← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

دالة (١)، فلعظيم (٢) ظهوره خفي، كما يبهر صوء الشمس الخفاش، فلا يرى بالنهار، فضعفت عقول الخلق عن إدراك حفيقة الحق، وما عَمَّ وجوده حتى لا ضد له عَسُرَ دَرْكُه، ونورُ الشمس لم تكن تدرك حقائق المرئيات به لولا عَدَمُه، فبعدمه استبان حالُه، ولو كان للباري (٣) عَدَمٌ (٤) لأدركنا التفرقة بين الحالين، أو (٥) لو كان بعض الأشياء موجودًا به وبعضها موجودًا بغيره لأدركنا التفرقة بينهما في الدلالة، ومَنْ قَوِيَتْ بصيرتُه واعتدل أمره لم ير إلا الله، وعلم أن وجود الأشياء به، فلم ينظر إلَّا فيه" (٦). قأل الإمام الحافظ ﵁ (٧): هذا كلام هائل، وليس وراءه طائل، إذا ظهر الشيء عُلم، وإذا زاد ظهورًا (٨) زاد علمًا به (٩)، ولو قدَّرت الظهور إلى غير غاية لكان العلم كذلك، ولم يرجع خفيًّا (١٠) أبدًا، وهذا معلوم ضرورة،

стр. 1332

ولا يصح (١) لأحد أن يقول: إنَّ العلم إذا زاد يعود جهلًا، ولا إذا كثرت الحركة تعود سُكُونًا، هذه خرافات باردة، وتقديرُ عَدَمِ الإله محال، وفَرْضُ المحال لا يفيد شيئًا، ولو فرضنا أن (٢) مع الله فاعلًا غيره لما كان إلهًا (٣) واحدٌ (٤) منهما، وذلك محال. وإنَّما قَصُرَ الخَلْقُ عن معرفة الله تعالى لكثرة معارضة الشُّبَهِ للأدلة، ولو شاء ربك لجعله كله دليلًا، ولكن أراد أن يُضِلَّ من يشاء، ويهدي من يشاء، وكلما ازددتَ في الله تعالى فِكْرَةً ازددتَ له (٥) معرفة. وقد جعل بعضُهم (٦) من مَحَالِّ (٧) الفكرة أفعالَ الإنسان، وإنها لموضعُ تَفَكُّرٍ، فإنها تدلُّ على الباري سبحانه من جهة وجودها، واختلافها في أنفسها، وانقسامها إلى موجودة بقلبه، وإلى قائمة بجوارحه، وقد تعلَّق بها الابتلاء، وأُمِرَ فيها ونُهِيَ، ووجب عليه منها (٨) وحَرُم، وهذا كله مَحَلٌّ للعبرة، ومحل للمعرفة، ومحل للسعي والنظر في امتثال الأوامر بها واجتناب النواهي عنها.

стр. 1333

وللعبد في ذلك شُغْل عظيم، بحيث لو تفرَّغ لها لم يقم بها (١) إلَّا عن جهد، فإنها تستغرق العمر، بل اليوم، بل السَّاعة، فمن غفل عنها لم يعرفها، ومن تعاطاها فبالحَرَى أن يستقلَّ بها، وهذه هي العبادة، وهي المنزلة. وإذا لم يَقْدِرْ المرءُ على ذلك فليُحافظ على امتثال دعائم الإسلام، وليتحرَّز (٢) من الكبائر السَّبع عشرة؛ فترجى (٣) له مع ذلك العاقبة الجميلة إن شاء الله. وركَّب الناسُ على هذا المقام فَضْلَ العالم على العابد، ورَوَوا في ذلك عن النبي ﷺ آثارًا ليس منها حرف واحد يصح، فلا تلتفتوا إليها، وأَشْبَهُ ما رُوي في ذلك عن ابن عباس، ولكنه حُرِّفَ، هو من باب آخر، وليس من هذا الباب في شيء. سئل ابن عباس: عن رجل عنده فَضْلُ معرفة وربما قَارَفَ، وآخر أفل منه معرفة ولم يُقارِفْ؟ فقال: "لا أعدل بالسَّلامة شيئًا" (٤). والذي رُوي من الحديث الحَسَنِ فيما يقرب من هذا المعنى: عن جابر أن رجلًا ذُكِرَ عند النبي ﷺ بعبادة واجتهاد، وذُكِرَ الآخَرُ (٥) برَعَةٍ (٦)، فقال النبي ﷺ : "لا أعدل بالرَّعَةِ (٧) شيئًا" (٨).

стр. 1334

ويَجِبُ أن تعلموا ممَّا قدَّمنا لكم في اسم "المؤمن "و"العالم" من البيان؛ أن العالم المؤمن لا يعصي، فإن أَلفيْتَ منهما (١) معصية ففيما لم يحصل له (٢) به عِلْمٌ، فلتُجَدِّدْ به عهدًا هنالك. ولمَّا كان الفِكْرُ في المخلوقات والعبرة بالآيات (٣) تدل على الذات، وهي: الطريق إلى العلم؛ لأن الشاهد يدل على الغائب باتفاق من العقلاء (٤)، والعالم صاحب معرفة وحقائق، والعامل صاحب خدمة وطرائق، والعالم لا يبرح عن بساط المَلِكِ، والعامل يتصرف في خدمة الملك، والكل في خدمته، ولكن للحضور معنًى، وقد بيَّنَّا ذلك فيما تقدَّم، وسنزيده تبصرة، والأول يقتضي الثاني. قال الله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩١] (٥)، إذا نظروا إلى السماوات وما نِيطَ بها من التدبيرات، والأرض وما اختزن فيها من الأقوات، وتعارض الليل والنهار على الأوقات، وما في اختلافها من التدبير والتقديرات، وتعارض الأمثال (٦) والآجال عليهما في الدورات؛

стр. 1335

عَلِمُوا أن هذا في نفسه ليس بمقصود، ولو كان ذلك ما كان إلَّا باطلًا لا فائدة فيه، وتحقَّقوا أن خالقها ومُدَبِّرهَا أوجدها لما وراءها. وقد كان بعضُ فصحاء المتفكرين من أهل الفترة يقول: "ليل داج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وسحاب تُسَخَّر، وأرض تُمطر، وموجود ومعدوم، وماض وآت، وأحياء وأموات، إن في السماء لخبرًا، وإن في الأرض لعِبَرًا"، وهذا ممَّا تَلَقَّفَهُ فلفقَه، وسَمِعَه (١) فوعاه وعَقَلَهُ، ونظر فيه فاستبصره، وعلى هذا نبَّه بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، فبَادِرُوا بالإيمان (٢) به قبل الفوت، وسرعةُ الأجل تُكَدِّرُ لذة الأمل (٣). وأمَّا الفِكْرَةُ في نزول الغيث وما يترتَّب عليه من النبات؛ فقد أَحْكَمَ الله بيانَه في كل موضع وَرَدَ من كتابه، وأوضح به أن ذلك بقدرة الباري وإرادته، لا بطبْع، حسبما بيَّناه في "كتب الأصول"، وأمليناه عليكم في هذه الأيام (٤) في كتاب "العواصم" (٥). والفِكْرَةُ في النَّحْلِ أبدعُ آية؛ في إحكام بناء بيوتها، ولذاذة قيئها، وما تقذفه من بطونها نوعًا بعد أن قطعته (٦) أنواعًا، وأخذته طعامًا فأعطته شرابًا.

стр. 1336

ومن أعظم العبرة في النحل أنها ليس لها منزلة في القِيمَةِ (١)، ولا مرتبه (٢) في القوة، ولا منظرة في الصورة (٣)، وجعل ما يخرج منها لذيذَ الكأس، شفاءً للنَّاس. وانظروا (٤) إلى الإنسان وقيمته، وقوته ومنظرته، وحسن صورته، وقذارة ما يخرج منه، فأين الطبع؟ قاتلهم الله أني يؤفكون، أي ذنب للإنسان؟ وأي فَضْلٍ (٥) للنحل؟ وأي فضيلة للدُّودِ دي جَعْلِ الإبريسَم مُودَعًا فيها؟ وجَعْلِ الدُّرِّ في الصَّدَفِ؛ وهو أوحش الحيوان البحري (٦)، وأودع الذَّهَبَ الرَّغام، وأودع القلب معرفته، فإذا بالعبد قد دنَّسه بالرِّيبَةِ، ورَحَضَه (٧) بالمخالفة. [جَلَالُ رسول الله ﵇] (٨): وإن تَفَكَّرَ المُتَفَكِّرُ في النبي ﷺ عَلِمَ بشَاهِدِ حَالِه صِدْقَ مقاله، وسخِرَ ممَّن ينسبه إلى الشِّعْرِ، وليس كلامه على إقرائه، أو إلى الجنون، وليس على صفاته، كان النبي ﷺ يأخذه برحَاءُ الوحي فيشتد عليه حتى يضطرب

стр. 1337

ويُغْشى عليه (١)، ويَرْفَضُّ عَرَقًا، ثم يُفِيق أزهر اللون، حاضر القلب، حَدِيد الذهن نشيطًا، والذي يتخبَّطه الشيطان من المَسِّ بعَكْسِه، فجعله (٢) الله آية في فتنة، وقد قال الله تعالى (٣): ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦]، ولكنهم عَمُوا عن الرشد، وصَمُّوا عن الحق، ولا يستوي الأعمى والبصير. وكما لا يتمَاثَلُ الضوء والظلام، كذلك لا يستوي الأعمى والبصير، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢١]، وكما (٤) لا تستوي هذه المعاني، كذلك لا يستوي العالم والجاهل، والمؤالف والمخالف، والمساعد والمعاند، والموصول والمقطوع، والمقبول والمردود، والمُقَرَّبُ والمحجوب، والمصطفى في البداية والمُقْصَى في النهاية، ولا من أشهدناهُ خَلْقَنا، ولا من أغفلنا قلبه عن ذِكْرِنا، وإذا أَمْعَنَ في الفكرة، وصَقَلَتْ قلبَه العِبْرَةُ، ووَقَفَ على ما هو عليه من الصفة؛ عَلِمَ أنه فقير حقير (٥)، وأنَّ خالقه وربَّه الغني الحميد العظيم، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]، وهو:

стр. 1338

الاسمُ المُوَفِّي ثلاثين: الفَقِيرُ (١) قال علماؤنا: "ومن فَضْل الفقر أنه قدَّمه على الهجرة، وأنه كان سَيِّدَهم ﷺ " (٢). وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢]. ومن الحديث الصحيح: "اطَّلعتُ في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء" (٣). وقال الله تعالى لنَبِيِّه ﷺ : ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (٤) [طه: ١٢٩ - ١٣١]. وقال تعالى في مَدْحِهم: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (٥) [الكهف: ٢٨].

стр. 1339

وفي الحديث الصحيح: "ألا أخبركم بأهل الجنة؛ كل ضعيف مُتَضَعِّفٍ" (١). وسئل أبو علي الدقَّاق: أي الوصفين أفضل؛ الغنى أو الفقر؟ قال (٢): "الغنى؛ لأنه وَصْفُ الحق، والفقر وصف الخلق، ووصفُ الحق (٣) أفضل من وصف الخلق" (٤). وثبت في الصحيح: أن الفقراء قالوا: "يا رسول الله، ذهب أهل الدُّثور بالأجور؛ يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فُضول أموال يتصدَّقون بها، قال لهم: ألا أخبركم بأمر إذا فعلتموه تُدركون من قَبلكم، وتسبقون من جاء بعدكم، ولا يأتي أحدٌ بما (٥) جئتم به إلا من جاء بمثله؛ تسبحود في دبر كل صلاة عشرًا، وتحمدون عشرًا، وتكبرون عشرًا - وفي رواية: ثلاثة (٦) وثلاثين في كل واحدة -، فسمع ذلك الأغنياء ففعلوه، فذكر ذلك الفقراءُ لرسول الله ﷺ فقال لهم: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" (٧).

стр. 1340

وقد أبدأ الناس في ذلك وأعادوا، وتكلَّمتُ في ذلك مع رجلين من أهل الطريقة؛ الطُّرطوشي والطُّوسي، ووقعت المفاوضة (١) في ذلك مرارًا، وكتب كل واحد منهم فيه (٢) وأملى، وحَمَلْتُه عنهما، ولم يكن في ذلك كله (٣) شفاء، فبَيْنَا أنا يومًا في "الثغر (٤) المحروس"، إذا برجل قد (٥) دخل عليَّ بمجلد صغير نحو "الإرشاد"، فقال لي: هذا كلام في التفضيل (٦) بين الفقر والغنى غيرُ مُتَرْجَم، فنظرته واحتبست (٧) به، ثم طالعته؛ فإذا به فائدة الأيام (٨)، وكلام إمام أي إمام، أتى فيه بالحقيقة، وكشف عن الطريقة، ولم أعلم من هو (٩). لُبَابُ قَوْله - في كلمات مختصرة على طريق التقريب -: أن الفقر عبارة عن العجز، والغنى عبارة عن القدرة، وهما صفتان من صفات الإنسان قائمتان به، فإنما يكون غنيًّا وفقيرًا بصفاته الموجودة بذاته، قال النبي ﷺ (١٠): "ليس الغنى عن كثرة العَرَضِ، وإنما (١١) الغِنَى غِنَى النفس"،

стр. 1341

ولذلك لم يكن الغَنِيُّ بالحقيقة ولا (١) على الإطلاق إلا الله وحده (٢)؛ فإنه موصوف بالقدرة الواجبة له، مُنَزَّهٌ عن الحاجة، والعبد موصوف بالعجز، ملازم (٣) بالحاجة، فهو فقير أصلًا ووصفًا وحالًا، وإنما يكون غنيًّا بالاكتساب، فالمخلوق مفتقر إلى خالقه في إيجاده، مفتقر إليه في إنعامه، فإنْ عَدِمَ المال كان فقيرًا إليه، وإن وجده كان غنيًّا به، فإنَّ من افتقر إلى شيء كان غنيًّا بوجوده، فالفقير بالحقيقة العبد، وإنما يكون غنيًّا إذا عوَّل على مولاه، ولم ينظر إلى أحد سواه؛ فإن تعلَّق بالُه بشيء من الدنيا ورأى في نفسه أنه فقير إليه فهو عَبْدُه، وإنما شَرَفُ العبد افتقارُه إلى مولاه، وعِزُّه خضوعه له، وما أحسن ما قال بعضهم فيه: وإذا تَذَلَّلتِ الرقابُ تقربًا … منَّا إليك فعِزُّها في ذُلِّهَا (٤) فالغَنِيُّ المتعلق البال بالمال، الحريص عليه الراغب فيه، هو الفقير حقيقة، وعادمُه الذي يقول: ما أنا به، ولا رغبة لي (٥) فيه، إنما هي ضرورة العيش، فإذا وجدتها فغيرُها زيادة تشغل عن الإرادة، هو (٦) الغنيُّ حقيقة، وليس كل قلب يصفو هذا الصفاء.

стр. 1342

ويقدرُ الفقير أن يقول بنِيَّته (١) - إذا رأى الغني يتصدق -: لو كان عندي مال مثله (٢) لفعلتُ فعله، فيُكتب له أجره ويُعطى منزلته ولم يَنْصَبْ في كَسْبٍ، كما ورد في الحديث الصحيح، ولذلك أعطى الله هذه المنزلة لمحمد (٣) ﷺ ؛ فأغناه بصفاته لا بالأموال، فهو الفقير إلى ربه، الغني باعتقاده ونيته (٤)، المُعرض عن الدنيا بعد تمكنه منها وقدرته (٥)، وأبو بكر ﵁ حين أعطى جميع ماله ولم يَلْتَفتْ إليه (٦). وإذا فتح الله على رجل في مال، وفتح على آخر في نية وعمل؛ فلا خلاف أن صاحب العمل والنية (٧) أرجح وأربح، وأهنأ عيشًا، وأكثر افتداءً بمُحَمَّدٍ وشبَهًا به (٨). خَطَرُ الفقر (٩): ولكن للفقر (١٠) أخطار، لا يقدر عليها ولا يخلص منها إلا الأبرار. منها: أنه يميل إلى المال وكسبه، ولكنه لا يقدر أو لا يدري كيف يطلبه، وهو الحرص.

стр. 1343

ومنها: أن يحبه ولا يتعرض لطلبه، وهذا هو القانع، وهي خصلة محمودة، ومنزلة حسنة. ومنها: أن لا يحبه، ولو جاءه لم يُقبل عليه، وهذه حاله شريفة، ومنزلة رفيعة، ولكن لم يحمل الله ولا رسولُه الخَلْقَ عليها، بل قال لهم: "ما أتاك من هذا المال من غير مسألة ولا إشراف نفس فخُذْهُ، وما لا فلا تُتْبِعْه نفسك" (١)، ولا يشير النبي ﷺ ولا يدل في الرِّفْقِ إلَّا على منزلة عالية، حتى إذا كان ثَمَنًا لدِينك فدَعْهُ، وهذه الحالة هي الزُّهْدُ، وصاحبُها هو "الزَّاهد".

стр. 1344

آخِرُ السِّفْرِ الثاني من كتاب "سراج المريدين في سبيل الدين" للإمام الحافظ أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي ﵁، ضبط نصَّه وخرَّج أحاديثه ووثَّق نقوله وترجم لأعلامه وصنع فهارسه وقدَّم له الدكتور عبد الله بن عبد السَّلام بن عبد الله بن محمد بن التِّهامي المصمودي التَّوْرَاتي القَصْرِي، عفا الله عنه وعن آبائه، وذلك في شهر ربيع الأنور من عام ١٤٣٧ هـ، بتِطَّاوْن - حرسها الله تعالى - قاعدة شمال المغرب الأقصى، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على سيِّدنا محمد، وعلى أزواجه وذريته، وصحابته المُعَدَّلِينَ، ومن تبعهم من الصالحين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1345

[الزَّاهِدُ]: وهو الاسمُ الحادي والثلاثون وحقيقتُه: الإعراضُ عن الشيء بعدم (١) الرغبة فيه، إذا كان للنفس مَيْلٌ إليه، أو حاجة فيه (٢). وقد تكون هنالك حالة، وهي: أن يَفِرَّ من المال فِرَارَه من السُّمِّ (٣)، وهي المرتبة العليا (٤)، وهي قليلٌ فينا، كثيرٌ في السّلَفِ (٥). خَطَرُ الغِنَى: ثم (٦) إن للغنى أخطارًا (٧) ومخاوف: منها: أن لا يؤدي حقَّ الله فيه، كما فَعَلَ ثَعْلَبَةُ (٨)، وكما يفعل اليوم كَثِيرٌ من الناس، وليتهم أدَّوا الزكاة، وإذا أَدَّوْهَا فتبقى هنالك حُقُوقٌ سواها

стр. 1346

بعوارض تعرضُ (١)، فإن قام بها خرج المال عن يده، وإن حبَسَه عنها كان على غَرَرٍ من نفسه. ومنها: ألَّا يقوم بشكره. ومنها: أن (٢) يُلْهِيَه عن عبادة ربه. ومنها: أن يتوسَّع به (٣) في شهواته فيتعجَّل طَيِّبَاتِه. ومنها: أن يتوسَّل به من طريق الأَنَفَةِ أو الشهوة إلى ما لا يَحِلُّ، فمن العِصْمَةِ أن لا تَقْدِرَ. وكما أن الفقير يضطر إلى السؤال، فكذلك الغني يضطر إلى العطاء، والسؤال وإن كان أذلَّ من العطاء، ولكنه أخفُّ على فاعله في الأكثر، وإذا توجَّه السؤال على الغني، كيف حتى يخرج عن مقتضى الجواب؟ ولذلك كان كثير من الناس لا يقول لأحد (٤): كيف حالك؟ لأنه إن كان سؤال مُراءاة بالعادة فهو آثِمٌ، وإن كان عن حقيقة، فإذا كشف له عورة (٥) أو أَطْلَعَه على حاجة (٦) كيف يصنع؟ أيسترُ العورة ويسدُّ (٧) الخَلَّةَ؟ أم يُعْرِضُ عنه فتَبْطُلُ فائدة السؤال؟

стр. 1347

مغالاة: حتى انتهى الإسرافُ بقوم إلى أن يقولوا: "إن حقيقة الزهد من زَهِدَ في الجنة والحُور، وأعرض عمَّا فيها من النعيم والحُبور، وصرف قلبه إلى الله وحده" (١)، وهذه طريقة ضعيفة؛ إنما رغبت الأنبياء في النعيم، ومن جملته رؤية الله سبحانه. ومناطُ الأمل فيها ما يقرن الله بها من النضرة واللذة ويخلقه عندها، فالكُلُّ نعيمٌ مخلوق (٢) محبوب، وبعضه أفضل من بعض. وقد قال النبيُّ ﷺ : "إن الله يقول لأهل الجنة: أَلَا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وما أفضل من ذلك؟ فيقول: رضائي، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا" (٣)، فجعل الأمن من الزوال وتمادي الوصال غايةَ الآمال، وليس فوقه مثال. ولا يبعد أن يكون في الجنة من يقول: "أَمَلِي أن أراك"، كما يقول آخر: "أملي أن أزرع"، وتتفاوت الآمَالُ على قَدْرِ مقاصد الرجال، وبعضُها أفضل من بعض. والزُّهْدُ إنما هو عبارةٌ عن تَرْكِ المباحات في الدنيا، فإذا خرجنا عن متاع الدنيا لم يكن زُهْدٌ (٤)، إنما هو رغبة كله، ونعيم دائم، وإنما يرغب الزاهد عن المباحات لما يرجو من الأَعْوَاضِ الكريمة في الجنات، كما

стр. 1348

يصبر الفقير على مَضَضِ الحاجات ليرفع عن نفسه مَضَضَ التعب في الدنيا والحساب في الآخرة (١). وربما تَقْصُرُ (٢) المرتبة في الدرجات، كما أن من تَرَكَ الدنيا طَلَبَ جَاهٍ (٣) أو ثنَاءً لم يكن زاهدًا، إنما هو مُبْتَاعٌ، وليته كان مبتاعَ (٤) ما يبقى بما يفنى، وإنَّما هو بائعٌ حظًّا بأبخس (٥) منه، لا بأعلى. وقد تقدم القول في "المقام الأوَّل" (٦) على حال النبي ﷺ في معاشه (٧) ولباسه (٨) وأصحابه، وتفصيل المنازل وتفضيلها. [شرائطُ الزهد]: ولا يزهد في الدنيا إلَّا من (٩) عَرَفَها وتَحَقَّقَ خساستها عند الله وهَوَانَها.

стр. 1349

وقد ثبت أن النبي مَرَّ بجَدْيٍ أَصَكٍّ (١) ميِّت، فقال لأصحابه: "أترون أهل هذه طرحوها إلَّا من هوانها؟ الدنيا أهون (٢) عند الله من هذه على أهلها" (٣). قال الله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤]. وقال: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٤] (٤). وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٢٠].

стр. 1350

وقال سبحانه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾ [الحديد: ٢٠]. وقال: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤]. إلى نظائر لها، فصَّل الله الآيات فيها، وجعلها ذِكرَى لمن عَقَلَها، وأبان قُدْرَتَهُ عليها، وعَرَفَ مقدارها، وضَرَبَ المَثَلَ لها ومنها وبها (١). والأصلُ أنه شبَّه الحياة الدنيا بما أنزله من السماء، فنبتَ به (٢) النبات، وظهرت الثمار، واخضرَّت (٣) الأرض، وأوطن أربابُها نفوسَهم عليها، واطمأنُّوا بها (٤)، فإذا (٥) بجائحة قد نَزَلَتْ بهم بغتة، كأن لم تكن، وكذلك الإنسان بعد تمام سِنِّه وكمال قُوَّتِه وغضارة شبيبته؛ اخترمته المنيَّة (٦)، فيقول فيه المغرورُ به (٧):

стр. 1351

فقدناه لما تمَّ واعتمَّ بالعُلَى … كذاك كُسوفُ البَدْرِ عند تمامِه (١) [بدائعُ في ضرب الله المثل للدنيا بماء السَّماء]: وفي ضَرْبِ الله سبحانه المَثَلَ للدنيا بالماء المنزل من السماء بدائعُ: الأوَّل: أن المطر لا يُستنزل بالحِيلَةِ، كذلك الدنيا لا تُنال إلَّا بالقِسْمَةِ (٢)، قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣١]. الثانية: أنه كان كان المطر لا يُحْيِي إلَّا بتقدير الله، فإنه يُستنزَل بالرغبة والسؤال، كذلك الرِّزْقُ يُلْتَمَسُ من الله (٣). الثالثة: أن المطر في موضعه سَبَبُ الحياة، وفي غير موضعه سَبَبُ الخراب، كذلك المال لمستحقه سبب سلامته، وانتفاع المُتَّصِلِينَ به، وعند من لا يستحقه سَبَبُ طغيانه وبلاء (٤) من اتصَّل به (٥). الرابعة (٦): أن الماء إذا جاء بقَدَرٍ نَفَعَ، وإذا زاد على الحاجة أَضَرَّ، كذلك المال؛ إذا كان بقَدْرِ الكفاية فصاحبه في نَعِيمٍ، وإذا زاد فصاحبُهُ في نَصَبٍ أو طغيان (٧).

стр. 1352

الخامسة: أن الماء إذا كان جاريًا كان طَيِّبًا، وإذا اختُزِن تغيَّر، كذلك المال؛ إذا أَجْرَاهُ صاحبُه في مجاريه طاب، وإذا احتجنه خَبُثَ عليه (١) وعاب (٢). السَّادسة: أن الماء إذا كان طاهرًا صَلَحَ للنبات والعبادات، وإذا كان نَجِسًا لم يصلح للعبادة (٣)، كذلك المال، إذا كان حلالًا استقام به المعاش والطاعة، وخَلُصَ من التِّبَاعَةِ (٤)، وإذا كان حرامًا إن كسا عَرِيَّتَه فقد (٥) أبدى عورته، أو سَدَّ جَوْعَتَه فقد أسقط حُرْمَتَه (٦). السَّابعة: أن الماء إذا ثار عنه النبات، وخرجت به الأشجار، وأَيْنَعَتْ به الأزهار، واختلفت عليها المناظر للنُّظَّارِ، لا يأمن أن تُصيبَه آفة من غير ارتقاب، وتنقلب عليه الحال بما لم يكن في حساب، فإن المال إذا نما بيد صاحبه وتفنَّن في (٧) أنواعه، وعَمَّمَ (٨) به جميع لذَّاته، وكثُرت عليه الأعداد من الأزواج والأولاد، ورأى أن أحواله صافية، ومراتبه عالية، ومقاديره غالية، وآماله متدانية، ورياض لذَّته (٩) زاهرة، وغصون (١٠) أُنْسِه مُتَهَدِّلَةٌ (١١)،

стр. 1353

إذَا بالدَّمار (١) قد أخذ (٢) الدِّيار، والذهاب قد جرى على الأحباب، والأموال قد تَقَسَّمَتْ بيد الانتهاب، واختُطِف (٣) هو من بينها (٤) أَرْجَى ما كان (٥) لها، وأَحْرَصَه (٦) عليها، وأَغْبَطَه (٧) بها، وأَشْوَقَه (٨) إليها (٩). الثامنة: أن من غَرَّتْهُ بأمانيها، وخَدَعَتْهُ بالأطماع فيها؛ دَسَّتْ له (١٠) الصَّابَ في شرابها، والحنظل في حَلْوَائِها (١١)، والشَّرَى في أَوْيِها (١٢)، تَعِدُ (١٣) فلا تَفِي، وتأخذ أكثر مما تُعْطِي، وتكسر العدات (١٤) وتخلفها، وتقيم الآفات وتُخْلِقُها (١٥)، نِعَمُها مَشُوبَةٌ بنقمها، وبؤسها أخو مأنوسها، وبلاؤها

стр. 1354

في ضمن (١) عطائها، المغرور من اغترَّ بها، والمغبون من أخذها عن الآخرة بَدَلًا، أو لم (٢) يبغ عنها حِوَلًا، أو لم (٣) يظنَّ نفسه عنها مُنْتقِلًا (٤). ألم تَرَوْا (٥) أن الله ضرب لذلك (٦) مثلًا صاحب الجنَّتين، على الوصف الذي ذكرهما (٧) سبحانه في كتابه، مع الآخر الذي لم يكن له مِثْلها، فشكر أحدُهما خالقَه، وكفر الآخَرُ رازقَه، فأصبح الكافر وقد أخذتها (٨) الجائحة، فذلك مَثَلٌ لرجلين (٩): أحدهما: صَفَا له الوقت، ومهَّد له فَراش اللطف، وتمكَّن في الرضى من البَسْطِ (١٠)، فجرى على السبيل من البداية إلى النهاية؛ بصِدْقِ المعاملة، وعِزِّ القناعة، والرضى بالقَسْم، والشُّكْرِ على رَفع المؤونة (١١). والآخَر: الذي أعطي ووُسِّعَ عليه، فلم يُقَدِّرْ ما أُهِّل له، وسَكَنَ إليه (١٢) دون واهية، ولم يفطن أنه عارية إذا عَمِلَ فيها بالوجه المأمور به،

стр. 1355

وبليَّة إذا خُولِفَ به وجهه، فإذا بوقته قد أَظْلَمَ، ونوره قد أَغْيَمَ، وليله قد ادْلَهَمَّ، ونزلت القدرة بالعبرة، لبيان المنزلة وعدم النصرة (١)، وحقَّت عليه الكلمة (٢). التاسعة: قوله (٣): ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٤]؛ إن (٤) كان هذا عن جائحة فهذه والآية التي قبلها سواء، وإد كان مَثَلًا للزَّرْع الذي أُخِذَ (٥) حَبُّه، ونُبِذَ (٦) قِشْرُه، فصار هشيمًا تذروه الرياح، أو زِبْلًا تتكرَّم به الأرض وتنداح (٧)، فيكون ذلك لبديعة مَثَلًا، وهي: العاشرة: إن المال إذا أَخَذَ العبدُ منه حاجته في المعاش، وأرسل باقيه في الشهوات كان معدومًا (٨)، في حق الدنيا هشيمًا، وعاد به مذؤومًا (٩)، وصار وفته مذمومًا. الحادية عشر: التنبيه على تفصيل (١٠) معنى الدنيا من المال والبنين، لأنها (١١) مناط الاعتضاد، ومُعْتَمَدُ العباد والاعتداد (١٢)، فإذا اغترَّ بماله،

стр. 1356

واعتز بأولاده (١)، وتاه في غَفَلَاتِه، وفَنِيَتْ عليه قوابلُ (٢) أوقاته، وهو نَاسٍ لمولاه؛ خَسِرَ في حالِه، وندم في مآلِه (٣)، فإن هذا كله ذاهبٌ في نفسه، أو هو ذاهبٌ عنه يومًا، قيل (٤): فالمرء رهن مصائب لا تنقضي … حتى يغيَّب في بواطن (٥) رمسِهِ فمُؤَجَّلٌ (٦) يلقى الرَّدَى في أهلهِ (٧) … ومُعَجَّلٌ (٨) يلقى الردى في نفسِهِ (٩) وزينة (١٠) لدنيا بكرائمها، وزينة الآخرة لعظائمها، وزينة الدنيا ما يفنى، وزينة الآخرة ما يبقى. وحقيقة الحال فيه: أن ما كان للنفس فيه حَظٌّ فهو من الدنيا (١١) وزينتها، ويدخل في ذلك الجاه وقبول الخلق وجميع المألوفات (١٢).

стр. 1357

﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [الكهف: ٤٥]: هي الأعمال الخالصة، كما تقدَّم اتِّسَاقُه (١) كما يجب، من ذِكْرٍ طَيِّب، وعمل صالح، فإنهما يُصعَدان ويُحْفَظان، وهذان يذهبان ويفنيان (٢). الثانية عشر: في وَجْهِ الذكرى (٣)؛ فإن الزرع يخرج مختلف الألوان، ثم يهيج فتراه مُصْفَرًّا، ثم يجعله حُطَامًا؛ التنبيهُ باختلاف أحوال الزرع من حين خَلْقِه واستنباته، إلى انبتاته على المرء (٤)، من أوَّل نشأته إلى وفاته، والزرع لا يخرج حبُّه (٥) إلا بعد الجفاف، كذلك المرء لا يطيبُ عَمَلُه إلَّا إذا راض نفسه، وأزال صَوْلَه (٦)، قبل أن يُرَدَّ إلى أرذل العمر، وهو حال الضعف في القوة، والوهن في الأعضاء، وقد كان النبيُّ ﷺ في صحيح الحديث - يقول: "وأعوذ بك أن أُرَدَّ إلى أرذل العُمُرِ" (٧)، ورَكَّبَ الناسُ على هذا التفسير الصحيح أمثالًا: الأوَّل: أن يُرَدَّ إلى المعصية بعد الطاعة. الثاني: أن يُرَدَّ (٨) إلى مساعدة الأماني بعد مجاهدة (٩) النفس.

стр. 1358

الثالث: أن يُرَدَّ إلى (١) السعي لحَظِّ نفسه (٢)، والركون إلى الدعة بعد الاجتهاد والعبادة (٣)، كان النبيُّ ﷺ إذا عَمِلَ عَمَلًا أثبته، وكان يتوقَّاه رِفْقًا بالأُمَّة (٤). الرابع: أن يُرَدَّ إلى (٥) إفناء العُمُرِ في مَلَاذِّ (٦) المعصية. الخامس: إفناؤه (٧) بين الجُهَّالِ. كان كسرى إذا عَتَبَ على عالم سَجَنَه مع جاهل. السَّادس: الذل بعد العز. الثالثة عشر: سمَّاها باسمها المحقق، ووصفها بصفتها الخاصة (٨)، فقال: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الحديد: ١٩]. المعنى (٩): أنها في الحال شاغلة، وفي المآل غير لابثة، مُطمعة غير مشبعة، تجري على غير سَنَنِ الاستقامة، جَرْيَ لُعاب الصبيان والمفندين من المتقادمين (١٠) في الأسنان، وتُلهي عن الصواب واستبصار الحق (١١).

стр. 1359

وحقيقةُ اللهو: هو (١) الاشتغال عن الشيء بما لا يفيد، أو بما هو دونه، وأشده بالمكاثرة (٢) في الأموال، والمفاخرة في الأولاد، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾؛ لمن أَخَذَها من غير وجهها، أو صَرَفَها في غير طريقها (٣)، ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾، لمن قَدَرَها قَدْرَها، وعَلِمَ أنها جِيفَةٌ ملقاة، تتهاوش عليها الكلاب. الرابعة عشر: أن المرء إنما يُكِبُّ عليها ويتهافت فيها حُبًّا للجاه (٤)، والدارُ الآخرة هي الحيوان، أي: دار الحياة، ففي تلك الحياة (٥) الباقية يجب أن يرغب (٦)، وهي التي ينبغي أن يُمَهِّدَ ويُحَسِّنَ، وينظر فيها ويستعدَّ لها، فأمَّا هذه الحياة المستعارة، والمنامة (٧) الغرَّارة، فيجب أن تُطْرَحَ طَرْحَ مِثْلِها، ولا يسكن إلى مائها وظِلِّها، وقليلٌ من الناس من مَلَكَ نفسه عنها، منهم: أبو ذَرٍّ، وأبو الدرداء. [وقوفُ ابن العربي على قبر أبي ذَرٍّ بالرَّبَذَةِ]: وقفتُ على قبر أبي ذَرٍّ بالرَّبَذَةِ مهل ذي الحجة سنة تسع وثمانين وأربع مائة، وهو على قارعة الطريق من الكوفة إلى مكة، غريبًا مفردًا، لا

стр. 1360

أُنْسَ (١) ولا عمارة؛ خرج هنالك أيَّامَ عثمان على وجه سليم صحيح (٢)، بيَّنَّاه في كتاب "العواصم" (٣)، لم يقدح في أحد، ولا قصَّر ببشر (٤)، ولا انتسب إليه فيه ظُلم، فأقام بها حتى مات ﵁ (٥). ولا أذكر أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا (٦)؛ فإنهم أعظم وأعلى، ومن التابعين خَلْقٌ كثير. [زُهْدُ عامر بن عبد قيس]: وما رأيتُ أبدع (٧) في زُهْدِه (٨) من عامر بن عبد قَيْسٍ العَنْبَرِي (٩)، قال عُبَيد الله بن الحسن: "قدمتُ الشام فسألتُ عن عامر، قال: فقيل: إنه يأوي إلى عجوز هاهنا، قال: فسألتها عنه، فقالت: هو في سفح ذلك الجبل؛ ليله ونهاره، فإن كانت لك إليه حاجة فتجيئه (١٠) عند فطوره (١١)، قال: فأتيتُه

стр. 1361

فسَلَّمْتُ عليه فردَّ علي السَّلام (١)، وسألني مساءلة (٢) رجل عهدته بالأمس، ولم يسألني عن أحد من أهله وعشيرته، ولم تَسُمْنِي (٣) العشاء، قال: قلت (٤): يا عامر، لقد (٥) رأيتُ منك عجبًا، قال: وما هو؟ قلتُ (٦): غِبْتَ عن أهلك وعشيرتك من حيث تعلم، ولم تسألني عمَّن مات منهم ومن عاش (٧)، وقد علمتَ مكاني فيهم (٨)، وساءلتني مساءلة رجل عهدته بالأمس، ولم يَسُمْني (٩) العشاء، قال لي (١٠): أمَّا قولك في مساءلتي إيَّاك فقد رأيتك صالحًا، فعن أي شيء أسألك؟ وأمَّا عشيرتي وأهلي؛ من مات منهم فقد مات، ومن بقي فسيموت، فعن أي شيء أسأل؟ وأمَّا العشاء؛ فقد عهدتك تأكل طعام الأمراء، وطعامي فيه خشونة، ولم أظنَّ أن لك حاجة إليه" (١١). وقال له رجل: "رضيتَ من شَرَفِك وحَسَبِك (١٢) بيتَك هذا ولباسَك هذا (١٣)؟ قال: هذه قرَّةُ عين عامر" (١٤).

стр. 1362

[زُهْدُ أبي يزيد البِسطامي]: وما رأيتُ أبدع في مَثَلِ الدنيا وقَدْرِها وقيمَةِ إبليس صاحبها من قول أبي يزيد البِسْطَامِي؛ فإنه رُوي عنه في (١) أخبار العُبَّادِ أنه دخل على قوم فيهم أبو موسى عبد الرحيم الصُّوفِي، فقال لهم: في أي شيء تتكلمون؟ قالوا: في الزهد، قال (٢): في أي أنواعه؟ قالوا (٣): في الزهد في الدنيا، فنَفَضَ (٤) يده، وقال: ظننتُ أنه يُتكلَّم (٥) في شيء، الدنيا لا شيء، مَثَلُ من تَرَكَ الدنيا - عند أهل المعرفة - مَثَلُ من مَنَعَه كَلْبٌ عند باب المَلِكِ عن (٦) الدخول إليه، فألقى له (٧) لقمة شَغَلَه (٨) بها ودخل الباب، ووصل إلى الملك وأقبل عليه فنال القُرْبَ منه، أفترى (٩) أنه يرى لنفسه عند الملك يدًا بأن ألقى لكلبه لقمة في مقابلة ما ناله، فالشيطان كَلْبٌ على باب الله؛ يمنع الناس من الدخول عليه، والباب مفتوح، والحجاب مرفوع، والإذن موجود، والشرط غير مفقود" (١٠).

стр. 1363

[شهواتُ الدنيا]: وكان (١) مِن الزهاد (٢) مَن الدنانيرُ والدراهم عنده بمنزلة البَعَرِ، وهي معنى الدنيا، فمن أهانها فقد أخذ بزِمَامِ الزُّهْدِ، وقد بيَّنَّا أن الزهد قَطْعُ حظوظ النفس كلها؛ لاعتقادك أن النفس بشهواتها (٣) حقيرة، وبطاعاتها (٤) عظيمة، وهذه كما قدَّمنا المنزلة العظمى (٥)؛ فإن الدنيها كلها محبوبة مشتهاة، لأغراض ملائمة ومخالفة، والمخالف يفيد الملائم ويُعِينُ عليه، وأصولها سبعة، وهي في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] (٦). وهذا البَعْضُ يَدُلُّ على ما سواه، وأشدُّ ما يُهلك الناس على العموم من هذه السَّبعة الأحمران، وهما: الذهب والفضة، فمن اتَّقى هذه الشهوات فله خَيْرٌ من ذلك، وهو جنَّات تجري من تحتها الأنهار، فيها ما تشتهيه الأَنْفُسُ وتَلَذُّ الأعين، وأزواج مُطَهَّرَةٌ؛ ليس فيهن (٧) دَنَسٌ ولا قَذَرٌ، ورضوانٌ من الله الذي هو أجلُّ من ذلك.

стр. 1364

ثم ذَكَرَ في آية أخرى خمسة منها: ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ﴾ [الحديد: ٢٠]، فاللعبُ راحة النفس، واللهو آفَتُها؛ فإن الدنيا رُتْبَةٌ وُضِعَتْ لبلاء الأعمال في الحسن والقبح، وجُبِلَتِ القلوب على المفاخرة، وحُبِّبَ (١) إليها المكاثرة، وقد ذَكَرَها في آيَةٍ أخرى فقال باختصار أَوْعَبَ (٢) من هذا، فقال: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ (٣) [العنكبوت: ٦٤]، إذ ذلك لجميعها. ثم من (٤) عَظِيم (٥) الفصاحة وسَعَةِ العِلم رَدُّ الكل إلى واحد، فقال: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠]، فإن العبد مُتَرَدِّدٌ بين عَقْلٍ وشَهْوَةٍ ولَمَّتَيْنِ؛ من المَلَكِ لَمَّةٌ بالعقل، ومن الشيطان لَمَّةٌ بالشهوة، ومن الله التوفيق للمَلَكِ، والخذلان للشيطان، والعِلْمُ الأوَّل والقلم (٦) السَّابق قد نَفَذَ، والكلُّ يصير إلى ما يصيرُ إليه، وإذا اتَّبع العبد مُناه، واتخذ إلهه هواه، وانقاد لكل ما يتمنَّاه (٧)؛ فذلك هَلَكُهُ، وينبغي أن يجعل المؤمنُ بين عَيْنَيْه حديث النبي ﵇ الصحيح (٨): "الدنيا سِجْنُ المؤمن، وجَنَّةُ الكافر" (٩).

стр. 1365

حكاية (١): كان سَهْلٌ الصُّعلوكي (٢) الفقيه (٣) من أهل (٤) خراسان (٥)، وكان (٦) ممَّن جمع رئاسة الدين والدنيا، خرج عليه يومًا وهو في موكبه من مِسْخَنِ حمَّام يهوديٌّ في أَطْمَارٍ سُخْمٍ (٧) من دخانه، فقال له: "ألستم تَرْوُونَ عن نَبِيِّكُم: "أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر"؟ وأنا عبد كافر وترى حالي (٨)، وأنت مؤمن وترى حالك، فقال له على البديهة: إذا سِرْتَ (٩) غدًا إلى عذاب الله كانت هذه جنتك، وإذا سرتُ (١٠) أنا إلى نعيم الله ورضوانه كان هذا سِجْنِي"، فعجب الخلقُ من فقهه وبداهته، والحديثُ صحيحٌ جِدًّا.

стр. 1366

ومن الحديث الحسن: "الدنيا سِجْنُ المؤمن وسِنَتُه، فإذا فارق الدنيا فارق السِّجْنَ والسِّنَةَ" (١). [حَقُّ الآدمِيِّ من الدنيا]: ولابن آدم أن يستوفي حقَّه كما قدَّمنا، ولا حساب عليه فيه، وليس له فيما سواه حق. صحَّ (٢) عن عثمان أن النبي ﷺ قال: "ليس لابن آدم حَقٌّ في سوى هذه الخصال؛ بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجِلْفُ الخبز والماء" (٣). قال النَّضْرُ بنْ شُمَيْل: "يعني بالجِلْفِ: ليس معه إدام" (٤). وصحَّ أن النبي قال: "ابن آدم؛ أن تَبْذُلَ الفضل خَيْرٌ لك، وأن تُمْسِكَه شَرٌّ لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تَعُولُ، واليدُ العليا خَيْرٌ من أليد السُّفْلَى" (٥).

стр. 1367

[مَثلُ الدنيا في حديث رسول الله ﷺ -]: وقد ضرب النبيُّ مَثَلَ الدنيا في حديث بَدِيع صحيح رتَّبناه في كتاب "قانون التأويل" (١)، بما نصُّه: فقال النبي ﷺ : "أيها الناس، والله ما أخشى عليكم إلا ما يُخْرِجُ الله لكم من زهرة الدنيا، قالوا: يا رسول الله، وما زهرة الدنيا؟ قال: بركات الأرض، فقالوا (٢) أو قال رجل: أيأتي الخير بالشر؟ فسكت عنه رسول الله، قلنا: ما شأنك؟ تُكَلِّمُ رسول الله ولا يُكَلِّمُكَ، قال: ورأينا أنه يُنْزَلُ عليه، فأفاق فمسح عنه الرُّحَضَاءَ، وقال: أين السائل؟ وكأنَّه حَمِدَه، فقال: إنه لا يأتي الخير إلَّا بالخير، ثلاثًا، وإنَّ ما يُنبت الربيعُ يقتل حبَطًا أو يُلِمُّ، إلَّا آكِلَةَ الخَضِر، أكلتْ حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلتْ عين الشمس فثَلَطَتْ (٣) وبالت، ثم رتعتْ، وأن هذا المال خَضِرٌ حُلْوٌ، نِعْمَ صاحب المسلم هو؛ لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل، وأنه من يأخذه بغير حقه فهو كالذي يأكل ولا يشبع" (٤). فضرب النبيُّ مثلًا لستة (٥): الربيع، البهيمة الهالكة بالأكل، اكلة الخضر، الشمس، ثَلَطَتْ وبالت، عادت فأكلت؛ لستة: لصاحب (٦) المال،

стр. 1368

الهالك بجَمْعِه وإيعابه، المجتزى منه باليسير الكافي، نور الإسلام، أداء (١) الحق (٢)، عاد فاكتسب. فانظروا - رحمكم الله - كيف يتحصَّل هذا المَثَلُ للمُعْتَبِرِينَ مع سلوك سبيل المهتدين، لكن بالإيجاز (٣) مع هذا الاستيفاء. وذلك أن المال في لسان الشريعة خَيْرٌ محمود، ومعنى ممدوح، كما قال: "نعم صاحب المسلم هو" بعد ذلك، ومع أنه خَيْرٌ في القرآن، ويعْمَ الصاحب في الحديث؛ فإنه مَخُوفُ العاقبة، لاحتماله النفع والضر، ووجود ذلك مُشَاهَدٌ (٤) فيه، والسَّائل في الحديث لكون الخير المرجو يأتي بالشر المَخُوفِ (٥)، سأل ذاهلًا عن انقسام حال المال وعن غلبة الشهوة باكتسابه وتَصَرُّفِ النفس فيه بأنواع لذَّاتها، فبيَّن لنا النبيُّ "أن الخير لا يأتي إلَّا بالخير" بالوحي المُنْزَلِ عليه، وأكدَّ ذلك ليقوى ثُبوته في القلب (٦)، ويتحقَّق أن ما صدر عن النبي كان عن عِلْمٍ أَسْمَعَه بيانَه بعد ذلك. فوقع التَّمْثِيلُ في البيان بين المال والمُكْتَسِبِ (٧) له، وبين البهيمة ورَتْعِها في زهرة الربيع، وهو: التقابل الأوَّل.

стр. 1369

وبين القَتْلِ حَبَطًا أو الإشراف على الموت حِسًّا، وبين الهلاك في الدين أو مقاربته حُكْمًا إن لم تتداركه بصيرة، وهو: التقابل الثاني. وبين المقتصد على كَسْبِ المال بقَدْرِ الكفاية وبين البهيمة المجتزئة بالخَصِرِ، وهو: التقابل الثالث. وبين الاهتداء بنور الشريعة في المال، وبين استقبال الماشية الشمس على طريق الاستمراء والاستراحة من الرَّتْعِ (١)، وهو: التقابل الرابع. وبين الثَّلْطِ والبول اللذين كانا يعودان لو بَقَيَا على الماشية بالهَلَكَةِ، وبين أداء الحق، وهو: التقابل الخامس. وبين العَوْدِ إلى الأكل بعد الاستراحة وإخراج الفضل، وبين العود إلى كسب المال بعد أداء الحق، وهو: التقابل السَّادس. إلى آخر تمام الكلام في تحقيق التمثيل على التفصيل، بما هو مُوَضَّحٌ في "قانون التأويل (٢) " (٣)، فعرَّف فيها الدنيا ومقدارها، وكيفية الانتفاع بها، وآفتها ومثالها (٤)، ووجه الخلاص منها، وفائدة الانكفاف عنها. ويُروى عن مالك بن أنس أنه قال: "الزهد التقوى"، ولم أحفظه، ولعله أراد: تَرْكَ الشبهات؛ فإنه كان له تَوَسُّعٌ في المباحات.

стр. 1370

[زُهَّادُ الصَّحابة]: والزُّهْدُ هو حَالُ أبي بكر وعمر وأبي ذَرٍّ وأبي الدرداء وتَمِيم الدَّارِي، ومن ماثلهم، وما أكثر الزهَّاد في الصحابة ﵃، وعبد الرحمن والزبير زاهدان، فلا تلتفت لرواية الجاهلين: "أنه يدخل الجنة حَبْوًا" (١)، ما يسبقه إليها أحد، والزبير لا يعادله بَشَرٌ، ولو تَتَبَّعْتُهم لك لرأيتَ أمرًا غريبًا يجهله الناس. ولن يلحق أَحَدٌ في الزهد منزلة عثمان؛ فإنه زَهِدَ في نفسه فباعها لئلا تهراق (٢) لمسلم مِحْجَمَةُ دَمٍ، وحتى لا تنشأ الفتنة من قِبَله ولا في أيَّامه، ودفع الكل عنه، واستسلم لأمر الله سبحانه. أحوالُ الزَّاهِدِ (٣): وهي سبعة (٤): الأوَّل: لباسُه؛ وقد تقدَّم في الحالة الأولى (٥).
следующие страницы →