← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

إنَّما يغَسِّلُ الرَّجُلَ جارُه، أو صاحبُه، أو قريبُه، فإذا كُفِّنَ قال قائل: "احْمِلُوا تُحْمَلُوا"، فانتَدَبَ إلى حَمْلِه كلُّ من حَضَرَ أو عَبرَ (١). وأمَّا التذكرة فإن المَرْءَ في غَفْلَةٍ، حتى إذا رأى الجنازة ثَابَ إليه ذُكْرُه الذي ذَهِلَ عنه، وقد (٢) كان النبيُّ ﷺ إذا رآها قام إليها، وقال: "إنها لنَفْسٌ (٣) أوانُها فَرَغَ (٤) " (٥)، ثم نُسِخَ ذلك (٦)، وبقي القيامُ إليها بالقَلْبِ. وأمَّا الموعظةُ؛ فبالحذر من أن ينزل بك (٧) مثلُ ذلك، فتُعِدَّ له بوصية وعَمَلٍ واستدراكِ فَائِتٍ من توبة واستغفار. وأمَّا الكرامةُ؛ فله بستره (٨)، فإنه جِيفَةٌ كما سمَّاه النبي ﷺ في المؤمن، فكيف غيره؟ ولك بألَّا ترى ما تَكْرَهُ (٩) فيه أو منه، وبذلك تحصلُ الراحة لك وله؛ فإنك تَقْدُمُه إلى مدفنه، وهو موضع إِطْلَاعِه على منزله في الجنة.

стр. 1192

وأمَّا المثوبةُ؛ "فمن صلَّى على جنازة فلَهُ قِيرَاطٌ، ومن اتَّبعها حتَّى تُدْفَنَ فله قِيرَاطَانِ؛ أصغرُهما مثلُ أُحُدٍ" (١). وأمَّا الدعاءُ؛ فإن عَلِمْتَ فيه (٢) خَيْرًا قُلْتَ: "هذا عبدُك فلان، ولا نعلم إلَّا خيرًا، وأنت أعلمُ به، فاغفر لنا وله" (٣)، ولا تَقُلْ: "إلَّا ما تَعْلَمُ"، كذا قال النبي ﷺ . قال العلماء: "فإن عَلِمْتَ غيره؛ فإن كان من أهل الأهواء قُلْتَ ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: ٦]، وإن كان عاصيًا قُلْتَ - إن أَرَدْتَ له الخير -: اللَّهم إنه لا يتعاظمك ذنب، ولا تنقصك رحمة، ولا تَغِيضُ خزائنك من مَوْهَبَةٍ، فارحمه وهَبْ (٤) له عفوك، إنك أنت العفو الغفور". فإنَّك إذا دَعَوْتَ له أخذت حَظَّكَ منه، وأخذ حظَّه منك، من كان منكما أَصْلَحُ انتفع بِصَاحِبِه (٥).

стр. 1193

وأمَّا الشَّرِكَةُ في الرحمة؛ فيما يكون من القَبُولِ للدعاء، أو بما (١) يكون له (٢) من قَبُولِ شفاعتكم فيه، أو بما يعودُ عليكم من بركته. وأمَّا الأُنْسُ من الوحدة؛ فإنه إذا أُنزل في قبره يُستحبُّ أن يجلس عليه سَاعَةً يَسْتَأنِسُ المَيِّتُ بهم، حتى يُرَاجعَ المَلَكَيْنِ (٣) رُسَلَ ربِّه. وأمَّا الوفاء؛ فلأنَّه (٤) كان له صاحبًا، والمُسْلِمُ للمسلم ذُخْرٌ في المُلِمَّاتِ، وهذا آخِرُ ما يكون بينهما، فيجب أن يَفِيَ (٥) به، وهو مَتَاعٌ قَلِيلٌ من حَبِيبٍ مُفَارِقٍ. وأمَّا التعزية؛ فقد قال النبي ﷺ : "من عَزَّى مُصَابًا فله مِثْلُ أَجْرِه" (٦). قيل: دعا له (٧). وقيل: قال (٨) كَلَامًا حَسَنًا، يُسَلِّيه به (٩) ويَقَعُ منه (١٠) مَوْقِعَه (١١).

стр. 1194

وقد عَلِمَ كلُّ مسلم أن للباري سبحانه على العبد نِعَمًا لا تُحْصَى، فمنها: نِعْمَةُ البَدَنِ، وهي الصِّحَّةُ والسَّلامة، ومنها: نِعْمَةُ المال، وهي الغِنَى والثروة، فجَعَلَ شُكْرَ نِعْمَةِ البَدَنِ الصَّلَاةَ، وجَعَلَ شُكْرَ نِعْمَةِ المال الصَّدَقَةَ (١)، فكَانَ: * * *

стр. 1195

الاسم التَّاسع عشر: المُصَّدِّقُ (١) وهو يَرْجِعُ إلى الصِّدْقِ؛ كما تقدَّم في تفسيره، لمُوَافَقَةِ إنفاقه لاعتقاده (٢)، ويُسَمَّى "المُزَكِّي". * * *

стр. 1196

[المُزَكِّي]: وهو الاسمُ المُوَفِّي عِشْرِينَ والمُزَكِّي أَعَمُّ من المُصَّدِّقِ (١)؛ لأن متعلَّقاته في العربيَّة أكثرُ، وقد بيَّنَّا ذلك في مَوْضِعِه. والمُصَّدِّقُ والمُزَكِّي: هو الذي يَقْضِي ما لله عليه من حَقٍّ في ماله لأَرْبَابِه الذين أحالهم عليه به، حسبما بينَّاه في "قِسْمِ المَقَامَاتِ الأَوَّلِ" (٢). ويَزِيدُ المُزَكِّي عليه بأنه الذي يُطَهِّرُ نفسه من أَدْنَاسِ الذنوب، كما يُطَهِّرُ ماله من أدناس الحقوق، فالصَّدَقَةُ أَوْسَاخ الناس، كما رُوِي (٣) في الحديث الصحيح (٤). ولمَّا كانت النِّعْمَتَانِ في البَدَنِ والمال مُقْتَرنَتَيْنِ؛ بهما يَتِمُّ للمرء وجودُه ومعاشُه واستقلالُه، قَرَنَ الله بينهما في الفَرْضِ والشُّكْرِ، والعِوَضِ والأَجْرِ، فقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقره: ٤٢]، وقال تعالى: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة: ٥٧].

стр. 1197

وأَفْرَدَ أيضًا الصَّلاة في موضع لرُكْنِيَتِها، وأفرد الصدقة في موضعِ آخر لركنيتها، وذَكَرَ التزكية في مَوْضِع آخَرَ عُمُومًا، وتولَّى بيان ذلك بعِلْمِه وحُكْمِه وحِكْمَتِه (١)، بأَبْدَع وَصْفٍ وأَعْظَمِ وَصْفٍ، ولولا التَّطْوِيلُ لتتبَّعناها لكم على نَظْم القرآن آيَةً آيَةً، كما فعلنا في الصَّلاة، لكن ذلك الدُّسْتُورَ الذي قدَّمناه (٢) في الصَّلاة اجعلُوه في الزَّكاة بأفهامكم، وبما رَتَّبْنَا (٣) في "قانون التأويل" (٤)، وسَنُبَيِّنُ نحنُ من هذه المعاني في بقية الكتاب ما يُعِينُ على معرفة الطريق إليه إن شاء الله. [فوائدُ الصدقة]: وبالجُمْلَةِ فلا مَزِيَّةَ (٥) في الصدقة أَعْظَمَ من التَحَلِّي بأوصاف الإلهية؛ أن تُقَسِّمَ الرِّزْقَ نائبًا عن الله، كما يُقَسِّمُه الله. فإن كنت عالمًا وتَحَلَّيْتَ بهذا الاسم؛ فقَسَّمْتَ العِلْمَ وبَثَثْتهُ في الناس، وكان لك بَذْلُ العِلْم وقِسْمَتُه، ونَثْرُ (٦) المال وهِبَتُه، فقد تَمَّ لك شَرَفُ الدنيا والآخرة، قال النبي ﷺ : "لا حَسَدَ إلَّا في اثنتين؛ رَجُلٌ آتاه الله الحِكْمَةَ فهو يَقْضِي بها ويُعَلِّمُها، ورَجُلٌ آتاه الله مالًا فهو يُنْفِقُه آناء اللَّيْلِ والنَّهَارِ" (٧).

стр. 1198

ولصِحَّةِ تداخلهما وانتظامها قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٤] الآية. والصَّلَاةُ مَنْمَاةٌ للمال، والصدقة مَحْمَاةٌ للبدن، مَنْجَاةٌ وتقوًى له (١)، قال النبي ﷺ : "اتقوا النار ولو بشِقِّ تمرة، فإن لم يجد (٢) فبكلمة طيبة" (٣)، وهي (٤) عِصمهٌ لماله (٥)، كما أن الصلاة عِصْمَةٌ لبدنه، وهما "الأختان" في ألسنة الفقهاء (٦). والوَجْهُ العظيم في تطهير الزكاة للبدن قَلْعُ الشُحِّ والبُخْلِ من القلب، وتُزَكِّيهِم (٧) - أيضا - على (٨) أن يَلْحَظُوهَا، أو ينظروا إليها، أو يَعْتَدُّوا بها، وإنَّما يجعلونها وَسِيلَةً بين أيديهم، وذَخِيرَةً لهم في استقرارهم. ومن شَرَفِهَا: قال النبي ﷺ : "إن الصدقة لتقعُ في كَفِّ الرحمن قبل أن تقع في كَفِّ السائل" (٩)، وهو (١٠) عبارةٌ عن القَبُولِ، فإنَّ السَّائِلَ إذا قَبِلَ

стр. 1199

مَدَّ يَدَه وأَخَذَ الصَّدَقَةَ وجَمَعَ عليها كَفَّه، فكان ذلك علامةً على قَبُولها، وحَوْزُها (١) مِلْكٌ له (٢)، فأخبر النبيُّ ﷺ عن قَبُوله وادِّخاره لها عنده لصاحبها بحال القَبْضِ لها، والاحتياز (٣) في الكَفِّ، وهو هيئة التملك (٤) والقبول، والإخبارُ بلسان الحال عن المقال والمَقَالِ عن الحال أَصْلُ الفصاحة، وهو كثير مُتَقَرَّرٌ في العربية (٥). وقد مَدَحَ الله قومًا على النفقة فقال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. والمعنى: "لا يدخرون شيئًا عن الله، ويؤثرونه على جميع الأشياء، يُنفقون أبدانهم في الطاعات، ويُنفقون أموالهم في اقتناء الخيرات، وابتغاء القربات (٦)، ووجوه الصدقات (٧) " (٨)، فيقومون بحَقِّ النِّعْمَتَيْنِ. وأَوَّلُ من فَعَلَ ذلك أبو بكر ﵁؛ جاء بماله كُلِّه فقُبِلَ منه، وجاء عمر ﵁ بنِصْفِ ماله فقُبِلَ منه (٩).

стр. 1200

وروى عبد الرزَّاق - في تَفْسِيرِ سُورَةِ التَّوْبَةِ -: "أن عبد الرحمن بن عوف جاء بنِصْفِ ماله فقُبِلَ منه" (١). وجاء كَعْبُ بن مالك (٢) وأبو لُبَابَةَ (٣) - كما بينَّاه في "أنوار الفَجْرِ (٤) "- بأموالهما، فقُبِلَ منهما الثُّلُثُ. وقيل فيهما وفي بقية الخَلْقِ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، ولا تأخذ أموالهم؛ فإن قلوبهم لا تحتمله، ونفوسهم لا تَطِيبُ - بأخذ أموالهم (٥)، فصار ذلك سُنَّةً حسبما بينَّاه في "كُتُبِ (٦) الفِقْهِ" (٧). ومن فَضْلِها تعْيينُ باب لها في الجنة، فإن للجنة ثمانية أبواب، أَحَدُها باب الصَّدَقَةِ (٨). وإذا قامت الصلَاةُ بشُكْرِ نِعْمَةِ البَدَنِ، وقامت الصَّدَقَةُ بشُكْرِ نِعْمَةِ المَالِ؛ وَقَعَ الثَّنَاءُ (٩) في شُكْرِ نِعْمَةِ البَدَنِ في الصِّيَامِ، فكَانَ:

стр. 1201

الصَّائِمُ: وهو الاسمُ الحادي والعشرون مُقَامًا (١) لشُكْرِ نِعَمِه (٢)، بتَسْوِيغ الغذاء من الطعام والشراب، فإنَّ الصحة واستواء الأعضاء لا يعادلهما شيء، وبالحَرَى أن تقوم بها الصلاة بفَضْل الله، فتبقى نعمة الغذاء وهي مادة البقاء، شَرَعَ الله له الإمساك عنها بنيَّة العبادة شُكْرًا، ووعد عليه مثوبة وأجرًا، وأَوْسَعَه ثَنَاءً وفَضْلًا، ولو لم يَكُنْ إلَّا قوله تعالى: "الصَّوْمُ لي وأنا أَجْزِي به" (٣). وقد كان الصَّوْمُ في شَرْع من مضى على أَصْلِه في العربية: الإِمْسَاكُ عن الكلام والشراب والطعام (٤)، قال الله تعالى مُخْبِرًا عن الصَّالحة: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٥]. وكان الصَّوْمُ في أوَّل الإسلام الليل والنهار إلَّا سَاعَةَ الفِطْرِ قبل النَّوْمِ، ثم رَحِمَ الله هذه الأمة فجعل للصَّوْم النَّهَارَ دون اللَّيل. وقالت الصُّوفِيَّةُ: "الصَّوْمُ على ثلاثة أقسام؛ صَوْمٌ عن الطعام والشراب والوَطْءِ، وصَوْمٌ عن جميع المُحَرَّمَاتِ، وصَوْمٌ عمَّا سوى الله تعالى، فلا يَنْظُرْ إلى غيره، وليُمْسِكْ عمَّن سواه" (٥).

стр. 1202

وهذا كلُّه له وَجْهٌ صَحِيحٌ، فإن تَعَلُّقَ القَلْبِ بغَيْرِ الله، وجَرْيَ اللِّسَانِ بذِكْرِ سواه، واستعمالَ الجوارح في عَمَلِ لا يكونُ له لا يَنْبَغِي، وكذلك المحرَّمات، معلومٌ قَطْعًا أن الخطاب بها مستمرٌّ على العباد دائمًا، ويتأكدُ ذلك بالصوم، فإن انتهاك الحُرْمَةِ في غير الصوم ذَنْبٌ، وانتهاكُها (١) في الصوم ذَنْبَانِ، وتتضاعفُ السيِّئات بتضاعف الحُرُمَاتِ. قال النبي ﷺ : "من لم يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ به فلَيْسَ لله حَاجَةٌ في أن يَدَعَ طعامه وشرابه" (٢). وقد قال جماعةٌ من السلف: "إنَّ الغِيبَةَ تُفْطِرُ الصائم وعليه القضاء لأجل هذا الحديث؛ وذلك لأن أَجْرَ الصائم لا يفي بإثم الغيبة لأنها من الكبائر، والكبائر من العبادات لا تُكَفِّرُ الكبائر من السيئات إلَّا بالموازنة" (٣). وقال النبيُّ ﷺ : "إذا دخل رمضان فُتحت أبواب الجنة - وقيل: الرحمة -، وغُلِّقَتْ أبواب النار، وسُلْسِلَتِ الشياطين" (٤). ومن الحديث الحسن: "صُفِّدَتِ الشياطينُ ومَرَدَةُ الجِنِّ، وغُلِّقَتْ أبوابُ النار، فلم يُفتح منها بابٌ، وفُتحت أبواب الجنة فلم يُغلق منها

стр. 1203

باب، ويُنَادِي مُنَادِي: يا بَاغِيَ الخير أَقْبِلْ، ويا بَاغِيَ الشرِّ أَقْصِرْ، ولله عُتَقَاءُ من النار، وذلك كلَّ ليلة" (١). [فضائلُ الصوم (٢)]: وقال ﷺ : "قال الله (٣): كلُّ عَمَلِ ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به، يَدَعُ شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، وقال: للصائم فرحتان، فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخُلوف فم الصائم أطيبُ عند الله من ريح المِسْكِ، والصيام جُنَّةٌ" (٤). فهذه أَحَدَ عشر (٥) خصلة، كلُّ واحدة منهن (٦) تُوازِي الدنيا: الخصلة الأولى: "كلُّ عَمَلِ ابن آدم له " فيه قولان: أحدهما: يعلم مقدار ثوابه. والثاني: "كل عَمَلِ ابن آدم له"، أي: صفته، لأنها (٧) حركات وسكنات، وتلك لا تليق بالله.

стр. 1204

الخصلة الثانية: "إلَّا الصوم"؛ ويَتَرَكَّبُ القولان على القِسْم الأوَّل في الخصلة الأولى، فيكون المعنى: أن الصوم لا يَعْلَمُ أَحَدٌ مقدار ما يُثَابُ (١) عليه، ويَدُلُّ عليه قوله فيه: "الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مائة ضعف، إلَّا الصوم، فإنه لي وأنا أَجْزِي به" (٢). أو يكون المعنى: إلا الصوم، فإنه صِفَةٌ من صفاتي، إذ لا يَطْعَمُ، وأنا الذي لا يَطْعَمُ بحال (٣)، ولا يجوز عليه أن يَطْعَمَ، فإذا تَكَلَّفَ ذلك العَبْدُ وتعاطاه فلا تعلم نَفْسٌ قَدْرَ ثوابه. الخصلة الثالثة: قوله: "لي"؛ وفيه أقوالٌ، لُبَابُها سَبْعَةٌ (٤): الأوَّل: "لي (٥) "، أي: صِفَتِي، كما تقدَّم، فمن تعاطاه فثوابُه غير مُحَصَّلٍ لأَحَدٍ. الثاني: أضافه إليه إضافةَ تَشْرِيف - وإن كانت الأعمال كلُّها له - كما قال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٤]، تنبيهًا على شَرَفِه (٦). الثالث: أي: لا يعلمه غيري (٧)؛ فإن كلَّ عَمَل لا يمكن العبد أن يستره (٨) إلا الصوم، فيُمكن أن لا يطَّلع عليه أَحَدٌ إلا الله (٩).

стр. 1205

الرابع: من صفة ملائكتي، لأن العبد إذا لم يأكل تَشَبَّهَ بالملائكة، وهو (١) أقوى من الأول عندي وأوْلى، فعليه ينبغي أن يكون المعوَّل. الخامس: أنا الذي أعلمُ مقدار ثوابه، وقد تقدَّم ذِكْرُه في الأقوال. السَّادس: أن معنى قوله: "الصوم لي"، أي: يَقْمَعُ عَدُوِّي، وهو الشيطان؛ لأن سَبِيلَ الشيطان إلى الآدمي الشهواتُ، فإذا تُرِكَتْ خاب (٢) وذَلَّ، وانحَسَر (٣) وانْخَنَسَ. السَّابع: رُوِيَ - ولم يصحَّ، فربُّك أعلم -: "أن غُرَمَاءَ العبد لا يُجْعَلُ لهم إلى الصوم سَبِيلٌ" (٤)، وذلك عندي - والله أعلم - إذا لم يكن مَعْلُومًا لأحد، ولا مَكْتُوبًا في الصُّحُفِ، فيسترُه الله له ويخبِّؤه عليه رِفْقًا به، حتى

стр. 1206

يكون له جُنَّة من العذاب، فيطرح (١) أولئك عليه سيئاتهم، فتذهبُ عنهم ويَقِيهِ الصوم، فلا تضر (٢) لأصحابها لزوالها عنهم ولا له؛ لأن الصوم جُنَّته (٣). الخصلة الرابعة: قوله: "وأنا أجزي به"، إشارة إلى أنه لا يتولَّى ذلك نائبٌ، من مَلَكٍ أو سِوَاهُ تَشْرِيفًا له (٤). الخصلة الخامسة: قوله: "يَدَع شهوته من أجلي"، ولم يقل: تُعْدِمُ ولا تُضْعِفُ (٥)، كما تقول الصوفية، وإنما قال: يَدَعُ شهوته مع وجودها وقوَّتها، وذلك أَعْظَمُ في المجاهدة وأَكْثَرُ في الثواب. الخصلة السَّادسة: قوله تعالى: "وطعامه وشرابه"، بَيَانٌ بأن الشهوة متروكة مقموعة، والطعام والشراب متروك، فهما متروكان: أحدهما: نَفْسِيٌّ. والآخَرُ: بَدَنِي. وهنالك من لا تقوى شهوتُه للطعام، فتكون له الخصلة الواحدة، وهي الترك، فإذا اجتمعتا (٦) كان أفضل، إلَّا أن يكون ضَعيف (٧) الشهوة لخُرْمَةٍ في ذلك، واعتمال وارتياض، فيكون لها من الفَضْلِ مثلُ الأوَّل.

стр. 1207

الخصلة السَّابعة: قوله: "من أجلي"، أي: امتثالًا لأمري، وانقيادًا لحُكْمِي، بيانُ الفَرْقِ (١) بين العبادة والعادة (٢). الخصلة الثامنة: قوله: "للصَّائم فرحتان (٣)، فرحة عند إفطاره"، قال عَامَّةُ العلماء: فَرْحَةٌ بالأكل لشَوْقِه إليه وصَبْرِه عنه، ويَعْضُدُ هذا قوله: "يَدَعُ شهوته"، أي (٤): يدعها (٥) لله تعالى، حتى إذا انتهى الأمد (٦) المحدود اقتضى لشهوته بعد ما قضى عبادته، وأين أفضل من هذا؟ وقالت الصوفية - وساعدهم على ذلك بعض المتفقهة -: معناه: "الفَرَحُ بتمام العبادة؛ سليمة من (٧) نواقصها (٨) ". وقلتُ أنا: إنها (٩) فرحة لها مفروحان (١٠)؛ قضاء الشهوة، وسلامة العبادة، ولا تعارض بينهما حتى يمتنع اجتماعهما. الخصلة التاسعة: "فرحة عند لقاء ربه"، لِمَا يرى من ثوابه.

стр. 1208

الخصلة العاشرة: قوله: "ولخُلُوفِ فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"، يريدُ أن تَغْيِيرَ فَمِ الصائم إلى الرائحة الكريهة أَطْيَبُ عند الله من طِيبِ ريح المِسْكِ عندكم (١)، الإشارةُ إلى أن العباد يستحبون رائحة المِسْكِ الطَّيِّبَةِ (٢)، ولا يستحبُّون الدَّفْرَة، وهذه الرائحة الكريهة هي التي يُحِبُّ الله، وضَرَبَ الطِّيبَ مَثَلًا للمحبة، والمحبةُ عبارةٌ عن المثوبة. الخصلة الحادية عشر: قوله: "والصيام جُنَّةٌ"، وهذا نصٌ في أنه وقاية، مِنَ المِجَنِّ، وهو ما يُتَّقَى به في الحَرْبِ من الطَّعْنِ والضَّرْبِ (٣). قال الإمام الحافظ (٤) أبو بكر بن العربي ﵁: ونَاهِيكَ بهذا فَضْلًا، وإنه لكَافٍ في شَرَفِ الصَّوْمِ، فلا تطلبوا بعده فَضْلًا فإنه يُجْزِئكم. وفائدةُ الصوم تكثرُ وجوهها، وقد مَضَتْ منها في هذا الكلام جُمَلٌ. وقد قال جماعة من الزهَّاد: إن قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٢]، أي: تضعف شهواتكم (٥). وقيل: لعلَّه يتذكر الجائعين؛ ولذلك قيل له - في أوَّل الأمر -: إن شئت أن تُعَوِّضَ عن (٦) الصيام إطعامَ المساكين فافْعَلْ.

стр. 1209

وقيل: لتَقِلَّ مؤونته؛ فيَقِلُّ (١) كَسْبُه، فيَتَمَرَّغُ (٢) زمانُه للعبادة. وقيل: ليرتدع عن المعاصى، فإن حَالَةً قد (٣) تُحَرِّمُ عليه المباح أَحْرَى أن تمنعه من المحظور. فركِّبوا على هذا الأُنموذج ما قرَّرناه في "قانون التأويل" من المعاني والألفاظ التي تَحْتَمِلُه. والسَّحُورُ سُنَّةٌ؛ ثبت أن النبي ﷺ قال (٤): "تَسَحَّرُوا، فإنَّ في السَّحور بركة" (٥)، ووجوه بركته (٦) كثيرة، وفائدته (٧) أن يقَسِّمَ غِذاءه بين وَقْتَيْنِ، حتى لا يلحقه ضَجَرٌ بالصوم، ولا يناله مرض (٨)، ولذلك مُنِعَ من (٩) الوِصَالُ. وأرادت الصحابةُ أن تُواصل فمنعهم النبي ﷺ رِفْقًا بهم (١٠)، ثم

стр. 1210

وَاصَلَ بهم مُنَكِّلًا لهم (١)، لتَعَرُّضِهِمْ لفِعْلِ ما لم يُفْرَضْ (٢) عليهم، تشبيهًا بالأمم الخالفة (٣)، فإنها كانت تَزِيدُ في الفَرْضِ، ثم تعجز عن الجميع، والناسُ منقسمون في ذلك، فمن قَدَرَ عليه فليفعله، ومن لم يقدر فلا أقلَّ من تَمْرَةٍ اتباعًا (٤) للسُّنةِ، واغتنامًا للبركة، واعتقادًا للفَرْقِ بيننا وبين أهل الكتاب، ولو لم يكن من بَرَكَةِ السَّحُورِ إلَّا أن في الصحيح؛ قال النبي ﷺ : "لا تواصلوا، فأيُّكم أراد أن يُواصلَ فليُوَاصِلْ حتى السَّحَرِ" (٥). وتَعْجِيلُ الفِطْرِ سُنَّةٌ (٦)، ففي الصحيح: "لا يزالُ الناس بخَيْرٍ ما عجَّلوا الفِطْرَ" (٧)، "وإذا أَقْبَلَ اللَّيْلُ من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، فقد أفطر الصائم" (٨)، أي: دَخَلَ في وَقْتِ الفِطْرِ.

стр. 1211

ورأيتُ المدينة المُقَدَّسَةَ في غَرْبِيِّهَا (١) جَبَلُ أُحُد، فلا يُمكن أحدٌ أن يتحقَّق (٢) - وخاصَّةً في أيام الشتاء - غُرُوبَ الشمس، لأنها تسكن وراء (٣) ذلك الجبل العظيم، ولكن يَنْظُرُ طلوع الليل من المشرق، وسقوط الشمس عن عمائم الجبال، ولذلك كانوا إذا اغتاموا (٤) ربما يُفطرون في زمان النبي ﷺ وأبي بكر (٥) وعمر، ثم تطلع الشمس (٦). ولا يتقدَّمُ الشَّهْرَ بصَوْمْ، قال النبيُّ ﷺ : "لا يتقدَّمنَّ أحدُكم الشَّهْرَ بيوم ولا بيومين، إلا أن يكون رَجُلٌ كان يصوم صَوْمَه، فليصم ذلك اليوم" (٧). وفي سنن أبي داود وغيرها: "إذا انتصف شعبان فلا يصومنَّ أحدُكم حتى يدخل رمضان" (٨).

стр. 1212

[صيامُ سِتٍّ من شوَّال (١)]: ولا يُشَيِّعُه بصوم ستة أيام ولا سواها؛ فإن العِلَّةَ التي (٢) نُهِيَ عن سَبْقِه بصَوْمِ هي العِلَّةُ بعينها موجودةٌ مُتَمَكِّنَةٌ في التَّشْيِيعِ، وهي أن الله تعالى قد حَدَّ حُدُودًا ووظَّفَ وَظَائِفَ (٣) لكل أمة، ونهاها عن الزيادة في شيء منها أو النقص لها، وأمر بالمحافظة عليها، فغيَّرت الأمم وزادت ونقصت، وترَهَّبت وابتدعت، وحذَّر الله هذه الأمة من ذلك، إِقَامَةً للحجة عليهم، ثم أخبرهم أنهم فاعلون ليَنْفُذَ الكتاب عليهم، فقال: "لتركبن سَنَنَ من كان قبلكم، شِبْرًا بشِبْرٍ، وذِرَاعًا بذِرَاعِ، حتى لو دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لدخلتموه" (٤)، وأبى الله لمن سَبَقَ إلَّا أن يُبَدِّلُوا الصوم (٥)، فحَذَارِ - أيتها الأمة المرحومة - من ذلك، فلا تصوموا قبل رمضان ولا بعده، وأقْبِلُوا (٦) على ما ألزمكم الله بالامتثال، وخُذُوا ما أعطاكم، فإنه بكم رؤوف رحيم. فإن قيل: فقد قال ﷺ : "من صام رمضان وسِتًّا من شَوَّال فكأنَّما صام الدهر" (٧)؟

стр. 1213

قلنا: الفائدة في ذلك: أن الله أَعْلَمَ العَبْدَ بأن سِتَّةً (١) وثلاثين يَوْمًا في الفضل (٢) تَعْدِلُ ثلاثمائة وستين يومًا في الأجر، تأكيدًا وتنبيهًا، لِمَا أُعْلِمْنَا به عن ربنا في القرآن بقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦١]، وأنت فصُمْ سِتَّةَ أيَّام من أيِّ شَهْرٍ كان مع رمضان، قبله أو بعده، فإنك حَائِزٌ لتلك الفضيلة. فإن قيل: لفظ الحديث: "ثم أَتْبَعَهُ سِتًّا من شوَّال"؟ قلنا: بإجماع من (٣) الأمة أن غَيْرَ شَوَّالٍ أَفْضَلُ من شَوَّال. فإن قال: أخافُ أن أموت قبل أن أصومها فأتعجَّل؟ قلنا له (٤): ولم لا تخاف أن تموت قبل أن يخرج الوقت للصَّلاة؟ وأنت تؤخرها عن أوَّل الوقت، وصلاةٌ واحدٌ تفوتك أَعْظَمُ عند الله (٥) إثمًا وأحسنُ أجرًا من رمضانَيْن، فانت تتوانى في الصَّلاة، وتُعَجِّلُ (٦) ستة أيام من شوَّال، تالله ما هذا إلَّا من الشَّيطان. وما رأيتُ أَحَدًا من أشياخي كُلِّهم يفعلُها، إلَّا واحدًا (٧)؛ كان يُصْبحُ

стр. 1214

ثَانيَ الفِطْرِ صائمًا لها، وكانت عليه رائحةُ بِدْعَةً وكَرَاهَهٍ (١) لمَالِكٍ، فكان يعتمدُ ذلك لذلك، وما كنتُ أراها خالصةً، وربُّك أعلمُ به. [من آداب الصيام]: ومن آدابه إذا أكمل صَوْمَ الشَّهْرِ امتثالُ ما رَوَى أبو داود وغيرُه: عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يقولنَّ أحدُكم: قُمْتُ رمضان كلَّه، ولا صُمْتُ رَمَضَانَ كلَّه" (٢)، ورَكَّبَ (٣) الناسُ على هذا: "لا يقولنَّ صَلَّيْتُ"، وزاد فيه بعضهم: "إن شاء الله"، وذلك كله خَطَأٌ، إنما ينبغي له أن يجتنب قَصْدَ التَّزْكِيَةِ، فإذا قال: صَلَّيْتُ أو صُمْتُ، فقد صَدَقَ، حَسْبُه (٤) ما استطاع، ولا يقولُ: صَلَّيْتُ كما يجب، أو الصلاةَ كلَّها، ولا صُمْتُ أيضًا كما يَجِبُ، ولا رمضانَ كلَّه، لأنه قد يَغْفُلُ، أو يُقَصِّرُ، فكُرِهَ له لأجل ذلك، فأمَّا لأجل القَبُولِ فلا يدخلُ ذلك فيه.

стр. 1215

[صَوْمُ النَّفْلِ]: وصَوْمُ النَّفْلِ مُرَغَّبٌ فيه، وقد ذكر النبيُّ ﷺ الشُّهُورَ المُمَدَّحَةَ في الصوم والأيام، كان النبي ﷺ كَثِيرَ الصيام، ولكنه ما استكمل صَوْمَ شَهْرٍ قَطُّ، وكان أكثر ما يصوم في شعبان (١)، وكان يصوم شعبان إلَّا قليلًا. وقال ﷺ لعِمْرَانَ: "أَصُمْتَ من سَرَرِ (٢) شعبان شيئا؟ قال: لا، - يعني: من وسطه - قال: فإذا أفطرتَ فصُمْ يومين" (٣)، ولم يَذْكُرْ له سِتًّا من شوَّال، لأنَّ المُرَادَ بسِتٍّ من شوَّال ما قدَّمناه (٤) من سِتَّةِ أيَّامٍ من أيَّامِ الفِطْرِ، أيّ شَهْرٍ كان. وقال ﷺ : "أفضلُ الصيام شَهْرُ الله المحرَّم" (٥). "وما كان النبي ﷺ يتحَرَّى صوْمَ يَوْمٍ يُفَضِّلُه على سائر الأيام إلَّا يوم (٦) عاشوراء" (٧).

стр. 1216

وقال ﷺ : "لئن عِشْتُ إلى قَابِلٍ لأصومنَّ التاسع" (١). "وصَوْمُ يوم عَرَفَةَ يُكَفِّرُ سَنَةً قبله وسنة بعده، وصيامُ يوم عاشوراء يُكَفِّرُ سَنَة قبله" (٢). وسُئِلَ ﷺ عن صوم يوم الاثنين فقال: "فيه وُلِدْتُ، وفيه أُنْزِلَ عَلَيَّ" (٣). وكان ﷺ يصوم ثلاثة أيام من الشهر، لا يبالي أيها كانت (٤). وقال أبو هريرة: "أوصاني خليلي بثلاث (٥)، بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتين من الضحى (٦)، ولا أنام إلَّا على وِتْرٍ" (٧).

стр. 1217

ودخل النبي ﷺ على جُوَيْرِيَةَ يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: "أَصُمْتِ أَمْسِ؟ قالت: لا، قال لها (١): أتريدين أن تصومي غدًا؟ قالت: لا، قال: فأَفْطِرِي" (٢). وفي الصحيح: "أن النبي ﷺ نهى عن صَوْمِ يوم الجمعة" (٣)، ورُوي في الحَسَنِ أنه كان يَصُومُه (٤)، والنهيُّ أَصَحُّ. وفي الحِسَانِ: أن النبي ﷺ قال: "لا تصوموا يوم السبت إلَّا فيما افتُرِضَ عليكم، وإن (٥) لم يجِدْ إلا لِحَاءَ عِنَبَةٍ (٦) أو عُودَ شَجَرَةٍ فليمضغه" (٧)، ولم يصح. وفي الصحيح: "ما من أيام أحبُّ إلى الله العمل فيها من عَشْرِ ذي الحجة" (٨).

стр. 1218

وفي الصحيح: أن النبي ﷺ قال: "من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وَجْهَه من النار سبعين خَرِيفًا" (١). وفي الصحيح عن عائشة: "ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ صائمًا في العَشْرِ قَطُّ" (٢). وقال ﷺ في الصحيح من طُرُقٍ -: "ما أفطر (٣) ولا صام من صام الدهر" (٤)، وهو مكروه، والمأذونُ فيه صَوْمُ داود، "كان يصوم يومًا ويُفْطِرُ يَوْمًا، ولا يَفِرُّ إذا لاقى (٥) " (٦). والنَّاسُ في العبادات أقسامٌ، منهم من تَسْهُلُ عليه الصلاة، ومنهم من يَخِفُّ عليه الصوم، ومنهم من تخف عليه الصدقة، فيأخذُ كلُّ أحد قِسْمَه الذي كُتب له (٧)، فيدخل على بابه الذي وُعِدَ (٨) به، قال النبي ﷺ : "فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الرَّيَّانِ" (٩).

стр. 1219

[الاعتكافُ]: وللصَّوْمِ أَخٌ كريمٌ، وصَاحِبٌ شَرِيفٌ، ومُنَاسِبٌ رفيعٌ (١)، وهو الاعتكافُ، ولم يتفطَّن لما بينهما من التَّلَاصُقِ إلَّا مالكٌ ﵀ ومَن قال بقوله، حين قال: "لا يكون الاعتكاف إلَّا بصوم (٢) " (٣)، وليس فيه حديثٌ صحيح، "في نفْيِه ولا في إثباته (٤)، إلا أن في الصحيح: أن النبي ﷺ قال له عمر: "يا رسول الله، إني نذرت أن أعتكف ليلةً في الجاهلية، قال: أَوْفِ بنَذْرِكَ" (٥). وإنما جُعِلَ الليل عبارة عن اليوم؛ على عَادَةٍ عَرَبِيَّةٍ مشهورة، نقلها أهلُ العربية في كتبهم، ولذلك يقولون: صُمْنَا خَمْسًا، فيُعَبِّرونَ بالليالي عن الأيام؛ لأنها عندهم المتقدمة لها المُعَبِّرَة (٦)، وبها الحسابُ، ولم يفهم حقيقة الاعتكاف من قال: "إنه بغير صوم" (٧)، فإن معناه القيام على بِسَاطِ

стр. 1220

القُرْبَةِ لرَبِّ العزة على الدوام، بالليالي والأيَّام، وقَطْع علائق المباحات، حتى يكون مُقْبِلًا بقلبه بالنية، وبَدَنِه (١) بالخدمة لله رب العالمين (٢). وإذا كان لا يتكلم إلَّا بالذِّكْرِ (٣)، فكذلك لا يُقْبِلُ على طعام ولا شراب؛ لأن الطعام والشراب مُعْظَمُ مقصود الدنيا أو كلها، وإذا لم يُجَامِعْ - بإجماع - فأولى أن لا يأكل، أو هو مثله، إلَّا أن قَطْعَ الجماع دَائِمٌ، لأن مثله شُرعَ (٤) في الإحرام في الحج، ودوامُ قَطْع الأكل لم يُشْرَعْ مثلُه، ولا (٥) يصحُّ أن يُشْرَعَ لما فيه من الهَلَكَةِ، فكان الصَّوْمُ والفِطْرُ في وَقْتَيْهِمَا جميعًا بين الأمرين؛ في حَقِّ العبادة، وحق النفس المتعبدة، فيُوَفِّي كلَّ ذي حَقٍّ حقَّه. وتَبَيَّنَ (٦) أن المقصود من الاعتكاف تفريغُ العبد نفسَه بالكُلّيَّةِ من كل وَجْهٍ لله سبحانه في المَحَلِّ المخصوص بالعبادة، ولهذا قال مالك ﵀ (٧) -: "لا يَقْرَأُ العِلْمَ" (٨)، لأنه عنده من أسباب (٩) الدنيا، وقال غيره:

стр. 1221

"يقرأ (١) " (٢)، وما قاله (٣) مالكٌ أوْلى، وإنَّما ينبغي أن يُقْبِلَ على كل ما يُكْسِبُه رغبةً أو رهبةً، فإمَّا أن يذكر ما تَرَكَ، أو يُقْبِلَ بالذِّكْرِ على ما أعرض عنه (٤)، فذلك تقارض (٥) وتناقض. [المعتكفون]: وقد رأيتُ (٦) من المعتكفين والمعتكفات ما لا يُحْصِي عَدَدَهم إلَّا خالقُهم، وقد كانت مريمُ رضوانُ الله عليها (٧) منهم، وليست نَبِيَّةً في الأصح من الأقوال، ولكنها لمَّا لَزِمَتْ بَيْتَ رَبِّها، واستغرقت أوقاتها في طاعته، وأعرضتا عن الدنيا وأنبائها (٨)؛ تَكَفَّلَ الله لها بالرِّزْقِ؛ من غير أن يَجْرِي على يَدَيْ أَحَدٍ من الخَلْقِ، فكان؛ ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]. وكان زكرياءُ نَبِيًّا، فقيَّضه الله لها كافلًا، ونالته بركتُها، واشتملت عليها الدعوة المباركة من أمها، وإنَّما كان سؤالُ زكرياء لها (٩) لأنه ظنَّ أن غيره من أوليائها وقراباتها يأتيها به، فأخبرته أنه لا يدخل عليها أَحَدٌ،

стр. 1222

ولكنها تجده موضوعًا في مكانه، فتعلم أنه من عند الله، لأن أَحَدَ القِسْمَيْنِ إذا انتفى؛ وهو أن يجري على يَدَىْ أَحَدٍ من الخلق، وَجَبَ أن يكون من جهة الخالق، وكلُّ قِسْمَيْنِ عقليين إذا زال أحدُهما تَعَيَّنَ الآخرُ. [تفسيرُ قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾] وقد قال الله تعالى في صِفَةِ قَوْمٍ التزموا بابَه واغتلقوا (١) حِجَابَه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧]. واختُلِفَ في قوله: ﴿تُرْفَعَ﴾ (٢): فقيل: مفعوله مُضْمَرٌ فيها (٣)، التقديرُ: ترفع فيها الحوائج إلى الله . وقيل - وهو الأصح -: تُرْفَعُ عن شأن الدنيا، وتُجَرَّدُ للآخرة، فإنها سُوقُها، وهي مناقصة لسوق الدنيا. قال النبي ﷺ : "أبغضُ البلاد إلى الله أسواقُها، وأَحبُّها إلى الله مساجدها" (٤)، والمساجد بيوت العبادة، والقلوب بيوت الإيمان والإرادة.

стр. 1223

﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾: أي: يلتزمونها (١) للتسبيح والتقديس. هؤلاء الرجال الذين ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾، أي: لا يشغلهم (٢) عن ذِكْرِ الله تجارةٌ في الدنيا، أَيْ: عَمَلٌ يطلبون به أكثر ممَّا هم فيه منها، ولا مبايعة، أي: لا يشغلهم طَلَبُ رِبْح في الدنيا، ولا بَذْلُ عَيْنٍ لعَيْنٍ، فقد يكون للرجل غَرَضٌ في الربح في البيع (٣) والتجارة، وقد يكون له غَرَضٌ في عينِ (٤) الشيء المطلوب، ولا عن الصلاة ولا عن الصدقة. [نكتة]: قالوا (٥): "وفي قوله: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ﴾، ولم يقل: لا يتَّجرون؛ نكتة، هي أن الجمع بينهما مُمْكِنٌ، فهذا يقتضي أن يجمع بين تجارته وعبادته (٦) من غير أن تُلْهِيه، ولكن فيما (٧) لا بدَّ له (٨) منه فيه". وهذا معنى قول مالك: "إن المعتكف لا بأس بأن يبتاع الشيء اليسير لغَدَائِه أو لعشائه (٩) " (١٠).

стр. 1224

والأَوَّلُ أقوى لا مِرْيَةَ فيه. وقيل: إن (١) المراد بقوله ذلك: "الذين إذا (٢) سَمِعُوا صَوْتَ (٣) المؤذن "حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح (٤) "؛ تركوا ما هم فيه (٥) من التجارة والبيع، وأقبلوا إلى العبادة، وأجابوا داعي الله، وقامُوا لأداء حقه (٦) " (٧). [حكاية]: وقد كان من أصحابنا بتلك الديار (٨) رَجُلٌ صَاِلحٌ حَدَّادٌ، إذا صلَّى الصبح قَعَدَ بذكرُ الله، ثم يحصر مجلس الذكر، ثم يقومُ إلى حِدَادَتِه، فإذا سمع النداء؛ إن كان والمِطْرَقَةُ مرتفعةٌ بيده لِيَصُبَّها على السَّنْدَانِ رَمَى بها، ولم يوصلها إليه (٩)، وخرج وتوضَّأ (١٠)، وجاء المسجد فصلَّى الظهر، وأقام في حِلَقِ الذِّكْرِ والصلاة إلى العصر، ثم يخرج بعد الصلاة للنَّظَرِ في فِطْرِه، ويُصَلِّي المغرب في المسجد، ويُفْطِرُ في منزله، ويَخْرُجُ فيُصَلِّي إلى أن يُصَلِّيَ العشاء الآخرة (١١)، ثم يرجع إلى منزله فينام حتى السَّحَر، فيقومُ

стр. 1225

يُصَلِّي (١) حتى الفجر، ثم يخرج إلى المسجد لمِثْلِ حاله في يَوْمٍ قبله، هكذا عُمُره. [حقيقةُ الاعتكاف]: وفي الحديث الصحيح: قال النبي ﷺ : "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلَّا ظله، فذَكَرَ: ورَجُلٌ قلبُه مُعَلَّقٌ بالمسجد" (٢)، من حين يخرجُ منه حتى يعود إليه، فهو أبدًا في اعتكاف. وبهذا كله يظهرُ لك أن الاعتكاف تَرْكُ ما سوى الله من الشهوات والمباحات، والإقبال عليه بالطاعة، فإِنْ تَرَكَ الأهل والوَلَدَ والمال فذلك على قِسْمَيْنِ: أحدهما: أن يَتْرُكَهُ بنِيَّةِ أن لا يَعُودَ إليه فهُوَ: * * *

стр. 1226

المُهَاجِرُ: وهو الاسمُ الثاني والعشرون صِفَة كَرِيمَةٌ، وخِطَّةٌ شَرِيفَةٌ، تمنَّاها النبيُّ ﷺ كرامةً للأنصار، فقال: "لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار" (١). وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا﴾ [التوبة: ٢٠] وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧]. وقال تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]. وقد كانت هذه الحالة لبني إسرائيل؛ فلم يَحْفَظُوا رَسْمَها (٢)، ولا أُعْطُوا اسْمَها. والهِجْرَةُ في لسان العرب لِمَعَانٍ كَثيرةٍ؛ مَرْجِعُها إلى البعد، وقد ذكرناها في "شرح الحديث" و"كتاب الأحكام" (٣) مُوعَبَةً.

стр. 1227

والحِكْمَةُ في ذِكْرِهَا بلفظ (١) المُفاعلة ما فيها بين العبد وبين الشيطان (٢) من المنازعة، حسبما بيَّناهُ قبلُ في قوله ﷺ : "قَعَدَ الشيطانُ لابن آدم (٣) في طريق الإيمان، وقعد له في طريق الهجرة؛ فقال له: أتهاجر وتَذَرُ أهلك وولدك ومالك، فخالفه فهاجر، إلى قوله: فحَقٌّ على الله أن يُدخله الجنة". وفي (٤) أصل الهجرة التي نشأتْ (٥) عنه وجهان: أحدهما: خَوْفُ المُحِقِّ من المُبْطِلِ على نفسه وأهله وماله. والثاني (٦): قِلَّةُ المعين على الحق، وعَدَمُ القَابِلِ (٧) له، فيخرج إلى مَوْضِع يَأْمَنُ فيه (٨)، ويُبَلِّغُ، ويُقْبَلُ قولُه (٩) فينتشر، ويقومُ الحَقُّ، ويَشِيع الخير، وتعمُّ الطاعة، ويُتَّبَعُ (١٠)، ويُقضى فَرْضُ العبادة المستحقة لله سبحانه، وهذا ممَّا أجمعت عليه الأمة.

стр. 1228

[العِلَّةُ في بقاء الطرطوشي بمصر (١)]: وقد كنتُ أَتَكَلَّمُ كثيرًا بعد انْكِفَائِي عن العراق إلى الثَّغْرِ مع شيخنا أبي بكر الفِهْرِي في معنى مُقامه بتلك الأرض التي غلبت فيها المناكير على الجماهير، وتعدَّى إلى التوحيد وأصل الدين، وأُشِيرُ عليه بالخروج، ونتناظرُ (٢) في ذلك، وأحتجُّ عليه بالهجرة فيقول لي: "إني لا أخاف على نفسي شيئًا، وأدفع عن قلوب المؤمنين بمُقامي هذا كثيرًا من الشُّبَهِ، وأُقِيمُ بين قَوْم لهم قَبُولٌ للعِلْم، وحِرْصٌ على المطلب، ومعرفةٌ بالنظر، فأما بلاد المغرب - وإن كانوا على طريقة واحدة - فقد استولى عليهم الجَهْلُ، وفشا فيهم التقليدُ، وزَهِدُوا في النظر، وحُجِّرَتْ أَمْلَاكُهُمْ (٣) عليهم في (٤) ذلك، سيرة أَمَوِيَّة، ونشأة تقليدية، فإن سَلِمْتُ (٥) بينهم عِشْتُ ضَاِئعًا عندهم"، وجرى بيني وبينهم في ذلك كلام كثير، بدأتُه (٦) في "الأمالي (٧) "، واستوفيتُه (٨) في كتاب "ترتيب الرِّحْلَةِ للتَّرْغِيبِ في المِلَّةِ (٩) ".

стр. 1229

[مناقبُ أبي القاسم السُّيُورِي]: وقد كان أبو القاسم عبد الخالق بن عبد الوارث السُّيُورِي (١) زاهدًا عالمًا، وكان مقيمًا بالقيروان مع شَحْنِهَا بالبدع، وظهور ما ظَهَرَ فيها من الفتن، ولكن كان فيها قَوْمٌ فضلاء يَأْنْسُ (٢) بهم، ويَسْكُنُ إليهم، وكان يُثَبِّتُ قلوب المؤمنين، ويَدْفَعُ في شُبَهِ المبتدعين. [من ضوابط الهجرة]: وكلُّ بُقْعَةٍ اليوم مشحونةٌ بالبدع والمظالم والمناكير، ولكن هي دركات (٣)؛ فأيُّها كان أخَفَّ كانت الهجرةُ إليه أوْجَبَ، إذ عَدَمُ بعض الشرِّ خَيْرٌ، وتخفيفُ بعضه خيرٌ، ولو لَزِمَ الإنسانُ بَيْتَه في داره ولم يخرج كما فعل جماعةٌ بمصر حين دخلها المُغِيرُونَ (٤) لكان ذلك رأيًا، والأمرُ مشهورٌ، والله أعلم.

стр. 1230

[الباعثُ على رجوع ابن العربي إلى الأندلس]: وغَالَبْتُ الأقدار فغَلَبَتْ عَلَي بحياة الوالدة، التي لم يكن لها (١) غيري، وكانت لَهْفَى حَسْرَى بَاكِيَةً عليَّ، فتعيَّن في الدِّينِ أن أَكِرَّ عليها راجعًا، مُمْتَثِلًا لأمر الله، وله فيَّ حِكْمَةٌ (٢) بعد انقيادي لطاعته وطاعتها، ثم ماتت وقد وَتَرَنِي (٣) الأَهْلُ والوَلَدُ، وانتهى كُلُّ شيء إلى ما كُتِبَ (٤) له من الحال (٥) والأَمَدِ، وليس لأحد عن قضاء الله مُلْتَحَدٌ. اللَّهم إنَّا نعوذُ بك من دَرَكِ الشقَاءَ، وسوء القضاء، وجَهْدِ البلاء، وشماتة الأعداء. [أقسامُ الهجرة (٦)]: والهِجْرَةُ على أقسام، رؤُوسُها ثَمَانِيَةٌ: الأوَّل: الهِجْرَةُ من الخَوْفِ على الدِّينِ والنفس، كهجرة النبي ﷺ آخِرًا أَوَّلًا، فإنه وأُمَّتُه الآخِرُون السَّابقون، نَبِيٌّ بنَبِيٍّ، وأُمَّةٌ بأُمَّةٍ، فكانت له ولهم للخَوْفِ (٧)، فلمَّا اسثقر في دَارٍ وأَمِنَ الذَرَا (٨)، وعَمَرَ الحَرَا (٩)؛ تعيَّن على كل مسلم القَصْدُ إليه، وحَرُمَ عليه البقاءُ دونه، إلَّا لمن أَذِنَ له، تَحْرِيمًا
следующие страницы →