← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

وصَدَقَ، ثم قال: أَدْعُوكَ رَبِّي كما أَمَرْتَ تَضَرُّعًا … فإذا رَدَدْتَ يَدِي فمَنْ ذَا يَرْحَمُ وكَذَبَ، ما دَعَاهُ كما أَمَرَ، وإنَّما (١) دعاه كما قَدَرَ وقُدِّرَ. والخطباءُ يقولون على المنابر: "اللهم إنَّا قد دعوناك كما أمرتنا، فاستجب لنا كما وعدتنا، إنك لا تخلف الميعاد"، وصدق والله. وأمَّا هُمْ فأخاف أن تكون دَعْوَى، فإن شروط الدعاء معلومة، وهي عندنا معدومة. واختلف الناسُ في إجابة المضطر على أربعة أقوال (٢): الأوَّل: أن الإجابة بالقول، وأمَّا كَشْفُ السوء فبالطَّوْلِ (٣). الثاني: أن الإجابة بالكلام، وكشف السوء بالإنعام. الثالث: أن دعاء المضطر والمظلوم لا مَرَدَّ له، ولكن لكُلِّ أجل كتاب، كما يُرْوَى في دعوة المظلوم أن الله يقول: "لأنصرنَّك ولو بعد حين" (٤). الرابع: قال الأستاذ أبو القاسم: "للجِنَايَةِ سِرَايَةٌ، فمن كان للجناية مختارًا فليس تَسْلَمُ له دعوى (٥) الاضطرار عند سِرَايَةِ جُرْمِه (٦) الذي سَلَفَ

стр. 1157

وهو مختارٌ فيه، فأكثرُ الناس يتوهَّمون أنهم مضطرون، وذلك الاضطرارُ سِرَايَةُ (١) ما بَدَرَ منهم في حال وَهَمٍ (٢) اختيارهم (٣)، وما دام العبدُ يتوهَّم من نفسه شيئًا من الحَوْلِ والحِيلَةِ، ويرى لنفسه شيئًا من الأسباب (٤) يعتمد عليه أو يستند إليه؛ فليس بمضطر، إلَّا أن يرى نفسه كالغريق في البحر، والضال في المتاهة، والمضطر يرى عِنانه بيد سَيِّدِه، وزِمامه في قبضته؛ كالمَيِّتِ بيد غاسله، ولا يرى لنفسه استحقاقًا [للنَّجاة (٥)]؛ لأنه يخاف أن يَقَرأَ (٦) اسمَه في ديوان الشقاوة، فلا ينبغي للمضطر أن يستعين بأَحَدٍ في أن يدعو له؛ لأنَّ الله وَعَدَ (٧) الإجابةَ له، لا لمن يدعو له" (٨). ثم كما وَعَدَ المضطر الإجابة وكَشْفَ السُّوءَ وَعَدَهُ أن يجعله خليفةً في الأرض، ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥]، لم يقل: إزالة، ولكن قال: ﴿مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، كذلك قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٤]، ثم قال (٩): ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٤]، فإن العبد إذا زال عنه عُسْرُه وكُشِفَ عنه ضُرُّهُ كان كما قال القائلُ:

стр. 1158

كأن الفَتَى لم يَعْرَ يومًا إذا اكْتَسَى … ولم يَكُ صُعْلُوكًا إذا ما تَمَوَّلَا (١) قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي (٢) ﵁: أمَّا الذي قاله الأستاذ: "من سِرَايَةِ الجناية"، فليس يُسَلَّمُ له؛ فإنَّ كل أَحَدٍ له ذَنْبٌ، وما أصابه فبذنبه، ويعفو عن كثير. [حقيقةُ المُضْطَرِّ]: والمُضْطَرُّ هو الذي يُوقِعُه ذنبُه في أُنْشُوطَةٍ، فيتطارحُ على ربه ويَتَمَلَّقُ له، ويرمي بنفسه بين يديه ويستسلم إليه، ويعترف بالذنب لديه، ولو كان إجرامُه يقطعُ دعاءه لكان ذلك يأسًا، و ﴿لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. وأمَّا قوله: "إن حقيقة المضطر من يرى نفسه كالغريق في البحر، والضَّالِّ في المتاهة؛ الذي ليست (٣) له حيلة"، فصحيحٌ، وكذلك هو كلُّ مؤمن مع ربه؛ فإنه يعلم أنه لا يملك لنفسه شيئًا ولا لغيره، ويرى أنه إن عاقب فله ذلك بمُلْكِه، وإن عفا عنه (٤) فبفضله، وإن أجاب فبوعده، وإن لم يُجِبِ العَبْدَ فيما سَلَفَ من تقصيره في حقه؛ وهذا هُوَ المُضْطَرُّ.

стр. 1159

ولا تعجبُوا- معشر المريدين- من دُعاء ذي النون في بطن الحوت مُضْطَرًّا، فإنه قد كان على درجة عظيمة من الاختيار؛ بأن أَبْقَى معه عقله وجنانه (١)، ودفع عنه الشيطان (٢)، فتمكَّن من التضرع إليه كما كان يَتَمَكَّنُ في البَرِّ في منزله. [أوَّلُ المُضْطَرِّينَ]: وأوَّلُ من دعا من المضطرين بعد ما قاسى البلاء المُبِين والكَرْبَ العظيم نُوحٌ ﵇، قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٧]، فاستجاب الله له، ويقول يوم القيامة: "لستُ لها- يعني: الشفاعة-؛ إني دَعَوْتُ على قَوْمِي" (٣). وقال بعضُ الناس: "إنه لم يَدْعُ عليهم حتى قال الله له: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] " (٤). ولو كان (٥) هذا هكذا لم يكن في الدعاء ما يُوقِفُه عن التقدم في الشفاعة؛ فإنه كان يكون واضعًا للدعوة مَوْضِعَها. ودعا مُوسَى وهارون صلى لله عليهما (٦) فقالا: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨].

стр. 1160

وقد قال بعضُ المُفَسِّرينَ (١): "إن دعوة موسى هذه كانت بإِذْنٍ؛ لأن الأنبياء ضُمِنَتْ لهم العِصْمَةُ". فدلَّ على أن الدعاء بهذه الجملة كان (٢) بإِذْنٍ، ويَعْضُدُه قوله في التخلي عن الشفاعة: "إني قتلتُ نَفْسًا (٣) لم أُؤْمَرْ بقتلها" (٤)، ولم يقل: دَعَوْتُ على فرعون وقَوْمِه. وقد حكى رسول الله ﷺ : أن نَبِيًّا من الأنبياء جَرَحَه قَوْمُه، فجَعَلَ يسيلُ الدم (٥)، وجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ ويقول: "اللَّهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" (٦). وأمَّا مُحَمَّدٌ ﷺ فقال حين خرج فَارًّا إلى الطائف وطَرَدُوهُ: "اللهم إليك أشكو ضَعْفَ قُوَّتِي، وقِلَّةَ حيلتي، وهَوَانِي على النَّاسِ، يا أرحم الراحمين، اللهم أنت رَبُّ المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تَكِلُنِي، إلى بعيد يَتَجَهَّمُنِي، أو إلى عَدُوٍّ مَلَّكْتَه أَمْرِي، إن لم يكن بك عليَّ غَضَبٌ فلا أبالي، ولكن عَافِيَتُك أوْسَعُ لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظُّلَمُ، وصَلَحَ عليه أمرُ الدنيا والآخرة؛ أن تُحِلَّ غَضَبَك بي، أو تُنْزِلَ سَخَطَكَ عَلَيَّ، لك العُتْبَى حتى تَرْضَى، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بك" (٧).

стр. 1161

وقال ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ وقد تَصَافُّوا: "اللهم أَحِنْهُم الغداة" (١)، فاستُجِيبَ له. وقال ﵇ (٢): "اللهم الْعَنْ أبا جَهْلِ بن هشام، وعُتبة بن ربيعة، وشيبة (٣) بن ربيعة، والوليد بن عتبة، ورِعْلًا وذَكْوَان، وعُصَيَّةَ عَصَتِ لله ورسوله" (٤)، فاستجيب له، وفي ذلك كَلَامٌ بينَّاه في "الناسخ والمنسوخ" (٥) و"شَرْحِ الحديث". وخَفِيَ على الأستاذ أبي القاسم أن الكافر المضطر (٦) قد يستجيب الله له إِمْلَاءً واستدراجًا، فكيف لا يستجيب لمن معه أَصْلُ الإيمان تَرْوِيحًا وانفراجًا؟ [دخولُ ابن العربي المُنَستير عام ٤٩٤ هـ]: لمَّا (٧) دَخَلْتُ المُنَسْتِيرَ (٨) سنة أربع وتسعين وأربعمائة؛ أخبرني (٩) رؤساؤها العابدون، ومشيختها الزاهدون: "أن الروم أَرْسَوا إليهم وطلبُوا

стр. 1162

شراء الماء منهم، على ما تفعله العرب معهم، فبذلوا لهم المال العظيم فيه فامتنعوا عليهم؛ لأنه عَوْنٌ لهم على غَزْوِ المسلمين، وحبَسَتْهُم الرِّيحُ عندهم (١) أيَّامًا، حتى كادوا يموتون عَطَشًا، فأَخْرَجُوا أناجيلهم وفتَحُوها، وجَأَرُوا واستسقَوا واستشفعوا (٢)، فأنشأ الله السَّحَابَ وأَلْقَحَها، وأمطرهم مَطَرًا عظيمًا، فسُقُوا وشُفِّعُوا، ونَصَبُوا الأنطاع، وجمعوا المياه (٣)، وملؤوا جِرَارَهم وجُرُبَهم" (٤). قالوا لي: "فلمَّا رأينا ذلك قامت المَشْيَخَةُ المُخْلِصَةُ وقالوا: معاشر المنقطعين إلى الله؛ إن هذه أمة كافرة أخلصت فاستُجِيب لها، فتعال نخلص فيهم لعله يُستجاب لنا، فنشرنا المصاحف وانتدبنا للدعاء؛ أن يمكننا الله منهم، ولا يفتنَّا بهم، ولا (٥) يفتنهم بنا، فأرسل الله رِيحًا بحرية؛ فمحت السَّحاب وأعصفت عليهم، وهَالَ البَحْرُ، وعَظُمَ المَوْجُ، واضطربت القطائع، فكلَّما زادوا مَرْسًى زادت الريحُ، حتى قَطَعَتْ حبالهم، ورَمَتْهُم إلينا واحدةً بعد أُخْرَى، ترمي الأمواجُ بالقِطْعَةِ على الحجارة فتنكسرُ، ويَخْرُجُونَ فتُضْرَبُ رِقَابُهم؛ واحدًا بعد آخَرَ، ويَقْذِفُ البَحْرُ جميع ما في القِطْعَةِ فنَغْنَمُه هكذا؛ واحدةً بعد أُخْرَى، حتى هَلَكَ جَمِيعُهم، والحمد لله رب العالمين".

стр. 1163

[رِفْقُ إبراهيم ﵇]: وقد قال الله تعالى مُخْبِرًا عن ناحية الرِّفْقِ وجِهَةِ اللِّينِ من الخليل إبراهيم صلوات الله عليه: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾ [إبراهيم: ٣٦]. قال المُفَسِّرُونَ (١): "قال: ﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾، ولم يقل: "ومن عصاك "، فطَلَبَ الرَّحْمَةَ فيما كان من (٢) حَقِّ نفسه، ولم ينتصر لها". وهذا ضعيفٌ؛ فإن عِصْيَانَه عِصْيَانُ الله حَقِيقَةً، وقد قال النبي ﷺ يوم بَدْرٍ لمَّا اختار أبو بكر الفداءَ وعُمَرُ القَتْلَ: "مِثْلُك يا أبا بكر مِثْلُ إبراهيم، في قوله (٣): ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي﴾ الآية، ومِثْلُك يا عمر كمِثْلِ نوح، قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ " (٤). [من شروط الدعاء]: وقد قال الله لموسى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٨٩].

стр. 1164

قيل: معناه: ولا (١) تَسْتَعْجِلَا (٢). وقيل: من شَرْطِ الدعاء صِدْقُ الافتقار في الابتداء، وتَرْكُ العَجَلَةِ في الانتهاء، وكَمَالُ الرضا بالقضاء (٣). وقيل: الاستقامةُ أن يَثِقَ بالإجابة من الثلاثة الأَوْجُهِ التي قال رسول الله ﷺ إنها تكون بها. وما قاله الأستاذ "من أن المضطر لا يَسْأَلُ (٤) الدعاءَ له "؛ فغير صحيح، هذا النبي ﷺ في الصحيح- قد قال لعمر: "يا أخي أَشْرِكْنَا في دعائك " (٥)، وهو غير محتاج إليه، ولكنها فَضِيلَةٌ لعُمَرَ، وسُنَّةٌ في الاستعانة بدُعاء الغَيْرِ، والآثارُ في ذلك كثيرة أوردناها في "أنوار الفَجْرِ". وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] وقد كُنَّا أَمْلَيْنا في "أَنْوَارِ الفَجْرِ" في تَفْسِيرِ قوله: ﴿أُجِيبُ﴾ عِشْرِينَ قَوْلًا، أَصَحُّها الوجوه الثلاثة التي تقدَّمت. [المفاضلةُ بين الذِّكْرِ والدعاء]: وقد اختلف الناسُ في الذِّكْرِ والدُّعَاءِ أيهما أفضل (٦)؟

стр. 1165

فقال قَوْمٌ: الذِّكْرُ أَفْضَلُ، وذكروا في ذلك حديثًا: "من شَغَلَهُ ذِكْرِي عن مسألتي أعطيتُه أفضل ما أُعطي السائلين" (١). وهذا ممَّا لم يَصِحَّ سندُه. ورَّده (٢) قَوْمٌ إلى المسألة الأولى؛ من أن الدُّعَاءَ اختيارٌ على الله، والذِّكْرَ إقبالٌ على الله. والذي أقوله: إن الدعاء ذِكْرٌ وتَذَلُّلٌ، فإن حَضَرَتْ نِيَّةٌ قَوِيَّةٌ في الذِّكْرِ والاستكفاء به والاستغناء به فإنِّي أَرْجُوها. قال النبي ﷺ : "لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يذكرون الله إلا حَفَّتْهُم الملائكة، وغَشِيَتهم الرحمة، ونزلت عليهم السَّكينة، وذكرهم الله فيمن عنده" (٣). وحديث: "هذا جُمدان؛ سِيرُوا، سَبَقَ المُفْرِدُون، الذين أُهْتِرُوا (٤) بذكر لله" (٥)، قد تقدَّم (٦).

стр. 1166

قال تعالى: "أنا عند ظَنِّ عَبْدِي بي، وأنا معه إذا ذكرني" (١). وقال ﷺ : "إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذِّكْرِ، فإذا وجدوا قَوْمًا يذكرون الله تنادَوا: هلمُّوا إلى حاجتكم، قال: فيحفُّونهم بأجنحتهم إلى السَّماء، فإذا تفرَّقوا عَرَجُوا إلى السَّماء، فيسألهم ربُّهم - وهو أعلم بهم -: من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عبادك في الأرض، قال: فيسألهم ربهم - وهو أعلم بهم (٢) -: ما يقولُ عبادي؟ قالوا: يُسَبِّحُونَكَ ويُكَبَّرُونَكَ، ويحمدونك ويُهَلِّلُونَكَ ويُمَجِّدُونَكَ، فيقول: هل رأوني؟ فيقولون: لا، والله ما رأوك، فيقول: وكيف لو رأوني؟ قال: فيقولون: لو رأوك لكانوا (٣) أشد لك (٤) عبادةً، وأشدَّ تمجيدًا، وأكثر تسبيحًا، قال (٥): فيقول: وما يسألون (٦)؟ فيقولون: الجنة، فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا، وا لله ما رأوها، فيقول: وكيف لو رأوها؟ قال: فيقولون: لو أنهم (٧) رأوها لكانوا أشدَّ عليها حِرْصًا، وأشدَّ لها طَلَبًا، وأعظم فيها رغبةً، قال: فممَّ يتعوَّذون؟ فيقولون: من النار، قال: وهل رأوها؟ قال: فيقولون: لا، والله ما رأوها، قال: فيقول: وكيف لو رأوها؟ فيقولون: لو

стр. 1167

رأوها لكانوا (١) أشدَّ منها فِرَارًا، وأشدَّ لها مخافةً، قالوا: ويستغفرونك، قال: فيقول: أُشْهِدُكم أني قد غفرتُ لهم، وأعطيتُهم ما سألوا، وأَجَرْتُهم ممَّا استجارُوا، قال: فيقول مَلَكٌ من الملائكة: فيهم فُلَانٌ، ليس منهم، إنما جاء لحاجته، - وفي رواية: فلانٌ خَطَّاءٌ، إنما مَرَّ فجلس معهم -، فيقول: وله قد غفرتُ، هُم القَوْمُ لا يشقى جليسهم" (٢). وليس بعد هذا الحديث مَطْلَبٌ لأحد، وفيه فَضْلُ الدعاء والذِّكْرِ (٣) والاستغفار، وكلها مُرْتَبِطٌ بعضُها ببعض. وثبت أن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم بخير أعمالكم" (٤)، الحديث. وقال النبي ﷺ : "أفضل الكلام أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولأن أقولها أَحَبُّ إليَّ ممَّا طَلَعَتْ عليه الشَّمْسُ" (٥). وقال ﷺ : "من قال سبحان الله وبحمده في يَوْم مائة مَرَّةٍ غُفرت خطاياه وإن كانت مثل زَبَدِ البحر، ولم يأت أَحَدٌ بمثل ما جاء به إلا من عَمِلَ أكثر من ذلك" (٦).

стр. 1168

وقال ﷺ : "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن؛ سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" (١). وقال ﷺ : "أيعجز أحدُكم أن تُكتب (٢) له كل يَوْمٍ ألف حسنة بم يسبح مائة تسبيحة، فيُكتب له ألف حسنة" (٣). وسئل النبي ﷺ : "أي الكلام أفضل؟ قال: ما اصطفى الله لملائكته؛ سبحان الله وبحمده" (٤). وعن جُوَيْرِيَةَ بنت الحارث: "أن النبي ﷺ خرج عنها بُكْرَةً حين صلَّى الصبح، ووجدها في مسجدها بعد أن أضحى وهي جالسةٌ، قال لها: ما زلت على هذه الحال منذ (٥) فارقتك؟ قالت: نعم، قال لها: لقد قُلْتُ بعدك أربع كلمات ثلاث مرات؛ لو وُزِنَتْ بما قُلْتِ اليوم لوَزَنَتْهُنَّ؛ سبحان الله العظيم وبحمده، عَدَدَ خَلْقِه، ورضا نَفْسِه، وزِنَةَ عَرْشِه، ومِدَادَ كلماته" (٦).

стр. 1169

وقال ﷺ : "من قال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، لَهُ المُلْكُ وله الحَمْدُ، وهو على كل شيء قدير، في يَوْمِ مائة مرة كانت له عِدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وكُتِبَتْ له مائة حسنة، ومُحِيَتْ عنه مائة سيئة، وكانت له حِرْزًا من الشيطان يَوْمَه ذلك حتى يُمْسِي، ولم يَأْتِ أَحَدٌ بأفضل ممَّا جاء به إلَّا من عَمِلَ أكثر منه" (١). وقال ﷺ : "لا حول ولا قوة إلا بالله كَنْزٌ من كنوز الجنة" (٢). ومن الحديث الحسن: "أَفْضَلُ الذِّكْرِ لا إله إلا الله، وأَفْضَلُ الدعاء الحمدُ لله" (٣). فاقتصروا على هذا الصحيح، ففيه كِفَايَتُكم. وليكن استخدامُكم لجوارحكم (٤) في الطاعة أَكْثَرَ من استخدامكم لألسنتكم في الذِّكْرِ، فكونوا سُكُوتًا عُمَّالًا مُطِيعِينَ، ولا تقتصروا من العمل على ذِكْرِ اللِّسَانِ. وقد قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥١]. وقال عنه النبي ﷺ : "قال الله (٥): من ذَكَرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، ومن ذَكَرني في ملأ ذكرتُه في ملأ خير من مَلَئِه، ومن جاء بالحسنة

стр. 1170

فله عشرُ أمثالها أو أزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاءُ السيئة بمثلها (١) أو أغفرُ، ومن تقرَّب مني شِبْرًا تقربتُ منه ذِرَاعًا، ومن تقرَّب مني ذراعًا تقربت منه باعًا (٢)، ومن آتاني يمشي أتيتُه هَرْوَلَةً، ومن لَقِيَنِي بقِرَابِ الأرض خطيئةً لا يشرك بي شيئًا لَقِيتُه بمثلها مغفرةً، ومن عادى لي وليًا فقد آذنتُه بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عَبْدٌ (٣) بشيء أحبَّ إلي ممَّا افترضتُه عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطُش بها، ورِجْلَه التي يمشي بها، فلئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددت في شيء أنا فاعلُه تَرَدُّدِي عن (٤) نَفْسِ عبدي المؤمن، يَكْرَهُ الموت وأنا أكره مَسَاءَته" (٥). وفي "فوائد أبي الفضائل بن طَوْقٍ" التي أخبرنا بها بمدينة السَّلام، في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ جُمْلَةٌ كافيةٌ. نُبْذَتُها: أن العبد يجبُ عليه (٦) - بحَقِّ الإلهية وحُكْم العبودية - أن يكون دَائمَ الذِّكْرِ لله (٧)، قائم الفِكْرِ في آياته، إلا أن ذلك يَفُوتُ طَوْقَ البشرية، فجعل الله تعالى للذِّكْرِ أَوْقَاتًا، وضَرَبَ له مِيقَاتًا، وهو وإن كان يَفُوتُ طَوْقَ البشرية فإنه حَقُّ العبودية، فما للعبد وتَصرفه (٨) لنفسه التي هي مَمْلُوكَةٌ لغيره في عَمَلِ غيره.

стр. 1171

[نَقْدُ قول من فرَّق بين العبادة والعبودية]: ويُفَرِّقُونَ بين العبادة والعبودية: فالعبادةُ عندهم هي (١) في قَوْل وعَمَلٍ مخصوص. والعبوديةهو (٢): خَلْعُ النَّفْسِ عن النَّفْسِ، والاستسلامُ بالكلية إلى الله تعالى. وهذا وإن كان صحيحًا فلا يُمكن، وما لا (٣) يُمْكِنُ لا يؤمر به شرعًا، فلا يتعاطاه إلا ناقص، وأنَّ القَدْرَ المشروع لا يستطيعُه أَحَدٌ، فكيف بالزيادة عليه، ولو لم يتعرَّض للذِّكْرِ (٤) طَلَبُ الأَجْرِ لكان أفضلَ مطلوب، وأوفى مرغوب؟ لِمَا يُقابله من شَرَفِ المنزلة وعَظِيم (٥) المرتبة في قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، فجعل جَزَاءَ ذِكْرِه (٦) ذِكْرَه بنَفْسِه لعبده. [تفسيرُ قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾]: وفي ذلك للناس عبارات كثيرةٌ حَضَرَنا الآن منها (٧) جُمْلَةٌ من خَمْسِينَ قَوْلًا:

стр. 1172

الأوَّل: اذكروني بطاعتي، أَذْكُرْكُم برحمتي، قاله ابن عبَّاس وابن جبَيرٍ (١)، يشهدُ له قوله : ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢) [آل عمران: ١٣٢]. الثاني: اذكروني بطاعتي، أذكركم بمَعُونَتِي (٣)، شاهده قولُه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، ومن حديث أبي هِنْدٍ الدَّارِي: قال رسول الله: "قال الله: اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي، فمن ذَكَرَنِي وهو لي مطيع فحَقٌّ عليَّ أن أذكره بمغفرتي، ومن ذَكَرَنِي وهو لي عَاصٍ فحَقٌّ عليَّ أن أذكره بمَقْتٍ (٤) " (٥). الثالث: اذكروني بالثناء بالنِّعْمَةِ، أذكركم بالثناء بالطاعة. الرا بع: اذكروني بالشكر، أذكركم بالثواب. الخامس: اذكروني بالدعاء، أذكركم بالإجابة. السَّادس: قال فُضَيل (٦): "اذكروني بالطاعة، أذكركم بالثواب" (٧)،

стр. 1173

بيانُه قولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]. السَّابع: اذكروني بالتوحيد، أذكركم بالتسديد. الثامن: اذكروني بالإيمان، أذكركم بثواب الجِنان (١)، شاهدُه قولُه: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٤] الآية. التاسع: اذكروني بالشُّكْرِ، أذكركم بالزيادة (٢)، شاهدُه قولُه: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٩]. العاشر: اذكروني على ظَهْرِ الأرض، أذكركم في بَطْنِها (٣). الحادي عشر: اذكروني في الدنيا، أذكركم في العُقْبَى، قال الأصمعي: "وقفتُ بعرفات فرأيت أعرابيًّا واقفًا (٤) يقول: عَجَّتْ إليك الأصوات، بضروب اللغات، يسألونك الحاجات، وحاجتي إليك (٥) أن تذكرني عند البِلَى، إذا نَسِيَنِي أَهْلُ الدنيا" (٦). الثاني عشر: اذكروني بإخلاص النية، أَذْكُرْكُمْ لأن أُحْيِيكم حياة طيبة، يشهدُ له قولُه : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].

стр. 1174

الثالث عشر: اذكروني في الخَلْوَةِ، أذكركم حيث الخَلْوَةُ حقيقةٌ، والعَدَمُ للخَلْقِ حقيقةً، والاختفاءُ والسر حقيقةً (١). الرابع عشر: اذكروني في الملأ، أذكركم في ملأ خَيْرٍ منهم (٢). الخامس عشر: اذكروني في الرخاء، أذكركم في الشدة (٣)، دليلُه: حديث الغار: "أن ثلاثة نَفَرٍ (٤) آووا إليه (٥) من المطر، فَدَهْدَأَ المَطَرُ صَخْرةً على فَم الغَارِ، ولم يقدروا على الخروج، وتوسَّل كل واحد منهم إلى الله بوسيلة تقدَّم ذكرُها فأخرجهم" (٦)، وقد بَقِيَ (٧) تمامُه في اسم "الدَّاعِي". وقال في يونس: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤]. وقال في فرعون: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١]. السَّادس عشر: اذكروني بالنَّعْمَاءِ، أذكركم بالجزاء (٨). السَّابع عشر: اذكروني بالتسليم لي والتفويض، أذكركم بالهداية والتعويض (٩).

стр. 1175

الثامن عشر: اذكروني بالمحبة، أذكركم بالقُرْبَةِ (١)، قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٦]. التاسع عشر: اذكروني بالتَّوْبَةِ، أذكركم بغُفران الحَوْبَةِ (٢). المُوَفِّي عشرين: اذكروني بالسؤال، أذكركم بالنَّوَالِ (٣). الحادي والعشرون: اذكروني بلا غفلة، أذكركم بلا مُهْلَةٍ (٤). الثاني والعشرون: اذكروني بالمعذرة، أذكركم بالمغفرة (٥). الثالث والعشرون: اذكروني بالإرادة، أذكركم بالإعادة (٦). الرابع والعشرون: اذكروني بالتنصل، أذكركم بالتفضل (٧). الخامس والعشرون: اذكروني بالإخلاص، أذكركم بالخلاص (٨). السَّادس والعشرون: اذكروني بقلوبكم، أذكركم بغُفران ذنوبكم. السابع والعشرون: اذكروني باللِّسان (٩)، أذكركم بالإيمان. الثامن والعشرون: اذكروني بالافتقار، أذكركم بالاقتدار (١٠).

стр. 1176

التاسع والعشرون: اذكروني ذِكْرًا فَانِيًا، أذكركم ذِكْرًا باقيًا (١). المُوَفِّي ثلاثين: اذكروني بالابتهال، أذكركم بالإفضال (٢). الحادي والثلاثون: اذكروني بالاعتراف، أذكركم بمحو الاقتراف (٣). الثاني والثلاثون: اذكروني بصفاء السرِّ، أذكركم بوفاء البِرِّ (٤). الثالث والثلاثون: اذكروني بالتعظيم، أذكركم بالتقديم (٥). الرابع والثلاثون: اذكروني بالتكبير، أذكركم بالضمير (٦). الخامس والثلاثون: اذكروني بالتحميد، أذكركم بالمزيد (٧). السَّادس والثلاثون: اذكروني بالمناجاة، أذكركم بالنجاة (٨). السَّابع والثلاثون: اذكروني بتَرْكِ الجفاء، أذكركم بحِفْظِ الوفاء (٩).

стр. 1177

الثامن والثلاثون: اذكروني بترك الخَطَا، أذكركم بفَضْلِ (١) العَطَا (٢). التاسع والثلاثون: اذكروني بالجِدِّ في الخِدْمَةِ، أذكركم بنَفْي الحَدِّ في النِّعْمَةِ (٣)، يَعْضُدُه قولُه: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ١٩]. المُوَفِّي أربعين: اذكروني من حيث أنتم، أذكركم من حيث أنا، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (٤) [العنكبوت: ٤٥]، ويتفرَّعُ هذا على الوجوه المذكورة في "قانون التأويل" بجميع المتعلَّقات، مما يكمل للباري ويَجِبُ له، وممَّا يليقُ بالعبد وينبغي له، وقد بينَّاها في "أَنْوَارِ الفَجْرِ"، فالقطُوها منها فإنها طَوِيلَةٌ. الحادي والأربعون: اذكروني بالقَبُولِ، أذكركم ببُلوغ المأمول وإيتاء السُّولِ. الثاني والأربعون: اذكروني بالموافقة، أذكركم بالمُكَارَمَةِ (٥)، وما أحسن قول القائل (٦): وإنَّما المَرْءُ (٧) حَدِيثٌ بعده … فكُنْ حَدِيثًا حَسَنًا لمن وَعَى

стр. 1178

الثالث والأربعون: اذكروني بقَطْعِ العلائق، أذكركم بوَصْلِ الحقائق (١). الرابع والأربعون: اذكروني بتَرْكِ كل خطيئة، أذكركم بتَرْكِ كل مؤاخذة، قال الله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]. الخامس والأربعون: اذكروني بلا حساب، أذكركم بلا عذاب. السَّادس والأربعون: اذكروني بلا عدد، أذكركم بلا أَمَدٍ، وما أحسن قوله (٢): الله يعلم (٣) أنِّي لَسْتُ أَذْكُره … وكيف يذكرُه من ليس ينساهُ السَّابع والأربعون: اذكروني لِذَاتِي، أُنِلْكُم لَذَّاتِي. الثامن والأربعون: اذكروني بنِعَمِي، أذكركم بكَرَمِي. التاسع والأربعون: اذكروني، أَذْكُرْكُمْ وإن لم تذكروني، قال علماؤنا (٤): لأن نعمه دائمة عليه، وهو ذِكْرُه. المُوَفِّى خَمْسِينَ: اذكروني كيف كنتم، أَذْكُرْكُمْ في كل حَالٍ منكم (٥). أمَّا المؤمن فيذكره بخير ما يُذْكَرُ (٦) به أَحَدٌ (٧).

стр. 1179

وأمَّا الكافر فيَرِدُ عليه شر ما ذَكَرَةُ (١) به أَحَدٌ. قال الرَّبِيعُ: "إني لأعلم إذا ذكرني الله، قيل له: ومن أين؟ قال: إذا ذكرتُه، لقوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ " (٢). قال الحافظ أبو بكر (٣) ﵁: وهذا يعني به ذِكْرَ الإحسان، وإلا فالباري تعالى يَذْكُرُ كلَّ أحد بعَمَلِه، ولأجله غَلَا بعضُ الزهَّاد وقد قيل له: "اذكر الله، فقال: ومِثْلِي يذكرُه؟ إذا غَسَلْتُ فَمِي بسبعين تَوْبَةً مُتَقَبَّلَةً ذكرتُه" (٤). وكان بعضُهم يُنْشِدُ إذا رأى ما هو عليه من المعصية وأَرَادَ الذِّكْرَ: ما إن ذَكَرْتُكَ إِلَاهُمَّ تَلْعَنُنِي … جَوَارِحِي ولساني عند ذِكْرَاكَا حتى كأنَّ رقيبًا منك يَهْتِفُ بي … إيَّاك ويحك (٥) والتَّذْكَارَ إيّاكَا (٦) وكذلك اختلفُوا في الاستغفار مع الإصرار، فقال بعضهم: أستغفرُ الله مِنْ أستغفرُ الله … من لَفْظَةٍ صَدَرَتْ خالفتُ معناهَا وكيف أرجو إِجَابَاتِ (٧) الدُّعَاءَ وقد … سَدَدْت بالذنب عند الله مَجْرَاهَا (٨)

стр. 1180

وقال الآخرون (١): "بل يستغفر". ومن الحِكْمَةِ (٢): "ما أَصَرَّ من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة". وبه أقولُ. ومن (٣) الحَقِّ لكل مُذنِبٍ أن يستغفر، وإن عَلِمَ من نفسه أنه مُصِرٌّ، وإنى لأعجبُ من تَوْفِيقٍ يُسِّرَ له شيخُ البَطَّالِينَ فقال: إِنْ كان لا يدعوك إلَّا مُحْسِنٌ … فمن الذي يَدْعُو ويرجو المُجْرِمُ (٤) وفي الحديث: "إذا أذنب العبدُ ثم استغفر قال الله تعالى: عَلِمَ عبدي أن له ربًّا يغفرُ الذنوب، قد غَفَرْتُ له" (٥)، ولم يَذْكُرْ تَوْبَةً؛ فدَلَّ على أن التوبة منزلةٌ أخرى، زائدةٌ عليها عالية. فالتزموا - ألزمكم الله تحقيقه، ويسَّر لكم توفيقه - ما ألزمكم الشرع، وانتهجوا السبيل التي شَرَعَ لكم، وخُذُوا من الذِّكْرِ والدعاء الصحيح، وأعرضوا عمَّا سواه. شِعْرٌ (٦): فالعُمْرُ أَنْفَسُ من أن تُنفقوه سُدًى … في غير ما صَحَّ من وَحْي وقرْآنِ فاستنجِدوه لِمَا تَرْجُونَ من أَمَلٍ … واسْتَمْجِدُوه بغُفران ورِضْوَانِ

стр. 1181

واسْتَسْمِنُوه وعُوجُوا عن غَثَاثَتِه … كلُّ ذلك من تَلْبِيسِ شَيْطَانِ (١) [الاعتداءُ في الدعاء]: وقد انتدَبَ قَوْمٌ تَجَرَّدُوا للخير بزعمهم، لم يكن لهم عِلْمٌ بالحديث، فذَكَرُوا (٢) كل (٣) مُتَرَدِّيَةٍ ونَطيحَةٍ في الذِّكْرِ والأدعية وغير ذلك، كابن نَجَاح (٤) والسَّمَرْقَنْدِي (٥)، ولا عجب إلَّا من إمامنا وشَيْخ العَصْرِ نَصْرِ بن إِبْرَاهِيمَ المَقْدِسِيِّ؛ فإنه جَمَعَ كتابًا في الزُّهْدِ (٦)، فجعل يُرَتِّبُ صلاة الأيام والأدعية، وهي كلها موضوعةٌ لا أَصْلَ لها، مناكيرُ لا يُعْرَفُ راويها (٧).

стр. 1182

واعتدى (١) الناس على شريعتهم، واعْتدَوا (٢) إلى صحائف ليست في تأليف، "كدعاء (٣) فلان"، و"تسبيح فلان"، فاللهَ الله عِبَادَ الله، أَقْبِلُوا على دينكم، واقبضوهُ بيده، وعَوِّلُوا على عُمَدِه، واقتدُوا بأئمته؛ مَالِكٍ، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وأبي داود، والنسائي، وهي تَوْصِيَتِي إليكم (٤)، وحُجَّتِي عليكم، وفَرِيضَتِي التي تَعَيَّنَتْ عليَّ أَدَّيْتُها إليكم، وفَائِدَةُ رِحْلَتِي التي نَأَيْتُ بها عنكم، والله خَلِيفَتِي عليكم، وهو حسبُنا ونِعْمَ الوكيل (٥). نُكَتُ القرآن في الصلاة: ومن غَرِيبِ مَنْزِلَتِها ما رَكَّبَ الله فيها وعليها في كتابه، وذلك كثيرٌ، الحاضرُ منها الآنَ قولُه تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ١ - ٢] الآية، فجعل الله القرآن هُدًى لمن أقام الصلاة وآتى الزكاة، كما جعله هُدًى للمؤمنين، وشفَاءً لمن طَلَبَ (٦) الأمان، وحَقَّقَ ذلك بالقول والفعل فاهتدى، وكان ذلك له (٧) سِرَاجًا، فيُقِيمُ صُوَرَها (٨) بجسده، ويحفظ معانيها ومقاصدها بقلبه.

стр. 1183

وقد قَرَنَها الله بالصَّبْرِ في قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٤]، فالصَّبْرُ فَطْمُ النفس عن المعتادات، والصَّلَاةُ استخدام الجوارح في المشقَّات، والتردد بين اختلاف الحالات حتى تَتَمَرَّنَ بتَرْكِ الشهوات (١). ومن تعظيمها اتخاذُ الأوطان لها؛ وهي المساجد، أَذِنَ اللهُ في ترفيعها، وقد ذكرنا فيها في "شرح الحديث" نَحْوًا من مائة حُكْمٍ، فلتُطْلَبْ (٢) هنالك. ولم تَزَلِ الشرائع على هذا حتى أَكْرَمَ الله هذه الأمة بأن جعل الأرضَ لها مسجدًا، ولم يكن ذلك لمن قبلها، فالوقتُ كلُّه لها، والمحلُّ كلُّه لها، إلَّا ما استثنى من ذلك، وهو قليل، وجَعَلَ بَيْتَه (٣) قِبْلَةً، وما مَكَّنَ من ذلك أَحَدًا قبل هذه الأمة، وطَهَّرَه حين (٤) خَلَقَه، وأَوْعَزَ (٥) بذلك إلى خَلْقِه، وفي ذلك فوائدُ بينَّاها في "أنوار الفجر". وكَرَّرَ الاستعانة بالصبر والصلاة عند حلول المكاره، والصَّبْرُ آخرُ الأمْرِ يَأْسًا (٦)؛ فقَدَّمَه الله بالأَمْرِ في أَوَّله أَجْرًا، وقَرَنَه بالصَّلاة استدفاعًا لغير ما نَزَلَ، وتَخْفِيفًا ممَّا (٧) وقع، فيُكَافَأُ بصلاة الله عليه، فما جَعَلَ الله جَزَاءَ الصَّلاةِ إلَّا الصَّلَاةَ، كما جعل جَزَاءَ الذِّكْرِ الذِّكْرَ، فقال تعالى: ﴿اذْكُرُونِي

стр. 1184

أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥١]، وجَعَلَ جَزَاءَ (١) الإِنْفَاقِ الإِنْفَاقَ، قال النبي ﷺ : "يا بلالُ؟ أنفق، ولا تخش من ذي العرش إِقْلَالًا" (٢)، وقال الله تعالى: "أَنْفِقْ يُنْفَقْ (٣) عليك". وبذلك يتمُّ الهدى الذي قدَّمناه، كما قال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون﴾ [البقرة: ١٥٦]، ولذلك أَمَرَ بالمحافظة عليها فقال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾] البقرة: ٢٣٦]، والمحافظةُ عليها دُخُولُها بنيَّة الهَيْبَةِ، والخروجُ عنها بنيَّة التعظيم، وبيَّن أن فيها صَلَاةً (٤) مُعَظَّمَةً، وأَبْهَمَها حتى يَعُمَّهَا التعظيم، فقال: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (٥) [البقرة: ٢٣٦]. ثم أخبر الله أن آكِلَ الرِّبَا مُعْتَلُّ العَقْلِ (٦)، مُخْتَلُّ الأَمَلِ، مُتَصَرِّفٌ في خَبَلٍ، ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٤] الآية (٧). ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٦]،

стр. 1185

أي (١): لَهُمُ الأمنُ والعِوَضُ عمَّا أنفقُوا، وهذا الذي تراه للمُرْبِي من نُمُوٍّ مَمْحُوقٌ، والذي ترى من عَدَمِ المُتَصَدِّقِ (٢) بَاقٍ مَوْجُودٌ، والمعاني بذواتها لا بصُوَرِها. وكذلك رُدَّ من الكفر إلى الإيمان، ومن الخَوْضِ في الباطل إلى الصلاة؛ لترتفع الحَيْرَةُ، وتُغفر الزَّلَّةُ، كما قال: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾ [الأنعام: ٧٠ - ٧٢]، أي: الزمُوا المناجاة والتقوى. وقال الخليل (٣): ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٨٠]. وقال لمُحَمَّدٍ ﷺ (٤): ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٤ - ١٦٥)، يعني: في زمانكم. وقال: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٥) [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]؛ على (٦) صراط مستقيم، وهو أن لا ترى من دونه شَيْئًا.

стр. 1186

والدِّينُ القَيِّمُ: ما لا تَمْثيلَ فيه ولا تعطيل؛ والحَنِيفُ: المائلُ إلى الحق، الزائلُ عن الباطل (١)، وهو من غَرِيبِ الأسماء؛ فإنه عند الناس في العاهات، وهو عند الله في أعلى الدرجات. مسألة: وقد حضرتُ مثله (٢) في بغداذ، في قصة غريبة ذكرتُها في كتاب "تَرْتيبِ الرِّحْلَةِ للتَّرْغِيبِ في المِلَّةِ". [عَظَمَةُ الصلاة]: ولمَّا استقام النبيُّ (٣) - صلى الله عليه - على الطريقة، وكُوشِفَ بالحقيقة، وارتقى إلى أعلى الدرجات؛ قال: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٤)، شهد أن القَادِرَ (٥) عليه، والمُجْرِيَ لأموره، والمُصَرِّفَ له، والمُنَقِّلَ من حَالَ إلى حَالٍ، ومن وَصْفٍ إلى وَصْفٍ، ومُصَرِّفَه في العبادات حَالَ الحياة، وفي الدرجات بعد الممات؛ هو اللهُ وحده، لا يُشاركه في ذلك أَحَدٌ، وهذه نهايةُ التَّوْحِيدِ وإخْلَاصِ العبادة. وقد وَصَفَ الله المؤمنين بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ

стр. 1187

حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (١) [الأنفال ٢ - ٤] بأنهم إذا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قلوبهم، لغلبة مقام الخَوْفِ عليهم، وأَدْأَبُوا أنفسهم في العبادة بإقامة الصلاة، وأنفقوا المال من غير ادِّخار؛ لأن قلوبهم غَنِيَّةٌ من المعرفة، وأبدانهم مشتغلة بالخدمة، فمن أَحْسَنَ منهم فهو في أعلى الدرجات، ومن أساء فله مغفرة السيئات، وكذلك من أناب إليها بعد الفرار منها، كان مع من ابتدأ عملها، لقوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]. ومن فَضْلِها سُمِّيَتْ جَمِيعُ الأعمال بها، قال الله تعالى مُخْبِرًا عن حال شُعَيب ﵇: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ [هود: ٨٧]، أي: أعمالك الصالحة؛ وذلك أنه كثيرًا (٢) ما كان يصلي؛ بِحَمْلِ سائر فِعْلِه على مُعْظَمِه، وهي الصلاة. وقيل: أُطْلِقَ على كُلِّ عَمَل اسْمُ الصَّلَاةِ تَشْرِيفًا، كما أُطْلِقَ عليه اسمُ الإيمان، إذ المعنى في الكُلِّ وَاحِدٌ. ولأنها عبادةُ الملائكة قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]. وقال تعالى في جميع الخَلْقِ (٣): ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٦]، ثم ميَّز (٤)

стр. 1188

بَعْضَهم وفصَّل في مَوْضِعٍ آخر، فقال: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (١) [النحل: ٤٩]. والسُّجُودُ بالاعتقاد والقول والفعل والحال، وهي الدِّلَالَةُ على الوحدانية بحاله (٢)، فإذا حصَّلها رَجَعَ الأَجْرُ إلى الأوَّل فاستقرَّت في قلبه، وتحقَّق بها اعتقادُه، واستمرَّت (٣) صفاتُها على وَجْهٍ بيَّنَّاه من قبلُ، ويأتي مَزِيدُ بَيَانٍ فيما بعد ذلك من الأسماء والصفات إن شاء الله. صَلَاةُ النَّافِلَةِ: وإذا أَحْكَمَ الفرائض فليَعْطِفْ عِنَانَ الاجتهاد إلى النوافل، وأَوْكَدُها السُّنَنُ التي نَدَبَ النبيُّ ﷺ إليها أو (٤) أوجبها، على اختلاف العلماء، وليَعْطِفْ على مُجَرَّدِ الفَضْلِ بعد ذلك، وهي اثنتا عشرة ركعة: أَرْبَعٌ قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان قبل العصر، وركعتان بعد المغرب في بيته، وركعتان بعد الجمعة في بيته، وركعتان عند حلول الشمس من المشرق بالنسبة التي تَجِبُ صلاة العصر في كونها من المغرب بم وهو الضحى؟ الذي من أتى بها (٥) كان من الأوَّابين (٦)، وحَمَى ثَلَاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ عَظْمًا فيه من النار، قال النبي ﷺ : "يُصْبحُ على كل سُلَامَى من ابن آدم

стр. 1189

صدقة"، وذَكَرَ الحديث: "فأمرُه بالمعروف صدقة، ونهيُه عن المنكر صدقة (١) "، وذَكَرَ خِصَالًا، إلى أن قال: "وركعتا الضحى تُجزئان من ذلك" (٢)، فإن قَدَرَ فإحدى عشرة ركعة من الليل، وأقلُّها ثلاث؛ إن شاء أَوَّلَ الليل، وإن شاء آخِرَه، فقد كان أبو بكر ﵁ يُوتِرُ أَوَّلَهُ، ويقول: "واحَرَزَاهُ، وأبتغي النوافل" (٣)، وكان عُمَرُ ﵁ يُوتِرُ آخره (٤)، وكلٌّ علي قَدْرِ ما يَعْلَمُ من نَفْسِه. [صَلَاةُ الجنازة]: وصَلَاةُ الجنازة فَرْضٌ على الكِفَايَةِ، يأخذها الناس هيئة، وما أعظمها، تجمعُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ خَصْلَة: العِبْرَة؛ النُّصْرَة؛ العِوَضِيَّة؛ التذكرة؛ الموعظة؛ الكرامة؛

стр. 1190

الراحة؛ المَثُوبة؛ الدعاء؛ الشَّرِكَة في الرحمة؛ الأُنْس من الوحدة؛ الوفاء بعد الوفاة؛ التعزية. فأمَّا العِبْرَةُ فهو مِثْلُك، وكأنَّ بِكَ مِثْلَه: فما نحنُ إلَّا مثلهم غير أنَّنا … أَقَمْنَا قليلًا بَعْدَهُمْ وتَقَدَّمُوا (١) وأمَّا النُّصْرَةُ فإن المسلم يَتَعيَّنُ على المسلم أن ينصره حيًّا فيما ينزلُ به من المكروه، وبه كَلَامٌ وحِرَاكٌ وعَقْلٌ، فكيف به (٢) إذا ذَهَبَ ذلك (٣) كلُّه؟ فلم يُعَبِّرْ بلسانه عن حاجته (٤)، ولا تحرَّك لمُنَاوَلَتِه (٥)، ولا عَقَلَ شَيْئًا من الذي كان فيه في حياته. وأمَّا العِوَضِيَةُ؛ فإن غَسَّلْتَ غُسِّلْتَ، أو حَمَلْتَ ودَفَنْتَ، حُمِلْتَ ودُفِنْتَ، لم أَرَ في تلك البلاد الكريمة (٦) اسْتِئْجَارًا على شيء من ذلك،

стр. 1191

إنَّما يغَسِّلُ الرَّجُلَ جارُه، أو صاحبُه، أو قريبُه، فإذا كُفِّنَ قال قائل: "احْمِلُوا تُحْمَلُوا"، فانتَدَبَ إلى حَمْلِه كلُّ من حَضَرَ أو عَبرَ (١). وأمَّا التذكرة فإن المَرْءَ في غَفْلَةٍ، حتى إذا رأى الجنازة ثَابَ إليه ذُكْرُه الذي ذَهِلَ عنه، وقد (٢) كان النبيُّ ﷺ إذا رآها قام إليها، وقال: "إنها لنَفْسٌ (٣) أوانُها فَرَغَ (٤) " (٥)، ثم نُسِخَ ذلك (٦)، وبقي القيامُ إليها بالقَلْبِ. وأمَّا الموعظةُ؛ فبالحذر من أن ينزل بك (٧) مثلُ ذلك، فتُعِدَّ له بوصية وعَمَلٍ واستدراكِ فَائِتٍ من توبة واستغفار. وأمَّا الكرامةُ؛ فله بستره (٨)، فإنه جِيفَةٌ كما سمَّاه النبي ﷺ في المؤمن، فكيف غيره؟ ولك بألَّا ترى ما تَكْرَهُ (٩) فيه أو منه، وبذلك تحصلُ الراحة لك وله؛ فإنك تَقْدُمُه إلى مدفنه، وهو موضع إِطْلَاعِه على منزله في الجنة.

стр. 1192

وأمَّا المثوبةُ؛ "فمن صلَّى على جنازة فلَهُ قِيرَاطٌ، ومن اتَّبعها حتَّى تُدْفَنَ فله قِيرَاطَانِ؛ أصغرُهما مثلُ أُحُدٍ" (١). وأمَّا الدعاءُ؛ فإن عَلِمْتَ فيه (٢) خَيْرًا قُلْتَ: "هذا عبدُك فلان، ولا نعلم إلَّا خيرًا، وأنت أعلمُ به، فاغفر لنا وله" (٣)، ولا تَقُلْ: "إلَّا ما تَعْلَمُ"، كذا قال النبي ﷺ . قال العلماء: "فإن عَلِمْتَ غيره؛ فإن كان من أهل الأهواء قُلْتَ ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: ٦]، وإن كان عاصيًا قُلْتَ - إن أَرَدْتَ له الخير -: اللَّهم إنه لا يتعاظمك ذنب، ولا تنقصك رحمة، ولا تَغِيضُ خزائنك من مَوْهَبَةٍ، فارحمه وهَبْ (٤) له عفوك، إنك أنت العفو الغفور". فإنَّك إذا دَعَوْتَ له أخذت حَظَّكَ منه، وأخذ حظَّه منك، من كان منكما أَصْلَحُ انتفع بِصَاحِبِه (٥).

стр. 1193

وأمَّا الشَّرِكَةُ في الرحمة؛ فيما يكون من القَبُولِ للدعاء، أو بما (١) يكون له (٢) من قَبُولِ شفاعتكم فيه، أو بما يعودُ عليكم من بركته. وأمَّا الأُنْسُ من الوحدة؛ فإنه إذا أُنزل في قبره يُستحبُّ أن يجلس عليه سَاعَةً يَسْتَأنِسُ المَيِّتُ بهم، حتى يُرَاجعَ المَلَكَيْنِ (٣) رُسَلَ ربِّه. وأمَّا الوفاء؛ فلأنَّه (٤) كان له صاحبًا، والمُسْلِمُ للمسلم ذُخْرٌ في المُلِمَّاتِ، وهذا آخِرُ ما يكون بينهما، فيجب أن يَفِيَ (٥) به، وهو مَتَاعٌ قَلِيلٌ من حَبِيبٍ مُفَارِقٍ. وأمَّا التعزية؛ فقد قال النبي ﷺ : "من عَزَّى مُصَابًا فله مِثْلُ أَجْرِه" (٦). قيل: دعا له (٧). وقيل: قال (٨) كَلَامًا حَسَنًا، يُسَلِّيه به (٩) ويَقَعُ منه (١٠) مَوْقِعَه (١١).

стр. 1194

وقد عَلِمَ كلُّ مسلم أن للباري سبحانه على العبد نِعَمًا لا تُحْصَى، فمنها: نِعْمَةُ البَدَنِ، وهي الصِّحَّةُ والسَّلامة، ومنها: نِعْمَةُ المال، وهي الغِنَى والثروة، فجَعَلَ شُكْرَ نِعْمَةِ البَدَنِ الصَّلَاةَ، وجَعَلَ شُكْرَ نِعْمَةِ المال الصَّدَقَةَ (١)، فكَانَ: * * *

стр. 1195

الاسم التَّاسع عشر: المُصَّدِّقُ (١) وهو يَرْجِعُ إلى الصِّدْقِ؛ كما تقدَّم في تفسيره، لمُوَافَقَةِ إنفاقه لاعتقاده (٢)، ويُسَمَّى "المُزَكِّي". * * *
следующие страницы →