← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

المُهَاجِرُ: وهو الاسمُ الثاني والعشرون صِفَة كَرِيمَةٌ، وخِطَّةٌ شَرِيفَةٌ، تمنَّاها النبيُّ ﷺ كرامةً للأنصار، فقال: "لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار" (١). وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا﴾ [التوبة: ٢٠] وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧]. وقال تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]. وقد كانت هذه الحالة لبني إسرائيل؛ فلم يَحْفَظُوا رَسْمَها (٢)، ولا أُعْطُوا اسْمَها. والهِجْرَةُ في لسان العرب لِمَعَانٍ كَثيرةٍ؛ مَرْجِعُها إلى البعد، وقد ذكرناها في "شرح الحديث" و"كتاب الأحكام" (٣) مُوعَبَةً.

стр. 1227

والحِكْمَةُ في ذِكْرِهَا بلفظ (١) المُفاعلة ما فيها بين العبد وبين الشيطان (٢) من المنازعة، حسبما بيَّناهُ قبلُ في قوله ﷺ : "قَعَدَ الشيطانُ لابن آدم (٣) في طريق الإيمان، وقعد له في طريق الهجرة؛ فقال له: أتهاجر وتَذَرُ أهلك وولدك ومالك، فخالفه فهاجر، إلى قوله: فحَقٌّ على الله أن يُدخله الجنة". وفي (٤) أصل الهجرة التي نشأتْ (٥) عنه وجهان: أحدهما: خَوْفُ المُحِقِّ من المُبْطِلِ على نفسه وأهله وماله. والثاني (٦): قِلَّةُ المعين على الحق، وعَدَمُ القَابِلِ (٧) له، فيخرج إلى مَوْضِع يَأْمَنُ فيه (٨)، ويُبَلِّغُ، ويُقْبَلُ قولُه (٩) فينتشر، ويقومُ الحَقُّ، ويَشِيع الخير، وتعمُّ الطاعة، ويُتَّبَعُ (١٠)، ويُقضى فَرْضُ العبادة المستحقة لله سبحانه، وهذا ممَّا أجمعت عليه الأمة.

стр. 1228

[العِلَّةُ في بقاء الطرطوشي بمصر (١)]: وقد كنتُ أَتَكَلَّمُ كثيرًا بعد انْكِفَائِي عن العراق إلى الثَّغْرِ مع شيخنا أبي بكر الفِهْرِي في معنى مُقامه بتلك الأرض التي غلبت فيها المناكير على الجماهير، وتعدَّى إلى التوحيد وأصل الدين، وأُشِيرُ عليه بالخروج، ونتناظرُ (٢) في ذلك، وأحتجُّ عليه بالهجرة فيقول لي: "إني لا أخاف على نفسي شيئًا، وأدفع عن قلوب المؤمنين بمُقامي هذا كثيرًا من الشُّبَهِ، وأُقِيمُ بين قَوْم لهم قَبُولٌ للعِلْم، وحِرْصٌ على المطلب، ومعرفةٌ بالنظر، فأما بلاد المغرب - وإن كانوا على طريقة واحدة - فقد استولى عليهم الجَهْلُ، وفشا فيهم التقليدُ، وزَهِدُوا في النظر، وحُجِّرَتْ أَمْلَاكُهُمْ (٣) عليهم في (٤) ذلك، سيرة أَمَوِيَّة، ونشأة تقليدية، فإن سَلِمْتُ (٥) بينهم عِشْتُ ضَاِئعًا عندهم"، وجرى بيني وبينهم في ذلك كلام كثير، بدأتُه (٦) في "الأمالي (٧) "، واستوفيتُه (٨) في كتاب "ترتيب الرِّحْلَةِ للتَّرْغِيبِ في المِلَّةِ (٩) ".

стр. 1229

[مناقبُ أبي القاسم السُّيُورِي]: وقد كان أبو القاسم عبد الخالق بن عبد الوارث السُّيُورِي (١) زاهدًا عالمًا، وكان مقيمًا بالقيروان مع شَحْنِهَا بالبدع، وظهور ما ظَهَرَ فيها من الفتن، ولكن كان فيها قَوْمٌ فضلاء يَأْنْسُ (٢) بهم، ويَسْكُنُ إليهم، وكان يُثَبِّتُ قلوب المؤمنين، ويَدْفَعُ في شُبَهِ المبتدعين. [من ضوابط الهجرة]: وكلُّ بُقْعَةٍ اليوم مشحونةٌ بالبدع والمظالم والمناكير، ولكن هي دركات (٣)؛ فأيُّها كان أخَفَّ كانت الهجرةُ إليه أوْجَبَ، إذ عَدَمُ بعض الشرِّ خَيْرٌ، وتخفيفُ بعضه خيرٌ، ولو لَزِمَ الإنسانُ بَيْتَه في داره ولم يخرج كما فعل جماعةٌ بمصر حين دخلها المُغِيرُونَ (٤) لكان ذلك رأيًا، والأمرُ مشهورٌ، والله أعلم.

стр. 1230

[الباعثُ على رجوع ابن العربي إلى الأندلس]: وغَالَبْتُ الأقدار فغَلَبَتْ عَلَي بحياة الوالدة، التي لم يكن لها (١) غيري، وكانت لَهْفَى حَسْرَى بَاكِيَةً عليَّ، فتعيَّن في الدِّينِ أن أَكِرَّ عليها راجعًا، مُمْتَثِلًا لأمر الله، وله فيَّ حِكْمَةٌ (٢) بعد انقيادي لطاعته وطاعتها، ثم ماتت وقد وَتَرَنِي (٣) الأَهْلُ والوَلَدُ، وانتهى كُلُّ شيء إلى ما كُتِبَ (٤) له من الحال (٥) والأَمَدِ، وليس لأحد عن قضاء الله مُلْتَحَدٌ. اللَّهم إنَّا نعوذُ بك من دَرَكِ الشقَاءَ، وسوء القضاء، وجَهْدِ البلاء، وشماتة الأعداء. [أقسامُ الهجرة (٦)]: والهِجْرَةُ على أقسام، رؤُوسُها ثَمَانِيَةٌ: الأوَّل: الهِجْرَةُ من الخَوْفِ على الدِّينِ والنفس، كهجرة النبي ﷺ آخِرًا أَوَّلًا، فإنه وأُمَّتُه الآخِرُون السَّابقون، نَبِيٌّ بنَبِيٍّ، وأُمَّةٌ بأُمَّةٍ، فكانت له ولهم للخَوْفِ (٧)، فلمَّا اسثقر في دَارٍ وأَمِنَ الذَرَا (٨)، وعَمَرَ الحَرَا (٩)؛ تعيَّن على كل مسلم القَصْدُ إليه، وحَرُمَ عليه البقاءُ دونه، إلَّا لمن أَذِنَ له، تَحْرِيمًا

стр. 1231

يَقْتَضِي له إن لم يجتنبه (١) تحريم الجنة، إذ كان من شروط الإيمان حينئذ التي لا يجزئ إلَّا بها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٦ - ٩٩]. قال ابن عبَّاس: "كنتُ أنا وأُمِّي من المُستضعفين" (٢)، فإنها أَسْلَمَتْ وتَبِعَها في الإسلام، وخرج عن حُكْمِ أبيه على ما يجب في الدِّينِ، خلافًا لمن قال: "إنه لا يتبع إلَّا أباه"، وليس ذلك بصحيح، ولا يُعَوَّلُ (٣) عليه (٤). فلمَّا فَتَحَ الله على نَبِيِّهِ مكة أسقط الهجرة، [قال رسولُ] الله ﷺ : " [لا هجرة] بعد الفتح، ولكن جهاد ونية (٥) " (٦)، وقال ﵇: "اعمل من وراء البحار، فإن الله لن يَتِرَكَ من عملك شيئًا" (٧).

стр. 1232

الثاني: الخُرُوجُ من أرض يُسَبُّ فيها (١) السَّلَفُ، وقد قال مالك: "لا يَحِلُّ لأحد أن يُقِيمَ بأَرْضٍ يُسَبُّ فيها (٢) السَّلَف" (٣)، وهذا الفقه صحيحٌ؛ وذلك أن المُنْكَرَ إذا كان معك لم يَحِلَّ لك أن تكون معه إذا لم تَقْدِرْ على تغييره، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]. [سَجْنُ الطرطوشي خمس سنين]: وقد كُنْتُ أُكَلِّمُ شيخنا الفِهْرِيَّ في مُقامه بها، فيقول: "لا آمَنُ من (٤) الإِذَايَةِ"، فلم يَمُرَّ به إلا قَلِيلٌ فقُصِدَ بالمطالبة، وسُجِنَ خمسة أعوام، في صُورَةِ بِرٍّ وإِكْرَامٍ، والله يرفعه في أعلى الدرجات بحُسْنِ نيته، وسَدَادِ طريقته برَحْمَتِه. [تتمة أقسام الهجرة]: الثالث: الخروج من أجل الإذاية على النفس، وهي وإن كانت داخلة في القِسْمِ الأوَّل، ولكنها تَنْفَرِدُ عنها بأن النبي ﷺ خرج (٥) خائفًا، وإلى بقعة تمهَّد (٦) فيها الإسلام، وهذا يَخْرُجُ لمُجَرَّدِ (٧) الخَوْفِ.

стр. 1233

وأَوَّلُ ما يُرْوَى ذلك عن الخليل ﵇، فإن الله لما آتاهُ رُشْدَه ويسَّر له من السداد والتوحيد سَبِيلَه وقَصْدَه؛ حتى بَلَغَ من الهداية إلى أن يَعْلَمَ أنَّ من يَنتَقِل ويَزُولُ ويَتَصَرَّفُ بين الطُّلوع والأُفول ليس برَبٍّ، ولولا ما كان سَبَقَ (١) له من الرُّشْدِ (٢) ما عَرَفه مُحْدَثًا قَبْلَ أن يراه مُنْتَقِلًا (٣)، ولمَا كان مُحْتَجًّا على قَوْمِه بما لم يَعْرِفْ من حاله، ولكن لمَّا سَبَقَتْ له المعرفةُ بالمخلوقات كُلِّهَا، وأنها صادرةٌ عن الخالق وحده؛ الذي لا يتغيَّر بالحالات، ولا يُشْبِهُ المُحْدَثَاتِ، حينئذ دعا قومه إلى الحِجَاجِ بما آتاه الله من الدليل الذي أخبر عنه بقوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] ومِثْلُها في الدليل قولُه تعالى: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، فغيَّر المنكر بالحق، واستدلَّ عليه بالدليل الحق، وهو دَلِيلُ الخُلْفِ؛ الذي ينفع في قلوب المبتدئين (٤) أعظم مما ينفع الدَّلِيلُ المُطَّرِدُ، فإنك تُرِي الجاهل في الجدال أنَّك معه؛ حتى تنتهي به إلى موضع لا يُمْكِنُه الاطِّرَادُ إليه (٥)، فتدعوه الضروره إلى أن يَرْجِعَ معك إلى هَدْمِ ما بَنَى، وحَلِّ ما عَقَدَ، فتبلغ المُرَادَ في لُطفٍ بحِكْمَةِ (٦) اللَّطِيفِ وحُكْمِه.

стр. 1234

ورَمَوْهُ في النار فأنجاهُ الله منها، ورأى أنه في مِحَنٍ متواترة فقال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩]، فخرج من بينهم إلى الله ببَدَنِه، كما كان أبدًا ذاهبًا إلى (١) الله بقلبه، فذهابُه في طاعته أَوْجَبَ، ذَهَابَه إليه. واختُلِفَ في الهداية التي طَلَبَ، وكانت حاصلةً له من قَبْلُ، إذ لو لم تكن (٢) هدايةٌ لما دعا إلى التوحيد، ولا كانت منه الحِجَاجُ، ولا طُولبَ في نفسه. فقيل: طَلَبَ الهداية في الاستقبال، وسأل أن تَسْتَمِرَّ له (٣). وقيل: سأل الهداية إلى موضع يَأْمَنُ فيه. وقيل: إلى أعوان يكونون معه. فأَخْرَجَهُ الله من الشام إلى مصر. تَوْطِئَةٌ لمُحَمَّدٍ ﷺ وتَأْسِيسُ الحَالِ له (٤): وسَارَ هو وزوجُه لا ثالث معهما، فلمَّا دخل مِصْرَ تحدَّث الناسُ بجمال سَارَةَ، فبَلَغَ خَبَرُها جَبَّارَها؛ فأرسل إليه أن يَبْعَثَ بها، فلم يَقْدِرْ على الامتناع، إلَّا أنه قال لها: "إن سألك فقولي له: إنك أختي، فإنه ليس على الأرض أَحَدٌ يَعْبُدُ الله غَيْرِي وغيرك (٥) " (٦)، وقد بيَّنَّا فوائد الحديث في "أَنْوَارِ الفَجْرِ"، وفيه بَدَائِعُ وحِكَمٌ.

стр. 1235

ونهاها (١) أن تُقِرَّ بالزوجية، فلمَّا دَخَلَتْ (٢) عليه تَنَاوَلَهَا (٣) فغُطَّ (٤) واضطرب، فقال: "ادْعِي الله لي ولا أضرك، فدَعَتْ فَحُلَّ، ثم عاد إليها فأُخِذَ، حتى عاد (٥) ثلات مرات، فقال للذي جَاءَهُ (٦) بها: لم تأتني بإنسان، إنما أتيتني (٧) بشيطان، فأخدمها هاجر، فانصرفت وإبراهيم يصلي، فقالت: أشعرتَ أن الله كَبَتَ (٨) الكافر وأخدمَ وليدة؟ قال أبو هريرة: فتلك أُمُّكم يا بني ماء السماء" (٩). ووَهَبَتْهَا سَارَةُ لإبراهيم، فحَمَلَتْ منه بإسماعيل، فلمَّا ولدته غَارَتْ بها، فخرج بها إبراهيمُ مأمورًا من السماء في القِفَارِ والفَيَافِي، إلى أن أَنْزَلَهُ الله على عُقْرَةِ (١٠) زَمْزَمَ تحت سَرْحَةٍ، فتركها وولَّى عنها، وكان من الحديث ما عَلِمْتُم (١١)، وآلَ (١٢) الحَالُ إلى عمارة البيت وتِبْيَانِ الأثر (١٣) لنَبِيِّنَا ﷺ .

стр. 1236

وكذلك خَرَجَ موسى خائفًا يَتَرَقَّبُ فَارًّا من الرَّهَبِ، واختُلِف في خوفه على ما بيَّناه في "المُشْكِلَيْنِ": وأَقْوَاهُ: خوفه على نفسه، يَتَوَقَّعُ أن يُقْتَصَّ أَثَرُه، ويترقب (١) النصرة من الله له (٢)، قال: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١]، ولم يَكُ (٣) بعدُ نَبِيًّا، فتَعْسًا لمن يَنْسُبُ الأنبياءَ قبل البَعْثِ إلى جَهْلٍ بالله وبأحكامه. ولقد كان مُحَمَّدٌ ﷺ أَعْلَمَ بالله من موسى قَبْلُ وبَعْدُ، وخرج أيضًا مُترَجِّيًا كما خرج مُتَرَقِّبًا، وخرج بعد ذلك مُهَاجِرًا إلى موضع الخوف بعد التأمين والنصرة. وسأل (٤) الرِّفْقَ بأن يُشْرَكَ معه أخوه في الرسالة، فأُعطي سؤله، ولمَّا وَاعَدَهُ الله ليلقاه لم يسأل أن يَحْمِلَ معه أخاه، واستخلفه بعده فلم يقدر على الوفاء. قال الناس: "ولو استخلف موسى الله لمَا أَحْدَثَ بنو إسرائيل شيئًا، كما لو لم يَسْتَحْفِظْ يعقوبُ على يوسف (٥) الإخوة لما وقع في الذِّلَّةِ والهَلَكَةِ، كما لو لم يستخلف - على ما ذكره أهل التفسير - آدمُ قَابِيلَ على أهله وولده لما قُتِلَ هابيل".

стр. 1237

ألا ترى إلى هاجر (١) كيف قالت لإبراهيم حين قَفَّى (٢): "آالله أمرك أن تتركنا هاهنا (٣)؟ قال لها: نعم، قالت: إذًا لا يُضَيِّعُنا الله" (٤)، فسَارَ واستخلفه عليهم. [السِّرُّ في عدم استخلاف رسول الله]: وكذلك لم يستخلف رسولُ الله ﷺ على الأمة أَحَدًا، والسِّرُّ في ذلك غَرِيبٌ، وهو أنه ﷺ لمَّا تَلَا قول الله تعالى في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وقال عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، فرفع يَدَيْه وقال: "اللَّهم أُمَّتِي أُمَّتِي، وبكى، فقال الله: يا جبربل، اذهب إلى محمد ﷺ وربُّك أعلم - فاسأله: ما يبكيك؟ فأتاه جبريل وسأله (٥)، فأخبره رسول الله ﷺ بما قال - وهو أعلم -، فقال الله: يا جبربل اذهب إلى مُحَمَّد ﷺ فقل له (٦): إنا سَنرضِيكَ في أُمَّتِكَ ولا نسوؤك" (٧).

стр. 1238

فلمَّا تحقَّق الإرضاءُ له وَثِقَ بذلك وسَكَتَ عنهم، وهذا المعنى هو الذي أشار إليه المُفَسِّرُونَ في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥]، قال: "والله لا يَرْضَى مُحَمَّدٌ وواحدٌ من أُمَّتِه في النَّار". [تتمة أقسام الهجرة]: الرابع: الخُرُوجُ من أَرْضِ الكُفْرِ، فلا يَحِلُّ لمُسْلِمٍ أن يبقى فيها بإجماع من الأمة، وإن اختلفوا في حُكْمِه مع مُقامه فيها؛ هل له حُرْمَةُ المسلم أم لا؟ حسب ما بيَّناه في "مسائل الخلاف" (١). الخامس: الهِجْرَةُ في طَلَبِ الدِّينِ، وقد فَعَلَه قَوْم (٢) في الجاهلية، فَمِمَّنَ أَنْجَبَ فيه وَرَقَةُ بن نوفل (٣) وزَيْدٌ، ومِمَّن خُذِلَ عنه أُمَيَّةُ بن أبي الصَّلْتِ الثَّقَفِي، وفَعَلَهُ في الشريعة جماعةٌ أوَّلُهم الكَلِيمُ؛ الجَلِيلُ القَدْرِ العَظِيمُ، فإنه رَحَلَ في طَلَبِ العلم، وماذا كان عنده من العلم! ولكن تَعَطَّشَ إلى المزيد، كما يَفْعَلُه المُحَقِّقُ المريد، فكيف من بَلَغَ إلى غايته؟ وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]. وقد رَحَلَ جَابِرُ بن عبد الله إلى عبد الله بن أنيس مَسِيرَةَ شَهْرٍ ليَسْمَعَ منه حديثًا واحدًا (٤).

стр. 1239

ولا يَتِمُّ طَلَبُ العِلْمِ والهِجْرَةُ فيه إلَّا كما قال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل في حَدِيثٍ طَوِيلٍ؛ ذَكَرَ فيه رُبَاعِيَاتٍ كثيرة؛ فيها: "أن يَطْلُبَ العِلْمَ بأَرْبَعِ؛ بالبلاد، والجبال (١)، والبَرَارِي، والبحار، إلى قوله: فإذا صَبَرَ على ذلك ابتلاهُ الله في الدنيا بأَرْبَع؛ بشماتة الأعداء، وملامة (٢) الأصدقاء، وطَعْنِ الجُهَلَاءَ، وحَسَدِ العلماء، فإذا صَبَرَ على ذلك أكرمه الله في الدنيا بأَرْبَع؛ بعِزِّ القناعة، وبهيبة النفس (٣)، ولذة العلم، وحِبَرَةِ (٤) الأبد، وأثابه في الآخرة بأربع؛ بالشفاعة لمن أراد من إخوانه، وبظِلِّ العَرْشِ يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّه، ويَسْقي من أراد من حَوْضِ النبي ﵇، وبجوار النبيِّين في أعلى عِلِّيِّين" (٥). وقد ذَخَرَ (٦) الله هذا الاسم لأصحاب محمد ﷺ ، فَشَرفَهُمْ به، واختصَّهم من بين سائر الأمم، فقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الحشر: ٨]، وقالت بنو إسرائيل: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا

стр. 1240

وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة: ٢٤٦]، فلم يُسَمَّوا به، لأنه كان مَذْخُورًا لأُمَّةِ محمد ﷺ فحُرِمَتْه (١). حكاية: وقد رُوِيَ أن بعض الطلبة قال لأُمِّه: "إنِّي (٢) أردتُ طلب العلم [فذَرِينِي] (٣) لله (٤)، قالت له: قد فعلت (٥)، فخرج مُهَاجِرًا إليه، فلمَّا تَعَلَّمَ عاد فدَقَّ الباب عليها، فقالت: من؟ قال لها: ابنك، قالت: وما أردتَ؟ قد تركناك (٦) لله ولا نعود فيما ترَكْنَا (٧) له" (٨). السَّادس: الهِجْرَةُ في طَلَبِ الحَلَالِ، قال الله تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]، فالدنيا أَوْسَعُ من أن يَضِيقَ بمُرِيدٍ موضع، فَإِنْ نَبَا به مَنْزِلٌ لوجه من الوجوه الصادَّة عن العبادة فسبيلُه أن يرتحل عن ذلك الموضع إلى سواه.

стр. 1241

وإذا ما جُفِيتُ كُنْتُ حَرِيًّا … أن أُرَى غَيْرَ مُصْبِحٍ حَيْثُ أُمْسِي (١) السَّابع: الهِجْرَةُ من أرض الفتنة، قال النبي ﷺ : "خَيْرُ مال المسلم غَنَمٌ يتبعُ بها شَعَفَ الجبال (٢) ومواقع القَطْرِ، يفرُّ بدِينِه من الفِتَنِ" (٣). وقد قال ثوبانُ لأبى عامر: "اسجن نفسك، واتخذ (٤) حمولة وأَنْسَاعًا، وأربعين عَنْزًا شقْرًا (٥)، فكأني بك قد أُخرجت منها كفرًا كفرًا، قال: وحَذَّرَنِي (٦) فَضْلَ المال" (٧). فهذه حالة؛ فإذا ظَهَرَ الفسادُ في البر والبحر فليَقْصِدْ أَمْثَلَ البلاد؛ فإنَّ الله سبحانه لا يُسَوِّي بينهما في الفساد أبدًا، إلَّا عند قيام السَّاعة. وقد تقدَّم حديثُ سعد بن أبي وقاص في اعتزاله في الفتنة (٨)، وكذلك فَعَلَ جماعةٌ من الصحابة؛ لأن الفتنة ظُلْمَةٌ، وقد يُنِيرُ فيها التأويل، وقد يُظْلِمُ، وظُلْمَتُه أكثر، فكان الحَزْمُ تَرْكَها وهِجْرَتَها. قال النبي ﷺ : "المُهَاجِرُ من هَجَرَ ما نهى الله عنه" (٩).

стр. 1242

يعني: أن المهاجر لوطنه وماله (١) وإن كان مُهَاجِرًا، فلا يَتِمُّ له ذلك إلا بعد أن يَبْعُدَ عمَّا نهاه الله عنه (٢)، كما أن المؤمن وإن كان من شَهِدَ شهادة الحق، فإن المؤمن بالحق من أَمِنَ الناسُ شرَّه، وذلك باستكمال الشرائع، والمحافظة على الشعائر أبدًا؛ أَمْرًا بالامتثال، ونَهْيًا بالاجتناب، والمُهَاجِر من هَجَرَ الشُّبُهَاتِ (٣) والمباحات من الشهوات. قال ابن سِيرِينَ: "إن رَجُلًا قال لابن عمر: اجعل لك (٤) جَوَارِشَ، قال: وأيُّ شيء الجوارش؟ قال: شيءٌ إذا كَظَّكَ الطعامُ فأَصَبْتَ منه سَهَّلَ عنك (٥)، فقال له ابن عمر: ما شَبِعْتُ مُذْ أربعة أشهر، وما بي ألَّا أكون واحدًا، ولكن (٦) عَهِدْتُ قَوْمًا يشبعون مرَّة ويجوعون أخرى" (٧). ثم قال بعدُ: "والله ما شَبِعْتُ مُذْ أربع عشرة سنة، ولا مرَّة واحدة" (٨). الثامن: وقد ذَكَرَ بعضُهم الهجرة (٩) من بَلَدِ الغلاء إلى بلد الرخاء.

стр. 1243

قال سفيان الثَّوْرِي: "كُنْ في موضع تَمْلأُ فيه جِرَابَكَ خُبْرًا بدرهم" (١). وقال بِشْرٌ: "إذا اهتممتَ بالغلاء أو رِخَصِ السِّعْرِ فاذكر الموت؛ فإنك لا تهتم بغلاء السِّعْرِ ولا رِخَصِه (٢) " (٣). ومن الهِجْرَةِ الوَاجِبَةِ (٤) للأهل والوطن الخُرُوجُ إلى الحَجِّ، وهو: * * *

стр. 1244

الاسم الثالث والعشرون: الحاجُّ (١) إذا تَعَيَّنَ فَرْضُه (٢)، وفي وَقْتِ تَعَيُّن فَرْضِه خِلَافٌ بين العلماء وفي شروطه (٣)، وهو أَحَدُ أركان الإسلام (٤)، ودِعَامَةٌ من دعائم الإيمان، يُتْرَكُ له الأهلُ والولد، ولا يُشَاوَرُ (٥) فيه (٦) الأب والأم، وما رأيتم من أنه يُشَاوِرُ أباه فإنَّما ذلك إذا لم يَجِبْ (٧)، فيكون قَضَاءُ حَقِّ الأب في تأنيسه أولى منه، ولو وَجَبَ (٨) عليه (٩) ما كان للأب فيه رَأْيٌ؛ كالصيام والزكاة والصلاة (١٠).

стр. 1245

صحَّ أن النبي ﷺ سُئِلَ أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمانٌ بالله، قيل: ثم أي؟ قال: جهادٌ (١) في سبيل الله، قيل: ثم أي؟ قال: حَجٌّ مبرور" (٢). وقال ﷺ : "الحج المبرور ليس له ثواب عند الله إلا الجنة" (٣). والحَجُّ (٤) هو القَصْدُ؛ فلا تَقْصِدْ بَيْتَ رَبِّكَ حتى تَقْصِدَ إلى ربك (٥)، ولا يَتَحَرَّكْ بَدَنُكَ إليه (٦) حتى تُقْبِلَ بقلبك عليه، وإذا أقبلت ببدنك عليه فأَحْرَمْتَ ولَبَّيْتَ فحِلُّكَ الطواف بالبيت، وإذا أَحْرَمْتَ ولَبَّيْتَ بقَصْدِ القَلْبِ إليه فحِلُّكَ أن تراه إن شاء الله . وجَعَلَ تَرْكَ الحَجِّ لمن قَدَرَ عليه كترك الصلاة لمن قَدَرَ عليها، قال النبي ﷺ : "من ترك الصلاة كفر" (٧)، كذلك قال تعالى في تارك الحَجِّ (٨): ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وهذه زيادة تهديد (٩) تدلُّ على زياده تخصيص.

стр. 1246

والعَجَبُ مِمَّن يقولُ (١): "إن الحج لا يجب على أهل المغرب"، وهو يسافر من قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، ويخرق البحار، ويقطع المخاوف؛ في مقاصد دينية أو دنياوية، والحالُ واحدة، في الخوف والأمن، والحلال والحرام، وإنفاق المال وإعطائه في الطريق وغيره لمن لا يرضى (٢). فإن قيل: فإن طَلَبَ منه الظالم في الطريق أو في دخول مكة مالًا؟ قُلنا: قال بعض الناس: "لا يدخل، ولا يعطيه، وليرجع" (٣). والذي أراه أن يعطي، ولا ينبغي أن يكون في ذلك خلافٌ، فإن الرجل بإجماعٍ من الأمة يجوزُ له أن يمنع عِرْضَه ممَّن ينتهكه بماله، وقالوا:

стр. 1247

"ما وقى المَرْءُ به عِرْضَه فهو صدقة" (١)، وكذلك ينبغي أن يشتري دينه ممَّن يمنعه (٢). ولو أن ظالمًا قال لرجل: لا أُمَكِّنُكَ من الوَضوء والصلاة إلَّا بجُعْلٍ، لوَجَبَ عليه أن يُعْطِيَهُ، وهل كانت الهجرة وترك الأموال والأهل والوطن إلَّا للسَّيْفِ (٣)؟ وهي اليوم بَاقِيَةٌ على من آمَنَ في دار الحرب، أن يشتري (٤) الدِّينَ بتَرْكِ الأهل والمال والولد، فتَفَطَّنُوا لهذا فإنه دَقِيقٌ غابت عنه قلوب الغافلين. [المجاورة بمكَّة]: والمُجَاوَرَةُ بمَكَّةَ لها فَضْلٌ عظيم، وإني لأستحبُّها، ومن يجاور العبد مثل ربه، ولمن يأوي أكرم منه، وما أدري كيف قَدَرَ من يقول: "تُكْرَهُ المجاورة بمكة" (٥)؟ ولقد سمعتُ في ذلك تعليلات لا تساوي سماعها،

стр. 1248

نعم؛ يمكن أن يُتكلَّم بين مكة والمدينة وأيهما (١) أفضل (٢)، ومجاورة من هي أكرم، فأمَّا أن تُكْرَهَ واحدة منهما (٣) فحَاشَا لله. [أقسامُ الحاجِّ]: والحَاجُّ قِسْمَانِ؛ رِجَالٌ ورُكْبَانٌ (٤)، كما قال الله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧]. قال المفسرون: "أَذَّنَ إبراهيم بالحج فأسمعه الله جميع الخلق؛ بأن أحياهم له، فمن أجاب حَجَّ، ومن سَمعَ ولم يُجِبْ أو لم يَسْمَعْ لم يَحُجَّ" (٥). وقال المحققون: "معناه (٦): أَعْلَمَ بالفرض عليهم جَمِيعَهم، فيأتي من كُتِبَ حَاجًّا منهم، فهو لفظ عموم، والمرادُ به الخصوص" (٧). وهذا التأويلُ الأخير أقوى (٨)، وإن كان الأوَّل مُمْكِنًا. ولقد رأيتُ الجَهْلَ قد انتهى بقَوْمٍ إلى أن يقولوا ليلة المزدلفة قائمين على سَطْحِ مَسْجِدِ المشعر الحرام: "يا فلان: حُجَّ"، فيُنَادِي كلُّ واحد باسم

стр. 1249

حَبِيبِه أو جاره، ويقول: "إنه إذا فُعِلَ ذلك به (١) حَجَّ"، فقلتُ لبعض جيراني: هذا باطل، نَادِ (٢) حتى ترى، فنادَى معي، وانقلبنا إلى البلد (٣)، فما حجَّ من نُودِيَ باسمه إلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ. قال علماؤنا: قُدِّمَ الرَّجَّالَةُ على الرُّكْتانِ لوجهين: أحدهما: أن الرَّاجِلَ أَكْثر (٤). [الثاني]: وقيل: لأنه أفضل (٥). وروى ابن حنبل عن تَمِيم الداري: "أنه قرأ القرآن في الصلاة قائمًا، وقرأه راكعًا، وقرأه ساجدًا، وحَجَّ خَبَبًا (٦) " (٧). وبَنَى بِشْرُ بن كَعْب (٨) قَبْرًا؛ وقرأ فيه القرآن، ودفنَ (٩) فيه. وأخبرني محمد الفُسْطَاطِي الصُّوفِي (١٠) أنه حَجَّ مع أبي الفضل الجَوْهَرِي، فقال: "قال لنا أبو الفصل يومًا في الطريق، كنتُ أرى البارحة

стр. 1250

بابًا من (١) السماء قد (٢) فُتِحَ (٣)، فنزل منه (٤) ثلاثة أَمْلَاكٍ، بيد أحدهم طَسْتٌ، وبيد الآخر إبريق، وبيد الآخر مِنْدِيلٌ، فانتهوا إلى طَرَفِ (٥) القافلة، فقال أحدهم: خُذْ رِجْلَي ذلك الرجل (٦)، قال: نعم، فأخرجها من تحت الثياب ثم وضعها في الطَّسْتِ، وصَبَّ صاحبُ الإبريق على الرِّجْلَين (٧)، وجعل صاحبُ الطَّسْتِ يغسلها، حتى إذا انتظفت أَخَذَهَا صاحبُ المنديل وجَفَّفَها، ثم رَدَّها في دِثَارِها، وجاء آخَرُ ليأخذ رِجْلَيْ (٨) آخَرَ فقال له صاحبه: لا تأخذها، هو راكب، وتَتَبّعُوا جميع من في القافلة هكذا، حتى وصلوا إليَّ، فمدَّ يده ليأخذ رِجْلِي؛ فقال له صاحبه: هو راكب، فلما فَرَغُوا بجميع من فيها صَعِدُوا على مَرْقَاهُم إلى السماء حتى غابوا فيها". [حَجَّةُ ابن العربي وما لقي فيها من الأهوال]: فتَفَسَّرَ لي أَمْرٌ كنتُ منه مُتَعَجِّبًا، وذلك أني خَرَجْتُ من الكُوفَةِ إلى مَكَّةَ سنة تِسْعِ وثَمَانِينَ راكبًا مُعَادِلًا لأبي - رحمة الله عليه (٩) -، حتى بلغنا مكة فقضينا حجَّنا، ثم عُدْنَا إليها، فلمَّا كُنَّا ببَطْنِ نَخْلَة ضَرَبَنَا بَرَدٌ

стр. 1251

عَظيِمُ الجِرْمِ، قَتَلَ كثيرًا من الإبل والناس، وحَمَلَ وادي نخلة علينا، وكنَّا فيمن بَكَّرَ فعَبَرَ، فمن صادفه السَّيْلُ فيه حَمَلَهُ إلى البحر فلم يُرَ أبدًا، وعُدْنَا نَفَرًا قليلًا، وحَدَثَ في الجِمَالِ طاعونٌ، ترَى الجَمَلَ يُبتاع بخمسين دينارًا، فتأخذه (١) الغُدَّةُ فيصيحُ ويرمي بنفسه إلى الأرض، فيُنْحَرُ (٢) ويقتسمه الناس، ويرمون رحالهم في البيداء ويَتَعَرَّوْنَ (٣) من ثيابهم، ومَضَتْ جِمَالُنا هكذا، في حَدِيثٍ طويل بيَّناه في كتاب "ترتيب الرحلة"، ودعت الضرورة إلى أن أمشي رَاجِلًا من فَيْدَ إلى الكوفة خَمْسَ عَشْرَةَ مَرْحَلَةً لموت الجمال، ومعنا الكِراء لو وجدنا الجمال، لكن الطاعون استولى عليها (٤)، ورَمَيْنَا جميع ما كان معنا، ولم يَبْقَ عَلَيَّ إلَّا لِبَاسِي، وكنتُ أمشي مع أصحابنا من الطلبة نتذاكر ونتناظر (٥) ونَتَسَلَّى على (٦) الرَّجْلَةِ النَّهَارَ كلَّه، حتى إذا جاء الليل وَقَعْتُ على اسم المَيِّتِ، وأوقدنا النار، وقَطَعْنَا لحم أرجلنا، وكَوَيْنَاهَا بالشحم، وربطناها بالخِرَقِ، وكنت أضطجعُ وأقول: هذا مرقدي الذي يبعثني الله منه وأنام، فإذا أصبحتُ وجدت خِفَّةً، وكأنِّي لم أكن رَجُلَ البارحة، فإذا أخذت في المشي عادتْ قُوَّتِي، وتَصَلَّبَ لَحْمِي (٧) الأحمر عند مِشْيَتِي، وكانت هذه عادتي في نهاري وليلتي (٨)، وأنا أتعجَّب

стр. 1252

من وُثُوبِ تَجَلُّدِي (١)، وقُوَّتِي بعد ذهاب لَحْمِي وجِلْدَتِي، حتَّى حُدِّثْتُ بهذا الحديث، فعَلِمْتُ يقينًا صِحَّةَ قَوْلِ النبي ﷺ للأشعريين: "لستُ أنا حملتُكم (٢)، ولكنَّ الله (٣) حملكم" (٤). ورَأَيْت قَوْلَ البخاري في (٥) باب من حَدَّثَ (٦) عن مَشَاهِدِهِ في الحرب - وأدخل عن طلحة بن عُبيد الله أنه تَرَّسَ على (٧) النبي ﷺ يوم أحُدٍ (٨) - فحَدَّثْتُ. ومن (٩) الدليل على أن الرَّجْلَةَ أفضل الحَدِيثُ الصحيح عن النبي ﷺ : "ما اغبرَّت قَدَمَا عبد في سبيل الله إلَّا حَرَّمَهُمَا الله على النار" (١٠). فإن رَكِبَ فليركب على رَحْلٍ مُخْتَصَرٍ، فقد قال البخاري: "حَجَّ أَنسٌ على رَحْلٍ، ولم يكن شحيحًا" (١١).

стр. 1253

المعنى (١): أنه آثَرَ التواضع؛ لأنه مَوْضِعُ شَعَثٍ وخَشْيَةٍ، وخُرُوجًا (٢) عن الهيئة والبِزَّةِ. قال علماؤنا: "وإنما حَجَّ النبي ﵇ رَاكِبًا لِئَلَّا يَشُقَّ على أمته، وطاف رَاكِبَّا ليُرِيَ جَمِيعَ الناس فِعْلَه ﷺ ". وقد روى الترمذي: نا محمود (٣) بن غيلان: نا أبو داود الحَفَري (٤) عن سفيان عن الربيع بن صَبِيح عن يزيد بن أبان عن أنس بن مالك (٥) قال: "حجَّ رسول الله ﷺ على رَحْلٍ رَثٍّ، وعليه قَطِيفَةٌ لا تساوي أربعة دراهم، قال (٦): اللهم اجعله (٧) حجًّا لا رياء فيه ولا سُمْعَة" (٨). وحجَّ بعضُ (٩) الصوفية (١٠) سبعين حَجَّةً ماشيًا، فلمَّا كان في آخرها قال: "اللَّهم إني أظن أن هذه آخِر حجَّتي، فإن كُنْتَ قَبِلْتَها أو قَبِلْتَ منها

стр. 1254

شيئًا، فإني أُشهدك أني قد تصدَّقتُ بها على المذنبين من أمة محمد ﷺ ، أو من أهل الموقف، فرأى الله تعالى في المنام، فقال له: أعلينا تَتَسَخَّى؟ أُشهدك أَنِّي قد غفرتُ لهم ولك" (١). وقد قيل لابن عمر: "ما أكثر الحاج! فقال: ما أقلهم" (٢). نَظَرَ الأوَّلُ إلى كثرة الرَّاكِبِ؛ ونظر ابنُ عمر إلى قلة المخْلِصِ. وكان الدَّامَغاني (٣) بعرفة إذا رأى ذلك الجمع العظيم يَخِرُّونَ يقول: "اللَّهم اقبَلني معهم وإن كنت زائفًا، فقد يسمحُ الناقد وإن كان عارفًا" (٤). [حقيقةُ الحاجِّ]: والحاجُّ (٥) - عند الجميع -: من عَقَدَ (٦) بقلبه رَفْضَ (٧) الدنيا كما رفضها بلباسه، وأن يتجرَّد للمولى كما تجرَّد عن هيئة الدنيا، وينبذ كل طريق، ويرجع إليه بالتحقيق، وإذا اغتسل من الأدناس الظاهرة فليغسل قلبه

стр. 1255

من الأوضار (١) الباطنة، وإذا استجاب لسانُه (٢) بالتلبية فينبغي أن يستجيب كلُّ عُضْوٍ من أعضائه بالخضوع له، وإذا بَلَغَ الموقف وَقَفَ بقلبه عليه، فلم يَسْرَحْ كما لا يسرحُ بدنُه، وإذا عرَّف تعرَّف إلى الله بتبرئة عن كل شيء إلَّا هو، واعترف بتقصيره عن حقه، فيتعرَّف الله إليه بأفضاله عليه، فإذا بَلَغَ المَشْعَرَ الحرام استشعر المِنَّة في التيسير لسُلوك (٣) تلك المقامات، واستشعر القبول أو الرد، وإذا بلغ مِنًى نفى عن نفسه كل هَوًى ومُنًى، إلَّا (٤) المولى جلَّ وتعالى (٥)، وإذا رمى الجمار فليُلْزِمْ (٦) نفسه الأمَّارة بالسوء بخَلْع كل هوى (٧) يتعلق بها، وشهوة تنزع إليها، فإذا دخل الحَرَمَ فلا يصح له بعدُ أن يقرب إلى مُحَرَّم؛ وهو أحد التأويلين في قوله ﷺ : "الحَجُّ المبرور ليس له عند الله جزاءٌ إلَّا الجنة" (٨). فقيل: يَبَرُّه (٩) بأن (١٠) لا يعصي بعده (١١).

стр. 1256

وقيل: أن لا يعصي فيه (١)، لقوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وإذا رأى البيت بعينه فليَرَ رَبَّ البيت بقلبه، وإذا حَلَّ (٢) من إحرامه بالطواف فلا يَحُلَّ عَقْدَ القلب إلا بأن تُدار عليه الأكواس في الجنة ويطاف، وكما خرج من بيته إلى بيت ربه (٣)، فليخرج من البيت إلى الله تعالى بقَلْبِه (٤). والحاجُّ هو: الأشعث الأغبر في لباسه وجِلْدِه، وهو الأشعث القلب الأغبرُه؛ الذي لا يميل إلى مناظر (٥) الدنيا. وقد قال فتحٌ الموصلي في هذا المعنى أبياتًا، وهي (٦): إليك حَجِّي لا للبيت والأثر … وفيك سعيي لا للرُّكْنِ والحجر صفاءُ وُدِّي صَفَايَ حين أعبُره … وزمزمُ دمعتي تجري مع المطر (٧) عِرْفَانُه عَرَفَاتِي والمُنَى بمِنًى … وموقفي ومقامي دونهم خَطَرِي (٨)

стр. 1257

وجَمْرُ قلبي جِمَارِي حين أقذفه … والهَدْيُ جسمي الذي يغني عن الجُزُرِ زَادِي رجائي له والشوقُ راحلتي … والماءُ من عَبَرَاتِي والهوى سَمَرِي وقد قال (١) بعض (٢) العلماء: إنه لا تُعَارِضُ التجارةُ نِيَّةَ الحج، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]. قالوا: هي التجارة في مواسم الحج (٣). وقد روى أبو داود وغيره، عن أبي أمامة التَّيْمِي (٤) قال: "كنتُ رجلًا أُكْرِي في هذا الوجه، وكان الناس يقولون: ليس لك حج، فسألت ابن عمر فقال: ألست تُحْرِمُ وتُلَبِّي، وتطوف بالبيت، وتُفِيض من عرفات، وترمي الجمار؟ قال: قلت: بلى، قال: فإن لك حجًّا؛ جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن مِثْلِ ما سألتني عنه، فسكت عنه رسول الله ﷺ ، فلم يُجِبْهُ حتى نزلت هذه الآية عليه، وقال: لك حجٌّ" (٥). ومن قَطَعَ مسافةً من المشرق إلى المغرب أو من المغرب إلى المشرق لقصد البيت؛ فإن قَطَعَ العُمُرَ قَطَعَ (٦) مَسَافَة إلى لقائه؛ فلا يَسْتَطْوِلُهَا إلَّا الأحباب، ولا يستقصرها إلَّا الذين لا يوقنون بهذا الثواب (٧).

стр. 1258

فإذا (١) وصلتَ إلى البيت لتشهد منافع لك؛ فالمنافعُ التي تشهدها من ربك أعظمُ من التي تشهدها (٢) من بيته، ولا يعرف (٣) أحدٌ قَدْرَ الحب ولا سببه إلا من حجَّ فدخل مكة، فيرى واديًا غير ذي زرع؛ رَمْلٌ مُنْهَالٌ، وبَلَدٌ غير مِيهال (٤)، في وسطه بيتٌ مبنيٌّ من ججارة سود، غير عالي البناء (٥)، ولا مرصوف البناء، في أحد أركانه حَجَرٌ أسود أملس، قد حَفَّهُ جبلان أسودان من حجارة حُرْشٍ، لا ماء ولا مرعى، فيدخل القلب من محبته ما لا يَقْدِرُ أحدٌ على صفته، ويغلب النفس من هيبته (٦) ما يكاد يقع من خشيته، فيجري الدمع على وجنته، ولا يدري ما هذه العلاقة بمهجته، وكلما أتبعه البصر تضاعفت فيه البصيرة. أخبرني (٧) محمد بن عبد الملك الصُّوفي قال: حَجَجْنَا مع الشيخ أبي الفضل الجوهري؛ وذكر حديثًا طويلًا، بيانُه (٨) في كتاب "ترتيب (٩) الرحلة"، فلمَّا دخلنا معه (١٠) مكة ووَلَجْنَا من باب بني شَيْبَةَ وعاين البَيْتَ؛

стр. 1259

أخضل الدمعُ شيبتَه (١)، وطفق يمشي إليه خاشعًا، ويتوقل متواضعًا، فلمَّا دنا منه وعاين ما عليه من الحُلَلِ الدِّيبَاجِيَّةِ والأَنْمَاطِ الإسْتَبْرَقِيَّةِ أنشدَ: ما عُلِّقَ الدُّرُّ على نحرها … إلَّا لما يُخشى من العَيْنِ تقول والدُّرُّ على نحرها: … من علَّق الشَّيْنَ على (٢) الزَّيْنِ (٣) فوالذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؛ إنها متجردة (٤) أجمل منها في تلك (٥) الحال مكسوَّة، وما شبَّهتها (٦) في فَضْلِ جمالها متجردةً على جمالها مكسوةً إلَّا بما قال عليُّ بن العباس: وأحسنُ من عِقْدِ العقيلة جيدُها … وأحسنُ من سِرْبَالها المتجردُ (٧) ولقد كنت أُلْصِقُ خَدِّي بجُدُرَاتِها مع قِضَّتِها؛ وكأنها (٨) خَدُّ جارية زهراء. وأمَّا استلامُ الحجر؛ فوالذي خَلَقَ الماء والحجر، إنه لأَلَذُّ في قلبي (٩) من رَشْفِ رُضَابِ الكواعب للعازب، ولا يمكنكم أن تدركوا حقيقة ذلك

стр. 1260

بالصفة والتمثيل (١) حتى تباشروه (٢)، كما لا يمكن تعريفُ العِنِّينِ لَذَّةَ الجماع بالوصف والتمثيل حتى يباشره. وقال أبو سَعْدٍ الشهيد الصوفي: كان الأستاذ أبو القاسم القُشَيْرِي يُنْشِدُ: لستُ من جملة المحبين إن لم … أجعل القلب بيته والمقامَا وطوافي إجالةُ السر فيه وهو … ركني إذا أردتُ استلامَا (٣) ولو لم يكن من فضل البيت إلا استواء الخلق فيه؛ قال الله تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]، "وإنَّما يعتبر (٤) فيه السَّبْقُ والتَّقَدُّمُ (٥) " (٦). قال النبي ﷺ : "مِنًى مُناخ من سَبَقَ" (٧)، فلا منزلة هنالك (٨) إلا للسَّابقين.

стр. 1261

ومنازلُ الكرام نستوي فيها الأقدام؛ فلا ترتيب فيها إلَّا بالأعمال، ولا صَدَّ ولا طَرْدَ (١)، وإنما هو كله وِصَالٌ واتصال، فإذا وصل العبد إليه فليُكْثِرْ من ذِكْرِ من قصد إليه، وليَسْتَوْفِ منافعه بنيَّة خالصة؛ كما قدَّمنا وجوهها، وهي منافع الآخرة ليس للدنيا في ذلك حَظٌّ، ولينحروا (٢) هداياهم ليُطعموها الفقراء إحياءً لسنة نبيِّهم، وصاحب مِلَّتِهم، ومُعَرِّفهم (٣) بتسميتهم، وأبي (٤) حَبِيبِهم وصَفِيِّهم، وتكون مطاياهم يوم رَجْلَتهم، ويأخذوا في قضاء التّفَثِ، وهذا حَرْفٌ لم يعلمه (٥) إلَّا قليل، منهم مالك بن أنس ﵁ (٦). وحقيقته عندي: تمامُ العبادة لتطهير البدن والقلب، وفي ذلك الوفاء بالنذر؛ لأنه عَقَدَ النيَّة بقلبه (٧) في الإحرام ونَطَقَ بلسانه، فإن عَقَدَ التوبة فلا يَحُلَّها (٨) ولا يَنْفُضْها فيرجعَ إلى العصيان. ومن عَقَدَ اعتناق الطاعة فلا يَحُلَّ يدًا عن عاتق، وإذا طاف بالبيت فمعناه قُصُورُ الآمال عليه، فليقتصر بأمله على الله ، ولا يُعَلِّقْهُ (٩) بسواه، وليُعَظِّمْ حرمات الله تعالى.

стр. 1262

ومن الحكمة: "ما زنى غيور قط، ولا فَجَرَ صاحب حُرْمَة" (١). وقال أهلُ الزهد: "تَرْكُ الخدمة يوجب العقوبة، وهَتْكُ الحُرْمَةِ يوجب النقمة" (٢). ولا يُرَجَّى (٣) هاتك الحُرمة، فإن فيه استخفافًا يرجع إلى الإنكار، والتعظيم من تقوى القلب، كما أن الكف عن ملابسة الفواحش من تقوى الجوارح. ومن لُطْفِ الباري تعالى وتمكين الشرائع في القلوب وتحبيبها إلى الخلق تَعْلِيقُها بالعبادة، فإنَّ النفس القاصرة لها أُلْفَةٌ، والنفسُ الكريمة هي التي تعرف مقادير المِنَنِ (٤) المستأنفة، فقال الله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤]. والشرائع متفقة على المعارف، مختلفة في الطاعات؛ بحسب ما عَلِمَ الله من المصالح، فقَوْمٌ ثقَّل عليهم وضاعف الإِصْرَ، وقَوْمٌ خفَّف عنهم (٥) وضاعف الأجر.

стр. 1263

وقال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣]، أمرٌ منه للكل بأن (١) يستسلموا لحُكْمِه؛ بلا استكراه ولا ضَجَرٍ في القلب ولا في الكلام (٢)، وذلك بتصفية (٣) الأعمال من الآفات، وتصفية الأخلاق من الكدورات، وتصفية الأحوال من التفريطات (٤)، حتى يكون من المُخْبِتِينَ (٥). * * *

стр. 1264

وهو الاسمُ الرَّابع والعشرون: المُخْبِتُ (١) وهو: "المستديمُ للطاعة بشرط الاستقامة؛ على (٢) الاستطاعة (٣) " (٤). وعلامته الوجل عند ذكر الله؛ مخافة الرد، أو حذرًا من سوء العاقبة، أو توقعًا للخروج من الدنيا على غفلة من غير استعداد وأُهْبَةٍ، أو حياء من الله تعالى إذا ذكر اطلاعه عليه، وقد يقع منه ما لا يحبه أو يغفل عنه، وهو لا ينساه بنعمه ولطفه، أو خوفًا من المكر والاستدراج (٥)، وأقرب الخلق إلى الله تعالى قلبًا أكثرهم له خوفًا (٦). ومن علامة المُخْبِتِينَ (٧) الصَّبْرُ على ما أصابهم، خَمَدُوا (٨) تحت جريان المقادير، ولم يكرهوا ما نزل بهم من التقدير (٩).

стр. 1265

وفي طلب الفَرَجِ منه اختلافٌ بينهم، فمنهم من سأله، ومنهم من سأل الزيادة فيه، ومنهم من توقَّف على المقدار، وذلك كله بطرقه وأخباره مذكورٌ في "أنوار الفجر". وتحقيقه عندي: أن سؤال الفَرَجِ جائز على الإطلاق، فإن كان لإقالة العَثْرَةِ واستدراك ما فَرَطَ من زَلَّةٍ، أو وَقَعَ من غفلة؛ فإنه عبادة، ومن علاماته الفَزَعُ إلى الصلاة عند الخوف والرجاء، والوقوفُ أبدًا على باب النَّجْوَى، ويا (١) ما أحسن قول القائل (٢): إذا ما تمنَّى الناس (٣) رَوْحًا وراحةً … تمنَّيتُ أن أشكو إليك وتسمعَا (٤) وقال آخَر (٥): إذا ما تمنَّى الناس رَوْحًا وراحةً … تمنيتُ يا ربَّاه ألقاك خاليَا (٦)
следующие страницы →