنان، وكان على حظ من الثقافة الحديثة، وشاهد أوروبا مرارًا، ووقف على حضارتها كما ينبئنا كتابه هذا الذي ندرسه، إلا أننا نحس بأنه كأن في صراع عنيف بين حاسته الفنانة، وبين حنينه إلى القديم. وصهاريج اللؤلؤ هو ذلك الكتاب الذي أودعه السيد توفيق البكري ما قاله من شعر ونثر أدبي، وتكلف فيه تكلفًا شديدًا، وحرص على أن يباهي فيه بمحفوظه من التراث العربي القديم، ولا سيما الأمثال، والحكم والإشارات التاريخية، والحكايات والنوادر وأن يباهي فيه بإطلاعه الغزير على غريب اللغة على نمط ما كان يفعل كتاب المقامات، ولكن الفارق بينه وبينهم أن البكري كان يحاول في اختيار موضوعاته أن يمثل عصره وآراءه وحضارته، وأنه لم يكن يحكي قصة تنقصها الحبكة الفنية، وإنما كان يكتب مقالة مسجوعة في موضوع أقرب إلى الشعر منه إلى النثر، وأنه كان يوفق في بعض أجزائه حتى ليحلق من سموات الخيال البديع، ويقدم باقة من الشعر المنثور. وكان من الممكن ألا يجني الأدب القديم على البكري، لو أنه تخفف من تزمته، وأفاد مما قرأ ووعي من غير أن يفقد شخصيته، ومن غير أن يتكلف التوعر والفخامة، واقتناص الأمثال الشاردة والألفاظ الغريبة، حتى يكاد يستغلق على القارئ، ولقد عني بشرح الكتاب، وجاء الشرح أكبر من الأصل حجمًا، ولا تكاد كلمة منه تمر بدون شرح أو تعليق؛ لأنها في الواقع محتاجة إلى الشرح والتعليق، وقبل أن أمضي في ذكر موضوعات الكتاب، ودراسة نثره أسوق هنا مثلًا واحدًا ظاهرًا يدلنا على أنه يسوق الأمثال بعضها وراء بعض لا؛ لأنها ضرورية لتوضيح المعنى، ولكن ليظهر بها وفرة محمولة، وغزارة مادته، كما كان يفعل بعض أصحاب المقامات، استمع إليه يتكلم عن مولود فيقول:

стр. 160

"وكأني به وقد شدا يلعب بالكرة، كما يلعب الصبي بالكرة"، وإذا هو "أجود من حاتم"، و"أبأى من حنيف الحناتم"، و"أحزم من سنان"، و"أعدل من الميزان"، و"أحمى من مجير الظعن"، و"أعقل من ابن تقن"، و"أحيا من كعاب" و"أحلم من فرخ عقاب"، و"أجمل من ذي العمامة"، و"آثر من كعب بن مامة"، و"أجسر من قاتل عقبة"، و"أحكم من هرم بن قطبة"، و"أبطش من دوسر"، و"أجرأ من قسور". فهل ثمة إنسان، اجتمعت له كل هذه المزايا، وبلغ الدرجة العليا في هذه الصفات جميعها، اللهم لا، وبخاصة غذا كان هذا الموصوف مولودًا لم يعرف من الدنيا شيئًا، وإنما ساق البكري كل هذه الأمثال وحشدها حشدًا تباهيًا وتعالمًا، أو للإفادة على طريقة أصحاب المقامات. ومن الغريب أنك إذا وازنت بين نثر البكري وشعره، وجدته لا يعمد في شعره إلى الغريب إلا في النادر على حين يغص نثره بهذا الغريب، ولعه وجد أن الشعر لا يحتمل مثل هذه الألفاظ الوعرة المطمورة في ثنايا المعاجم، وأنه مقيد بالوزن والقافية، أما النثر فأمامه متسع لأن يغير ويبدل ويضع الكلمة التي يريدها، وقد يعينه هذا الغريب على طريقته التي آثرها في الكتابة، وهي طريقة السجع. وعلى الرغم من أن البكري كانت لديه الموهبة الشعرية كما تدلنا القصائد القليلة التي تضمنها الكتاب، إلا أنه آثر النثر على الشعر، وكأنه كان يخشى أن ينسب إلى الشعراء، وفكان يقول بقدر، وإذا قال أوجز، وكأنه كان يخاف أن يغض الشعر من شأنه، وهو من هو في محتده ومنصبه وحسبه ونسبه، وليست الكتابة في رأيه كذلك، وبخاصة تلك التي تصاغ في قالب الرسائل بين الأكفاء، وليسمن المفروض أن يطلع عليها القراء إلا إذا وقفوا عليها صدفة، أو كما يقول الأستاذ العقاد: "أطلعهم عليها أديب من محترفي الصناعة يتولى هو تقديمها، وشرحها كما جرى في كتاب صهاريج اللؤلؤ".

стр. 161

وفي الحق أن في نثر البكري شعرًا لا ينقصه إلا الوزن، فكثير من الموضوعات التي طرقها لا تصلح إلا للشعر، وقد استطاع على الرغم من هذا التكلف والتزمت وإيثاره الغريب، وحشده للأمثال والحكم والإشارات التاريخية والعبارة المسجوعة أن يقبس من سموات الخيال الشعري قبسات مشعة، وأن يمثل عصره في فكرته لا في عبارته، وفي خياله لا في صياغته. وإذا استعرضنا موضوعات الكتاب وجدنا أول موضوع هو وصف رحله إلى القسطنطينية عاصمة الخلافة، وفيها وصف للسفينة والبحر والليل والقطار والبسفور، ونساء الأتراك، ومتنزهات المدينة ومساجدها، وهي كلها من الموضوعات التي يصح أن يخوض فيها شاعر مرهف الحس ذو خيال، ولم يتعرض البكري لوصفها إلا؛ لأنه يملك هذه الحاسة الفنية، ويملك الخيال الذي يصور به مشاعره، ولكنه كما قلنا كان يؤثر النثر على الشعر حتى لا يغض من منزلته. ولنستمع إليه في رحلته هذه يصف السفينة، والبحر: "فجرى بنا الفلك في خضم عجاج، ملتطم الأمواج، أخضر الجلد، كأنه إفرند، بحر عباب، لا يقطعه الخليل بأوتاد وأسباب، تصطخب فيه النينان، وتضطرب الدعاميص والحيتان، وأخذت السفينة تشق اليم، شق الجلم، في ربح رخاء أو زعزع ونكباء، فهي تارة في طريق معبد وميث مطرد، وطورًا فوق حزن وقردد وصرح ممرد، فبينما هي تناب كالحباب، إذا هي تلحق بالرباب، وتحلق كالعقاب، فتحسبها تارة تحت القتام جيلًا تقشع عنه الغمام، وتخالها مرة عائمًا على شفا، قد غاب، إلا هامة أو كتفًا، والبحر آونة كالزجاج الندى، أو السيف الصدى يلوح كالصفيحة المدحوة، أو المرآة المجلوة، وحينما يضرب زخارة، ويموج مواره فكأنما سيرت الجبال وكأنما ترى قبابًا فوق أفيال، وكان قبورًا في اليم تحفر، وألوية عليه تنشر، وكأن العد بمخض عن زبد، وكان الدوي من جرجرة الآذى زئير الأسد وهزيم الرعد. يكب الخلية ذات القلا ... ع وقد كاد جؤجؤها ينحطم

стр. 162

فإذا كان الأصيل، وسرى النسيم العليل، رأيت البحر كأنه مبرد، أو درع مسرد، أو أنه ماوية، تنظر السماء فيها وجهها بكرة وعشية، وكأنما كسر فيه الحلى، أو مزج بالرحيق القطر بلى، وكأنما هو قلائد العقيان، أو زجاجة المصور يؤلف عليها الأصباغ والألوان ... إلخ". وتلحظ على هذه الفقرة المنتزعة من موضوعه الطويل في وصف رحلته إلى القسطنطينية أنه يكثر فيها من استخدام الكلمات غير المألوفة كالنيان جمع نون وهو الحوت، والدعاميص، والجلم وهو المقص، والقردد وهي الأرض الصلبة، ونلحظ ثانية ولعه بالتشابيه الكثيرة تتعاور على مشبه واحد، ونراه يوفق أحيانًا في هذه التشابيه، وأحيانًا يخونه بيانه، ومع هذا فنلمح بوضوح مزاج الشاعر وخياله، وإن كان كل خياله من الضرب التفسيري الذي يعتمد على التشبيه والاستعارة، وإذا نظرنا إلى مهمة التشبيه في الأدب وجدناه لا يقصد لذاته كما يوجد في كثير من كلام البكري، وإنما يوجد لنقل مشاعر الكاتب، وعاطفته إلى القارئ أو يوضح له حالة أو يبين حقيقة، فالتشبيه لا بد أن يكون مقرونًا بعاطفة، وإلا كان كالألوان التي توضع على لوحة الرسام من غير حساب، فتعمل على تشويهها بدلًا من تحسينها. ونلاحظ كذلك أن البكري لا يكتب لعامة الناس، ولا للطبقة الوسطى من المثقفين، وإنما يكتب لخاصة الخاصة، ولا يشفع له قوله في مقدمة الكتاب: "وأنا أعلم أن من الأدباء اليوم من ينفر من الغريب، ولا ينفر من الدخيل، لاستيلاء العجمة على هذا الجيل، فلم يثنني ذلك عن أن أودع كلام الأعراب بهذا الكتاب". ولنستمع إليه يصف الليل وهو على ظهر السفينة، وماذا عسى أن يرى الناظر بالليل، والبحر أمامه ساكن أسود، وستر الليل يحجب عنه الدنيا والسفينة ماضية في طريقها لا تخشى ضيرًا، ولا تلوي على شيء، ولا نسمع إلا جرجرتها وهدير الأمواج من حولها كأنها تتألم من وقع خطاها، ولكن البكري كان شاعرًا، والشاعر يرى ما لا يراه فيقول:

стр. 163

"وحتى إذا أخضل الليل، وأرخى الذيل، بدا الهلال كأنه خنجر من ضياء يشق الظلماء، أو قلادة، أو سوار غادة، أو سنان لواه الضراب، أو الليل فيل وهو ناب، أو عرجون قديم أو نون من خط ابن العديم، أو برثن ضيعم، أو مخلب قشعم، أو ما خرج من أنبوب في روض، أو ثمد في أسفل حوض، أو وشي مرقوم، أو دملج من فضة مفصوم، أو قلامة ظفر، أو صنار في شبك في بحر. أيا ضوء الهلال لطفت جدًا ... كأنك في فم الدنيا ابتسام يحبب لي سناك العشق حتى ... يصاحبني وأصحبه الغرام ثم إذا غاب الهلال، وتوارى في الحجال، ألفيت الكون من السواد في لبوس حديد أو لباس حداد، وكأن الماء سماء، وكأن السماء ماء، وكأن النجوم در يموج في بحر، أو ثقوب في قبة الديجور يلوح منها النور أو سكاك دلاص، أو فلق رصاص، أو عيون جراد، أو جمر من رماد، أو الماء صفائح فضة بيضاء سمرت بمسامير صغار من نضار، فلا تفتأ السفينة تكابد الويل من البحر والليل، حتى يلوح من الأفق الضياء". وهنا نحن نرى أنه شبه الهلال بكل ما يخطر على البال، وما لا يخطر على البال من التشابيه، وأنه تكلف في ذلك تكلف شديدًا ومع كثرة هذه التشابيه، فهو لم يتعد شكل الهلال، ولا نحس بعاطفة ولا روح في تشابيهه، ولم ينظر إلى الهلال، وهو يطل على الدنيا الغافية من عليائه ويطلع على ما فيها من متناقضات، أي أنه لم يندمج في الطبيعة، ويشخصها ويغوص إلى الأعماق ويستكنه سرها، وإنما وقف عند حد الشكل فلم نفد من تشبيه على تعدده جديدًا، وكذلك الأمر في وصف النجوم الحالية الساطعة في دجنة الليل، ربما كان في هذه التشابيه طرافة، ولكنها بعيدة كل البعد عن وظيفة التشبيه كما يجب أن يكون.

стр. 164

ولندع وصف هذه الرحلة التي أخذت من الكتاب ما يقرب من خمسين صفحة مع شرحها، ولتنتقل إلى موضوع آخر من موضوعاته النثرية، وهو موضوع "العزلة" جاء في رسالة كتبها إلى صديق، وفي هذا الموضوع تتجلى نزعات إنسانية صادقة لدى البكري، ولفتات اشتراكية حادة لم تكن تنتظر من مثله، ولا من جيله وعصره. يقول البكري: "كتاب إلى السيد أيده الله، وكلأه ورعاه، وأن حل بقري السواد وريف البلاد، بعيد عن المدينة وما فيها من الشينة والزينة، في عزلة عن الناس بين سقبى وغراس، سليم الجسم من السقم والنفس من الألم، وأحميه من الأنام كالحمية من الطعام شفاء من كل داء، وخليق بمن ارتطم في المزدحم، أن يصاب ببعض الأوصاب". وبعد أن وصف الريف المصري وصفًا جميلًا حقًا دل على دقة ملاحظة، ومحبة لما فيه من طبيعة وحيوان، وإن كان كعادته يكثر من التشابيه التي لا تزيدنا علمًا بالمشبه -يصف لنا كيف يقضي وقته في القراءة، ومن هذه النبذة نعرف مزاجه الفكري، ومن أين استمد ثروته الأدبية حيث يقول: "وصحبي في هذه العزلة نفر من صياب الأقوام، ولباب الأنام، فمنهم أبو تمام، والحارث بن همام، وعروة بن الورد، وطرفة بن العبد، وكثيرًا ما ينشدنا أحمد بن سليمان باقعة معرة النعمان: ذريني وكتبي والرياض ووحدتي ... أظل كوحشي بإحدى الأمالس يسوف أزهار الربيع تعلة ... ويأمن في البيداء شر المجالس وإن شئنا حدثنا ثعلب عن قطرب ... أو ارتجل ابن المعتز وارتجز ... وإن شئنا حدثنا أفلاطون ونادمنا ابن زيدون, وعالجنا بقراط، ووعظنا سقراط". فهو كما نرى مغرم بأصحاب البديع أمثال أبي تمام وابن المعتز، مغرم بالصعاليك أمثال عروة بن الورد، وقد أصدر عنهم كتابًا، مغرم بالغريب يرويه ثعلب عن قطرب.

стр. 165

ويصف البكري الحالة الاجتماعية لعهده وصفًا دقيقًا، فيبدأ بالحاكم: "أما الحاكم فأكثر ما لقيت امرؤ إن أونس تكبر وإن أوحش تكدر، وإن قصد تخلف، وإن ترك تكلف، إمع لا يضر ولا ينفع، فيه جوفاء تردد ما يلقي عليها من النغم إن لا فلا أو نعم فنعم، ألقاب وأكاليل كل شخص في مرسح التمثيل، فإن طرحت الألقاب ونزعت هانيك الثياب، ألفيت تحتها العجب العجاب. أبا الأسماء والألقاب فيكم ... ينال المجد والشرف اليفاع لا عدةو ولا عدد وملك أقامه الله بلا رجال، كما رفع السماء بغير عمد. ويقضي الأمر حين تغيب تيم ... ولا يستأذنون وهم شهود إلى تيه وخيلاء وعنجهية وكبرياء، كأنه جاء برأس خاقان أو أدال دولة بني مروان ... إلخ". وهذا إلى حد كبير وصف صادق للرؤساء والوزراء والحكام في عهد توفيق البكري؛ لأن الإنجليز كانوا هم الحكام الحقيقيين والمصريون دمي تحرك من وراء ستار، ولقد أدى إخفاق الثورة العرابية إلى فقدان المصريين الثقة بأنفسهم، وخضع كبراؤهم لأوامر المحتل الغاصب الذي نازع أمير البلاد سلطانه في شخص ممثله اللورد كرومر، كان هؤلاء يظهرون لمواطنيهم الصلف والكبرياء، تعويضًا عن الذلة والضراعة التي يظهرونها أمام المحتلين وعمديهم، حتى أتى مصطفى كامل وزأر زأرته وصال صولته، وبرهن على أن هذا المحتل أدنى من أن يهابه الوطني الحر الجريء. ويقول البكري عن أبناء الطبقة الثرية بمصر والمتنفذين فيها لعهده: وأما أبناء السامة، فإن أحدهم غادة ينقصها الحجاب ينظر في مرآة ولا ينظر في كتاب، إنما هو لباس على غير ناس، كما تضع الباعة مبهرج الثياب على الأخشاب.

стр. 166

رماد تخلف عن نار وحوض شرب أوله ولم يبق منه غير أكدار، آباء وأحساب، وحال كشجر الشلجم أحسهن ما فيه ما كان تحت التراب، ترى الفتيان كالنحل وما يدرج ما الدخل ... إلى رطانة بالعجمة بين الإعراب "أبرد من استعمال النحو في الحساب، ولو كان ذا حيلة لتحول"، "وهل عند رسم دارس من معول". وقح تواصوا بترك البر بينهم ... تقول: ذا شرهم بل ذاك بل هذا ميسر يلعب، ومال يسلب، وخدن يخدع، وكلب يتبع، وعطر ينفخ وفرس يضبح. أبا جعفر ليس فضل الفتى ... إذا راح في فضل إعجابه ولا في فراهة برذونه ... ولا في نظافة أثوابه أيها الرجل، وكلكم ذلك الرجل: إن المال وسيلة لا غاية، فإن أصبت منه الكفاية، فقد بلغت النهاية. ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته ... وما فاته وفضول العيش إشغال ليس لك من عيشك إلا ما أكلت فأفنيت، ولبست فأبليت، ولو أفرغ ذنوب في كوب لما أخذ إلا ملأه، ولا وسع إلا كفأه. عجبت للمالك القنطار من ذهب ... يبغي الزيادة والقيراط كافيه وكثرة المال ساقت للغنى أشرًا ... كالذيل يعثر عند المشي ضافيه ولقد كان هذا بحق حال أبناء العلية، كما يسمون أنفسهم هؤلاء الذين ورثوا المال عن آبائهم، ولم يعرفوا في جمعه عناء ولا رهقًا، ولم يأبهوا للمجد يشيدونه أو للفخر يحرزونه، وإنما كانوا متعطلين بالوراثة، لا هم لهم إلا التطري والزينة وعقولهم هواء، وأفئدتهم خاوية إلا من الشر، وكانوا ضعاف القومية يتبرأون من لغتهم الأصلية، ويرطنون رطانة أعجمية كأنهم غير مصريين، ولكنهم والحق يقال كانوا عاجزين عن الإفصاح وعن العمل، ولم يكن في مقدورهم أن

стр. 167

يفيدوا من حالهم، يجتمعون للفساد، ويفترقون على ميعاد، لا تعرف أيهم أسوأ نفسًا، وأبلد حسنًا، حياتهم فراؤغ يقتلونها في الميسر، وفي سلب أموال الفلاحين الكادحين، وقد ظلوا كذلك إلى أن قضت الثورة على تعطلهم وأعادتهم إلى حظيرة مكانهم الطبيعي في المجتمع يكدحون مع الكادحين، ويكسبون العيش بعرق الجبين. ولقد أدرك البكري بحق وظيفة المال وأنه وسيلة لا غاية، فإذا نال المرء منه الكفاية فذلك حسبه، أما هؤلاء الذين يدخل لهم في اليوم الواحد الآلاف، فيزيدهم المال طغيانًا، ويستعبدون بها لشعب، ويسخرونه للسيطرة والفساد. ولهذا سنت الثورة الضرائب التصاعدية، وحدث من طغيان الدخول، ولست أدري من أين أتى البكري هذه النزعة: أهي نزعته الدينية، وقد فطن إلى تعاليم الدين الصحيحة، فهو يدعو بلسان رجل الدين، أم أفادها من إطلاعه على أحوال بعض الأمم الغربية، وإن لم تكن الاشتراكية على عهده قد خطت تلك الخطوات الواسعة في الحد من تضخم الثروات؟ أم هو الإدراك السليم؟ على أية حال لقد كان البكري ثائرًا على أوضاع مصر الشاذة مع أنه من أبناء الخاصة الذين شبوا في أحضان النعيم، ولكنه كان ذا نظرة ثاقبة وفكر رشيد وقلب رحيم. ولعل ميول الاشتراكية هذه هي التي نفرت منه عباسًا، فنظرته إلى الحكام وإلى أبناء الخاصة، وآراؤه الاشتراكية مما كرهه لعباس، وهو الذي اشتهر بحبه لجمع المال، وبعدواته للنظم الديمقراطية. وثمة شيء آخر كان على أشده في تلك الأيام، ذلك التنافس الشديد بين أبناء الذوات من الأتراك وأبناء السادة من المصريين، ولعل البكري أراد أن يغمز الأتراك غمزة قوية ويصورهم هذه الصور الزرية لشدة تعسفهم، ومباهاتهم الجوفاء، بيد أن نزعته الاشتراكية تظهر في عطفه على العامة حين يقول: "وأما العامة -أيدك الله- فهو عظم على وضم، وصيد في غير حرم، سيد مأمور، والإخشيد في يد كافور، ويتيم غني في يد وصي.

стр. 168

وغيظ على الأيام كالنار في الحشا ... ولكنه غيظ الأسير على القد وأرى رجالًا لا تحوط رعية ... فعلام تؤخذ جزية ومكوس ظلموا الرعية واستجازوا كبدها ... وعدوا مصالحها وهم أجراؤها فبينما ترى قصورًا وثراء، وحبورًا وسراء، وعربات تترى يعدو أمامها السليك والشنفرى، ويقودها داحس والغبراء على بساط الغبراء، وخراج قرية أو قريتين، يذهب في لهو ليلة أو ليلتين، نجد أرملة صناعًا وأيتامًا جياعًا وشيخًا يعمل وهو في أرذل العمر، يقعده العجز والفقر، أو عذراء كادت تدفع عرضها للاحتياج، أو مريضًا عاجزًا عن العلاج، وبينما ترى وذاحًا في جيدها عقد كأنه فرود حضار "الكواكب"، وفي أخمصها نعل من نضار، ترى بائسة في عنقها عقد من دموع، وفي بيتها فقر وجوع، حال تطرف العيون وتثير الشجون". رحماك! إن عزلة بين كرم وأعناب، ودواة وكتاب، لهي الجماعية والأنس للنفس، وإن اجتماعًا بكبير يبغض ويزار، أو رئيس لا يجد نفسه في الليل ولا تجده في النهار، أو عدو ليس من صداقته بد، أو حقود ذله أظهر منه الود، أو حسود قلق، كالذبابة يضحك ويحترق، أو جاهل متعالم، أو متفصح وهو باقل أو صغير به كبر أو خدين فيه عذر لهو وايم الله الوحشة والوحدة". ولقد رأينا عاطفة البكري القوية نحو الفقراء، وكيف صور بؤسهم وفاقتهم وظلم الطبقة الحاكمة وذوي الثراء لهم. لقد كانت هذه آراء متقدمة على زمانه ولا سيما في مصر حيث يسود الإقطاع بظاهر الاستعمار، وإذا كان جمال الدين قد نبه المصريين إلى المطالبة بالشورى، فإنه لم يعن العناية الكافية بالإصلاح الاجتماعي على الرغم من صيحته المدوية للمصريين بأنهم نشأوا في الاستعباد، وربوا في حجر الاستبداد، وعلى الرغم من تحريضه لهم على الثورة إلا أن غايته كانت سياسية. وإن كان بعض تلاميذه قد تأثر بدعوته إلى الإصلاح الاجتماعي مثل عبد الله نديم، ولكن آراءه لم تبلغ في جرأتها وتقدمها نحو المساواة الحقيقية بين

стр. 169

طبقات الأمة مثل آراء توفيق البكري، وإن لم يكن لها الصدى الذي تستحقه؛ لأن الأسلوب الذي صيغت فيه يعلو على مستوى أبناء الخاصة وجمهور العامة. ابتدأ البكري حديثه عن العامة بتقريره أنهم أصحاب السلطان الحقيقي، وأنهم أشبه بسيد مأمور والإخشيد في يد كافور، فالإخشيد هو الملك الشرعي، وكافور هو الملك الفعلي، وأنهم أشبه بيتيم غني في يد وصي يستبيح ماله وينهب حقوقه، ويصور الغيظ الذي يضطرم في نفوس العامة، ولكنه أشبه بغيظ الأسير المغلوب على أمره لا يستطيع إلا أن يغتاظ من غير قدرة على تحطيم قيده، ثم يبدى رأيًا جريئًا تنادي به الشعوب الحية اليوم، إذا كان حكام المة لا يولونها عناية، أو رعاية فعلًا يدفع الناس الجزية والضرائب؟ إنه تمرد على الظلم وحث على الإصلاح، ثم يقتبس بيت أبي العلاء الذي يقرر فيه أن الحكام هم أجراء لدى الأمة، ومع ذلك يظلمونها، وهذا أعجب العجب. ويعقد موازنة بين هذه الفئة القليلة التي تملك كل شيء في مصر، وتبعثر على موائد الفساد ما جمع هؤلاء المساكين في حمارة القيظ وصبارة الشتاء، وبين هؤلاء الذين يبيتون على الطوى، وأبناؤهم يتضاغون من المسغبة والفاقة، ويتضورون من الجوع والعرى ويتلوون من السقام والأوصاب، وله في غير هذا الموضوع بيتان صور فيهما العلاقة بين الحاكم والمحكوم في مصر. حمق الألى يحكمون الناس يضحكني ... وسوء فعلهم في الناس يبكيني ما الذئب قد عاث بين الضأن أفتك من ... هذي الولاة بهاتيك المساكين إنه صور الآفات الاجتماعية التي كانت تفتك بهذه الأمة المسكينة، وهي الفقر والجهل والمرض، وعرض في إيجاز أدبي مشكلة التشرد والبؤس، ووازن بين الطبقة الفقيرة الكادحة في سبيل العيش، والفاجرة التي تتحلى بالدر وتنتعل الذهب. ولا يسعنا أن ندرس كل نثر البكري وبحسبنا أن نذكر الموضوعات التي طرقها، فهو بجانب وصفه لرحلته، ورسالته التي آثر فيها العزلة نجده قد تكلم

стр. 170

عن نابليون ووقف وقفة شاعر ناثر على قبره، وتكلم عن مواقفه وفتوحاته، وغزواته وانتصاراته، ثم تكلم عنه بعد زوال ملكه واعتقاله في جزيرة سانت هيلانة، وقد وفق في هذه القطعة لولا تزمته. وله كذلك قطعة في رثاء صديق بيد أننا لا نتعرف على صديقه هذا ونميز سماته ونعرف اسمه وصنعته، وكأني بهذه القطعة تصلح لكل صديق له، وقد بالغ مبالغات في وصفه حتى جعله واحد الدنيا علمًا وعرفانًا، وفضلًا وإحسانًا إلى غير ذلك من الأوصاف التي لا أظن أنها جمعت في شخص حي إلا أن يكون من مخيلة البكري، واستطرد في هذه القطعة إلى وصف الدنيا على طريقة الزهاد والمتصوفة متأثرًا بخطب الإمام على في ذمها والشكوى منها، ولكن وقفته على القبور وهو يودع هذا الصديق إلى جدثه يدل على إحساس شاعر، فقد ضمت بين رجامها ملوكًا كانوا وكانوا، وكم فيها من حسناء بضة كأنها سبيكة فضة "صليجة فضة" أصابها الهزال كما يصيب الهلال، وإذا بها في القبر كأنها مصباح راهب في قبة مظلمة، أو كنز راغب في مهجورة معتمة، وإذا بجسم كان يخشى عليه الهزال أصبح، وهو بال، وخذ كان يصان عن القبلة، تعيث فيه الأرضة والنملة، وتغور كأنها أقاح أو حبب في راح تنثر في البوغاء وتخلط بالحصباء ... إلخ. ومن طرائفه وصفه لمرقص في أحد قصور فيينا كان قد دعي إليه وسمى المرقص، أو "DANCE" الفنزج، وابتدأ بوصف ليالي الشتاء في فيينا، ثم وصف دور هذا القصر وما فيه من أثاث ورياش وأوان، وتماثيل وتصاوير ووصف المرآة والأنوار والأضواء والخرد الحسان، وما عليهن من الوشي والأكسية والحلي، ووصف الموسيقى والمرقص والسماط، والشراب وقواريره، وكيف انتهى الحفل في طلعة الفجر، ووصف الفقجر وطلوع النهار وصفًا دقيقًا رائعًا، ولولا ما شاب هذه القطعة من تلك الكلمات المعجمية لكانت من أبرع ما قيل في الوصف في نثرنا الحديث، وهي إن دلت على شيء، فإنها تدل على حسن مرهف، وخيال محلق، ومعرفة بأسرار اللغة ودقائقها، مما جعله أحيانًا يأتي بأوصاف قديمة لا تتناسب مع الموصوف خذ مثلًا قوله يصف الحسان، وهن قادمات إلى هذا الحفل الراقص: "وثم الخرد الحسان كاللؤلؤ والعقيان، من كل عطبول رفلة، أو أسحلانة ربلة، صدور كالإغريض، أو صدور البزاة البيض، وساعد كأنها شماريخ من

стр. 171

ماس، أو مرمر نحته فدياس، وعيون كأن بين أهدابها رام من بني ثعل أو أسد بين طرفاء وأسل، أو أنها نرجس عطشان أو سيوف تقتل وهي في الأجفان. وقد امتزج فيها الفتر بالحور، فهي سكرى ولا مدام، ووسنى ولا منام، وفم كأنه أقحوانة لم تتصوح، ووردة لم تتفتح، يضحك عن جمان، ويتنفس عن ربحان وينطق عن ألحان وخدود كنار أخدود، أو تفاح أو ماء وراح، أو الشفق في الصباح، ورد يفتحه النظر، ويشعشعه الخفر". ونراه قد وفق في بعض أوصافه وأخفق في بعضها، ولنذكر بعض ما أخفق، فأي فتاة تحب أن يوصف صدرها بأنه كطلع النخل أو صدر الصقر، وبأن عيونها كرام من بني ثعل أو أسد بين طرفاء وأسل، تلك أوصاف قديمة منتزعة من بيئة متبدية صحراوية لا تتناسب مع موصوفه، وقد جرت على شباة قلمه من محفوظه حتى غلبت شاعريته وأزرت بها، بينما نراه يوفق في كثير، والمووضع كله جديد حقا في الأدب العربي. ومن نثره الذي كان يجب أن يقوله شعرًا، ووصفه لغاية "بولونيا" بجوار باريس، وهو في وصفه يستخدم كذلك الأوصاف القديمة أحيانًا والجديدة أحيانًا، ولكنه في عمومه يغص بخطراته الشعرية، ولو أطلق لنفسه العنان، ولم يتزمت ذلك التزمت ويلتزم ما التزمه من إيثاره الغريب على المألوف لأتى من خير ما كتب في النثر الحديث، فقد ألم فيه بوصف باريس، والغاية وما بها من مياه وأشجار وأزهار، وبصفها حين جن الليل، وحين ألقى عليها القمر رداءه الفضي، ويصفها في إشراق الصباح، ويتكلم عن حديقة الحيوان، وما فيها من أسود وفيلة، وظباء وحمر وحش وحيات ونوق في أرض الفرنجة، وتراه أحيانًا ينفذ بخياله فيخترق الحجب، ويحلق في سموات الشعر، وإذا بأسلوبه يجذبه إلى أدنى فيعوقه عن التحليق. ذلك هو البكري جنى عليه محفوظة حتى كاد يطمس شخصيته، ويميت شاعريته، كما جنى عليه تزمته واعتزازه بمنصبه وحسبه ونسبه، مع أنه شاعر وناثر، لقد كان طرازًا مستخلفًا من الماضي، وإن عاش في الحاضر وحاول تصويره، فجمع بين القديم والجديد، وإن غلبه القديم على أمره.

стр. 172

تطور المقال الأدبي مدخل ... تطور المقال الأدبي: عرفنا فيما تقدم من هذا الكتاب أن كثيرين ممن كانوا يحاكون أسلوب المقامة في مستهل حياتهم الأدبية والكتابية ويؤثرون السجع، والزخارف البديعية على الترسل قد هجروا السجع، واتجهوا نحو الأسلوب المرسل في أخريات حياتهم، مواكبين بذلك التطور الفكري للأمة من أمثال: أديب إسحاق، ومحمد عبده، وعبد الله نديم، وحفني ناصف. ولما قوي تيار الثقافة الغربية في فترة الاحتلال، وفرض المحتل لغته في مدارسنا يتلقى بها الطلبة جمع دروسهم ما عدا اللغة العربية، نشأ جيل يجيد الإنجليزية، ويقرأ آثار آدابها وأعلام الفكر فيها، كما أن الثقافة الفرنسية كان لها أنصارها والمعجبون بنتاجها الأدبي، ولم يعد هؤلاء المثقفون بالثقافة الحديثة يرضون ذلك الأسلوب المقيد بالسجع والزخارف، والوقوف عند حد الألفاظ، وإنما أرادوا أن يكون المقال غذاء للفكر والذوق معًا، وأن يخصب ذهن القارئ، ويوسع آفاقه، ويحفزه على التفكير. وما إن خطا القرن العشرون في سنيه الأولى خطوات، حتى كاد يختفي هذا النثر المسجوع إلا عند فئة قليلة محافظة، وفي تلك الفترة اشتدت الحملة على اللغة العربية الفصحى، ودعا المستعمرون حملة الأقلام للكتابة باللغة العامية، وشايعهم بعض المثقفين ثقافة غربية محاولين تقليد الأمم الغربية التي هجرت اللاتينية إلى لهجاتها المحلية كالفرنسية، والإيطالية، والأسبانية، وبحجة أن اللغة العربية تقف بينهم وبين الانطلاق الفكري، والتعبير الصادق عن مشاعرهم، وقد حاول بعضهم أن يتخذ اللغة العامة أداء للتعبير مثل محمد عثمان جلال حين عرب بعض مسرحيات موليير وراسين، وخرافات لافونتين، ودعا مثل هذه الدعوة بعض الأدباء السوريين المسيحيين، بيد أن هذه الدعوة أخفقت؛ لأن المستعمر احتضنها وروج لها على نحو ما وضحناه في كتابنا "الأدب الحديث"،

стр. 173

ورأى الناس فيها خطرا على شخصيتهم وتراثهم العميق الشامخ، كما رأوها غير بريئة من الهوى؛ لأن المستعمر أراد أن ينسي الناس دينهم ولغة قرآنهم، وتنقطع الصلات بينهم وبين ماضيهم المجيد، فكان العاملان الديني والسياسي سببًا في الإقلاع عن هذه الفكرة المغرضة، وثمة سبب ثالث وهو أن الأدباء أنفسهم رأوا أن الفصحى ملك أيمانهم، وأنهم استطاعوا إلى حد ما أن يعبروا بها عن مقتضيات الحضارة والفكر الغربي وبخاصة في العلوم الإنسانية، وأنها ليست عائقًا عن مجاراة الثقافة الغربية، بل تزداد كل يوم قوة لمرونتها، وكثرة مفرداتها وقدرتها على النمو لما فيها من خصائص لا تنكر تساعدها على الازدهار. ولما لم يكن في الإمكان الرجوع إلى الأسلوب القديم الموروث عن المقامة، ولا الالتجاء إلى العامية كان لزامًا أن يبحث الأدباء عن أسلوب آخر تظهر فيه شخصية الأديب، ولا يطفي عليه محفوظه القديم وتقليده له، ويرضي في الوقت نفسه الحاسة الفنية والأذواق الأدبية لدى القراء. ولا يعنينا هنا تتبع الأسلوب الصحفي أو السياسي الذي يكتب على عجل ويقرأ لساعته، ويخاطب الجماهير، وإنما نبحث في الأسلوب الأدبي الذي يتميز بسمات فنية ذكرناها آنفًا في هذا الكتاب، وقد ظهر هذا الأسلوب الجيد بأناقته وطرافته لا على يد هؤلاء الذي تثقفوا ثقافة غربية واسعة، وإنما على يد شيخ أزهري أديب هو مصطفى لطفي المنفلوطي في مقالاته التي ابتدأ يكتبها للمؤيد منذ سنة ١٩٠٧ تحت عنوان النظرات.

стр. 174

مصطفى لطفي المنفلوطي مدخل ... مصطفى لطفي المنفلوطي: وحري بنا قبل أن نتقدم لدراسة مقالات المنفلوطي أن نلقي نظرة عابرة على نشأته وثقافته حتى نستطيع أن نقوم أدبه، ونعرف منزلته في موكب أدبنا الحديث. نشأته وثقافته: ولد المنفلوطي في سنة ١٨٧٦ بمنفلوط إحدى قرى الصعيد من أسرة مصرية معروفة بالحسب والشرف، وحفظ القرآن في حداثته، ثم جاء إلى القاهرة ليدرس بالأزهر ومكث به عشر سنوات، ولكنه لم يجد فيه غنيته، ولا طلبته، وضاق بعلومه وطريقة التدريس فيه ذرعًا، وكاد يهجره إلى غير رجعة لولا أنوجد به الأستاذ الإمام محمد عبده يفسر القرآن الكريم بأسلوب جديد ينفذ إلى القلوب والبصائر، ويدرس لطلابه كتابي عبد القاهر الجرجاني في البلاغة: "أسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز"، فأعجب به ولزم درسه، وانصرف عن دروس الأزهر، وكان لصحبته للإمام محمد عبده أثر عميق في تفكيره، وتحديد أهدافه، حيث حبب إليه دراسة الأدب، وكان يثني عليه ويطري فطنته وذكاءه، ويرجو أن يكون من خير المنتفعين بعلمه الناشرين لمبادئه وتعاليمه. وأخذ المنفلوطي يتزود من ينابيع الأدب العربي قديمه وحديثه شعرًا ونثرًا، فقرأ لكبار الكتاب في العصر العباسي من أمثال ابن المقفع والجاحط، وبديع الزمان وغيرهم، كما اهتم بكتب النقد القديمة، فنجد له في مختاراته: صناعة الإنشاء لبشر بن المعتمر، والأديب غير الكاتب للمبرد، ودعوى الأدب للآمدي، وفصاحة القرآن للباقلاني، وإعجاز القرآن للقاضي عياض، وتخير من عيون الشعر العباسي أرقه لفظًا، وأشرفه معنى، فنرى له في مختاراته لأبي تمام وبشار وأبي نواس، والمتنبي وابن الرومي وغيرهم، مما يدل على ذوق مرهف، وحس مصقول، وقرأ كذلك في الدين والفقه والتاريخ، والعلوم الحديثة، ولكنه -والحق يقال- لم يكن متخصصًا فيها حاذقًا لها، وإنما كان يلم بها إلمام الأديب الذي يأخذ من كل فن بطرف على حد قول القدماء.

стр. 175

وكان يتتبع في حرص كتابات أستاذه الشيخ محمد عبده، والكتاب المعاصرين له، وبخاصة ذوي الفكر منهم، ويقرأ بنهم الكتب المترجمة، وبخاصة القصص المترجمة على اختلاف أنواعها، وإن أعجبه منها القصص الرومانسية، ويقول العلامة "جب": "ليس كالمنفلوطي من يتخذ مثلًا باهرًا على أثر التيارات الغربية في العالم العربي". ثم اتصل بسعد زغلول عن طريق الإمام محمد عبده، وعن طريقهما تعرف بالسيد علي يوسف، صاحب المؤيد، وقد كان لهؤلاء الثلاثة: محمد عبده وسعد زغلول وعلي يوسف أثر كبير في شهرة المنفلوطي ودفعه في الطريق الذي اختاره لنفسه، وهو طريق الأدب والإصلاح الاجتماعي. ولما اشتد الخلف بين الإمام محمد عبده والخديوي عباس على نحو ما فصلنا فيما سبق من كتابنا "في الأدب الحديث" الجزء الأول هجا المنفلوطي عباسًا بقصيدة مطلعها: قدوم ولكن لا أقول سعيد ... وملك وإن طال المدى سيبيد رحلت ووجه الناس بالبشر باسم ... وعدت وحزن في القلوب شديد علام التهاني؟ هل هناك مآثر ... فتحمد أم سعي لديك حميد تذكرنا رؤياك أيام أنزلت ... علينا خطوب من جدودك سود فما قام منكم بالعدالة طارق ... ولا سار منكم بالسداد تليد كأني بقصر الملك أصبح بائدًا ... من الظلم، والظلم المبين يبيد وقد نثرت في ٣ من نوفمبر ١٨٩٧، وكان هذا اليوم ميعاد عودة عباس من رحلته إلى أوروبا، وحكم على المنفلوطي بالسجن عامًا، وبغرامة قدرها عشرون جنيهًا، وقضى بسجنه ستة أشهر، وبعد وساطة من الإمام محمد عبده لدى الخديوي حين عاد الوفاق بينهما أفرج عنه، ولما خرج مدح الخديوي شاكرًا بعدة قصائد يقول في إحداها: وعفوت عني عفو مقتدر ... والذنب فوق العفو والغفر

стр. 176

ولما توفي الإمام محمد عبده سنة ١٩٠٥ ضاقت على المنفلوطي الأرض بما رحبت، واسودت الأيام في وجهه، ورأى القاهرة كئيبة لا تسكن، فآثر أن ينزوي ببلدته منفلوط، ومكث ثمة عامين، وابتداء وهو ببلدته يراسل المؤيد، ويكتب فيه مقالات أسبوعية وكانت أولى مقالاته في أكتوبر ١٩٠٧. ولما عاد إلى القاهرة عينه سعد زغلول محررًا عربيًا بديوان المعارف، وكان من المعجبين به المقدرين لمواهبه، ولما نقل سعد وزيرًا للحقانية "العدل" انتقل المنفلوطي معه، ولما اختير سعد وكيلًا للجمعية التشريعية، صحبه محررًا بها، وظل موظفًا بالحكومة حتى سنة ١٩٢١حين فصله ثروت على إثر مقالة نشرها يدافع بها عن سعد ويهجو خصومه، ولكنه ما لبث أن دعاه القصر ليشغل وظيفة في أمانة السر بالديوان الملكي، بيد أنه أقيل منها بعد قليل لمناصرته لسعد، وكان سعد في عداء مع القصر. ولما أسندت إلى سعد رئاسة الوزارة سنة ١٩٢٤، وافتتح "البرلمان" عين المنفلوطي رئيسًا لكتاب مجلس الشيوخ، بيد أن الأجل لم يمد له في حباله فمات في الثامنة والأربعين من عمره في اليوم الذي اعتدى فيه على سعد "يولو ١٩٢٤"، فضاع نعيه في زحمة الأحداث. ينتسب المنفلوطي إلى الإمام الحسين بن علي ﵄، وكان أبوه قاضيًا لمنفلوط، وأمة تركية، ولكنها ما لبثت أن طلقت وتزوجت برجل آخر من منفلوط، فكان لذلك -ولا ريب- تأثير كبير على نفس المنفلوطي الشديدة الحساسية. ويظهر أن النفلوطي عانى بعض شظف العيش أيام أن كان طالبًا بالأزهر، وبعد طلاق أمه، وزواج والده مرة أخرى، بيد أن حالة الفقر هذه قد تبدلت، إذ تزوج بسيدة ثرية، ولما ماتت ورث عنها ستة عشر فدانًا عاش بسببها في رفاهة العيش حتى قال: "قد رزقني الله من المال ما لا أطلب بعده لنفسي مزيدًا"، ولكنه على الرغم مما آل إليه من بسطة في الرزق لم تنسه الأيام سني الخصاصة الأولى فيقول: "ذكرت الجلسة البسيطة التي كنت أجلسها أيام الطلب في غرفتي العادجية الصغيرة بين زملائي الفقراء البسطان فبكيتها، ولم تنسني إياها جلستي اليوم في منزلي الأنيق الجميل بين خير الناس أدبًا وفضلًا ومجدًا"١.

стр. 177

وكان المنفلوطي شديد التدين، سليم العقيدة، غير متزمت أو متعصب، لا يبيع دينه بأي ثمن مهما غلا، وكان فيه حيائ يمنعه من الحديث في المجالس حتى ليظن مجالسه أن بلسانه حبسة وعيا، وأنه ليس ذلك الأديب الذي يسيل الكلام المنمق على شباة قلمه عذبًا جميلًا، ولكنه، إذا خلا بأحد خلصائه ممن يأنس لهم، انطلق على سجيته، ورأيت فيه المنفلوطي الكاتب الذي نعرفه، وكان ممن يؤثرون العزلة والبعد عن مزاحمة الناس، وقد آثر السلامة بأن لبس الناس على علاتهم. هذا وقد كانت الحقبة التي تفتحت فيها مواهب المنفلوطي الأدبية -أي في مستهل القرن العشرين- قد اشتد فيها بطش الإنجليز، وبخاصة بعد الاتفاق الثنائي سنة ١٩٠٤، وكان المصريون يشعرون شعورًا حادًا بوطأة الاحتلال، ويدركون أنهم من أمة عريقة لها ماضيها وحضارتها ودينها الذي يبعث فيها العزة والكرامة، وتراثها الفكري العظيم، ويحلمون بعودة هذا المجد التليد، فلا بدع إذا راق لهم من الأدب الغربي -ذلك الذي اشتدت به صلتهم على مر الأيام منذ مستهل النهضة- الأدب الروماني الذي يتغنى بأمجاد الأمم ورائع تاريخها، ويعظم القوميات، ويهيم وجدًا بطبيعة الأوطان، والذي كان طابعه العام لدى الفرنسيين بخاصة -بعد انهاير إمبراطورية نابليون، هو الطابع الحزين، إذ وجد شباب فرنسا أنفسهم في فراغ بعد تلك الغزوات الكبيرة والانتصارات المجيدة، وكان في كل بيت مأتم بعد تلك الحروب الطاحنة، والبلاد في ضيق مالي شديد الوطأة بعد أن استنفدت موارد فرنسا في حروب نابليون، فأخذ الأدباء والشعراء يعزفون على قيثارة البؤس أنغامًا حزينة، وإلى أمد غير قليل حتى سميت تلك الأنغام داء العصر. وقد كان حال المصريين بعد إخفاق الثورة العرابية، ونكبة الاحتلال تشبه حال الفرنسيين بعد أن تقوضت إمبراطورية نابليون، فاعجبهم من الآداب الغربية والأدب الرومانسي في تلك الحقبة، وكان المنفلوطي ممن يعتلج الأسى في صدورهم لرهافة في حسه، وصدق في وطنيته وإخلاص في عزمه على الإصلاح، وهو يرى البؤس والشقاء والفقر والمرضى يحيط به أني ذهب مع شعور بموهبته، ومن هنا انطلق يبكي ويصور آلام نفسه وبؤس قومه.

стр. 178

لم يكن المنفلوطي يعرف من اللغات غير العربية، ولكن ذلك لم يمنعه من قراءة ما ترجم من اللغات الأجنبية إليها، وأعجب بآثار الرومانسيين، وأقبل عليها بشغف ولذة، وقد شاء له طموحه أن يترجم بعض هذه الآثار القصصية، ولكن كيف السبيل إلى هذا وهو لا يجيد أي لغة غربية، ومن ثم دعا من ترجم له ترجمة حرفية بعض هذه القصص من طويلة وقصيرة، ثم صاغها بقلمه صياغة عربية مع كثير من التصرف والحرية في التعبير كما فعل في قصة "برناردين دي سان بيير" "بول وفرجيني" التي سماها الفضيلة، وكانت قد ترجمت من قبل على يد محمد عثمان جلال، وكما فعل بقصة "ألفونس كار" "ماجدولين"، وقصة "أدمون روستان" "الشاعر أوسير أنودي برجراك"، وقصة "فرانسوا كوبيه" "في سبيل التاج"، والأخيرتان تمثيليتان أحالهما المنفلوطي إلى الأسلوب القصصى السردي، وكذلك فعل ببعض القصص القصيرة التي نشرها في كتابه العبرات. وليس من همي في هذا البحث أن أدرس قصص المنفلوطي المؤلف والمترجم، فذلك يأتي في دراسة تطور القصة المصرية، وإنما الذي يعنيني هنا هو المقال الأدبي لدى المنفلوطي، وقد رأينا آنفًا ينابيع الثقافة التي اغترف منها وأثرت في أدبه: الثقافة العربية القديمة، وآراء المصلحين الاجتماعيين في عصره، وبخاصة آراء أستاذه الإمام محمد عبده، والكتب والقصص المترجمة، ومن هنا نجد أن المنفلوطي لم يكن عميق الثقافة، واسع آماد الفكر وإنما كان قوي العاطفة، مرهف الحس والذوق، يضفي على كل ما يتناوله يراعه رونقًا وجمالًا من بارع أسلوبه وفيض عاطفته، فيحس القارئ إسحاسًا قويًا بانفعالات نفسه، والتذاذًا بحلو صياغته وجمال عرضه. وقد استطاع المنفلوطي أن يبتدع طريقة جديدة في الكتابة الأدبية، طريقة تخالف تلك التي اشتهرت في القرن التاسع عشر لدى الكتاب الأدباء، إذ كانوا يحفلون بالسجع والزخارف البديعية، ويتكلفون ذلك تكلفًا، ويغلبهم على أساليبهم محفوظهم من الأدب القديم، فيرددون تشابيهه ومجازاته وكتاباته، وإن كانت لا تناسب الموضوع والبيئة والعصر.

стр. 179

وهي طريقة تخالف كذلك النثر الصحفي الذي يكتب لساعته، ويخوض فيغمار المعارك السياسية، فلا يتأنى صاحبه في انتقاء الألفاظ وتجويد الجمل وصقل الأسلوب، ومع أن المنفلوطي قد درس الأدب القديم، وتخير أطايبه لغذاء نفسه وعقله، إلا أنه استطاع أن يفلت من ربقته إلى حد كبير فكيف تأتى له هذا؟ دعنا نستمع إليه وهو يحدثنا كيف تهيأت له هذه السبيل: "كنت أقرأ من منثور القول ومنظومه ما شاء الله أن أقرأ، ثم لا ألبث أن أنساه، فلا يبقى منه في ذاكرتي إلا جمال آثاره، وروعة حسنه، ورنة الطرب به، وما أذكر أني نظرت في شيء من ذلك لأحشو به حافظتي، أو أستعين به على تهذيب بياني أو تقيوم لساني، أو تكثير مادة علمي باللغة والأدب، بل كل ما كان من أمري أنني كنت امرءًا أحب الجمال، وأفتن به كلما رأيته: في صورة الإنسان، أو مطلع البدر، أو مغرب الشمس، أو هجعة الليل، أو يقظة الفجر، أو قمم الجبال، أو سفوح التلال، أو شواطئ الأنهار، أو أمواج البحار، أو نغمة الغناء أو رنة الحداء، أو مجتمع الأطيار أو منتثر الأزهار أو رقة الحس، أو عذوبة النفس أو بيت الشعر، أو قطعة النثر، فكنت أمر بروض البيان مرا فإذا لاحت لي زهرة جميلة بين أزهاره، تتألق عن غصن زاهر بين أغصانه، وقفت أمامها وقفة المعجب بها، الحاني عليها، المستهتر بحسن تكوينها، وإشراق منظرها، من حيث لا أريد اقتطافها أو إزعاجها من مكانها، ثم أتركها حيث هي، وقد علقت بنفسي صورتها إلى أخرى غيرها، وهكذا حتى أخرج من ذلك الروض بنفس تطير سرورًا به، وتسيل وجدًا عليه، وما هي إلا أن درت ببعض تلك الرياض بعض دورات، ووقفت ببعض أزهارها بعض وقفات حتى شعرت أني قد بدلت من نفسي نفسًا غيرها، وأن بين جنبي حالًا غريبة لا عهد لي بمثلها من قبل، فأصبحت أرى الأشياء بعين غير التي كنت أراها بها، وأرى فيها من المعاني الغربية المؤثرة ما يملأ العين حسنًا والنفس بهجة". هام المنفلوطي بالأدب حبًا منذ حداثته، وقد حاربه شيوخه في الأزهر وحاولوا أن يقفوا بينه وبين كتبه الأدبية، فنفر منهم وازداد شغفًا به وعكوفًا عليه، وما إن آنس من نفسه القدرة على الإفصاح عما يجيش في صدره، وما يختمر في فكره حتى أشهر يراعه، ولم يضعه إلا حين وافته منيته.

стр. 180

خصائص أسلوبه: وحري بنا قبل أن نتكلم عن خصائص أسلوبه أن نتقدم بالحديث عن موضوعات مقالاته كما سجلها كتابه النظرات، معظم هذه الموضوعات اجتماعية ومنها في الدين والرثاء أو الأدب، ولا شك أن النشأة الدينية التي نشئها المنفلوطي في بيت شرف ونسب، ثم دراسته بالأزهر، وصحبته للأستاذ الإمام محمد عبده وتشربه مبادئه، وإعجابه به هي التي وجهته تلك الوجهة وأملت عليه الكتابة في تلك الموضوعات. وأهم ما يلفت النظر في موضوعاته الاجتماعية شدة سخطه وحتفه على الحضارة الغربية، حضارة المستعمر، إذ كان يرى أنها هي التي جرت الموبقات والمفاسد إلى الأمة، وباعدت بين جمهرة الناس والسلوك الديني الطيب، وأنها خدعة من خدع الاستعمار يفتن بها الشعوب المغلوبة على أمرها، ولا يلبث أن يجذبها لألاؤها فتنحل أخلاقها، وتشيع بينها الفحشاء، والاتجار بالأعراض وانتهاك الحرمات، وشتى ألوان الشرور والآفات الاجتماعية، فقام المنفلوطي يحارب هذه المندينة غير ناظر إلا لمساوئها، بل كان يرى أنه من الخير للشرق أن يتجبنها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا ولو ظل على جهالته، فيقول في ذلك. "فكان من همي أن أدل على شرور الأشرار الكامنة في نفسوهم، وأن أكشف الستر عن دخائل قلوبهم حتى يتراءوا ويتكاشفوا، فيتواقفوا ويتحاجزوا، فلا يهنأ خادع، ولا يبكي مخدوع على نكبته، ولا يتخذ بعضهم بعضًا حمرًا يركبونها إلى أغراضهم ومطامعهم، وكان منشئي في قوم بداة سذج، لا يبتغون بدينهم دينًا، ولا بوطنهم وطنًا، ثم ترامى بي الأمر بعد ذلك، وتصرفت بي الحياة في شئون جمة، فخضعت لكثير من أحكام الدهر وأقضيته إلا أن أكون ملحدًا في ديني أو زاريا على وطني، فاستطعت وقد غمر الناس ما غمرهم من هذه المدينة الغربية أن أجلس ناحية، وأن أنظر إليها من مرتب عال، وكنت أعلم أن من أعجز العجز أن ينظر الرجل إلى الأمر نظرة حمقاء، فإما أخذه كله أو تركه كله، فرأيت حسناتها وسيئاتها وفضائلها ورذائلها، وعرفت ما يجب أن يأخذ
следующие страницы →