← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

ومنازلُ الكرام نستوي فيها الأقدام؛ فلا ترتيب فيها إلَّا بالأعمال، ولا صَدَّ ولا طَرْدَ (١)، وإنما هو كله وِصَالٌ واتصال، فإذا وصل العبد إليه فليُكْثِرْ من ذِكْرِ من قصد إليه، وليَسْتَوْفِ منافعه بنيَّة خالصة؛ كما قدَّمنا وجوهها، وهي منافع الآخرة ليس للدنيا في ذلك حَظٌّ، ولينحروا (٢) هداياهم ليُطعموها الفقراء إحياءً لسنة نبيِّهم، وصاحب مِلَّتِهم، ومُعَرِّفهم (٣) بتسميتهم، وأبي (٤) حَبِيبِهم وصَفِيِّهم، وتكون مطاياهم يوم رَجْلَتهم، ويأخذوا في قضاء التّفَثِ، وهذا حَرْفٌ لم يعلمه (٥) إلَّا قليل، منهم مالك بن أنس ﵁ (٦). وحقيقته عندي: تمامُ العبادة لتطهير البدن والقلب، وفي ذلك الوفاء بالنذر؛ لأنه عَقَدَ النيَّة بقلبه (٧) في الإحرام ونَطَقَ بلسانه، فإن عَقَدَ التوبة فلا يَحُلَّها (٨) ولا يَنْفُضْها فيرجعَ إلى العصيان. ومن عَقَدَ اعتناق الطاعة فلا يَحُلَّ يدًا عن عاتق، وإذا طاف بالبيت فمعناه قُصُورُ الآمال عليه، فليقتصر بأمله على الله ، ولا يُعَلِّقْهُ (٩) بسواه، وليُعَظِّمْ حرمات الله تعالى.

стр. 1262

ومن الحكمة: "ما زنى غيور قط، ولا فَجَرَ صاحب حُرْمَة" (١). وقال أهلُ الزهد: "تَرْكُ الخدمة يوجب العقوبة، وهَتْكُ الحُرْمَةِ يوجب النقمة" (٢). ولا يُرَجَّى (٣) هاتك الحُرمة، فإن فيه استخفافًا يرجع إلى الإنكار، والتعظيم من تقوى القلب، كما أن الكف عن ملابسة الفواحش من تقوى الجوارح. ومن لُطْفِ الباري تعالى وتمكين الشرائع في القلوب وتحبيبها إلى الخلق تَعْلِيقُها بالعبادة، فإنَّ النفس القاصرة لها أُلْفَةٌ، والنفسُ الكريمة هي التي تعرف مقادير المِنَنِ (٤) المستأنفة، فقال الله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤]. والشرائع متفقة على المعارف، مختلفة في الطاعات؛ بحسب ما عَلِمَ الله من المصالح، فقَوْمٌ ثقَّل عليهم وضاعف الإِصْرَ، وقَوْمٌ خفَّف عنهم (٥) وضاعف الأجر.

стр. 1263

وقال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣]، أمرٌ منه للكل بأن (١) يستسلموا لحُكْمِه؛ بلا استكراه ولا ضَجَرٍ في القلب ولا في الكلام (٢)، وذلك بتصفية (٣) الأعمال من الآفات، وتصفية الأخلاق من الكدورات، وتصفية الأحوال من التفريطات (٤)، حتى يكون من المُخْبِتِينَ (٥). * * *

стр. 1264

وهو الاسمُ الرَّابع والعشرون: المُخْبِتُ (١) وهو: "المستديمُ للطاعة بشرط الاستقامة؛ على (٢) الاستطاعة (٣) " (٤). وعلامته الوجل عند ذكر الله؛ مخافة الرد، أو حذرًا من سوء العاقبة، أو توقعًا للخروج من الدنيا على غفلة من غير استعداد وأُهْبَةٍ، أو حياء من الله تعالى إذا ذكر اطلاعه عليه، وقد يقع منه ما لا يحبه أو يغفل عنه، وهو لا ينساه بنعمه ولطفه، أو خوفًا من المكر والاستدراج (٥)، وأقرب الخلق إلى الله تعالى قلبًا أكثرهم له خوفًا (٦). ومن علامة المُخْبِتِينَ (٧) الصَّبْرُ على ما أصابهم، خَمَدُوا (٨) تحت جريان المقادير، ولم يكرهوا ما نزل بهم من التقدير (٩).

стр. 1265

وفي طلب الفَرَجِ منه اختلافٌ بينهم، فمنهم من سأله، ومنهم من سأل الزيادة فيه، ومنهم من توقَّف على المقدار، وذلك كله بطرقه وأخباره مذكورٌ في "أنوار الفجر". وتحقيقه عندي: أن سؤال الفَرَجِ جائز على الإطلاق، فإن كان لإقالة العَثْرَةِ واستدراك ما فَرَطَ من زَلَّةٍ، أو وَقَعَ من غفلة؛ فإنه عبادة، ومن علاماته الفَزَعُ إلى الصلاة عند الخوف والرجاء، والوقوفُ أبدًا على باب النَّجْوَى، ويا (١) ما أحسن قول القائل (٢): إذا ما تمنَّى الناس (٣) رَوْحًا وراحةً … تمنَّيتُ أن أشكو إليك وتسمعَا (٤) وقال آخَر (٥): إذا ما تمنَّى الناس رَوْحًا وراحةً … تمنيتُ يا ربَّاه ألقاك خاليَا (٦)

стр. 1266

غيرُه (١). أحبُّ المكان القَفْرَ من أجل أنَّني … به أتمنَّى باسمه غير مُعْجَمِ (٢) فخُذْهُ منه، وضعه في موضعه بدلًا عنه. ومن علاماته إنفاقُ المال في مرضاته؛ فيُسَلِّمُ بدنه للعبادة، وماله للصدقة؛ كما فعل أبو بكر الصديق (٣) ﵁، فإنه جاء بجميع ماله إلى الله تعالى فقَبِلَه الله تعالى منه (٤)، وجاء غيرُه به فقبل منه الثُلُثَ (٥)، وعُومِلَ كلُّ أحد على مقدار قلبه. ومن جملة الإنفاق وأشرفه البُدْنُ (٦) التي جعلها الله تعالى من الشعائر، وقد بيَّناها في القسم الثالث من "الأحكام" (٧)، وحَظُّ القسم الرابع منها ما أشرنا إليه في "التذكير" الآن. [منافعُ البُدْنِ]: وقد جعل الله فيها خيرًا من وجوه كثيرة، منها (٨):

стр. 1267

الركوبُ لها. الحملُ عليها. الشرب لألبانها. أكلُ لحومها. الانتفاعُ بوَبَرِها. الاعتبار بخَلْقِها؛ كيف سُخِّرَتْ على قوتها وعِظَم (١) جثتها؟ كيف تنقادُ للصغير مع كبرها؛ تَنْوِيخًا وركوبًا، وحَمْلًا ونُزُولًا ونَحْرًا، لا تستطيع نفعًا ولا ضرًّا، صبرُها على العطش عشرًا، اجتزاؤها بالعَلَفِ اليسير، سرورها بالحُدَاءِ (٢)، واستراحتُها ونشاطُها بالصوت الحسن؛ مع كثافة أبدانها، وغِلَظِ أكبادها، إلى غير ذلك من غرائبها، وهي مستوفاة في "أنوار الفجر"، هذه نبذة منها، وفائدةُ نَحْرِها ما قدَّمناه. ومن فوائدها (٣): إطعامُ القانع؛ وهو عند الزهاد الذي ألقى جلباب الحياء، وكشف صفحة (٤) وجهه للسؤال (٥). والمُعْتَرُّ: الذي يَتَحَمَّلُ ويَتَجَمَّلُ، وقلبه من الحاجة قاتم (٦)، وهو لسِرِّه كاتم (٧).

стр. 1268

وفائدتها أيضًا: ظهور التقوى منكم بامتثال أمره، واجتناب نهيه، والمبادرة إلى حدوده؛ حتى يتحقق إِكْبَارُكم له، ليُكْبِرَكُم (١) لذِكْرِه، فيبشركم رسوله صلى الله عليه إذا أحسنتم، بأن يستوي ما أسررتم وما أعلنتم. [من علامات المخبتين]: ومن علامته العظمى عند أهل الزهد أن لا يشتغل قلبك عن (٢) أمر ربك، وأن يكون عملك كله له (٣) بلَذَّةٍ من نفسك، كما كنت تَلَذُّ قبل ذلك بذِكْرِ آبائك ومناقبهم، وسَلَفِك وأيَّامهم، فإن كان لآبائكم حقُّ التربية فأنا ربُّهم وربُّكم، وإن كان للفخر فبي فليفتخروا، وبما عندي فلتفرحوا وتدخروا (٤)، وإن كان للبِرِّ فأنا البَرُّ، وهو لي أوجب، وإن كان لأسلافكم مناقب فأنا الله الذي لا إله إلا هو (٥)، له الأسماء الحسنى، وإن كنتم لا تَمَلُّونَ من ذِكْرِ آبائكم فأنا أحقُّ أن لا يُمَلَّ من ذِكْرِي، فإنَّ أباك قد ينساك، وقد يعجز عن حالك، وأنا لا أنساك وأحفظك وأتولَّاك (٦). وقد قال بَعْضُهم هاهنا: "قوله تعالى: ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٩]، ولم يقل: أمهاتكم؛ لأن الأب يُذكر احترامًا، والأم شفقةً، والله تعالى هو الذي يَرْحَمُ ولا يُرحم، ويُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ" (٧).

стр. 1269

وعندي: أن القوم لا (١) يذكرون امرأة، ولا يفخرون بها، وإنما كان فخرهم بآبائهم؛ فالمناقب للرجال، والعفة والستر للنساء. وقوله: ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾؛ أمرهم بأن يَتَعَوَّضُوا من ذِكْرِ الآباء ذِكْرَ الله وتكبيره، أو يزيدون على ذلك، وهو أفضله. وأخبر تعالى أن الناس على قسمين: منهم: من يقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾، أي: حظُّه كلُّه في الدنيا؛ لأنه لا يعرف غيرها بذلك، ما له في الآخرة من خلاق. ومنهم: من يحفظ الدَّارَيْنِ، ويسأل في المَنْزِلَتَيْنِ، دار العمل، ودار الجزاء. [معاني الحسنة المرجوَّة]: وللعلماء في ذلك أقوال كثيرةٌ؛ أُمَّهاتُها سِتَّةٌ: الأول (٢): آتِنَا حسنة تنتظمُ بها جميعُ الحسنات؛ وهي الإيمان المتصل بالمآل، فإنَّ من حصلت له هذه الصفة لم يُخَلَّدْ في النار، وحسنة الآخرة المغفرة، فإذا غُفِرَ له فليس (٣) بعده إلَّا كل خير، ولذلك بدأ الله الخَلْقَ عند الإفاضة بالاستغفار (٤). الثاني: الحسنة في الدنيا العُزُوفُ عنها بمعرفة قَدْرِها، والحسنةُ في الآخرة الأَمْنُ من الفَزَعِ (٥).

стр. 1270

الثالث: الحسنة في الدنيا معرفتُه، والحسنة في الآخرة صفتُه. الرابع: الحسنةُ في الدنيا أن يغنيك عن خلقه، وفي الآخرة أن يَهَبَ ما قِبَلك (١) من حقه. الخامس: الحسنة في الدنيا التوفيقُ للخدمة، وحسنة الآخرة تحقيق الوُصلة (٢). يعني: بالرضا عنكم، فلا يسخط أبدًا عليكم (٣). السَّادس: الحسنةُ في الدنيا العافيةُ، والحسنة في الآخرة الأَمْنُ (٤). وقد روي أن النبي ﷺ دخل على رجل يعوده فوجده مثل الفَرْخِ، فقال له: "هل كنت تقول شيئًا؟ قال: كنت أقول: اللهم ما كنت مُعَاقبي به في الآخرة فعَجِّلْه لي (٥) في الدنيا، فقال له النبي ﷺ : إنك لا تستطيعُه، هلَّا قلتَ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ١٩٩] الآية" (٦). وبهذا أقول.

стр. 1271

[ذِكْرُ الله في الأيام المعدودات]: ثم قال سبحانه: وإذا كنتم ذاكرين فخُصُّوا الأيام المعدودة، وهي أيامُ الرَّمْيِ، على ما بيَّناه في "الأحكام" (١)، فإنَّ ذلك آخِرُ نُسُكِكُمْ. ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠١]؛ خَفَّفَ على الخلق الرجوع عنه إلى الأهل والوطن؛ لمَا علم من علاقة قلوبهم، فأعادهم بأبدانهم، وعَلَّقَ قلوبهم لما عاينوه من مكانهم. وذلك قوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٤]، فلا يراه أحدٌ إلا تمنَّى أن يعود إليه، وإن حَمَلَهُ شَوْقُ الأهل وحب الوطن على أن يفارقه. وقد رأيتُ الفراق وذُقته، وأكلتُه وشربتُه، وساورني وساورتُه؛ فما رأيت فراقًا أبعد مُلْتَقًى، ولا استفالًا أقصى مُرْتقًى من فراق المُحَصَّبِ. فريقان: منهم جازعٌ بَطْنَ نخلة … وآخرُ منهم قاطعٌ نَجْدَ كَبْكَبِ (٢) منهم مُشَرِّقٌ إلى الغاية، ومُغَرِّبٌ إلى النهاية، وشَمالي بغير موعد، وجَنوبي ولات حين مرصد، ولا شك - والله أعلم (٣) - أنه عِيَارٌ (٤) لفراق (٥) يوم الموقف، فإنه بين أَخْذٍ إلى الجنة، ومَحْمُولٍ إلى النار، ولا ملتقى أبدًا.

стр. 1272

وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٠٠]؛ إنْ خيرًا فخيرًا، وإنْ شرًّا فشرًّا، ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾؛ للكل في القيامة، ولمن اصطفى في كل نَفْسٍ، ويأتي (١) بيانُه إن شاء الله تعالى. تقسيم (٢): قال المُفَسِّرُونَ: "ذَكَرَ اللهُ من يسأل (٣) الدنيا وحَظَّها، ومن يسألُ (٤) الآخرة وفَضْلَها، ولم يذكر الرَّاضين بالقضاء، المُسَلِّمِينَ (٥) للأمر، السَّاكنين (٦) عن كل دعاء" (٧). قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي (٨) ﵁: وهذا ممَّا لم أعلمه، ولا أقول به، ولا يُتصوَّر له معنى، وإنما هو من تلك الأغراض؛ في أن الدعاء تَحَكُّمٌ على الله، وذلك لَغْوٌ، أَمَا إنه قد يكون الرضا بالقضاء في بعض أحوال العبد، وذلك لا يمنع من أن يكون في غالب أحواله من أهل السؤال والدعاء.

стр. 1273

[الهجرةُ إلى رسول الله ﷺ -]: ويُعْقِبُ (١) الحجَّ الهجرةُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ ، والوقوفُ ببابه الكريم، ومناجاتُه على قُرْبٍ، والتَّشَرُّفُ (٢) بروضته المقدسَّة. قال علماؤنا: "هم أحياء؛ يعلمون الدَّاخِلَ والخَارجَ (٣) ". وقد ثبت عن عائشة ﵂، أنها كانت تَحْسِرُ خمارها أيَّان كان النبي ﷺ (٤) وحده، فلمَّا صار فيه من صار كانت تَتَسَتَّرُ دائمًا (٥). ومن طَيِّبِ ما سمعت (٦) من الكلام قَوْلُ خَطِيبِ "الخَلِيلِ" - رحمة الله عليه (٧) - في مسجده بإزاء (٨) قبره في خُطْبَتِه (٩): "اللهم صَلِّ على مُحَمَّدٍ وعلى آل مُحَمَّدٍ، كما صلَّيت على خَلِيلِك إبراهيم (١٠) هذا"، ويُشِيرُ إلى قبره

стр. 1274

أمامه من غَرْبِيِّ المسجد في وسطه، وقول خطيب المدينة: "اللَّهم صَلِّ على مُحَمَّدٍ نبيك هذا - ويشير إليه وهو من (١) شَرْقِيِّ المنبر - كما صلَّيت على إبراهيم". أخبرني محمد بن عبد الملك (٢) التِّنِّيسِي قال: لمَّا وصلنا مع الشيخ أبي الفضل الجَوْهَرِي إلى المدينة، وأشرفنا على الثَّنِيَّةِ، ورأينا (٣) القُبَّةَ، وأشرق لنا نورُها السَّاطع الطالع المتصل بالسماء في منتصف النهار، وقد أربى (٤) على نُورِ الشمس؛ وَثَبَ الشيخ أبو الفضل عن بَعِيرِه وأنشد: نزلنا عن الأكوار (٥) نَمْشِي كرامةً … لمن بان عنه أن يُلِمَّ (٦) به رَكْبَا (٧) ومَشَيْنَا حتى بلغنا إلى المسجد، والشيخ أبو الفضل يُنْشِدُ هذه (٨) الأبيات (٩):

стр. 1275

قلت للقلب إذ تراءى لعيني … رَسْمُ دار لَهُمْ فهَاجَ اشتياقي (١) هذه دارهم وأنت مُحِبٌّ … ما احتباسُ الدموع في الآمَاقِ (٢) والمغاني للصَّبِّ فيها معانٍ … هي تُدْعَى مصارع العُشاقِ حُلَّ عِقْدَ الدموع واحْلُلْ رُبَاهَا … واهْجُرِ الصبر واقْضِ حَقَّ الفِرَاقِ [مناجاةُ ابن العربي لرسول الله]: ولقد وصلتُ إليها والحمد لله، وأشرفتُ من الثَّنِيَّةِ، ورأيتُ النور ساطعًا إلى السماء بفضل الله تعالى، وصلَّيتُ في الروضة، وناجيتُ الرسول وَحْدِي لَيْلًا من جهة رأسه، وتسمَّيتُ له، وتشفَّعتُ به، فنسأل الله الذي يختص برحمته من يشاء، ويمنُّ على من يشاء من عباده؛ أن لا يجعل ذلك عناءً، ولا يُصَيِّرَه هباءً، بفضله ورحمته. قال الإمام الحافظ (٣) ﵁: ولمَّا كان الذِّكْرُ من الأسماء المتقدمة مع أصحابه، وكان على وجهين؛ منه ما يكون في الخلوة، كما جاء في الحديث (٤): "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فذكر: ورجلٌ ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه"، وقد يَذْكُرُ (٥) مع غيره، كما جاء عنه ﷺ أنه قال (٦): "من ذَكَرَني في نفسه ذَكَرْتُه في نفسي، ومن ذَكَرَني في مَلأٍ ذَكَرْتُه في

стр. 1276

مَلأٍ خَيْرٍ من مَلَائِه"، فهذا الذَّاكِرُ مع غيره هو مُذَّكِرٌ (١) أيضًا؛ لأن (٢) الله تعالى عند سماع من معه يذكرُه يَخْلُقُ له العلم الثاني به (٣)؛ الذي هو الذِّكْرُ، كما بيَّناه في حقيقته، فصار المُذَكِّرُ من الأسماء المذكورة (٤). * * *

стр. 1277

وهو الاسمُ الخامسُ والعشرون: المُذَكِّرُ (١) لقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١]، وقوله: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٧]، وقوله: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]. فأخبر الله تعالى أنه أرسل مُحَمَّدًا رسوله مُذَكِّرًا؛ فذَكِّر العاصين بالعقوبة والتخويف ليرتدعوا، وذَكِّر المطيعين بالثواب ليزدادوا رغبة؛ فيُكْثِرُوا من الطاعات والعبادات، وذَكِّر العالمين فيما صرفتُ عنهم من مِحَنٍ، وما أسديتُ إليهم من مِنَنٍ، وما أَنَلْتُهم من الفِعْلِ الحسن، وذَكِّر الأغنياء بما أَفَضْتُ عليهم (٢) من الأرزاق، وذَكِّر الفقراء بعظيم ما صرفتُ عنهم لما (٣) عوَّضتهم به (٤)، وذَكِّر المبتلين بما ألزمتهم من الصبر، وذَكِّر المصابين بما وَعَدْتُهم من الأجر، وذَكِّر الداعين بما أخبرتهم به من الإجابة، وذَكِّر المجتهدين بما أعددتُ لهم من المثوبة (٥)، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ (٦) [ق: ٣٧].

стр. 1278

قيل: عقل حاضر (١). وقيل: قلب غير لَاهٍ، ولا مُشْتَغِلٍ بما لم يُنْدَبْ إليه. ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾، أي: أصغى إلى ما يُقال له بباطنه، ولم يكن حيران من خِلَطِ الدنيا، ولا سكران من شرابها؛ بل كان على نُورٍ من ربه، فهو في اعتبار واستبصار (٢). ومن (٣) الحديث الصحيح: "قَلْبُ المؤمن بين أُصْبُعَيْنِ من أصابع الرحمن " (٤)، تارة يدفع عنها (٥) البلاء، ويُفيض عليها (٦) النعماء (٧)، وتارة يغمسها (٨) في الظلماء، وقَلْبٌ يُكْسِبُه النعوت الحميدة، وقلب يكسوه الصفات الذميمة، فهو الذي قال فيه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ (٩)، أي: يسَّرته لقبوله، وطهَّرته من تضليله. ومن الحكمة المبثوثة في القراطيس: "إن القلوب أواني، فأوعاها للخير أنورُها، وأجلاها ما رَقَّ وصَفَا منها، وقَلْبُ الكافر إناءٌ منكوس، لا

стр. 1279

يدخل فيه شيء، وقَلْبُ المنافق إناء مكسور، ما يلقى في أوله يخرج من أسفله، وقلب المؤمن إناء صحيح غير منكوس ولا مكسور (١)، يدخل فيه الإيمان ويبقى" (٢). ولكن هذه القلوب مختلفة؛ فمنها مُلَطَّخٌ بالغفلات وفنون الآفات، ومنها صَافٍ عن الكدورات (٣). [أحاديثُ القلوب]: قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي (٤) ﵁: الصَّحِيحُ في أحاديث القلوب أربعة: الأوَّل: قوله ﷺ : "ألا إن في الجسد بَضْعَةً (٥)، إذا صلحت صلح الجسد (٦)، وإذا فسدت فسد الجسد (٧)؛ ألا وهي القلب" (٨). الثاني: قوله: "إنه بين أُصْبُعَيْنِ من أصابع الرحمن" (٩). الثالث: قوله ﷺ : "لا، ومقلب القلوب" (١٠)، في يَمِينِه.

стр. 1280

الرابع: قوله: "تُعرض الفِتَنُ على القلوب كالحصير عُودًا عُودًا، فأيُّ قلب أُشربها نُكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نُكتت فيه نكتة بيضاء؛ حتى يصير على قَلْبَيْنِ، على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنةٌ ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبَدٌ (١) كالكُوزِ مُجَخِّيًّا (٢)، لا يعرف معروفًا، ولا يُنكر منكرًا، إلا ما أُشرب من هواه" (٣). وهذه تكفيكم (٤)، فلا تلتفتوا بعدها إلى سواها. [أيامُ الله]: وأمَّا قوله تعالى لموسى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾؛ يريد أيام العافية والنعم، وهي الأيام (٥) التي يعدُّها الحازم، وأيامُ الطاعة هي التي يعدُّها العالم. قال لي عطاء المقدسي: "كان شيخ صوفي إذا كان له يوم صالح خالص جعل جَوْزَةً في بُرَنِيَّةٍ، فإذا سئل عن عمره أخرج البُرَنِيَّةَ وحلَّ شَنَاقَها، وعدَّد (٦) الجَوْزَ، وقال: هذا عُمُرِي" (٧). وكذلك - لَعَمْرُ أبيكم - هو، فإنَّ يومك هو الذي لك، ويومُك الذي عليك لا يضاف إليك.

стр. 1281

وأين (١) أيامي التي كانت لي؟ ويا أسفي عليها، وإني لأقولُ فيها ما أخبرنا به أبو الفضائل (٢) بن طَوْق قال: أنشدنا الأستاذ أبو القاسم (٣): سَقْيًا لها ولطِيبِها … ولحُسْنِها (٤) وبهائها أيَّام لم تَلِجِ النَّوى … بين العصا ولِحَائِها وقيل (٥): أَمَرَ الله موسى أن يُذَكِّرهم أيام العَدَمِ؛ أيَّام لم تكن (٦) للعبيد (٧) عين ولا أثر، ولا لمخلوق خبر ولا وفاق، ولا وفاء ولا نقضُ عَهْدِ (٨)، ولا ذنب ولا التواء، كان متعلق العلم متناول القدرة، مقصور الحكم على الإرادة، وفي ذلك كله آياتٌ لكل صبَّار شكور، رَضِيَ بحكمه (٩)، بدَّل لذيذ العيش بأَشَرِّه (١٠)، ولكل شكور غَرَقٌ في المِنَنِ، ولم يخرج كل واحد منهما عن حده، وذلك كله دعاءٌ إلى الحق، واستنهاجٌ

стр. 1282

لسبيل الله؛ كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]. والدعاءُ إلى سبيل الله ما حَثَّ (١) على طاعة الله، وزَجَرَ (٢) عن المخالفة (٣). والحكمةُ هي أن لا يخالف قولُه فعلَه (٤)؛ فيُدْعَى بالحَكِيمِ. * * *

стр. 1283

[الحَكِيمُ]: وهو الاسم السَّادس والعشرون والموعظة: هو (١) كلُّ (٢) كلام يَخْلُقُ الله عنده قَبُولَ القلب لما يُلْقَى إليه من الخير. والحسنة: هي ما صَدَرَتْ عن عِلْمٍ وصواب، برِفْقٍ ولِينٍ، دون أن يكون فيه تَعَسُّفٌ ولا تَعْيِيرٌ ولا إِخْجَالٌ (٣). ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤]، فصار هذا أصلًا في الرِّفْقِ في الموعظة. قال علماؤنا: "وإنما أمرهما بالمُلَايَنَةِ معه في الخطاب لأنه كان أوَّل ما دعوه إلى الدين، وفي حال الدعوة يجب التمكين؛ فإنه وَقْتُ المُهْلَةِ، فلا بدَّ من الإمهال، ريثما يَنْظُرُ؛ ألا ترى إلى قوله لنَبِيِّنَا ﷺ (٤): ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وهو الإمهال، حتى ينظروا ويستدلُّوا، وذلك حسب ما اقتضته صِفَةُ الحلم (٥)، فإن الخلق على حُكْمِ صفاته (٦) العُلَى وأسمائه

стр. 1284

الحسنى يُجْرَوْنَ، وكذلك قال الله تعالى: قل لهم (١): ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ: ٤٦]، فإذا ظهر من المَدْعُوِّ العنادُ والإباءُ حينئذ يُقَابَلُ بالغلظة" (٢). وقد (٣) قال بعض علمائنا (٤): "علَّمهما لقاءَ الأكابر وإن كانوا كُفَّارًا، فلهم رُتْبَةُ (٥) التسلط (٦) على عباد الله" (٧). وبهذا استدلَّ جَمَاعَةٌ من الزهَّاد على رِفْقِ الله بالمؤمنين (٨) عند السؤال؛ فإنه إذا كان يُشْرَعُ الرِّفْقُ في سؤال الأعداء الكافرين، فذلك أحرى من لُطْفِه بالمؤمنين، فيكون ذلك عُنْوَانًا على سؤال الملك في القبر؛ فإنه إذا رَفَقَ بمن جَحَدَه، فأولى أن يَرْفُقَ بمن وَحَّدَه (٩). ومن أحسن عبارة فيه قولُ بعضهم: "ألا ترى إلى رِفْقِه بمن قال: أنا، فكيف ترى رِفْقَه بمن قال: أنت" (١٠).

стр. 1285

وقيل: "رَفَقَ بموسى في تربيته فقيل له: ارفُق به (١) حتى تقضي حقه في الدنيا؛ فلا يبقى له في الآخرة مكافأة" (٢). وعلى هذا المعنى كَسَا النبيُّ ﷺ عبد الله بن أُبَيٍّ قَمِيصَه، وإن مات منافقًا، مكافأة لقميصه الذي كَسَاهُ هو (٣) يوم بَدْرٍ العبَّاس (٤)؛ حتى يموت ولا يَدَ له عند النبي ﷺ في الآخِرَة. والحِكْمَةُ العُظْمَى (٥) في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣]؛ أنه لم يُعْلِمْهُمَا أنه لا يؤمن، لئلَّا تلحقهما فَتْرَةٌ في الدعوة (٦). وكذلك شَأْنُ "المُذَكِّرِ"، يَعُمُّ بذكراه (٧)، والباري تعالى يَخْلُقُ القَبُولَ لمن أراد، ومِن هذا كُلِّه يكتسبُ وَصْفَ "الواعظ". * * *

стр. 1286

[الوَاعِظُ]: وهو الاسمُ السَّابع والعشرون وفي صَحِيحِ الحَدِيثِ: "كان النبي ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بالموعظة مخافة السَّآمَةِ علينا" (١). وصلَّى النبي ﷺ العيد ثم خطب الناس، ثم مشى إلى النساء فذكَّرهنَّ ووعظهنَّ، فجعلنَ بتصدَّقنَ، وطفِقَتِ المَرْأَةُ تُلقي قُرْطَها وسِخَابَها وخَدَمَتَها في ثَوْبِ بِلَالٍ (٢). فكان هذا دليلًا على سؤال الكبير للفقير الناسَ، وجمعه عنده حتى يُفَرِّقَه، وقد فَسَدَ الناسُ فزالت هذه الحال؛ لما يَلْحَقُ في ذلك من الظِنَّةِ، ويتطرَّقُ إليه من التُّهمة، ودخله من الفُجَّارِ من الخيانة والاحتجان دون من جُمعَ له، وليست هذه الخصلة (٣) مختصة بمن يُبَشِّرُ ويُنْذِرُ بالوعد والوعيد، دون من يُبَيِّنُ الأحكام، ويَزْجُرُ عن مخالفة السُّنَّةِ (٤) وتَعَدِّي المصلحة.

стр. 1287

ففي الصحيح عن ابن مسعود: "أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني لأتأخَّر عن الصلاة في الفجر ممَّا يُطَوِّلُ بنا فلانٌ فيها، فغضب رسول الله ﷺ ، ما رأيتُه غَضِبَ في موعظة (١) كان أشد منها (٢) يومئذ (٣)، ثم (٤) قال: أيها الناس، إن منكم منفرين، فمن أَمَّ الناس فليَتَجَوَّزْ، فإن خَلْفَه الضعيف والكبير وذا الحاجة" (٥). وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]. فالموعظة للعامَّة، والشِّفَاءُ للخاصَّة، فهنالك من يُصغي بظاهره فلا بتأثَّر بذلك قلبُه، ومنهم من يُصْغِي بسِرِّه فيبلغ إلى قلبه فيُشْفَى من دائه على حسب دوائه (٦)، فشفاء المذنب الرحمة، وشفاء المطيع النعمة، وشفاءُ العلماء بالله تعالى القُرْبَةُ، وشفاء العاصين التوبة، وشفاء المُحِبِّينَ لَذَّةُ المناجاة بالحكمة (٧)، فيفرح السَّامعُ بذلك كله، وهو الذي ينبغي أن يُفْرَحَ به، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].

стр. 1288

يعني (١) ﴿بِفَضْلِ اللهِ﴾: أي: بإحسانه؛ الذي ليس بواجب عليه عند أهل السنة (٢). والرَّحْمَةُ: إمَّا إرادة النعمة، وهي الأصلُ، أو نَفْسُ النعمة، وذلك لا يُحصى، كما أخبر الله تعالى (٣). وقيل: فضل الله: ما أتاح لهم من الخيرات، ورحمته: ما أزاح عنهم من الآفات (٤). وقيل: فضل الله: ما أكرمهم به من الطاعات، ورحمته: ما حماهم به من الزلَّات (٥). وقيل: فضل الله: ابتداء (٦) التوفيق، ورحمته: دوام (٧) التحقيق، ما لم يسلبه عنهم. وقيل: فضل الله: أنْ عرَّفهم بنفسه أوَّلًا بالأدلة، ورحمته: أن أراهم نفسه مُعَايَنَةً (٨). وقيل: فضلُ الله: ما وَعَدَ به أهل الطاعة من إحسانه، ورحمته: ما خصَّ به أهل المعاصي من غفرانه (٩).

стр. 1289

وقيل: فضل الله: الجنة، ورحمته: الرؤية (١). وقيل: رحمته: رضاه الذي لا سَخَطَ بعده (٢). ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ من مَالِ الدنيا، أو عَمَلِ الآخِرَة (٣). ويَعْضُدُ ذلك الحديث الصحيح الذي كان يقوله النبي ﷺ عند تمامه من الصَّلاة: "اللَّهم لا مانع لما أعطيت، ولا مُعْطِيَ لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ" (٤)، وهذا من الأسماء الإلهية، وهي أشرفها، فإنَّ كُلَّ اسم للرَّبِّ إذا (٥) أَدِنَ فيه للعبد فقد شَرَّفَه (٦)، فما أبقى المولى للعبد من الإحسان والشرف وجهًا إلا أَذِنَ له فيه، حتى (٧) في التَّسَمِّي (٨) باسمه، وقد بيَّنا أن اسم (٩) الحكيم (١٠) يرجع إلى العالم (١١)، والعاقل عالم (١٢)؛ فيُسَمَّى حكيمًا،

стр. 1290

والفَهِمُ عالم، وعِلْمُ (١) النُبُوَّةِ عِلْمٌ شريف؛ فهو حكيم، والعملُ بما عَلِمَ عِلْمٌ (٢)، ولذلك قال النبي ﵇ (٣): "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" (٤). ويُسَمَّى الفِعْلُ المنتظم به (٥) حِكْمَةً، والقول الصائب؛ لأنه عن العلم يَصْدُرُ، كما يُسَمَّى المقدورُ قُدْرَةً، والباري تعالى حكيم؛ لأنه لا يُوقِعُ أفعاله إلَّا على مقتضى إرادته، وذلك بحسب ما عَلِمَ، ولا يكون موجودٌ (٦) إلَّا أن يريده الله ، كيف ما كان؛ من طاعة أو معصية. وغايةُ الحكمة أن يعمل المرءُ في عَلِمَ، كما قال الأوَّل: يا أيُّها الرجل المُعَلِّمُ غيره … هلَّا لنفسك ذلك التعليمُ (٧) تصفُ الدواء من الظَّما ومِـ … نَ الضنا ودواه أنت سقيمُ (٨) ابدأ بنفسك فانْهَها عن غَيِّها … فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ فهناك ينفعُ إن وَعَظْتَ ويُقتدى (٩) … بالعلم منك وينفعُ التعليمُ (١٠)

стр. 1291

وفي معارضته قال سفيان بن عُيَينة: اعملْ بعِلْمِي ولا تنظر إلى عَمَلِي … يَنْفَعْكَ عِلْمِي ولا يَضْرُرْكَ تَقْصِيرِي (١) وفي ذلك كلام طويل ذكرناه (٢) في (٣) مواضعه؛ حسبما أشرنا إليه في "قانون التأويل" (٤). والصحيحُ هو الأول، ولكن إذا سمعت حَقًّا فَخُذْهُ، وإن كان من لسان مُبْطِلٍ، واسْتَنِرْ أنتَ به، وإن احترقَ هو فيه، ولا يَقْدِرُ على ذلك كلُّ أحد، وإنما يكون كذلك من خَصَّه الله به، كما قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩]. فأخبر أن الحكمة يؤتيها من يشاء، ولا يتذكَّر بالذِّكْرَى إلَّا من كان له لُبٌّ، أي: من (٥) كان علمُه (٦) حاضرًا، ولم تَلْحَقْهُ غفلة. وأصلُ الحكمة أن تحكم نفسك، فمن لم يحكم نفسه فليس بقوي ولا ذي (٧) حِكْمَةٍ، ولهذه الحكمة طهَّر الله نبيَّه داود ممَّا نسمه إليه أهلُ التفسير؛ ممَّا كذبت عليه الإسرائيليَّة؛ من أنه شُغِفَ بالمرأة، وعرَّض

стр. 1292

زَوْجَها للمَنِيَّةِ، وخَلَفَه عليها، وهذا افتراءٌ على الله وعلى رسوله، وقد بيَّناه في "أنوار الفجر" (١)، و"الأحكام" (٢)، و"كتاب الأنبياء". وقد قال الله سبحانه في أوَّل السورة: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٦]. يعني: ذا القوة. فأثبت له القوة، ولا قوة لمن غلبته نفسُه في الهوى، فاقتضى هذا القولُ نَفْيَ ما نَسَبَهُ (٣) إليه الجَهَلَةُ عنه. ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ١٩]، وأصلُها كما بيَّنا أن يحكم نفسه، فأخبر الله عنه أنه قَوِيٌّ حَاكِمٌ على نفسه، فكيف تغلبه نَفْسُه (٤) على علاقة حُبِّ امرأة ومعه منهن تِسْعٌ (٥) وتسعون امرأة؟ هل هذا إلَّا عين المحال على ذوي (٦) الهيئات والمروءات؟ فكيف على أهل النبوات؟ وما عَمِلَ داودُ إلا ما أخبر الله عنه، ولا عاتبه إلا على ما أخبر أنه فَعَلَه، فاقرأ القِصَّةَ واعلم ما قاله الله فاعتقده، ولا تَزِدْ عليه، فإنه الصادق، وهم الكاذبون. وإذا أردتم أن تكونوا حكماء فعليكم بكتاب الله تعالى وسنة رسوله؛ فهي الغاية، وإيَّاكم وهذه الكتب التي تُنْسَبُ إلى الحكمة، فإنها مجموعة

стр. 1293

من أقوال الفلاسفة (١) والمُعَطَّلَةِ؛ ككتاب "دِمْنَةَ وكَلِيلَةَ" الذي (٢) تَرْجَمَهُ الملحدون، والكتب التي جمعتها الملحدة؛ كالجاحظ وغيره، ليُشْغِلَ (٣) بها الخلقَ عن كلام الله وكلام نَبِيِّه (٤)، ودُسَّ فيها من كلام الله تعالى وكلام نَبِيِّه ما لم يصح؛ ليصيد (٥) بذلك قلوب الفتيان، ويجذب إليها أعناق الرُّعنان (٦)، حتى يكون المُتَحَذْلِقُ منهم في جملة أهل الغفلة من (٧) الرُّعيان. [التَّعْرِيفُ بأبي الفضل الجوهري ونوادره]: ولم يكن في المتأخرين من الصَّالحين أعظم رتبة (٨) من أبي الفضل الجَوْهَرِي، وإن كان لم يكن عنده عِلْمٌ، ولكن (٩) كان عنده طَبْعٌ. أخبرني الحاجُّ أحمد بن محمد اليَمَنِي (١٠)، قال لي (١١): دخلتُ عليه فقلتُ له: أريد أن أحج، وقد تردَّدت بين الجادَّة أو الصعيد، فعلى أيهما تَدُلُّنِي؟ فقال لي: ارفع يديك فقُلْ:

стр. 1294

يا لطيفًا بعبده … أنت تعطي وتمنعُ قد تحيَّرتُ سيدي … دُلَّنِي كيف أصنعُ (١) فَقُلْتُها، ففَتَحَ الله لي ورَكِبْتُ الصعيد؛ فصعدت على حاجتي، وقضيتُ حَجَّتي. وأخبرني محمد بن عبد الملك التِّنِّيسِي، قال لي (٢): كان الشيخ أبو الفضل الجوهري (٣) وإن لم يكن عنده (٤) عِلْمٌ، فكان عنده دِينٌ وفَهْمٌ وطَبْعٌ؛ أصبح يومًا فقال في مجلسه: أرسلتُ البارحة في سُكَّرٍ يُبتاع لي، فجاء (٥) به الرسول، فلما أَدْنَيْتُه مني وجدت عليه رائحة الصِّيرِ (٦)، فقلت له: ما هذه الرائحة (٧) عليه؟ فقال لي: ما أدري، فقلت له: ارجع فانظرها، فرجع إلى الفامي (٨) فوجد زِيرَ (٩) زجاج كان فيه السُّكَّرَ يجاور زِيزَ زجاج كان فيه الصِّيرُ المُمَلَّحُ، وذكر أنه تعلَّق به من ذلك، فقلتُ: آهْ (١٠)، أَوْصَلَ إليه الأذى من وراء حجاب، وبقيتُ مُتَمَلْمِلًا على الفراش أعجبُ من خَرْقِ الرائحة

стр. 1295

للحُجُبِ ووصولها إلى قلب السُّكَّرِ (١)؛ وتأثيرها فيه بكثرة الملازمة، وطول المجاورة، وتمادي الصحبة، وجعل يضرب لذلك مثلًا للقلب وتأثيره بما عليه (٢) من الحُجُبِ بما يُلقى (٣) إليه، حتى مضى أكثرُ النهار، وما انقطع له الكلام بكل نادرة. أخبرني أبو عبد الله محمد بن قاسم العُثْمَانِي (٤)، قال لي: إن مصر كما تراها من غلبة الفجور، واستيلاء الفسق، وعلانية الملاهي، وتَجَرُّمِ الخلق، وانهماكهم (٥) في كل معصية، ولا يقدرُ أحدٌ من خَلْقِ الله على التغيير، وما كان أبو الفضل الجوهري ولا غيرُه ممَّن يستجرئ على الخروج منها، فاتَّفق ليلة أن يَبِيتَ في جواره دَسْتٌ عظيم (٦)؛ من زَمْرٍ وطَبْلٍ ودَكٍّ، فشغله ذلك عن العبادة، وأصبح إلى المجلس وقال: يا أصحابنا (٧)،

стр. 1296

جاورني البارحة وُعَّاظٌ ملؤوا مسامعي حكمةً الليل كلَّه؛ صاحبُ نَايٍ، وصاحبُ قرقرة؛ وهي التي تُسَمَّى ها هنا أَجْوَال (١)، وصاحبُ كَبَرٍ، قال: فأمَّا صاحبُ النَّايِ ففَتَحَ باب الدَّعْوَى؛ فكان يقول: "لي، لي، لي"، فيقول له صاحب القرقرة: "لي ولك، لي ولك"، فيقول له صاحب الكَبَر: "ستعلم ستعلم، إذا كُشِفَ الغطاء فتندم، رَمْ رَمْ، رَمْ رَمْ (٢) "، فكان ذلك مثلًا لتنازع رجلين في الدنيا؛ أحدهما: يريد (٣) أن يختص بها (٤) قَسْرًا. والآخر: يريد أن يُداريَها، ويتمتَّع بها شركة. والثالث: زاهد فيها، عارف بها (٥)، يقول لكل واحد منهما: "ما (٦) أنت اليوم إلَّا (٧) في عَمًى، وسينكشف لك الغطاء غدًا، فتبصر حين لا تنفعك تَبْصِرَةُ الهدى". وقُضِي (٨) المجلس من (٩) هذا الفن (١٠) في غرائب.

стр. 1297

فانظروا - رحمكم الله - إلى فَهْم هذا الرجل وسَعَةِ ذِهْنِه، كيف غُلِبَ على سماع المنكر، ولم يستطع أن يُغَيِّرَ ولا أن يُصِمَّ أُذُنَيْهِ، فقَبِلَه (١) على (٢) الحق وردَّه إلى الخير، واتَّعظ به اللَّيْلَ كلَّه، فكأنه كان صاحب مجلس لم يُلقي إلى الخلق (٣) الخير (٤)، وهذا حُكْمٌ ضروري، كَشْفُ سَرِيرَةٍ من عِلْمٍ دِينيٍّ. وقد كنتُ أعجبُ من هذا (٥) حتى عَلِمْتُ من أين أَخَذَها، أو من وافق فيها إن كان لم يرها؛ وهو علي بن أبي طالب ﵁، فإنَّ (٦) في "كتب الزهد" أن عليًّا ﵁ سَمعَ ناقوسًا يُطَنْطِنُ، فقال: "أتدرون ما يقول هذا الناقوس؟ قالوا: لا، قال: فإنه يقول: كذا، وذَكَرَ (٧) تقديسًا للباري وتعظيمًا" (٨). وكنتُ أعجب أيضًا (٩) من ذلك حتى تَبَيَّنْتُ (١٠) قَوْلَ الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].

стр. 1298

قال ابن عبَّاس: "كُفْرُ الكافر تسبيحٌ لله وتقديسٌ". قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي (١) ﵁: المعنى (٢) فيه: أنه أَمْرٌ جرى بقَدَرِ الله وإرادته، مع ما فيه من مخالفة أمره، وتَعَدِّي حَدِّه، وذلك دليل على سَعَةِ مُلْكِه، وبديع حِكْمَتِه، وانفراده بعلمه، وإلزامه الخلق التسليم لأمره، والإقرار بالعجز عن دَرْكِه. قال الإمام الحافظ أبو بكر (٣) ﵁: وذلك لما قدَّمنا بيانه؛ بأنه (٤) ما من شيء إلَّا يُسَبِّحُ بحمده (٥)، يعبد الله كما يجب للمولى على عبده، ويُسَبِّحُ كما يستحق (٦) بحمده، "ومن لم يُسَبِّحْ تَسْبِيحَ قَالَة، سبَّح تَسْبِيحَ حَالَة (٧) " (٨). فإذا رتَّب هذا من قوله ونَظَمَه من كلامه سُمِّيَ "القاص". * * *

стр. 1299

[القَاصُّ]: وهو الاسمُ الثامن والعشرون وحقيقتُه: هو الذي يُتْبعُ القَوْلَ القَوْلَ، والقَصَصُ هو القول الثاني، كما أنه في الفعل: وَضْعُ الأثر على الأثر، وهو من أسماء الباري من حيث الأفعال. قال الله سبحانه: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١١٩]، فَقَرَنَ بين الثلاثة الأسماء؛ "القاصِّ"، و"المُذَكِّرِ"، و"الواعظِ". وفي الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال: "يرحم الله موسى؛ وَدِدْنَا لو صبر حتى يقصَّ الله علينا من أمرهما (١) " (٢). فعرَّفه الله تعالى أخبار (٣) النَّبِيِّينَ، وسيرة المرسلين (٤) الماضين، ومُقاساتهم للأمم، وصبْرهم على الأذى، ونصْرهم على الأعداء، ليُثَبِّتَ نفسه؛ لما يُقاسي من عنادهم، وليتعلَّق بالرجاء في إرشادهم، ويسعد (٥)

стр. 1300

بمنزلة (١) عند الله بما ولَّاه (٢) من ذلك وتولَّاه، وليكشف له (٣) بذلك عن شَرِيفِ منزلته التي رقَّاه (٤) إليها، ممَّا لم يَرْتَقِ إليها (٥) أحدٌ (٦). ومن عظيم تشريفه أنه أَطْلَعَهُ على أخبار من مضى، ولم (٧) يَطَّلِعْ على خبره (٨) أحد (٩)، وقد نالت هذه البركةَ أُمَّتُه، فإنها عَرَفَتْ أخبار الماضين، ولم يعرف لها أحدٌ خبرًا (١٠) سواها. وقد قيل: "إن ثبوته بمن يُسْمِع كان أكثر من ثبوته واعتداده (١١) بما يُسْمَع، وأُنسُه بالمُحَدِّثِ كان أكثر من أُنسه بالحديث" (١٢). والقَصَصُ والتَّذْكِيرُ (١٣) سيرة سابقة؛ لم تَزَلْ في عهد الخلفاء، وبحضرة الصحابة والعلماء، وكان يدخل فيها من ليس من أهلها فيُصَدُّ
следующие страницы →