← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

قال النبي ﷺ : "تَعِسَ عبد الدينار، تَعِسَ عبد الدرهم، تَعِسَ عبد القَطِيفَةِ، تَعِسَ عبد الخَمِيصَةِ، تَعِسَ وانتَكَسَ، وإذا شِيكَ فلا انتَقَشَ" (١)، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. والمعبود: هو الذي تَجْعَلُ له قلبَك وعملَك، فمن جعله للحَجَرِ فهو عابدُ صَنَمٍ، ومن جعله للذهب والفضة فغَدَا فيه وراح، وعَمِلَ له وسعى، ورأى أنه هو المقصود الأَوْفَى؛ فهو على مَنْزِلَةٍ من عبادة غير الله، ولذلك دعا عليه رسول الله ﷺ في الحديث المتقدِّم. وقد (٢) قال تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٣]. والمعنى: تَدَلَّلْ لحُكْمِي، واستَسْلِمْ لأَمْرِي، وانْقَدْ لامتثال حَدِّي (٣)، واخضع لسُلْطَانِي، وذلك بإقامة الصلاة لذِكْرِي. يعني: إِذا ذَكَرْتُهَا (٤) لك، وخَلَقْتُ لك العِلْمَ بها. والصلاة هي العبادة كلها، فإنها تشتمل على فِعْلِ القلب واللسان والجوارح، وهي الجملة الآدمية المُتَوَجِّهُ إليها الابتلاءُ بالأمر والنهي، والوظائف الشرعية التي أوَّلها إخلاصُ القلب، وآخرُها السجودُ بتَمْرِيغِ الوَجْهِ لله تعالى.

стр. 982

ولما بَلَغَ النبيُّ ﷺ الغَايَةَ من (١) التذلل والتواضع لله والمسكنة (٢)، وصار اسمُ العَبْدِ فيه حقيقة؛ حين (٣) لم يَعْصِ الله قَطُّ؛ لا قبل النبوَّة ولا بعدها؛ رَفَعَهُ الله إلى سِدرَةِ المنتهى، وأَوْصَلَه إلى مَوْضع يَسْمَعُ فيه صَرِيفَ الأقلام، وأخبر عنه (٤) باسم العَبْدِ، فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]. التقدير: سبحان الذي رَفَعَ المُتَذَلِّلَ له إلى أَعَزِّ مَوْضِعٍ عنده. وقال (٥) له: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ [مريم: ٦٥]، فكذلك (٦) فَعَلَ ﷺ ، فلقد قام حتى تَفَطَّرَتْ قدماه، وكان نهارُه كله في عبادة مولاه، حتى إذا طرأت عليه غَفَلَاتُ الآدميَّة بمُعَافَسَةِ الأهل والطعام تاب إلى الله في اليوم والليلة مائة مرة، ووَذَرَ (٧) الدنيا (٨)؛ ولم يَمُدَّ إليها عَيْنًا، ولم ينتقم لنفسه. ولا يَتِمُّ الصبر على العبادة إلَّا بترك الدنيا، قال أبو الدرداء- فيما رواه ابن حنبل-: "كنت تاجرًا؛ فلمَّا أَسْلَمْتُ حاولت انتجارة والعبادة فلم يَجْتَمِعَا، فأخذت العبادة وتَرَكْتُ التجارة" (٩).

стр. 983

وقال في عيسى وعنه: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٢٩]، مُعْتَرِفًا (١) بما هو عليه، وبما يجب في صفته. قال علماؤنا: المعنى في الاحتجاج على النصارى: إِنْ صَدَقَ عيسى بَطَلَ قولُكم (٢)، وإِنْ كَذَبَ فلا يَكُونُ ابنًا لله، ولا خلاف بيننا وبينهم في أن عيسى عبد الله من تَسْمِيَتِه لنَفْسِه، وادَّعَوا أن الله سمَّاه ابنًا، فبذلك قامت هذه (٣) الحجة عليهم. [صفاتُ عباد الرحمن]: وقد قال الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٣]، فوصفهم باثنتي (٤) عشرة صفة، وبذلك اختصُّوا أن يُضِيفَهم إلى نفسه. الصِّفَةُ الأولى: قوله: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] الهَوْنُ (٥) الرِّفْقُ، يُريد به: التواضع والخشوع، وهو (٦) ضِدُّ الذين يمشون على الأرض مَرَحًا. الثانية: إذا جُهِلَ عليه (٧) لا يَجْهَلُ مثل جَهْلِه ولا فوقه

стр. 984

كما قال الذي لم يَكُنْ له دِينٌ، وكان له حَمِيَّةُ الجاهلية ونَخوة (١) الأعرابية: أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا … فنَجْهلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا (٢) ولكنَّه يُقَابِلُ بالحَسَنِ من القَوْلِ، إن ذَمَّة مَدَحَه، وإن ساءَه فرَّحه، أو يسكت عنه (٣) ويُعْرِضُ عنه، كما قال بعضُ أصحابنا (٤): إنَّ صَبْرِي على الجفاء صَوَابُ … وسُكُوتي عن السَّفِيهِ جَوَابُ فَهْوَ لا شَكَّ كالذي قِيلَ فيه: … مَنْزِلٌ عَامِرٌ وعَقْلٌ (٥) خَرَابُ وإن ذَكَرَ أَحَدٌ لهم عَيْبًا سَكَتُوا عن عَيْبِه. وقيل: يقال له: "سلام عليكم"، يُذَكِّرُ بالسلامة، ويُعَرِّفُ أن الله رقيب عليه، قال النبي- ﷺ في الصائم: "فلا يَرْفُث ولا يجهل، فإن امرؤٌ قاتله أو شاتمه فليَقُلْ إنِّي صائم" (٦)، ولا يُقابِل قِتَالَه بقِتَالٍ، ولا سَبَّه بسَبٍّ.

стр. 985

الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤] يَعْنِي: أنَّهم (١) بالنهار فى صَمْتٍ وكَفٍّ، وهُم بالليل في سُجُودٍ ورُكُوعٍ، وقِرَاءَةٍ وفِعْلٍ (٢). وقد قُلْتُ في ذلك أبياتًا ربَّما أفادت الصالحين ذِكْرَى، وهي: إِلَيْكَ إِلَهَ الخلق قاموا تَعَبُّدَا … وذَلُّوا خُضُوعًا يَرْفَعُونَ لَكَ اليَدَا بإِخْلَاصِ قَلْبٍ وانتصاب جوارح … يَخِرّونَ للأَذْقَانِ يَبْكُونَ سُجَّدَا نَهَارُهم صَوْمٌ ولَيْلُهُم بُكَا (٣) … ودينُهم رَعْيٌ ودُنياهم (٤) سُدَا (٥) فبالحِكَمِ اللَّاتِي تَوَلَّتْ نظامَهم … وبالكَلِم اللَّاتِي أَنَالَتْهُمُ الهُدَى أَزِلْ حَسَدَ الحُسَّادِ عَنِّي بكَبْتِهم … فأَنْتَ الذي صَيَّرْتَهُم لي حُسَّدَا وهذا كقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] ولم يَذْكُرِ الركوع؛ لأن ذِكْرَ السُّجُودِ ذِكْرٌ له، والسُّجُودُ هو الانحناء، وأوَّله خَفْضُ الرأس، وآخِرُه وَضْعُ الوجه على الأرض، وإذا انحنى نِصْفُ بدنه وبَقِيَ النِّصْفُ الآخَرُ قائمًا (٦)؛ فهو آخِرُ الركوع عَرَبِيَّةً، وأوَّلُه (٧) ابتداءُ خَفْضِ الرأس، وهذا كلُّه يفعله خَوْفًا من الله، ورجاءً في الرحمة.

стр. 986

وهذا رَدٌّ على من يقول: "إنَّ الله إنَّما حقيقةُ عبادته ألَّا يَخْطُرَ بباله ثوابٌ ولا عقابٌ"، وهذا لَغْوٌ من الكلام لا يُساوي سماعه، وأصلُهم فيه حديثٌ ينسبونه إلى عُمَرَ: "نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْبٌ، لَوْ لَمْ يَخَفِ الله لَمْ يَعْصِه" (١)، وهذا لم يثبت، والذي ثَبَتَ من قَوْلِ الله في كتابه وقَوْلِ النبي ﷺ في سُنَّتِه (٢) غَيْرُ هذا (٣)، ولا تَجِدُ في هذين (٤) الموضعين الكريمين أَثَرًا لهذه النَّزْغَةِ (٥) الباردة (٦). فإن قيل: قد قال النبي ﷺ : "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه" (٧).

стр. 987

قلنا: الاحتسابُ هو ألَّا يطلب عليه ثوابًا إلا في الآخرة، يَعُدُّه على الله، ولا يرتجي به شيئًا في الدنيا، وأن يحسب (١) ذلك على الحسيب المُقِيتِ. ولا تصدرُ مِثْلُ (٢) هذه العبادة (٣) إلَّا عن العالم بالله؛ الذي يَتَحَقَّقُ أنه لله كله (٤)، فتصريفه لشَيء (٥) من الزمن (٦) في غير ما أَمَرَه (٧) به تَعَدٍّ منه، ولذلك قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]. أي (٨): إنما يَذْكُرُ ذلك (٩) ولا ينساه من ولُبّهُ حاضرٌ، أي: عِلْمُهُ معه مُتَمَادٍ (١٠)؛ لا تقطعه الغفلات، ولا تُذهبه الشهوات. ثم أعقبه بقوله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [الزمر: ١٠]، أي: اجعلوا بينكم وبينه وقاية من العمل، على ما يأتي بياُنه في اسم "المُتَّقِي" إن شاء الله تعالى.

стр. 988

الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: ٦٥] قال الأمامُ أبو بكر (١) ﵁: قال بعضُ الفقراء: "هذا مقامٌ عظيمٌ تَطِيشُ فيه الألباب، وتخضع له الرقاب؛ لأنه وصفهم بما وصفهم من صفات الطاعة، ثم أخبر عنهم بأنه لا يَكْمُلُ ذلك منهم حتى يَقِفُوا مَوْقِفَ المذنب المعترف بالتقصير، فيقول: اصرف عنِّي عذاب جهنم، كأنه استحقر عملَه لتقصيره (٢) عمَّا يَجِبُ عليه من حَقِّ مولاه" (٣). وهذا وإن كان حَسَنًا له وَجْهٌ صحيحٌ؛ فإن هنالك مَعْنًى أقوى منه، وهُوَ أنَّ الأثر الصحيح قد ثبت بأنه: "ما من نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلَّا وقد كُتب مكانُها من الجنة أو النار" (٤)، وهذا لم يَعْلَمْ مكانه، ولا صَحَّتْ عنده خاتمتُه (٥)، فهو يسأل وِقَايَةَ عذاب جهنَّم بحُسْنِ الخاتمة له. الخامسة: قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] وقد بيَّنَّا في "قِسْمِ الأحكام" (٦) ما يتعلَّق بهذه الآية من "القِسْمِ الثالث".

стр. 989

فأمَّا ما يتعلَّق بها (١) من القِسْمِ الرابع في (٢) "التذكير": فإن الإسراف أن يُنْفِقَ بِنِيَّةِ الشهوة والهوى، فأمَّا لو تصدَّق بجميع ماله لم يَكُن إسرافًا؛ إذا (٣) وَثِقَ مق نَفسِه (٤) بالصبر على فَقْدِ المعيشة، ولو مات هَزِلًا، وإن لم يَثِقْ بنفسه فإنه إسرافٌ منه؛ لأن العمل لا يكون طاعةً إلَّا بنيَّة، ولا تصحُّ له (٥) نِيَّةُ القُرْبَةِ مع اعتقاده أنه (٦) يندم غدًا. وأمَّا الإقتار: فهو حَبْسُ المال عن حقوق الله تعالى، أو عن الصدقة التَّطَوُّعِ؛ لابتغاء ثواب الله. فأمَّا التضييق على النفس عن الشهوات لتَتَعَوَّدَ الاجْتِزَاءَ باليَسِيرِ فليس ذلك بإقتار (٧). واختلف الناسُ هل يَفْعَلُ ذلك على الدوام؟ فمَذْهَبُ الصوفية أن يفعله على الدوام؛ حتَّى يَنْحُلَ بَدَنُه، ويَضْعُفَ جِسْمُه، ويَقِفَ على جِلْفِ الخبز والماء، لا يزيد عليه، "وقد كان أَحَدُ بَنِي الزُّبَيْرِ بمشي على سوق الفاكهانِيِّين؛ فإذا رأى الحُمْرَةَ والصُّفْرَةَ والخُضْرَةَ جسَّها بيده وشمَّها، وقال: موعدي وإياك الجنة" (٨).

стр. 990

ولم يَسْلُكِ النبي ﷺ ولا الصحابة (١) هذا المسلك، ولكنه يُشْبِهُ أن يكون هذا زمانَه لمن أطاقه، لغلبة الحرام على الأرض، فتكون غلبة الحرام على الأرض الآن مُوجِبَةً عليه قَوْلَ (٢) النبي ﷺ : "حَسْبُ ابن آدم لُقيمات يُقِمْنَ صُلْبَه" (٣)، كما جاء في الخبر عنه ﷺ . السَّادسة: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] قال الفُقَرَاءُ: "إن كان المراد به الأصنام في الظاهر، فإنه تنبيه على أن لا يَسْكُنَ أحدٌ إلى غير الله في نَفْع أو دَفعْ، لأنه قد أَمَرَ الله رَسُولَه أن يتبرَّأَ من نَفْعِ نَفْسِه وضَرِّهَا، فكيف أن ينفع غيره" (٤). وإنَّ قَطْعَ العلائق بين القلب وبين غير الله لَمِنْ أَوْجَبِ الواجبات، ولكن هذا هاهُنا (٥) تَنْبِيهٌ بعيدٌ قد وقع التصريحُ به في موضعٍ آخَرَ. السَّابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] قَتْلُ النَّفْسِ يكون بوُجُوهٍ: منها: قَتْلُ العَدَاءِ، وهو: القَصْدُ إلى الإتلاف على معنى التشفي والانتقام.

стр. 991

ومِنْ قَتْلِ المؤمن إِذَايَتُه، قال النبي ﷺ : "لَعْنُ المؤمن كقتله" (١). وأَخْذُ ماله قَتْلٌ له. وتَنْكِيدُ عيشه بالهموم والغموم قَتْلٌ له؛ فإنَّ الكاسفَ البال مَيِّتٌ. وسجنُه قَتْلٌ له؛ فإن المسجون مَعْدُودٌ في جُمْلَةِ الموتى. ومن المُحَرَّم قَتْلُه لنَفْسِه بتركها مُخَلَّاةَ العِنَانِ مع هواها، سالكةً سَبِيلَ شهوتها؛ فإنها سيئة الاختيار، أَمَّارَةٌ بالسُّوءِ، والسَّفِيهُ إذا لم يُنْهَ مَأْمُورٌ. ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، وقَتْلُكَ نَفْسَكَ بالحَقِّ: أن تقمعها عن الشهوات، وتصرفها عن المخالفات، وتردَّها إلى الصراط المستقيم، وتأخذها بقانون الدِّين، وفي الأثر: "الكَيِّسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أَتْبَعَ نفسه هواها وتمنَّى على الله الأماني (٢) " (٣). الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] هو ألَّا يسعى بقَدَم، ولا يَلْمَسَ بجارحة، ولا يُقَبِّلَ، ولا ينظر، ولا يستمع إلى ما لا يَحِلُّ له، مع القُدْرَةِ على ذلك والتمكن منه، من غير تَقِيَّةٍ إلَّا من الله، وهذه المَنْزِلَةُ ما عَلِمناها ثَبَتَتْ لأَحَدٍ إلَّا ليُوسُفَ صلوات الله عليه؛ لأن امرأة العزيز دَعَتْه، ولَمَسَتْهُ، وقَطَّعَتْ عليه ثَوْبَه، فما أَصْغَى ولا نَظَر، وولَّى عنها وأَدْبَر، بعد أن حدَّثته نفسُه المُتَمَنِّيَةُ بما لا يستطيع البَشَرُ ردَّة عن أنفسهم، فلم يُتْبعِ الهَمَّ الهَمَّ، وقَطَعَه وما تَمَّ، وخاف مولاه،

стр. 992

وأَكْرَمَ من أَكْرَمَ مَثْوَاه، وحَفِظَ المروءة والدِّيَانَة، وصار ما كان مُدَّخَرًا له عند الله من النُّبُوَّةِ والمَكَانَة، وبه سُمِّيَ الصِّدِّيقَ؛ فإنه اتَّفق قولُه وفِعْلُه واعتقادُه على الطاعة، وما خالف قَطُّ مولاه في ساعة، كما أخبر سبحانه عنه، وهو الصَّادِقُ المَقَالِ، الكَرِيمُ الفِعَالِ (١)، الكَبِيرُ المُتَعَال. قال الإمام الحافظ أبو بكر (٢) ﵁: هؤلاء الذين جمعوا هذه الصفات الأمهات هم الذين وَصَلُوا إلى رحمته بطاعته، التي كانت ابتداء رحمته، فبرحمته وصلوا إلى رحمته، وكانوا في مُتَعَلَّقِ ما وصفهم (٣) الرحمن به (٤) من صفاته بلسان الحقيقة والشريعة، وهم الذين يقال لهم: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٨ - ٦٩]، طلبوا السَّلَامَةَ من كل جهة فكَمَلَتْ لهم علائقها، وحصلت عندهم متعلَّقاتُها، فاستحقُّوا النعيم الدائم والفوز الأكبر بعملهم (٥) الذي هو من جُمْلَةِ رحمة مولاهم، قال النبي ﷺ : "لن يدخل أَحَدٌ منكم الجنة بعمله، قيل له (٦): ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمَّدنى الله برحمة منه وفضل" (٧).

стр. 993

نكتة: قال الله لرسوله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]، نَزَلَتْ في قَوْمٍ أَنَابُوا، لكنَّهم قدَّموا الإشراك والقتل والزنا، وأنواع المعاصي والخطيئات، فخافُوا أن لا يُقْبَلُوا، فبذلك المِقْدَارِ من الإنابة قيل لهم: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، يعني: بالتوبة، وذلك قَوْلُه بعَقِبِ هذه الصفات: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠]. التاسعة: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]. أَخْبَرَ الله عنهم أنهم لا يحضرون مَجْلِسَ باطل، ولا يُقِيمُونَ بِمَشْهَدِ زُورٍ، فإن مرُّوا به وصادفوه من غير قَصْدٍ مَرُّوا به كِرَامًا عنه، يعني: مُعْرِضِينَ. قال الإمام الحافظ (١) أبو بكر ﵁: إذا لم يَقْدِرُوا على تغييره كانت كرامتُهم كراهيتَه، وإذا قَدَرُوا على تغييره كانت كرامتُهم تغييرَه. وحقيقة اللَّغْوِ: ما لا فائدة فيه، وقد يكون فيه فائدة (٢) مُضِرَّةٌ (٣)، فإن

стр. 994

لم يكن فيه فائدة فكرامتُهم تَرْكُه، وإن كانت فيه فائدة (١) مضرة- وهذه حقيقته (٢) - فكرامتُهم تَغْيِيرُه. العاشرة: قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٣] القُلُوبُ مَجْبُولَةٌ على الغَفْلَةِ، مُفْتَقِرَةٌ إلى الذِّكْرِ، فإذا ذُكِّرَتْ فلا يخلو أن تَمُجَّ الذِّكْرَى، وتقول: قلوبنا في أَكِنَّةٍ، وفي آذننا وَقْرٌ، ولا نرى ممَّا تقول شيئًا، ويقولوا (٣): سمعنا وهم لا يسمعون، فهذان على حُكْمِ الهَلَكَةِ، وإن قالوا: سمعنا وأطعنا، واعتبروا وتفكَّروا، واحتملُوا واعتملُوا بما عَلِمُوا؛ فهُم المُراد هاهُنا. الحادية عشرة (٤): قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤] قال الإمام الحافظ أبو بكر (٥) ﵁: هذا يَدُلُّ على فَضْلِ النِّكَاحِ على العُزُوبَةِ، وأنَّ من صفات العابد الزوجية وطلب الولد؛ لبقاء العمل بدُعائه

стр. 995

بعده؛ وطاعته ودُعائه له، فإنَّ ذلك يَجْرِي له ثوابُه كلُّه بعد موته، وقد تقدَّم فَضْلُ ذلك (١) في "قِسْمِ المقامات" (٢). وقُرَّةُ العَيْنِ: هي أن تَسْكنَ عينُه على الزوجة والولد، فلا يتعدَّى إلى أَحَدٍ غيرهما، بما يَرَى فيهما من الخصال المطلوبة والحقوق القائمة. الثانية عشر: قوله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] سَأَلُوه (٣) في أن تدوم لهم هذه الصفاتُ إذا حَصَلَتْ، ويشاهدُها غيرُهم إذا فُعِلَتْ، فيكونون لهم قدوة، ويجري لهم ثوابُ اقتدائهم بهم إلى يوم القيامة، قال النبي ﷺ : "من سنَّ سُنَّةً حسنة في الإسلام كان له أجرُها وأَجْرُ من عَمِلَ بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن سَنَّ سُنَّةً سيئة كان عليه وزرُها ووِزْرُ من عَمِلَ بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا" (٤). تَكْمِلَةٌ: قال أَهْلُ الزُّهْدِ: ولمَّا عدَّد الله هذه الأعمال ونبَّه على هذه الصفات وأَخْبَرَ بجزائها، صَغَّرَه وما أَعْظَمَه، وقَلَّلَه وما أكثره، فقال: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥]. ومن يَقْدُرُها قَدْرَها أو يَعْرِفُ (٥) وَصْفَها أو يُحْصِي فَضْلَها؟

стр. 996

وبفَضْلِه عَظَّمَ ضِيَافَةَ إبراهيمَ الخليل ﵇ (١) للملائكة، قال: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦]. ثم ذَكَرَ حال من يَسْكُنُ الغُرْفَةَ وبيَّنها (٢) فقال: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ [الفرقان: ٧٥]، يعني بالتحية: المَلَكَ. وقيل: البشرى والبشاشة، والبِرَّ والكرامة. ويُسْمِعُهم كلامَه بغير واسطة، ويُريهم نفسه، فيتجلَّى (٣) لهم من غير تَكَلُّفِ نَقْلٍ ولا قَطْع مَسَافَةٍ، ولا ضَيْمِ ولا ضَمٍّ (٤)، قَطَعُوا المسافة بالهجرة إليه نُصْرَةً لرسول الله ﷺ ، وجهادًا لأعداء الله، وقصدًا إلى بيت الله، ومَشْيًا بالخُطَى لعمارة مساجد (٥) الله، ولعيادة مريضٍ ابتغاء ثواب الله، والصلاة على مَيِّتٍ رجاءَ رحمة الله، وزيارة أَخِ صِلَةً (٦) لوَجْهِ الله، فاليوم يُجْزَى بأن يلقاه ربُّه في مكانه، ولا يتكلَّف لذلك عملًا (٧) ولا مؤونة، فيُسمعه قوله (٨)، ويُريه نفسه، وهذا لا تكافيه الدنيا ولا الآخرة، ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨].

стр. 997

وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]، وهذا يشهد لما عَضَدْنَاهُ من نكاح العابد والصالح، ويُبَيِّنُ أن نكاحه سَبَبٌ لغناه وسَعَةِ رزقه. وعَبْدُك هو الذي لا يخدم إلَّا لك، ولا يتصرَّف إلا بأمرك، ولا يرجو سواك، قال النبي- ﷺ : "إن الله أمر يحيى بن زكرياء بخَمْسِ كلمات ليعمل بها، ويَأْمُرَ بني إسرائيل أن يعملوا بها، وأنه كاد يُبْطِئُ (١) بها، فقال (٢) عيسى: إن الله أَمَرَكَ بخمس كلمات لتعمل بها، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإما أن تأمرهم، وإما أن آمرهم، فقال يحيى: أخشى إن سبقتني بها أن يُخْسَفَ بي أو أُعَذَّبَ، فجمع الناسَ في بيت المقدس، فامتلأ المسجد وقَعَدُوا على الشُّرَفِ، فقال: إنَّ الله أمرني بخَمْسِ كلمات أن أعمل بِهِنَّ، وآمرُكم أن تعملوا بهن؛ أوَّلهن: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، فإن مَثَلَ من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بذَهَبٍ أو وَرِقٍ، فقال: هذه داري، وهذا عملي، فاعْمَلْ وأَدِّ إِلَيَّ، فكان يعمل ويؤدي إلى غير سَيِّدِه، فأيكم يرضى أن يكون كذلك؟ وأنَّ الله أمركم بالصلاة، فإذا صلَّيتم فلا تلتفتُوا، فإنَّ الله يَنْصِبُ وَجْهَه لوَجْهِ عَبْدِه في صلاته ما لم يلتفت، وآمركم بالصيام، فإن مَثَلَ ذلك كمَثَلِ رَجُلٍ في عصابة مَعَهُ صُرَّةٌ فيها مِسْكٌ، وكلهم يَعْجَبُ أو يُعْجِبُه ريحُها، وإنَّ رِيحَ الصائم عند الله أَطْيَبُ من ريح المِسْكِ، وآمرُكم بالصدقة، فإن مَثَلَ ذلك كمَثَلِ رَجُلٍ أَسَرَهُ العدو

стр. 998

فأَوْثَقُوا يَدَهُ إلى عُنُقِه، وقدَّموه ليضربوا عُنُقَه، ففال: أنا أفديه منكم بالقليل وبالكثير، ففَدَى نفسَه منهم، وآمرُكم أن تذكروا الله، فإن مَثَلَ ذلك كمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوُّ في أَثَرِه سِرَاعًا (١)، حتَّى أتى على حِصْنٍ حَصِينٍ فأَحْرَزَ نَفْسَه منهم، كذلك العَبْدُ؛ لا يُحْرِزُ نفسه من الشيطان إلَّا بذكر الله. قال النبي ﷺ : "وأنا آمركم بخَمْسٍ التي أمرني الله بِهِنَّ؛ السَّمع والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة، فإن (٢) من فارق الجماعة قِيدَ شِبْرٍ (٣) فقد (٤) خَلَعَ رِبْق (٥) الإسلام من عنقه، إلَّا أن يراجِع، ومن ادَّعى دعوى الجاهلية فإنه (٦) من جُثَى (٧) جهنم، فقال رجل: يا رسول الله (٨)، وإن صلى وإن (٩) صام؟ قال: وإن صلى وإن (١٠) صام، فادْعُوا بدَعْوَى الله الذي (١١) سمَّاكم المسلمين المؤمنين عبادَ الله" (١٢).

стр. 999

قال الإمام الحافظ أبو بكر (١) ﵁: هذا حَدِيثٌ (٢) صَحِيحٌ مَلِيحٌ، جمع أُصُولًا عظيمة من "القِسْم الرابع" (٣)، وفيه من "القِسْم الأوَّل" (٤): أنَّ كبائر الذنوب تَرْجَحُ الصلاة (٥) والصيام، وصاحبُها في المشيئة، والله أعلم (٦). ولن يُوَفِّيَ العبدُ العبادة حقَّها حتى لا يبقى له مُبَاحٌ إلَّا يَرُدُّهُ (٧) بالنيَّة طاعةً، فيأكل ويشرب ليَعْبُدَ، ويلبسُ ليَسْتُرَ عَوْرَتَه، ويأخذُ نفسَه في كلِّ أَمْرِه المُبَاحِ بأن يَقْصِدَ به وَجْهًا من الفَضْلِ والأَجْرِ. وقد قال النبيُّ ﷺ : "بَضْعُ الرَّجُلِ أَهْلَه صَدَقَةٌ، قيل له: أيقضي أحدُنا شهوته ويؤجر؟ قال: أرأيت لو وضعها في حرام، أليس يأثم؟ قالوا: نعم، قال: فكذلك يؤجر" (٨). يعني: بما يَنْوِي من عِصْمَةِ نَفْسِه وأَهْلِه، وبِنَاءَ بَيْتٍ في الإسلام، ووَلَدٍ يَعْبُدُ الله (٩)، وغَيْرِ ذلك.

стр. 1000

وقد قال جبريل للنبي ﷺ : "ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إلَّا (١) تراه فإنه يراك" (٢)، فشَرَطَ في العبادة العِلْمَ باطِّلَاع المولى وعِلْمِه بالعَمَلِ ورؤيته له. وبذلك يكون العَبْدُ "محْسِنًا". * * *

стр. 1001

المُحْسِنُ: وهو الاسمُ العاشر قال علماؤنا (١): الحَسَنُ (٢) في العربية عبارةٌ عن كل معنًى لا يتطرَّق إليه نَهْيٌ، ولا يتعلَّق به نَقْدٌ، ولا يؤخذ عليه عَيْبٌ، ولا يوجد فيه نَقْصٌ، وبقَدْرِ ما يَسْلَمُ من هذه المعاني يكون حُسْنُه، وقد تكون هذه الآفات مُؤَثِّرَةً في أَصْلِ العَمَلِ (٣)، وفي رُكنٍ من أركانه، أو في شَرْطٍ من شرائطه، فيسقط جميعُه (٤)، وقد يكون في غيرها فيُحْتمَلُ (٥)، وسيأتي ذلك مَبْثُوثًا في الكتاب كله (٦). وقد ضَرَبَ جبريلُ ﵇ (٧) لِلْوَجْهِ الذي يَحْسُنُ به العمل مَثلًا؛ هو تنزيلُ العامل نفسَه أنَّ الله يراه، فإذا عَلِمَ ذلك لم يَرَهُ حيثُ نهاه، وإنما يكون التقصير بحسب التشكيك في اطلاع الله تعالى عليه، أو بحسب الغفلة

стр. 1002

عنه، أو بتعجيز المَوْلَى (١)، أو بالتقحم على نقمته (٢)، أو بالاتكال على ما عُهِدَ من (٣) عفوه، فهذه خمسةُ وجوه لا سادس لها ينفصل (٤) عنها. فأمَّا الشكُّ في اطِّلَاع المولى أو بتعجيزه (٥) عن الانتقام فكُفْرٌ (٦) لا يُغْفَرُ. وأمَّا غيرها فمغفورٌ إذا شاء، إلَّا أن بعضها أَشَدُّ من بعض، والغفلة أخفُّها، ويليه الاتكال على عفوه، وأشدُّ هذا الأخف التَّقَحُّمُ رِضًى بالنقمة، ونعوذ بالله من سوء القضاء. قال الإمام (٧) ﵁: ولا يَتِمُّ الإحسانُ إلَّا بأن يَنْتظِمَ القَوْلُ والعَمَلُ؛ فلا يثطق إلَّا بما يفعل، ولا يأمر إلا بما يمتثل، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]. وذلك في قَوْلٍ: "النبيُّون" (٨)، وهذا ما (٩) لا ريب فيه.

стр. 1003

وقيل: "هُمُ الأئمة الذين يقتدى بهم" (١). وقيل: "المؤذنون" (٢). وقيل: "هو الذي لا يرى غير الله"، وسيأتي تمامُه إن شاء الله. وقد قال الله سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤]. قال أهلُ الزهد: "خَلَقَ الله كل شيء فَذَكَرَهُ، ثمَّ عَطَفَ من جملة ما خلق على تَحْسِينِ الأنسان دون سائر الأعيان، وكذلك قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] " (٣). قال: أنا (٤) أبو الحُسَين الأَزْدِي الصُّوفي (٥) قال: أنا (٦) أبو بكر بن ثابت الحافظ قال: أنا (٧) أبو محمد الحسن الخلَّال: "حملني أبي إلى بعض شيوخ الصوفية ليدعُوَ لي، فقال لي: ما اسمك؟ قلت له: حسن، قال: إن الله قد حَسَّنَ اسمك فحَسِّنْ فِعْلَك" (٨).

стр. 1004

قال الحافظ أبو بكر (١) ﵁: ولعائشة ﵂ كَلَامٌ ذكره البخاريُّ عنها، هو خاتمة الباب وفِقْهُ المسألة، أَدْرَكَتْهُ بفضل علمها: "إذا أَعْجَبَك حُسْنُ عَمَلِ امرئٍ فقل له: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] " (٢). يراه الله مُشَاهَدَةً وإِحَاطَةً، ويراه النبيُّ والمؤمنون ظاهرًا، فيحكمون له بحُكْم الظاهر، ومَرَدُّه إلى الله، فينبئكم أجمعين بخفاياه وبواطنه، وعليه يقع المجازاة (٣). وقال أحمد عن ابن مسعود: "الناس كلهم قد أحسنوا القول، فمن وافق قولُه فِعْلَه فذلك الذي أصاب حظَّه، ومن خالفه فإنما يُوتِغُ (٤) نفسَه" (٥). وإذا فَهِمْتَ الإحسان فهو الإخلاصُ (٦) بعينه (٧)، أو قُلْ: فائدتُه.

стр. 1005

المُخْلِصُ (١): وهو الاسم الحادي عشر فإنَّ كلَّ (٢) عَمَل خَلُصَ من الآفات فهو حَسَنٌ، ولا يكون حَسَنًا حتى يكون خَالِصًا لم يَشُبْهُ ما يُكْرَهُ. قال الله تعالى: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦]. يعني: ليس فيه شَوْبٌ ممَّا جاوره، وهو حَسَنُ اللَّوْنِ، حَسَنُ الرَّائِحَةِ، حَسَنُ الطَّعْم (٣)، فكلُّ خالص حَسَنٌ، وكلُّ حَسَنٍ خالصٌ (٤)، عُمُومًا في الوجوه كُلِّها أو خُصُوصًا (٥). قال الله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣]، كما قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢]، وهو قَوْلُ النبي ﷺ للذي سأله: "قل: آمنت بالله، ثم استقم" (٦)، فإن الاستقامة هو استفعالٌ من قام، وهو العَمَلُ بحدود

стр. 1006

الله دائما، وهو قَصْدُ السبيل، وهو الذي قيل له ﷺ : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ [هود: ١١٢]، وهذا خطابٌ له وللجميع؛ خصوصًا وعمومًا. وقد اختلف الناسُ فيه بحَسبِ مَوَاقِعِ "اسْتَفْعَلَ" في اللغة: فقيل؛ معناه: سَلِ الاستقامة (١). أي (٢): أن يُقِيمَكَ الله على الحق. وقيل: معناه: أَقِمْ (٣) على ما أمرناك به. أي: داوم وواظب من غير إِخْلَالٍ بها (٤)، ولا انحراف عنها. وقال أهل الزهد: "الاستقامةُ أَنَّ من سلك الطريق إلى الله لا ينحرف ولا يقف حتى يصل إلى الله، فإن وقف فلينظر ما أوقفه، وليجهَد في دفعه حتى ينفُذ، فإنه إن رجع هلك، وإن انحرف هوى (٥)، وربما أغوى، وإن وقف لم يُعذر". وربما كان موقفُه غَيْرَ تَامٍّ ولا كافٍ، وكان أمامه ممَّا حُجِبَ عنه ما يَعْتَرِضُ عليه ويطلب منه، ومُوقَفه (٦) من الآفات سيأتي في بقية الأسماء والصفات إن شاء الله.

стр. 1007

وقال لي (١) أبو الفضائل الصُّوفِي (٢): قال لنا ابنُ هوازن شيخُ الطريقة: "المستقيم من لم يرجع عن طريق الله ولا انحرف عنها ما لم يصل إلى الله، ووصل سَيْرَه بسُراه، ووَرَعَه بتَقْوَاه، وبالغ في ترك هواه" (٣). وقال أبو سعد (٤) الزنجاني (٥) عنه (٦): "إن الاستقامه هي استقامة النفوس بنَفْي الشهوة، واستقامة القلوب بنَفْي الغفلة، واستقامة الأرواح بنَفْيِ العَلاقة (٧) " (٨).

стр. 1008

قال الإمام الحافظ أبو بكر (١) ﵁: هذه هي (٢) صفة محمد- ﷺ . قَالَا (٣) في خبرهما فيما نحن فيه: "فاستقامة العابد أن لا يُؤْثِرَ نفسَه على العبادة، ولا يُخِلَّ بأدائها، بل يفعلها بعُسْرِها ويُسْرِها، واستقامةُ الزاهد أن لا يرجع إلى الدنيا، بل ينبذ قليلَها وكثيرَها (٤)، واستقامةُ التائب ألَّا يُلِمَّ بعد التوبة بذنب" (٥). قال الإمام أبو بكر (٦) ﵁: والفائدةُ العُظْمَى قوله: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣]، في وجه اتصال (٧) نَظْمِها بما قبلها، وقد أفضنا في ذلك في "أنوار الفجر" بكَثِيرٍ، وبيَّنا ما فيها من القليل والكثير. والمقدارُ الذي يتعلق بهذه الاستضاءة: النهْيُ عن تعلق القلوب بحَالٍ غير ما بيَّنَّاه، فلا يَتَعَلَّقْ لِلْعَابِدِ قَلْبٌ بحال المُهْمِلِ، ولا الزَّاهِدِ بحال

стр. 1009

المُنْهَمِكِ (١) في الدنيا، ولا التَّائِبِ (٢) بحال العاصي، فيرى كلَّ وَاحِدٍ (٣) من أهل الخير المتقدمين أَوَّلًا (٤) المُتَخَلِّينَ مع شهواتهم في حال سلامة ونعمة، وكرامة في الدنيا وعافية، فيتعلَّق لهم (٥) بهم قَلْبٌ، أو تكون لهم (٦) إليهم صُحْبَةٌ، فيَجُوزُوا (٧) بهم عن طريقهم، وتَفْسُدُ (٨) بهم أحوالهم، وتنفر منهم قلوبهم، يستأنسون بهم في الدنيا، وهم لا ينتصرون (٩) بهم في الأُخْرَى (١٠). قال الإمام الحافظ أبو بكر (١١): وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٢٩]. قالوا: استقاموا في التوحيد فلم يشركوا (١٢)، واستقاموا على العلم فلم (١٣) يقلدوا، واستقاموا على الطاعة ولم يعصوا، فأمَّا من استقام ولم

стр. 1010

يشرك فقد أَمِنَ من الخلود في النار بأصل الاستقامة، ويأمن من دخول النار بكمال الاستقامة. وقد كنت قَيَّدْتُ في ذلك كلمات مفيدات في الباب، وشرحناها مبسوطةً (١) في "أنوار الفجر"، ثم رأينا الآن في هذه الاستضاءة أن نُورِدَها مُجْمَلَة بألفاظ مفسرة، تُلْمحُ بالغرض منها، وتُلِيحُ على نهج الطريق إليها، وهي أربع (٢): الأولى (٣): في قوله: ﴿اسْتَقَامُوا﴾: استقاموا بصفاء عَقْدِهم فلم يُكَدِّرُوه، ووفاء عَهْدِهم فلم يَنْقُضُوه، لا سيما وقد وَكَّدُوه (٤). الثانية: استقاموا في قَصْدِهم بصِحَّةِ وُدِّهِم، رُوِيَ أن النبي ﷺ قال له رجل: "متى الساعة؟ قال: ما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها من كبير عَمَلِ؛ إلَّا أني أحب الله ورسوله، قال: المرء مع من أحب، قال راويه أَنَسٌ: فما فرح المسلمون بشيء بعد الإسلام فَرَحَهم بهذا" (٥). الثالثة: استقاموا بحالهم، في وقتهم ومآلهم. الرابعة: هُمُ (٦) الذين أقاموا على طاعته، واستقاموا على معرفته، وعَقَدُوا على محبته، وقاموا بشروط خدمته، فكانوا أهلًا لجنته (٧).

стр. 1011

ومن أوقع معنًى في الباب، ما قاله أهل اللباب- زائدًا على ما قدَّمناه في الباب-: إن الزاهد لا يستقيم إلَّا بأن لا يحرص ولا يفرح ولا يتمتع بجاه الدنيا؛ فإن الجاه مِلْكُ القلوب، والقلوبُ أشرف من الأموال، فالجاهُ أشرف معاني الغنى (١) وأفتنُها. واستقامةُ المُتَعَبِّدِ بأن يَفِرَّ عن الرياء إِنْ فَعَلَ، ويجتنب الفترة إذا هَمَّ أن يترك. واستقامةُ العَالِم أن لا يختلف قولُه وفِعْلُه، ولا يخلط عِلْمَه بالتوحيد بعِلْمِه (٢) بأحكام الدنيا، بل يَفِرُّ عنها كما فعل مالك ﵁، وقد صُودِرَ على أن يَحْكُمَ ويُفْتِي ويُصْحَبَ فتفادى من الكلِّ، وأراد الخُمول فأظهره الله وقدَّمه، وقد رُوِيَ: "أنه وجَّه المهديُّ إليه لمَّا قَدِمَ المدينة بثلاثة آلاف دينار، ثم مضى وحجَّ، فلمَّا قَفَلَ وجَّه إليه الرَّبِيعَ وقال: إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام، ويقول لك: تُعَادِلُه إلى مدينة السَّلَام، فقال له: أقرئه السلام، وقل له: قال النبي ﷺ : "والمدينة خَيْرٌ لهم لو كانوا يعلمون" (٣)، والمالُ عندي على حاله" (٤). ومع الإحسان- كما قُلْنَا- يكونُ الإخلاص، وهُوَ هُوَ، ولكنَّه يتخصَّص عن جميع ما تقدَّم بأنه مَعْنًى يوجدُ بالقلب، ويحصلُ في الباطن؛ فتظهرُ آثاره وهو كامن.

стр. 1012

أخبرني (١) الحافظ أبو الفضل إسماعيل بن الفضل الأصبهاني (٢) بمكة، وكتبه لي بخطه، وأظنه كان ذلك في الكعبة، وأغلبُ ظنِّي أنه بالمسجد الحرام بقراءته علينا، وسألته عن الإخلاص فقال: نا الشيخ أبو بكر أحمد بن علي بن خلف، وسألته عن الإخلاص (٣)، قال: نا أبو عبد الرحمن السُّلَمِي، وسألناه عن الإخلاص قال: سمعت علي بن سعيد الثَّغْرِي وأحمد بن محمد بن زكرياء، وسألتهما عن الإخلاص، قالا: سمعنا علي بن إبراهيم الشَّقِيقِي، وسألناه عن الإخلاص، قال: سمعت محمد بن جعفر الخصَّاف، وسألته عن الإخلاص، قال: سألت أحمد بن بشَّار (٤) عن

стр. 1013

الإخلاص ما هو (١)؟ قال: سألت أبا يعقوب الشَّرِيطِي عن الإخلاص ما هو؟ قال: سألت أحمد بن غسَّان (٢) عن الإخلاص ما هو؟ قال: سألت أحمد بن عطاء الهُجَيْمِي (٣) عن الإخلاص ما هو؟ قال: سألت عبد الواحد بن زيد عن الأخلاص ما هو؟ قال: سألت الحسن البصري عن الإخلاص ما هو؟ قال: سألت حُذَيفة عن الإخلاص ما هو؟ قال: سألت النبي ﷺ عن الإخلاص ما هو؟ قال: سألت جبريل عن الإخلاص ما هو؟ قال: سألت ربَّ العزة عن الإخلاص ما هو؟ قال: "هو سِرٌّ من سِرِّي، استودعته قَلْبَ من أحببتُ من عبادي" (٤). قال لنا الحافظ أبو الفضل إسماعيل: "هذا حديث (٥) غريب، ما كتبناه إلَّا من حديث الشيخ أبي عبد الرحمن السُّلَمِي، وقع لي عاليًا بحمد الله ومَنِّهِ". وأنا أبو الفضائل بن طوق عن ابن هوازن: "قال البُوشَنْجِي: الإخلاص ما لم يكتبه الملكان".

стр. 1014

وقد دَخَلَ (١) مع حديثه حديثُ غيره. قال الفُضَيْل: "العملُ من أجل الناس رياء، وترك العمل من أجلهم شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما (٢) " (٣). وقال البُوشَنجي: "الإخلاص ما لم يكتبه الملكان، ولم يفسده الشيطان، ولا يطلع عليه الإنسان" (٤). وهذا بابٌ من العلم الذي تصدَّينا له. وقال رؤيم: "ألا يرى الفعل" (٥). وقال حذيفة المرعشي (٦): "هو أن يستوي الفعل ظاهرًا وباطنًا" (٧). وقال أبو يعقوب المكفوف: "هو أن يكتم حسناته كما يكتم سيئاته". وقال سهل: "هو الإفلاس". وقال الدَّارَانِي: "للمُرائي ثلاث علامات؛ يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان مع الناس، ويزيد في العمل إذا مُدِحَ".

стр. 1015

وقيل: "الإخلاصُ ما يقصد به الصدق، ويراد به الحق سبحانه" (١). وقيل: "هو ما لا تشوبه الآفات، ولا يترخص فيه بالتأويلات" (٢). وقيل: "هو ما سُتِرَ عن (٣) الخلائق، وصَفَا (٤) من العلائق (٥) " (٦). وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، فقرر الإخلاص بالعبادة لأنه شرطها ووصفها، وروحها ومعناها. وقال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣]. وقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦]. وقال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. فأمركم (٧) سبحانه أن تعبدوه مخلصين له الدين، والإخلاص ألا يكون شيء من حركات العبد ولا من سكناته، في جوارحه ومفاصله، وكلامه

стр. 1016

وسكتاته؛ إلا لله، مُصَفًّى من الخلل، حَنِيفًا إلى الحق، بعيدًا (١) من الباطل، غير خارج عن سَنَنِ الحق، وحينئذ يكون لله؛ كما قال: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، وقد قال الله: "إني لا أقبل عَمَلًا أُشْرِكَ معي فيه أَحَدٌ (٢) غيري، أنا أغنى الأغنياء عن الشريك" (٣). وأمَّا إن قَصَدَ به دُنْيَا فإنَّه لم يكن لله حتى يُقال فيه: إنه إخلاص (٤)، ولكنه كما قال النبي ﷺ عن القارئ: "يقال له: كذبت، بل أردت أن يقال: فلان قارئ، فقد قِيلَ" (٥). وربَّما قَصَد ذلك ولم يَجْرِ (٦) ذلك على أَلْسِنَةِ الناس، بل يكون مُحَقَّرًا فيهم، فهذا قد خَسِرَ الدنيا والآخرة، ومن كان يرجو لقاء ربه ليَصِلَ إلى رؤيته وثوابه ورضاه في جواره فليُصْلحْ عملَه وليُخْلِصْ قصدَه. وأمَّا قوله: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾، أي: استوى ظاهرُهم وباطنُهم ليزول عنهم نفاقُهم، والله أعلم. وقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾ [مريم: ٥١]، قُرِئَ بفتح اللَّام، يشهد له قوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١]،

стр. 1017

وقرئ بكَسْر اللَّام، وهو بهما جَمِيعًا: أَخْلَصَهُ الله وأَخْلَصَ لله، لم يكن فيه لغير الله حَظٌّ، ولا أخذته فى الله لومة لائم، ولا استفزه طَمَعٌ على إيثار حَظٌّ على طاعته (١)، ولم يُغْضِ في الله على شيء، حتى إن مَلَكَ الموت لمَّا جاءه- دون المقدمة التي كانت بينه وبين الله- صَكَّهُ ففَقَأَ عينَه (٢). ومن أراد (٣) غَيْرَ الله مُطْلَقًا بعمله كله أو بعض (٤) عمله دَخَلَ في الحديث الصحيح عن عائشة ﵄: أن معاوية كتب إليها لتكتب له (٥) بما سمعت من رسول الله ﷺ ، فكتبت إليه بفِقْهِها وثاقب فَهْمِها وعظيم عِلْمِها: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من التمس رضى الناس بسخط الله وكله الله إليهم، ومن التمس رضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس" (٦). وما كان أحوج معاوية إلى هذه الوصية! فإنه كانت له فَضْلَةُ حِلْمِ تَسَعُ أخلاق الناس؛ فخَشِيَتْ عليه أن يَنْسَحِبَ حِلْمُه على مسامحةٍ فيما لا يجوز، فما نبَّهت منه غافلًا، ولا ذَكَّرَتْ نَاسِيًا، ولقد ساد وساس، حتى وَجَدَ الناسُ فَقْدَه، ولم يَجِدُوا بعده مثله (٧)، فإياكم ثم إيَّاكم أن تسمعُوا فيه قَوْلَ المؤرخين! فهُم عن الحَقِّ جِدُّ نَاكبينَ.

стр. 1018

وإذا عَلِمْتُم هذه المقدمة بجميع معانيها في هذا الاسم، وتحقَّقتم أنه سِرٌّ لا جَهْرٌ، ومن قَبِيلِ أعمال القلوب لا من اكتساب الجوارح، فتحقَّقوا أنَّ عنه تَنْشَأُ الأفعال، وعليه ينبني عَمَلُ الجوارح. وفي "مصنف عبد الرزاق": وذكر في الجامع عن أبي هريرة قال: "القَلْبُ مَلِكٌ وله جنوده، فإذا أَصْلَحَ الله الملك صَلَحَتْ جُنُوده (١)، وإذا أَفْسَدَ (٢) الله المَلِكَ فَسَدَتْ جنوده، الأُذُنَانِ قِمْعٌ (٣)، العينان مَسْلَحَةٌ (٤)، اللسان تُرجمان، اليدان جناحان، الرجلان بَرِيدٌ، الكَبِدُ رحمةٌ، الطِّحَالُ ضَحِكٌ، الرئة نَفَسٌ، فإذا صَلَحَ المَلِكُ صَلَحَتْ جنوده، وإذا فَسَدَ الملك فَسَدَتْ جنوده" (٥). وهذا لا يُحتاج إليه مع كلام النبوَّة ويَنْبُوع الحكمة، قال محمَّد ﷺ : "ألَا وانَّ في الجسد مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" (٦). ويليه اللسان؛ وهو تُرْجُمَانُه، فإذا اتَّفقَا في قَصْدٍ حَسَنٍ انتظم الأمرُ واطَّرَدَ الخَيْرُ، وإذا اضطربَا اختلَّ الكُلّ جملة وتفصيلًا.

стр. 1019

وفي الحديث: "إذا أصبح ابنُ آدم كَفَّرَتْ أعضاؤه اللسان، تقول له: اتق الله فينا، فإنك إن استقمت استقمنا، وإن اعْوَجَجْتَ اعوججنا" (١)، وقد بيَّنَّا حقيقة هذا المَثَلِ في كتاب "قانون التأويل" (٢) فليُطْلَبْ فيه. بديعة: والأَفْعَالُ وإن كانت تصدر (٣) عن إشارة القلب، ومُرَكَّبةً (٤) على المعاني القائمة به؛ فإنها تؤثر في إدامة حال القلب إذا تصرَّفت على مقتضى صَدَرِها (٥) منه، فإن كان في الخير فهي عادة، وإن كان في الشر فهي لجاجة، ألا ترى إلى عظيم تأثير السجود في تأكيد خضوع القلب، ويَعْضُدُ هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وسيأتي بيان ذلك في اسم "المُصَلِّى" إن شاء الله. تحقيق: [في حقيقة النية] ولمَّا كان حال الأعمال تنبني (٦) على القلب وتَصْدُرُ عن المعاني القائمة به؛ نبَّه النبي ﷺ على (٧) الحقيقة فيه فقال: "الأعمال بالنيات،

стр. 1020

ولكل امرئ ما نوى" (١)، وصار هذا الحديث -وإن كان من الآحاد (٢) - ثُلُثَ الإسلام في قَوْلٍ (٣)، ورُبُعَه في قَوْلٍ (٤)، وجُمْلَتَه عند قَوْمِ آخرين، والأوَّلان أَصَحُّ من الثالث، والثاني أصحُّ من الأوَّل، وقد بينَّا ذلك في "شرح الحديث". والنِّيَّهُ عندهم -مُطْلَقًا-: هي القَصْدُ (٥). وفي العبادات: هي قَصْدُ التقرب (٦) إلى المعبود (٧)، ولها مقام عظيم في الدين. قال ابن مسعود: "النجاة في اثنتين، والهَلَكَةُ في اثنتين، النجاةُ في النية والنُّهَى، والهَلَكةُ في القُنوط والإعجاب" (٨). والتقريبُ في حقيقة النية ما نُورِدُه عليك: وهو أن الله خلق العَبْدَ وخلق له مُلَائِمًا، وخلق له مُبَايِنًا، وخَلَقَهُ لا يعلم شيئًا، وإن كان مُهَيَّئا لِأَنْ يَعْلَمَ، فإذا خَلَقَ له العِلْمَ بالشيء مثلًا
следующие страницы →