← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

جاورني البارحة وُعَّاظٌ ملؤوا مسامعي حكمةً الليل كلَّه؛ صاحبُ نَايٍ، وصاحبُ قرقرة؛ وهي التي تُسَمَّى ها هنا أَجْوَال (١)، وصاحبُ كَبَرٍ، قال: فأمَّا صاحبُ النَّايِ ففَتَحَ باب الدَّعْوَى؛ فكان يقول: "لي، لي، لي"، فيقول له صاحب القرقرة: "لي ولك، لي ولك"، فيقول له صاحب الكَبَر: "ستعلم ستعلم، إذا كُشِفَ الغطاء فتندم، رَمْ رَمْ، رَمْ رَمْ (٢) "، فكان ذلك مثلًا لتنازع رجلين في الدنيا؛ أحدهما: يريد (٣) أن يختص بها (٤) قَسْرًا. والآخر: يريد أن يُداريَها، ويتمتَّع بها شركة. والثالث: زاهد فيها، عارف بها (٥)، يقول لكل واحد منهما: "ما (٦) أنت اليوم إلَّا (٧) في عَمًى، وسينكشف لك الغطاء غدًا، فتبصر حين لا تنفعك تَبْصِرَةُ الهدى". وقُضِي (٨) المجلس من (٩) هذا الفن (١٠) في غرائب.

стр. 1297

فانظروا - رحمكم الله - إلى فَهْم هذا الرجل وسَعَةِ ذِهْنِه، كيف غُلِبَ على سماع المنكر، ولم يستطع أن يُغَيِّرَ ولا أن يُصِمَّ أُذُنَيْهِ، فقَبِلَه (١) على (٢) الحق وردَّه إلى الخير، واتَّعظ به اللَّيْلَ كلَّه، فكأنه كان صاحب مجلس لم يُلقي إلى الخلق (٣) الخير (٤)، وهذا حُكْمٌ ضروري، كَشْفُ سَرِيرَةٍ من عِلْمٍ دِينيٍّ. وقد كنتُ أعجبُ من هذا (٥) حتى عَلِمْتُ من أين أَخَذَها، أو من وافق فيها إن كان لم يرها؛ وهو علي بن أبي طالب ﵁، فإنَّ (٦) في "كتب الزهد" أن عليًّا ﵁ سَمعَ ناقوسًا يُطَنْطِنُ، فقال: "أتدرون ما يقول هذا الناقوس؟ قالوا: لا، قال: فإنه يقول: كذا، وذَكَرَ (٧) تقديسًا للباري وتعظيمًا" (٨). وكنتُ أعجب أيضًا (٩) من ذلك حتى تَبَيَّنْتُ (١٠) قَوْلَ الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].

стр. 1298

قال ابن عبَّاس: "كُفْرُ الكافر تسبيحٌ لله وتقديسٌ". قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي (١) ﵁: المعنى (٢) فيه: أنه أَمْرٌ جرى بقَدَرِ الله وإرادته، مع ما فيه من مخالفة أمره، وتَعَدِّي حَدِّه، وذلك دليل على سَعَةِ مُلْكِه، وبديع حِكْمَتِه، وانفراده بعلمه، وإلزامه الخلق التسليم لأمره، والإقرار بالعجز عن دَرْكِه. قال الإمام الحافظ أبو بكر (٣) ﵁: وذلك لما قدَّمنا بيانه؛ بأنه (٤) ما من شيء إلَّا يُسَبِّحُ بحمده (٥)، يعبد الله كما يجب للمولى على عبده، ويُسَبِّحُ كما يستحق (٦) بحمده، "ومن لم يُسَبِّحْ تَسْبِيحَ قَالَة، سبَّح تَسْبِيحَ حَالَة (٧) " (٨). فإذا رتَّب هذا من قوله ونَظَمَه من كلامه سُمِّيَ "القاص". * * *

стр. 1299

[القَاصُّ]: وهو الاسمُ الثامن والعشرون وحقيقتُه: هو الذي يُتْبعُ القَوْلَ القَوْلَ، والقَصَصُ هو القول الثاني، كما أنه في الفعل: وَضْعُ الأثر على الأثر، وهو من أسماء الباري من حيث الأفعال. قال الله سبحانه: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١١٩]، فَقَرَنَ بين الثلاثة الأسماء؛ "القاصِّ"، و"المُذَكِّرِ"، و"الواعظِ". وفي الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال: "يرحم الله موسى؛ وَدِدْنَا لو صبر حتى يقصَّ الله علينا من أمرهما (١) " (٢). فعرَّفه الله تعالى أخبار (٣) النَّبِيِّينَ، وسيرة المرسلين (٤) الماضين، ومُقاساتهم للأمم، وصبْرهم على الأذى، ونصْرهم على الأعداء، ليُثَبِّتَ نفسه؛ لما يُقاسي من عنادهم، وليتعلَّق بالرجاء في إرشادهم، ويسعد (٥)

стр. 1300

بمنزلة (١) عند الله بما ولَّاه (٢) من ذلك وتولَّاه، وليكشف له (٣) بذلك عن شَرِيفِ منزلته التي رقَّاه (٤) إليها، ممَّا لم يَرْتَقِ إليها (٥) أحدٌ (٦). ومن عظيم تشريفه أنه أَطْلَعَهُ على أخبار من مضى، ولم (٧) يَطَّلِعْ على خبره (٨) أحد (٩)، وقد نالت هذه البركةَ أُمَّتُه، فإنها عَرَفَتْ أخبار الماضين، ولم يعرف لها أحدٌ خبرًا (١٠) سواها. وقد قيل: "إن ثبوته بمن يُسْمِع كان أكثر من ثبوته واعتداده (١١) بما يُسْمَع، وأُنسُه بالمُحَدِّثِ كان أكثر من أُنسه بالحديث" (١٢). والقَصَصُ والتَّذْكِيرُ (١٣) سيرة سابقة؛ لم تَزَلْ في عهد الخلفاء، وبحضرة الصحابة والعلماء، وكان يدخل فيها من ليس من أهلها فيُصَدُّ

стр. 1301

ويُمْنَعُ، ثم اتَّسَعَ الخَرْقُ على الرَّاقع، وجاء من اختلال (١) الحال ما ليس له دافع (٢)، وانتهت الحال إلى أن يُقَصَّ بأقبح القصص؛ من الكذب والمحال وما لا أصل له في الدين، وباض الشيطان وفرَّخ، وسلخ (٣) من الإسلام من سلخ، حتى لم يَبْقَ للعلم طَبَاخٌ (٤) بما اعتجن من الباطل واطَّبخ، ودعا إلى مأدبته الجَفَلَى، فعمَّ بهذه الحادثة في الأقطار كلها البلاء، ودخل فيه المُدَّعُونَ على العلماء، والسفهاء على الحكماء (٥). كنتُ يومًا بمسجد (٦) "بَابِ (٧) أَبْرَزَ" (٨) في مجلس (٩) أبي عبد الله (١٠) بن أبي نَصْرٍ التَّمِيمِي المُتَكَلِّمِ (١١)؛ ونحن نقرأ في

стр. 1302

سقيفة (١) المسجد، وفي صَدْرِه واعظ، وقد اغتصَّ المسجد بأهله، ولمَّا انقضت القراءةُ لَفَتُّ إلى سماعه لَحْظَةً من خاطري، فسمعته ينشد الناس (٢)، وجَعَلَ يقول (٣): جُرْحُ قلبي من الهوى ليس يَبْرَا … كيف يبرا وقد تعشَّق (٤) بَدْرَا أنا إن مُتُّ فاحْفِرَا (٥) ليَ قبرَا … عند دار الحبيب يا لَكَ قَبْرَا واكْتُبَا من دمي على لَوْحِ قَبْرِي … رحم الله عاشقًا مات صَبْرَا (٦)

стр. 1303

وإذا به يتكلَّم في الزيارة ويُشَوِّقُ (١) إليها، ويتمنَّى أن يكون بها، وأن يموت عندها، فيدفن (٢) في ذلك الجوار الكريم. [نَقْدُ إطلاق العشق على الله تعالى]: وللصوفية في إطلاق العِشْقِ على الله تجاوزٌ عظيم، واعتداء كبير، ولولا إطلاقُه للمحبة ما أطلقناها عليه (٣)، فكيف أن نتعدَّاها (٤) إلى سواها من ألفاظ المُجَّانِ (٥)؟ وليس لها (٦) أصل في الشريعة، وقد يكون لانتزاع المعاني من الشعر (٧) وَجْهٌ، ولكن ليس بهذا (٨) الإفراط الذي لا يَحِلُّ. [حكاية]: وكان ببغداد واعظٌ (٩) يقال له ابن عطاء (١٠)؛ يتكلَّم على الخاطر، ذَكَرَ

стр. 1304

يومًا على المنبر قصة يوسف؛ وبرَّأه ممَّا نَسَبَ إليه المبطلون وجَهِلَه المفسرون، فقام رَجُلٌ من أفناء (١) الناس في آخر المجلس فقال له: يا سيدنا الإمام؛ فإذًا يوسف هَمَّ وما تَمَّ، فقال له على البديهة: نعم؛ لأن العناية جاءت من ثَمَّ، ورفع يده (٢) إلى السَّماء (٣). [من آفات الوُعَّاظِ]: ولهم في الكذب تَلْفِيقَاتٌ مُزَوَّرَةٌ يقصدون بها التَّمْلِيحَ (٤)؛ هي (٥) تُكِبُّهم (٦) على وجوههم في النار، سمعتُ واعظًا منهم بالرَّيْحَانِيِّينَ تحت المنظرة بالدار العزيزة، وهو يقول: "لمَّا كُسِيَ آدمُ الحُلَّةَ، ووُضِعَ على رأسه التاج؛ خطا ثلاث خطوات، فأخذت الخطوة الأولي الملوك فتَجَبَّرَتْ (٧)، وأخذت الثانية أهل المعاش فسَعَتْ في الآفاق واضطربت (٨)، وأخذت الخطوة الثالثة الصوفية فتواجدت"، فهذه كذبة شنعاء؛ لأن آدم لم يفعل شيئًا من ذلك، ولا رواه بَشَرٌ، وما كان له (٩) ليتكبَّر في حال من الأحوال، ولا في موضع من المواضع، فكيف في الجنة؟ ولا بين الخُطا والسَّفَرِ (١٠)

стр. 1305

والوَجْدِ نسبة، وكانت (١) هذه كذبة فاترة غير متناسبة (٢)، مُؤْثِمَةً غير مستحسنة عند الجاهل ولا مُسَلَّمَة. [طرائقُ الوُعَّاظِ]: ومن أحسن ما شاهدتُ منهم (٣) أن عالمًا عَتَبَ عليه السلطان بغير ذنب، وهمَّ بعقوبته، وحَجَرَ عليه العلم والخَلْقَ، ثم عفا عنه، وأَذِنَ له في الجلوس، فلمَّا رقى المنبر وقرأ القارئ؛ فلمَّا أكمل عُشْرَهُ قام على رِجْلَيْهِ وأنشد (٤): ألَمِي ما مثله ألمُ … وسقامي دونه السَّقَمُ هكذا في البِرِّ (٥) يُفعل بي … كيف لو زَلَّتْ بيَ القَدَمُ ثم زَهق (٦) على المنبر وتدحرج على درجاته، حتى وصل إلى الأرض على قَدَمَيْهِ مُسْتَقِلًّا، لم تتغيَّر له هيئة من لباسه، ثم عاد مسرعًا إلى المنبر، وأنشأ القَوْلَ في وعظه. ورأيتُ منهم (٧) رجلًا يتكلَّم على محاسبة العبد على الذنوب يوم القيامة بين يدي الله، وتقريرِه عليها (٨) ذنبًا ذنبًا، عبدي تذكرُ يوم كذا وكذا؛

стр. 1306

إذ فعلتَ كذا وكذا، فقام رجل من الصوفية مُتَعَبِّدٌ، ورمى بنفسه بين يديه، وطَرَحَ ثيابه مِنْ عليه، وجعل يقول: أنا هو ذاك، بالله نَادِ عليَّ، فلم يبق أَحَدٌ إلا تخيَّل الحالة وبكى، وعلا (١) ذلك في المجلس حتى وجدتُ قلبي على جموده (٢) قد لَانَ، وانحللتُ حتى وقعتُ على حائط المقصورة بظَهْرِي من رِقَّةِ القلب. [مجلسُ الإمام أبي منصور الشيرازي]: وحضرتُ يومًا مجلس شيخنا الإمام أبي منصور الشيرازي بنهر مُعَلَّى، وعادةُ الوُعَّاظِ ألَّا يرقى المنبر إلا عالم يجيب عن كل سؤال، ويستوي على المنبر، ويأخذ (٣) القراءُ القاعدون بين يديه في القراءة، فتُرمى الرقاع بالأَسْوِلَةِ (٤) من كل جانب، وتتداولها الأيدي حتى تبلغ إليه، فيجعلها تحت ركبتيه، فإذَا تَمَّ القارئون أخذها واحدة واحدة، وقال: هذا يسأل عن (٥) كذا، وجوابُه كذا، فلا يتلعثم في واحدة منها، ويأتي بكل ما يَحْسُنُ ويَشْفِي الصدور ويكمل، فكتبتُ له - وأنا صغير السن - رُقْعَةً أقول له: ما الحكمة في أن الله قال (٦) - مخبرًا عن إبليس -: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾، ولم يقل: من فوقهم، ولا من

стр. 1307

تحتهم؟ ورَمَيْتُها (١) في بعض الأيام (٢) في جملة الرِّقَاع؛ فلمَّا تكلَّم عليها، وبلغت الدَّوْلَةُ إلى رُقْعَتِي، وليس له عِلْمٌ بصاحب واحدة منها، وقال (٣): هذا (٤) يسأل عن قول الله كذا، ويا حبيبي؛ هذا وقد مَكَّنَه الله من أربع جهات يكون تسع مائة وتسعة وتسعون للنار، وواحدٌ للجنة، فكيف لو جاء من الجهات كلها؟ ما رأى أحدٌ الجنة أبدًا، ولكن إذا غَشِيَ من الجهات الأربع غَشِيَتِ الرحمة من فوقنا، وثَبَّتَتَ السكينةُ أقدامنا فنجونا، فعجبت من قوله: يا حبيبي، وناداني مناداة الصبيان، وهذا فنٌّ يُسَمُّونه الكلام على الخواطر. [الكلامُ على الخواطر]: قال لي بعضُ أشياخي بالمسجد الأقصى من الصوفية: كنتُ يومًا في مجلس أبي سعيد الصوفي (٥) بنيشاغور، وهو يتكلم في حفل عظيم، فرأيته يصنع شيئًا على المنبر، فقلت في نفسي: يا ليت شعري، إن كان (٦) هذا الذي يفعل (٧) الشيخ يجوز أم لا؟ فصرف وجهه إلى جهتي وأنا في ناحية من الخَلْقِ (٨)، وجعل يقول: "رُوَاسْت، رُوَاسْت"، يعني: يجوز، يجوز.

стр. 1308

ولهم في ذلك كراماتٌ في مقامات لا يعلمها أهلُ هذه البلاد (١). أخبرني أبو الحُسَين (٢) المبارك بن عبد الجبَّار بمنزله بالقَطِيعَةِ وأنا أقرأ عليه "غريب الحديث" لابن قُتَيبة، قال لنا: كنت أختلفُ إلى سماع هذا الكتاب على أبي الحسن علي بن عمر (٣) القزويني (٤) الحربي (٥)، بالحَرْبِيَّةِ (٦) من الجانب الغربي كل يوم؛ من الظهر إلى العصر، فصرتُ يومًا (٧) مع صاحبي من القطيعة إلى الحربيَّة (٨) في القائلة، ولطول الطريق استعنَّا (٩) بالحديث، فقلنا: إن شيخنا أبا الحسن لا يُخرج أبدًا يده من كُمِّه، وإنَّما يُمسك الأجزاء بأكمامه، ويُناولها (١٠) بأكمامه (١١)، ولا يَطَّلِعُ له أحدٌ على يد، فقال لي صاحبي: ولعل به بَرَصًا، فهو يستره، وبلغنا المسجد بالحربية (١٢)، ودخلنا وركعنا، وانتظرنا حتى خرج فصلَّى بنا، فلمَّا فَرَغْنَا تحلَّقنا إليه (١٣)،

стр. 1309

فمدَّ يده وتناول بها جُزْءَ "الغريب" الذي كنا نقرأ فيه، ثم أخرج يديه (١) من كُمَّيْهِ، وفتحه وحوَّل ورقه يطلبُ المَوْقِفَ، وهو يقول: الحمد لله على العافية، ثم أعطانا الجزء، وصرف يديه في كُمَّيْه، وما رأيناها قبل ذلك ولا بعده. [اعتناءُ الوُعَّاظِ بالشعر]: وسمعتُ محمد بن عبد الملك الواعظ (٢) وهو على المنبر (٣)، في الملتزم بين الركن والمقام، وهو يَعِظُ في ليلة من ليالي كانون الأوَّل (٤)؛ من حين فراغنا من صلاة العتمة إلى الفجر، ما نزل ولا انقطع له كلام في التملق لله والتحبب والتعطف (٥)، وأنشد في تلك الليلة نحوًا من ألف بيت، وقد قيَّدنا منها كثيًرا في "ترتيب الرحلة"، وكان من جملتها هذه الأبيات (٦): بسطتُ نحو الحبيب كفَّا … أسأله بالغداة عَطْفَا وقلتُ: يا سيدي تراني … وليس (٧) ما بي عليك يَخْفَى

стр. 1310

ولم أزل دائمًا لما بي … أذرفُ دمع الجفون (١) ذَرْفَا حتَّى أتاني الجوابُ منه … وقيل لي في الجواب: تُكْفَى (٢) وهو رافع يديه يقول: "يا سيدي تراني، يا سيدي تراني (٣) "، والخلق يجأرون (٤)، والمسجد الحرام قد امتلأ بالأصوات (٥) والجؤار والبكاء، والناس يتساقطون يمينًا وشمالًا، صَعْقًا وإغماءً. وسمعتُ الرازي الإمام على المنبر بمدينة السَّلام يتكلم على الحج وفضائله، ويُحَرِّكُ الناس للحج معه، وقد كان قَدِمَ من الرَّيِّ (٦) بتلك النيَّة، فأنشد يصفُ خروجه من بلده: جعلوا الحج حجةً للفراق … واستحلَّوا خيانة الميثاقِ وأراقوا دمَ القلوب اشتياقًا … حين ولَّت ركابهم للعراقِ (٧) وطَوَوْا نشرهم فهُمْ نَشَرُ المِسْـ … ـكِ عليهم مُبَشِّرًا بالتلاقِ (٨) قُلْ لحاديهم: رُويدًا فقلبي … كلما سُقْتَ عِيسَهم في السياقِ فوق تلك الجمال من لو أقاموا … لحملناهم على الأحداقِ وتمنيتُ أن أكون بعيدًا … والذي بيننا من الوُدِّ بَاقِ

стр. 1311

رُبَّ هَجْرٍ يكون من خوف هَجْرٍ … وفِرَاقٍ يكود خَوْفَ الفِرَاقِ (١) [من تفسير أهل الإشارة]: وسمعتُ القاضي المُرْشِدَ النَّسَوِي (٢) شيخَ الصوفية بمَهْدِ عيسى صلوات الله عليه؛ في ليلة النصف من رمضان، في أوَّل ختمات المسجد الأقصى، والكازَرُوني مقرئ الأرض يقرأ بين يديه: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، بمجلس ذكرناه في كتاب (٣) "ترتيب الرحلة" كله مُسْتَوْفًى، ومن (٤) جملته أمور صوفيَّة لا معنى لها عندي، وعقليَّة لا مردَّ لها مِنِّي، وأدبيَّة يحتمل (٥) أن تكون، وشعريَّة (٦) على طريقة القوم. قال: قَوْلُه: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾، قال: "جاء موسى ولم يَبْقَ شيء من موسى لموسى" (٧). وقال: آلَافُ الآلَافِ (٨) خَطَوْا خُطًى كثيرة ولم يُذكروا، واختصَّ له بفضله موسى، فذكر خُطاه في إقباله للمواعدة تشريفًا، يختص برحمته من

стр. 1312

يشاء (١)، ولمَّا جاء موسى للميقات بسط الله له الكرامة، وأسمعه كلامه، فلم يتمالك أن قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾، غلبه (٢) الحب، وأَدَلَّ بالقرب، فسأل الرؤية (٣). وأبرحُ ما يكون الشوق يومًا … إذا دَنَتِ الخيامُ من الخيام (٤) وكان موسى في أيام المُواعدة يقول: "من كانت له إلى الله حاجة فليذكرها لي"، فلمَّا أسمعه الكلام استولت عليه العظمة فنسي ما كان حُمِّلَ، وغَلَبَه (٥) الشَّوْقُ فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ (٦). فيا لَيْلَ كم من (٧) حاجة لي مُهِمَّةٌ … إذا جئتكم يا لَيْلَ (٨) لم أَدْرِ ما هيَا (٩) ثم أنشد (١٠):

стр. 1313

أُرَوِّي (١) ما أقول إذا افترقنا … وأجمع دائبًا (٢) حُجَجَ المقال فأنساها إذا نحن التقينا … وأَنْطِقُ (٣) حين أنطقُ بالمُحال (٤) ثم قال (٥): اقرأ يا أستاذ: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾، فقرأه (٦) القارئ، فأنشد (٧): لو عَلِمْنَا مجيئكم لنَثَرْنَا … مُهَجَ النَّفْسِ أو سواد العيون وبَسَطْنَا على الطريق جُفُونًا … ليكون المَمَرُّ فوق الجفون (٨) وأنشد (٩): قالوا: تَوَقَّ رجالَ الحى إن لهم … عينًا عليك إذا ما نِمْتَ لم تَنَمِ فقلتُ: إن دمي أقصى مرادهم … وما غَلَتْ نظرةٌ منهم بسَفْكِ دَمِ والله لو علمتْ نفسي بمن هَوِيَتْ … جاءت على رأسها فضلًا عن (١٠) القَدَمِ (١١)

стр. 1314

قال الله لموسى (١): "لن تراني حتى يراني، صاحب السبع المثاني"، لئن (٢) كان الله اصطفى موسى بالكلام فقد اصطفى (٣) مُحَمَّدًا ﷺ بالكلام والرؤية. طلب موسى الرؤية فقيل له: ﴿انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾، فموسى لم يقل: "لا أريد الجبل، إنما أريد أنتَ"، ولكنه امتثل ما أُمِرَ (٤)، كما قالوا (٥): أريدُ وصاله ويريد هجري … فأتركُ ما أريدُ لما يريدُ (٦) وقَالَ مِنْ أَمْثَالِ هذا ما قال، ومَشَى هكذا ما مشى، إلى (٧) الفجر من (٨) العِشَا، ولم أقدر أن أحتمل ذلك لخروجه عن حَدِّ القانون الشرعي الذي مهَّدناه في "قانون التأويل" (٩).

стр. 1315

وكنتُ أرى القاضي المذكور وجميع الحضور قد استولى عليهم البكاء والخشوع، والحنين والذَّنِين (١)، والتوجع والتفجع، والدعاء والتضرع، وأنا متفكر في هذه الألفاظ، متوقل (٢) على هذه الأغراض، فما تلتئم لي (٣)، فكنتُ أقول: هل حال بيني وبين هؤلاء قسوة مغربية - أم غفلة شهوانية أم نية دينية؟ وتأملتُ عند تفقهي ذلك كلَّه، فعلمت أنه ليس على طريق من مضى، فأعرضتُ عنه وقلت: لا أرضى، وقد (٤) بَيَّنْتُ خروجه عن التأويل في "القانون" (٥)، وكلكم يرى خروجه، ويُدْرِكُ مفارقته لما ينبغي، وسنشير في بقية الباب و"الأسماء" إلى هذا الغرض إن شاء الله. [رُكوبُ بعض الوعاظ مَتْنَ الكذب على رسول الله]: ومنهم من يستجيزُ الكذب على النبي ﷺ صُرَاحًا، ولا يرى في ذلك جُنَاحًا، كما أخبرني محمد بن عبد الملك عن أبي الفضل الجوهري، قال: ذكر لنا يومًا أن النبي ﷺ مرض فعاده أبو بكر، فلمَّا رآه أبو بكر (٦) خاف (٧) عليه، حتى خرج من عنده عليلًا، ووجد النبي ﷺ خِفَّةً فجاء يعود أبا

стр. 1316

بكر، فلمَّا رآه أبو بكر قد برئ ثَابَتْ إليه نفسُه وعادت إليه صحتُه، فقال أبو بكر ﵁ (١): مرض الحبيب فعُدْتُه … فمرضتُ من حَذَرِي عليه شُفِيَ الحبيبُ فعادني … فشُفِيتُ (٢) من نظري إليه (٣) وهذا شيء ما أنزل الله به من لسلطان، بل هو غاية البهتان، وقد قدَّمنا أن هذا الشيخ كان رجلًا (٤) عفيفًا ولم يكن عالمًا. [تَوْطِيدُ القول في القصص]: ومن أحسن (٥) الإيراد في القصص أن يُوَطِّد (٦) القول ويأتي به على قلوب حاضرة ووجوه مقبلة، وفي الحديث: "حَدِّثِ الناس ما حَدَجُوك (٧) بأبصارهم" (٨)، وإن رأى غفلة فليستدع الناسَ (٩) حضورهم وإنصاتهم، قال:

стр. 1317

"إنَّ (١) النبي ﷺ في حجة الوداع، استَنْصَتَ الناس ثم قال: لا ترجعوا بعدي كُفَّارًا؛ يضربُ بعضكم رقاب بعض" (٢). جلس يومًا أبو الفضل الجَوْهَرِي على المنبر؛ فقرأ القارئ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقال: والله لا منعتُها من أحد (٣) أبدًا، وسكت، وعاد القارئ للاستعاذة، فلمَّا أكملها قال أبو الفضل: والله لا منعتها من أحد أبدا، وسكت (٤)، وعاد القارئ إلى الاستعاذة، فلمَّا أكملها قال أبو الفضل: والله لا منعتها من أحد أبدًا، وعاد القارئ إلى الاستعاذة (٥)، فقال الناس: ما معنى هذا (٦)؟ وأقبلت القلوب على كلامه مُتَعَجِّبةً من قوله هذا، ولمَّا (٧) استقبلته الوجوه قال: رُوي عن محمد بن واسع أنه قال: "خرجتُ يومًا إلى المسجد فلقيتُ الشيطان في طريقي، فقال لي: يا محمد بن واسع، إني كلما رُمتك وجدت حجابًا بيني وبينك؛ لا أستطيع أن أبلغ إليك معه، فقال له ابن واسع: إني أقول كل يوم إذا أصبحت: اللهم إنك سلَّطت علينا الشيطان

стр. 1318

عدوًّا من أعدائنا؛ يرانا هو وقَبِيلُه من حيث لا نراه، اللهم أَيْئِسْهُ (١) منَّا كما أيأسته (٢) من عفوك، وقَنِّطْهُ منَّا كما قنَّطته من رحمتك، وباعد بيننا وبينه كما باعدت بينه وبين جنتك، إنك على كل شيء قدير، فقال له الشيطان: بالله لا تخبر بها أحدا أبدًا، فقال: والله لا منعتها من أحد أبدًا (٣) ". فانظروا إلى حُسْنِ هذا السياق في جَمْع القلوب على السماع والإصغاء، حتى يقع القَوْلُ موقعَه؛ فيكون أوعى له وأثبت لتحصيله. [من نوادر الوعاظ]: ومن نوادرهم: ما سمعتُ بعضهم؛ وقرأ القارئ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩]، إلى خاتمة الفتح، فقام وأنشد: حُبُّ صَحْبِ النبي خالط لحمي … وجرى في مفاصلي فاعذروني أنا والله مُغْرَمٌ بهواهم (٤) … عَلِّلُوني بذكْرِهم عَلِّلُوني (٥) ثم أخذ في ذِكْرِ الصحابة، وكان مجلسًا عظيمًا، فيه علوم جَمَّةٌ، من جملتها (٦): "أن قوله: ﴿مَعَهُ﴾: أبو بكر، ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾: عُمَرُ، ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾: عثمانُ، ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾: عَلِيٌّ" (٧).

стр. 1319

قال الإمام الحافظ أبو بكر (١) ﵁: الآية عامَّة في المؤمنين، إلا أن هؤلاء الأولَ أوائل، وكلُّ (٢) من بعهدهم أواخر، وهذا ذِكْرُهم في التوراة، وذكرهم في الإنجيل ﴿كَزَرْعٍ﴾: مُحَمَّدٌ، ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾: أَصْحَابه (٣)، كان واحدًا (٤) ثم تتامَّت إليه الصحابة، فيقوى ويَشْتَدُّ، ويَعْظمُ وتكْثُرُ؛ حتى يستوي على سُوقِه، وتظهر ثمرته، ونعم منفعته، ليغيظ بهم أجمعين الكفَّار، هم قُرَّةُ عين الولي، وغَيْظُ عين الحسود، فكلُّ من قرَّتْ عينه بهم فهو مؤمن، وكُلُّ من كَرِهَ منهم واحدًا فهو كافر (٥). قال مالك: "لا أرى في الفيء حقًّا لمن لم يكن على مقتضى قوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] " (٦). وقد أَحْسَنَ القائل: وعَامِل بالذنوب يأمرُ بالبِرِّ … كهَادٍ يخوضُ في الظُلَم أو كطبيب قد شَفَّه سَقَمٌ … وهو يُدَاوِي من ذلك السَّقَم يا واعظ الناس غير متعظ … نَفْسَك عَاتِبْ أو لا (٧) فلا تَلُمِ (٨)

стр. 1320

قال الإمام الحافظ أبو بكر (١) ﵁: وهذا كله يتَنَضَّدُ (٢) ويتأكَّد بالتفكر؛ فإنه من أَجَلِّ العبادات وأعظم الطاعات، ويختص بالقلب، ليس للجوارح فيه أثر، فيكون (٣) مُتَفَكِّرًا (٤). * * *

стр. 1321

وهو الاسمُ التاسع والعشرون: المُتَفَكِّرُ (١) وحقيقتُه: تَرَدُّدُ العلوم في القلب، وترتيبُها حتى تُثْمِرَ أَمْثَالَها في أمثالها (٢). وهو الذِّكْرُ بعينه، وهو النَّظَرُ، وكل ناظر متفكر، وكل متفكر مُتَذَكِّرٌ، إذ حقيقة المتفعل طالب الفعل، وسَتَرَوْنَ تَرْتِيبَ ذلك في الأمثلة إن شاء الله؛ فإنَّ قومًا (٣) أرادوا الفرق بينهما (٤)، وجعلوا لكل واحد حقيقة، ولو كان ذلك صحيحًا لما أجدى، أَمَا إنهم أرادوا أن يجعلوا لمراتب الفكر أسماء ويفصلوا بينها بها (٥)، وإذا أطلقنا الاسم على جميعها لم يضرَّنا ذلك. وممَّا يجبُ أن تعرفوه مُقَدِّمَةٌ بين يدي النظر في هذا الاسم أنه ليس فيه حديث صحيح عن النبي ﷺ ، ولا عن العَشَرَةِ الأبرار، فلا تلتفتوا إليها، فجميع ما أورده (٦) المصنفون باطلٌ.

стр. 1322

أَمَا إن فيه آيات كثيرة، وإذا (١) وجدتم في المسألة آية واحدة - فكيف آيات كثيرة (٢)؟ - فلا تطلبوا عليها حديثًا - وإن كان صحيحًا - حتى تُحْكِمُوا ما في القرآن، إلَّا أن تفتقر الآيةُ إلى بيان، فحينئذ تطلبون الحديث، فكيف بأن تطلبوا مع كتاب الله أحاديث لا أصل لها عن رسول الله ﷺ ولا عن جِلَّةِ أصحابه (٣)؟ ومن الآيات فيه قولُه: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، وقد ثبت "أن ابن عبَّاس بات عند النبي ﷺ فاستيقظ وقرأ العشر الآيات خواتم آل عمران، ثم قام وتوضَّأ وصلَّى حتى أصبح" (٤)، وليس في الحديث ذِكْرٌ للآية بحرف (٥)، فأبى الشيطان إلا أن يزيد في الحديث ويأتي بطامَّة فيه (٦) ليس لها أصل، فلا تلتفتوا إليها. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ: ٤٦] (٧). وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ﴾ إلى قوله: ﴿لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٠ - ١١].

стр. 1323

وقال: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٨ - ٦٩]. وقال: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ [الروم: ٨]. وقال تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥١]. وفائدةُ الفكر زيادةُ العلم به والإيمان واليقين والإسلام، ودوامُ الذكر تثبيتًا للتوحيد في القلوب. وقد روى ابنُ القاسم عن مالك: قيل لأم الدرداء: "ما كان عملُ أبي الدرداء؟ قالت: كان شأنه التفكر" (١). وقيل لمالك: "أترى التفكر عملًا؟ قال: نعم، هو اليقين (٢) " (٣). وقيل لابن المسيب: "في الصلاة بين الظهر والعصر، فقال (٤): ليست هذه عبادة، إنما العبادة الورعُ عمَّا حرَّم الله، والفِكْرُ (٥) في أمر الله" (٦).

стр. 1324

قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي (١) ﵁: كان ابن عمر يصلي من الظهر إلى العصر، وكان يَرعُ (٢) عمَّا حرَّم الله، فأراد سعيد بن المسيب أن يُبَيِّن أن الوَرَعَ عمَّا حرم الله والفِكْرَ في أمر الله خَيْرٌ من الصلاة دون وَرَع كما يفعله الناس، فإنهم يصلون ويصومون ولا يَرِعُون (٣) عن حرام، ولا يتفكَّرون في أمر. [مجالُ الفِكْرِ ومَحَالُّه (٤)]: ومجالُ الفكر ومَحَالُّه أفعال الله، وهي منقسمة إلى قسمين: عامَّة: كالسَّماوات والأرض، وما اشتملت عليه من صنوف الآيات وعجائب المخلوقات. وخاصة: وهي: ذات المُتَفَكِّرِ وأفعاله (٥). فأمَّا أفعال الله العامَّة إذا تفكر الناظر فيها فإنها تفيدُه معرفةً بقَدْرِ كل فكرة، وإيمانًا بإزاء كل عبرة، وتوحيدًا عند كل نظرة، وذلك هو المطلوب الأكبر، والمقصود الأظهر؛ فإذا رأى السماء سقفًا مرفوعًا، والأرض مِهَادًا موضوعًا، قد (٦) زُيِّنتْ تلك بشمسها (٧) وقمرها وزُهْرِها، ورُتِّبَ طلوعُها وغروبُها، ودُبِّر مَسِيرُها ذاهبةً وراجعةً، مَمْحُوَّةً ونيَّرَة، وقد زُخْرِفتْ هذه

стр. 1325

بأشجارها، وشُقَّتْ بأنهارها، وصُيِّرتْ خزانة للأقوات، وقدِّرَتْ معاشًا للحيوانات، وأُرْسِيَتْ بالجبال ودُحِيَتْ (١)، وهُيِّئَتْ للنبات وأُكرمت، تَحَقَّقَ أن في كل جزء من ذلك عِبْرَةً تستغرقُ الفِكْرَةَ. والجماداتُ والحيواناتُ إذا نُظِرَ في أصنافها وأنواعها، ودُبِّر اختلافُها واتفاقُها، واشتراكُها فيما تشترك فيه، وانفرادُها، وتسخيرُ بعضها لبعض، وتَقَلُّبُها في الأرض والبحار؛ عَذْبِها ومِلْحِها، صغيرها وكبيرها ومحيطها (٢)، كل ذلك مبهت مفيد، عظيم الملك وسعة القدرة. والهواء ترى أنه جسم محسوس، وهو غذاء النفس والروح لبعض الحيوانات، وهو قاتلُ الآخرين، أو قاتلُهم عَدَمُ غذائهم، وهو الماء، والأوَّل أصح؛ لأن الماء كما يقتل حيوان البر وإن كان من غذائه، كذلك (٣) الهواء يقتل حيوان الماء. ولتعجب (٤) من ركوده ثم اضطرابه؛ وهي الريح، وإنزال الغيث من السماء أَمْرٌ معجز، ودليل نَيِّر. ونفسُ الإنسان وذاتُه أقربها إليه نظرًا، وأكثرها عبرة (٥) - إن فتَّش - عِبَرًا؛ فإنه لم يكن شيئا مذكورًا، ثم كان نطفة من ماء دافق، ثم تردَّد - كما أخبر الله عنه - في أطوار الاجتنان (٦)، حتى أخرجه إلى صفة الإنسان

стр. 1326

فأنشأه خلقًا سَوِيًّا، ضعيفًا ثم قويًّا، جهولًا ثم عالمًا، مُخَلًّى ثم مُقَيَّدًا مُبْتَلًى بالأمر والنهي، بعد أن كان معافًى، محفوفًا بآفات، مشحونًا بدناءات من الصفات، مدفوعًا (١) إلى تطهيرها عمَّا سَدِكَ (٢) بها، وإقبالها على ما حُدَّ لها. قال الله تعالى لنبيه ﵇: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣]. فهذا فضلُه عليه في ذاته، وفضلُه علينا به (٣) أن بلَّغ رسالات ربه، وبيَّن (٤) عنه ما أُمر به، وأوعز إلينا (٥) العمل النافع والضار، وبيَّن لنا النجدين، وأوضح لنا (٦) سبيل النجاة، وحذَّر من (٧) طريق الهلكة، فتعيَّن علينا - والحالة هذه (٨) - الفكرة في أنفسنا حتى نعرف قَدْرَنا وقدر خالقنا، ولَزِمَتِ الفِكْرَةُ والنظر فيما وَظَّفَ من أَمْرٍ ونَهْي علينا، فكان هذا رأسَ العبادة، حتى إذا تقرَّر في النفس وجب العطفُ على العمل.

стр. 1327

[المفاضلةُ بين العمل والفِكْرِ (١)]: وقد اختلف في أي الحالين أفضل؛ العمل أم الفكر؟ فذهب قَوْمٌ من السلف إلى أن الفكر أفضل، منهم: أبو الدرداء، وسعيد بن المسيب، والحسن، وقد تقدَّم. وقال الحصن: "تفكر ساعة خير من قيام ليلة" (٢). وقال مالك بن أنس ﵀ كما بيَّنَّا: "الفكر عمل من الأعمال، وهو اليقين" (٣). وقد تقدَّم فِعْلُ ابن عمر. وصَغْوُ الصوفية إلى أن الفكر أفضل من كل عمل. وذهب (٤) أكثر الفقهاء إلى أن العبادة أفضل. وبه أقول. والدليلُ عليه حالُ النبي ﷺ في كثرة صلاته بالليل، وما كان يَقِفُ على آية ليلةً، إنَّما رُوي عنه ﷺ أنه كان إذا مر بآية رحمة سأل، وإذا مرَّ بآية عذاب استعاذ (٥)، فلا يعدل بعمله شيء.

стр. 1328

والفِكْرُ حسن لمن كان قوي النظر، شديد العارضة، مستمر المِرَرِ (١) في الأدلة ومتعلقاتها؛ فالفكرة له أفضل في بعض الأوقات (٢). وأمَّا عمومٌ بعموم؛ فلا يعدل العملَ بالسنة شيءٌ، وانظروا (٣) إلى الحديث الصحيح: عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ قام فمسح النوم عن وجهه، ثم قرأ الآيات الخواتم من سورة آل عمران، ثم توضأ وصلى حتى طلع الفجر، فأخذ ساعة في العبرة، واستوفى بقية الليل في التهجد للعبادة" (٤). [الفِكْرُ في الله ] (٥): فأمَّا الفِكْرُ في الله فقد روى الضعفاء عن النبي ﷺ أنه قال: "تفكَّروا في خَلْقِ الله، ولا تفكَّروا في ذات الله" (٦)، وهذا حديث باطل، وإنما حضَّ الله على الفكر في آياته، والاعتبار بمخلوقاته؛ لأن ذاته لا يتصَوَّرُ الفِكْرُ فيها؛ لأن الفِكْرَ والنظر إنَّما هو لما (٧) له مِثْلٌ (٨)، ولمَّا لم يكن لها مِثْلٌ لم يُتصَوَّرْ فيها فِكْرٌ.

стр. 1329

وقد قالت طائفةٌ من (١) الصوفِيَّةِ: "إن الفِكْرَ في الله إنما امتنع لأن العقول تتحيَّر فيه، فلا يُطِبقُه إلا الصِّدَيقُونَ، وإذا أطاقوه لم يُطِيقوا دوامه، ولو تعرَّضوا له لأفادهم حيرة ودَهَشًا" (٢). وقد أخذه بعضُ (٣) المغاربة فقال في صفة أهل الإيمان: "يعتبر المتفكرون (٤) بآياته (٥)، ولا يتفكَّرون في مائية ذاته"، وهذا كلُّه نَوْعٌ من الغفلة؛ فإن الصفات التي تقوم بذات العبد على ضربين: منها: ما لا يصح أن تتعلق بالباري سبحانه. ومنها: ما يصح تعلقها به. ولا خلاف في أن العلم يتعَلَّقُ بالباري باتفاق، فهو لنا معلوم، ولا يُؤَثِّرُ عِلْمُنا فيه، فإن العلم لا يُؤَثِّرُ في المعلوم، ولم يَجُزْ أن تتعلَّق لنا (٦) بالباري قدرة ولا إرادة؛ لأنهما صفتان تؤثران في المقدور، والباري سبحانه يُؤَثِّر ولا يَتَأثَّرُ. واختلف الناس في الرؤية هل تتعلق به؟ وقد دللنا على أنها تتعلق به، ولا استحالة في ذلك ولا آفة، والنظر والفكر علوم مجموعة يتركب عليها علم، فلا استحالة في أن يتعلق

стр. 1330

بالباري، وليس في ذلك دَهَشٌ ولا حيرة، إنما في ذلك شُبَهٌ وبدعة، ولم يرد الباري سبحانه أن يُعْلِمَ بصفاته ضرورة، وإنَّما قدَّر أن يُدْرَكَ بالنظر، وبتحرير العلم من الشُّبَهِ. فإذا قال المبتدع: كيف تؤمنون بموجود ليس داخل العالم ولا خارج العالم (١)، وليس بجسم ولا عَرَضٍ؟ قلنا له: حقيقة الإيمان به أنه ليس كمثله شيء، ولا يحويه مكان، وهذه الألفاظ التي جُمعت (٢) فاسدة، لا يوصف الباري بأنه داخل ولا خارج، ولا أنه مؤلف، ولا أنه معدوم، ولا زائل، ولا يَحُولُ ولا يزول، ولا يتغيَّر بما خلق. وألفاظ المبتدعة هي الفاسدة، فأمَّا العِلْمُ بالباري وذاته وصفاته فصحيح، ونَفْيُ المِثْلِيَّةِ عنه أصحُّ شيء، وليس له مائيَّة إلا ذلك، فأيُّ نَهْيٍ عن هذا أو نفي له؟ وكله بَيِّنٌ، وهو على المؤمن هَيِّنٌ. [قُصُوُر الخَلْقِ عن معرفة الله ] (٣): ولا تعجبوا إلا ممَّن ينتمي إلى التحقيق، ويدَّعي قصور الخلق عن معرفة الله، مع أنه أظهر الموجودات، ولا يعلم السبب في قصور الخلق، فقال: "إنه (٤) إنما صار أظهر الموجودات لأنه مدلول عليه بكل وجه، شاهد له كل شيء، ليس في ملكوت السماوات والأرض ذرة إلا وهي عليه

стр. 1331

دالة (١)، فلعظيم (٢) ظهوره خفي، كما يبهر صوء الشمس الخفاش، فلا يرى بالنهار، فضعفت عقول الخلق عن إدراك حفيقة الحق، وما عَمَّ وجوده حتى لا ضد له عَسُرَ دَرْكُه، ونورُ الشمس لم تكن تدرك حقائق المرئيات به لولا عَدَمُه، فبعدمه استبان حالُه، ولو كان للباري (٣) عَدَمٌ (٤) لأدركنا التفرقة بين الحالين، أو (٥) لو كان بعض الأشياء موجودًا به وبعضها موجودًا بغيره لأدركنا التفرقة بينهما في الدلالة، ومَنْ قَوِيَتْ بصيرتُه واعتدل أمره لم ير إلا الله، وعلم أن وجود الأشياء به، فلم ينظر إلَّا فيه" (٦). قأل الإمام الحافظ ﵁ (٧): هذا كلام هائل، وليس وراءه طائل، إذا ظهر الشيء عُلم، وإذا زاد ظهورًا (٨) زاد علمًا به (٩)، ولو قدَّرت الظهور إلى غير غاية لكان العلم كذلك، ولم يرجع خفيًّا (١٠) أبدًا، وهذا معلوم ضرورة،

стр. 1332

ولا يصح (١) لأحد أن يقول: إنَّ العلم إذا زاد يعود جهلًا، ولا إذا كثرت الحركة تعود سُكُونًا، هذه خرافات باردة، وتقديرُ عَدَمِ الإله محال، وفَرْضُ المحال لا يفيد شيئًا، ولو فرضنا أن (٢) مع الله فاعلًا غيره لما كان إلهًا (٣) واحدٌ (٤) منهما، وذلك محال. وإنَّما قَصُرَ الخَلْقُ عن معرفة الله تعالى لكثرة معارضة الشُّبَهِ للأدلة، ولو شاء ربك لجعله كله دليلًا، ولكن أراد أن يُضِلَّ من يشاء، ويهدي من يشاء، وكلما ازددتَ في الله تعالى فِكْرَةً ازددتَ له (٥) معرفة. وقد جعل بعضُهم (٦) من مَحَالِّ (٧) الفكرة أفعالَ الإنسان، وإنها لموضعُ تَفَكُّرٍ، فإنها تدلُّ على الباري سبحانه من جهة وجودها، واختلافها في أنفسها، وانقسامها إلى موجودة بقلبه، وإلى قائمة بجوارحه، وقد تعلَّق بها الابتلاء، وأُمِرَ فيها ونُهِيَ، ووجب عليه منها (٨) وحَرُم، وهذا كله مَحَلٌّ للعبرة، ومحل للمعرفة، ومحل للسعي والنظر في امتثال الأوامر بها واجتناب النواهي عنها.

стр. 1333

وللعبد في ذلك شُغْل عظيم، بحيث لو تفرَّغ لها لم يقم بها (١) إلَّا عن جهد، فإنها تستغرق العمر، بل اليوم، بل السَّاعة، فمن غفل عنها لم يعرفها، ومن تعاطاها فبالحَرَى أن يستقلَّ بها، وهذه هي العبادة، وهي المنزلة. وإذا لم يَقْدِرْ المرءُ على ذلك فليُحافظ على امتثال دعائم الإسلام، وليتحرَّز (٢) من الكبائر السَّبع عشرة؛ فترجى (٣) له مع ذلك العاقبة الجميلة إن شاء الله. وركَّب الناسُ على هذا المقام فَضْلَ العالم على العابد، ورَوَوا في ذلك عن النبي ﷺ آثارًا ليس منها حرف واحد يصح، فلا تلتفتوا إليها، وأَشْبَهُ ما رُوي في ذلك عن ابن عباس، ولكنه حُرِّفَ، هو من باب آخر، وليس من هذا الباب في شيء. سئل ابن عباس: عن رجل عنده فَضْلُ معرفة وربما قَارَفَ، وآخر أفل منه معرفة ولم يُقارِفْ؟ فقال: "لا أعدل بالسَّلامة شيئًا" (٤). والذي رُوي من الحديث الحَسَنِ فيما يقرب من هذا المعنى: عن جابر أن رجلًا ذُكِرَ عند النبي ﷺ بعبادة واجتهاد، وذُكِرَ الآخَرُ (٥) برَعَةٍ (٦)، فقال النبي ﷺ : "لا أعدل بالرَّعَةِ (٧) شيئًا" (٨).

стр. 1334

ويَجِبُ أن تعلموا ممَّا قدَّمنا لكم في اسم "المؤمن "و"العالم" من البيان؛ أن العالم المؤمن لا يعصي، فإن أَلفيْتَ منهما (١) معصية ففيما لم يحصل له (٢) به عِلْمٌ، فلتُجَدِّدْ به عهدًا هنالك. ولمَّا كان الفِكْرُ في المخلوقات والعبرة بالآيات (٣) تدل على الذات، وهي: الطريق إلى العلم؛ لأن الشاهد يدل على الغائب باتفاق من العقلاء (٤)، والعالم صاحب معرفة وحقائق، والعامل صاحب خدمة وطرائق، والعالم لا يبرح عن بساط المَلِكِ، والعامل يتصرف في خدمة الملك، والكل في خدمته، ولكن للحضور معنًى، وقد بيَّنَّا ذلك فيما تقدَّم، وسنزيده تبصرة، والأول يقتضي الثاني. قال الله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩١] (٥)، إذا نظروا إلى السماوات وما نِيطَ بها من التدبيرات، والأرض وما اختزن فيها من الأقوات، وتعارض الليل والنهار على الأوقات، وما في اختلافها من التدبير والتقديرات، وتعارض الأمثال (٦) والآجال عليهما في الدورات؛

стр. 1335

عَلِمُوا أن هذا في نفسه ليس بمقصود، ولو كان ذلك ما كان إلَّا باطلًا لا فائدة فيه، وتحقَّقوا أن خالقها ومُدَبِّرهَا أوجدها لما وراءها. وقد كان بعضُ فصحاء المتفكرين من أهل الفترة يقول: "ليل داج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وسحاب تُسَخَّر، وأرض تُمطر، وموجود ومعدوم، وماض وآت، وأحياء وأموات، إن في السماء لخبرًا، وإن في الأرض لعِبَرًا"، وهذا ممَّا تَلَقَّفَهُ فلفقَه، وسَمِعَه (١) فوعاه وعَقَلَهُ، ونظر فيه فاستبصره، وعلى هذا نبَّه بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، فبَادِرُوا بالإيمان (٢) به قبل الفوت، وسرعةُ الأجل تُكَدِّرُ لذة الأمل (٣). وأمَّا الفِكْرَةُ في نزول الغيث وما يترتَّب عليه من النبات؛ فقد أَحْكَمَ الله بيانَه في كل موضع وَرَدَ من كتابه، وأوضح به أن ذلك بقدرة الباري وإرادته، لا بطبْع، حسبما بيَّناه في "كتب الأصول"، وأمليناه عليكم في هذه الأيام (٤) في كتاب "العواصم" (٥). والفِكْرَةُ في النَّحْلِ أبدعُ آية؛ في إحكام بناء بيوتها، ولذاذة قيئها، وما تقذفه من بطونها نوعًا بعد أن قطعته (٦) أنواعًا، وأخذته طعامًا فأعطته شرابًا.
следующие страницы →