← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

نَقَصَ شَرْطٌ من شروطها لكانت ناقضةً (١)، فكيف إذا ذهب روحها؟ ولو أن عَبْدَكَ يَخْدُمُكَ وقلبُه مع غيرك لاستحق عندك العقوبة، أَوْ لاسْتَوْجَبَ الخَيْبَةَ. وقد دعاك ربُّك إلى استغراق أوقاتك في عباداته (٢) فقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤]، فإن إِخْلَاءَ لَحْظَةٍ من الزمان دون خِدْمَةٍ حَسْرَةٌ ونِقْمَةٌ. وأنتَ- أيُّها العبدُ- تستكثر أو تستعظم أن تسجد أو تُمْضِي أوقاتَك كلَّها معمورة بالسجود له، وله ﴿يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥]، وأَنْتَ إذا سجدت طَوْعًا فقد حُزْتَ المرتبة العليا، والذي يسجدُ كَرْهًا عند حلول البلاء به خاصَّةً هو الكافر. فأنتَ تَجَنَّبْ أن تسجد تَقِيَّةً لشيء، أو اجتلابًا لشيء، وإنَّما تكون طاعةَّ وَقُرْبَةً، ويكون سجودُك بقلبك قبل جِسْمِك، وبقَصْدِك قبل وجهك، وذلك بعد تَحَقُّقِكَ أنه هو (٣) الذي يَخْلُقُ سجودك وركوعك، وقَصْدَكَ ونِيَّتَكَ، وجميع أحوالك وصفاتك، فهذه عَقِيدَةُ الأَبِ الأكرم، وخَيْرِ البَرِيَّةِ المُعَظَّمِ، إِبْرَاهِيمَ المُقَدَّمِ، حيث قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٢]، فسأله أن يَخْلُقَ له أفعال الصلاة، إذ الجَعْلُ: الخَلْقُ، وهو سبحانه خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، والأعمال التي تَقُومُ بأبدان العباد منها، وهذا دَلِيلٌ عظيمٌ (٤) في الردِّ على القَدَرِيَّةِ في دعواهم أن الله لا يَخْلُقُ أعمال

стр. 1122

العباد، وهم الذين يخلقونها، تعالى الله عن (١) أن يَشِذَّ شَيْءٌ عن عِلْمِه (٢) وقُدْرَتِه (٣). وأَنْتَ تُناجيه وهو قِبَل وَجْهِك فلا تُعرض عنه، ولا تلتفت إلى سواه؛ فإن ذلك اختلاسٌ يَخْتَلِسُه الشيطانُ من صلاتك (٤)، وكان النبي ﷺ لا يلتفت؛ لا في الصلاة ولا في غيرها، وكذلك كان أبو بَكْرٍ لا يلتفت في الصلاة (٥). وروى البخاري عن أبي هريرة قال: "خرج النبي ﷺ لحاجته وكان لا يلتفت (٦) " (٧)، وقد تقدَّمت وَصِيَّةُ يحيى (٨) ﵇ عن الله: "بأن لا تلتفتوا في الصلاة" (٩).

стр. 1123

الاستراحةُ إلى الصلاة من أنكاد الدنيا وشُغُوبِها: ولقد قال الله تعالى لنَبِيِّه وصَفِيِّه ﵇: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [الحجر: ٨٨]، فقد آتيناك من القرآن ما هو خَيْرٌ (١) منهم، حتى قال بعض المُتَزَهِّدَةِ (٢): "إن الله قَبَضَ بَصَرَ مُحَمَّدٍ عن الخَلْقِ، وأَرْسَلَ بَصَرَ موسى إلى الجبل". وهذا تقصير؛ إنما أرسل الله بَصَرَ موسى على الجبل دِلَالَةً وعِبْرَةً، وقال لرسوله ﵇: ولا تحزن على ما فاتك منهم من إِقْبَالٍ عليك، وأَعْلِمْهُم بأنك (٣) نَذِيرٌ بعذاب ينزلُ بهم كنزوله بمن تَقَاسَمَ من قَوْمِ صَالِحِ، وبمن قسَّم كتابنا إليك؛ فآمَنَ ببعضه وكَفَرَ ببعضه، واصْدَعْ بما تؤمر، وأعرض عمَّن لا يَقْبَلُ، فقد كفيناك من يستهزئ بك، ونحن عالمون بضِيقِ صَدْرِك بقولهم، فإن آذَوْكَ بالكلام القبيح فأَسْمِعْنا نَحْنُ مِنْكَ الكَلَامَ الحَسَنَ، ونَاجِنَا في سجودك، فذلك سَلْوَةٌ لك. لمَّا عَلِمَ الله من استغراق قَلْبِ مُحَمَّدٍ وعِلْمِه، بأنه قد أَقْبَلَ عليه ولم يَبْقَ في قلبه مَحَلُّ لغيره، قال الله له: قِفْ (٤) في هذا المقام واستمر على العبادة، فسيأتيك يَقِينُ ما عندك عِلْمُه، أو يقِينُ ما أخبرناهم به، فيأتيهم يقينُهم على شَكٍّ، ويأتي يَقِينُ النبي ﷺ على يَقِينٍ سَابِقٍ يَرْدِفُ يَقِينَ مُشَاهَدَةٍ على يَقِينِ تَصْدِيقٍ، وكذلك قال له: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩].

стр. 1124

فإذا عَمَّتْ عبادتُك جميع الأوقات أَحْلَلْنَاكَ عندنا بأعلى الدرجات، فينبغي لكُلِّ من نزل به مَكْرُوهٌ، أو ضاق صَدْرُه بأَمْرٍ أن يلجأ إلى الصلاة؛ فإنها رَاحَةُ الفؤاد، ورَأْسُ الاعتماد. وقال الله تعالى لموسى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٣]. قيل: "لتَذْكُرَني فيها وأذكرك بها" (١). وقيل: "عند خَلْقِ الذِّكْرِ لك بها" (٢). والكلُّ صحيح. فالأوَّل: شَرَفٌ. والثاني: شَرْطٌ. وشَرَفُ الشيء بشَرْطِه، وبذلك يُدْرَكُ الفوزُ والنجاة، ويَحْصُلُ الفلاح والمُلْكُ، كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]، فتستوي في الشرف سرائرُهم وعلانيتُهم، وتخشعُ بواطنُهم بخُشُوعِ (٣) ظواهرهم. كان النبيُّ ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي؛ يتأوَّل القرآن" (٤)، ويُكْثِرُ من ذلك.

стр. 1125

وإنما يكون خاشعًا إذا كان قلبُه حاضرًا، ولسانُه ذاكرًا، فإن الصلاة جَسَدٌ ورُوحٌ ومَحَاسِنٌ، فجسدُها الأفعال، وروحُها الخشوع والإخلاص، ومحاسنُها الذِّكْرُ. كان النبيُّ ﷺ إذا كَبَّرَ يقول: " ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٨٠]، ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٤ - ١٦٥] " (١)، فإذا قالها أحدُكم فليَقُلْ: "وأنا من المسلمين" (٢). ويقرأ (٣) فاتحة (٤) الكتاب وسورة، وإذا مرَّ بآية رحمة سأل، وإذا مرَّ بآية عذاب استعاذ، فإذا ركع لم يقرأ، ولكنه إن شاء سبَّح، وإن شاء قال ما رُوِيَ قَبْلُ، وإذا سبَّح فليَقُلْ كما (٥) ثَبَتَ عن النبي ﷺ : "سبحان ربي العظيم وبحمده" (٦)؛ ثلاث مرات، وقد تمَّ رُكُوعُه، وذلك أدناه.

стр. 1126

وإذا رَفَعَ رأسه من الركوع قال: "ربَّنا ولك الحمد؛ ملء السماوات والأرض، وملء ما بينهما (١)، وملء ما شئت من شيء بعد، أنت أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد (٢)، وكلنا لك عبد: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ" (٣)، وهو إذا قال ذلك ووافق (٤) قَوْلُه قَوْلَ الملائكة غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه. وإذا سَجَدَ فليَقُلْ في سجوده: "سبحان ربي الأعلى؛ سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره، وشَقَّ سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين" (٥). وقال النبيُّ ﷺ في سجوده: "اللَّهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" (٦). ولتُكْثِرُوا من الدعاء في سجودكم، قال أبو هريرة: "أَقْرَبُ ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء" (٧).

стр. 1127

وقد ثبت في الصحيح أنه كان يقول في سجوده: "اللهم اغفر لي ذنبي كلَّه، دِقَّه وجِلَّه، وأوَّلَه وآخرَه، وعلانيتَه وسِرَّه" (١). والسجودُ أفضل أحوال الصلاة، فقد روى أبو فراس ربيعة بن كعب الأَسْلَمِي حديثًا (٢) ليس له في الصحيح لمُسْلِمٍ (٣) غيرُه، قال: "كنتُ أَبِيتُ مع النبي ﷺ فأتيتُه بوَضُوءٍ (٤) وحاجته، فقال لي: سَلْ، قلتُ: أسألُك مرافقتك في الجنة، قال: فأَعِنِّي على نفسك بكثرة السجود" (٥). وروى مَعدان بن أبي طلحة قال: "لَقِيتُ ثوبان فقلتُ: أخبرني بعمل يُدخلني الله به الجنة، فسكت، ثم سألتُه فسكت، ثم سألتُه الثالثة، فقال: سألتُ عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: عليك بكثرة السجود؛ فإنك لا تسجد لله سَجْدَةً إلَّا رَفَعَكَ الله بها درجة، وحَطَّ بها عنك (٦) خطيئه، قال معدان: ثم لَقيِتُ أبا الدرداء فسألته، فقال لي مِثْلَ ما قال ثَوْبَانُ" (٧).

стр. 1128

وكان النبي ﵇ يُطِيلُ القيام، قال ابنُ مسعود: "صَلَّيْتُ وراءه فأطال؛ حتى هَمَمْتُ بأَمْرِ سُوءٍ، قال الراوي: فقلت له: وبِمَ هَمَمْتَ؟ قال: هَمَمْتُ أن أدعه وأنصرف" (١). وقد قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ١٠] (٢)، ولم يذكر الركوع. وقيل: هو القنوت قبلهما (٣). والصحيحُ: أن السجود أفضلُ من الركوع، والركوعُ أفضلُ من القيام، وما شُرعَ القيامُ عند أهل التأويل إلَّا ليكون الركوع، والسُّجُودُ ينبني (٤) عليه حقيقةً وحُكْمًا. تَتْمِيمٌ: ثم قال بعد ذلك: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣]، وقد يكون اللَّغْوُ في الاعتقاد والقَوْلِ والعَمَلِ، والاعتقادُ أَشَدُّه، وما شَغَلَ عن الله فهو لَغْوٌ، والسَّهْوُ لَغْوٌ مَعْفُوٌّ عنه، محمودٌ إذا كان على سُنَّةٍ (٥). وقد يكون اللَّغْوُ كُفْرًا إذا كان في الاعتقاد عن الله، وعليه يَحُومُ الشيطان؛ فإنه يبتدئ بالوسوسة في شُغُوبِ الدنيا، لعلَّه أن يتعلَّق بجُزْءٍ من اللَّغْوِ في جَنْبِ الله تعالى.

стр. 1129

وقد يكون اللَّغْوُ لَهْوًا من الدنيا، فيشغل عن الذِّكْرِ خاصَّة، وعن الحَقِّ فِعْلًا، والاعتقادُ سَلِيمٌ، ولكنه مغمورٌ، فالأوَّلُ كُفْرٌ، وهذا هُجْرٌ. وإذا كان العبدُ بين سَهْوٍ ولَغْوٍ ولَهْوٍ وهُجْرٍ كان ممَّن قال الله فيه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، إلَّا أن تتداركه خاتمةٌ أو حُرمة سابقة. [منافعُ الصلاة]: ومنفعةُ الصلاة القِيَامُ بحَقِّ العبادة؛ فإنها تُستخدم فيها الأعضاءُ كُلُّها؛ ظاهُرها وباطنُها، ولذلك قال النبيُّ ﷺ لمولاه أَفْلَحَ- وقد حَجَزَ بين وجهه (١) التُّرَابُ (٢) -: "تَرِّبْ وَجْهَكَ يا أَفْلَحُ" (٣)، حديث حسن. وانصرف النبيُّ ﷺ في الصحيح- من الصلاة وعلى أنفه وأَرْنَبَتِه أَثَرُ الماء والطين (٤). وقال النبي ﵇: "أُمِرْتُ أن أسجد على سبعة أَعْظُمٍ؛ الوَجْهِ، - وأشار بيده على أنفه-، واليدين، والرِّجْلَيْنِ، والرُّكْبَتَيْنِ" (٥).

стр. 1130

وحَرَّمَ الله على النار (١) أن تأكل من ابن آدَمَ أَثَرَ السُّجُودِ (٢). كَوْنُه في خُفارة الله: فيَأْمَنُ الخُفْرَةَ، قال النبي ﷺ : "من صلَّى الصبح لم يزل في ذِمَّةِ الله" (٣). الوفاءُ بالعهد: كما في حديث عُبادة المتقدم (٤)، وكما في حديث مُسْلِمٍ: "العَهْدُ الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" (٥). إِدْرَارُ الرَّزْقِ: قال الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣١]. حِمَايَةُ الدَّمِ: قال النبي ﷺ : "أليس يصلي؟ قال: بلى، ولا صلاة له، قال: أولئك الذين نهاني الله عنهم" (٦)، أخذته العامَّة من الفقهاء فقالوا: قال النبي ﷺ : "نُهِيتُ عن قَتْلِ المصلين".

стр. 1131

الاِرْعِوَاءُ عن الفحشاء والمنكر: ومن فوائد شيخنا (١) الشهيد أبي سَعْدٍ (٢) محمد بن طاهر الزَّنْجَانِي ﵀ بالمسجد الأقصى- طَهَّرَهُ الله (٣) - قال: "معنى قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، المعنى: ينبغي أن تَنْهَى عن ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائده: ٢٥]، أي: ينبغي للمؤمن أن يتوكل على الله، فإن رَأَيْتَ أَحَداً لا يتوكَّل فلا يُخْرِجُه ذلك عن الإيمان، كذلك صَلَاةٌ لا تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ لا تخْرُجُ عن أن تكون صَلَاةً" (٤). قال الإمام الحافظ (٥) أبو بكر بن العربي ﵁: وكما قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" (٦)، ولا يُخْرِجُه ذلك عن (٧) الإيمان. قال علماؤنا المُتَزَهِّدَةُ: "إنَّ الصلاة الحقيقية هي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وخَبَرُ الله حَقٌّ، وحَقِيقَةٌ وصِدْقٌ، فكلُّ صلاة لا تنهى عن الفحشاء والمنكر فليست بصلاة تامَّةٍ، كما أنَّ كل إيمان لا يَعْرَى عن الكبائر فليس بإيمان كامل، ولا يَخْلُصُ إلى الإيمان (٨)، وهي صُورَةُ صلاة، دون رُوحٍ ولا معنى" (٩).

стр. 1132

وروى (١) أحمد بن حنبل عن عبد الله- يعني: ابن مسعود-: "من لم تأمره الصلاة بالمعروف وتنهاه عن المنكر لم تَزِدْهُ من الله إلَّا بُعْدًا" (٢). وقال أَنَسٌ: "كان بعضنا يدعو لبعض: جَعَلَ الله عليكم صلاة قوم أبرار؛ يقومون الليل ويصومون النهار، ليسوا بآثِمَةٍ (٣) ولا فُجَّارٍ". وقال قَوْمٌ: "الفحشاءُ: الدنيا، والمنكر: النفس" (٤). وقيل: "الفحشاء: المعاصي، والمنكر: الاعتقادُ أنك صَلَّيْتَ أو عَمِلْتَ، أو أن ترى لنفسك عَمَلاً " (٥). وغلا قَوْمٌ (٦) من الصوفية فقالوا (٧): "إن (٨) الفحشاءَ رُؤْيَتُها، والمنكرَ طَلَبُ العِوَضِ عليها" (٩). وعَظُمَ ذلك على قَوْمٍ، والأَمْرُ فيه قريبٌ: إن أرادوا بطَلَبِ العِوَضِ عليها اعتقادَهم أن لا ينوي أَحَدٌ بعمله ثوابًا فلا أراه.

стр. 1133

وإن أرادوا بها استحقارَها، ويا ليتها تخَلِّصُ من العقاب، فكيف أن يُرجى عليها ثَوَابٌ؟ فهو الدينُ القَوِيمُ، والاعتقادُ السَّلِيمُ. وأمَّا الذي (١) يُشِيرُونَ إليه (٢) بما تقدَّم عنهم من عبادة الله لذاته لا لنَعِيمه (٣) وثوابه؛ فهو بَاطِلٌ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٢٩ - ٣٠]. وقيل: المعنى: أَقِم الصلاة بحقيقتها، فلا يبقى معها فحشاء ولا منكر، فتكون أهلًا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال الحكيمُ لولده: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لقمان: ١٦]، فإذا فَعَلْتَ ذلك كُنْتَ كما قال الحَكِيمُ الإِسْلَامِيُّ (٤): لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتَأْتِيَ مِثْلَه … عَارٌ عليك إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ (٥) ابْدَأْ بنفسك فانْهَهَا عن غَيِّهَا … فإذا انتهتْ عنه فأنت حَكِيمُ فهناك يَنْفَعُ إن وَعَظْتَ (٦) ويُقْتَدَى … بالعِلْمِ منك ويَنْفَعُ التَّعْلِيمُ

стр. 1134

ويَصحُّ ذلك في نفسك وفي غيرك، فإنك إذا كسرتْ شهوة من شهواتك انكسرت سَوْرَةٌ (١) أخرى، وتَدَاعَى الكُلُّ للذهاب، وإذا كَسَرْتَ شهواتك تعدَّى ذلك منك إلى غيرك بالاقتداء والتغيير. رِبْحُ العُمُرِ: لا سيما والمَرْءُ بين عبادة (٢) وعادة، يُعِينُ عليها سَعْيٌ في الرزق، ومَعَاشٌ للقوة، وعَوْدٌ إلى الأصل بالعبادة، فإذا أَفْنَيْتَ عُمُرَك في هذه العادة وفي (٣) هذه العبادة كان رِبْحًا كله، وكان محسوبًا لك لا عليك، والإقلالُ من النَّوْمِ رِبْحٌ بالإِقْلَالِ من الأَكْلِ، فإنه مَوْتٌ قاطعٌ عن العمل، إلَّا ما لا بدَّ منه؛ فإنه يُكتب له نومُه ويقظتُه. في الحديث الصحيح: "أقوم وأنام، وأرجو في نَوْمِي ما أرجو في يقظتي (٤) " (٥)، وهذا صحيح، كما يَرْجُو من الأَجْرِ في يَوْمِ فِطْرِه ما يَرْجُو (٦) في يوم صَوْمِه. ويجب أن يكون صَغْوُه إلى التَّعَبِ أكثر من الراحة، ألا ترى كيف وَصَفَ الله قَوْمًا فقال: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ

стр. 1135

الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧]، فأخبر الله تعالى أن المؤمن هو الذي (١) إذا ذُكِّرَ بالله وآياته أَقْبَلَ على صلاته وخَرَّ لله خاشعًا، وذَكَرَ السجود لأنه مُعْظَمُ الصلاة كما قدَّمنا، فيسجدون بأبدانهم خُضْعَانًا في المحاريب، وأَعْظَمُ من ذلك ما اشتملت عليه القلوب والسرائر، ولم يستكبر عن ذلك بأن يراه مَذَلَّةً كما فَعَلَ إبليسُ. قال النبي ﷺ : "إذا سجد ابنُ آدَمَ اعتزل الشيطانُ يبكي، يقول: يا ويلتاه (٢)، أُمِرَ ابنُ آدم بالسجود فسَجَدَ فله الجنة، وأُمِرْتُ بالسجود فأَبَيْتُ فَلِيَ النار" (٣). ويكونُ (٤) سجودُه في وَقْتٍ يُلَائِمُ فيه المَضْجَعُ الجَنْبَ فيُجَافِيه (٥) هو عنه، يَنْبُو بلَحْمِه عن الفراش قيامًا بحق التعبد، ووفاءً بوظيفة التهجد، وفي الباطن تتجافى القلوب عن مِهَادِ الآمال والتنعم، بجَوَلَانِ الخواطر في صلاح الأحوال، واقتضاء التنعم (٦) بالبُكَرِ والآصَالِ. "كان عُمَرُ بن الخطاب ﵁ يصلي صلاة العشاء ثم يأمرنا أن نضع عند رأسه تَوْرًا (٧) من ماء، فيَتَعَارُّ من الليل فيَضَعُ يده في الماء فيَمْسَحُ يَدَه

стр. 1136

ووجهه (١)، ثم يذكر الله حتى يُغْفِي، ثم يَتَعَارُّ حتى تأتيه السَّاعة التي يقوم فيها" (٢). وكان أبو هريرة وعمرو بن دينار جَزَّآ (٣) اللَّيْلَ ثلاثة أجزاء؛ جُزْءٌ يُصَلِّي- ثُلُثٌ-، وجُزْءٌ ينام- ثُلُثٌ -، وجزءٌ يَذْكُرُ فيه حديث النبي (٤) ﷺ ثُلُثٌ (٥) -. واللَّيْلُ أُنْسُ الأَحباب (٦)، ومِيقَاُت مُنَاجَاةِ رَبِّ الأَرْبَابِ، قال أبو سعد (٧) محمد بن طاهر في "فوائده المَقْدِسِيَّةِ": "قال الله: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧]، أي (٨): عن كُلِّ شُغْل وحَدِيثٍ سِوَى حَدِيثِ من يُحِبُّونَ النَّهَارَ - زَمَانَ الدُّنْيَا- مَعَاشًا، قال الله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] ". واللَّيْلُ وَقْتُ الحُزْنِ أو وَقْتُ السرور، فأمَّا من غَلَبَ عليه الرَّجَاءُ فلَيْلُه في لَذَّةِ المناجاة وطَرَبِ المَسَرَّةِ، كما قال شاعرُهم (٩):

стр. 1137

لَيْلَةٌ كاد يلتقي طَرَفَاهَا … قِصَرًا وهي ليلةُ الميلادِ وأمَّا من غَلَبَ عليه مَقَامُ الخَوْفِ فلَيْلُه أَسَفٌ وحُزْنٌ، كما يقولُ شَاعِرٌ (١): كَمْ ليلة منك لا صَبَاحَ لها … أَفْنَيْتُها قَابِضًا على كَبِدِي قد غَصَّتِ العينُ بالدموع وقد … وَضَعْتُ خَدِّي على بَنَانِ يَدِي وهُمُ الذين أخبر الله عنهم بقوله: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾. وأمَّا من غَلَبَ عليه حالُ الجهالة، وخُتِمَ على قلبه برَيْنِ البَطَالَةِ فهو كما قال الآخَرُ (٢): نَهَارُكَ بَطَّالٌ وليلُك نائمُ … كذلك في الدُّنيا تَعِيشُ البهائمُ ومن فوائدها في وَقْتِ اللَّيْلِ نَيْلُ المنازل، والتَّرَقِّي إلى شَرَفِ (٣) المطالب، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، فأعطاهُ الله بما (٤) خَصَّه به من فَرْضِ قيام الليل المَقَامَ المَحْمُودَ بالشفاعة، وجعله للأمة ميقاتًا للإجابة.

стр. 1138

فإذا انتصف الليلُ نَزَلَ الله إلى السَّماء الدنيا يقول: "هل من داع فأستجيب له؟ هل من سائل فأُعطيه؟ هل من مُسْتَغْفِرٍ فأَغفر له؟ حتى يطلع الفَجْرُ" (١). وفي رواية: "إذا ذهب ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلِ" (٢). وفي رواية: "الآخِر (٣) ". والكُلُّ صحيح. وكما أُعْطِيَ لمُحَمَّدٍ (٤) ﷺ المقامُ المحمود بصلاة الليل؛ كذلك (٥) قال لهؤلاء المُتَجَافِينَ غَيْرِ الجَافِينَ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً﴾ (٦) بعملهم ذلك، وهُم الذين وصفهم الله بقوله: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]، واقتَدَوا برسوله حين قيل له: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ﴾ [المزمل: ١ - ٢]، فكان قيامُ الليل- قالت عائشة: - "فَرْضًا (٧) على جميع الأمَّة حَوْلاً" (٨)، ثم نَسَخَهُ الله تعالى بقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ

стр. 1139

لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ١٨]، وبَقِيَتْ فَريضَتُه (١) على مُبَلِّغِه ﷺ ليَنَالَ به دَرَجَتَه الموعود بها. ومن فوائدها: الاستغناءُ من الفَقْرِ، كان النبيُّ ﷺ إذا رأى أَهْلَه جاعُوا قال: "الصَّلَاةَ (٢) الصَّلَاةَ" (٣)، ذَكَرَه أحمد. [فضائلُ صلاة الجمعة]: وممَّا ينبغي أن تحافظوا عليه (٤) صلاةُ الجمعة؛ فإنها خِصِّيصَةُ هذه الأمة، قال النبي ﷺ : "نحن الآخِرون السَّابقون يوم القيامة، بيد أنهم أُوتوا الكتاب من قبلنا وأُوتيناه من بعدهم، فهذا اليوم الذي اختلفُوا فيه، فهدانا الله له، فاليهود غدًا، والنصارى بعد غَدٍ" (٥). وفَضِيلَتُها بيَوْمِهَا، وسَاعَتُها لا (٦) تُوَازَى، والسَّاعةُ التي فيها خَفِيَتْ على (٧) كَثِيرٍ من الصحابة، وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ : "أنها من حِين يَصْعَدُ الإمامُ على المنبر إلى أن يَفْرُغَ منها" (٨)، وهذا حديثٌ صحيحٌ مشهورٌ، خَفِيَ على أصحابنا المُتَوَلِّينَ القَوْلَ في شَرْح الحديث؛ لأنهم جُهَّالٌ بالصحيح، فيُقْبِلُونَ على ما لا ينفعهم الله به من سواه (٩).

стр. 1140

ولا تُخَصُّ ليلتُها (١) بقيام، ولا نهارُها بصيام، فقد ثبت النَّهْيُ عن النبي ﷺ في ذلك (٢)، وإنما هي عبادةُ صلاة، وما رُوي أن النبي ﷺ صامها (٣) قط، وإنَّما رُوِيَ أنه كان يصوم الإثنين والخميس ويندب إليهما (٤)، وفي غيرهما أحاديثُ حِسَانٌ لم تصحَّ. وأمَّا يومُ الجمعة فالنَّهْيُ فيه صحيحٌ فلا ترتكبوه، وهي بَدَلٌ عن الظُّهر، فإن جبريل ﵇ نزل بصلاة الظهر وصلَّاها النبيُّ ﷺ وأصحابُه (٥) مُدَّةً (٦)، وبعد ذلك عَيَّنَ له الجمعة، فالأُولَى (٧) هي الأصل، والأُخْرَى هي (٨) بَدَلٌ عنها (٩). ومعنى تَسْمِيَتِها بَدَلًا شيئان: أحدهما: أنهما لا يجتمعان، وهذا حُكْمُ البَدَلِ والمُبْدَلِ منه (١٠).

стр. 1141

والثاني: أن الجمعة إذا تَعَذَّرَتْ رجعنا إلى الأَصْلِ؛ وهي الظُّهر. ولِلْمُفَرِّعِينَ في ذلك كَلَامٌ لَغْوٌ لا يُفِيدُ حُكْمًا، ولا يَتَعَلَّقُ به مَعْنًى، وقد وَقَعَتْ مسائلُ ظَنُّوا أنها تنبني على هذا الأصل، وليس كذلك، وقد بينَّاها في "مسائل الفروع ". حِكَايَةٌ: ولقد كُنْتُ بالمسجد الأقصى- طهَّره الله- مع المُتَعَبِّدِينَ والمُريدِينَ نَعْتَمِدُ (١) الجمعة بالدعاء، ويُقِيمُونَ النهار كلَّه في المسجد لا يُكَلِّمُونَ أَحَدًا، وكان هناك رَجُلٌ يُعَضِّهُ (٢) الجُمُعَاتِ؛ فيأخذُ عِضَةً في يومِ إلى الضحى، وفي آخَرَ عِضَةً إلى الزوال، وفي آخَرَ عِضَةً إلى العصر، وفي آخَرَ عِضَةً إلى اللَّيْلِ، فتكلَّمنا في ذلك يَوْمًا مع شيخنا أبي بَكْرٍ القُرَشِي الصُّوفِي (٣) فقال: "ولعلها في اليوم الذي عِضَتُه فيه (٤) من الصبح إلى الضحى تَكُونُ من الضحى إلى الظهر، وكذلك تَتَبَدَّلُ في الجُمَع كما تَتَبَدَّلُ لَيْلَةُ القَدْرِ في العَشْرِ الأواخر (٥) في الأعوام، فتكون (٦) في عام ليلة، وفي آخَرَ سواها؛ على ما وردتْ به الآثار"، ونَحْنُ في ذلك كُلِّه غَفَلَةٌ، حتى قَرَأْنَا "كتاب مُسْلِمٍ" بمكة وبغداد، فأَلْفَيْنَاهَا فيها (٧).

стр. 1142

وقلتُ له: فهذا المعتكفُ نهارَه طالبًا لساعة الجمعة؛ إِنْ خرج لوضوء فكانت تلك السَّاعة فيها؟ قال لي أبو بكر المذكور: تحصل له بَرَكَتُها؛ لأنه خَرَجَ في ضَرُورَةٍ لا بُدَّ له منها. [تَشْدِيدُ الوعيد على من تَرَكَ الصَّلاة]: وقد تَشَدَّدَ الوعيدُ على من تركها، ألا ترى إلى قوله تعالى مُخْبِراً عن سؤال المجرمين: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤١ - ٤٢]. وفي الصحيح أن النبي ﷺ رأى رَجُلًا يُرْضَخُ رأسُه بحَجَرٍ، ثم يعودُ صَحِيحًا، ثم يُرْضَخُ هكذا أبدًا، فقال: "يا جبريل، ما هذا؟ قال: هذا (١) الذي ينام عن الصَّلاة المكتوبة" (٢). فَإِذْ (٣) تُوُعِّدْتَ على فِعْلِها فالزمها، ففي ذلك نَزَلَتْ: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩ - ١٠]، إلى قوله: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ٢٠]، والوَيْلُ لمن تركها، أو كان ساهيًا عنها مع فِعْلِها، فأَتَى بها صُوَرًا لا معاني لها؛ إنَّه ليُخَافُ عليه أن يكون كما قال الله تعالى مُخْبِرًا عن قَوْمٍ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣].

стр. 1143

قال لنا أبو محمد عبد الله بن (١) عبد الرزاق بن فُضَيل (٢) الدمشقي في "فوائده": إن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥]: وَعِيدٌ لمن تركها، ليس لمن (٣) ذَهِلَ فيها (٤)، لقوله: ﴿عَنْ﴾، ولم يقل: "في صلاتهم". وهذه مُلْحَةٌ (٥) ذَكَرَها الخَطَّابِيُّ وغيرُه. وأَشَدُّه- عندي- أن يَذْهَلَ عنها بعد التلبُّس بها، فإنه عَقَدَ الإِقْبَالَ ثم أَعْرَضَ عن الله تعالى، ونسألُه سبحانه التوفيق. فإن فَرَّطَ فيها فتوبتُه أن يَقْضِيَها، ولا يَجْعَلُ مع كُلِّ صَلَاةٍ صَلَاةً، ولا يَقْطَعُ النوافل لأجلها، وإنما يشتغل بها ليلًا ونهارًا، ويُقَدِّمُها على فُضُولِ مَعَاشِه، وأخبار دنياه، ولا يُقَدِّمُ عليها شيئًا إلَّا ضرورة المعاش، ولا يشتغل بأموره الزائدة على حاجته، حتى إذا جاء وَقْتُ الصلاة أَقْبَلَ على القضاء للفوائت وترك النوافل فهذا مَأْثُومٌ. وقد قال أحمد بن حنبل: كانت عُثَامَةُ (٦) أُمُّ ابنِ (٧) أبي الدرداء دَخَلَ عليها ولدُها يومًا وقد كُفَّ بصرُها وقد صلى، فقالت: أصليتم يا بُنَي؟ قال: نعم، قالت (٨):

стр. 1144

عثامَ مَالَكِ لاهِيَهْ … حَلَّتْ بدَارِكِ دَاهِيَهْ ابْكِ الصلاةَ لوَقْتِها … إن كُنْتِ يَوْمًا بَاكِيَهْ وابْكِ القُرَانَ إذا تُلِي … قَدْ كُنْتِ يومًا تَاِليَهْ تَتْلِينَهُ بتَفَكُّرِ … ودُموعُ عَيْنِكِ جَارِيَهْ فاليَوْمَ لا تَتْلِينَهُ … إلَّا وعندك تَالِيَهْ لَهْفِي عَلَيْكِ صَبَابَةٌ … ما عِشْتُ طُولَ حَيَاتِيَهْ قال الإمام الحافظ (١) ﵁: ومن زَعَمَ أنَّ من تَرَكَ الصَّلاة مُتَعَمِّداً أنه لا يَقْضِيهَا فقد خرج عن الإسلام، يُسْتَتَابُ، وقد بيَّنَّاها في كتاب "العواصم" (٢) وغيرها، ووَيْلهم. ثبت (٣) في الصحيح أنَّ النبي ﷺ قال: "ما تَقَرَّبَ إليَّ عبدي بشيء أفضل من أداء ما افترضتُه عليه" (٤)، فكيف "يَتْرُكُ هو فرائضه ويشتغلُ بطلب الزائد على القوت (٥)؟ فإن قال: لعيالي، قيل (٦) له: فَرْضُك أَوْكَدُ من عيالك بإِجْمَاعٍ من الأمة، وبالله التوفيق.

стр. 1145

[الصَّلَاةُ على رسول الله ﷺ -]: ومن جُمْلَةِ الصلاة تَخْصِيصُ مُحَمَّدٍ ﷺ بالدُّعَاءِ له والصَّلَاةِ عليه. قال محمد بن المَوَّازِ ومحمد بن إدريس (١): "هي من فرائض الصلاة" (٢). وهو الصحيح، وقد بيَّنَّاهُ في "مسائل الخلاف" (٣). وصُورَتُه ما في "الموطأ": "اللهم صَلِّ على مُحَمَّدٍ، وعلى آل مُحَمَّدٍ، كما صليت على إبراهيم، وبارك على مُحَمَّدٍ، وعلى آل مُحَمَّدٍ، كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد" (٤). والروايات في ذلك كثيرةٌ، ولا أصل لها. وذِكْرُ الرَّحْمَةِ في الصَّلاة على النبي ﷺ بِدْعَةٌ؛ فإن الصحابة سألوه كيف نُصَلِّي عليك فلم يجبهم حتى أُوحِيَ إليه بهذا النَّصِّ؛ خَالِيًا عن التَّرَحُّم عليه، فذِكْرُها فيه اسْتِقْصَارٌ عليه (٥)، وذلك لا يَحِلُّ، أَمَا إنَّه يُتَرَحَّمُ على النبي ﷺ في كل حين (٦).

стр. 1146

والحِكْمَةُ في ذلك (١) وفي تَرْكِ التَّرَحُّمِ عليه في الصَّلاة أنه قد تقدَّم التَّرَحُّمُ عليه فى التشهد، فلا فائدة في تَكْرَارِه (٢). تَقُولُ: "التحيات لله، الزَّاكيات لله، الطيِّبات الصلوات لله، السَّلام عليك أيُّها النبي ورحمة الله وبركاته، السَّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهدُ أن لا إله إلا الله وأن مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه" (٣)، "اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وعلى آل محمد، أو: على أزواجه وذريته" (٤)، حسب ما تقدَّم، وإيَّاكَ والزيادةَ على هذا، فإن الأمة أَجْمَعَتْ على ذلك. وقد غَلِطَ فيه أبو مُحَمَّدِ بن أبي زَيْدٍ ﵀ غَلَطًا عَظِيمًا (٥)؛ فإنه مَزَجَ تَشَهُّدَ الصُّلَاةِ بتَشَهُّدِ الوصية، فخَلَطَ من وجهين: أحدهما: أنه مَزَجَ سَقِيمًا بصحيح. والثاني: أنه لم يُرَاع ما أجمعتْ عليه الأمَّة، وما عَلِمَتْهُ الصحابةُ، حتى زَادَ هو فيه من قِبَلِ نَفْسِه ما لا أصل له (٦).

стр. 1147

وفي الصَّلَاةِ على النبي ﷺ وفَضَائِلِها أَحَادِيثُ كثيرةٌ لم يَصِحَّ منها شَيْءٌ، ولا شَكَّ في أنَّ له فَضْلاً لا يُحْصَى، لكنه لم يَرِدْ فيه سَنَدٌ يُعْتَمَدُ عليه (١). ذِكْرُ الدُّعَاءِ: ولمَّا كانت الصَّلَاةُ مَوْضُوعَةً دِينًا، مَحْفُوظَةً شَرْعًا، مَأْمُورًا بها مِلَّهًّ، مُعَظَّمَةً عبادةً؛ لاشتمالها- كما قدَّمنا- على عقائد وأقوال وأفعال، وكان من جُمْلَتِها "الذِّكْرُ" و"الدُّعَاءُ"، وكانَا اسْمَيْنِ من أَخَصِّ (٢) الأسماء وأَفْضَلِها (٣) وأَرْفَعِها عند لله، وأَدْنَاهَا منه (٤) مَكَانَةً؛ اشتملت عليها أَجَلُّ (٥) العبادات قَدْرًا، فهُمَا: * * *

стр. 1148

الدَّاعِي: وهو الاسمُ السَّابع عشر والذَّاكِرُ: وهو الاسمُ الثَّامن عشر ولمَّا كان معناهما أو أَحَدُ معانيهما (١) - على ما بينَّاه في "كُتُبِ الأصول والحديث والفقه"- الدُّعَاء (٢)؛ عَطَفْنَا عليه عِنَانَ البَيَانِ، وأقبلنا عليه بنَوْعٍ من تخصيص الإيضاح والشرح والتنبيه عليه. وهو في أَصْلِ العربية: عبارةٌ عن النداء (٣). وفي عُرْفِ الشَّرْعِ والعربية: عبارةٌ عن الطَّلَبِ. وقد ذَهَبَ بَعْضُ غُلَاةِ الصوفية إلى أنَّ الدعاء لا ينبغي، وإنما حَقُّ العَبْدِ أن يستسلم إلى مَجَارِي الأقدار (٤)، ولا يختار على الله شيئًا، وذلك ممَّا يُحْكَى عن أبي مَنْصُورٍ، وقد كان غَيْرَ مُحَقِّقٍ ولا منصور (٥)، ورَأَى أنَّ ما جاء من ذلك في لسان الشَّرْعِ القصدَ به رِفْقُ الخَلْقِ، فكل من حَقَّقَ

стр. 1149

القضاء والقدر فينبغي له أن يستسلم ويستأسر، وهذه سخافةٌ تَجُرُّ إلى تَرْكِ العَمَلِ، فإن القضاء قد سَبَقَ، والعمل زيادةٌ. وقد بيَّنَّا أنَّ الصحابة سألت النبيَّ ﷺ عن ذلك، وأجابها بالحقيقة هنالك (١)، وقد قيل للنبي ﷺ : "أَيَرُدُّ الدعاءُ من قَدَرِ الله شيئًا؟ قال: الدعاءُ من القَدَرِ" (٢). المعنى: أن الله إذا أراد بعَبْدٍ خَيْرًا يَسَّرَهُ للدُّعاء، فدَفَعَ عنه به (٣) البلاءَ، وكان ذلك من جُمْلَةِ القَدَرِ والقضاء. ولهذا المعنى قال النبي ﷺ : "لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت (٤)، لِيَعْزِمِ المسألة؛ فإنه لا مُكْرِهَ له" (٥). وفي رواية: "فإن الله (٦) لا يتعاظمه شيء" (٧).

стр. 1150

وقال: "يُستجاب لأحدكم ما لم يَعْجَلْ، قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوتُ فلم يُسْتَجَبْ لي، يَسْتَحْسِرُ عند ذلك ويَدَعُ الدُّعَاءَ" (١). وقال ﷺ : "دَعْوَةُ الرجل لأخيه بظَهْرِ الغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عند رَأْسِه مَلَكٌ، كلَّما دعا لأخيه بخَيْرٍ قال المَلَكُ المُوَكَّلُ: آمين، ولك بمِثْلِ ذلك (٢) " (٣). وقال ﷺ : "اتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها (٤) وبين الله حجابٌ" (٥). وقال ﷺ : "لا تدعوا على أنفسكم، ولا على أولادكم، ولا على أموالكم، لا تُوَافِقُوا سَاعَةً يُسْأَلُ فيها (٦) عطاء فيُستجاب لكم" (٧).

стр. 1151

وقد قال النبي ﷺ : "لكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مستجابة، فتَعَجَّلَ كلُّ نبيٍ دعوته، وإني اختبأتُ دعوتي شفاعةً لأُمَّتِي يوم القيامة، فهي نائلةُ إن شاء لله من مات من أُمَّتِي لا يُشرك بالله شيئًا (١) " (٢). وثَبَتَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "الدُّعَاءُ هو العبادة" (٣)، وقرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. وثبت أنه قال: "ما من دَاعٍ يَدْعُو إلَّا كان بين إحدى ثلاث؛ إمَّا أن يُستجاب له، وإمَّا أن يُعَوَّضَ، وإمَّا أن يُدَّخَرَ له (٤) " (٥). وثَبَتَ أن عمر ﵁ قال: "استأذنتُ النبي ﷺ في العمرة فأَذِنَ لي وقال: أشركنا يا أُخَيَّ في دُعائك" (٦).

стр. 1152

إِجَابَةُ المُضْطَرِّ (١): وقال سبحانه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢]. وللعَبْدِ حالتان؛ حالة اختيار، وحالة ضرورة، وكل واحدة مَحَلُّ للعبادة، ومن عبادات الاختيار (٢) الشُّكْرُ، ومن عبادات الضرورة الصَّبْرُ، وكل واحدة- أيضًا- مَحَلٌّ للدعاء، فالرخاءُ مَحَلُّ دعاء العافية، والضرورة مَحَلُّ دعاء الكشف، وأكثرُ ما ينفع الدعاءُ في الضرورة بما تقدَّم من الرخاء. قال الله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨]، وليس هاهنا صَرِيحُ دعاء، وإنما هو مضمونُ قوله: ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فاعترف بالظلم لأنه استعفى (٣) منه، فكان تلويحًا، ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: نُخَلِّصُهم من هَمِّهِم بما سَبَقَ من عَمَلِهم، وذلك قوله: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤]، وهذا حِفْظٌ من لله لعبده يونس؛ لأنه راعى له حَقَّ تعبده، وحَفِظَ ذِمَامَ ما سَلَفَ له في طاعته، فقال: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.

стр. 1153

قال الأستاذ أبو القاسم: "صَحِبَ ذا النون الحُوتُ أيامًا قلائل، فإلى يوم القيامة يقال له: ذو (١) النون، فما ظنُّك بعَبْدٍ عَبَدَه سبعين سَنَةً، أَيَبْطُلُ (٢) هذا عنده (٣)؟ لا يُظَنُّ به ذلك" (٤). وقال أبو المعالي: "قوله: لا تُفَضِّلُوني على يونس بن متَّى (٥)، المعنى: فإنِّي لم أكن (٦) وأنا في سِدْرَةِ المنتهى بأَقْرَبَ إلى لله منه وهو في قَعْرِ البحر في بَطْنِ الحوت، وهذا يدلُّ على أن الباري ليس في جِهَةٍ" (٧).

стр. 1154

وقال النبي ﵇ واللفظ لابن عمر-: "بينما ثلاثةٌ يمشون إذ أصابهم مَطَرٌ فآوَوا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصِّدْقُ، فليَدْعُ كل رَجُلٍ منكم بما يعلم أنه قد صَدَقَ فيه، فقال أحدُهم: اللهم إن كنتَ تَعْلَمُ أنه كان لي أَجِيرٌ عَمِلَ لي على فَرَقٍ من أَرُزٍّ فذهب وتركه، وإني عَمَدْتُ إلى ذلك الفَرَقِ فزرعتُه، فصار من أمره أنِّي (١) اشتريتُ فيه (٢) بَقَرًا، وإنه أتاني يطلب أَجْرَه، فقلت له: اعمِد إلى تلك البَقَرِ فسُقْهَا، فقال لي: إنما لي عندك فَرَقٌ من أَرُزٍّ، فقلت له: اعمد إلى تلك البقر فإنها (٣) من ذلك الفَرَقِ، فَسَاقَهَا، فإن كنتَ تَعْلَمُ أنِّي فعلتُ ذلك من خشيتك فافرُج عنا، فانساخَت الصخرةُ عنهم، وقال الآخَر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنتُ آتيهما كل ليلة بلَبَنِ غَنَمٍ، فأبطأتُ عنهما ليلة فنأى بي (٤) الشجر، فجئتُ وقد رَقَدَا (٥)، وأهلي يَتَضَاغَونَ من الجوع، وكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي، وكرهتُ أن أُوقظهما، وكرهتُ أن أدعهما فيستكينا لشربتيهما (٦)، فلم أزل

стр. 1155

أَنْتَظِرُهما (١) حتى طلع الفجرُ، فإن كنتَ تعلم أني فعلتُ ذلك من خشيتك ففَرِّجْ عنَّا، فانساخت عنهم الصخرةُ (٢) حتى نظروا إلى السماء، ولا يستطيعون الخروج، فقال الآخَر: اللَّهم إن كنت تعلم أنه كانت لي ابنة (٣) عَمٍّ من أَحَبِّ الناس إليَّ، وإني رَاوَدْتُها عن نفسها، فقالت: لا، إلا أن آتِيهَا بمائة دينار، فطلبتُها حتى قَدَرْتُ عليها، فأتيتُها بها فدَفَعْتُها إليها، فأَمْكَنَتْنِي من نفسها، فلمَّا قَعَدْتُ بين رِجْلَيْهَا قالت: اتق الله، ولا تَفُضَّ الخاتم إلَّا بحقه، فقُمْتُ وترَكْتُ المائة دينار، فإن كُنْتَ تَعْلَمُ أني فَعَلْتُ ذلك من خشيتك ففَرِّجْ عنَّا، فَفَرَّجَ الله عنهم وخَرَجُوا" (٤). فهؤلاء قَوْمٌ دَعَوا وتَوَسَّلُوا. وحَقِيقَةُ الاضطرار: أن تَنْزِلَ الشِّدَّةُ ولا تكونُ وَسِيلَةٌ إلَّا الإقرار له بالربوبية، وإن كانت وقعت المخالفات. وإني لأَعْجَبُ من قَلْبٍ غَافِلٍ تَفَطَّنَ لهذه الحقيقة فقال (٥): إن كان لا يَدْعُوكَ إلَّا مُحْسِنٌ … فمن ذا الذي يَدْعُو ويَرْجُو (٦) المُجْرِمُ

стр. 1156

وصَدَقَ، ثم قال: أَدْعُوكَ رَبِّي كما أَمَرْتَ تَضَرُّعًا … فإذا رَدَدْتَ يَدِي فمَنْ ذَا يَرْحَمُ وكَذَبَ، ما دَعَاهُ كما أَمَرَ، وإنَّما (١) دعاه كما قَدَرَ وقُدِّرَ. والخطباءُ يقولون على المنابر: "اللهم إنَّا قد دعوناك كما أمرتنا، فاستجب لنا كما وعدتنا، إنك لا تخلف الميعاد"، وصدق والله. وأمَّا هُمْ فأخاف أن تكون دَعْوَى، فإن شروط الدعاء معلومة، وهي عندنا معدومة. واختلف الناسُ في إجابة المضطر على أربعة أقوال (٢): الأوَّل: أن الإجابة بالقول، وأمَّا كَشْفُ السوء فبالطَّوْلِ (٣). الثاني: أن الإجابة بالكلام، وكشف السوء بالإنعام. الثالث: أن دعاء المضطر والمظلوم لا مَرَدَّ له، ولكن لكُلِّ أجل كتاب، كما يُرْوَى في دعوة المظلوم أن الله يقول: "لأنصرنَّك ولو بعد حين" (٤). الرابع: قال الأستاذ أبو القاسم: "للجِنَايَةِ سِرَايَةٌ، فمن كان للجناية مختارًا فليس تَسْلَمُ له دعوى (٥) الاضطرار عند سِرَايَةِ جُرْمِه (٦) الذي سَلَفَ

стр. 1157

وهو مختارٌ فيه، فأكثرُ الناس يتوهَّمون أنهم مضطرون، وذلك الاضطرارُ سِرَايَةُ (١) ما بَدَرَ منهم في حال وَهَمٍ (٢) اختيارهم (٣)، وما دام العبدُ يتوهَّم من نفسه شيئًا من الحَوْلِ والحِيلَةِ، ويرى لنفسه شيئًا من الأسباب (٤) يعتمد عليه أو يستند إليه؛ فليس بمضطر، إلَّا أن يرى نفسه كالغريق في البحر، والضال في المتاهة، والمضطر يرى عِنانه بيد سَيِّدِه، وزِمامه في قبضته؛ كالمَيِّتِ بيد غاسله، ولا يرى لنفسه استحقاقًا [للنَّجاة (٥)]؛ لأنه يخاف أن يَقَرأَ (٦) اسمَه في ديوان الشقاوة، فلا ينبغي للمضطر أن يستعين بأَحَدٍ في أن يدعو له؛ لأنَّ الله وَعَدَ (٧) الإجابةَ له، لا لمن يدعو له" (٨). ثم كما وَعَدَ المضطر الإجابة وكَشْفَ السُّوءَ وَعَدَهُ أن يجعله خليفةً في الأرض، ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥]، لم يقل: إزالة، ولكن قال: ﴿مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، كذلك قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٤]، ثم قال (٩): ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٤]، فإن العبد إذا زال عنه عُسْرُه وكُشِفَ عنه ضُرُّهُ كان كما قال القائلُ:

стр. 1158

كأن الفَتَى لم يَعْرَ يومًا إذا اكْتَسَى … ولم يَكُ صُعْلُوكًا إذا ما تَمَوَّلَا (١) قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي (٢) ﵁: أمَّا الذي قاله الأستاذ: "من سِرَايَةِ الجناية"، فليس يُسَلَّمُ له؛ فإنَّ كل أَحَدٍ له ذَنْبٌ، وما أصابه فبذنبه، ويعفو عن كثير. [حقيقةُ المُضْطَرِّ]: والمُضْطَرُّ هو الذي يُوقِعُه ذنبُه في أُنْشُوطَةٍ، فيتطارحُ على ربه ويَتَمَلَّقُ له، ويرمي بنفسه بين يديه ويستسلم إليه، ويعترف بالذنب لديه، ولو كان إجرامُه يقطعُ دعاءه لكان ذلك يأسًا، و ﴿لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. وأمَّا قوله: "إن حقيقة المضطر من يرى نفسه كالغريق في البحر، والضَّالِّ في المتاهة؛ الذي ليست (٣) له حيلة"، فصحيحٌ، وكذلك هو كلُّ مؤمن مع ربه؛ فإنه يعلم أنه لا يملك لنفسه شيئًا ولا لغيره، ويرى أنه إن عاقب فله ذلك بمُلْكِه، وإن عفا عنه (٤) فبفضله، وإن أجاب فبوعده، وإن لم يُجِبِ العَبْدَ فيما سَلَفَ من تقصيره في حقه؛ وهذا هُوَ المُضْطَرُّ.

стр. 1159

ولا تعجبُوا- معشر المريدين- من دُعاء ذي النون في بطن الحوت مُضْطَرًّا، فإنه قد كان على درجة عظيمة من الاختيار؛ بأن أَبْقَى معه عقله وجنانه (١)، ودفع عنه الشيطان (٢)، فتمكَّن من التضرع إليه كما كان يَتَمَكَّنُ في البَرِّ في منزله. [أوَّلُ المُضْطَرِّينَ]: وأوَّلُ من دعا من المضطرين بعد ما قاسى البلاء المُبِين والكَرْبَ العظيم نُوحٌ ﵇، قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٧]، فاستجاب الله له، ويقول يوم القيامة: "لستُ لها- يعني: الشفاعة-؛ إني دَعَوْتُ على قَوْمِي" (٣). وقال بعضُ الناس: "إنه لم يَدْعُ عليهم حتى قال الله له: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] " (٤). ولو كان (٥) هذا هكذا لم يكن في الدعاء ما يُوقِفُه عن التقدم في الشفاعة؛ فإنه كان يكون واضعًا للدعوة مَوْضِعَها. ودعا مُوسَى وهارون صلى لله عليهما (٦) فقالا: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨].

стр. 1160

وقد قال بعضُ المُفَسِّرينَ (١): "إن دعوة موسى هذه كانت بإِذْنٍ؛ لأن الأنبياء ضُمِنَتْ لهم العِصْمَةُ". فدلَّ على أن الدعاء بهذه الجملة كان (٢) بإِذْنٍ، ويَعْضُدُه قوله في التخلي عن الشفاعة: "إني قتلتُ نَفْسًا (٣) لم أُؤْمَرْ بقتلها" (٤)، ولم يقل: دَعَوْتُ على فرعون وقَوْمِه. وقد حكى رسول الله ﷺ : أن نَبِيًّا من الأنبياء جَرَحَه قَوْمُه، فجَعَلَ يسيلُ الدم (٥)، وجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ ويقول: "اللَّهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" (٦). وأمَّا مُحَمَّدٌ ﷺ فقال حين خرج فَارًّا إلى الطائف وطَرَدُوهُ: "اللهم إليك أشكو ضَعْفَ قُوَّتِي، وقِلَّةَ حيلتي، وهَوَانِي على النَّاسِ، يا أرحم الراحمين، اللهم أنت رَبُّ المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تَكِلُنِي، إلى بعيد يَتَجَهَّمُنِي، أو إلى عَدُوٍّ مَلَّكْتَه أَمْرِي، إن لم يكن بك عليَّ غَضَبٌ فلا أبالي، ولكن عَافِيَتُك أوْسَعُ لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظُّلَمُ، وصَلَحَ عليه أمرُ الدنيا والآخرة؛ أن تُحِلَّ غَضَبَك بي، أو تُنْزِلَ سَخَطَكَ عَلَيَّ، لك العُتْبَى حتى تَرْضَى، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بك" (٧).
следующие страницы →