← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

بلدك أو سَاكَنَكَ في بيتك لم يُمْكِنْكَ الاحتراسُ منه بحال، ولو تَحَرَّزْتَ لغَلَبَكَ بطُولِ المجاهدة، وقد قال العبَّاسُ بن الأَحْنَفِ أو غيرُه (١): نَفْسِي إلى ما صرَّني داعي … تُكْثِرُ أَسْقَامِي وأَوْجَاعِي لقُلٍّ ما أَبْقَى على ما أرى … يُوشِكُ أن يَنْعَانِيَ النَّاعِي (٢) كَبْفَ احْتِرَاسِي من عَدُوِّي … إذا كان عَدُوِّي بين أَضْلَاعِي فإن جَهِلْتَها فقد تَعَجَّلَ هَلَاكُك، وإن عَلِمْتَها وقَاسَيْتَها فقد طال تَعَبُك، فانظر لِمَا يُخَلِّصُك، فإنه قريب لمن أعانه الله بتوفيقه. رياضةُ النَّفْسِ: ومن الحَقِّ عليك أن تحملها على مَكَارِهِ العبادة طاقةً، حتى تأنس بها فتفعلها طاعةً، فإنَّ التدريب في العبادة والتمرين في الطاعة (٣) سُنَّةٌ قائمة، وسِيرَةٌ شَرْعِيَّةٌ. في الصحيح: عن الرُّبَيِّع بِنْتِ مُعَوِّذِ بن عَفْرَاءَ قالت: "أرسل النبيُّ ﷺ غَدَاةَ عاشوراء إلى قُرَى الأنصار: من أَصْبَحَ مُفْطِرًا فليُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِه، ومن أصبح صائمًا فليَصُمْ، قالت: فكُنَّا نَصُومُه بَعْدُ، ونُصَوِّمُ صِبْيَاننَا، ونجعلُ لهم اللعبة من العِهْنِ، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك حتى يكون عند الإفطار" (٤).

стр. 1087

[أسماءُ النفس وأحوالها]: ولها أَسْمَاءٌ في أحوال، وهذه إشارةٌ إليها: اعلموا -وفَّقكم الله- أنَّ بِنَاءَ "ن ف س" في لسان العرب يَتَصَرَّفُ على مَعَانٍ قد بينَّاها في "الأَمَدِ" (١) وغيرِه. أَصْلُها: أنَّها ذَاتُ الشيء، ورُوحُه، ورَفِيعُه (٢)، ودمُه، ويرتبط بهذه الأربعة غيرُها (٣)، وربَّما رجعت إلى اثنتين (٤)، وقد تكون -كما قدَّمنا- مَمْدُوحَةً، وقد تكون مَذْمُومَةً. وقد عبَّر الله بها عنه فقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٨]. حتَّى قال بعض الغافلين: "إنَّ الأوَّلَ هُوَ الثاني بعَيْنِه". وهو غباوة أو تعسف. وإنَّما معناه: تَعْلَمُ غَيْبِي ولا أَعْلَمُ غَيْبَكَ، وضرَبَ له مَثَلًا ما في نَفْسِ الإنسان، أي: ما في ذاته مَطْوِيًّا، أَلَا تراه كيف بَيَّنَهُ بقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، كما قال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] أي: صفاته؛ لأنها قائمة به، وذلك غضبُه وسَخَطُه، وأفعالُه من نقمته وعقابه، وأُضِيفَ الكُلُّ إلى النَّفْسِ لأنها تقوم به وتَصْدُرُ عنه، كما قال: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي

стр. 1088

أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، أي: يَعْلَمُ غَيْبَكم ويَطَّلِعُ على سرائركم (١)، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٥]. وقد قال: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨]. المعنى: "تَسْلِيمُ الأقدار والأفعال لله بالتَّبَرِّي عن الحَوْلِ والقُوَّةِ، وأنَّ أَمْرَه كُلَّه لله، وتصرفَه بأجمعه بطَوْلِ رَبِّه، ولذلك تختلف عليه الأحوالُ بغير مراده؛ ما بين يُسْر وعُسْرٍ، وذِكْرَى ونسيان، ولو كان الأَمْرُ بمُرَادِي ولم يَكُنْ بِيَدِ غَيْرِي لتشابهت أحوالي، وتناسقت (٢) أعمالي" (٣)، فهذا شأن البشرية فاعلموه. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٩]. أي: "ذات واحدة، وموجود واحد، وأخلاقكم مختلفة، وهِمَمُكم متباينة، وصوركم متفاوتة، ومنازلكم متغايرة، وأطواركم متعاقبة، ومقاصدكم شتَّى متنافرة" (٤). ألا ترى إلى (٥) النطفة وهي ذاتٌ واحدةٌ؛ كيف تَشَكَّلَتْ بأشكال، وتعاقبت عليها أحوال، فبعضُها لَحْمٌ، وبعضها عَصَبٌ، وبعضُها شَعَرٌ، وبعضها ظُفْرٌ، وبعضها عِرْقٌ، وبعضها جِلْدٌ، وبعضها مُخٌّ، وبعضها صُلْبٌ،

стр. 1089

وبعضها رَخْوٌ، كلٌّ بهيئة مخصوصة، وكيفية معلومة، ورُكِّبَ عليها السَّمْعُ والبَصَرُ، وجُعِلَ فيها الفِكْرُ والغَضَبُ، والقدرة والعلم، والشجاعة والجُبْنُ والحقد، والأوصاف التي يَقْصُرُ عنها العَدُّ، وذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وقد بيَّناه في كتاب "أنوار الفجر"، في سِفْرٍ يَحْمِلُه فَرَسٌ، ويُضِيئُ كالقَبَسِ. والنَّفْسُ حيث ما رَدَّدْنَاهُ نُريد به الجُمْلَةَ الآدمية بذاتها وصفاتها، وروحها ونَفْسِها، وجميع ما تشتمل عليه ظاهرًا وباطنًا. وللآدمي ثلاثُ حالاتٍ أخبر الله عنه (١) بثلاثة أخبار: أحدها: أن تكون المعصية شأنَه كلَّه. الثانية: أن يكون مُطِيعًا من وَجْهٍ وفي حال، عاصيًا من وَجْهٍ وفي حال. الثالثة: أن يكون مُطِيعًا في كل حال أو في أكثر الأحوال، بحيث يغلب خيرُه شرَّه، دُنياه وأُخراه (٢). فالنَّفْسُ الأولى (٣): هي الأمَّارة بالسوء. والنفس الثانية: هي اللوَّامة كما قدَّمنا (٤). والثالثة: هي (٥) المطمئنة.

стр. 1090

[منازلُ النفس المطمئنة]: وذلك في ثمانية (١) منازل: المنزلة الأولى: أن تطمئن بالتوحيد حتى لا يلحقها رَيْبٌ. الثانية: أن تطمئن بالذِّكْرِ حتى لا ترى لسواه لذة، ففي الصحيح: "أن النبي ﵇ مشى في بعض أسفاره فعَلَا جَبَلًا فقال: هذا جُمْدَان، سِيرُوا، سَبَقَ المُفَرِّدُون، وهم الذين أُهْتِرُوا (٢) بذِكْرِ الله، يَضَعُ الذِّكْرُ عنهم أوزارهم" (٣). الثالثة: أن يستقرَّ اليقين في قلبه بحيث لا يتطرَّق إليه وسواس؛ وهذا للأنبياء، فإن تطرَّق دَفَعَهُ بالتوحيد؛ وهذا للأولياء، فإن تطرَّق دَفَعَهُ بالمجاهدة؛ وهذا للمؤمنين. قالت الصحابة: "يا رسول الله، إنَّا نَجِدُ في أنفسنا ما أن نَخِرَّ من السماء فتَخَطَّفُنَا الطَّيْرُ أَخَفُ علينا (٤) من ذلك، قال: أَوَ قَدْ وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذلك صريح الإيمان" (٥).

стр. 1091

يعني: مجاهدة دَفْعِه، فجعله الله بفضله صريح الإيمان. الرابعة: الطُّمأنينة بطاعة الله، حتى لا نجري على جوارحه معصية. الخامسة: الطمأنينة بالتوبة، وهذا مُمْكِنٌ للناس في الكبائر، مُتَعَذِّرٌ في الصغائر، إلَّا على الأولياء. السَّادسة: الطمأنينه بالتوبة، حتى لا يبقى للمعصية أَثرٌ في النفس. السَّابعة: الطمأنينة بالبشارة، كقول الصادق: "فلان في الجنة"، وكقوله: "ما من أَحَدٍ يَشْهَدُ أن لا إله إلا الله وأن مُحَمَّدًا رسول الله صِدْقًا من قلبه إلَّا حَرَّمَهُ الله على النار" (١)، وذلك إذا قالها آمِنًا في نفسه، حاضرًا بعقله، وتصديقًا من قلبه. الثامنة (٢): الطمأنينة بالبشارة عند الموت من جِهَةِ المَلَكِ القابض لرُوحِه. ويَترَكَّبُ عليه ما بيَّناه في "قانون التأويل"، فخُذْ منه ورَكِّبْ عليه سائر الأحوال يأتك منه أَمْرٌ عظيمٌ قَوْلًا وعملًا. ولشَرَفِ النَّفْسِ اللَّوَّامَةِ أَقْسَمَ الله تعالى بها في كتابه تعظيمًا لها؛ إذ هي أَكْثَرُ أحوال العبد، قال النبي ﷺ : "لو لم تُذْنِبُوا لجاء الله بقوم يُذنبون فيغفر (٣) لهم" (٤).

стр. 1092

وقال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ٨]، وفيها خَمْسَةُ أقوال (١): الأوَّل: أَلْهَمَهَا طَرِيقَ الخَيْرِ وطَرِيقَ الشَرِّ، وهو قوله في السُّورة التي قبلها: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، ثم قسَّمه فريقين، وخلق فيه مُتعارِضين؛ الشهوة والعقل، ورتَّب عليه عَسْكَرَيْنِ؛ الملائكة والشياطين، وسَلْطَنَ عليهم فِعْلَيْنِ؛ التوفيق والخذلان، ورَدَّدَهُمْ (٢) على كتابين؛ أُمِّ فوق العرش، وبِنْتٍ فوق الفرش، ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، فطوبى لمن خرج في قِسْمِ السعادة وحُسْنُ مآب، ووَيْلٌ للأخيرَين (٣) وسُوءُ العذاب. والأوصافُ والأخلاقُ مكتوبة، والمقادير ماضية (٤)، والأسباب مقدَّرة، وسترون تَرْتِيبَها في بقية الكتاب إن شاء الله. ونَبْذُ (٥) النَّفْسِ عِصْيَانُها فى الشهوات أوَّلًا، ويتركَّب عليه (٦) عِصْيَانُها في المحرَّمات، فمنَ مَلَكَها في الشهوة لم يَخْطُرْ له المُحَرمُ على بال، ومن

стр. 1093

ساعدها في الشهوة وجرى معها عليها سَاوَرَتْهُ وجَرَّتْهُ حتى تُوقِعَه في المحرَّم، فإن الشهوة للمُحَرَّمِ حِمًى وشُبْهَةٌ (١)، والرَّاتِعُ حول الحِمَى يُوشِكُ أن يُوَاقِعَه (٢). والطِبُّ لهذا الداء إذا وقع بالتوبة، والاحتراسُ منه السَّعْيُ في اكتساب الأخلاق (٣) المحمودة والصفات الشريفة، وتطهيرُها عن الرذائل والآفات بالأخلاق الممدوحة، وفي هذا كان النبي ﷺ يدعو فيقول: "ربِّ آتِ نفسي تقواها، وزكِّها أنت خَيْرُ من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها" (٤). ويقول ﵇: "اللهم إنِّي أعوذ بك من شَرِّ نَفْسِي" (٥)، ويُوعِزُ بذلك إلى المؤمنين. ومن فَعَلَ ذلك منكم وحاز ذلك وصار به فهو "الصَّالِحُ"، وتفسيرُ ذلك: أن يكتسب أوَّلًا من هذا صِفَةَ "المُصَلِّي". * * *

стр. 1094

[المُصَلِّي]: وهو الاسمُ السَّادس عشر والصَّلَاةُ مقرونةٌ بالشهادتين، وهي تَأْدِيَةُ الطَّاعَةِ، وجُمْلَةُ العبادة؛ على ما تقدَّم بيانُه. وقد جعلها الله من خصال إسماعيل فقال تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: ٥٥]. ومن دعوة أبيه إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠]. ولا يُوصَفُ بالكفر من تركَ شيئًا من الأعمال الصَّالحة سواها، قال النبي ﷺ : "من تَرَكَ الصلاة كَفَرَ" (١)، "وبين العبد وبين الكفر تَرْكُ الصلاة" (٢). ومَن امتنع مِن أداء الزكاة أُخِذَتْ منه كَرْهًا، ومن امتنع من الوضوء وُضِّئَ، ومن امتنع من الصيام حُبِسَ في بَيْتٍ مُوثَقًا حال وجوب الإمساك، [ومَن امتنع مِن] الصلاة قُتِل (٣).

стр. 1095

وكلُّ عبادة من زكاة (١) وحج وصيام تَسْقُطُ عن العبد بأعذار، وتتبعَّضُ (٢) بأسباب، والصلاةُ ملازمة له فى كل حال؛ قائمًا وقاعدًا، وعلى جَنْبٍ، وراكبًا وماشيًا، وبالإشارة. وقد قال النبي ﷺ (٣): "من فاتته صلاة العصر وُتِرَ أهلَه ومالَه" (٤). وقال ﷺ : "من ترَكَ صلاة العصر حَبِطَ عَمَلُه" (٥). وما رأيتُ فيها رجاءً إلَّا حديث عُبادة، قال: قال النبي ﷺ : "خَمْسُ صلوات كتبهنَّ الله على العباد في اليوم والليلة، من جاء بهنَّ لم يُضَيِّعْ منهن شيئًا استخفافًا بحقِّهن كان له عند الله عَهْدٌ أن يُدخله الجنة، ومن لم يأت بهنَّ فليس له عند الله عَهْدٌ، إن شاء عذَّبه وإن شاء غفر له" (٦). ولا تدخل المشيئة على كافر.

стр. 1096

وقال النبي ﷺ : "لو أنَّ نَهْرًا بباب أحدكم يغتسلُ فيه كلَّ يوم خَمْسًا، هل (١) يُبْقِي (٢) من دَرَنِه شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فذلك مَثَلُ الصلوات الخمس، يمحو الله بهنَّ الخطايا" (٣). وأصاب رَجُلٌ من امرأة قُبْلَةً فأتى النبيَّ ﷺ فأخبره، فأنزل الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، فقال الرجل: "يا رسول الله، أَلِي هذا خاصَّة؟ فقال: بل (٤) لمن عَمِلَ بها من أُمَّتِي" (٥). وقال له رجل: "يا رسول الله (٦)، أَصَبْتُ حَدًّا فأَقِمْ عَلَيَّ، فقال (٧) له: أليس قد صلَّيت معنا؟ قال: نعم، قال: فإنَّ الله قد غفر لك حَدَّكَ" (٨). وقال ابنُ مسعود: "أوَّلُ ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخِرُ ما تفقدون منه الصلاة" (٩).

стр. 1097

وأنا أقول: آخِرُ ما يُفْقَدُ منه الأَمْرُ بالمعروف، ثم التوحيد. وقد اتَّفَقَ الفقهاء على قَتْلِ من ترَكَ الصلاة، وإنما اختلفوا في صِفَةِ قَتْلِه (١). فقال بعضهم: يُقتل بالسيف. وقال أهل العراق: يُقتل بالسَّوْطِ (٢). وقد سئل النبي ﷺ : "أَيُّ الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها" (٣). وثبت عنه أنه قال: "الصلاة لأوَّل وَقْتِها" (٤). وكما أنها أَفْضَلُ الأعمال، كذلك هي في تَرْكِها أَشَدُّ الكبائر (٥). وروى أحمد بن حنبل عن أبي الدرداء: "إني لأَعْلَمُ بشِرَارِكُم من البَيطار بالخيل؛ هم الذين لا يأتون الصلاه إلا دُبْرًا، ولا يسمعون القرآن إلا هُجْرًا، ولا يُعْتَقُ مُحَرَّرُهم (٦) " (٧).

стр. 1098

وقد رُوِيَ في الحديث الحسن: "إنَّ أوَّل ما يُقضى فيه من الحقوق الدِّمَاءُ" (١)، "وأولُ ما ينظر فيه من الأعمال الصلاةُ، فإن جاء بها نُظِرَ في سائر عمله، وإن لم يأت بها لم يُنظر له (٢) في شيء" (٣). وقال ﷺ -في الصحيح-: "تَرَوْنَ ربَّكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تُضَامُونَ في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (٤) [ق: ٣٩] " (٥). [مراعاةُ أوقات الصلاة بالآلة الشمسية]: وقد قال أبو الدرداء: "سبعة في ظل الله يوم القيامة؛ فذكر منهم (٦): ورَجُلٌ يراعي الشمس لمواقيت الصلاة" (٧).

стр. 1099

ويُرِيدُ به: ببَصَرِه، لا بآلَةٍ؛ فإن النَّظَرَ في "الآلَةِ" مُحْدَثٌ، لم يكن قَطُّ في القرون الثلاثة المُثْنَى عليها، فاقذفُوها من قلوبكم قبل أن تَرْمُوا بها من أيديكم، فإن الشيطان لما رأى الناس يزهدون تَدَيُّنًا عن "الإِسْطِرْلَاب" هَجَمَ عليهم في "آلة" سمَّاها "مِيزَانًا"، فاغترَّ الناس بها، ولم يعلموا في أي كِفَّةٍ توصع من (١) الميزان، وما أنزل الله بها من سلطان، ولا كان عليها السَّلَفُ في سائر الأزمان. وكان آخِرُ ما أوصى به النبيُّ ﷺ : "الصلاة، وما ملكت أيمانكم" (٢). [فرائضُ وسُنَنُ وفضائلُ الصلاة]: وهي فريضةٌ، ولها فرائضٌ وسُنَنٌ وفضائلُ في قول العلماء. قال لي ذَانَشْمَنْذ (٣): "إذا صلَّى المرءُ فليأت بهيئة الصلاة المعلومة، وليس يحتاج أن يَنْوِيَ بها فَرْضًا من سُنَّةٍ، ولا يُعَيِّنُه في النيَّه، وإنما ينوي الصَّلَاةَ مُطْلَقًا على هيئتها المعلومة الكاملة". وهذا صحيحٌ؛ لأنه (٤) لا يَخْلُو أن يكون نَظَّارًا أو مُقَلِّدًا، وأيهما كان فليس يَخْلُصُ له عِلْمُ الفَرْضِ منها من النفل إلَّا بعد عناء، لاختلاف الأدلة في ذلك، واختلاف الروايات، فلا النَّظَّارُ يخلصُ له دليل، ولا المُقَلِّدُ تصحُّ له رواية.

стр. 1100

وهذا النَّبِيُّ ﷺ لم يُبَيِّنْ للأعرابي فَرْضًا من سُنَّةٍ، وإنما قال له: "صَلِّ"، وعَلَّمَه مُطْلَقَ الهيئة، فقال له: "كَبِّرْ، واقرأ ما تيسَّر معك من القرآن"، وفي رواية: "فاتحة الكتاب، وما تيسر معك من القرآن"، والأوَّل أصح، "ثم اركع حتى تطمئنَّ راكعًا، ثم ارفع حتى تستويَ قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئنَّ جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا (١)، ثم افعل في صلاتك (٢) كلها ذلك" (٣)، فلَمْ يَسْتَوْفِ له هيئة الصلاة، وقد كان نَزَلَ كَمَالُهَا. ووصَفَ عَشَرَةٌ من أصحاب النبي ﷺ صلاتَه؛ روى محمد بن عمرو بن عطاء (٤) عن أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، قال: سمعته وهو في عشرة من أصحاب النبي ﵇ -أحدُهم أبو قتادة- يقول: "أنا أَعْلَمُكم بصلاة رسول الله ﷺ ، قالوا: ما كنت أَقْدَمَنا له صحبة، ولا أكثرنا له إِتْيَانًا، قال: بلى، قالوا: فاعرض (٥)، فقال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائمًا، ورفع يديه حتى يُحَاذِيَ بهما مَنْكِبَيْهِ، فإذا أراد أن يركع رَفَعَ بَدَيْه حتى يُحاذي بهما منكبيه، فإذا أراد أن يَرْفَعَ رَفَعَ يَدَيْه حتى يحاذي بهما

стр. 1101

منكبيه، ثم قال: الله أكبر، وركع ثم اعتدل، فلم يَصُبَّ رأسَه ولم يُقْنِعْ، ووضع يديه على ركبتيه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ورفع يديه واعتدل حتَّى يرجع كلُّ عَظْمٍ في موضعه مُعْتَدِلًا، ثم أَهْوَى (١) إلى الأرض، ثم قال: الله أكبر، ثم جَافَى عَضُدَيْه عن بطنه، وفَتَخَ أصابع رجليه، ثم ثَنَى رِجْلَه اليُسرى وقَعَدَ عليها، ثم اعتدل حتى يرجع كلُّ عَظْمٍ في موضعه مُعْتَدِلًا، ثم أَهْوَى ساجدًا، ثم قال: الله أكبر، ثم ثَنَى رِجْلَه وقَعَدَ واعتدل حتَّى يَرْجعَ كُلُّ عَظْمٍ فى موضعه، ثم نهض، ثم صنع في الركعة الثانية مثل ذلك، حتى إذا قام من السجدتين كبَّر ورَفَعَ يديه حتى يُحاذي بهما منكبيه؛ كما صنع حين افتتح الصلاة، ثم صنع كذلك حتى كانت الركعة التي تنقضي فيها الصلاة أخَّر رِجْلَه اليسرى وقعد على شِقِّهِ مُتَوَرِّكًا، ثم سَلَّم" (٢). قال الإمام الحافظ أبو بكر (٣) ﵁: فالحديثُ الأوَّل في أَمْرِه، والثاني في فِعْلِه، وليس في واحد منهما استيفاءٌ للفرائض على رأيكم، ومنها فَرْضٌ (٤)، ومنها ما ليس بفَرْضٍ، والخَطْبُ في ذلك مُعْضِلٌ، وما رأيتُ من كَشَفَ هذه الكُرْبَةَ، وقد بيَّنتُها في "شَرْحِ الحَدِيثِ" و"المسائل" (٥).

стр. 1102

والذي أَجْمَعَتْ عليه الأمة في الصَّلَاةِ النِّيَّةُ عند الدخول، دون تكبير وقراءة آية واحدة بالعجمية، والركوع دون الطمأنينة، والسجود كذلك، والخروجُ عن الصلاة بنِيَّةٍ دون سَلَامٍ بأي فِعْلٍ كان ممَّا يضادُّ الصلاة، فلو اقتصر أَحَدٌ على ما أجمعت (١) عليه الأمة في فرائض الصلاة لجاء بصورة لَعِبٍ لا بصورة عبادة، وإذا جاء بما وَصَفَ أبو حُمَيْدٍ جاء بصفة حسنة، وليست (٢) بفَرْضٍ بالإجماع، فلذلك قال: "إنَّ عليه أن يأتي بالصلاة على أكمل الأوصاف، ولا يُعِيِّنَ في نِيَّتِه فَرْضًا من سُنَّةٍ" (٣)، وإنما عليه الاقتداء بالنبي ﵇. فإن قيل: فما يفعل إذا سَهَا؟ قلنا: لم يُبْنَ (٤) الكتابَ لمن سَهَا. يُروى أن أحمد بن حنبل كان يمشي إلى شيبان الراعي (٥) العابد زائرًا، فقال له الشافعي: "يا أبا عبد الله؛ أريد أن أزور معك شيبان، فقال له أحمد بن حنبل: أخاف أن تُكَلِّمَه بما يكْرَهُ، قال: لا (٦)، فتَوَاعَدَا ومَشَيَا إليه، فلمَّا بلغاه أَلْفَيَاهُ قد جعل الغَنَمَ في القِبْلَةِ يَحْرُسُها وهو (٧) يُصَلِّي، فلمَّا سَلَّمَ

стр. 1103

قصداه وسلَّما عليه، وتحدَّثا، فلمَّا أرادَا الانقلاب عنه قال له الشافعي: من نسي سجدة من صلاته لا يدري من أي ركعة هي؟ قال له شيبان: ولمَ نَسِيَ؟ هذا قَلْبٌ غَافِلٌ عن الله، فكَرِهَ أحمدُ مقالته، وقال له: قد كنتُ نَهَيْتُك عن هذا" (١). فلهذا (٢) لم نَبْنِ (٣) هذا (٤) الكتاب على هذا الباب. صلاةُ الجماعة: والجماعة معنى الدين، وشعارُ الإسلام، وهي فرض كفاية، وليست من فرائض الأعيان، ولو لم يكن فيها إلَّا تَضْعِيفُ الأجر أو الدرجات؛ من عَشْرٍ، إلى خَمْسٍ وعشرين درجة، إلى سَبْع وعشرين جُزْءًا. ولو تركها أَهْلُ مِصْرٍ قُوتِلُوا، أو أَهْلُ حَارَةٍ أُجْبِرُوا (٥) عليها وأُكْرِهُوا. وقد تطرق الخَلَلُ إليها اليوم بفساد الناس وفساد الأئمة، فأمَّا عامةُ الناس فلا يُمَكَّنُوا من التَّخَلُّفِ عنها، ولا حُجَّةَ لهم في إمامهم أن يكون غير رِضًى (٦) عندهم، فإنه مِثْلُهم، وإنما يَطْلُبُ الأَفْضَلَ الأَفْضَلُ، وانَّما يكون

стр. 1104

إمامُك مِثْلَك، وتقول: "لا أصلي خلفه"، فلا تُصَلِّ أنت إذًا، فإنَّ ما يَقْدَحُ في صلاتك يَقْدَحُ في صلاته، وما تَصِحُّ به صلاتُه تَصِحُّ به صلاتُك. [إمامةُ الفاسق]: ومسألةُ إمامة الفاسق ذَهَبَتْ بما فيها لعُموم هذه الصفة، ولو لم يتقدَّم اليوم للإمامة إلَّا عَدْلٌ؛ ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾. "والصَّلَاةُ أَحْسَنُ ما يَفْعَلُ الناس، فإذا أَحْسَنُوا فاَحْسِنْ معهم، وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم" (١)، إلَّا أن يَجُوزَ الرَّجُلُ مَرْتَبَتَه، وتَشْتَهِرَ للعَالِمِ منزلتُه، ويتخلَّف عن المسجد، فيَذْكُرُ عُذْرًا أو لا يذكره، فيُقْبَلُ ذلك منه ويُخَلَّى (٢)، كما فَعَلَ مَالِكٌ وغيرُه من العلماء. وقد قال عثمان بن أبي العاص: "لولا الجُمُعَةُ وصلاةُ الجماعة لبَنَيْتُ في أعلى داري هذه بَيْتًا، فلم أخرج منه حتى أخرج إلى قبري" (٣). فإن خاف فساد حاله ترَكَ ذلك كلَّه؛ ودَخَلَ في سِرْبٍ، وعَضَّ على أَصْلِ شجرة.

стр. 1105

وروى البخاري -في كتاب الصلاة- عن أبي هريرة قال: "يُصَلُّونَ لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم" (١). [الرفعُ قبل الإمام]: وأشدُّ ما على الناس (٢) في (٣) القدوة أنهم يضعون قبل الإمام ويرفعون استعجالًا؛ لأن نواصيهم بيد شيطان (٤)، وهلَّا نفكروا في أنهم لا يُسَلِّمُون قبله، وينبغي لهم أن لا يضعوا رؤوسهم للركوع حتى يَرَوْهُ راكعًا مطمئنًا، فإن لم. يكونوا بحيث يَرَوْنَه فحتَّى يُتِمَّ (٥) تكبيره، وكذلك لا يرفعوا حتى يُتِمَّ تكبيره، ولا يُكَبِّروا للإحرام حتى يُتِمَّ تكبيره، ولا يُسَلِّمُوا حتى يُتِمَّ تسليمه. وفي صحيح الحديث: "أمَا يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يُحَوِّلَ الله صُورَتَه صُورَةَ حِمَارٍ؟ " (٦). قال علماؤنا: يعني به: "صورة الحمار الباطنة من البلادة" (٧).

стр. 1106

ولا بَلَادَةَ أَعْظَمُ من أن يَرْبِطَ معه نِيَّةَ الاقتداء به ثم يُلْزِمُ نفسه ألَّا يَعْقِدَ (١) الصلاة قبله، ثم يخالفه ويَحُلُّ (٢) ما رَبَطَ من الاقتداء به. وفيه: "أن أَحَدًا منَّا ما كان يَحْنِي ظهره حتى يَسْتَتِمَّ النبي ﷺ ساجدًا، ثم نقعُ سُجُودًا بعده" (٣). صِفَةُ النِيَّةِ: بَعَثَ الله مُحَمَّدًا ﷺ بالحنِيفيَّة (٤) السَّمحة فقال: "صلُّوا الظهر والعصر، وكذا وكذا"، فهو الذي يفتقر المرء إليه. وقال بعضهم -مُتَنَطِّعًا-: "يَنْوِي فَرْضَ الوَقْتِ" (٥). وهذا إنما هو لمن كانت عليه صلاةٌ (٦) مَنْسِيَّةٌ فهو يَقْضِيها، فيفتقرُ إلى التمييز. وتنطَّع بعضهم فقال: "أقولُها بلساني" (٧).

стр. 1107

وليستْ حينئذ بنِيَّةٍ (١)، ولم يُشْرَعْ عندنا افتتاحُ قَوْلٍ قبل النية. وبعد التكبير؛ اختلف الناس فيما يُقال ويُقرأ. وجاء بعضهم بالدَّرْدَبِيسِ (٢) فقال: "يُجَرِّدُ الإيمان، ويُحْضِرُ التَّوْحِيدَ" (٣). وهذا باطلٌ قَطْعًا، فإن هذا يَلْزَمُ في كُلِّ فِعْل طَاعَةٍ أو تَرْك، ولا يمكن هذا، فلم يَبْقَ إلَّا أنَّ حُكْمَ الإيمان عليه مُسْتَرْسِلٌ، وتكفي نِيَّةُ القُرْبَةِ للآمِرِ بها، أو نِيَّةُ التَّرْكِ للنَّاهِي عنه، وقد قال تعالى لنبيِّه ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٤ - ١٦٥]، فليس على العبد أكثر من ذلك. [نَقْدُ قول ابن رشد في تقديم النية على التكبير]: وتَعَدَّى حَدَّه من ليس من أهل الفِقْهِ فقال: "يجوز تقديمُها قبل التكبير" (٤)، حَمْلًا على مسألة في الطهارة -ليس لها أَصْلٌ في الرواية- في الحمَّام والنَّهْرِ، ولو صَحَّتْ لَمَا حُمِلَ أَصْلٌ متفق عليه؛ وهو النية في الصلاة، على فَرْع مُخْتَلَفٍ فيه؛ وهو النية في الوضوء، فهذا عَكْسُ الإسلام، وقَلْبُ الأدلة، ولا يَفْعَلُ هذا إلَّا منكوس القَلْبِ (٥).

стр. 1108

صِفَةُ القراءة: يَقْرَأُ الإمامُ والفَذُّ بغير خلاف، وأمَّا المأموم فيما جَهَرَ فيه الإمامُ فلا (١) يَحِلُّ له أن يَقْرَأَ؛ لأنَّ فَرْضَه الاستماعُ والإنصاتُ. وأمَّا الذي يُسِرُّ فيه الإهام أَوْ لَا يَسْمَعُه المأموم (٢) فليقرأ فيه ضرورةً، فإن لم يَقْرَأْ بَطَلَتْ صَلَاتُه عندي، ولا يقرأ إلَّا بقلبه، فإن قَرَأَ بلسانه وقَلْبُه ذاهلٌ لم تُكْتَبْ (٣) له، ولا أَقْبَلَ الله عليه؛ لأنه يُعْرِضُ عنه، ومن أَعْرَضَ أَعْرَضَ الله عنه. قال النبي ﷺ -في صحيح (٤) الصحيح-: قال الله تعالى: "قَسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي نِصْفَيْنِ؛ فنِصْفُها لي ونصفُها لعبدي، ولعَبْدِي ما سأل، قال رسول الله ﷺ : اقرأوا، بقول العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يقول الله: حَمِدَنِي عَبْدِي، يقول العبد: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يقول الله: أثنى عَلَيَّ عَبْدِي، يقول العبد: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، يقول الله: مَجَّدَنِي عبدي، يقول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فهذه الآيةُ بَيْنِي وبين عبدي، ولعَبْدِي ما سأل، يقول العبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، وقرأ إلى آخرها، فهؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل" (٥).

стр. 1109

وهذا إنَّما يكونُ لسالم القَلْبِ حَاضِرِ النِّيَّةِ، فهو الذي يَتَّصِفُ بأنه حَمِدَ ومَجَّدَ وأَثْنَى، ولذلك قال النبي ﷺ : "أمَا يخشى الذي يَرْفَعُ رأسه إلى السماء في الصلاة أن يُخْطَفَ بصرُه" (١)، وذلك أن النبي ﵇ أخبر "أن الله تعالى تِلْقَاءَ وجهه" (٢)، فإذا صار الربُّ في قِبْلَتِه، وكان -كما صَحَّ- تِلْقَاءَ وَجْهِه، فكيف يرفع بصره إلى غيره (٣)؟ والسماءُ قِبْلَةٌ للدعاء، والكعبة قِبْلَةٌ للصلاة، والله فيهما جميعًا؛ تعظيمًا وعِلْمًا، وليس فيهما إحاطةً ومكانًا (٤). وليَعْلَمْ أنه قائمٌ بين يَدَيِ الله، وهو عليه مقبل (٥)، فلا يلتفت ولا يعبث، وليُقْبِلْ عليه بقلبه، فإنَّ النية تُحَرِّمُ الكلام والأفعال والأقوال، إلَّا فيما (٦) كان من (٧) الصلاة في اليَسِيرِ؛ ضَرُورَةَ البشرية، ونَفْيًا للحرج عن الأمة في هذه المِلَّةِ. فإذا ركع فليُمَكِّنْ يَدَيْه، وليَهْصِرْ ظهره، ولا يَرْفَعُ رأسه ولا يَخْفِضُه، وإنما يكون نِصْفُه الأسفلُ قائمًا، ونصفُه الأعلى نائمًا مُعْتَدِلَ النَّوْمِ؛ بحيث

стр. 1110

لو جُعِلَ على ظهره كُوزُ مَاءٍ لم يَنْكَفِ منه شَيْءٌ، ثم يَفْعَلُ كما في حديث النبي ﷺ آمِرًا وفَاعِلًا (١)، وكلُّ فِعْلٍ منها بخشوع وملاطفة وتَمَلُّقٍ، حتى إذا سَجَدَ عَلِمَ أنه أَقْرَبُ ما يكون من رَبِّه، فليُكْثِرْ من تعظيمه ومسألته، ولا يَنْقُرُ أَرْبَعًا، لا يَذْكُرُ الله فيها إلَّا قَلِيلًا، وإذا (٢) ركع قال: "سبحان الله العظيم (٣) وبحمده"، ثلاثًا، فإذا رفع رأسه من الركوع قال: "ربَّنا ولك الحمد حَمْدًا كثيرًا طَيِّبًا مباركًا فيه"، فإذا سجد قال: "سبحان ربي الأعلى"، ثلاثًا، فإذا رفع رأسه من السجود (٤) قال بين السَّجدتين: "اللهم اغفر لي، وارحمني، وارزقني"، ولا يُخْلِي (٥) هذه الأحوال من (٦) ذِكْرِ الله؛ فإنها أجسادٌ، والذِّكْرُ فيها أَرْوَاحُها، وفي ذلك آثارٍ (٧) كثيرةٌ صِحَاحٌ، اطلبوها واذكرُوا ما أمكنكم منها. ويُبَكِّرُ في أوَّل الوقت بها، فإن أفضل الأعمال الصلاة لأوَّل وَقْتِها، والتأخيرُ جائز، ولكن إن مات عصَّاه (٨) قَوْمٌ وأثَّمُوه، وفَاتَهُ عند الآخرين ما لا يَنْجَبِرُ له أبدًا. وقد قال عمر ﵁: "لا حَظَّ في الإسلام لمن تَرَكَ الصلاة" (٩).

стр. 1111

وقال: "من حفظها"؛ يعني: في نفسها، "وحافظ عليها" (١)؛ يريد: دَاوَمَ عليها. ولا يأتي بها صُورَةً بلا رُوحِ؛ فإنَّ المقصود بها إِصْلَاحُ الباطن وتَمْرِينُ الأعضاء في الظاهر؛ باكتساب الذِّلَّةِ، والاعتراف بالعِزِّة (٢) للعَلِيِّ المُتَعَالِي، فلا يستقبلُ القِبْلَةَ بجسده، ويستقبل بقَلْبِه المعاصي أو الدنيا؛ فيتناقض ظاهرُه وباطنُه، فيكون نوعا من النفاق، أو إعراضًا (٣) محضًا عن الله وإقبالًا على غيره، كما قال بعضُ البَطَّالِين (٤): أراني إذا صَلَّيْتُ يَمَّمْتُ نحوها … بوَجْهِي وإن كان المُصَلِّى وَرَائِيَا ووالله ما أَدْرِي إذا ما قَضَيْتُها … اثنتين صَلَّيْتُ الضُّحَى أم ثَمَانِيَا وهذه حالُ الناس مع دنياهم في عبادتهم اليوم، إلا أن الرجل قد يَتَدَبَّرُ ما يقرأ أو يَعْرِضُ له ذِكْرٌ من أَمْرِ الأُخْرَى (٥) فيَلْحَقُه سَهْوٌ، وهذا عند الله عَفْوٌ، ولا يقدر على حَبْسِ القلب على فِعْلِ الصلاة إلَّا صَابِرٌ، كما لا يقدرُ على الدخول فيها إلَّا صَابِر، ولأَجْلِ هذا قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا

стр. 1112

بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٤]، وقد قال النبي ﷺ : "إن المصلي يناجي ربه" (١)، وما تجلَّى الله لشيء إلَّا خَشَعَ له، إلَّا قلب الغافل. ومن حِفْظِ الصَّلَاةِ أن تدخل فيها بالهَيْبَةِ (٢) وبالتعظيم، وتقوم فيها بحالة الأدب. ونَعْتُ الخشوع تَفْرِيغُ القلب لها، ولذلك قال الله -إذ كانت الخمرُ حَلَالًا-: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، لأنه يَفُوتُ معه (٣) رُوحُ الصلاة؛ من حضورِ النيَّه، وفَهْمِ القراءة، ولُزُومِ الخُشُوعِ، وتحقيقِ قَصْدِ القُرْبَةِ. قال الحَارِثُ وأصحابُه: "وسُكْرُ الغَفْلَةِ أَشَدُّ من سُكْرِ الخَمْرَةِ (٤) إذا استولى حُبُّ الدنيا على النفس، وتراكمت شُغُوبُها (٥) على القَلْبِ؛ لأن سُكْرَ الخَمْرِ منه إِفَاقَةٌ، وهذه لا إفاقةَ منها (٦) ". طهارةُ الصلاة: وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٧]، فَأَمَرَ بالطهارة للصَّلاة.

стр. 1113

وقال علماؤنا: "إن طهارة العلانية هذه الآية، وطهارةُ السرائر مشروعةٌ مثلُها وآكَدُ (١) " (٢). وكما أن طهارة الأبدان الماءُ، فكذلك طهارة السرائر التقوى، فإن فاتت فالتوبة، وما جُعِلَتْ هذه (٣) الطهارة في هذه الأعضاء إلَّا أنها مَحَلُّ الخطايا، فإذا قَارَفتهَا طَهَّرَها الماءُ بالنيَّة؛ فنَظَّفَها عن الذي ترَحَّضَتْ (٤) به، وغسلها ممَّا توسَّخت منه، ولو لم تكن نيَّة ما كانت طهارة، ولا وقعت كفَّارة، وإن لم تجد ذلك وَقَعَتْ دَرَجَاتٍ وقُرْبَةً. قالوا (٥): وكما عليك غَسْل وجهك إذا أردت استقبال الله به فاغْسِلْهُ بالنية عن بَذْلِه للأَشْكَالِ المحتاجين مثلك؛ الذين لا يقدرون على شيء لك إلَّا به (٦)، وأَقْبِلْ بوجهك الذي هو القَصْدُ إلى الله وحده دون مَزْجِه بغيره، فإنه قد أَقْبَلَ عليك، واغْسِلْ يديك عن ملامسة الحرام، حتى ترفعهما إلى الله طاهرتين عن نَتْنِ (٧) الآثام، وأنت (٨) تَسْتَعْظِمُ وتَسْتَنْكِفُ عن رَفْعِهما (٩) إليه مملوءتين نَتْنًا، وما تَنَاوَلْتَ بهما وجَمَعْتَ فيهما أَنْتَنُ ممَّا اسْتَنْتَنْتَ،

стр. 1114

وكما تَطْهُرُ الرَّأْسُ عن قَتَرَةٍ (١) تَعْلَقُ (٢) به، فتطهيرُه عمَّا في باطنك من نَخْوَةِ كِبْرٍ (٣)، وعَجْرَفِيَّةِ عُجْبٍ، أو تَوَاضُع لمَلِكٍ، أو لغَنِيٍّ، أو لظالم، أو في غَرَضٍ من الدنيا أوكد عليك (٤)؛ فإنَّ الله قد شَرَّفه وشرَّفك به، فلا يكونُ لك عَمَلٌ إلَّا طاعةَ من شَرَّفكُما، وأنَّ الله أَمَرَكَ بغَسْلِ الرجلين، وهُما بَرِيدَاكَ، فصُنْهُما عن النَّقْلِ فيما لا يَحِلُّ لك. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٧]، فأَوْجَبَ غَسْلَ جميع البدن، فطَهِّرْ أنت سِرَّكَ كلَّه عن عُمُومِهِ بالمُحَرَّمَاتِ، أو عِمَارَتِه بالبطالات، أو انسيابه في أَوْدِيَةِ الغَفَلَاتِ. وكما إذا لم يَجِدِ المُتَطَهِّرُ (٥) الماءَ وأُعْطِيَ التراب بَدَلًا منه، فكذلك إذا لم يَجِدِ المُكِبُّ على المعاصي مُحَمَّدًا يَسْتَغْفِرُ له فَلْيَلْجَأْ إلى استغفار الله، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]، أو يستعين بإشارات الصَّالحين، وسيرة (٦) العلماء الراسخين، فلن يَعْدَمَ من عندهم تَسْدِيدًا، ولن (٧) يَفْقدَ من لدنهم مَزِيدًا إن كان مُرِيدًا (٨).

стр. 1115

أخبرني أبو بكر الصوفي (١) -شيخي الأوَّل- قال (٢): "جاءني رجلٌ فقال لي: إنه لم يَبْقَ ذَنْبٌ في الدنيا إلَّا ارتكبته، ولا معصية إلا أتيتُها، ولا كبيرة إلا تلبَّست بها، فماذا ترى لي؟ قال: ورأيتُ في وجهه سُفْعَةَ إصرار، وبَشَرَةَ تَمَادٍ واستمرار، فقلت له: يا هذا، وهلَّا أَبْقَيْتَ للصُّلْحِ مَوْضِعًا، فبَدَرَنِي بالجواب قبل أن أُتِمَّ الكلام، وقال لي: وأَيُّ مَوْضِعٍ للصُّلْحِ أَعْظَمُ مِنْ أنَّ (٣) وَجْهِي لم يَسْجُدْ قَطُّ لسواه، ولا مَرَّغْتُه في التراب لغيره، فهالني قولُه، وأعجبني لُبُّه (٤)، وقلت له: أرجو لك الخير، والتَّوْبَةُ تَمْحُو جميع ما ذكرتَ، ولا يَتَعَاظَمُ معها ذنبٌ ممَّا وَصَفْتَ". وقال (٥) شيوخُ نيسابور: "إذا عَدِمَ المُريد صحة الإرادة فليُقْبِلْ على وظائف العبادة، فإن جوارحه إذا تمرَّنت بها سَكَنَ قلبُه إليها، فاستنار له ما كان أَظْلَمَ، وانشرح ما أُبْهِمَ عليه واسْتَعْجَمَ، فهي شِفَاءُ العليل (٦)، وأُنْسُ المُسْتَوْحِشِ (٧) ". كان النبي ﷺ يقول: "يا بلال، أَرِحْنَا بالصلاة" (٨)، فأخبر أنه ما كان

стр. 1116

يَجِدُ راحةً إلَّا فيها، ولم لا؟ وهي مناجاةُ المولى بأسرار البلاء والابتلاء، وهي غايةُ لَذَّةِ الآدَمِيِّينَ، ومُنْتَهَى أُمْنِيَةِ الطَّالبِينَ. وإيَّاها عَنَى بَعْضُ البَطَّالِينَ حين قال (١): وإني لأَسْتَغْشِي وما بيَ نَعْسَةٌ … لعلَّ خَيَالاً مِنْكِ يَلْقَى خَيَالِيَا وأَخْرُجُ من بين الجُلُوسِ لعلَّني (٢) … أُحَدِّثُ عَنْكِ النَّفسَ باللَّيْلِ (٣) خاليَا (٤) أخبرني أبو بكر النَّجِيب بن الأسعد (٥) الصُّوفِي (٦)، قال (٧): أخبرنا (٨)

стр. 1117

أبو عبد الله الرُّصَافِي الصُّوفِي (١): أخبرنا (٢) علي بن سعيد (٣): أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الوارث قال: "رأيتُ يحيى بن مالك بن عائذ (٤) - وهو شيخٌ كبيرٌ - يُهَادَى إلى المسجد، وقد دخل والصلاة تُقام، قال: فسمعته يُنْشِدُ بأعلى صوته: يا ربُّ لا تَسْلُبْنِي حُبَّها أبدًا … ويَرْحَمُ الله عبدًا قال آمينَا (٥) قال: فلم أَشُكَّ أنه يريد (٦) الصلاة" (٧). قال علماؤنا: وهذا كلُّه إنما يريد الله به تَطْهِيرَنَا، وإنَّما يَرْجِعُ إلى منفعتنا؛ فإن الباري تعالى مُقَدَّسٌ أن يرجع إليه نَفْعٌ أو يَنَالَه مِنَّا خَيْرٌ، فيُطَهِّرُ أبداننا عن الأقذار ليجعل ذلك عُنْوَانًا لنا، لنُطَهِّرَ عن المعاصي ظَوَاهِرَنا، وعن الرذائل قُلُوبَنا، وعن الغفلات سَرَائِرَنا، ونُطَهِّرَ نِيَّاتِنَا عن التَّعَلُّقِ بالأمثال، وآمَالَنَا عن الإِكْبَابِ عليها في مُتَعَلَّقَاتِ الدنيا والاشتغال بها، ونُطَهِّرَ (٨) عقائدنا عن تَوَهُّمِه أو اتِّهَامِه (٩).

стр. 1118

قال تعالى: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١٧]، لإِتْمَامِ (١) النِّعْمَةِ وُجُوهٌ لا تُحْصَى (٢): فمنها (٣): التيسير للاعتمال بها. ومنها: التمادي فيها. ومنها: المحافظة عليها. ومنها: القَبُولُ لها. ومنها: الإعتصام بها. فإنَّ المصلي في ذمة الله، وذِمَّةُ الله لا تُخفَرُ، ولذلك ينبغي للعبد عَقْدُها حتى تشتد مرابطها، وتستحكم معاقدها، فلا يكون للشيطان مَدْخَلٌ إليها، ولا لسُوءِ (٤) المقدار عَمَلٌ فيها، وهذا معنى قوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾؛ حيث وَقَعَ. أي: لَازِمُوا وأديموا (٥) مناجاتي فيها، ولا تُخِلُّوا بشَرْطٍ، ولا تَلبَّسُوا بسُوءَ أدب، وما تكرهونه فلا تأتونه. أخبرنا الشيخ (٦) أبو الحُسَين (٧) الأَزْدِي (٨): أخبرنا الحسن بن

стр. 1119

علي (١): أخبرنا ابنُ حمدان: أخبرنا عبد الله بن حنبل عن أبيه أحمد (٢): حدَّثنا عمر بن أيوب: أخبرنا جعفر عن (٣) ميمون قال: "إنَّ (٤) حذيفة وسلمان نَزَلَا على قِبْطِيَّة، فلمَّا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ قالا: أَهَاهُنا (٥) مكانٌ طاهر يُصَلَّى (٦) فيه؟ قالت: طَهِّرْ قلبك، قال أحدُهما للآخر: خُذْهَا كَلِمَةَ حِكْمَةٍ من قَلْبٍ كَافِرٍ، وقال لها سلمانُ: فَقُهْتِ" (٧). زِينَةُ (٨) الصَّلاة: ولقد أَمَرَ الله تعالى بالسُّتْرَةِ فيها، لما (٩) يَقْبُحُ مطالعته من المنظرة (١٠) إلى العورة، ومَنَّ بها على الخليقة فقال: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٥]، فقَبَّحَها لنا، وأمرنا (١١) بسَتْرِها بلِبَاسٍ هَيَّأَ (١٢) مَنَافِعَه، وأَلْهَمَ استعماله.

стр. 1120

ثم قال: وثوب التقوى- لاتخاذ (١) الوقاية به من الذنوب- خَيْرٌ؛ فإن لباس الدنيا يَقِي من آفاتها، ولباس التقوى يَقِي من آفات الدنيا والآخرة (٢). وزِينَةُ المسجد الذي جُعِلَ عبارة عن الصلاة في الظاهر مَنْعُ الجاهلية من كَشْفِ العورة عند الطواف بالبيت. وإذا كان العبدُ طائعًا لمولاه دائمًا، وطالبًا لجدواه مستمرًّا؛ فليتزيَّنْ باللِّبْسَةِ المُعَدَّةِ لذلك، وهي حُلَّةُ التقوى، وصيانة النَّجْوَى، والخروجُ إلى الحقيقة عن الدَّعْوَى. مَزِيدُ فَضْلٍ: ومن كَرَم المَوْلَى أنه ضَرَبَ لعباده ميقاتًا لمناجاته في مُعْظَم الأوقات إلَّا في ثلاثة؛ عند وقوف الشمس في كَبِدِ السماء، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب. وقد شرَّف موسى بأن ضَرَبَ له ميقاتًا للمناجاة، وواعده للملاقاة، وشرَّف مُوسَى بالمكاشفة (٣)؛ وأنت- أيُّها العَبْدُ- مُخَاطَبٌ أيضًا ومُكَلَّمٌ، ولكن سَتَسْمَعُه في ميعادك (٤) وميقاتك في الجنَّة. موعظة: واعلموا- معشر المريدين- أن الصلاة إن لم تكن بالقَلْبِ وتُقَامُ بالجهر والسِّرِّ (٥) كانت مردودةً على صاحبها، فإنَّها ناقصةٌ في ذاتها، ولو

стр. 1121

نَقَصَ شَرْطٌ من شروطها لكانت ناقضةً (١)، فكيف إذا ذهب روحها؟ ولو أن عَبْدَكَ يَخْدُمُكَ وقلبُه مع غيرك لاستحق عندك العقوبة، أَوْ لاسْتَوْجَبَ الخَيْبَةَ. وقد دعاك ربُّك إلى استغراق أوقاتك في عباداته (٢) فقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤]، فإن إِخْلَاءَ لَحْظَةٍ من الزمان دون خِدْمَةٍ حَسْرَةٌ ونِقْمَةٌ. وأنتَ- أيُّها العبدُ- تستكثر أو تستعظم أن تسجد أو تُمْضِي أوقاتَك كلَّها معمورة بالسجود له، وله ﴿يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥]، وأَنْتَ إذا سجدت طَوْعًا فقد حُزْتَ المرتبة العليا، والذي يسجدُ كَرْهًا عند حلول البلاء به خاصَّةً هو الكافر. فأنتَ تَجَنَّبْ أن تسجد تَقِيَّةً لشيء، أو اجتلابًا لشيء، وإنَّما تكون طاعةَّ وَقُرْبَةً، ويكون سجودُك بقلبك قبل جِسْمِك، وبقَصْدِك قبل وجهك، وذلك بعد تَحَقُّقِكَ أنه هو (٣) الذي يَخْلُقُ سجودك وركوعك، وقَصْدَكَ ونِيَّتَكَ، وجميع أحوالك وصفاتك، فهذه عَقِيدَةُ الأَبِ الأكرم، وخَيْرِ البَرِيَّةِ المُعَظَّمِ، إِبْرَاهِيمَ المُقَدَّمِ، حيث قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٢]، فسأله أن يَخْلُقَ له أفعال الصلاة، إذ الجَعْلُ: الخَلْقُ، وهو سبحانه خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، والأعمال التي تَقُومُ بأبدان العباد منها، وهذا دَلِيلٌ عظيمٌ (٤) في الردِّ على القَدَرِيَّةِ في دعواهم أن الله لا يَخْلُقُ أعمال

стр. 1122

العباد، وهم الذين يخلقونها، تعالى الله عن (١) أن يَشِذَّ شَيْءٌ عن عِلْمِه (٢) وقُدْرَتِه (٣). وأَنْتَ تُناجيه وهو قِبَل وَجْهِك فلا تُعرض عنه، ولا تلتفت إلى سواه؛ فإن ذلك اختلاسٌ يَخْتَلِسُه الشيطانُ من صلاتك (٤)، وكان النبي ﷺ لا يلتفت؛ لا في الصلاة ولا في غيرها، وكذلك كان أبو بَكْرٍ لا يلتفت في الصلاة (٥). وروى البخاري عن أبي هريرة قال: "خرج النبي ﷺ لحاجته وكان لا يلتفت (٦) " (٧)، وقد تقدَّمت وَصِيَّةُ يحيى (٨) ﵇ عن الله: "بأن لا تلتفتوا في الصلاة" (٩).

стр. 1123

الاستراحةُ إلى الصلاة من أنكاد الدنيا وشُغُوبِها: ولقد قال الله تعالى لنَبِيِّه وصَفِيِّه ﵇: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [الحجر: ٨٨]، فقد آتيناك من القرآن ما هو خَيْرٌ (١) منهم، حتى قال بعض المُتَزَهِّدَةِ (٢): "إن الله قَبَضَ بَصَرَ مُحَمَّدٍ عن الخَلْقِ، وأَرْسَلَ بَصَرَ موسى إلى الجبل". وهذا تقصير؛ إنما أرسل الله بَصَرَ موسى على الجبل دِلَالَةً وعِبْرَةً، وقال لرسوله ﵇: ولا تحزن على ما فاتك منهم من إِقْبَالٍ عليك، وأَعْلِمْهُم بأنك (٣) نَذِيرٌ بعذاب ينزلُ بهم كنزوله بمن تَقَاسَمَ من قَوْمِ صَالِحِ، وبمن قسَّم كتابنا إليك؛ فآمَنَ ببعضه وكَفَرَ ببعضه، واصْدَعْ بما تؤمر، وأعرض عمَّن لا يَقْبَلُ، فقد كفيناك من يستهزئ بك، ونحن عالمون بضِيقِ صَدْرِك بقولهم، فإن آذَوْكَ بالكلام القبيح فأَسْمِعْنا نَحْنُ مِنْكَ الكَلَامَ الحَسَنَ، ونَاجِنَا في سجودك، فذلك سَلْوَةٌ لك. لمَّا عَلِمَ الله من استغراق قَلْبِ مُحَمَّدٍ وعِلْمِه، بأنه قد أَقْبَلَ عليه ولم يَبْقَ في قلبه مَحَلُّ لغيره، قال الله له: قِفْ (٤) في هذا المقام واستمر على العبادة، فسيأتيك يَقِينُ ما عندك عِلْمُه، أو يقِينُ ما أخبرناهم به، فيأتيهم يقينُهم على شَكٍّ، ويأتي يَقِينُ النبي ﷺ على يَقِينٍ سَابِقٍ يَرْدِفُ يَقِينَ مُشَاهَدَةٍ على يَقِينِ تَصْدِيقٍ، وكذلك قال له: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩].

стр. 1124

فإذا عَمَّتْ عبادتُك جميع الأوقات أَحْلَلْنَاكَ عندنا بأعلى الدرجات، فينبغي لكُلِّ من نزل به مَكْرُوهٌ، أو ضاق صَدْرُه بأَمْرٍ أن يلجأ إلى الصلاة؛ فإنها رَاحَةُ الفؤاد، ورَأْسُ الاعتماد. وقال الله تعالى لموسى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٣]. قيل: "لتَذْكُرَني فيها وأذكرك بها" (١). وقيل: "عند خَلْقِ الذِّكْرِ لك بها" (٢). والكلُّ صحيح. فالأوَّل: شَرَفٌ. والثاني: شَرْطٌ. وشَرَفُ الشيء بشَرْطِه، وبذلك يُدْرَكُ الفوزُ والنجاة، ويَحْصُلُ الفلاح والمُلْكُ، كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]، فتستوي في الشرف سرائرُهم وعلانيتُهم، وتخشعُ بواطنُهم بخُشُوعِ (٣) ظواهرهم. كان النبيُّ ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي؛ يتأوَّل القرآن" (٤)، ويُكْثِرُ من ذلك.

стр. 1125

وإنما يكون خاشعًا إذا كان قلبُه حاضرًا، ولسانُه ذاكرًا، فإن الصلاة جَسَدٌ ورُوحٌ ومَحَاسِنٌ، فجسدُها الأفعال، وروحُها الخشوع والإخلاص، ومحاسنُها الذِّكْرُ. كان النبيُّ ﷺ إذا كَبَّرَ يقول: " ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٨٠]، ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٤ - ١٦٥] " (١)، فإذا قالها أحدُكم فليَقُلْ: "وأنا من المسلمين" (٢). ويقرأ (٣) فاتحة (٤) الكتاب وسورة، وإذا مرَّ بآية رحمة سأل، وإذا مرَّ بآية عذاب استعاذ، فإذا ركع لم يقرأ، ولكنه إن شاء سبَّح، وإن شاء قال ما رُوِيَ قَبْلُ، وإذا سبَّح فليَقُلْ كما (٥) ثَبَتَ عن النبي ﷺ : "سبحان ربي العظيم وبحمده" (٦)؛ ثلاث مرات، وقد تمَّ رُكُوعُه، وذلك أدناه.
следующие страницы →