← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

السُهَيْلي (١)، والإمامُ أبو جعفر بن مَضاء (٢)، وغيرهم من مُحَدِّثِي أهل الأندلس، وذلك يدل دِلَالَةً بَيِّنَةً على أن النقد كان من وَصْفِه ورَسْمِه؛ خطة معروفة، ومرتبة منيفة. ومن شواهد ذلك أيضًا ما قاله الفقيه العلَّامة جمال الدين المغيلي في وصف معارفه وعُلُومِه: "إنِّي تأمَّلت ما قَسَمَه الله تعالى للقاضي أبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي من العلوم الشرعية والعقلية، والفهم في الكتاب والسنة، والتمييز بين صحيح الأثر وحَسَنِهِ وضعيفه، وكَرْعِه من حياض الوحيين، أعني: الكتاب والسنة، وتيقظه إلى نصوصهما، وظاهرهما، ودليلهما، وإشاراتهما، وفحواهما، ومعناهما، ومعرفته بالقاصر من التعليل، والمُطَّرِدِ، وخِبْرَتِه بالوصف المُلْغَى والمعتبر، والتمييز بين المراتب النظرية، والعِلْمِ بطُرُقِ الترجيح" (٣). ويعنينا هنا ما أكَّده في حق الإمام ابن العربي؛ وهو تمييزه بين الصحيح والحسن والضعيف، وقليل من يُمَيِّزُ بينها، وقليل من يَصِلُ إلى هذه المرتبة. وقال ابنُ ربيع الأشعري: "ومن أسمح ما رأيتُ في ذلك وأكثرهم توسعة من العلماء القاضي الأجل أبو بكر بن العربي ﵀، وهو من أَجَلِّ علماء الأندلس قَدْرًا، وأشدهم تناصفًا، وأبعدهم عن التقليد، _________ (١) التنوير في مولد السراج المنير لابن دحية: (ق ١٥٠/ ب)، وينظر: الروض الأُنُف: (٤/ ٥٨). (٢) التنوير في مولد السراج المنير لابن دحية: (ق ١٥٠/ ب). (٣) اختصار سراج المريدين لجمال الدين المغيلي: (ق ١/ ب).

стр. 107

وأجراهم مع السنة، وأحسنهم انتزاعًا للأحكام من الكتاب العزيز ومن الأحاديث الصحاح" (١). ومَحَلُّ الشَّاهِدِ هنا قَوْلُ ابن ربيع: "الأحاديث الصحاح"، ليكون اعتناءُ ابن العربي بالأحاديث الصحاح كلمة اتفاق، بها عُرِفَ، وبها اشتهر، ولولا سابقُ معرفته بهذه الصنعة ما كان بالغًا هذه المرتبة، التي شهد له بها جِلَّةُ مشيخة العلم بالمغرب والأندلس. وفي هذا الفصل أذكر بعضًا من دلائل النبوغ وشواهد التميز؛ التي مَكَّنَتْهُ من امتلاك ناصية هذه الصنعة الشريفة، وهي: المبحث الأوَّل: اتساعُ ابن العربي في الرواية إن كثيرًا من أسانيد الأندلسيين مُتَّصِلَةٌ بالإمام ابن العربي، ويظهر ذلك في كتاب "الفوائد المنتخبة" لابن بشكوال، وكتاب "المسلسلات" لابن الطَّيْلَسَان، وهذا يدل على أهمية الأسانيد التي أدخلها إلى الأندلس، ويمكن التعويل على جملة أمور في التدليل على اتساع روايته، نذكر منها: الأوَّل: رحلته التي دامت عشر سنوات، وفيها لقي أكابر المحدثين والرواة. الثاني: الكتب والأجزاء والمصنفات التي أدخلها إلى الأندلس، وهي مسموعاته من مشيخته، ويظهر بعضه في كُتُبِ البرامج والفهارس الأندلسية، مثل "برنامج" ابن خَيْرٍ الإشبيلي، و "برنامج" ابن عُبَيْدِ الله الحَجْرِي، وكذلك "إفادة النَّصِيح" و "ملء العَيبة" لابن رُشَيْد، و "برنامج" المِنتوْرِي، _________ (١) كتاب الذكاة لابن ربيع الأشعري: (ق ٣٥/ أ).

стр. 108

وقِسْمٌ آخرُ يظهر في كتب "الصِّلات"؛ لابن بشكوال، وابن الأبَّار، وابن الزبير، وابن عبد الملك، فقد نَثَرُوا في تضاعيف تراجمهم ونَصُّوا على رواية الجمِّ الغفير من أهل الأندلس عن الإمام أبي بكر، بل يتصدر القاضي طبقته في المأخوذ عنهم، ولا يقاربه أحد من أهل المغرب والأندلس في زمانه إلَّا ما كان من ابن ورد والرُّشاطي. كُتُبُ الحديث التي أدخلها ابنُ العربي إلى الأندلس (١): " الأحاديث التي خُولِفَ فيها مالك" للدَّارُقُطْنِي. "السُّنَنُ" للفِرْيَابِي. "الأفراد" للدارقطني. "صحيح الحديث" للإسماعيلي. "نسخة أبي زكرياء يحيى بن معين من حديث يحيى بن يحيى التميمي". "حديث هلال الحفَّار". "مشيخة أبي علي بن شاذان". "تسمية شيوخ مالك وسفيان وشعبة" لمسلم. "وفاة الشيوخ" لابن المنادي. "نسخة همَّام بن مُنَبِّه". كتاب "الشجرة" للجُوزَجاني في أسماء المحدثين. _________ (١) سراج المريدين: (٤/ ٣٩٩ - ٤١٠).

стр. 109

"المدخل إلى معرفة كتاب البخاري" للإسماعيلي. "تسمية كل من روى عن مالك بن أنس"؛ ألف رجل، تأليف الخطيب. "الفَصْلُ للوَصْلِ المُدْرَجِ في النَّقْلِ" له. كتبُ الرواية التي أخذها الناسُ عنه بالأندلس (١): " الاستدراكات والإلزامات" للدارقطني. "الطبقات" لمسلم. جزء فيه "حديث أبي عبد الله البخاري". جزء فيه "الناسخ والمنسوخ" لأبي داود. "عوالي أبي بكر بن ريدان". جزء من "حديث أبي الحُسَين المبارك بن عبد الجبار". "معرفة من يدور عليه الإسناد" لعلي بن المديني. "فوائد عن أبي الحُسَين الطُّيُوري". "صحيح الإمام مسلم" رواية الجُلودي (٢). "سنن أبي داود" رواية اللؤلؤي (٣). _________ (١) ينظر: الذيل والتكملة لابن عبد الملك المراكشي: (٦/ ٤٦٢). (٢) فهرس ابن خير: (ص ١٣٥). (٣) فهرس ابن خير: (ص ١٤٣).

стр. 110

"جامع الترمذي" (١). "السنن" للدارقطني (٢). "الجمع بين الصحيحين" لمحمد بن فتُّوح (٣). "المصباح والداعي إلى الفلاح" لأبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي (٤). "حديث أبي عاصم الضحَّاك النبيل" (٥). "الأحاديث العوالي المنتقاة الصحاح" لأبي الفوارس طِراد بن محمد الزينبي الهاشمي (٦). "نسخة همَّام بن مُنَبِّهٍ" عن أبي هريرة (٧). جزء "ما روى هلال بن محمد الحفَّار" (٨). كتاب "مصافحة البخاري ومسلم" للبرقاني (٩). _________ (١) فهرس ابن خير: (ص ١٥٦). (٢) فهرس ابن خير: (ص ١٦١). (٣) فهرس ابن خير: (ص ١٦١)، وفهرس الحجري: (ص ١٦٧). (٤) فهرس ابن خير: (ص ٢٠٣). (٥) فهرس ابن خير: (ص ٢٠٤). (٦) فهرس ابن خير: (ص ٢٠٦). (٧) فهرس ابن خير: (ص ٢٠٨). (٨) فهرس ابن خير: (ص ٢٠٩). (٩) فهرس ابن خير: (ص ٢١١).

стр. 111

"الأحاديث التي خُولِف فيها إمام دار الهجرة؛ مالك بن أنس" للدارقطني (١). "شرف أصحاب الحديث" (٢). و"تقييد العلم" (٣). و"الرحلة في طلب العلم" (٤). و"أسماء من روى عن مالك بن أنس"؛ مُبَوَّبًا على حروف المعجم (٥). "كتاب الشهاب" للقُضَاعي (٦). "مسند كتاب الشهاب" للقضاعي (٧). "كتاب تسمية شيوخ مالك وسفيان وشعبة" لمسلم (٨). "كتاب الإكمال" لابن مَاكُولَا (٩). _________ (١) فهرس خير: (ص ٢٢٩). (٢) فهرس خير: (ص ٢٣٠). (٣) فهرس ابن خير: (ص ٢٣٠). (٤) فهرس ابن خير: (ص ٢٣٠). (٥) فهرس ابن خير: (ص ٢٣٠). (٦) فهرس ابن خير: (ص ٢٣٤). (٧) فهرس ابن خير: (ص ٢٣٤). (٨) فهرس ابن خير: (ص ٢٦٦). (٩) فهرس ابن خير: (ص ٢٧٤).

стр. 112

"تسمية شيوخ البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي في مصنفاتهم" للبرقاني (١). "النصيحة لأهل الحديث" للخطيب (٢). "سيرة رسول الله ومغازيه" للواقدي (٣). "المغازي والسيَر" لابن إسحاق (٤). "الزهد" لهنَّاد بن السَّرِيِّ (٥). "أخلاق رسول الله" لأبي حيَّان (٦). "كتاب معيشة النبي وأصحابه وتخليهم عن الدنيا" لأبي ذَرٍّ الهروي (٧). "بر الوالدين" للخلَّال (٨). "كتاب فضل الوضوء والصلاة على النبي ولا إله إلا الله" لابن شاهين (٩). _________ (١) فهرس ابن خير: (ص ٢٧٧). (٢) فهرس ابن خير: (ص ٢٨٠). (٣) فهرس ابن خير: (ص ٢٨٧). (٤) فهرس ابن خير: (ص ٢٨٨). (٥) فهرس ابن خير: (ص ٣٤١). (٦) فهرس ابن خير: (ص ٣٤١). (٧) فهرس ابن خير: (ص ٣٤٢). (٨) فهرس ابن خير: (ص ٣٤٤). (٩) فهرس ابن خير: (ص ٣٤٤).

стр. 113

"أخبار مكة وفضائلها" للأزرقي (١). "كتاب تسمية من روى عن مالك" لابن شعبان (٢). "حديث ابن أبي ليلى" (٣). "حديث عبد الله بن وهب" (٤). "غريب حديث الإمام مالك" (٥). "الفوائد المنتقاة العوالي المخرَّجة على الصحيحين"، تخريج الحُمَيدي (٦). المبحثُ الثاني: تاليفه الحديثية أَكْثَرَ ابنُ العربي من التأليف في علوم السنة، وله فيها أسفار عظام، منها: الأوَّل: "كتاب النيِّرين في شرح الصحيحين؛ البخاري ومسلم": وهو كتابه الكبير في الحديث، في خمسة آلاف ورقة (٧)، رواه عنه ابن عُبَيد الله الحَجْري (٨). _________ (١) فهرس ابن خير: (ص ٣٤٥). (٢) فهرس الحَجْري: (ص ١١٥). (٣) لمحات الأنوار: (٣/ ١٤٠٤ - ١٤٠٥). (٤) لمحات الأنوار: (٣/ ١٣٨٩). (٥) لمحات الأنوار: (٣/ ١٤٠٧). (٦) لمحات الأنوار: (٣/ ١٤١١). (٧) المتوسط في الاعتقاد - بتحقيقنا -: (ص ٢٠). (٨) جزيء من فهرس الحجري: (ص ١٢٧).

стр. 114

الثاني: "مختصر النيرين": ويُحِيلُ عليه كثيرًا في "العارضة" (١). الثالث: "شرح المشكلين": وهو في مشكل القرآن والحديث، في ألف وخمس مائة ورقة. الرابع: "عارضة الأحوذي في شرح كتاب الترمذي" (٢)؛ وهو من أواخر كتبه الحديثية، واعتنى به أخونا الدكتور طارق الشيباني وزملاؤه تحت إشراف الدكتور الصادق الغرياني، وقُدِّمَ للرابطة المحمدية للعلماء منذ زمن. الخامس: "ترتيب المسالك في شرح موطأ مالك"؛ صدر عن دار الغرب الإسلامي في ثماني مجلدات، بتحقيق الدكتور محمد السليماني وعائشة السليماني. السَّادس: "القبس في شرح موطأ مالك بن أنس". السَّابع: "أوهام الصحابة": ذكره في "العارضة" (٣). الثامن: "تنبيه الغبي إلى مقدار النبي ﷺ ": رسالة في قريب من تسع وعشرين ورقة، تصدر قريبًا عن دار الحديث الكتانية بتحقيقي وعنايتي. التاسع: "شَرْحُ حديث السُّبُحَاتِ": وقد عُثِرَ عليه قبل مدة، في ورقات، محفوظ بالمكتبة الوطنية بالجزائر، ويحققه أحد الباحثين هناك. _________ (١) العارضة: (٩/ ٩٦). (٢) ينظر: فهرس الحَجْري: (ص ١٥١). (٣) العارضة: (١/ ٣٧١).

стр. 115

العاشر: "جزء في حديث عُقْبة بن عامر بوجوهه وعِلَلِه": حقَّقه الدكتور نظام يعقوبي، ويصدر قريبًا عن دار الحديث الكتانية. الحادي عشر: "طُرُقُ حديث من كذب علي مُتَعَمِّدًا": نسبه له الحضرمي في "الفرائد المرويات" (١). الثاني عشر: "المسلسلات": سمعه منه ابن عُبَيد الله الحَجْرِي (٢)، وضمَّنه في كتابه ابنُ الطيلسان، ورواه أيضًا أبو العباس العَزَفِي في فهرسته (٣)، وأفاد منه جَمْعٌ من المحدثين، منهم: أبو عبد الله الحضرمي (٤)، ومنهم: الحافظ ابن حجر (٥). الثالث عشر: "السُّبَاعِيَاتُ": ذكرها له الحضرمي في "الفرائد المرويات" (٦). الرابع عشر: "التفصي عن عهدة التقصي لما في الموطأ من الأخبار والآثار"؛ وهو نَقْدٌ لكتاب الإمام ابن عبد البر المترجم بالتقصي (٧). الخامس عشر: "الصريح في شرح الصحيح": وهو شرحه لصحيح البخاري، ذكره في "السراج" (٨)، وأفاد منه العلماء (٩). _________ (١) الفرائد المرويات في فوائد الثلاثيات؛ (ص ١١٤). (٢) برنامج شيوخ الرعيني: (ص ٤٤). (٣) برنامج شيوخ الرعيني: (ص ٤٤). (٤) الفرائد المرويات في فوائد الثلاثيات: (ص ١٢٨). (٥) فتح الباري: (٤/ ١٠٩). (٦) الفرائد المرويات في شرح الثلاثيات: (ص ٩٢). (٧) العارضة: (٨/ ١٧٩). (٨) سراج المريدين: (١/ ٣١٩). (٩) فهرسة السرَّاج: (ص ٣٦٨).

стр. 116

الفصل الثالث: آثَارُ الصنعة الحديثية وثمارها وأثمرت هذه العلوم والمعارف التي أتقنها واشتمل عليها أمورًا عدة نذكرها لتُستبان: الأوَّل: التحذيرُ من الأحاديث الضعيفة والباطلة وقد عُرِف عن ابن العربي الاهتمام بالحديث الصحيح، والتحذير من الأحاديث الباطلة، ودلالة الناس على مصادر الحديث الصحيح وموارده، حتى يسلم الناس من الابتداع في الدين. ولم يكن لعلماء الأندلس اعتناءٌ كبير بصحيح الحديث، ولم يكن لعامتهم معرفة بعلم العلل، وتمييزِ الصحيح من السقيم، قال أبو محمد بن يَربوع: "وهؤلاء القرطبيون لم يدخل عندهم من أوَّل ما دخل إلا كتاب أبي داود؛ فالتموا به، وأمَّا الكُتب الصحاح فلم تدخل عندهم إلا بأَخرة، وكانوا بمعزل عن معرفة الصحيح؛ لأنه قد ضُرب بينهم وبين الصناعة بأَسداد، فهم على بُعْدٍ شديد من السَّداد" (١). قال الإمام ابن العربي ﵁: "اعلموا - رَحِمَكُمُ الله - أني قد أعْلَمْتُكُمْ أن الله قَدَّرَ على الخَلْقِ - بِحِرْصِهِمْ على الخَيْرِ، وجَهْلِهِمْ بالحَقِّ - أن يُقَيِّضَ على لِسَانِ الشَّيْطَانِ قومًا يَنَالُون خِدْمَةَ العِلْمِ، وليسوا من أَهْلِهِ، فَيُدْخِلُونَ على رسولِ الله أَحَادِيثَ ما أَنْزَلَ الله بها من سُلْطَانٍ، ويَسُوقُها لهم في مَعْرِضِ الخَيْرِ، وطَرِيقِ الشَّرِّ، حتى تَجْرِي عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، ويعمدونها في أَفْعَالِهِمْ، فَيَكُونُ مِنْ خَدَمَةِ الشَّيطان، لا من عُبَّادِ الرَّحْمَنِ، فَحَذَارِ أن يأخذَ العاميُّ من الأحاديث إلا ما جاء في كُتُبِ الإسلام الخَمْسَةِ: البُخَارِيِّ، ومُسْلمٍ، والتِّرْمِذيِّ، وأبي دَاودَ، والنَّسائِي، والمُوَطَّأُ داخل فيها؛ لأنه تاجُها _________ (١) فهرس ابن خير: (ص ١٤٥).

стр. 117

ورُوحُها، ولا يَقْرَأ من الفَضَائِلِ إلا "زُهْدَ" أحمدَ بن حَنْبَل، وهَنَّادِ بن السَّرِيِّ، وشَيْخِهِمَا عبد الله بن المُبَارَكِ وشَيْخِ الإسلام في باب الزُّهْدِ. وقد جاء في هذه الكُتُب فَضَائِلُ الأَشْهُرِ والأيَّام، فلا تَتَعَدَّوهَا إلى غَيْرِهَا؛ فإنَّ شَيْخَنَا أبا الفَتح - وكان من عُلماءِ العَصْرِ وأَزْهَدِهِمْ - عَمِلَ كتابًا سَمَّاهُ المِصْبَاح الدَّاعِي إلى الفَلاح، فَذَكَرَ فيه صلاةَ الأيَّامِ وصِيَامَها من كُلِّ باطِلٍ ومَوْضُوعٍ؛ أَضْعَفَهُ رِوَايَةً، وأَفْسَدَهُ مَعْنًى، مع تَقَدُّمِهِ في الفِقْهِ والرِّوايةِ، ولكنه لم يكن في فُرْسَانِ الرِّجَالِ، وهذه تَوْصِيَتِي في الله، والله يُيَسِّرُ لكم قَبُولَ نَصِيحَتِي، ويُيَسِّرُ لي تَوْبَتِي" (١). وقال - أيضًا -: "فالتزموا - ألزمكم الله تحقيقه، ويسَّر لكم توفيقه - ما ألزمكم الشرع، وانتهجوا السبيل التي شَرَعَ لكم، وخُذُوا من الذِّكْرِ والدعاء الصحيح، وأعرضوا عمَّا سواه. وقد انتدَبَ قَوْمٌ تَجَرَّدُوا للخير بزعمهم، لم يكن لهم عِلْمٌ بالحديث، فذَكَرُوا كل مُتَرَدِّيَةٍ ونَطِيحَةٍ في الذِّكْرِ والأدعية وغير ذلك، كابن نَجَاحِ، والسَّمَرْقَنْدِي، ولا عجب إلَّا من إمامنا وشَيْخِ العَصْرِ نَصْرِ بن إِبْرَاهِيمَ المَقْدِسِيِّ، فإنه جَمَعَ كتابًا في الزُّهْدِ، فجعل يُرَتِّبُ صلاة الأيام والأدعية، وهي كلها موضوعةٌ لا أَصْلَ لها، مناكيرُ لا يُعْرَفُ راويها. واعتدى الناس على شريعتهم، واغتدَوا إلى صحائف ليست في تأليف؛ "كدعاء فلان"، و "تسبيح فلان"، فاللهَ الله عِبَادَ الله، أَقْبِلُوا على دينكم، واقبضوهُ بيده، وعَوِّلُوا على عُمَدِه، واقتدُوا بأئمته؛ مَالِكٍ، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وأبي داود، والنسائي، وهي تَوْصِيَتِي _________ (١) العارضة: (٣/ ٣٠٧ - ٣٠٨).

стр. 118

إليكم، وحُجَّتِي عليكم، وفَرِيضَتِي التي تَعَيَّنَتْ عليَّ أَدَّيْتُها إليكم، وفَائِدَةُ رِحْلَتِي التي نَأَيْتُ بها عنكم، والله خَلِيفَتِي عليكم، وهو حسبُنا ونِعْمَ الوكيل" (١). وقال - كذلك -: "ولم يترك الشيطان الناس مع هذا الحديث ولا مع هذه الآية، وذلك كاف؛ حتى أضلَّ من عمل لهم الأحاديث في فضائل الآيات والسُّوَرِ، فروى لهم في آية الكرسي أنها سيدة القرآن، ويس قلب القرآن، وأمثالها، فلا تحفلوا بذلك كله، وأَقْبِلُوا على ما صَحَّ ففيه الغنية" (٢). وهذه النصوص تدل دلالة بينة على ما كان ابن العربي يتعاناه في مجتمعه، وهو يرى خاصة أهل العلم مُعَوِّلينَ على كل ضعيف لا يَحِل، أو ساقط من الأثر يُخِل، وأكثر من تلك الشكوى لما لامس من آثارها السيئة، ونتائجها المردية. الثاني: استصلاح العلوم وكان ابنُ العربي يروم من خلال الاقتصار على الحديث الصحيح أو الحسن تنقية علوم الإسلام ممَّا شابها، من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وكان قسم كبير من هذه البدع المضلة قد دخلت من جهة التعلق بالضعاف والمناكير، والعلومُ التي رام استصلاحها هي: _________ (١) سراج المريدين: (٢/ ٣١٩ - ٣٢٠). (٢) قانون التأويل: (ص ٢٣٩ - ٢٤٠).

стр. 119

علم التوحيد: بالميل عن الإلحاد في صفات الله، ونسبة ما لا يجوز إليه؛ من التشبيه والتمثيل، وتنزيه الأنبياء من طعن المُضِلِّين، الذين قصدوا إلى الحط من مقام النبوة والرسالة. علم الأحكام: بالتعويل على الصحيح والحسن، والميل عن الضعيف الذي كان سببًا في ضمور الفقه والتفقه. علم التذكير: وهو علم التزكية، فعَمِلَ ابنُ العربي على تنقيته ممَّا شابه من البدع والمنكرات، والشذوذ والغلو، وبيَّن ما كان مُتَعَلِّقًا بفضائل موهومة، وما نُسب إلى الشريعة وهي براء منه. الفصل الرابع: بدائعُ ابن العربي الحديثية الأولى: اعتباره الموطأ أصل الأصول وأصح الصحيح، وهو عنده صحيح الصحيح، بعد ما شاع عند المُتَحَدِّثَة وكَتَبَةِ الحديث بأن صحيح البخاري هو الأصل، وبأن الموطأ كان في زمانه صحيحًا حتى ظهرت الصحاح الأخرى. الثانية: كشفه عن طريقة الإمام مالك في إخراج الحديث والتبويب به، وهو باب كان مُقْفَلًا؛ قلَّما تنبَّه إليه المتفقهون، وعليه أدار ابنُ العربي كتابه "القبس" و "ترتيب المسالك" (١). الثالثة: الكشف عن طريقة الإمام مالك في التجريح والتعديل ومقاصده في ذلك، وقد نثر ذلك في "القبس" و "العارضة" (٢). _________ (١) ترتيب المسالك: (١/ ٣٤٢). (٢) العارضة: (٤/ ٩٣ - ٩٤).

стр. 120

الرابعة: اعتماده على المباحث الإسنادية في الخلاف العالي، وهي طريقة كان يسلكها المالكية باحتشام، وكان غالب وُكد المتفقهة النظر التعليلي الصرف، من غير كبير تعويل على هذه المباحث الإسنادية، وظهر ذلك في كتابه "تخليص تلخيص الطريقتين؛ العراقية والخراسانية"، و "أحكام القرآن". الخامسة: القول بحديث الاحاد في مسائل الاعتقاد، مخالفًا ما كان عليه العمل عند المتكلمة والأصوليين (١). السَّادسة: شَرْحُه "جامع الترمذي"، واعتناؤه بالمسائل الحديثية فيه، وشرحه لكتاب العلل منه. الفصل الخامس: المباحث الإسنادية بالسراج اعتنى ابنُ العربي في هذا "السراج" بالحديث الصحيح والحسن، وشَرَطَ على نفسه في أوَّل كتابه أنه لا يُورِدُ فيه إلَّا ما ثبت، وكان تعويلُه في ذلك على "الموطأ" و "الصحيحين"، وأمَّا الحسان فكان مصدره فيها هو "جامع الترمذي"، و "سنن أبي داود"، و "سنن النسائي"، وكان من عادته إذا دَخَلَ في أبواب الزهد والفضائل أن يقبل أقوى ما ورد في الباب، ولو جاء من طريق مرسل، فالمراسيلُ عنده مقبولة معمول بها (٢). والحسن عنده على وجهين: الأوَّل: ما سلم من الانقطاع، ونقص ضبط الراوي فيه. _________ (١) العارضة: (٩/ ٢٧٩). (٢) العارضة: (١/ ٣٣).

стр. 121

الثاني: ما ورد من وجوه ضعيفة ولم يُطعن في عدالة رواته، ومعنى هذا أنه يعتبر في الحسان ما كان قابلًا منها للاعتضاد، حتى لو لم يكن ما يعضدها من طرق أخرى، وهو أوَّل الضعيف، وهو الذي يقبله الإمام أحمد في أبواب الفضائل والرغائب. وما يَرِدُ في هذا الكتاب من الحديث بإسناده إليه فحُكْمُه حُكْمُ سَنَدِه، والتبعة فيه على رواته لا على ابن العربي، فشَرْطُه إنما هو متوجه لما يورده هو جازمًا به، غير ذاكر لإسناده، ومع ذلك فقد يذكر عَقِبَ الحديث ما يفيد حُكْمَه عليه. وأَخَذَ على نفسه في جملة ما أخذ أن يُعْقِبَ الحديث بحُكْمِه عليه، بيانًا لصحته أو حُسْنِه، أو ضعفه أو بطلانه، وذلك كثيرٌ في الكتاب، حتى إنه يذكر عَقِبَ ما يُخَرِّجُه أو يورده من أحاديث "الموطأ" أو "الصحيحين" ما يُثَبِّتُ حُكْمَ الحديث الذي ساقه. واعتنى الإمام الحافظ ابن العربي بالدلالة على ما جاء في الباب من الأحاديث، فتَتَبُّعُه لمتون الحديث وقراءته وروايته لكُتُبِ السنة والآثار مكَّنته من هذه المعرفة الاستقرائية، فيذكر لك ما وَرَدَ في الباب، ثم ينبهك على أضعفه وأفسده، أو يجمع لك الصحيح منه، أو يدلك على موضعه، وغير ذلك (١). وهذا الطريق الذي سلكه ابن العربي طريق مخوف، لا يسلم الناسُ منه إلا بجُرَيْعَةِ الذقن، لأن الإحاطة بالسنة والروايات والطرق يكاد يكون _________ (١) ينظر: سراج المريدين: (١/ ٣١٩).

стр. 122

مستحيلًا، وحتى الحَفَظَةُ النَّقَدَةُ من المتقدمين في إطلاقاتهم تلك كانوا لا يسلمون من التعقب والاستدراك. وما أورده من كُتُبِ الزهد إنما انتقى منها، وعوَّل على أصحها، وهي: "الزهد" للإمام أحمد، ولابن المبارك، ولهنَّاد؛ لتَحَرِّيهِم الصدق فيما يوردون ويثبتون (١). ونثر ابن العربي في هذا الكتاب الكثير من مسائل الحديث، كالرواية عن بني إسرائيل، وحكم معلَّقات البخاري، أو وقوع التصحيف في الرواية، وغير ذلك. ومن المسائل المندرجة في الحديث تَفَنُّنُه في الرواية؛ في ذِكْرِه لمشيخته، ونسبتهم إلى نِسَبٍ مختلفة، وأوصاف متعددة، وقد مَرَّ ذِكْرُ بعضه في ذِكْرِنا لمشيخته. ومن ذلك - أيضًا - أسانيده إلى الكُتُبِ، ويأتي ذِكْرُنا لها في فصل مصادر "السراج" وموارده، وفيها كثيرٌ من الأصول التي لا نعرف لها وجودًا أو ذِكْرًا في زماننا هذا. وما أثبتناه من صلته بتلك الكُتُبِ وروايته لها يكشف لنا كثيرًا من مصادره التي عوَّل عليها في كتبه الأخرى، وما طواه هناك ذَكَرَهُ هنا. ومن ذلك معرفته بطبقات الرواة، وذِكْرُه لمفاريدهم، ومعرفته بحديثهم، وروايتهم له، فسهل عليه أن يحصر الصحيح منه. _________ (١) سراج المريدين: (١/ ٢٨٣).

стр. 123

وكان من اصطلاحه تفرقته بين ما صحَّ من الحديث وبين ما ثبت ولم يصل إلى درجة الصحة، وقد غفل بعضهم عن هذا المسلك فخطَّأ القاضي ورام الاستدراك عليه، وليس الأمر كما ظَنُّوا. من ذلك قوله: "وفي غيرهما أحاديث حسان لم تصح" (١). وقال أيضًا: "ولستُ أعلم حديثًا صحيحًا ورد فيه لفظ الرجاء غير هذا" (٢)، ثم قال: "وفي الأحاديث الحسان أخبار كثيرة جدًّا فيها ذكر الرجاء" (٣). وكان من اصطلاحه في هذا "السراج" أن كل حديث لم يثبت عنده وصَحَّ عنده ضعفه نَسَبَه إلى الحكمة (٤)، أو إلى أقوال السلف (٥)، ولا ينسبه إلى رسول الله ﷺ ، خصوصًا إذا كان قد صحَّ إدراجه في كُتُبِ الأمثال، أو كُتُبِ الآثار. وبهذا كان هذا "السراج" حائزًا على مراتب، ومحتويًا على خصال، ومرتفعًا بخلال، فخَلَا من كثير من المناكير والأباطيل، وحَصَرَ ابنُ العربي الصحيح في أبوابه التي عقدها، ونبَّه العلماء إلى ما يغنيهم عن تقفرهم لما لا ينفعهم. _________ (١) سراج المريدين: (٢/ ٢٧٨). (٢) سراج المريدين: (٣/ ١٢٦). (٣) سراج المريدين: (٣/ ١٢٦). (٤) سراج المريدين: (٣/ ٤٣١). (٥) سراج المريدين: (٣/ ٣٧١).

стр. 124

ولا أعلم كتابًا في فضائل الأعمال ورغائب الأحوال بلغ هذا المبلغ، وكفى الناس مؤنة النظر فيما يساق من أحاديث وآثار، ونحن نرى كُتُبَ الزهد والتصوف والمواعظ عامرة بالضعيف والمنكر والموضوع، حتى أنتج ذلك جملة من البدع والتعمقات التي أفسدت تدين الناس، وسلكت بهم مسالك لا يرضاها السلف الصالح من الصحابة والتابعين. تكميل: إن الكشف عن معالم الصنعة الحديثية للإمام الحافظ أبي بكر بن العربي يحتاج إلى تتبع كبير لكل مصنفاته التي وصلتْ إلينا، ويكون ذلك عبر جملة أمور: الأوَّل: الكشف عن قواعد التعليل والتصحيح في كتبه. الثاني: تتبع المصطلح النقدي وتحديد مجالاته. الثالث: الكشف عن موارده الحديثية وتصنيفها. الرابع: الكشف عن أثر ذلك كله في كُتُبِ الخالفين، خصوصًا كتب تلامذته، كالسُّهَيلي، وابن بشكوال، وابن عُبَيد الله، وغيرهم. وهذا الذي كتبته هنا إنما هو محاولة لفهم أصول هذه الصنعة واستمداداتها، وربطها بمشروعه العلمي الكبير، والذي حاول من خلاله الإمامُ ابن العربي أن يُقَدِّمَ خدمة عظمى لهذه الأمة الإسلامية، بعدما رأى حالة الضعف التي طالت علوم الإسلام.

стр. 125

القطب الرابع: التفسيرُ المُصِيبُ اعتنى ابنُ العربي في "سراج المريدين" بعلم التفسير كثيرًا، واحتفل بذلك، وكان مبتدأ نظره في كثير من الأسماء والصفات من حيث موردها شرعًا؛ قرانا وسنة، كما فعل في كتاب "الأمد الأقصى في تفسير أسماء الله الحسنى وصفاته العلى"، وسَلَكَ في ذلك مسالك، ونهج مناهج، غير أن النظر في هذا الجانب يقتضي التعرف على أصل هذا، وهو كتاب "أنوار الفجر في مجالس الذِّكْرِ"، فنَذْكُرُ ما يفيد في التعريف به؛ باعتباره أصل أصول كتبه، ونذكر منهجه وطريقته فيه، ومصادره وموارده، ومن نقل منه وأفاد. الفصل الأوَّل: التعريفُ بكتاب "أنوار الفجر في مجالس الذكر" شرع الإمام ابنُ العربي في هذه المجالس عام ٥١٠ هـ، وإنما قلنا ذلك لأنه ذَكَرَ في كتبه التي صنَّفها في قرطبة أنه أملاه في عشرين سنة، وكان ابتداء هجرته إلى قرطبعة عام ٥٢٩ هـ، وبهجرته هذه توقَّف عن مجالس "أنوار الفجر" (١). وذَكَرَ أبو محمَّد الأَشِيرِي أن كتاب "الأنوار" في خمسة آلاف ورقة (٢)، ولم يذكر ضياعه، ولكن ابن العربي في مقدمة هذا "السراج" (٣) أشار إلى أن بعضه قد تعرَّض للضياع، بعد ما دُخِلَتْ عليه داره، ونُهِبَتْ _________ (١) ينظر: قانون التأويل: (ص ٣٦١)، والقبس: (٣/ ١٠٤٧ - ١٠٤٨)، ومقدمة الأمد الأقصى: (١/ ٢٤ - ٢٧). (٢) مقدمة المتوسط في الاعتقاد: (ص ٢٠). (٣) سراج المريدين: (١/ ١١).

стр. 126

كُتُبُه وماله، وإنما يهمنا هنا أن نذكر طريقته فيه، ونحدد منهجه، وما الذي يَفْرِقُ بينه وبين كتبه الأخرى. وهذا "السراجُ" مُعِينٌ على التعرف على ما ذكرتُ، فهو يَذْكُرُ أنه فسَّر آية واحدة في سِفْرٍ يحمله فرس، ويضيء كالقبس (١)، واستنبط من سورة يوسف ألف آية وعبرة (٢)، ودام في تفسير "سورة التكاثر" ستة أشهر، في مائة وثمانين مجلسًا (٣). وقد ظَفِرْتُ بنقل عزيز، وفائدة جليلة؛ ترجَّح عندي أن يكون من كتاب "أنوار الفجر"، بعد ما قارنته بكُتُبِ ابن العربي المنشورة، فظهر لي أن أنقل بعضه هنا ليتعرف على أُنموذج منه؛ يكون منه الدارس للتفسير وعلومه على معرفة وذُكْرٍ، وفيه معاني وأغراض مستنبلة، وتحقيقات رائقة، وتدقيقات فائقة. وعوَّل فيها على نُكَتِ أهل الإشارة، وسار على نهجهم، واحتفل في كل ذلك واعتضد بدقائق اللغة، ومحاسن الشعر، ولطيف العبارات، ليمزج كل ذلك ويجعله في قَرَنٍ واحد، ومقدار ما فسَّره من تلك الآية إذا نُشِرَ يكون في جزء وسط، بعد تخريج النصوص وتوثيق النقول. قال ابنُ العربي - في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦]-: "هذه الآيةُ لنا فيها بدائعُ من التفسير، وأنواعٌ من لُبَابِ التذكير، وفيه جملة مسائل: _________ (١) سراج المريدين: (٢/ ٢٢٧). (٢) سراج المريدين: (٣/ ٢٧٧). (٣) قانون التأويل: (ص ٣٣٠).

стр. 127

الأولى: المعنى في هذه الآية: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ على أمتك بتبليغ الرسالة، ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ بالجنة لمن أطاعك، ﴿وَنَذِيرًا﴾ بالنار لمن عصاك، ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾. الثانية: فيه ثلاثة أقوال: الأوَّل: داعيًا إلى شهادة أن لا إله إلا الله، قاله ابن عباس. الثاني: داعيًا إلى القرآن؛ الذي هو الحق والفصل المُبِينُ. الثالث: داعيًا إلى جميع الطاعات. الثالثة: قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِهِ﴾، أي: بأمره، لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ١ - ٣]، أي: عَظِّمْهُ وقَدِّسْهُ، فهو النذير وهو البشير؛ لقوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥]، وحقيقة البشارة: هي إدخال السرور في القلب. وسمَّاه نذيرًا، وأمره بالنذارة، فقال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩]، وقال: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٥١]، وبلغنا أن الله تعالى أوحى إلى داود ﵇: "يا داود؛ بَشِّرِ المذنبين، وأَنْذِرِ الصِّدِّيقِينَ إذا عجبوا بأعمالهم". وكما سمَّاه بشيرًا ونذيرًا فكذلك سمَّى جميع الأنبياء بهذا الاسم؛ فقال تعالى: ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء: ١٦٥]. وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾، فأخبر أنه في الدنيا دَاعٍ عباد الله إلى الله بإذن الله، وفي الآخرة يشفع لعباد الله إلى الله بإذن الله،

стр. 128

وذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، فأخبر تعالى إذ دَعَوْتَه في الدنيا بإذنه، ثم أضاف الدعوى إلى نفسه فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥]، وأخبر أنه لا يشفع أحد إلَّا بإذنه، ثم أضاف الشفاعة إلى نفسه فقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]، ثم أَعَمَّ القول في آية أخرى فقال: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]، يعني: أن الدعوة والنعمة من الله، والشفاعة من الله، والرحمة من الله" (١). هذا بَعْضٌ من كُلٍّ، وقَبْسَةٌ من نُورِ هذا الإمام، ونَظَرٌ مختصر، وتِبْيَانٌ معتصر، وفيه ما لا يوجد في غيره، وبه يُتعرَّف على منهج ابن العربي في كتاب "الأنوار"، ونَفَسِه فيه، ومُنَّتِه واقتداره، وما أورده في كتاب "الأحكام" (٢) إنما هو صُبابة منه، وبُلغة يتبلَّغ بها الطالب، و "الأنوارُ" قد حاز الأنوار. وظهر من هذا الذي نقلناه أن القاضي أبا بكر مُتَوَسِّعٌ في التفريع، مُسْهِبٌ في التشقيق، مائل إلى بسط الأقوال، مُعَوِّلٌ على لطائف أهل الإشارة. وفيه تعويلُه الكبير على تفسير الآيِ بالآيِ، واستخراج الوجوه منها، وتتبع موارد اللفظ في القرآن، والإحصاء له، ووَزْنِه بميزان اللغة والبيان، وهي طريقة مخترعة مبتكرة. _________ (١) الدر المنظم: (ق ٧٤/ ب - ق ٧٥/ أ). (٢) أحكام القرآن: (٣/ ١٥٤٦ - ١٥٥١).

стр. 129

وفيما لم نُورِدْهُ من هذه النقول تكملة النظر فيما حوته السنة الغراء من تفسير وبيان، حتى يكتمل عنده النظر، وحتى يقف منه على لُباب ما يرمي إليه أو يحتوي عليه. قال ابنُ العربي - في قانون التفسير -: "قد بيَّنَّا أنه لا يُفَسَّرُ القرآن إلَّا بالعربية التي نزل بها، أو باية أخرى، أو بحديث النبي ﷺ ، وغير ذلك باطل؛ لا سبيل لأحد إليه، ولا يَتَمَكَّنُ ولا يُمَكَّنُ منه" (١). وهو الذي كان وَفِيًّا به في كل مؤلفاته، قانونًا تخيَّره فما غيَّره، وطريقًا سلكه فما حاد عنه. وجمع في "أنواره" بين العلوم الثلاثة؛ علم التوحيد، وعلم الأحكام، وعلم التذكير، ففي كل آية من أي القرآن - بل في كل حرف من حروفه - حَظٌّ من هذه العلوم (٢). ومواردُه فيه يأتي ذِكْرُ بعضها في فصل "مصادر السراج"، ومعتمده "تفسير الطبري"، وفي تفسير أهل الطريقة كتابان؛ "الكشف والبيان" للثعلبي، و "اللطائف والإشارات" للقُشَيري، وغيرها ممَّا ذكره في "قانون التأويل" (٣). وأعانه "أنوار الفجر" على تصنيف سائر كتبه، فجرَّد منه "الأحكام"؛ الكبرى والصغرى، وجرَّد منه "شرح المشكلين"، وكتاب "الأنبياء"، وجرَّد _________ (١) سراج المريدين: (٣/ ٣٧٦). (٢) القبس: (٣/ ١٠٤٨). (٣) قانون التأويل: (ص ١١٨ - ١٢٠).

стр. 130

منه "سراج المريدين"، وجمعه بعد ما كان مفرقًا منثورًا، ولم يُخْلِ آية من آيِهِ من "عِلْمِ التذكير". الفصل الثاني: مبَاحِثُ التَّفْسِيرِ في كتاب "سراج المريدين" المبحث الأوَّل: طريقته فيه لمَّا كانت طريقة القاضي أبي بكر في التأسيس للأسماء والصفات مبنية على القرآن العظيم كان لزامًا عليه أن يتناول فيه مباحث التفسير ومسائله، ويعرض للقول في الآية وما شاكلها، ولمَّا كان هذا العلم قائمًا على القرآن ومنطلقًا منه كان ذلك أحرى بهذا الكتاب، وأَنْوَرَ له وأهدى سبيلًا. وطريقتُه فيه تتبع اللفظ الوارد منه في القرآن وإحصاؤه، وعَرْضُ معانيه؛ حسب سياقه وسباقه ولحاقه، والنظر في الاشتقاق، والنظر في أقوال المشيخة، وتأكيد ذلك بما ورد في السنن والآثار، وفَسْرِ ذلك، واستنباط ما يتعلَّق بالعلوم الثلاثة؛ إمَّا ذِكْرُها نصًّا وحرفًا حرفًا، وإما الإحالة على كتبها المختصة بها، أو التعلق بما يناسب المقام. وظهر لي أن الإمام أبا بكر لا يُعَوِّلُ في كتبه على مصادر واحدة، بل يُنَوِّعُهَا على حسب مقاصد التصنيف، فإن كان في الاعتقاد عوَّل على ما يناسبه، وإن كان في الأحكام عوَّل على ما يشاكله، أو في التذكير ذكر ما يلائمه، وهكذا. وكان أساسُ موارده في هذا "السراج" هو كتاب "اللطائف والإشارات"، فعوَّل على نكته، وبرَّز بإشاراته، ونزع بها إلى لطائف ذَكَرَها، وفوائد أظهرها.

стр. 131

وفي تتبعه لموارد الألفاظ والأسماء سلك ثلاثة طرق: الأوَّل: طريق التدلي. الثاني: طريق الترقي. الثالث: الجمع بينهما. أمَّا الطريق الأولى فقد سلكها في اسم "المتقي"، فأحصى ألفاظ التقوى وضمائمها، من أوَّل القرآن إلى آخره، وعَرَضَ لتفسيرها آية آية، حسب موقعها وموضعها، في مائة وثمانٍ وثمانين آية. وأما الطريق الثانية فسلكها في أسماء قلائل. وأما طريق التنويع فسلكها في غالب الأسماء، حتى يخيل إليك أنه لا يحصي فيما هو فيه من كلام، وهو يعرضُ عليك الآي، وإذا به يتتبع المعاني، وهي الطريق التي رضيها في غالب أبواب الكتاب وفصوله. ولا أحسب هذه الطريقة التي سلكها إلَّا من مبتكراته ومخترعاته، ومن أوَّلياته، لا نعلم أحدًا سلكها قبله، إلَّا أن يكون ذلك فيما طُوِيَ عنَّا من تفاسير الأحبار. ثم سلك طريقًا آخر في نظره في الآيِ، وهو النظر في عِلْمِ المناسبات، وهو - أيضًا - من مبتكراته، ومن سَوَابِقِ معارفه؛ التي طوَّق بها جِيدَ المشتغلين بالتفسير، والمتأولين لعلوم التنزيل، ومِنَّتُه ظهرتْ فيما احتفى به الناقلون، ومُنَّتُه برزتْ فيما احتفل به المفيدون، فعوَّلوا على كلامه فيها، ونوَّهوا بها، وصَدَرُوا عنها.

стр. 132

قال الإمامُ الحَبْرُ البَحْرُ أبو بكر بن العربي ﵁: "إنَّ ارتباط ايِ القرآن بعضها ببعض حتَّى تكون كالكلمة الواحدة مُتَّسِقة المعاني منتظمة البيان عِلْمٌ عظيم، لم يتعرَّض له إلَّا عالمٌ واحد؛ عَمِلَ منه "سورة البقرة"، ثم فَتَحَ الله لنا فيه، فلمَّا لم نَجِدْ له حَمَلَةً، ورأينا الخَلْقَ بأوصاف البَطَلَةِ؛ ختمنا عليه، وجعلناه بيننا وبَيْنَ الله ورَدَدْنَاهُ إليه" (١). ومشى على هذا النمط في أصل كُتُبِه؛ "أنوار الفجر"، فلحظ المتفرق وما فرَّقه، ونظر إلى المجتمع وما جمعه، ولم يتعرَّض له كثيرًا في هذا "السراج"؛ لأنه خالصٌ لعلم التذكير، وذاك من "علم النَّظْمِ"، وبابٌ آخر من أبواب النظر في كتاب الله العظيم. ولم يُخْفِ ابنُ العربي في سياقته لمعاني الآي كونها مجتلبة من كتابه "أنوار الفجر"، فلخَّص لبابها في هذا الكتاب، وبه استطعنا أن نتعرَّف منهجه، ونتبيَّن طريقته. المبحث الثاني: مسائله وموضوعاته ونَظَمَها على نَسَقِ العلوم الثلاثة؛ التوحيد، والأحكام، والتذكير، وراعينا ما راعاه، وقيَّدنا عنه ما توخَّاه، وهي: الأولى: مسائلُ عِلْمِ التوحيد وكان أكثر اعتنائه في تناوله لمعاني التنزيل وعلومه تنزيه الله تعالى عمَّا قاله فيه أهل الباطل، فذكر فيه ما فيه تعظيمٌ وتقديسٌ لله تعالى، ونزع بالآي إلى ما يُحَقِّقُ التوحيد ويُكَمِّلُه، وما يُقَرِّرُ التقديس ويُتَمِّمُه. _________ (١) سراج المريدين: (٤/ ١٤٤ - ١٤٥).

стр. 133

نَفْيُ الجهة عن الله تعالى: قال الإمامُ أبو بكر: "هذا الإله المُقَدَّسُ الذي استوى على العرش؛ هو الذي في السماء إله، وفي الأرض إله، وهو الذي ينزلُ إلى السماء الدنيا كلَّ ليلة، وهو الذي يكون مع كل مُتَنَاجِيَيْنِ، وهو الذي يكون بين العبد وبين رَأْسِ رَحْلِه، وهذا يردُّ أهلَ الغباوة على بطلان ما يريدون أن يُثْبِتُوا من جِهَةٍ لله أو مقدار؛ فإنَّ الذي يكون على العرش لو كان مُقَدَّرًا لاستحال أن يكون في السماء، لأنَّها أقلُّ من العرش، واستحال أن يكون بين المرء ورَحْلِه؛ فإنه أقل من شِبْرٍ، وليس بعد هذا البيان من الشرع لمن خالفه إلَّا العذابُ والهوان" (١). وقال - أيضًا -: "قال علماؤنا: لو لم يكن من المضاهاة بين من قال: إن المعبود في السماء، وبين فرعون إلَّا هذا القول؛ لكان كافيًا لخَزْيِ (٢) من قال ذلك، فقد كذب فرعون في قوله: إن الإله في السماء، ولو كان ذلك صحيحًا لكان فرعون مصيبًا من وجه، قال الله: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [غافر: ٣٧]، فأخبر أن اعتقاده أن المعبود في السماء باطل، وأنه بذلك مصدود عن سبيل الرشاد، ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٣٨] " (٣). _________ (١) سراج المريدين: (٣/ ١٨٢). (٢) في (ص) لخِزي. (٣) سراج المريدين: (٣/ ٣٨٩).

стр. 134

الفِكْرُ في الله تعالى: قال ابنُ العربي: "أمَّا الفِكْرُ في الله فقد روى الضعفاء عن النبي ﷺ أنه قال: "تفكَّروا في خَلْقِ الله، ولا تفكَّروا في ذات الله" (١)، وهذا حديث باطل، وإنما حضَّ الله على الفكر في اياته، والاعتبار بمخلوقاته؛ لأن ذاته لا يُتَصَوَّرُ الفِكْرُ فيها؛ لأن الفِكْرَ والنظر إنَّما هو لما له مِثْلٌ، ولمَّا لم يكن لها مِثْلٌ لم يُتَصَوَّرْ فيها فِكْرٌ" (٢). تعظيمُ قَدْرِ الأنبياء: وقد قدَّمنا بعض ذلك، وممَّا لم نذكره: ما ينتزعه ابنُ العربي من شواهد القرآن ودلائل البيان ممَّا فيه تعظيمٌ لخاتم الأنبياء سيدنا محمَّد ﷺ ، منها: حديثه عن جلاله، ورحمته، وما خُصَّ به من الفضائل والخصال، وما حازه من كُمَّلِ المناقب والمكارم (٣). الثانية: مسائلُ عِلْمِ الأحكام وفي هذا الكتاب مسائل كثيرة متعلقة بالأحكام، وفيها ما يتعلق بنوازلها، وما يختص بحوادثها، ممَّا يحتاج إلى نَظَرٍ وَافٍ، وفِكْرٍ صَافٍ، وتَقْرِيرٍ شَافٍ، وهي: _________ (١) أخرجه هنَّاد في الزهد من طريق الأعمش مرسلًا: (٢/ ٤٦٩)، رقم: (٩٤٥)، وكذلك عن الحسن مرسلًا: (٢/ ٤٦٩)، رقم: (٩٤٦)، وأبو نُعَيم في الحلية عن ابن سلام ﵁: (٦/ ٦٧)، وورد عند آخرين بأسانيد لا تخلو من ضعف، وينظر: المقاصد الحسنة: (ص ١٥٩)، رقم: (٣٤٢). (٢) سراج المريدين: (٢/ ٤٦٦). (٣) سراج المريدين: (٢/ ٤٧٤ - ٤٧٥).

стр. 135

أوَّلها: هل يترك الفقراء للولاة (١)؟ ثانيها: إذا لم تَفِ الزكاة بحقوق الفقراء (٢)؟ ثالثها: إذا أَذهبت الجوائح محلّ الزكوات (٣)؟ رابعها: هل تلزم المساواة في المواساة (٤)؟ خامسها: هل يُحْبَسُ بعض مال الزكاة عن الوالي لمن يحتاج إليه (٥)؟ سادسها: أحكام اللباس (٦)؛ سابعها: أحكام النِّكاح (٧)؛ ثامنها: أحكام المعاش والكسب (٨)؛ تاسعها: أحكام الأطعمة (٩)؛ عاشرها: أحكام المداواة (١٠). _________ (١) سراج المريدين: (١/ ٦٧). (٢) سراج المريدين: (١/ ٦٩). (٣) سراج المريدين: (١/ ٧٠). (٤) سراج المريدين: (١/ ٧١). (٥) سراج المريدين: (١/ ٦٩). (٦) سراج المريدين: (١/ ٨٦ - ١٢٢). (٧) سراج المريدين: (١/ ١٧١ - ١٨٨). (٨) سراج المريدين: (١/ ٨٤). (٩) سراج المريدين: (١/ ١٣٦ - ١٤٥). (١٠) سراج المريدين: (١/ ١٩٦ - ٢٠٦).

стр. 136

هذا في "المقام الأوَّل" من القسم الأوَّل من "السراج"، وبقيتْ أحكام أخرى عَرَضَتْ في الأسفار الأخرى، تُنظر في مواضعها وفهارسها المختصة بها. الثالثة: مسائلُ عِلْمِ التَّذْكيرِ وقد تقدَّم بعضه، ويأتي جُزْءٌ آخر منه؛ في "نظام ترتيب السراج وأساس تقريبه"، وفيه تناول ابنُ العربي الأسماء والصفات التي ينبغي على العبد أن يتسمَّى بها ويتَّصف، منها: الصبر، والتوكل، والخوف، والرجاء، والتقوى، والزهد، والعفة، والعلم، والعقل، والإيمان، والإسلام، وغيرها ممَّا يأتي بيانُ انتظامه وطريقُ اتساقه ومساقه. تتميم: وفي هذا التفسير المصيب كثير من النقد للمتقدمين، ممَّن كان لهم مجال وجولان في النظر في كتاب الله تعالى، وهو: القطب الخامس: النقد والتنقيد وأكثرُ نقده كان للمتزهدة والمتصوفة، فنظر في مقالاتهم التي خالفُوا بها القانون، وأكثرُ ما كان نقده لهذه الطائفة ما كان من طرائق الغلاة منهم؛ في تفسيرهم للآي، أو تعويلهم على ما لم يصح، أو في تعمقهم، إلى غير ذلك. فنَقَدَ من أنكر منهم الدعاء (١)، وعوَّل على الاستسلام لمجاري القدر، وذكر ما يؤول إليه هذا القول؛ من إبطال الاعتمال، والخمول تحت ثوب الإهمال. _________ (١) سراج المريدين: (٢/ ٢٨٦ - ٢٨٧).

стр. 137

وأكثرُ نقده كان لرجلين؛ أبي القاسم القُشَيري، وأبي حامد الطُّوسِي، فالأوَّل نقده فيما كان يذهب إليه - أحيانًا - في تفسير الآي، والآخَرُ نقده في خصوص مسائل من الاعتقاد، رأى أن أبا حامد قد جانب فيها الطريق، ومال فيها عن التحقيق. ونَقَدَ القاضي أبو بكر المتفقهة؛ كالإمام أبي حنيفة، والشَّافعي، وابن أبي زيد، وابن عبد البر، وابن رشد، وجماعة المفتين بالأندلس. ونقد أهل اللغة؛ كالخليل بن أحمد، وسيبويه، وأبي عُبَيد القاسم بن سلَّام. ونقد المفسرين؛ كالطبري، والثعلبي، والقُشَيري، وغيرهم. ونقد القدرية والمشبهة، ورَدَّ كثيرًا من مقالاتهم، وبين ضررها وإضرارها، ومآلاتها ونتائجها. ونقد الأدباء والمؤرخين؛ كالجاحظ، وابن المقفع، وغيرهما. وقد جمعنا المسائل المنتقدة في فهرس جامع، وسمَّينا المنتقَدين، ودللنا على موضعهم، ليسهل بعد ذلك على من رام التعرف على طريقة القاضي أبي بكر في النقد، ومسلكه في النقض والرد. القطب السَّادس: مقالات الصوفية والمتزهدة وحوى هذا "السراجُ" الكثيرَ من مقالات الصوفية والزهَّاد، والكثير من إشاراتهم، ودقائق استنباطاتهم، وفيه ما سمعه منهم في مجالسهم، وفيه ما تحقَّقه بنفسه، وقد قدَّمنا أن الإمام الحافظ خالطهم سنين عددًا، وثافن أكابرهم، وصاقب المتجردين والعاكفين والمتبتلين؛ نساءً ورجالًا، واطَّلع

стр. 138

منهم على ما يَسُرُّ، ورأى منهم ما قصَّه في كتابه هذا؛ من كرامات ظاهرة، وبشارات متواترة، ونَعِيمٍ وحُسْنِ حَالٍ. القطب السَّابع: الحكايات المختارة ولأن هذا الكتاب من كُتُبِ التحريض على الأعمال الصالحة، والأحوال الناصحة؛ وشَّاه بالحكايات، وبعضه مما ورد في كُتُبِ المتزهدة، وآخر ممَّا عاينه ورآه، فرأى أن لا يخليَ كتابه من هذا، خصوصًا أنها محجة مسلوكة، غير أنه تخفَّف في شرطه، فلم يراع الصحة دائمًا، لعدم دخول هذا الباب في أبواب الحديث والأثر، وليس ذلك عليه بمستنكر. وفي كثير من تلك الحكايات ما لم يرد في ديوان آخر، وفيه من أخبار مشيخته وشيوخهم ما يفيد في معرفة ما طُوِيَ عنَّا، وغالبه لم يقع الإفادة منه على الوجه المعتبر. القطب الثامن: الأشعار المستعذبة وساق منها الكثير، ممَّا درج الصوفية على اللهج به، وعوَّل في غير قليل من تلك الأشعار على ما ورد في "لطائف الإشارات"؛ فهو كثير الإيراد لها، كثير الاحتفاء بها، كثير الإشارة إلى الأحوال من خلالها، ولربما لخَّص منها ما أراد قوله بها. واستحسن ابنُ العربي هذه الطريقة، وأصَّل لها، وذَكَرَ أن ما درج عليه الزهَّاد والعبَّاد من إنشاد تلك الأشعار على المعاني الحقة، أو المدائح الفخرية على الأحوال الصادقة؛ قد كان منه شيء عند الصَّدْرِ الأوَّل، من صَرْفِ الشِّعْرِ إلى مستحقه، وقَلْبِه من معناه الباطل إلى معناه الحق.

стр. 139

القطب التاسع: صناعة الحدود ولأن كتابه قائم على الأسماء، كان لا بد من النظر في هذا الاسم، وتتبع موارده، ليخلص إلى معناه، ويحدد فحواه، كما فعل في "الأمد الأقصى"، وما ورد فيه من الحدود والتعريفات شيء كثير، وقد ألحقنا بالسِّفْرِ الأخير من هذا الكتاب فهرسًا لهذه الحدود؛ لفائدته وثمرته المرجوَّة.

стр. 140

نظامُ ترتيبه وأساسُ تقريبه

стр. 141

أقام الإمام أبو بكر بن العربي كتاب "سراج المريدين" على نِظَامٍ لم يُسْبَقْ إليه، ولا حوَّم مؤلف عليه، وعَقَدَ أبوابه على نَمَطٍ من النظر فريد، مراعيًا جودة التأليف، ومحجة التصنيف، وهي سبيل سلكها في كل كتبه، وطريق سار فيها في كل تصانيفه، ونذكر ما وصل إليه النظر في شأن هذا الكتاب، وما ظهر لنا في أبوابه ومباحثه ومسائله. وجعل ابنُ العربي كتابه في مقدمة وبَابَيْنِ وخاتمة، وكل واحدة من تلك المذكورات لها فصولها ومباحثها ومسائلها، وما يلتحق بها من النكت والتنبيهات والنَّقَدَاتِ والتتميمات. مقدمة السراج: وفيها ذَكَرَ عَزْمَه على التصنيف في "علم التذكير"، وأنه كان رجاء رجاه من زمن، ويسَّر الله الشروع فيه والبداءة في إملائه، وربطه بكتابه الكبير "أنوار الفجر في مجالس الذِّكْرِ"، وذكر فيها من رَضِيَهم من المتزهدة، وهما: الحارث المحاسبي، وأبو القاسم القُشَيري، راضيًا طريقتهما، وسالكًا نهجهما. وجعله خالصًا للصفات التي ينبغي للعبد أن يتحلَّى بها، ويرتسم بمعانيها، ويسير بهداها، حتى يكون ممَّن اصطفاه الله لخدمته، ورضيه في جواره بجنته، وأفاض عليه من واسع رحمته. وبيَّن أن هذه الصفات قد مضت منها أُصُولٌ في فُصُولِ "الأمد الأقصى"، وفي فصل التنزيل منه كان صَغْوُ القاضي أبي بكر إلى ما ينبغي للعبد وما يجب عليه، وجعل في غالب الأسماء هذا الفصل ملازمًا لها،

стр. 142

حتى قارب أن يكون ما أضافه للعبد منها وما جعله في إمكان تصرفه بالغًا الألف حُكْمِ، وهو بهذا كان شارعًا للناس بابًا من النظر في تخلق الناس بتلك الأسماء والصفات، على ما يليق بمقام العبودية وما يجوز فيه. ثم استطرد إلى ذِكْرِ فوائد الكتاب، وفيه ما شَرَطَهُ على نفسه؛ من التعلق بصحيح الحديث والآثار وحَسَنِها، والتفسير المصيب، والحكايات والأمثال، وغيرها ممَّا يلتحق بالتصنيف، مع الاختصار في كل ذلك. الباب الأوَّل: المقامات وهي مقامات أربع، مقام الحياة الدنيا، ومقام الموت، ومقام البعث والنشور، ثم الجنة أو النار، وفي كل مقام مباحثه ومسائله ومطالبه، وفوائده وفرائده. وإنما كانت البداءة بهذه المقامات دون الأسماء والصفات لأمور ثلاثة: الأوَّل: أن التحلي بهذه الصفات إنما يكون في هذه الحياة الدنيا، وهي موضع الابتلاء، وموقع العمل والاعتمال. الثاني: أن من كَتَبَ في الزهد والتصوف تناول هذه المقامات، وذَكَرَ متعلقاتها، وإن كان التناول والبحث مختلفًا، فلكُلٍّ طريقته، ولكُلٍّ ترتيبه، فأبو طالب تحدَّث عن بعضه في "القُوتِ"، ونثره في فصول مقاماته، وأبو حامد كذلك فعل في "الإحياء"، إلا أنه قدَّم كثيرًا من متعلقات المقام الأوَّل، وأَخَّرَ بعضًا آخر.

стр. 143

الثالث: دخول غالب هذه المقامات في "علم التذكير"، كما عرَّفه ابن العربي، وقد تقدَّم ذِكْرُ ذلك، وهو قَوْلُه: "ويدخل في علم التذكير: الوعيد والوعيد، والجنة والنار والحشر" (١)، فقوله هذا يُدْرجُ مقامات ثلاثة به؛ أحدها: مقام الموت، وهو قوله: "الوعد والوعيد". وثانيها: مقام البعث والنشور، وهو قوله: "الحشر". وثالثها: مقام الجنة أو النار، وهو بَيِّنٌ. وإنَّما ألحق به مقام الحياة الدنيا لأنه سابق عليها، وطريق إليها. ونسرد الآن المقامات كما رتَّبها الإمام أبو بكر، وهي: المقام الأوَّل: مقام الحياة الدنيا وذَكَرَ فيه قَدْرَ الدنيا ووَزْنَها عند الله تعالى، وما ينبغي للعبد أن يتعلَّق به فهمه منها، حاضًّا على الزهادة فيها، ناصحًا بعدم التوغل في نعيمها، مُحَذِّرًا من الاغترار بزُخْرُفِها، ضاربًا المثال بسَيِّدِ المرسلين مولانا مُحَمَّدٍ ﷺ ، وما كان له من أحوالٍ في هذه الدار الزائلة؛ ثم ما كان من أحوال صحابته، الذين ساروا على نهجه، وكانوا على هداه؛ زهادةً وقلة التفات إلى مفاتنها وفتنها. وذكر - أيضًا - ما ينبغي أن يكون عليه العبد وهو فيها؛ من الجد والحق، والنية الحسنة، والعمل الصالح، فرغم أنها دار زوال وغرور، إلَّا أنها لا بد منها، ولا بد من الاعتمال فيها؛ طلبًا للباقية، ورجاءً في الأخرى. _________ (١) قانون التأويل: (ص ٢٣٠).

стр. 144

ثم عرض القاضي أبو بكر لأحوال العبد في هذا المقام، وما يعترضه منها، وما يواجهه فيها، وما يكون عليه أمره، وما يصير إليه فكره، ليحذر عاقبة السُّوءِ، وفاجعة السَّوْءِ. الحال الأوَّل: طلب القوت وفي هذا الحال: مسائل ومباحث، وفصول وأصول، ونكت وتنبيهات، وتتميمات وتكميلات. وكلها تتعلق بطلب القوت، وما يجوز فيه، وما يمتنع، مع الدلالة على الكفاية من ذلك، والتحريض على ما ينفع في هذا الباب. واستطرد إلى ذِكْرِ نوازل نزلت وطرائق طرقت هذا القطر المغربي، من الجوائح والمجاعات، وما جُبِلَ عليه الناس، وذَكَرَ خاصَّة علماء الأندلس، وما انطوت عليه دخائلهم من البخل واللجاجة، وعدم المساعدة والمواساة. الحال الثاني: كيفية اللباس وذكر فيه أنواع اللباس، وما يجوز منه، وما يحرم، وما يكره، وفيه تفريعات حسنة، ومقاصد مستحسنة، مع الاستطراد إلى بعض أحوال أهل الأندلس في ذلك. الحال الثالث: الهيئة وجعلها متمحضة لخصال الفطرة، وما ينبغي فيها، وما يكون من آدابها.

стр. 145

الحال الرابع: كيفية الطعام وذكر فيه أنواع الطعام وفوائده، وآدابه وفضائله. الحال الخامس: النكاح وذكر فيه حاجة المرء إليه، وأنه أكمل لمن رام الأكمل، ولمن قدر عليه، مع ذِكْرِه لحقوق الزوجية؛ حق الرجل، وحق المرأة، وما ينبغي أن يكون بينهما من الفضل والتقدير. الحال السَّادس: التداوي وذكر منازله ومراتبه، واستطرد إلى ذكر أحوال الكُمَّلِ من الأنبياء؛ سيدنا أيوب ﵇، وما مسَّه في ذلك، وحالته فيه، وصبره معه، وكرامة الله له، مع تنزيهه عن مفتريات المفترين، وأوابد الجاهلين. المقام الثاني: مقام الموت فإن تمادى به المرض حتى أسلمه إلى حتفه انتقل إلى المقام الثاني، وهو مقام الموت. وهو في حالات ثلاثة؛ الأولى: حالة القبض وفيه ذَكَرَ الاحتضار، وما يعانيه المحتضر من سكرات الموت، وكيفية قبض الروح.
следующие страницы →