← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

[نَزَغَاتُ الشيطان وسُبُلُ العصمة منها]: وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]، وذلك يكون -كما تقدَّم- بِبَذْلِ الطاعة، واستعمال غاية (١) القوة، والاستمرار على ذلك طُولَ المدة، حَسَبَ مَا يأتي في اسم "الصابر" إن شاء الله ، ومُكَافَحَةِ العَدُوِّ بغاية الشِّدَّةِ، وهُوَ في الأصل الشَّيْطَانُ الذي يأمر بالفحشاء والمنكر، ويَنْتَصِبُ للعبد في كُلِّ سَبِيلٍ من سُبُلِ الطاعة، ويَطْمِسُ عليه وجوه الخير. وقد قال النبي ﷺ : "قَعَدَ الشيطانُ لابن آدم في طريق الإسلام فقال له: أتسْلِمُ وتَذَرُ دِينَكَ ودِينَ آبائك؟ فَخَالفَهُ فَأَسْلَمَ، ثم قَعَدَ له في طريق الهجرة فقال له: أَتُهَاجِرُ وتَذَرُ أَهْلَكَ ووَلَدَكَ ومَاَلكَ؟ فخالَفه فهاجر، ثُمَّ قَعَدَ له في طريق الجهاد فقال له: أتجَاهِدُ فتُقْتَلُ فتُنْكَحُ أَهْلُكَ ويُقْسَمُ مَالُكَ؟ فخالَفه فقُتِلَ، فحَقٌّ على الله أن يُدْخِلَه الجنة" (٢). ودخل ﷺ على أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِهِ يوم مات أَبُو سَلَمَةَ، وهي تريد أن تَبْكِيَه، فقال لها: "أتريدين أن تُدْخِلِي الشيطانَ بَيْتًا أَخْرَجَه الله منه؟ مَرَّتَيْنِ" (٣).

стр. 1052

وعن عائشة في حَدِيثٍ: أن النبي ﷺ قال: "ما منكم من أَحَدٍ إلَّا وله شيطانٌ، قالت له: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، حتى أعانني الله عليه فأسلم" (١). وفي بعض طُرُقِه: "ولا يأمرني إلَّا بخير" (٢). وقد قال الله تعالى للشيطان: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤]. وهذا أَمْرُ تَهْدِيدٍ لا أَمْرُ تكليف، أفادنا الله به الإعلامَ بأنَّه سَيَفْعَلُ ذلك كلَّه، وأنه سَيَعْصِمُ منه عباده الذين استخلصهم لنفسه، إذ لا سلطان له على أَحَدٍ، أي (٣): لا تَسَلُّطَ ولا حُجَّةَ (٤)، الحُجَّةُ لله تعالى، والقدرة له، والمقدور له، وفِعْلُ إبليس لا تأثير له إلَّا إظهارُ العلامة على حُكْمِ الله تعالى في العبد، إذ المقدورُ بالقدرة الحادثة لا يتجاوز مَحَلَّ القدرة، ومَنْعُه

стр. 1053

سُلْطَانَ الشيطان بأن لَّا يَخْلُقَ له قُدْرَةً"، وذلك مُبَيَّنٌ في "كُتُبِ الأصول" (١)، مَبْنِيٌّ على أنَّ من اصطفاه لعبادته في الأوَّل بعِلْمِه وكتابه المكنون، وجدَّد له (٢) الاصطفاء عند الوقاع بأن خَلَقَ الذِّكْرَ (٣) لأبيه؛ ليقول ما قال النبي ﷺ : "لو أن أحدكم إذا أتى أهلَه قال: اللهم جَنِّبنَا الشيطان، وجَنِّبِ الشيطان ما رزقتنا، فقُضِي بينهما وَلَدٌ لم يَضُرَّه الشيطانُ" (٤). وقال ﷺ : "ما من مولود يُولَدُ إلا يَمَسّه (٥) الشيطان في جَنْبِه فيَسْتَهِلُّ صارخًا، إلَّا مَرْيَمَ وابنَها، لقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] " (٦). ويَعْصِمُه الله منه عند النوم؛ إذا آوي إلى فراشه أن يقرأ آية الكرسي، فلا يقربه شيطانٌ (٧).

стр. 1054

وقال النبي ﷺ : "يَعْقِدُ الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عُقَدٍ؛ يَضْرِبُ مكان كُلِّ عُقْدَةٍ: عليك لَيْلٌ طَوِيل فَارْقُدْ، فإن استيقظ فذَكَرَ الله انحلَّت عُقْدَةٌ، وإن توضَّأ انحلَّت عُقدة، وإن صلَّى انحلَّت عقدة؛ فأصبح نشيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وإلَّا أصبح خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَان" (١). وقال ﷺ في رَجُلٍ نام عن الصلاة: "بَالَ الشَّيْطَانُ في أُذُنِه" (٢). ودواؤه في الوسوسة بالاستعاذة (٣)، قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. فإن قيل: نرَى أَنْفُسَنا إذا وَجَدْنَا من الشيطان وَسْوَاسًا نستعيذُ؛ فلا نَجِدُ له عنَّا انصرافًا، فكيف هذا مع ما (٤) تَلَوْتَه علينا آنِفًا مذَكِّرًا به؟ قُلْنَا: عنه ثلاثةُ أجوبة: الأوَّل: أنَّ هذا خطابٌ (٥) للنبي ﷺ في قَوْلٍ، وهو الذي يَرْتَدعُ الشيطانُ عن وَسْوَاسِه بذِكْرَى رَبِّه، لضَعْفِ (٦) وَسْوَسَتِه له، وقُوَّةِ ذِكْرِ النبي ﷺ لربه تعالى وحاله في مرتبته ومنزلته (٧).

стр. 1055

وهذا على هذا القَوْلِ كان (١) قبل أن يُعينه الله عليه (٢) فيسلم، فلمَّا أسلم لم يَأْمُرْه (٣) إلَّا بخَيْرٍ، وغَيْرُه من الشيطان لم يكن له إليه سبيل إلَّا في مرة واحدة. في الصحيح: "أنَّه (٤) تَفَلَّتَ عليه وهو في الصلاة، فأوثقه إلى سارية من سواري المسجد، ثم قال: ذكرتُ قول أخي سليمان ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] " (٥)، فردَّه الله تعالى خاسئًا، ولولا ذلك لأصبح يَلْعَبُ به وِلْدَانُ المدينة، فهذا حالُ النبي ﷺ . الثاني: أن هذا خطاب للنبي ﵇ والمُرَادُ به (٦) أُمَّته. الثالث: أن أمته قد خُوطبت لعده وبُيِّنَ لهم حالهم كما بُيِّنَ له حالُه، فقيل لهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوَانُهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٠١]-يعني: من الشياطين- ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢]، والذين لا يتقون الله يكونون معهم أَمْدَادًا في المعصية لهم. فأخبر تعالى أن النبي ﷺ يكفيه مُجَرَّدُ الاستعاذة في فراره منه إذا تَطَلَّعَ إليه، وأخبر أن المُتَّقِينَ من الأمة إذا مسَّهم منه طائف (٧) استعاذوا بالله

стр. 1056

منه، وتَذَكَّرُوا أن ذلك مَسٌّ من عنده؛ فاستبصروا وارتدعوا وزَهَقَ عنهم، ومن كان من إخوانه، مَشَى مع الشيطان في ميدانه. وعلى القَوْلِ بأن إخوانهم -يعني: من الشياطين-، يكون المعنى: أن الشياطين لا يألون في النَّزْغِ، وهم لا يألون في الاستعاذة، ويتعاركون حتى يغلب حُسْنُ القضاء أو سُوءُ القَدَرِ فيَنْفُذُ الحُكْمُ. والصحيحُ -عندي- أن المراد به: وإخوانهم، أي: إخوان الشياطين من العصاة؛ يَمُدُّونَ بالمعصية معهم، ولا يستبصرون (١)، ولا يستعيذون، ولا يرجعون، وإن استعاذوا فبألسنتهم، وقلوبهم مشحونة بطاعتهم، مملوءة من مادَّتهم في الشهوات، فهُم إليهم (٢) راجعون، ومعهم مرتبطون. وإنَّما الحكمة في ذلك أن الله أَعْلَمَ أنه لابد أن يكون للشيطان مجال في قلوب [المؤمنين (٣)]، مع كلِّ أَحَدٍ حالٌ؛ فلكل صَارِمِ نَبْوَةٌ، ولكل عالم (٤) هَفْوَةٌ، ولكل عابد شِرَّةٌ، ولكل عامل (٥) فترَةٌ، ولكل سائر وَقْفَةٌ، ولكل قائل (٦) حُجَّةٌ، وهذا سَيِّدُ البشر ﷺ يُغَانُ على قلبه الشريف فيتُوبُ من كل ذنب في اليوم مائة مرة (٧)، فكيف بأمثالكم مع ما أنتم عليه في أحوالكم؟

стр. 1057

[من فضائل عمَّار بن ياسر ﵁ -]: قال القاضي أبو بكر (١): وممَّن أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه ﷺ عَمَّارُ بن يَاسِرٍ، وبهذا استَدَلَّ المُحَقِّقُون على أن الطائفتين اللَّتين تَباغَتَا تطلبان الحق؛ أن طائفة عمَّار كانت أَقْرَبَ إليه وأَحَقَّ به لبُعْدِ الشيطان عن عمَّار، وما جَذَبَهُ إلَّا المَلَكُ، إذ لم يكن للشيطان عليه (٢) سَبِيلٌ. [منزلةُ علي ﵁ عند ابن العربي]: ولو أَدْرَكتُ الحال في صَبْوَتِي لكُنْتُ مع عَمَّارٍ وعَلِيٍّ، ولو أَدْرَكْتُه في مَشْيَخَتِي لَلَزِمْتُ غَنَمِي أو (٣) ضَيْعَتِي، ولخَاصَمْتُ مُعَاوِيَةَ مَعَ عَلِىٍّ، وأنا لهما مُحِبٌّ ومُعَظِّمٌ، ولعَلِي مُقَدَّمٌ، لِعَظِيم مَنْزِلَتِه، وعُلُوِّ دَرَجَتِه، وإنَّ أَحَدًا بعد الثلاثة الخُلَفاء (٤) لا يُدْرِكُ شَأْوَه، ولا يَلْحَقُ مَنْزِلَتَه، ولا خِلَافَةَ بعده. وكذلك كان عُمَرُ ﵁ منه مُجَارًا (٥)، ففي الصحيح: أن النبي- ﷺ قال له: "ما سَلَكْتَ قَطُّ فَجًّا إلَّا سَلَكَ الشيطانُ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ" (٦).

стр. 1058

وأبو بكر الصديق (١) ﵁ أَعْظَمُ منه؛ لأنه وُزِنَ بجميع الأمة -وفيهم عُمَرُ- فرَجَحَهُم أبو بكر (٢). وأمَّا عثمان وعلي فمعصومان منه، ما تَطَرَّقَ قَطُّ إليهما، ولا دار حولهما، ولقد كانت أبوابُهما مسدودةً عنه، وخَيْلُه ورَجْلُه مهزومةً دونهما. [العصمةُ من الشيطان]: وقد يتَّفق أن يكون -مَعْشَرَ المُرِيدِينَ (٣) - بينكم وبينه حجاب، فقد صحَّ من كل طريق، وعند كل فريق: أن النبي ﷺ قال: "من قال (٤): لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يَوْم مائة مرة كانت له عِدْلَ عَشْرِ رقاب، وكُتبت له مائة حسنة، ومُحِيَتْ عنه مائة سيئة (٥)، وكانت له حِرْزًا من الشيطان يَوْمَه ذلك حتى يُمْسِي، ولم يأت أَحَدٌ بأفضل ممَّا جاء به إلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أكثر من ذلك" (٦). ويستجيرُ منه بيتُك بالتسمية، في الصحيح عن جَابِرٍ: قال النبي ﷺ : "إذا اسْتَجْنَحَ الليْلُ فكُفُّوا صبيانكم، فإن الشياطين تنتشر حينئذ، فإذا ذهب

стр. 1059

سَاعَة من العشاء فخَلُّوهم، وأَغْلِقْ بابَك واذكر اسم الله، وأَطْفِ مصباحَك واذكر اسم الله، وأَوْكِ سِقَاكَ واذكر اسم الله، وخَمِّرْ إناءك واذكر اسم الله، ولو أن تَعْرُضَ عليه شيئًا" (١). أَمَا إنه يَتَطرَّقُ إلى العباد بالشهوات، وهي مُرَكَّبةٌ في طِبَاع البشَرِ، وبالآمال؛ ولها علاقة بالقلوب، وهي مركبه عليها، والشهوات مَذْمُومَةٌ على ألسنة الشرائع، ما وردت في حديث عن النبي ﷺ ولا عن أَحَدٍ من الصحابة ﵃. قال النبي ﷺ : "حُفَّتِ الجنة بالمكاره، وحُفَّتِ النَّارُ بالشهوات" (٢)، فلا يتمنّاها أَحَدٌ لأنها على شَفِيرِ جَهَنَّمَ، وإنَّما تتمَنَّى الطاعاتُ والخيراتُ والكُفْأَةُ (٣) والكفاية، وأمَّا غير ذلك فلا ينبغي لأَحد أن يَتَمَنَّى بَلَاءَ الله، قال النبي ﷺ : "اسألوا الله العفو والعافية" (٤). وكان سُمْنُونٌ (٥) قد غلب عليه مقامُ المَحَبَّةِ فقال: ولَيْسَ لي في سواك حَظٌّ … فكَيْفَ ما شِئْتَ فاختَبِرْنِي (٦)

стр. 1060

فابتُلِيَ بعُسْرِ البَوْلِ، فلم يستطع الصبر، فكان يمشي على المكاتب ويقول للصبيان: "ادعوا لعَمِّكم الكذَّاب" (١). ومعنى قوله ﷺ : "حُفَّتِ الجَنةُ بالمكاره، وحُفَّتِ النارُ بالشهوات"، أي: جُعِلَتْ على حَفَافَيْهَا (٢)؛ وهي جوانبُها، وتَوَهَّمَ الناس أنها (٣) ضُرِبَ فيها المثل بجَعْلِهَا في جوانبها من خارج، ولو كان ذلك ما كان مثلًا صحيحًا، وإنَّما هي من داخل، وهذه صورتها: الجَنَّة [الصبر - الفقر - المكاره -الألم -العدو] النَّار [المال- النساء- الشهوات- الجاه - المطاعم]

стр. 1061

وعن هذا عبَّر ابنُ مسعود لقوله: "الجنة حُفَّتْ بالمكاره، والنَّار حُفَّتْ بالشهوات، فمن اطّلَعَ الحجاب واقع (١) ما وراءه" (٢)، وكلُّ من تصوَّرها من خَارجٍ ضلَّ عن معنى الحديث وعن حقيقة الحال. فإن قيل: فقد قال: "حُجِبَتِ النارُ بالشهوات". قُلْنَا: المعنى واحد؛ لأن الأعمى عن التقوى الذي قد أخذ سَمْعَه وبَصَرَه الشهواتُ، يراها ولا يرى النار التي هي فيها (٣)، وإن كانت فيها باستيلاء الجهالة ورَيْنِ الغفلة على (٤) قلبه، كالطائر يرى الحبة في داخل الفخ وهي محجوبة به، ولا يرى الفخَّ لغلبة شهوة الحبة على قلبه وتَعَلُّقِ باله بها، وجهله بما جُعلت فيه وحُجبت به. واختصارُ ذلك نَبْذُ ثلاثة (٥) مَعَانٍ -والله أعلم-: المَنْبُوذُ الأوَّلُ: الدُّنْيَا إلَّا ما لابدَّ منه (٦)؛ فإنك إن عَلَّقَتْ أَمَلَكَ بها أَذْهَلَتْكَ، وإن تَنَاوَلْتَها نَبَذَتْكَ وأَلْهَتْكَ، وليس يمكنك أن تكون فيها (٧) قائمًا ولا بينهما سالمًا،

стр. 1062

وفَضْلُ القوُّة على القيام بها لم يُؤْتَ إلَّا لمَخْصُوصِينَ (١)؛ كداود وسليمان، وأيوب ويوسف. ألا ترى إلى احتراز النبي ﷺ عنها في شأن الخَمِيصَةِ حين صلَّى بها ولها عَلَمٌ، فلمَّا أَكْمَلَ صَلَاتَه قال: "أَلْهَتْنِي هذه آنِفًا عن صلاتي، فاذهبوا بهذه الخَمِيصَةِ إلى أبي جَهْمٍ، وائتوني باَنْبِجَانِيَته" (٢). وكذلك صلَّى العصر ثم خرج مُسْرِعًا ودخل بيته، وأخرج (٣) ذُهَيْبَةً (٤) وقسَّمها، وقال: "خَشِيتُ أن يَبِيتَ عندي منها شيء"، يعني: ولم يَصِلْ إلى مُسْتَحِقِّه. وكذلك فعل الأنصاري؛ فإنه صلَّى في حائط له وطَفِقَ دُبْسِيٌّ (٥) يطير في أثناء الحائط ويتردَّد فأعجبه، فلمَّا نظر إليه ورجع إلى صلاته فلم يَدْرِ كَمْ صَلَّى، فجعل ذلك الحائط صدقة كِفَاءً لما فاته من تلك اللَّمْحَةِ في الصلاة (٦).

стр. 1063

ولو كان لزَبْرَجِها آخِرٌ أو لشهواتها (١) وَقْفٌ لعَسُرَ ضبطُه، فكيف ولا نهاية لها (٢). المنبوذُ الثاني: الخَلْقُ وهُمْ على قِسْمَيْنِ: أحدهما: أَهْلُ جِلْدَتِك. والثاني: من يُخالفك في مِلَّتِك. فأمَّا الذين يخالفونك في مِلَّتِك فتدعوهم إلى الدخول فيها. وأمَّا الذين يكونون على مِلتِكَ ويَتَلَبَّسُونَ بجِلْدَتِكَ فالسنةُ مخالطتُهم، والمحافظةُ على حدود الله معهم، والتعاون على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بينهم، وسيأتي ذلك كله مشروحًا إن شاء الله. وقد كانت معرفتُهم نِعْمَة، وصُحْبَتُهم خَصْلَةً، وائتلافُهم مِنَّةً، ثم انقلبت (٣) الحال حسبما أَنْذَرَ به الصَّادِقُ فقال: "يأتي على الناس زَمَانٌ يكونُ خَيْرَ مال المسلم غَنَمٌ يتبعُ بها شَعَفَ الجبال ومواقع القَطْرِ، يَفِرُّ بدينه من الفتن" (٤).

стр. 1064

وذُكِر عن (١) أنسٌ عن النبي ﷺ قال، قال عُمَرُ في حديث آخَرَ: "نعوذ بالله من سوء الفتن"، فقال النبي ﷺ : "ما رأيت في الخير والشر كاليوم" (٢). وقال حذيفة: "كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر؛ مخافة أن يُدْرِكَنِي، فقلتُ: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شَرٍّ؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، قال: وفيه دَخَنٌ، قلت: وما دَخَنُه؟ قال: قَوْمٌ يُهْدُونَ بغير هُدًى، تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دُعَاةٌ على أبواب جهنم، ومن أجابهم إليها قَذَفُوه فيها، قلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: هُمْ (٣) من جِلْدَتِنَا، ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلتُ: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كُلَّها، ولو أن تعض بأصل شجرة؛ حتى يُدركك الموتُ وأنت على ذلك" (٤).

стр. 1065

ودخل سَلَمَةُ بن الأَكْوَعِ على الحجَّاج؛ وقد كان خرج إلى الرَّبَذَةِ حين قُتِلَ عثمان ﵁، وتزوج امرأة هناك (١)، ووَلَدَتْ له أولادًا، فلم يَزَلْ بها حتى كان (٢) قبل أن يموت بلَيَالٍ فنزل المدينة، فقال له الحجَّاج: "ارتددت على عَقِبَيْكَ (٣)، قال: لا، ولكن رسول الله ﷺ أَذِنَ لنا في البَدْوِ" (٤). وما زال الناس يعتزلون ويخالطون، كل وَاحِدٍ على (٥) ما يعلمُ من نفسه ويتَأتَّى له من أمره. وقد كان العُمَرِيُّ (٦) بالمدينة مُعْتَزِلًا. وكان مالكٌ ﵁ مخالطًا، وكُل على طريقة، ثم اعتزل مالكٌ في (٧) آخِرِ عُمُرِه، فيُروى أنه أقام ثمان عشرة سنة لم يَخْرُجْ إلى المسجد، فقيل له في ذلك، فقال: "ليس كل أَحَدٍ يُمكن أن يُخْبِرَ بعُذره" (٨). واختلف الناس في عذره على ثلاثة أقوال:

стр. 1066

فقيل: لئلَّا يرى المناكير (١). وقيل: لئلاَّ يمشي إلى السلطان. وقيل: كانت به (٢) إبْرِدَةٌ (٣)، فكان يرى تنزيهَ المسجد عنها (٤). وقال النبي ﷺ : "يُوشِكُ أن يضرب الناس أَكْبَادَ الإبل فلا يجدون أعلم من عالم المدينة" (٥). فقيل: هو العُمَرِيُّ (٦). وقيل: هو مالك (٧). وهو الأصح؛ لأنه لم يظهر للعُمَرِيِّ عِلْم، وعِلْمُ مالك طَبُّقَ الآفاق. وكان القاضي أبو بكر (٨) خَلُوطًا، وتولَّى الأحكام.

стр. 1067

وكان الأستاذ أبو إسحاق (١) مُعْتَزِلًا. وكان أبو بكر بن فُورَكٍ (٢) مُتَبَتِّلًا؛ حتى انتهى إلى أن يُكَلِّمَه المَلَكُ في اليقظة.

стр. 1068

ونادى الله أبو (١) إسحاق في المنام، وقال (٢) له: "إني أسألك التوبة منذ أربعين سنة ولم تتيسر (٣) لي، فقال (٤) له: سألتني عظيمًا (٥) "، وذكر حديثًا طويلًا. [التعريفُ بالإمام نَصْرِ بن إبراهيم المقدسي (٦)]: وقد رأيتُ من أهل التَّبَتُّلِ جماعةً؛ لم أَرَ فيهم أَحَدًا يَعْدِلُ أبا الفَتْحِ نَصْرَ بن إبراهيم، الإمامَ الزاهدَ، لَقِيتُه في جمادى الآخرة سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وكان ابتداءُ حاله أن أصله (٧) من "نابُلُس"؛ قَرْيَةِ حريق إبراهيم، خَيْفٌ بين جبلين، أنهارًا وثمارًا وظِلَالًا، ومياهًا باردة، ونِعْمَةً سابغة، وآمْنًا مُطَّرِدًا.

стр. 1069

ونَشَأَ مع أبيه "ببيت المقدس"، وكانت لهم (١) دُورٌ وضِيَاعٌ، فتوفي أبوه وهو شابٌّ، فبقي مُدَّةً، ثم جَذَبَتْهُ سَابِقَةٌ سَعِيدِيَّةٌ، فخطفت من قلبه المحبة الدنياوية، وخرج حاجًّا، ثم جاهد ورجع إلى الموطن، فحَبَّسَ إحدى دَارَيْهِ على الطلبة مع مُعْظَمِ ماله، وجَعَلَ النَّظَرَ فيها (٢) إلى يحيى بن مُفَرِّج (٣) شَيْخِ أصحابه، وشَرَطَ أنَّ نَصِيبَه منها (٤) كأَنْصِبَائِهِمْ، وحبَّس الدار الأخرى على الأيتام الذين لا أَبَ لهم، وضَيْعَةً من ضِيَاعِه ليُنْفَقَ عليهم منها، حتى يتعلَّموا القرآن. وخرج إلى "دمشق" لأجل كونها حينئذ في طاعة المصريين (٥)، واعتكف "بجامع دمشق" أربعين عامًا، وكان يأتيه نصيبُه مع الطلبة فعَيْشُه منه، وتَبَتَّلَ هذه المدة العُظْمَى، وانقطع إلى الله عَالِمًا مُتَعَلِّمًا مُعَلِّمًا، حتى توفي سنة تسعين وأربعمائة، وعليه جُبَّةُ سِمْطٍ سوداء -أخبرني بعضُ

стр. 1070

أصحابنا (١) أنه بها دَخَلَ مُعْتَكَفَه-، ودَوَاةٍ، وسَطلٍ (٢) صُفْرٍ كان يشرب به ويتوضأ، قال لي: حَجَّ معي وغزا، ونَيَّفَ على التسعين وهو يَكْتُبُ في "المِزْهَرِيِّ" ثمانين سَطْرًا بخطٍّ دقيق، لكنَّ أسنانه تساقطت، ومات وما تلَّبس بالدنيا ولا صَحِبَ من أهلها أحدًا، ولا رأى إلَّا من دخل إليه مُتَعَلِّمًا، وملأ أصحابُه الآفاق وأنجب، فنِعْمَ ما نَجَبَ (٣). [المجاووةُ بالمسجد الأقصى -طهَّره الله -]: وأمَّا "المَسْجِدُ الأقصى" فكان منهم مَمْلُوءًا -كان- "بالسَّكِينة" (٤)، و"بمحراب زكرياء" (٥)، و"بباب التوبة والرحمة" (٦)، و"بمَهْدِ عيسى" (٧)،

стр. 1071

و"بقُبَّةِ السِّلسِلةِ" (١)، و"بقُبَّةِ النَّبِيِّ ﷺ " (٢)، و"بقُبَّةِ جِبْرِيل ﵇" (٣)، و"بالصخرة المقدَّسة" (٤)، و"بمحراب داود" (٥)، و"بباب حِطَّة" (٦)، و"بباب الأَسْبَاطِ" (٧)، بكُلِّ وَاحِدٍ رَجُلٌ عالمٌ منقطعٌ إلى الله، لم يخرج من المسجد مُذْ دخل إليه حتى استُشْهِدَ به (٨).

стр. 1072

وكان "ببيت رَامَةَ" (١) مُتَعَبَّدِ إبراهيم، وبقرية "حَبْرُون (٢) " (٣)؛ حيث قبرُه، و"بحُلحُول (٤) " (٥) قريه يونس حيث تُوُفِّيَ (٦)، و"بسَبَسْطِيَّة" (٧) قريه يحيى، و"بنابُلُس" -برابطة المنجنيق تتخذ (٨) لإبراهيم ﵇ جماعةٌ لا يُحْصَوْنَ؛ مشتغلين بالله، مقبلين عليه، خُرُوجًا (٩) عن الدنيا وإن كانوا فيها، معرضين عنها وإن كانوا منها. [الإقامة بالمُنَسْتِير (١٠)]: ورأيت "بمُنَسْتِير إفريقية" جماعةً على الطريقة المُثلى في العزلة عن الدنيا، أَقَمْتُ عندهم عشرين يومًا فكَأَنِّي في الآخرة؛ طِيبُ عِيشَةٍ (١١)،

стр. 1073

وسلامةُ دِينٍ، ثم جَذَبَتْنِي صِلَةُ الرحم، فَقَطَعَتْنِي عن الله مقادير (١) سماوية، فَاعْجَبْ -فَدَيْتُكَ- من قَطْع بوَصْلِ، ومن أَجْرٍ بذَنْبٍ، ومن إِعْرَاضِ بإِقْبَالٍ، وذلك بضَرْبٍ من العَجْزِ والتقصير، وغَلَبَةِ حُبِّ الدنيا على القلب، ومسامحة في استدراج، وإلَّا فما أَسْهَلَ الجَمْعَ بين معاقد التقوى، وأَقْرَبَ التَّحْصِيلَ لوجوه الخلاص، ولكن بحَذْفِ العلائق وقَطْع الشهوات، وذلك يَعْسُرُ مع الإقبال عليها، ويَسْهُلُ مع التوفيق للإعراض عنها، ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]. ولقد قال لي شيخي (٢) في العبادة: "لا يَذْهَبْ لك الزمان في مصاولة الأقران ومواصلة الإخوان". ولم أَرَ للخلاص شيئًا أَقْرَبَ من طريقين: إمَّا أن يُغلق المرء على نفسه باب بيته. وإمَّا أن يَخْرُجَ إلى مَوْضعٍ لا يُعرف فيه. فإن اضطُرَّ أَحَدٌ إلى مخالطة الناس فليكن معهم ببدنه، وليفارقهم بقلبه ولسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، ولا يفارقُ السكوت. أنشدني محمد بن عبد الملك الصُّوفِي (٣) قال: أنشدني أبو الفضل الجَوْهَرِي:

стр. 1074

الخَيْرُ أَجْمَعُ في السكوتْ … وفي ملازمة البيوتْ (١) وقُلْتُ: حَازَ السَّلَامَةَ مُسْلِمٌ … يَأْوِي إلى سَكَنٍ وقُوتْ ماذا يُؤَمِّلُ بعد أَنْ … يَأْوِي إلى بَيْتٍ وبِيتْ وقال أحمد: قال ابن مسعود لابنه: "يا بني؛ ليَسَعْكَ بيتُك، وامْلِكْ عليك لسانك، وابْكِ من ذِكْرِ خطيئتك" (٢). فإن قلتم: فالعالم ماذا يصنع؟ أيختفي فلا يهتدي به أحدٌ ولا يقتدي؟ قلنا: نعم؛ فإنه إن ظَهَرَ سُعِيَ عليه في أن يُخْمَلَ أو يُقْبَرَ، وقد تستَّر الأنبياء والأولياء، ورأيتُ لعبد الغني بن سعيد الحافظ (٣) "كتاب

стр. 1075

المَسْتُورِينَ" بخَطِّه بالفُسْطَاط (١)، لم أر كتابًا مثله، بَدَأَ بإبراهيم إلى زمانه، في عدة أجزاء. فإن قلتم: قد قال النبي ﷺ : "عليكم بالجماعة، فإن يد الله عليها، فإن الشيطان ذِئْبُ الإنسان؛ يأخذُ الشاة القاصية" (٢). قلنا: هذا حديثٌ باطلٌ، والمعنى حق، والجماعة (٣) لا تُفَارَقُ في الاعتقاد والعمل إذا كانوا على حَقٍّ وفي هدنة، وإذا رأيتَ الباطل والفتنة فالْبَسْ حُلَلَ النَّوَى، وانتَوِ فيمن انتَوَى. وبالجملة؛ فإن البلاد المشرقية أَمْكَنُ للعزلة من البلاد المغربية؛ لسعة أقطار تلك وتمهُّد (٤) أمورها، وضِيقِ هذه عن آمال أهلها، وتلك لسعتها (٥) يَقِلُّ فيها الحاسد، ويكثُر المُساعد، ولا يُعدَم المُساند.

стр. 1076

وفي مدارس العلم هناك مَنَالٌ (١)، وبروابط الصوفية مَجَالٌ رَحْبٌ للعبد (٢) مع خُلُوصِ النية، وإن انفردتَ اليوم لم تجد أصحابًا (٣)، وإن وجدتهم تَطَرَّقَتْ إليهم التهمة، وتعرَّضوا بأنفسهم إلى الهَلَكَةِ (٤). قال لي بعض أشياخي: "إذا أردتَ أن تزهد في لقاء الناس فأَقْبِلْ على الفرائض، فإنك إذا لَزِمْتَها لم تجد لنفسك وَقْتًا خَالِيًا لهم". فاختبرتُ ذلك في الصلاة؛ فوالله ما وجدتها تُبْقِي (٥) من الزمان للعِلْم (٦) إلَّا أقلَّه، ويا أَسَفِي أن أقبلتُ على طَلَبِ العِلْمِ ولم أُقْبِلْ على العمل. [الدعواتُ الثلاث لابن العربي]: وقد كنت بمكَّة في ذي الحجة سنة تسع وثمانين وأربعمائة؛ فكنت أَبِيتُ بين المقام وزمزم وأعتكفُ فيه، وأَتَذَكَّرُ قَوْلَ النبي ﷺ : "ماءُ زمزم لِمَا شُرِبَ له" (٧)، فكنتُ أَشْرَبُه بنِيَّةِ العِلْمِ آناء الليل والنهار، فوَهَبَنِي الله ما

стр. 1077

شاء، ولم أشربه بنية العمل، ودعوتُ الله بالملتزم ثلاث دعوات، فَرَأَيْتُ الاثنتين وبَقِيَتِ الواحدة، والله يَمُنُّ بها عليَّ، فهي العُمْدَةُ (١).

стр. 1078

فكانت الأولى: أن يجعلني من العلماء، حتى لا يتكلم أَحَدٌ بشيء مِنْ فَنٍّ مِنَ العِلْم؛ إن كان حقًّا إلَّا عَلِمْتُه، وان كان باطلًا إلَّا قَدَرْتُ عليه (١)، إثباتًا للأوَّل، ونَفْيًا للثاني، فآتاني الله ذلك. وآتاني الثانية، وبقيت الثالثة. فيا ليتني كنتُ شَرِبْتُ ماء زمزم للعَمَلِ، ودعوت الله فيه في المُلْتَزمِ. ومن يستطع (٢) أن يَتَجرَّدَ ويُجَرِّدَ زمانه للعبادة (٣)؛ باجتناب نواهي الفرائض، وامتثال أوامرها، ويبقى له منه جُزْءٌ لشيء؟ ما أَظُنُّ ذلك ممَّا (٤) يُطاق في وقتنا إلا مع غَمْضِ العينين عن الخلق. [الاعتصامُ بالقرآن]: وقد قال النبي ﷺ : "ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن" (٥)، فإذا افتقرتَ فهو غِنَاكَ عن المال، وإن (٦) اشتقت إلى الأَهْلِ والوَلَدِ فهو يُغنيك عنهم، وإذا تطَّلعت إلى الناس فهو أُنْسُكَ دونهم، وإذا أردت لقاء من مضى أو من يأتي ففيه أنباؤهم، وإذا أردتَ الأنبياء فليس لك سَنَدٌ إليهم مثله، وإن أردتَ الله فهو كلامُه وصِفَتُه، وأحكامُه وسُنَّتُه في خلقه وأَمْرُه، مُذْ خَلَقَ (٧)

стр. 1079

إلى أن ينتهي إلى الثواب والعقاب، وعَلِّقْ قلبك بما شِئْتَ من الهُدى والضلال والخير والشرِّ؛ ففيه شفاؤه. المنبوذُ الثالث: النَّفْسُ وهي (١) أوَّلُ (٢) الشواغل وآخِرُها وأَوْسَاطُها، ولها ثلاثةُ أوصاف: الأوَّل: وصفُها الأَوْلَى (٣) بسِنْخِها المُعْتَلِّ، فانَّها من طِينٍ، أو في طِينٍ، وهي الأمَّارة بالسوء. الثاني: اللَّوامة؛ وهي التي إذا عَثَرَتْ استقلَّت، وإذا طَغَتْ رَجَعَتْ، وإذا عَصَتْ استغفرت، وهي أبدًا في اضطراب. الثالثة: النفس المطمئنة، وهي التي سارت على الجادَّة، واستقرت في مَوْطِنِ الطاعة. وبين ابتداء حالها الأوَّلِ (٤) وبلوغها الثالثة بَلَايَا ونُوَبٌ (٥) وتَرْدَادَاتٌ (٦)، لا يُخَلِّصُ منها إلَّا السابقةُ الحُسْنَى. [براءةُ يوسف ﵇]: وقد غَلِطَ بعضُ (٧) الناس في أَنْ ظَنَّ بيوسف الصديق ﵇؛ أنها حَمَلَتْهُ على أن يأتي (٨) مَحْظُورًا، وسبحان الله، ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ

стр. 1080

نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]، ما فعل يوسف إلَّا ما أخبر الله عنه، من أنَّ المرأة لَجَّتْ (١) في مطالبته على نفسه، ولَجَّجَتْ في بحار المنازعة، وهجمت عليه، ومزَّقت ثيابه، وهي مالكةُ أمره، فثبت بطِيبِ الأصل وطهارة الجَيْبِ، وخَطَرَ له هَمُّ الآدمية، فدفعه بالسَّابقة الإلهية، وما أتى فُحْشًا (٢) ولا سُوءًا، وما (٣) كان منه إلَّا الهَمُّ الذي لا يؤاخذ به أَحَدٌ، فهو هَمَّ وما تَمَّ، وهي هَمَّتْ وتمَّتْ، واجتهدتْ في بَذْلِ نفسها، وجَذْبِه إليها، وهَتْكِ (٤) حجاب الحياء بينها وبينه، ورَفْع الخوف عن العاقبة في ذلك، والخلوة التي لا يُؤمن معها العار، فغَلَبَ الجِدُّ الجَدَّ (٥)، وما تجاوز يوسفُ الأَمْرَ والحَدَّ (٦). وكان ما (٧) قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ [يوسف: ٢٤]، يعني: جاءت بهذا كله، ويعني (٨) ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾: خَطَرَ على باله الأَمْرُ بحُكْمِ البشرية، ورأى برهان ربه، يعني: ذكَّره الله الإيمانَ وما يلزم، وتَحْرِيمَ الله، ومجانبة المأثم، وهذا هو البُرهان الأعظم، وغيرُ ذلك ممَّا ذَكَرَ النَّاسُ

стр. 1081

تَخَرُّصٌ وتَوَهُّمٌ (١)، واستطالةٌ على أنبياء الله وكتابه، فحَذَارِ منهم ثُمَّ حَذَارِ (٢). وأمَّا النفس اللوَّامة فتَوَهَّمَ بعضُ الناس أنها المرادة في قوله ﵇: "مَثَلُ المؤمن كمَثَلِ الخَامَةِ من الزرع، تُفيئها الرِّيحُ مَرَّةً هاهنا، ومَرَّةً هاهنا، ومَثَلُ الكافر كمَثَلِ الأَرْزَةِ المُجْذِية (٣)، حتى يكون انجعافُها مَرَّةً" (٤). وقالوا: إن قوله: "إن الريح تُفيئها مرَّة ومرَّة": أنه إِقْبَالُه على الذنب، ورجوعُه إلى التوبة. وليس به، وإنما هُوَ: ما هو المؤمن عليه من الكَوْنِ في حال العافية مرَّة، وفي بلاء الله أُخرى. والنَّفْسُ عَدُوٌّ مُبِينٌ، قال عمر بن الخطاب بحضرة النبي ﵇: "أَيْ عَدُوَّاتِ أنفسهن، أَتَهَبْنَنِي ولا تَهَبْنَ رسول الله ﷺ ؟ فقلن له: أنت أَغْلَظُ وأفظُّ (٥) " (٦).

стр. 1082

وكان أبو بكر ﵁ ممَّن يَرُبُّ (١) رَسُولَ الله ﷺ ، وكان عُمَرُ ممَّن يَذُبُّ عن رسول الله ﷺ ، وحسَّانُ ممَّن يُنَافِحُ عن رسول الله ﷺ ، وسائرُ الصحابة على هذين القِسْمَيْنِ إلَّا الأوَّل (٢)؛ فلم يَنْزِلْ في منزلة أبي بَكْرٍ أَحَدٌ. وللنُّفْسِ ثَلَاثَةُ أَعْوَانٍ؛ إبليس، والدنيا، والهوى، وليس لها إلَّا نَاصِرٌ واحدٌ، وهو العقل، والكلُّ من جُنْدِ الله، أولئك من حِزْبِ الشيطان، والعَقْلُ من حِزْبِ الرحمن، والقضاءُ مُسَيْطِرٌ على الكلِّ، يفصلُ بين تنازعهم، ويَمْضِي بكل أحد إلى ما كُتِبَ له، قال بعضُهم (٣): إنِّي بُلِيتُ بأَرْبَع يَرْمِينَنِي … بالنَّبْلِ عن قَوْسٍ لها تَوْتِيرُ إبليسُ والدنيا ونَفْسِي والهوى … يا ربِّ أنت على الخلاص قَدِيرُ والنفسُ أشدُّها لأنها بعَيْنِ (٤) المحبوب، وفي لِبْسَتِه تتراءى بصِفَتِه، وتَتَلَبَّسُ بهيئته، وتُزَيِّنُ القبيح، وتستر الداء، وتَجْلُو كلَّ مكروه بِصِفَةِ (٥) المحبوب، كما قال القائل -وهو الفرزدق (٦) -: وعَيْنُ الرِّضَا عن كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ … ولكنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي المَسَاوِيَا (٧)

стр. 1083

قال لي أبو القاسم بن (١) الخواتيمي (٢) بالمسجد الأقصى وقد جَرَرْنَا ذَيْلَ المذاكرة على ما أدَّى إلى إنشادي هذا البيت له (٣)، فقال لي: هذا حَسَنٌ، وأَحْسَنُ منه قَوْلُ الآخر (٤): أَفْسَدْتُمْ نَظَرِي عَلَيَّ فلا أرى … مُذْ غِبْتُمُ حَسَنًا إلى أن تَقْدَمُوا ودَعُوا مَلَامِي لَيْسَ يَحْسُنُ أن تَرَى … عَيْنُ الرِّضَا والسُّخْطِ أَحْسَنَ مِنْكُمُ فإن قيل: كَلَامُ الوَرَعِ والزهد والتخويف ليس على طريق النسيب. قلنا: قَلْبُ المعنى الحَسَنِ إلى معنى الحق والحقائق عِلْمٌ، ورَدُّ الكلام إلى السبيل القويم دِينٌ، ولا تُبَالِ (٥) بمَقْصَدِ قائله. ثبت أن عائشة ﵄ كانت من أحفظ الناس للأشعار والأخبار؛ هي وأبوها وأختُها أسماء، وكان أبو كَبير الهُذَلِي الشَّاعر قد وصف رَبِيبَه تَأَبَّطَ شَرًّا بقَصِيدٍ (٦)، منها قولُه (٧):

стр. 1084

وإذا نَظَرْتَ إلى أَسِرَّةِ وَجْهِه … بَرَقَتْ كبَرْقِ العارض المُتَهَلِّلِ فدَخَلَ رسولُ الله ﷺ على عائشة فنَظَرَتْهُ وقالت: أنت يا رسول الله أَحَقُّ بقَوْلِ أبي كبير الهُذَلِي: وإذا نَظَرْتَ إلى أَسِرَّةِ وَجْهِه … بَرَقَتْ كبَرْقِ العَارِضِ المُتَهَلِّلِ (١) فأخذت الأمر من يَدِ غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ ووَضَعَتْهُ في حَقِّهِ. وقال الهُذَلِي في قَصِيدٍ له (٢): وعَيَرّهَا الواشون أنِّي أُحِبُّها … وتلك شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عنك عارُها فلما قتَلَ الحَجَّاجُ عبد الله بن الزُّبَيْر ابنَ أسماء بِنْتِ أبي بَكْرٍ الصديق، المُسَمَّاة بذات النِّطَاقَيْنِ، كان يقول له (٣): يا ابنَ ذات النِّطَاقَيْنِ، فبلغ ذلك أسماءَ فقالت: إِيهًا والله (٤): وتِلْكَ شكَاةٌ ظَاهِرٌ عنك عارُها (٥) أي: هذا قَوْلٌ ليس فيه عَيْبٌ. وأخذته من العشق والغزل فرَدَّتْهُ إلى الحق. أي (٦): هذا قَوْلٌ زال عارُه، وذهب عيبُه، بل فيه غايةُ الشَّرَفِ.

стр. 1085

قالت أسماء (١): "سمَّاني رسول الله ﷺ بذات النِّطَاقَيْنِ؛ فإنه لمَّا أراد الهجرة مع أبي بكر صَنَعَتُ لهما سُفْرَةً، وأردت شدَّها فلم أجد، فشَقَقْتُ نِطَاقِي بنِصْفَيْنِ؛ وشَدَدْتُه بأحدهما وانتَطَقْتُ بالآخَر، فقال لي رسول الله ﷺ : أَنْتِ ذاتُ النِّطَاقَيْنِ" (٢). فصار هذا أَصْلًا في رَدِّ المعاني من مقاصد البطالة إلى الجلالة، ومن طُرُقِ الباطل إلى وجوه الحق، ومن المخلوق الذي ليس له عَمَلٌ إلى الخالق الذي له الأمر كلُّه. قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي (٣) ﵁: ولي (٤) في ذلك نُكْتَةٌ بديعة؛ وهي أن النفس تَمِيلُ إلى اللَّهْوِ، وتُسْرِعُ إلى الغزل، فيُنْشِدُ المرءُ الأشعار (٥) الغزلية تَأْنِيسًا لها (٦)، ويَقْصِدُ بها الحقائق الإلهية والشمائل النبوية تحقيقًا معها، حتى يُرِيها أنَّ صَغْوَهُ مَعَهَا أوَّلًا، ويَرُدُّهَا إلى الحقيقة آخِرًا، والأشعارُ الغَزَلِيَّةُ من سلاح الشيطان، فإذا قُوتِلَ بها يرى أن الغلبة في كل حَالٍ عليه. وللنَّفْسِ خُدْعَةٌ أُخْرَى، وهي: أنَّها مُخَالِطَتُكَ، وإذا كان بينك وبين العَدُوِّ مسافةٌ أو حجابٌ كُنْتَ من ضَرَرِه آمَنَ وأَبْعَدَ، فإذا (٧) نزل معك في

стр. 1086

بلدك أو سَاكَنَكَ في بيتك لم يُمْكِنْكَ الاحتراسُ منه بحال، ولو تَحَرَّزْتَ لغَلَبَكَ بطُولِ المجاهدة، وقد قال العبَّاسُ بن الأَحْنَفِ أو غيرُه (١): نَفْسِي إلى ما صرَّني داعي … تُكْثِرُ أَسْقَامِي وأَوْجَاعِي لقُلٍّ ما أَبْقَى على ما أرى … يُوشِكُ أن يَنْعَانِيَ النَّاعِي (٢) كَبْفَ احْتِرَاسِي من عَدُوِّي … إذا كان عَدُوِّي بين أَضْلَاعِي فإن جَهِلْتَها فقد تَعَجَّلَ هَلَاكُك، وإن عَلِمْتَها وقَاسَيْتَها فقد طال تَعَبُك، فانظر لِمَا يُخَلِّصُك، فإنه قريب لمن أعانه الله بتوفيقه. رياضةُ النَّفْسِ: ومن الحَقِّ عليك أن تحملها على مَكَارِهِ العبادة طاقةً، حتى تأنس بها فتفعلها طاعةً، فإنَّ التدريب في العبادة والتمرين في الطاعة (٣) سُنَّةٌ قائمة، وسِيرَةٌ شَرْعِيَّةٌ. في الصحيح: عن الرُّبَيِّع بِنْتِ مُعَوِّذِ بن عَفْرَاءَ قالت: "أرسل النبيُّ ﷺ غَدَاةَ عاشوراء إلى قُرَى الأنصار: من أَصْبَحَ مُفْطِرًا فليُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِه، ومن أصبح صائمًا فليَصُمْ، قالت: فكُنَّا نَصُومُه بَعْدُ، ونُصَوِّمُ صِبْيَاننَا، ونجعلُ لهم اللعبة من العِهْنِ، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك حتى يكون عند الإفطار" (٤).

стр. 1087

[أسماءُ النفس وأحوالها]: ولها أَسْمَاءٌ في أحوال، وهذه إشارةٌ إليها: اعلموا -وفَّقكم الله- أنَّ بِنَاءَ "ن ف س" في لسان العرب يَتَصَرَّفُ على مَعَانٍ قد بينَّاها في "الأَمَدِ" (١) وغيرِه. أَصْلُها: أنَّها ذَاتُ الشيء، ورُوحُه، ورَفِيعُه (٢)، ودمُه، ويرتبط بهذه الأربعة غيرُها (٣)، وربَّما رجعت إلى اثنتين (٤)، وقد تكون -كما قدَّمنا- مَمْدُوحَةً، وقد تكون مَذْمُومَةً. وقد عبَّر الله بها عنه فقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٨]. حتَّى قال بعض الغافلين: "إنَّ الأوَّلَ هُوَ الثاني بعَيْنِه". وهو غباوة أو تعسف. وإنَّما معناه: تَعْلَمُ غَيْبِي ولا أَعْلَمُ غَيْبَكَ، وضرَبَ له مَثَلًا ما في نَفْسِ الإنسان، أي: ما في ذاته مَطْوِيًّا، أَلَا تراه كيف بَيَّنَهُ بقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، كما قال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] أي: صفاته؛ لأنها قائمة به، وذلك غضبُه وسَخَطُه، وأفعالُه من نقمته وعقابه، وأُضِيفَ الكُلُّ إلى النَّفْسِ لأنها تقوم به وتَصْدُرُ عنه، كما قال: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي

стр. 1088

أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، أي: يَعْلَمُ غَيْبَكم ويَطَّلِعُ على سرائركم (١)، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٥]. وقد قال: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨]. المعنى: "تَسْلِيمُ الأقدار والأفعال لله بالتَّبَرِّي عن الحَوْلِ والقُوَّةِ، وأنَّ أَمْرَه كُلَّه لله، وتصرفَه بأجمعه بطَوْلِ رَبِّه، ولذلك تختلف عليه الأحوالُ بغير مراده؛ ما بين يُسْر وعُسْرٍ، وذِكْرَى ونسيان، ولو كان الأَمْرُ بمُرَادِي ولم يَكُنْ بِيَدِ غَيْرِي لتشابهت أحوالي، وتناسقت (٢) أعمالي" (٣)، فهذا شأن البشرية فاعلموه. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٩]. أي: "ذات واحدة، وموجود واحد، وأخلاقكم مختلفة، وهِمَمُكم متباينة، وصوركم متفاوتة، ومنازلكم متغايرة، وأطواركم متعاقبة، ومقاصدكم شتَّى متنافرة" (٤). ألا ترى إلى (٥) النطفة وهي ذاتٌ واحدةٌ؛ كيف تَشَكَّلَتْ بأشكال، وتعاقبت عليها أحوال، فبعضُها لَحْمٌ، وبعضها عَصَبٌ، وبعضُها شَعَرٌ، وبعضها ظُفْرٌ، وبعضها عِرْقٌ، وبعضها جِلْدٌ، وبعضها مُخٌّ، وبعضها صُلْبٌ،

стр. 1089

وبعضها رَخْوٌ، كلٌّ بهيئة مخصوصة، وكيفية معلومة، ورُكِّبَ عليها السَّمْعُ والبَصَرُ، وجُعِلَ فيها الفِكْرُ والغَضَبُ، والقدرة والعلم، والشجاعة والجُبْنُ والحقد، والأوصاف التي يَقْصُرُ عنها العَدُّ، وذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وقد بيَّناه في كتاب "أنوار الفجر"، في سِفْرٍ يَحْمِلُه فَرَسٌ، ويُضِيئُ كالقَبَسِ. والنَّفْسُ حيث ما رَدَّدْنَاهُ نُريد به الجُمْلَةَ الآدمية بذاتها وصفاتها، وروحها ونَفْسِها، وجميع ما تشتمل عليه ظاهرًا وباطنًا. وللآدمي ثلاثُ حالاتٍ أخبر الله عنه (١) بثلاثة أخبار: أحدها: أن تكون المعصية شأنَه كلَّه. الثانية: أن يكون مُطِيعًا من وَجْهٍ وفي حال، عاصيًا من وَجْهٍ وفي حال. الثالثة: أن يكون مُطِيعًا في كل حال أو في أكثر الأحوال، بحيث يغلب خيرُه شرَّه، دُنياه وأُخراه (٢). فالنَّفْسُ الأولى (٣): هي الأمَّارة بالسوء. والنفس الثانية: هي اللوَّامة كما قدَّمنا (٤). والثالثة: هي (٥) المطمئنة.

стр. 1090

[منازلُ النفس المطمئنة]: وذلك في ثمانية (١) منازل: المنزلة الأولى: أن تطمئن بالتوحيد حتى لا يلحقها رَيْبٌ. الثانية: أن تطمئن بالذِّكْرِ حتى لا ترى لسواه لذة، ففي الصحيح: "أن النبي ﵇ مشى في بعض أسفاره فعَلَا جَبَلًا فقال: هذا جُمْدَان، سِيرُوا، سَبَقَ المُفَرِّدُون، وهم الذين أُهْتِرُوا (٢) بذِكْرِ الله، يَضَعُ الذِّكْرُ عنهم أوزارهم" (٣). الثالثة: أن يستقرَّ اليقين في قلبه بحيث لا يتطرَّق إليه وسواس؛ وهذا للأنبياء، فإن تطرَّق دَفَعَهُ بالتوحيد؛ وهذا للأولياء، فإن تطرَّق دَفَعَهُ بالمجاهدة؛ وهذا للمؤمنين. قالت الصحابة: "يا رسول الله، إنَّا نَجِدُ في أنفسنا ما أن نَخِرَّ من السماء فتَخَطَّفُنَا الطَّيْرُ أَخَفُ علينا (٤) من ذلك، قال: أَوَ قَدْ وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذلك صريح الإيمان" (٥).
следующие страницы →