← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وسكتاته؛ إلا لله، مُصَفًّى من الخلل، حَنِيفًا إلى الحق، بعيدًا (١) من الباطل، غير خارج عن سَنَنِ الحق، وحينئذ يكون لله؛ كما قال: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، وقد قال الله: "إني لا أقبل عَمَلًا أُشْرِكَ معي فيه أَحَدٌ (٢) غيري، أنا أغنى الأغنياء عن الشريك" (٣). وأمَّا إن قَصَدَ به دُنْيَا فإنَّه لم يكن لله حتى يُقال فيه: إنه إخلاص (٤)، ولكنه كما قال النبي ﷺ عن القارئ: "يقال له: كذبت، بل أردت أن يقال: فلان قارئ، فقد قِيلَ" (٥). وربَّما قَصَد ذلك ولم يَجْرِ (٦) ذلك على أَلْسِنَةِ الناس، بل يكون مُحَقَّرًا فيهم، فهذا قد خَسِرَ الدنيا والآخرة، ومن كان يرجو لقاء ربه ليَصِلَ إلى رؤيته وثوابه ورضاه في جواره فليُصْلحْ عملَه وليُخْلِصْ قصدَه. وأمَّا قوله: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾، أي: استوى ظاهرُهم وباطنُهم ليزول عنهم نفاقُهم، والله أعلم. وقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾ [مريم: ٥١]، قُرِئَ بفتح اللَّام، يشهد له قوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١]،

стр. 1017

وقرئ بكَسْر اللَّام، وهو بهما جَمِيعًا: أَخْلَصَهُ الله وأَخْلَصَ لله، لم يكن فيه لغير الله حَظٌّ، ولا أخذته فى الله لومة لائم، ولا استفزه طَمَعٌ على إيثار حَظٌّ على طاعته (١)، ولم يُغْضِ في الله على شيء، حتى إن مَلَكَ الموت لمَّا جاءه- دون المقدمة التي كانت بينه وبين الله- صَكَّهُ ففَقَأَ عينَه (٢). ومن أراد (٣) غَيْرَ الله مُطْلَقًا بعمله كله أو بعض (٤) عمله دَخَلَ في الحديث الصحيح عن عائشة ﵄: أن معاوية كتب إليها لتكتب له (٥) بما سمعت من رسول الله ﷺ ، فكتبت إليه بفِقْهِها وثاقب فَهْمِها وعظيم عِلْمِها: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من التمس رضى الناس بسخط الله وكله الله إليهم، ومن التمس رضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس" (٦). وما كان أحوج معاوية إلى هذه الوصية! فإنه كانت له فَضْلَةُ حِلْمِ تَسَعُ أخلاق الناس؛ فخَشِيَتْ عليه أن يَنْسَحِبَ حِلْمُه على مسامحةٍ فيما لا يجوز، فما نبَّهت منه غافلًا، ولا ذَكَّرَتْ نَاسِيًا، ولقد ساد وساس، حتى وَجَدَ الناسُ فَقْدَه، ولم يَجِدُوا بعده مثله (٧)، فإياكم ثم إيَّاكم أن تسمعُوا فيه قَوْلَ المؤرخين! فهُم عن الحَقِّ جِدُّ نَاكبينَ.

стр. 1018

وإذا عَلِمْتُم هذه المقدمة بجميع معانيها في هذا الاسم، وتحقَّقتم أنه سِرٌّ لا جَهْرٌ، ومن قَبِيلِ أعمال القلوب لا من اكتساب الجوارح، فتحقَّقوا أنَّ عنه تَنْشَأُ الأفعال، وعليه ينبني عَمَلُ الجوارح. وفي "مصنف عبد الرزاق": وذكر في الجامع عن أبي هريرة قال: "القَلْبُ مَلِكٌ وله جنوده، فإذا أَصْلَحَ الله الملك صَلَحَتْ جُنُوده (١)، وإذا أَفْسَدَ (٢) الله المَلِكَ فَسَدَتْ جنوده، الأُذُنَانِ قِمْعٌ (٣)، العينان مَسْلَحَةٌ (٤)، اللسان تُرجمان، اليدان جناحان، الرجلان بَرِيدٌ، الكَبِدُ رحمةٌ، الطِّحَالُ ضَحِكٌ، الرئة نَفَسٌ، فإذا صَلَحَ المَلِكُ صَلَحَتْ جنوده، وإذا فَسَدَ الملك فَسَدَتْ جنوده" (٥). وهذا لا يُحتاج إليه مع كلام النبوَّة ويَنْبُوع الحكمة، قال محمَّد ﷺ : "ألَا وانَّ في الجسد مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" (٦). ويليه اللسان؛ وهو تُرْجُمَانُه، فإذا اتَّفقَا في قَصْدٍ حَسَنٍ انتظم الأمرُ واطَّرَدَ الخَيْرُ، وإذا اضطربَا اختلَّ الكُلّ جملة وتفصيلًا.

стр. 1019

وفي الحديث: "إذا أصبح ابنُ آدم كَفَّرَتْ أعضاؤه اللسان، تقول له: اتق الله فينا، فإنك إن استقمت استقمنا، وإن اعْوَجَجْتَ اعوججنا" (١)، وقد بيَّنَّا حقيقة هذا المَثَلِ في كتاب "قانون التأويل" (٢) فليُطْلَبْ فيه. بديعة: والأَفْعَالُ وإن كانت تصدر (٣) عن إشارة القلب، ومُرَكَّبةً (٤) على المعاني القائمة به؛ فإنها تؤثر في إدامة حال القلب إذا تصرَّفت على مقتضى صَدَرِها (٥) منه، فإن كان في الخير فهي عادة، وإن كان في الشر فهي لجاجة، ألا ترى إلى عظيم تأثير السجود في تأكيد خضوع القلب، ويَعْضُدُ هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وسيأتي بيان ذلك في اسم "المُصَلِّى" إن شاء الله. تحقيق: [في حقيقة النية] ولمَّا كان حال الأعمال تنبني (٦) على القلب وتَصْدُرُ عن المعاني القائمة به؛ نبَّه النبي ﷺ على (٧) الحقيقة فيه فقال: "الأعمال بالنيات،

стр. 1020

ولكل امرئ ما نوى" (١)، وصار هذا الحديث -وإن كان من الآحاد (٢) - ثُلُثَ الإسلام في قَوْلٍ (٣)، ورُبُعَه في قَوْلٍ (٤)، وجُمْلَتَه عند قَوْمِ آخرين، والأوَّلان أَصَحُّ من الثالث، والثاني أصحُّ من الأوَّل، وقد بينَّا ذلك في "شرح الحديث". والنِّيَّهُ عندهم -مُطْلَقًا-: هي القَصْدُ (٥). وفي العبادات: هي قَصْدُ التقرب (٦) إلى المعبود (٧)، ولها مقام عظيم في الدين. قال ابن مسعود: "النجاة في اثنتين، والهَلَكَةُ في اثنتين، النجاةُ في النية والنُّهَى، والهَلَكةُ في القُنوط والإعجاب" (٨). والتقريبُ في حقيقة النية ما نُورِدُه عليك: وهو أن الله خلق العَبْدَ وخلق له مُلَائِمًا، وخلق له مُبَايِنًا، وخَلَقَهُ لا يعلم شيئًا، وإن كان مُهَيَّئا لِأَنْ يَعْلَمَ، فإذا خَلَقَ له العِلْمَ بالشيء مثلًا

стр. 1021

موجودًا وخَلَق (١) له العِلْمَ به مُلَائِمًا خَلَقَ له إليه مَيْلًا، وعليه إقبالًا، وخَلَقَ له التردد في الملاءمة: هل هي من جميع الوجوه أو من بعضها؟ أو هل (٢) هي ملائمة المبدأ والمآل جميعًا أم تختلف حال الملاءمة فيهما (٣)؟ ولا تزال الخواطر تتعارض، والنَّظَرُ يَزِنُ مقاديرها في مجاريها، حتى إذا خَلَقَه له معلومًا ملائمًا من كل وَجْهٍ في كلِّ حال، ومَنَعَ (٤) العوارض القاطعة، خَلَقَ له عليه القُدرة، وكان الإقدامُ منه على الفِعْلِ بالقدرة الأوَّلية، وحَصَلَ الوجود. فالخاطر الأوَّلُ من المَيْلِ: تُسَمِّيه العَرَبُ هَمًّا. والثاني: تسَمِّيُه إِرَادَةً وعَزْمًا. والثالث: المُتَجَرِّدُ عن الوساوس والعوارض والقواطع تُسَمِّيه نِيَّة؛ مأخوذٌ من النَّوَى، وهو البُعْدُ، أي بَعُدَتْ عن كل ما يعارض ويمنع. ولمَّا كانت هذه كلها صفات حدوث وحالَ تَغَيُّرٍ؛ تَنَزَّهَ القَدِيمُ عنها، وكانت له الإرادة التي هي صِفَةٌ شَأْنُها تَمْيِيزُ الشيء عن مثله؛ قَدِيمَة أوَّليَّة تتعلق بكل مخلوق مُحْدَثٍ، ووقعت في المخلوق دَلِيلًا على الخالق بما

стр. 1022

هي عليه من هذه الأحوال الناقصة، كسائر صفاته الناقصة فيه؛ وإن كانت كَمَالًا، الكاملةُ في حَقِّ الله على الإطلاق، المُتَقَدِّسَةُ عن الآفات (١). مَجْهَلَةٌ: وقد ظنَّ بعضُ المُتَزَهِّدَةِ (٢) أن النية لا تدخلُ تحت الاختيار، قالوا: "لأنها انبعاثُ النفس ومَيْلُها إلى مَالَهَا فيه غَرَضٌ، والانبعاثُ والمَيْلُ إذا لم يمكن (٣) اختراعه ولا اكتسابه بمجرد الإرادة فذلك (٤) كقول الشبعان: نويتُ أن اشتهي الطعام" (٥)، في تَطْوِيلٍ مُمِلٍّ، وقَوْلٍ مُخْتَلٍّ. مَعْلَمَةٌ: وليست النية ما أشاروا إليه، وإنما هي ما بينَّاه، وهذا إنَّما بَنَوْهُ على قَوْلِ بعضهم في تأويل قوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢]: "إن من وقع في المعصية أو في المَهْلَكَةِ باختياره لا يكون مُضْطَرًّا"، وسنُبَيِّنُ فساد (٦) هذا في اسم (٧) "الدَّاعي" إن شاء الله.

стр. 1023

وأمَّا (١) قولهم عن الشبعان: "نويتُ أن أشتهي الطعام"، فلا يماثل مسألة النية، واقْرُنْهَا بما قدَّمناه حتى ترى أن هذا كلامٌ في غير كُنْهِه؛ نِبَالٌ دُونَ نِصَالٍ، وبَدَنٌ بغير أَوْصَالٍ، وقد بيَّنَّا أنه لا تكون نيَّة إلا بعد تَقَدُّمِ مَيْلٍ. وقولهم: "إن الانبعاث لا يُمْكِنُ اختراعُه ولا اكتسابُه" دَعْوَى، المَيْلُ فِعْلٌ من الأَفْعَالِ التي ليست بضرورية، ولذلك تَرَكَّبَتْ عليه النية، ولو كانت النية لا تدخل تحت الاختيار لمَا كانت شرطًا في صحة الأعمال الاختيارية، وهذا أَبْيَنُ من إِطْنَابٍ فيه. تَوْكِيدٌ: وقد اتفقت الأُمَّةُ والعقلاء من كل طائفة على التكلم في الترجيح بين النية والعمل، ولو كانت النيةُ ضروريةً والعملُ اختياريًا ما وقع بينهم ترجيح، وأيُّ حاجة تدعو إلى أن يقال: "إن النية لا تدخل تحت الاختيار" (٢)، ويُفَسَّرُ ذلك (٣) بما شاء الله من التأويل، حتى إنهم قد أكثروا عن النبي ﵇ أنه قال: "نية المؤمن خَيْر من عمله" (٤)، ولم يَصِحَّ من ذلك حَرْفٌ عنه.

стр. 1024

أَمَا إنَّها مسألة واقعة، فلا بد من بيان (١) معناها؛ لأنه موجود في الدين، مُشْكِلٌ بين المسلمين، وإيضاحُه في معالم الدين موجود مشكل (٢)، قالوا فيها سبعة أقوال (٣): الأوَّل: إن (٤) النية سِرٌّ، والعَمَلُ جَهْرٌ، والسِّر أَفْضَلُ من الجَهْرِ. الثاني: إنَّ العمل لا يدوم، والنية تدوم. الثالث: إن معناه: نية المؤمن خَيْرٌ من جُمْلَةِ عَمَلِه الخَيِّرِ. الرابع: إن النية بمجردها خير من العمل بمجرده. الخامس: إن النية تكتب وحدها حسنة دون عمل، ولا يكتب العملُ دون نية. السَّادس. إن النية لها في تبديل صفات الأعمال شرعًا تأثيرٌ ما، فإنها تَرُدّ المُبَاحَ طاعةً حتى يكون فيه حَظٌّ، بل حُظُوظٌ من الثواب، ولم تُوضَعُ في الأصل لذلك. السَّابع: إن الجزاء في القيامة يقع على النية لا على العمل؛ لأن العبد يُطِيعُ في الدنيا -مثلًا- ثمانين عامًا، فيُثِيبُه الله في الجنة ثوابًا دائمًا أَضْعَافَ مُدَّةِ طاعته، ويزيده ما لا تحصيل له ولا نهاية، وذلك فيما يقابل النية، لأنه كان من نيته: أنه لو عُمِّرَ دهره كلَّه من غير انقطاع لكان في طاعة

стр. 1025

ربه أبدا، فأعطاه الله على هذه النية المُنْسَحِبَةِ على (١) آماد لا نهاية لها، ولم يُعْطِه على عَمَلِه المحصور المقدَّر. إيضاحُه: قُلْنَا: ليس هذا الذي قلتم كله (٢) -لو كان مُسَلَّما- يَقْتَضِي (٣) ما قُلْتُم (٤) من تفضيل النية على العمل، وإنما هي صُوَرٌ صَحِيحَةٌ وأحكامٌ بَيِّنةٌ رَكَّبْتُمُوهَا على غير أدلتها ونَسَبْتُمُوهَا إلى دَعَاوٍ. أمَّا قولهم: إنَّ عَمَلَ السِّرِّ أفضلُ من عمل العلانية، فهو أَمْر غير مُسَلَّم على الإطلاق، وإنما فيه تفصيلٌ، يأتي في موضعه من اسم "المُتَصَدِّقِ" إن شاء الله. وأمَّا قولهم: إن النية تدوم والعمل لا يدوم؛ فليس بصحيح، فإن نية الرجل عَمَلٌ من حُمْلَةِ أعماله؛ فما (٥) دام موجودًا فنيتُه (٦) وسائرُ أعماله موجودة، وإذا عُدِمَ عُدِمَ ذلك كله، وإن أشاروا به إلى القول السابع، وهو: اعتقاده (٧) العمل الدائم لو أبقاه الله، وعليه يقع الجزاء لا على عمله، فذلك القول ضعيف؛ فإن الجزاء لا يقع على العمل ولا على النية، وإنما هو

стр. 1026

فَضْلُ الله على ما تقدَّم في حديث ابن عمر في مُحَاجَّةِ اليهود والنصارى، وقول الله تعالى لهم: "هل ظلمتكم من أجركم (١) شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فذلك فَضْلِي أوتيه من أشاء" (٢)، ولو كان الجزاء على قَدْرِ النية ما أُعْطِي الجنة، فإن عمل أهل الأرض لا يكافئ جُزْءًا منها، ولو كان الجزاءُ على قَدْرِ العمل مُسْتَحَقًّا لكان لله تعالى أن يحاسبه بنِعَمِه عليه، فنِعْمةُ البصر وحدها تأخذ جميع أعماله، فهذه الوجوه كلها تُضْعِفُ هذا القول وتُسْقِطُه. وأمَّا قوله في الثالث؛ فلا مُتَعَلَّقَ لهم في غرضهم. وأمَّا الرابع؛ فلا يصح أن تكون النية خَيْرًا من العمل، ولا يكون العملُ خَيْرًا من النية؛ لأن شَرْطَ الشيء الذي يقع الاعتدادُ به فيه لا يصح أن يقال: إنه خير منه أو مثله، كما لا يصح أن يقال: إن الطهارة خَيْرٌ من الصلاة، ولا الصلاة خَيْرٌ من الطهارة، أَمَا إنَّ في أعمال القلوب ما هو خَيْرٌ من جميع الأعمال، وهو الإيمان. وأمَّا قولهم: إن النية تكتب مفردة، ولا يكتب العمل دونها؛ فصحيح، ولكن هذا لا (٣) يُوجِبُ فَضْلَ النية على العمل، ألا ترى أنه قد رُوي: "أنه لا يُنظَر في عَمَلِ عبد حتى يُنْظَرَ في صلاته" (٤)، ولكنه يُكْتَبُ له العمل دونها، ويُثاب عليه آخِرًا في الشفاعة.

стр. 1027

وأمَّا قولهم: إن النية لها تبديل في الأعمال؛ فذلك لا يوجب تقدمها عليها، وإنما ذلك بمنزلة الطهارة، فإن لها تبديلًا في الأحوال. وإذا (١) فَهِمْتُمْ حقيقة النية؛ فالإخلاصُ فيها أن لا يمتزج القَصْد بها إلى الله مع شيء سواه كما قدَّمناه، وذلك لا يكون إلا مع قوة العلم بالله، وصريح الإيمان، وقوة الإسلام. وقال بعضُ المُتَعَبِّدِينَ -وهو رُؤَيْمُ بن أحمد (٢) -: "لا يكون الإخلاصُ إلَّا لرَجُل لم يَقْصِدْ بعَمَلِه عِوَضًا؛ لا في الدنيا ولا في الآخرة، وإنما يَنْوِي الخِدْمَةَ لحَقِّ المَوْلَى خاصَّة" (٣). ومن فَهِمَ المَوْلَى لم يَقُلْ هذا؛ لأنه يتعالى عن الحظوظ، وإن كانت تجب له الحقوق، قال النبي ﷺ : "قال الله تعالى: لو أن أهل الأرض اجتمعوا على أتقى قَلْبِ رَجُلٍ ما زاد ذلك في مُلْكِي، ولو أن أهل الأرض اجتمعوا على أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ ما نقص ذلك من مُلْكِي" (٤)، وما يقصد أَحَدٌ بطاعته إلَّا حَظَّ نَفْسِه في خَلَاصٍ من عقاب، أو (٥) اجتلاب ثواب، ولذلك خُلِقَتِ السماواتُ والأرضُ. وقد قال القاضي أبو بكر: "إنَّ هذا كُفْرٌ" (٦)، وصَدَقَ.

стр. 1028

وقال بعض الصوفية (١): "هذا الذي ذكره القاضي حَقٌّ، ولكن الذي أراده رؤيم: أن يتبرأ العاملُ من حظوظ النفس الشهوانية في الجنة؛ التي هي الأكل والشرب والجماع، فأمَّا التلذذ بمعرفة الله ورؤيته فذلك غاية الآمال عندهم، وحَظُّهم معبودُهم لا غير". قال الإمامُ الحافظ أبو بكر (٢) ﵁: وهذا غَيْرُ مَنْكورٍ، ولكن النيات في ذلك تختلف، فمن كان أَمَلُه نَعِيمَ الجنة ورؤيةَ الله فهو في غاية الإخلاص، ومن كان أملُه رؤية الله خاصَّة فهو أشرف؛ وذلك لأن الساكن بالجنة يستغني عن الطعام والشراب، وإنما يفعله لَذَّةً لا عن حاجة، ورؤية الله في الجنة ليست دائمة، وهي إذا كانت لا يُعَادِلُها نَعِيم، كما لا يعادلُ رضاه ثواب، وفي ألفاظ القوم اختلاطٌ يُوجِبُ الإيهام، فهذا تخْلِيصُه. وقد قال بعضهم: "الإخلاصُ ما استتر عن الخلق وصَفَا من العُلَقِ (٣) " (٤). وهذا لا يلزم، بل يكونُ الإخلاص مع عِلْمِ الخَلْقِ بالإيمان (٥) والصلاة والصيام.

стр. 1029

وقال آخرون: "الإخلاصُ (١) تَصْفِيَةُ الأعمال من الكَدُورَاتِ" (٢). وخَصَّصَهُ المُحَاسِبِي فقال: "الإخلاصُ إخراج الخَلْقِ عن معاملة الرب" (٣). المعنى: إذا عملت عَمَلًا لله فلا تُدْخِلْ فيه قصد عُلْقَةٍ (٤) من عَلَائِقِ الخَلْقِ. وقال الفُضَيْلُ كلمة حسنة جمع فيها المراد وهي: "ترك العمل من أجل الناس رِيَاءٌ، والعملُ لأجلهم شِرْكٌ، والإخلاصُ أن يعافيك الله منهما" (٥). [مسائل في الإخلاص من كتاب "النوادر" للمحاسبي (٦)]: ويَكْشِفُ لك القناع في ذلك صُوَرٌ (٧) نَازِلَةٌ في مسائل مخصوصة؛ ذَكَرَهَا في كتاب "النوادر" (٨)، وهي (٩) متفرقة متشعبة، جماعُها اثنتا عَشْرَةَ صُورَةً:

стр. 1030

الأولى: صلاة الجماعة في المسجد للأُنْسِ بالجيران، أو بالليل لمُرَاقَبَةٍ، أو مُرَاصدَةٍ (١)، أو مُطَالَعَةٍ لأَحْوَالٍ (٢). الثانية: صيامُه توفيرًا للمال، أو استراحة من عَمَلِ الفِطْرِ، أو احتماءً من ألَم وَجَدَه، أو مَرَضٍ يتوقعه، أو بِطْنَة تقدَّمت له. الثالثة: صدقتُه لمَا يَجِدُ في نفسه من لَذَّةِ إِفَاضَةِ المال والفَضْلِ على الخَلْقِ. الرابعة: حَجُّه لرؤية البلاد، والاستراحة من الأنكاد الثائرة في الأوطان. الخامسة: الهِجْرَةُ مخافة الضرر بالعدو (٣)، أو بالمال، أو الأهل والولد، أو إلحاح الفَقراء (٤). السَّادسة: تَعَلُّمُ العِلْمِ ليحتمي به من الظلم، أو ليستجلب (٥) له حظًّا من الدنيا.

стр. 1031

السَّابعة: حجُّه ماشيًا ليتوفَّر له الكراء. الثامنة: كَتْبُه مُصْحَفًا ليَصْلحَ خَطُّه. التاسعة: أن يتوضأ تَبَرُّدًا. العاشرة: الاعتكافُ فِرَارًا من الكراء. الحادية عشر: أن يَعُودَ المرضى ليُعاد، وكذلك الصلاة على الجنائز ونحوه (١). الثانية عشر: أن يفعل ذلك كلَّه ليُنظر إليه بعين الصلاح. [الجوابُ عن هذه المسائل]: فهذه أُمَّهَاتٌ تكشفُ لكم كَثِيرًا من النازلات من أمثالها، وقد قال جُمْلَةٌ من الزهاد: "إن هذه النوازل إذا وقعت هكذا خرجت عن الإخلاص"، ونحن نُبَيِّنُ لكم حقيقتها على رَسْم الزهد، وحقيقتَها في الشَّرْع، على ما تقع عليه عند الله، على ما فَهِمْنَاهُ عن الله ورسوله وصحابته، فنقول:

стр. 1032

أمَّا صلاةُ الجماعة فلها فوائدُ جَمَّةٌ تَبْلُغُ خَمْسًا (١) وعِشْرِينَ، ما أَعْلَمُ أَحَدًا على وجه الأرض (٢) يعرفها (٣)، أَمَا إِنَّه قد جمعها من جمعها بدَعَاوٍ واعتداء، فمن جُمْلَتِها: إظهارُ الدين، والإعلان بشعائر الإسلام حتى تَنْغَمِرَ (٤) الأرضُ بالطاعة، ويشترك جميع الخلق ويتألفون على العبادة، وهو المقصود الأكبر من الدِّينِ، وبه يتضاعف الثواب، فمن خرج إلى المسجد بهذه النية، أو بنية الاعتكاف به، أو انتظار الصلاة فيه، أو بقَصْدٍ هو لله؛ فهو في طاعة، ومن خرج لغير ذلك كُتبت له صلاةُ فَذٍّ، ولا يبطلُ أَجْرُ صلاته بنية (٥) ما خرج إليه (٦)، لأنها نيَّةٌ في غير العبادة، فلا يَنْقُصُه ذلك من أجرها، وإنما هو محرومٌ بفَوَاتِ أُجُورٍ كثيرة. وأمَّا من ارتقب أَمْرًا بليل أو نهار، فترك نَوْمَه أو شُغْلَه، وقال: ريثما أنتظر مَطْلَبِي أقرأ وأصلي، فثوابه كامل؛ لأنه رَجُلٌ أقام على حاجته، وقام بعبادة ربه، ويَا مَا أَحْسَنَ هذا فِعَالًا. وأمَّا من صام للوجوه التي تقدَّمت فصومُه أيضًا صحيح، وتلك المقاصدُ صحيحةٌ، فإنه من (٧) وَفَّرَ الغداء للعَشَاءَ لئلَّا يَتْعَبَ بتَكَسُّبِهَا،

стр. 1033

واحتمى احتراسًا من الألم، أو استراحة من العمل؛ فهي كلها مقاصد دينية. وأمَّا من تصدَّق مُتَلَذِّذًا بالعطاء لما في سِنْخِه (١) من الكرم؛ فذلك حَسَنٌ جِدًّا، ودالٌّ على باطنة جميلة، وما أجدر هذا بإفاضة كَرَمِ الله عليه، ما لم يَقْصِدْ مَحْمَدَة أو مِلْكَ قَلْبِ أحَدٍ، فيعودُ ذلك كله للدنيا، ولا يكون منه شيء لله تعالى. وأمّا حَجُّه لرؤية البلاد فلا يخلو أن يقصد به راحة النفس؛ فهو حَظٌّ عاجلٌ لا ثواب له في خُطاه، وإنما يُكْتَبُ له أَجْرُ عَمَلِ الحج إذا حَصَلَ بمكة. خرج أبو بكر بن دَاوُد (٢) من بغداد مُشَيِّعًا لصاحب له (٣)، حتى بلغ ذات عِرْقٍ (٤)، وهو لا يستطيع فراقه، فلمَّا لَبَّى الناسُ بالحج سَكَتَ، فقيل له: "أَلَا تُلَبِّي؟ فقال (٥): لا أفعل، لأني خرجت مُشَيِّعا لهذا".

стр. 1034

وقد أخطأ؛ فإنه قد كان قضى حَقَّ التَّشْيِيع، فكان من حقه أن يقضي حَقَّ البلوغ إلى موضع الزيارة والكفَّارة، ولو خرج بنية الحج ورؤية البلاد للاعتبار لكانت نيّتَيْنِ، ولتضاعف (١) له الأجرُ مرَّتين. وأمَّا استراحته من الأنكاد بالخروج للحج أو للهجرة فهو دَأْبُ المرسلين، وسُنَّةُ الماضين، قد قال الخليل ﷺ (٢): ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩]، وقال كليم الله: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠]، وكلُّ إِذَايَةٍ قَلَّتْ أو كَثُرَتْ؛ كانت في الدين أو في البدن أو في المال، إذا توارى عنها المرءُ بالله آجَرَه الله وكفَاهُ. وأمَّا إذا خرج من الفقر لئلَّا يُعَيَّرَ به في بلده، أو لتعذُّر أسباب المعاش عليه فيه؛ فإن ذلك جائزٌ له، ولا يُعَارَضُ هذا بنيَّة الحج ولا نيَّة الهجرة. فأمَّا تَعَلّمُ العِلْم ليَحْتَمِيَ به من الظلم فنِيَّةٌ جميلةٌ؛ لا تؤثر في مثوبة ولا تنقص من أجر، وأحقُّ ما وفَّى المرءُ به (٣) نفسَه طاعةُ الله وعِلْمُه وكلامُه (٤)، فالاستغناءُ بالقرآن والعِلْمِ عن كلِّ شيء أَصْلٌ في الدِّين.

стр. 1035

وأمَّا حَجُّه ماشيًا ليتَوَفَّرَ مالُه؛ فقد روى البخاري: "أن أَنسًا حَجَّ على رَحْلٍ رثٍّ (١) ولم يكن شحيحًا" (٢)، يريد: أنه لم يَحُجَّ بأُبَّهةٍ ولا في رفاهية؛ لأنه مَوْضعُ توَاضُع واختصار، وبذَاذَة ورِثَّةٍ. فإن قَصَدَ توفير المال ليصرفه في وَجْهٍ آخَرَ من البِرِّ في هذه المسألة وغَيْرِها فهو مأجورٌ في الوجهين، وإن كان حبَسَه حُبًا للمال وكثرة فهو مأجورٌ في حَجِّهِ ومَشْيِه، فإن (٣) أَعْطَى صدقة المال وحبَسَه بعد إخراج الصدقة فهو مَغْبُونٌ في ذلك، مُرْبحٌ في حَجِّه ومَشْيِه (٤). وأما إن توضَّأ تَبَرُّدًا فلا ينقص من أجره شيء، وله ما نَوَى من الطهارة. وأمَّا الاعتكاف فِرَارًا من الكراء فكمسألة الحجِّ المتقدِّمة آنِفًا سواء. وأمَّا أن يعُودَ ليُعاد، ويَحْمِلَ الموتى ليُحْمَلَ، ويُصَلِّي ليُصَلَّى عليه؛ فذلك أفضلُ النيات، وأكملُ القُرُبَاتِ، ومن أَفْضَلِ الأعمال التعاونُ على الصالحات. وأمَّا أن يفعل ذلك كلَّه ليُنظر إليه بعَيْنِ الصَّلَاح؛ فإني سألتُ شيخنا الإمام أبا منصور الشِّيرَازِي الصُّوفِي (٥) عن قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا

стр. 1036

وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٥٩]، ما بَيَّنُوا؟ قال: "أظهروا أفعالهم للناس بالصَّلاح والطاعات، قلت: ويلزم ذلك؟ قال: نعم؛ لتثبت أمانتُه، وتَصِحَّ إمامته، وتُقبل شهادتُه" (١). قلتُ أنا: ويَقتَدِي غيرُه به. فإذا انتهى إلى هذه المرتبة كان مُخْلِصًا "صَادِقًا". * * *

стр. 1037

[الصَّادِقُ]: وهو الاسمُ الثاني عَشَرَ وهو من الأسماء الخاصَّة، والأوصاف الشريفة، ووَصَفَ الله به نفسَه ورسولَه، وخاصَّةَ عبادِه من أنبيائه وأوليائه، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٢]، وهو (١) مُحَمَّدٌ ﷺ نَصًّا، وهو كل مسْلِمٍ تنبيهًا. أوَّلهم: أبو بكر الصديق (٢). وآخرُهمْ عيسى ﵇. وهو من خصائص محمد ﷺ ومناقبه، وقد سُقْنَا ذلك على وَجْهٍ (٣) من التفسير في "أنوار الفجر"، فإنه كما قال محمد ﷺ : "ينزل فيكم عيسى (٤) حَكَمًا مُقْسِطًا، يكسرُ الصليب، ويقتلُ الخنزير، ويضع الجزية، ويؤمكم منكم" (٥).

стр. 1038

وفي رواية: "وإمامكم (١) منكم" (٢). وفي بعض الروايات: "أنه يصلي وراء إمامنا" (٣). والأوَّل أصح. وينكح ويتزوج، ويموت ويُدفن في الروضة إلى جنب محمد ﷺ ، قال الراوي: "بقي في البيت مَوْضعُ قَبْرٍ" (٤)، وعليه تقوم الساعة. وقد قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٦]. وقال في إسماعيل: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥١]، وعد من نفسه الصبر على ذَبْحِ أبيه له، فَآلَ ذلك إلى نزول الفداء، وصِدْقُ الوَعْدِ دليل على صِحَّةِ العهد. وقال النبي ﷺ : "إن الصدق يهدي إلى البِرِّ، وإن البِرَّ يهدي إلى الجنة" (٥).

стр. 1039

فلا جَرَمَ أثنى الله على قَوْمٍ فقال: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، وهو أَنَسُ بن النَّضْرِ؛ نزل ذلك فيه حين غاب عن بَدْرٍ، فقال: "غِبْتُ عن أوَّل مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رسول الله ﷺ ، لئن أشهدني الله مع النبي ﷺ ليَرَيَنَّ الله ما أَصْنَعُ، فقاتَل يوم أُحُدٍ بعد ذلك بعام فقُتِلَ، فوُجِدَ فيه نَيِّفٌ على ثمانين؛ من بين (١) ضربة بسيف، ورمية بسهم، وطعنة برُمح، قالت أخته: فما عرفتُه إلَّا ببَنانِه" (٢). وأعظمُ الصِّدْقِ منزلةً الصِّدْقُ على الله وعلى رسوله، وأعظمُ الكَذِبِ دَرَكَةً الكَذِبُ على الله وعلى رسوله، ولم يُكْذَبْ على أَحَدٍ ما كُذِبَ (٣) على الله وعلى رسوله؛ بقَصْدٍ وبغير قَصْدٍ، بما سَوَّلَ لهم (٤) الشيطان. وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : "يأتي على الناس زمانٌ يحدثونكم بما (٥) لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإيَّاكم وإيَّاهم" (٦).

стр. 1040

والوعيدُ في ذلك مشهور شديد، وأكثرُ ما يجرى على ألسنة القَوْم الموسومين بالصلاح (١)؛ لغفلتهم وطلبهم الفضائل من غير مَعْدِنِها، وسترى ذلك مُنبَّهًا عليه في مواضع (٢) إن شاء الله. وحقيقةُ الصِّدْقِ قد بينَّاها في غير موضع (٣)، وهو: الثبوتُ في جميع الأحوال) (٤) والأعمال على قَدَم الحق، والاستمرارُ في جميع الأحوال على حُكْم الشَّرْع، وذلك في ثلاثة وجوه؛ صِدْقٌ في القلب، وصِدْقٌ في القول، وصِدْقٌ في الفعل (٥). فأمّا صِدْقُ القلب فهو بالنية الخالصة كما قدَّمنا، قال (٦) النبي ﷺ : "من قَاتَلَ لتكون كلمةُ الله هي العُليا فهو في سبيل الله" (٧). وكما قال (٨) ﷺ : "من قال لا إله إلا الله مُخْلِصًا من قلبه، -وفي رواية: صادقًا من قلبه، أي: ثابتًا لم تُزَعْزِعْهُ شُبْهَةٌ ولا أثَّرَتْ فيه رِيبَةٌ- دخل الجنة" (٩).

стр. 1041

وقال ﵇: "من سأل الشهاده صادقًا من قلبه بلَّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه" (١). وأمَّا الصدق في اللسان فبأن (٢) لا يكون خَبَرُه بخلاف عمله في الماضي، فأمَّا المُستقبَل فيدخل في قِسْمِ الوفاء بالوَعْدِ، وهل هو كَذِبٌ أم لا؟ فيه خلافٌ، ودَعْ عنك الاسم؛ فإنه كَذِبٌ مَعْنًى، وفيه إِثْمُ الكاذب، إذ لا يجوز خُلْفُ الوَعْدِ إلَّا لعُذْرٍ (٣)، كما لا يجوز الإخبارُ عن الشيء بخلاف ما هو عليه إلَّا لعُذْرٍ (٤). فإذا احتاج إلى الكذب فله في المعاريض مندوحةٌ؛ فينطق بلسانه بما (٥) لا يعتقده بقلبِه، مثل أن يُكره على الكفر فينطقُ بلسانه، ومثل أن يُدَارِي أميرَه ومن يتوقَّعه، وصديقَه وزوجَه وولدَه وجارَه، فيقول لهم كلامًا مُحْتَمِلًا، يقصدُ به بقَلْبِه خلافَ ما يُورِدُه بلسانه، فيفهمون عنه ما أرادوا، وهو قد نوَى ما خَلَصَ به في اعتقاده (٦). وأمَّا الصِّدْقُ في الأعمال فبأن (٧) يكون على وَفْقِ الاعتقاد والقول.

стр. 1042

وأمَّا الصدق في الاستمرار فهو الذي عليه المُعَوَّلُ في خاتمة (١) الأمر كله؛ فإن الاختلافَ في الأقوال والتناقضَ في الابتداء والانتهاء يدلُّ علي أنَّ العَقْدَ في أَصْلِه مختل (٢)، والاطِّرادُ على حال واحدة في ذلك كُلِّه يَدُلُّ على قُوَّةِ العَقْدِ واستحكامه. ومن شَرَفِ الصِّدْقِ أنه من صفات الباري تعالى وأسمائه الحسنى (٣)، قال سبحانه: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٩٥]. ووَصَفَ الصادقين من عباده بصفاتهم التي وَاظَبُوا عليها واعتَمَلُوا بها، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]. وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨].

стр. 1043

وقال تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾. وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾؛ فبيَّن أنَّ الإيمانَ الذي يُوجِبُ الأَمَانَ لصاحبه ما كان على وَصْفِه (١). وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾، يعني: أولئك الذين صَدَّقَ فِعْلُهم قَوْلَهم وعَقْدَهم، ولم تُبْقِ هذه الآية خَيْرًا (٢) إلَّا تَضَمَّنَتْهُ؛ نَصًّا أو مُقْتَضًى، وقد بينَّاها في "أنوار الفجر". وأما قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾؛ فأولئك هم العصبة الأولى، والذين هُمْ بهذه الصفة أَحْرَى وأَوْلَى؛ كانوا مقدار مائة رجل، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾، رَدًّا على رُؤَيْمٍ ومن قال بقوله؛ من أنه لا يَبْتَغِي بالعمل ثَوَابًا (٣). والفَقِيرُ الصَّادِقُ هو الذي تَرَكَ كُلَّ سَبَبٍ (٤)؛ من أَهْل ومَالٍ وعِلَاقَةٍ، وفرَّغ أوقاته للعبادة، ولم يَعْطِفْ بقلبه على شيء سِوَى الله تعالى، ووقف مع الحق راضيًّا بجَرَيَانِ حُكْمِه فيه. وقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾؛ بَيِّنٌ فيه. وقد عَقَدَ الباب كلَّه قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩].

стр. 1044

يعني: أنه إذا طَلَبَ الأَمَانَ بالله في توحيده، وبالرسول في تصديقه، وشَهِدَتْ له أفعاله بصِدْقِه؛ فهو الصِّدِّيقُ (١)، مبالغةً في صِفَةِ الصِّدْقِ، وبذلك تَصِحُّ له صِفَةُ "الصَّالِحِ (٢) ". * * *

стр. 1045

[الصَّالحُ]: وهو الاسمُ الثَّالث عشر فإنه الذي (١) لم يَدْخُلْ (٢) في عَقْدِه (٣) رَيْبٌ، ولا في نِيَّته شَوْبٌ، ولا في قَوْله خُلْفٌ، ولا في عَمَلِه آفَةٌ، فاشتمل على الصَّلَاحِ من جميع نواحيه، ولَوَى عليه أَطْرَافَه. وأَشدُّه -ما تقدَّم مِنْ أَنَّ أَصْدَقَ الشهادة على تَصْحِيح ما تدعو إليه الخَلْقَ- أن لا تخالف بفِعَالِك (٤) ما تَنْطِقُ به من مَقَالِك، ألا ترى إلى قول صالح مَدْيَنَ: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨]، ولا إِصْلَاحَ إلَّا من صلَاحٍ. ويُروى عن جعفر الصادق أنه قال: "الصِّدْقُ هو (٥)، مجاهدة النفس على مخالفة هواها من الشهوات والراحات، حتى لا يختار على الله غيرَه، كما لم يختر عليك غيرك حين قال لكم: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ [حج: ٧٦] " (٦).

стр. 1046

قال الحافظ أبو بَكْرٍ (١): ويتمادى الصِّدْقُ إلى الوفاة، وبعمومه في الاعتقاد والأفعال والأقوال تَحصُلُ (٢) الصِّدِّيقِيَّةُ؛ فيكونُ "صِدِّيقًا". * * *

стр. 1047

[الصِّدِّيقُ]: وهو الاسمُ الرَّابع عَشَرَ ولمَّا لَمْ (١) يَبْلُغْ ذلك (٢) إلَّا بشِقِّ النَّفْسِ، ولم يَنَلْهُ إلَّا بغاية الجُهْدِ، سُمِّيَ "المُجَاهِد (٣) ". * * *

стр. 1048

[المُجَاهِدُ]: وهو الاسمُ الخامس عشر وعليه مَدَارُ ما تقدَّم من الأسماء، نعم، وما يأتي بعده، فإن العبد بالمجاهدة يبدأُ أَمْرَه، وعليها يَسْتَمِر، وبها يَخْتِمُ (١)، قال الله تعالى فيها عُمُوما مُؤَبَّدًا: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ١٦٩]، وقال: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٦]. قال علماؤنا: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، قال: "جَاهَدُوا أَولًا بتَرْكِ المحرمات، وثانيًا بتَرْكِ الشبهات (٢)، وثالثًا بتَرْكِ الفَضَلَاتِ، ورابعًا بقَطْعِ العَلاقات، وخامسًا بتَوَقِّي (٣) الأشغال في جميع الأوقات" (٤). وقال بعضُهم في ذلك عبارةً مُوجَزَةً مُوعِبَةً من كَلِمَتَيْنِ، أخذت الطرَفَيْنِ، وجمعت الأوساطَ: "الجِهَادُ حِفْظُ الحَوَاسِّ لله، وعَدُّ الأَنْفَاسِ مع الله" (٥).

стр. 1049

وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾، فجاؤوا فيها بالمعنى الوافي، قالوا: "حَقُّ الجهاد هو مُوَافَقَةُ الأَمْرِ في القَدْرِ (١) والوَقْتِ والنَّوْع، فإذا حَصَلَ في شيء منه مخالفةٌ لم يَنْطَلِقْ عليه اسمُ المجاهدة كمالًا ولا تحقيقًا" (٢). والمجاهدةُ على أقسام: المجاهده بالنفس، والمجاهدة بالقلب، والمجاهدة بالجوارح، والمجاهدة بالمال (٣). فالمجاهدةُ بالنفس (٤) أن لا يَدَّخِرَ شَيْئًا، وسيأتي تفسيرُ ذلك، وحالُ النبي ﷺ وفِعْلُه فيه إن شاء الله، فإن ادَّخَرَ فليَبْذُلْهُ في طاعة الله، وليَتَحَمَّلِ المَشَاقَّ، ولا يَطْلُبِ الرُّخَصَ والاِرْتفَاقَ. وأمَّا المجاهدةُ بالقلب فرَفْعُ الخواطر الفاسدة، ورَدُّ الوسوسة بذكر الله والاستعاذة، وقد سأل عن ذلك رَسُولَ الله ﷺ حنظلةُ (٥)، وقد قال رسول الله (٦) ﷺ (٧): "إن الشيطان يأتي أَحَدَكم فيقول: من خَلَقَ كذا؟ من خلق كذا؟ فيقول: الله، حتى يقول له: من خلق الله؟ فإذا وَجَدَ ذلك أحدُكم فليقل: لا إله إلا الله" (٨).

стр. 1050

وأمَّا المجاهدةُ بالمال فبِقَطْع العلائق (١) بَيْنَهُ وبَيْنَه، حتى يَبْذُلَه في سبيل الله، ويُفَرِّقَه آناء الليل والنهار، ويقول به في الصدقة: هكذا وهكذا (٢)، ويُهْلِكَه في الحق، ويتحَقَّقُ ذلك بتقديم الأَشَقِّ على الأَخَفِّ متى تَعَارَضَا، ولا يَفْتُرْ عن مجاهدة النفس لحظةً، وهذا كلُّه لِمَا اجتباك، وما (٣) اصطفاك حتى عَلِمَ فِعْلَكَ. قال بعضُ شيوخ الفقراء: "كما لم يَمْنعْهُ ما عَلِمَ فيك من عَيْبٍ أن يَجْتَبِيَكَ للإسلام، كذلك لا يَمْنَعُه ما عَلِمَ فيك من عَيْبٍ أن يغفر لك بفَضْلِه ورَحْمَتِه" (٤). نكتة (٥): قال الإمام أبو بكر بن العربي (٦) ﵁: قالوا: فلمَّا كانت (٧) المجاهدةُ مَهُولَةَ السَّمَاعِ في الأَسْمَاعِ؛ قال -مُبيِّنًا سُهُولَةَ المسالك، وهَوْنَ المدارك-: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٨) [الحج: ٧٦]، قد قام بها قبلكم، وعَمِلَ بها سواكم؛ لأنه لم يتجاوز ما ذُكِرَ طَوْقَ المأمور، ولا خَرَجَ عن سَبِيلِ التَّيْسِيرِ.

стр. 1051

[نَزَغَاتُ الشيطان وسُبُلُ العصمة منها]: وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]، وذلك يكون -كما تقدَّم- بِبَذْلِ الطاعة، واستعمال غاية (١) القوة، والاستمرار على ذلك طُولَ المدة، حَسَبَ مَا يأتي في اسم "الصابر" إن شاء الله ، ومُكَافَحَةِ العَدُوِّ بغاية الشِّدَّةِ، وهُوَ في الأصل الشَّيْطَانُ الذي يأمر بالفحشاء والمنكر، ويَنْتَصِبُ للعبد في كُلِّ سَبِيلٍ من سُبُلِ الطاعة، ويَطْمِسُ عليه وجوه الخير. وقد قال النبي ﷺ : "قَعَدَ الشيطانُ لابن آدم في طريق الإسلام فقال له: أتسْلِمُ وتَذَرُ دِينَكَ ودِينَ آبائك؟ فَخَالفَهُ فَأَسْلَمَ، ثم قَعَدَ له في طريق الهجرة فقال له: أَتُهَاجِرُ وتَذَرُ أَهْلَكَ ووَلَدَكَ ومَاَلكَ؟ فخالَفه فهاجر، ثُمَّ قَعَدَ له في طريق الجهاد فقال له: أتجَاهِدُ فتُقْتَلُ فتُنْكَحُ أَهْلُكَ ويُقْسَمُ مَالُكَ؟ فخالَفه فقُتِلَ، فحَقٌّ على الله أن يُدْخِلَه الجنة" (٢). ودخل ﷺ على أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِهِ يوم مات أَبُو سَلَمَةَ، وهي تريد أن تَبْكِيَه، فقال لها: "أتريدين أن تُدْخِلِي الشيطانَ بَيْتًا أَخْرَجَه الله منه؟ مَرَّتَيْنِ" (٣).

стр. 1052

وعن عائشة في حَدِيثٍ: أن النبي ﷺ قال: "ما منكم من أَحَدٍ إلَّا وله شيطانٌ، قالت له: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، حتى أعانني الله عليه فأسلم" (١). وفي بعض طُرُقِه: "ولا يأمرني إلَّا بخير" (٢). وقد قال الله تعالى للشيطان: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤]. وهذا أَمْرُ تَهْدِيدٍ لا أَمْرُ تكليف، أفادنا الله به الإعلامَ بأنَّه سَيَفْعَلُ ذلك كلَّه، وأنه سَيَعْصِمُ منه عباده الذين استخلصهم لنفسه، إذ لا سلطان له على أَحَدٍ، أي (٣): لا تَسَلُّطَ ولا حُجَّةَ (٤)، الحُجَّةُ لله تعالى، والقدرة له، والمقدور له، وفِعْلُ إبليس لا تأثير له إلَّا إظهارُ العلامة على حُكْمِ الله تعالى في العبد، إذ المقدورُ بالقدرة الحادثة لا يتجاوز مَحَلَّ القدرة، ومَنْعُه

стр. 1053

سُلْطَانَ الشيطان بأن لَّا يَخْلُقَ له قُدْرَةً"، وذلك مُبَيَّنٌ في "كُتُبِ الأصول" (١)، مَبْنِيٌّ على أنَّ من اصطفاه لعبادته في الأوَّل بعِلْمِه وكتابه المكنون، وجدَّد له (٢) الاصطفاء عند الوقاع بأن خَلَقَ الذِّكْرَ (٣) لأبيه؛ ليقول ما قال النبي ﷺ : "لو أن أحدكم إذا أتى أهلَه قال: اللهم جَنِّبنَا الشيطان، وجَنِّبِ الشيطان ما رزقتنا، فقُضِي بينهما وَلَدٌ لم يَضُرَّه الشيطانُ" (٤). وقال ﷺ : "ما من مولود يُولَدُ إلا يَمَسّه (٥) الشيطان في جَنْبِه فيَسْتَهِلُّ صارخًا، إلَّا مَرْيَمَ وابنَها، لقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] " (٦). ويَعْصِمُه الله منه عند النوم؛ إذا آوي إلى فراشه أن يقرأ آية الكرسي، فلا يقربه شيطانٌ (٧).

стр. 1054

وقال النبي ﷺ : "يَعْقِدُ الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عُقَدٍ؛ يَضْرِبُ مكان كُلِّ عُقْدَةٍ: عليك لَيْلٌ طَوِيل فَارْقُدْ، فإن استيقظ فذَكَرَ الله انحلَّت عُقْدَةٌ، وإن توضَّأ انحلَّت عُقدة، وإن صلَّى انحلَّت عقدة؛ فأصبح نشيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وإلَّا أصبح خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَان" (١). وقال ﷺ في رَجُلٍ نام عن الصلاة: "بَالَ الشَّيْطَانُ في أُذُنِه" (٢). ودواؤه في الوسوسة بالاستعاذة (٣)، قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. فإن قيل: نرَى أَنْفُسَنا إذا وَجَدْنَا من الشيطان وَسْوَاسًا نستعيذُ؛ فلا نَجِدُ له عنَّا انصرافًا، فكيف هذا مع ما (٤) تَلَوْتَه علينا آنِفًا مذَكِّرًا به؟ قُلْنَا: عنه ثلاثةُ أجوبة: الأوَّل: أنَّ هذا خطابٌ (٥) للنبي ﷺ في قَوْلٍ، وهو الذي يَرْتَدعُ الشيطانُ عن وَسْوَاسِه بذِكْرَى رَبِّه، لضَعْفِ (٦) وَسْوَسَتِه له، وقُوَّةِ ذِكْرِ النبي ﷺ لربه تعالى وحاله في مرتبته ومنزلته (٧).

стр. 1055

وهذا على هذا القَوْلِ كان (١) قبل أن يُعينه الله عليه (٢) فيسلم، فلمَّا أسلم لم يَأْمُرْه (٣) إلَّا بخَيْرٍ، وغَيْرُه من الشيطان لم يكن له إليه سبيل إلَّا في مرة واحدة. في الصحيح: "أنَّه (٤) تَفَلَّتَ عليه وهو في الصلاة، فأوثقه إلى سارية من سواري المسجد، ثم قال: ذكرتُ قول أخي سليمان ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] " (٥)، فردَّه الله تعالى خاسئًا، ولولا ذلك لأصبح يَلْعَبُ به وِلْدَانُ المدينة، فهذا حالُ النبي ﷺ . الثاني: أن هذا خطاب للنبي ﵇ والمُرَادُ به (٦) أُمَّته. الثالث: أن أمته قد خُوطبت لعده وبُيِّنَ لهم حالهم كما بُيِّنَ له حالُه، فقيل لهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوَانُهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٠١]-يعني: من الشياطين- ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢]، والذين لا يتقون الله يكونون معهم أَمْدَادًا في المعصية لهم. فأخبر تعالى أن النبي ﷺ يكفيه مُجَرَّدُ الاستعاذة في فراره منه إذا تَطَلَّعَ إليه، وأخبر أن المُتَّقِينَ من الأمة إذا مسَّهم منه طائف (٧) استعاذوا بالله
следующие страницы →