← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

ومن الحديث الحسن: "الدنيا سِجْنُ المؤمن وسِنَتُه، فإذا فارق الدنيا فارق السِّجْنَ والسِّنَةَ" (١). [حَقُّ الآدمِيِّ من الدنيا]: ولابن آدم أن يستوفي حقَّه كما قدَّمنا، ولا حساب عليه فيه، وليس له فيما سواه حق. صحَّ (٢) عن عثمان أن النبي ﷺ قال: "ليس لابن آدم حَقٌّ في سوى هذه الخصال؛ بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجِلْفُ الخبز والماء" (٣). قال النَّضْرُ بنْ شُمَيْل: "يعني بالجِلْفِ: ليس معه إدام" (٤). وصحَّ أن النبي قال: "ابن آدم؛ أن تَبْذُلَ الفضل خَيْرٌ لك، وأن تُمْسِكَه شَرٌّ لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تَعُولُ، واليدُ العليا خَيْرٌ من أليد السُّفْلَى" (٥).

стр. 1367

[مَثلُ الدنيا في حديث رسول الله ﷺ -]: وقد ضرب النبيُّ مَثَلَ الدنيا في حديث بَدِيع صحيح رتَّبناه في كتاب "قانون التأويل" (١)، بما نصُّه: فقال النبي ﷺ : "أيها الناس، والله ما أخشى عليكم إلا ما يُخْرِجُ الله لكم من زهرة الدنيا، قالوا: يا رسول الله، وما زهرة الدنيا؟ قال: بركات الأرض، فقالوا (٢) أو قال رجل: أيأتي الخير بالشر؟ فسكت عنه رسول الله، قلنا: ما شأنك؟ تُكَلِّمُ رسول الله ولا يُكَلِّمُكَ، قال: ورأينا أنه يُنْزَلُ عليه، فأفاق فمسح عنه الرُّحَضَاءَ، وقال: أين السائل؟ وكأنَّه حَمِدَه، فقال: إنه لا يأتي الخير إلَّا بالخير، ثلاثًا، وإنَّ ما يُنبت الربيعُ يقتل حبَطًا أو يُلِمُّ، إلَّا آكِلَةَ الخَضِر، أكلتْ حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلتْ عين الشمس فثَلَطَتْ (٣) وبالت، ثم رتعتْ، وأن هذا المال خَضِرٌ حُلْوٌ، نِعْمَ صاحب المسلم هو؛ لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل، وأنه من يأخذه بغير حقه فهو كالذي يأكل ولا يشبع" (٤). فضرب النبيُّ مثلًا لستة (٥): الربيع، البهيمة الهالكة بالأكل، اكلة الخضر، الشمس، ثَلَطَتْ وبالت، عادت فأكلت؛ لستة: لصاحب (٦) المال،

стр. 1368

الهالك بجَمْعِه وإيعابه، المجتزى منه باليسير الكافي، نور الإسلام، أداء (١) الحق (٢)، عاد فاكتسب. فانظروا - رحمكم الله - كيف يتحصَّل هذا المَثَلُ للمُعْتَبِرِينَ مع سلوك سبيل المهتدين، لكن بالإيجاز (٣) مع هذا الاستيفاء. وذلك أن المال في لسان الشريعة خَيْرٌ محمود، ومعنى ممدوح، كما قال: "نعم صاحب المسلم هو" بعد ذلك، ومع أنه خَيْرٌ في القرآن، ويعْمَ الصاحب في الحديث؛ فإنه مَخُوفُ العاقبة، لاحتماله النفع والضر، ووجود ذلك مُشَاهَدٌ (٤) فيه، والسَّائل في الحديث لكون الخير المرجو يأتي بالشر المَخُوفِ (٥)، سأل ذاهلًا عن انقسام حال المال وعن غلبة الشهوة باكتسابه وتَصَرُّفِ النفس فيه بأنواع لذَّاتها، فبيَّن لنا النبيُّ "أن الخير لا يأتي إلَّا بالخير" بالوحي المُنْزَلِ عليه، وأكدَّ ذلك ليقوى ثُبوته في القلب (٦)، ويتحقَّق أن ما صدر عن النبي كان عن عِلْمٍ أَسْمَعَه بيانَه بعد ذلك. فوقع التَّمْثِيلُ في البيان بين المال والمُكْتَسِبِ (٧) له، وبين البهيمة ورَتْعِها في زهرة الربيع، وهو: التقابل الأوَّل.

стр. 1369

وبين القَتْلِ حَبَطًا أو الإشراف على الموت حِسًّا، وبين الهلاك في الدين أو مقاربته حُكْمًا إن لم تتداركه بصيرة، وهو: التقابل الثاني. وبين المقتصد على كَسْبِ المال بقَدْرِ الكفاية وبين البهيمة المجتزئة بالخَصِرِ، وهو: التقابل الثالث. وبين الاهتداء بنور الشريعة في المال، وبين استقبال الماشية الشمس على طريق الاستمراء والاستراحة من الرَّتْعِ (١)، وهو: التقابل الرابع. وبين الثَّلْطِ والبول اللذين كانا يعودان لو بَقَيَا على الماشية بالهَلَكَةِ، وبين أداء الحق، وهو: التقابل الخامس. وبين العَوْدِ إلى الأكل بعد الاستراحة وإخراج الفضل، وبين العود إلى كسب المال بعد أداء الحق، وهو: التقابل السَّادس. إلى آخر تمام الكلام في تحقيق التمثيل على التفصيل، بما هو مُوَضَّحٌ في "قانون التأويل (٢) " (٣)، فعرَّف فيها الدنيا ومقدارها، وكيفية الانتفاع بها، وآفتها ومثالها (٤)، ووجه الخلاص منها، وفائدة الانكفاف عنها. ويُروى عن مالك بن أنس أنه قال: "الزهد التقوى"، ولم أحفظه، ولعله أراد: تَرْكَ الشبهات؛ فإنه كان له تَوَسُّعٌ في المباحات.

стр. 1370

[زُهَّادُ الصَّحابة]: والزُّهْدُ هو حَالُ أبي بكر وعمر وأبي ذَرٍّ وأبي الدرداء وتَمِيم الدَّارِي، ومن ماثلهم، وما أكثر الزهَّاد في الصحابة ﵃، وعبد الرحمن والزبير زاهدان، فلا تلتفت لرواية الجاهلين: "أنه يدخل الجنة حَبْوًا" (١)، ما يسبقه إليها أحد، والزبير لا يعادله بَشَرٌ، ولو تَتَبَّعْتُهم لك لرأيتَ أمرًا غريبًا يجهله الناس. ولن يلحق أَحَدٌ في الزهد منزلة عثمان؛ فإنه زَهِدَ في نفسه فباعها لئلا تهراق (٢) لمسلم مِحْجَمَةُ دَمٍ، وحتى لا تنشأ الفتنة من قِبَله ولا في أيَّامه، ودفع الكل عنه، واستسلم لأمر الله سبحانه. أحوالُ الزَّاهِدِ (٣): وهي سبعة (٤): الأوَّل: لباسُه؛ وقد تقدَّم في الحالة الأولى (٥).

стр. 1371

الثانية: طعامه؛ وقد تقدَّم أيضًا بيانُه فيها (١). الثالثة: هَدْيُه؛ وهو المقصود، فينبغي ألَّا يكون فِعْلُه وحاله (٢) بخلاف كلامه، إن أَمَرَ فلا يُكَذِّبُه لباسُه، ولا يعترض عليه أَكْلُه، بل تكون أحواله الثلاثة متعاضدة. وقد نظر رافع بن خُدَيج إلى الأمير بالكوفة وهو يَعِظُ فقال: "انظروا إلى أميركم؛ يعظ الناس وعليه ثياب الفُسَّاقِ" (٣)، وكان عليه ثياب رِقَاقٌ. ونُجَدِّدُ العهد عندكم والتوصية لكم بأن يكون المرء في لباسه ومطعمه ومَشْرَبِه على الحالة الوَسِطَةِ إن وَجَدَ الحلال، فإن لم يجده؛ فعلى الأقل حتَّى لو لم يجد إلَّا ثوبًا من وَرَقِ المَوْزِ أو سَعَفِ النَّخْلِ فليَسْتَتِرْ به. وليس من الزهد تَرْكُ النِّكاح كما قدَّمنا، إلا أن يكون الرجل لا غَرَضَ له في النساء، ولا يَقْدِرُ على رِزْقِها من الحلال، أو يخاف الفتنة من قِبَلِها؛ فيكون تركُها أولى له. صَحِبَ رجلٌ عامرَ بن عبد قَيْسٍ في سَفَرٍ، فلمَّا عرَّس القومُ أصلح من متاعه ثم دخل غَيْضَةً، قال: "فصلَّى وجلستُ خلفه، فلمَّا كان من آخر الليل أو في السَّحَرِ قال: اللَّهم إني سألتك ثلاثًا فأعطيتني ثِنْتَيْنِ (٤) ومنعتني واحدة، اللَّهم فأعطينيها حتى أعبدك كما أريد، فلمَّا بَرَقَ الفَجْرُ التفتَ فرآني فقال: أنتَ منذ الليلة تراعيني؟ وشدَّ عليَّ لسانه (٥)، قلت: لَتُخْبِرَنِّي

стр. 1372

بهذه الثلاث أو لأخبرنَّ بحالك، فأخذ عليَّ العهد، ثم قال: سألتُ ربي أن يُذهب عن قلبي حب النساء ففَعَلَ، وألَّا أخشى غَيْرَه ففَعَلَ، وأن يُذهب عَنِّي النوم حتى أعبده الليل والنهار فمَنَعَنِيهَا" (١). وقال عامر: "وجدتُ الدنيا أربع خصال؛ المال، والنساء، والمطعم، والنوم، فأمَّا المال فلا حاجة لي فيه، وأما النساء فلا أبالي؛ رأيتُ امرأة أو رأيت جِدَارًا، وأمَّا الطعام والنوم فلم أجد منهما بُدًّا، وأيمُ الله لأُضِرَّنَّ بهما" (٢). فكان إذا جاء الليل جعله نهارًا (٣)، وإذا جاء النهارُ صام ونام. والذي عندي ما قلتُ لكم: إن النبي شَرِبَ الماء البارد والحُلْوَ، وكان يُعجبه ويستهديه (٤)، ويأكل ما (٥) وَجَدَ، ويصبر إذا فَقَدَ (٦)، وليس بنا مَعْدِلٌ عن سُنَّتِه في الحلال (٧). الرابعة (٨): مسكنه؛ وأفضلُه جَبَلٌ أو موضع خالي في هذا الزمان، أو قَعْرُ بيته إن أمكنه، حتى يدخل عليه فيه مَلَكُ الموت، والله يُعِيذُ من دُخُولِ

стр. 1373

ظالم عليه، وقد قال النبيُّ لمن قال له: "يُدخل عليَّ في بيتي"؟ قال: "كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل" (١). [فتنةُ الحَرَّةِ]: ولمَّا كان في فتنة الحَرَّةِ وخَلَعَ أهلُ المدينة يَزِيدَ (٢) بفُضُولهم؛ خرج عبد الله بن عمر عنهم في جماعة، وبقي أبو سعيد الخُدْرِي مُسْتَسْلِمًا لقضاء الله، فلمَّا أحاطت الجيوش بالمدينة وقُتِلَتِ الخَلْقُ؛ دخل أبو سعيد الخدري في غَارٍ في ذلك اليوم، فدخل عليه رَجُلٌ (٣) ثم خرج، فقال لرجل من أهل الشام: "أَدُلُّكَ على رجل تَقْتُلُه؟ فلمَّا انتهى الشامي إلى باب الغار قال لأبي سعيد - وفي عُنُقِ أبي سعيد السَّيْفُ -: اخرج إليَّ، قال: لا، وإن تدخل عليَّ أقتلك، فدخل الشَّامي عليه، فوضع أبو سعيد السَّيْفَ، وقال: بُؤْ بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار، وذلك جزاء الظالمين، فقال أبو سعيد الخدري: أنتَ، قال: نعم، قال: فاستغفر (٤) لي، قال: غفر الله لك" (٥).

стр. 1374

[حكاية]: وقد كان بالصخرة المقدَّسة شيخ صالح معتكف، مُلَازِمٌ عُمْرَه لها؛ ليلًا ونهارًا، شاهدتُ هَدْيَه، وعبدتُ الله بُرْهَةً معه، وكان قد حَفَرَ قبرًا في الطُّورِ بإزاء مسجد عمر بن الخطاب بالسَّاهرة، فكان يخرج إليه كل خميس ويضطجع فيه، ويقول: "هذا يا نفسي بيتُك، هذا مأواك، هذه دارُك، ما ادَّخرت لها؟ ما أعددت فيها؟ وإليها عن قَرِيبٍ المَصِيرُ، والأَمَدُ للمقام (١) فيها طويل"، ويبكي حتى تكاد نَفْسُه تذهب، ثم يعود إلى الصخرة المقدَّسة معتكفه (٢)، فقدَّر الله أن يقتله (٣) الرُّومُ على باب قُبَّةِ الصخرة؛ شهيدًا في جملة شهداء المسجد الأقصى، ولم يدفن فيه، صدق الله: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٤) [لقمان: ٣٤]. [تَتِمَّةُ الحديث في أحوال الزاهد]: فإن لم يَتَّفِقْ فدارٌ يبتاعها أو يَبْتَنِيها (٥)، ولا بأس أن تبْتَنِيها (٦) ببناء يَثْبُتُ؛ لئلَّا يحتاج في كل وقت إلى رَمِّها فيكون شُغْلًا، ولا يتطاول فيها بجَوْدَةِ صِفَةٍ ولا بارتفاع، إلَّا أن يخاف اللصوص؛ فليرفع حتى يأمن، ولو شاء ربُّك لمَنَعَ الإمامُ بنِيَّتِه وعَدْلِه اللصوص (٧)، ولكن لم يفعلوا؛ فاحتاج الناس إلى التحصين.

стр. 1375

وليس في البُنْيَانِ حديث صحيح إلَّا حديث المطاولة (١)، أَمَا إنَّ (٢) النبي تُوُفِّيَ ولم يضع لَبِنَةً على لَبِنَةٍ، وإنَّما كان عَرِيشًا كعَرِيشِ موسى. الخامسة: صَبْرُه على الحاجة إن عرضت به (٣)، أو نزلت به جائحة أو فاقة؛ لأنه (٤) قد بيَّنَّا أنه لا بد من معرفة المرء برَبِّه وبنفسه، وبما عنده، وبما يحتاج أن يصحبه ويتزوَّده؛ وهو العمل الصالح، حتى لا يظهر شيء من ذلك عليه، كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ (٥) [البقرة: ٢٧٣]. السِّمِيَّاءُ (٦) التي يُعْرَفُونَ بها رِضَاهُم بحُكْمِ المولى. وقيل: السِّيماءُ: التَّجَمُّلُ (٧)، كما قال: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: ٥]، في أحد (٨) الأقوال. وقيل: مجانبة أهل الدنيا. وقيل: أن يُؤْثِرَ على نفسه؛ حتى يتوهَّم المُعطي له أن الذي أعطاه غَنِيٌّ (٩).

стр. 1376

وقيل: هو ألَّا يدَّخر خَوْفَ (١) غَدٍ. وقيل: أن لا يسأل إلَّا الله؛ كما قال العبد الصالح: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]. المعنى: أنا محتاج إلى رِزْقِي الذي كتبته لي، فإن كان فأَوْصِلْه إليَّ، وارفع حاجتي به. وقيل: هو الذي يتعرَّض ولا يُصَرِّحُ بالسؤال، كما تقدَّم. السَّادسة: قد بيَّنَّا أنه لا يُناقض الزُّهْدَ قَبُولُ الخير من (٢) الدنيا إذا جاء، فقد كان الزهَّاد يقبلون عطاء الملوك، ومنهم من يَرُدُّه؛ وذلك إذا لم يخافوا أن يكون ثمنًا لدِينِهم كما تقدَّم، فإن صرَّح بالسؤال فليصدُق عن حاجته. سمعتُ بجامع الخَلِيفَةِ بمدينة السَّلام رجلًا يقول: "أيُّها الناس؛ تروحون إلى الجمعة في كسوتها، وليس لها عندي شارة مستجدَّة، فكساه أبو طاهر النَّرنيني (٣) أثوابًا (٤) للجمعة، فخرج فيها (٥) للثَّانية" (٦).

стр. 1377

وسمعتُهم يقولون: "اشتهيتُ كذا، اشتهيتُ كذا (١)، اشتهيتُ جِذَابَةً (٢) " (٣). والقَدْرُ الكافي (٤) منها إذا كان مُتْقِنًا بدينار؛ فيبدي التصريح بالحاجة، فمن أعطى عليها أُجِرَ، ومن أخذها لم يأثم، فإن كَذَبَ أو أَوْهَمَ في السؤال أنه يحتاج شيئًا وهو يَجِدُه (٥) فقد أَثِمَ، وإذا صرَّح بالسؤال فيه؛ إن كانت حاجه تعيَّن كشفُها، قال النبي ﷺ : "رُدُّوا السَّائل ولو بظِلْفٍ مُحْرَقٍ" (٦)، وإن كانت شهوة لم يلزم ذلك؛ وإن كانت فيه مَثُوبَةٌ. وحرَّم بعض الصوفية السؤال، قال: "وهو تَشْنِيعٌ من العبد على المولى" (٧). [نَقْدُ قول الصوفية: السؤال تشنيع من العبد على المولى] قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي ﵁: وهذا جَهْلٌ عظيم، ومُتاخمة للمعتزلة في حَمْلِ أفعال الله على أفعال العباد، ولقد أخبرنا الله أن

стр. 1378

من عباده فقيرًا وغنيًّا، وأمرنا بأن نَعُودَ على الفقراء، وذلك من حُكْمِه وحِكْمَتِه، فأيُّ تشنيع في أن يُخْبِرَ عن حاله التي تختصُّ به (١)؟ وقد أعلمنا الله بها في الجملة، فهذا من ذلك التفصيل. قالوا: "وفيها إذلالُ المرء نفسه" (٢). قلنا: وأيُّ ذُلٍّ في أن يُحِيلَك مولاك بنعمة أعطاها لك على (٣) عبد آخَرَ أخيك بحَقٍّ (٤) هو له عنده، الذُّلُّ على المسؤول لا على السَّائل؛ فإنه خازنُك، إن أعطاك ما أُمِرَ به أُجِرَ، وإن تردَّد أو تكرَّه أَثِمَ. قالوا: "وفيها إيذاء للمسؤول؛ لأنه إن سَمَحَ شَقَّ عليه مفارقة ماله، وإن بخل تصوَّر بصورة مذمومة" (٥). قلنا لهم: شَقَّ الله عليهم، ولمَ يبخلون بما آتاهم الله من فَضْلِه؟ أيحسبونه خيرًا لهم؟ بل هو شرٌّ لهم. ورَوَوْا في ذلك حديثًا عن النبي: "مسألة الناس من الفواحش" (٦). قلنا لهم: من أعظم الفواحش وأكبر الكبائر وأَشَدِّ الموبقات روايةُ هذا الحديث.

стр. 1379

وأمَّا تحريمُ السؤال للغني فلا خلاف فيه في الجملة، وإن اختلفوا في تفصيله، والذي يكشف القناع أن يُصَرِّحَ بسؤاله، إلَّا أن السلطانَ يسأله الغني والفقير لحقوقهم عنده، فالسؤال اليوم ذِكْرَى، حتى إذا مُنِعَ صَبَرَ (١) وأدَّى الذي عليه، وسأل الله الذي له. وقد لَبِسَ النبيُّ ثوبًا وهو محتاج إليه؛ فسأله إيَّاه رجلٌ (٢)، فأعطاه له، فلِيمَ على ذلك فقال: "أردتُ أن تكون (٣) كفني" (٤)، فهذا رجلٌ لم يسأل لغَرَضِ الحاجة، وإنَّما سأل لغرض البركة والتَّحَصُّنِ بثَوْبٍ لَبِسَه النبيُّ. وقد ذَكَرَتِ الصوفيةُ حكايةً جرت: "أن شَقِيقًا (٥) قَدِمَ على إبراهيم بن أدهم من خراسان، فقال له: كيف تركت الفقراء من أصحابك؟ قال: تركتهم؛ إن أُعطوا شكروا، وإن مُنِعُوا صبروا، قال له: كذا (٦) تركتُ كلاب بَلْخ، قال له شقيق: فكيف الفقراء يا أبا إسحاق عندك (٧)؟ قال: الذين إن مُنعوا شكروا، وإن أُعطوا أثَرُوا، فقبَّل رأسه وقال: صدقت يا أستاذ" (٨). وكلاهما درجتان شريفتان؛ الأولى حالة العُبَّاد، والثانية حالة الزُّهَّاد.

стр. 1380

السَّابعة: إذا كان عنده ما يكفيه فلا يسأل، وأقلُّه: قُوتُ يوم، وأكثُره: مسكن، وملبس، وخادم، وقوت شهر، وبين الحالتين منازلُ اختلف الناس فيها، والصحيحُ أن السؤال مع ذلك كله جائز؛ بالكشف عن الحقيقة إذا وجد مظنة رجاء، وتحقَّق بفضل (١) عطاء. [أحاديثُ المسألة الصحيحة]: وليس في الباب حديثٌ صحيح إلَّا اثنا عشر حديثًا: الأوَّل: حديث قَبِيصة: "إن المسألة لا تحل إلَّا لأحد ثلاثة؛ رجل تحمَّل حَمَالَةً، فحلت له المسألة حتى يصيبها، ثم يُمْسِك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحَلَّتْ له المسألة حتى يصيب قِوَامًا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحِجَا من قومه: أصابتْ فلانًا فاقةٌ، فحلَّت له المسألة، حتى يصيب سَدَادًا من عيش، وما سوى ذلك سُحْتٌ" (٢). [الثاني]: وقال ابن عمر: قال رسول الله: "ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس على وجهه مُزْعَةُ لحم" (٣). [الثالث]: وعن أبي هريرة: قال رسول الله: "من سأل الناس أموالهم تَكَثُّرًا فإنما يسأل جَمْرًا، فليستكثر أو ليستقل" (٤).

стр. 1381

[الرابع]: وعن معاوية: قال رسول الله: "لا يسألني أحد منكم شيئًا فتُخْرِجُه له مسألته وأنا له (١) كَارِةٌ فيُبارَك له فيه" (٢). [الخامس]: وعن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خيرٌ له من أن يأتي رجلًا فسأله (٣)؛ أعطاه أو منعه" (٤). [السَّادس]: وعن ثوبان: قال النبي: "من يضمن لي واحدة أضمن له الجنة؛ لا يسأل الناس شيئًا، فقال ثوبان: أنا، فكان لا يسأل أحدًا شيئًا" (٥)، وكان مَوْلَى رسول الله. [السَّابع]: وعنه: أنه قال ﷺ : "ليس المسكين الطوَّاف؛ الذي تَرُدُّه اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، إنما المسكين الذي لا يجد غِنًى يُغنيه، ولا يُفطن له فيُتصدَّق عليه، ولا يسألُ الناس شيئًا" (٦).

стр. 1382

وفي أخرى: "إنَّما المسكين الذي يتعفَّف، اقرؤوا إن شئتم: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] " (١). [الثامن]: وقال أبو سعيد: "إن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم؛ حتى نفد ما عنده، ثم قال: ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يتصبَّر يُصَبِّرْهُ الله، وما أُعْطِيَ أحدٌ عطاء هو خير وأوسع من الصبر" (٢). فهذه الصِّحَاحُ كلُّها في الباب. [التاسع]: وروى الترمذي وأبو داود والنسائي عن ابن مسعود: قال النبي ﷺ : "من سأل وله ما يُغنيه جاءت خُمُوشًا أو كُدُوحًا في وجهه يوم القيامة، قيل: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: خمسون درهمًا، أو حسابها من الذهب" (٣). [العاشر]: وروى النسائي عن عمرو بن شُعَيب عنه: "من سأل وله أربعون درهمًا فهو مُلْحِفٌ" (٤).

стр. 1383

[الحادي عشر]: وروى مع أبي داود عنه: "من سأل وله أُوقِيَّة فقد أَلْحَفَ" (١)، وهي: الأربعون درهمًا. [الثاني عشر]: وروى الثلاثة عن سَمُرَةَ: قال النبيُّ ﷺ : "المسألة كُدُوح بكدح بها الرجل وجهه، فمن شاء كدح، ومن شاء ترك، إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان، أو شيئًا لا يَجِدُ منه بُدًّا" (٢). [فوائدُ أحاديث المسألة]: قال الإمام الحافظ (٣) ﵁: فتَنَخَّلَ من صحيح الحديث خمسة معاني: الأوَّل: أن العِفَّةَ وتَرْكَ السؤال أفضل. الثاني: أن السؤال جائز؛ حتى يَجِدَ سَدَادًا من عَوَزٍ غير مفسر. الثالث: أن في الأحاديث الحِسان: "أن الأُوقِيَّةَ تمنع المسألة"، وذلك - والله أعلم - للواحد، فأمَّا ذو العيال فقد تَنْقُصُ عن كِسْوَتِهم ونَفَقَتِهم. الرابع: أن المسألة تُؤَثِّرُ في جاه الرجل ومنزلته عند الله يوم القيامة.

стр. 1384

الخامس: أنها إن كانت باطلة عن غير حاجة فهي جَمْرُ جهنم، فليَسْتَكْثِرْ أو ليَسْتَقِلَّ، فإن (١) كان لا يَقْدِرُ على جُزْءٍ من ذلك ولا يحتمل، فلا شَيْء أحسن له من العِفَّةِ، فيَكْتَسِبُ صِفَةَ "المُتَوَكِّلِ". * * *

стр. 1385

[المُتَوَكِّلُ]: وهو الاسمُ الثاني والثلاثون وحقيقتُه: الذي اتَّخَذَ وكيلًا. وهو في العربية (١): عبارةٌ عن الذي وُكِلَتْ إليه الأمور وأُلْقِيَتْ إليه المقاليد (٢). ولم يعلم تأويله أهل اللغة، ولا تفطَّن لحقيقته رؤساؤها (٣). والذي بيده جميعُ الأمور وله مقاليد السماوات والأرض هو (٤) الله، فهو الوَكيلُ حقيقةً (٥)، قال سبحانه: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥]. وقال: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٢]. وقال تعالى مُخْبِرًا عن المؤمنين ومُعَلِّمًا لهم التوحيد لرب العالمين: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. فإذا اتخذه العبدُ وكيلًا وتحقَّق هذا الاسم له، وسلَّمه عَقْدًا وفعلًا فهو المُتَوَكِّلُ حقيقة؛ قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣].

стр. 1386

وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: ١٢]. وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]. وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقال: ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧]. وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٦ - ٢١٧]. وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان: ٥٨]. وقال ﷺ : "يدخلُ الجنة من أُمَّتِي سبعون ألفًا بغير حساب، وهم الذين لا يكتوون، ولا يتطيَّرون، ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عُكَّاشَةُ بن مِحْصَنٍ فقال: ادع الله يا رسول الله أن يجعلني منهم، قال: أنت منهم، ثم قام آخر، فقال: ادع الله يا رسول الله أن يجعلني منهم، قال: سبقك بها عُكَّاشَةُ" (١). وصحَّ عن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله قال: "من اكتوى أو استرقى فقد بَرِئَ من التوكل" (٢). وصحَّ عن عمر بن الخطاب: أن النبي قال: "لو توكلتم على الله حق توكله لرُزقتم كما تُرزق الطير؛ تغدو خِمَاصًا وتروح بِطَانًا" (٣).

стр. 1387

وصحَّ عنه من طريق أنس: قال: "كان أخوان على عهد النبي؛ فكان أحدهما يأتي النبي، والآخَر يحترف، فشكى المحترفُ أخاه إلى النبي، فقال له النبي: ولعلك تُرْزَقُ به" (١). وليس وراء هذه الأحاديث في الباب شيء يُعَوَّلُ عليه، فهذه آياتُه وأحاديثُه الصِّحَاحُ التي يُعَوَّلُ عليها. فمَدَحَ الله التَّوَكُّلَ وأَمَرَ به، وحقيقتُه كما قدَّمنا: اتخاذُ الوكيل، وهو الذي يَكْفِيكَ العمل، ويُبَلِّغُكَ الأمل، وإنَّما يكون ذلك بشرطين: أحدهما: القدرة. والثاني (٢): الصدق. فإذا عَلِمْتَ صاحبَك قادرًا على ما تُلْقِي إليه، صادقًا فيما يَعِدُكَ به؛ اتخذته وكيلًا، واعتمدت عليه كَفِيلًا، ووثقته جميلًا. والعبدُ خُلِقَ محتاجًا، ومولاه قادر، وقد وَعَدَه (٣) بالرزق والكفاية، وأَمَرَه بالطاعة والعبادة، فإذا تحقَّق قُدْرَتَه وعَلِمَ صِدْقَه اتخذه وَكِيلًا، ورَضِيَ به كفيلًا، وتَوَكَّفَ منه فِعْلًا جَمِيلًا، وعَكَفَ على بابه بخدمته وعبادته بُكْرَةً وأصيلًا. وبهذ المعنى قال المؤمنون حين غلبهم الكافرون واستولى عليهم الخوفُ من جهتهم: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، وقيل (٤) لهم: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 1388

وأخبرهم أنه يُحِبُّهم، وبالمحبة تَتَأَتَّى الآمال؛ فإنها تُزْعِجُ النفس إلى قضاء حاجة المحبوب، وبه قيل للنبي ﷺ : ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ الذي لا يُغْلَبُ (١)، ﴿الرَّحِيمُ﴾ (٢) الذي عَمَّتْ رحمتُه كل شيء ووَسِعَتْ، وانتهت إلى المُوَحِّدِ والمُلْحِدِ وبلغت، فإن عَدَلَ عن هذا معه واتَّهمه ولم يَثِقْ بمَوْعُودِه؛ فجعل يطلبُ رِزْقَه من حيث لم (٣) يؤمر به، ويُضِيعُ عمله الذي أُمر به؛ فقد نَقَضَ توحيده، وعَدِمَ تسديده. ولذلك قال العلماء - رحمة الله عليهم -: "إن الله قال لخَلْقِه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، فوَكَلَهم في الثواب إلى العمل، وضمن لهم الرزق فقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وأخبر أنه مُخْتَزَنٌ في السَّماء بقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١]، وقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، وأَقْسَمَ على ذلك بقوله: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] ". فقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾: إخبارٌ منه سبحانه أنه لا يعطيه إلَّا على سعيه، وهو مُعْطِي الشيء (٤) في أصله، وواهبُ الإرادة في وصفه، والهادي إليه، والمتفضل به، والمُجازي عليه.

стр. 1389

[أقسامُ السَّاعين]: والسَّاعُونَ سبعةُ أقسام: الأوَّل: ساعٍ (١) للدنيا؛ فذلك الذي خَسِرَتْ صفقته (٢). والثاني (٣): سَاعٍ للآخرة؛ فذلك الذي شُكِرَ سَعْيُه، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٨ - ١٩]. والثالث (٤): سَاعٍ في تعجيل الجنة؛ فذلك الذي ربحت صفقته (٥). الرابع: ساعٍ في قهر نفسه؛ وذلك الواصل إلى رضوان الله (٦). الخامس: ساعٍ إلى الإرادة؛ وذلك الذي يتولَّى الله عونه (٧). السَّادس: مُذنِبٌ ساعٍ إلى التوبة؛ فذلك الذي يرجو القبول والمغفرة (٨). السَّابع: ساعٍ إلى الله في كل نَفَس، فهو غير مطرود عن الله ولا مُحْتبَس (٩).

стр. 1390

[قولُه تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾] قال علماؤنا: "ما قال الله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] إلَّا ليُرِيحَ القلوب عن تَعَبِ (١) التقسيم والافتكار، ومجانبة الازدحام في طلب الرزق" (٢). وقد قال النبيُّ ﷺ : "إذا أُحِيلَ أحدُكم على مليءً فليَتْبَعْ" (٣)، وقد أحالكم على نفسه، فمَنِ الجاهلُ الذي يجعل إلى سواه ثِقَةَ قلبه وأُنْسَ نفسه؟ قال المُحَقِّقُونَ: "وإذا كان الرِّزْقُ على الله فمن المحال طَلَبُه من غير الله، ثم إن الرزق الذي أحال عليه وأخبر أنه ضَمِنَه في السماء؛ وما كان في السماء لا يوجد في السوق، ولا في الطواف في المشرق والمغرب، ومن الحق على كل مؤمن أن يطلبه في مظانه، وأن يستخرجه من أماكنه ومكامنه، وإذا كان في السماء فلا يُنزله إلَّا الذي يرقى إلى (٤) السماء؛ وهو الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعمل الصالح" (٥). نكتة: قال علماؤنا: "لمَّا ضَمِنَ الله الرزق وأخبر أنه في السماء لم يُعْلِمْ بمقداره، ولا قال للناس: لكم ما يكفيكم، ولكم ما تشتهيه نفوسكم، بل

стр. 1391

تركه موكولًا إلى مشيئته، فمن شاء وسَّع رزقه، ومن شاء قَتَرَه، ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢]، فلمَّا سمع المؤمنون ذلك أيقنوا بالعلم، واطمأنت نفوسهم بالحق؛ فسلَّموا للمولى حُكْمَه في عبيده، فالأغنياءُ سكنوا إلى المعيشة، وعكفوا على ما بأيديهم من المال، والفقراء قنعوا بقوله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ﴾، فلم يتجاوزوه، وقالوا: أنت تكفينا أنت، حُكْمُك فينا ماضٍ، وكلنا بك راض، وليس منَّا لما عندك من مُتَقَاضٍ" (١). وقد بيَّن النبيُّ ذلك للأنصار حين عزَّ عليهم إعطاءُ النبي من الغنائم لسواهم وتركهم، وقالوا: "إذا كان الفَزَعُ دُعِينَا، فإذا كان العطاء نُسِينَا، فجمعهم النبي في قبة من أَدَم، ثم قال: ما حديثٌ بلغني عنكم؟ فصَدَقُوه، فقال: أما ترضون أن يرجع الناس بالشاء والنَّعَم (٢) وترجعون برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفسي بيده لمَا تنقلبون به خيرٌ مما ينقلبون به، فقالوا: رضينا، رضينا" (٣). وبيَّن الحكمة في ذلك فقال: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: ٢٠]؛ استفهامٌ في معنى الأمر عند بعضهم (٤)، وحقيقتُه (٥) التثبيت.

стр. 1392

معناه: إن رَضِيتُمْ فُزْتُمْ، وإن اعترضتم لم تبلغوا آمَالَكم وهَلَكْتُمْ. [قولُه تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ﴾] وأمَّا قوله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ﴾؛ ففيه سبعة أقوال (١): الأوَّل: في السَّحاب. الثاني: قسمة رزقكم، يعني: مكتوبًا. الثالث: من جُعِلَ ذْلك إليه من الملائكة. [الرابع]: وقيل: ما توعدون ابتداءً، المعنى: آت. [الخامس]: وقيل: الخير والشر. [السَّادس]: وقيل: الخير خاصة، وقيل: الشر خاصة. [السَّابع]: وقيل: الجنة، وقيل: الجنة والنار. فهذه سبعة أقوال كلها صحيح، إلَّا النار؛ فليست في السماء، وإنَّما هي في الهاوية، وإنَّما هو شيء تُقُوِّلَ على الضحَّاك (٢)، وهو رأي الفلاسفة، ولا قول أفسد منه. والخَيْرُ في السماء (٣)، والشَّرُّ في السماء (٤)، والجَنَّةُ في السماء

стр. 1393

موجودةٌ ذاتًا؛ هي فوق السماوات، وفوقها عَرْشُ الرحمن، كما تقدَّم في الحديث الصحيح (١). وسَمِعَ بعضُ العرب هذه الآية فقال: "من اللئيم الذي أَحْوَجَ الكريم إلى اليمين؟ " (٢). [نكتة في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾] وقد أَقْسَمَ الباري أنه حَقٌّ كما تنطقون، وخَصَّ النطق لأنَّ به طلبوه، وبه أنكروه، ولأنَّ النطق لا يتشكَّل في المِرْآةِ؛ لأن كلام الإنسان لا يتكلَّم به غيرُه، فكذلك رِزْقُه لا يأكلُه غيرُه (٣)، ولأنه لا تدخله استحالة. وقيل: لأنه الخصِّيصة للإنسان من سائر الحيوان. فيَنْزِلُ الرزقُ - من السماء - الهُدَى على قلوب الأولياء، وتنزل الطاعة على جوارح الأولياء، وينزل الصدق على ألسنة الأصفياء، وينزل النُّورُ على الصُّدُورِ، وينزل القوت (٤) على المتوكلين، وتُصَبُّ الدنيا على المفتونين، وينزل الحرمان على أهل الحرص، وينزل الفقر على الخاصَّة، وينزل الحرام على المطرودين، وينزل الكفر والجحود على الظالمين، وينزل المَكْرُ على المغترين، وينزل الذُّلُّ على المتكبرين، وينزل العِزُّ على المتواضعين، وهكذا إلى آخر صفات الآدَمِيِّينَ؛ قضاءٌ محتومٌ، ورِزْقٌ مقسومٌ.

стр. 1394

[مؤانسةُ رسول الله بالتوكُّل حين تعرضه لأذى المشركين]: وقد آنَسَ الله رَسُولَه (١) بالتَّوَكُّلِ عن مَذَلَّةِ المشركين؛ حين طرحوا عليه النَّجَاسَةَ وهو سَاجِدٌ، وخَنَقُوهُ بثَوْبِه حتى كاد يَمُوتُ، بقوله له: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٢)، أي: أنت (٣)، أنت (٤) عبده، فليست هذه مَذَلَّةً؛ لأنها تحت قدرة الإزالة. وإذا سكَتَ القادرُ على السَّبِّ عن الجواب (٥) فهو جَوَابٌ في عِزٍّ، وإذا (٦) عفا عن الانتصار مع القدرة فهو غاية الجاه والتَّمَكُّنِ (٧). ثم قال: ﴿الرَّحِيمُ﴾، معناه: أنه ما مَكَّنَ منك إلَّا رَحْمَةً لك، ورحمةُ الله تُدْرَكُ بالإذاية أكثر من العناية؛ لحكمة بالغة ليست من هذه العلوم الأربعة (٨).

стр. 1395

ثم قال: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨]، هو رَأْيُ الإذاية، ورَأْيُ الانتصاب للعبادة. ثم قال: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩]، وهي غاية الطاعة، وأَقْرَبُ ما يكون العَبْدُ من رَبِّه في سجوده. وقيل: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾، أي: بتقلبك (١) في أصلاب المُوَحِّدِينَ الطَّاهرين؛ من الأنبياء (٢) والمرسلين (٣). المعنى: فَثِقْ به في العصمة، واعلم أنك في جنَّاتك بين بَلَاءٍ ونعمة في (٤) رحمة (٥). حالُ التفويض: ثم قال له (٦): ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، معناه: فَوِّضِ الأمور إليَّ، وهو التَّخَلِّي عن التَّعَلُّقِ بالأسباب، كما تقدَّم من قول النبي للرجل: "قل: أسلمتُ لله وتخلَّيت" (٧)، وهي غاية الإيمان والتوحيد، وهو (٨):

стр. 1396

الاسمُ الثالث والثلاثون: المُفَوِّضُ (١) أخبرني الطُّيُورِي وابنُ الأكفاني: عن الشيخ الصالح ابن سِكِّينَة (٢) عن بكر بن شاذان الواعظ عن جعفر بن محمد بن نُصَير (٣) عن محمد بن الحسن بن بكر الشيباني: نا محمد بن إسماعيل بن الحباب (٤) الحِمْيري (٥) عن أبيه (٦): "فذكر محنة الشافعي، وأنه حُمِلَ إلى الرشيد مُقَيَّدًا، وأُحْضِرَ بين يديه، وأُجْلِسَ له بِشْرٌ المَرِيسِي، فسأله عن التوحيد فقال: لا تَتَّهِمْه ولا تَتَوَهَّمْه (٧)، فأُبْهتَ بِشْرٌ".

стр. 1397

ولله دَرُّه (١)، فلقد جَمَعَ العِلْمَ بالله في كَلِمَتَيْنِ. [حقيقةُ التفويض]: وبناءُ "ف وض" في العربية للإرسال من الضبط وحَلِّ الرَّبْطِ. فإذا حَلَّ العبدُ نفسه عن رباط الأسباب وتعلَّق بمُسَبِّبِها فهو المُفَوِّضُ، وهو غاية التوكل، قال تعالى مُخْبِرًا عن العبد الصالح: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٤]. ومن عَلِمَ أن الحادثات كلها حاصلة من الله، ولا يقدر على الإيجاد أحدٌ إلا هو، فإذا (٢) عَرَفَ هذا الأصل وتَحَقَّقَ هذا المعنى تبيَّن له أن مراده لا يحصل له إلَّا من قِبَلِ الخالق المُوَحَّدِ، وهو الله وحده، وهذا فَرْضٌ على كل أَحَدٍ عِلْمُه، وهو شرط الإيمان (٣)، ومن لم يعتقده كافر بالله، وهو معنى قوله سبحانه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]. [درجاتُ التفويض]: وما زاد على هذا القَدْرِ فهي درجات، حتى ينتهي إلى التخلي؛ فيَسْكُنُ قَلْبٌ لهذا الاعتقاد، وينزعج آخَرُ، والناسُ في السُّكُونِ والانزعاج على درجات، ولكل دَرَجَةٍ من هذه الأقسام اسمٌ؛ من حيث الاشتقاق تارة، ومن حيث الاصطلاح أخرى (٤)، أُمَّهَاتُها سِتٌّ:

стр. 1398

الدَّرَجَةُ الأولى: أن يكتفي المَرْءُ بما في يده (١)، فلا يطلب زيادة عليه؛ فيريح نفسه من تعلق الامال، وبدنه من كَدِّ الطلب، واسم هذه الحالة القناعة (٢)، واسم المتلبس بها "القانع"، وهو من "الأسماء"، ووَرَدَ هذا اللفظ في الأحاديث الحِسَانِ، وليس له في الصحيح مورد، إلا أنه ثبت وصحَّ عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله قال: "قد أفلح من أسلم وكان رِزْقُه كفَافًا وقَنَّعَهُ الله" (٣)، خرَّجه الترمذي وغيره. وعن فَضالة بن عُبَيد نحوُه، وفيه: "وقَنَعَ" (٤)، وصحَّحه أيضًا. الدرجة الثانية: أن يَسْكُنَ قلبُه إذا عَدِمَ الأسباب، فيكون مُتَوَكِّلًا بإرادته، واثقًا بوعده (٥). الدرجة الثالثة: أن يطلب معاشه ويكون ساكن القلب، رابط الجأش، واثقًا بالوعد، وهو "المُتَوَكِّلُ" (٦)؛ كما قال النبيُّ: "لو توكَّلتم على الله حق توكله لرُزقتم (٧) كما تُرزَق الطير؛ تغدو خِمَاصًا، وتروح بطَانًا" (٨)، فحَقِّقِ التوكل مع الغُدُوِّ في طلب الرزق والرواح.

стр. 1399

الدرجة الرابعة (١): أن يُغْلِقَ على نفسه باب البيت، ويفتح بينه وبين الله باب السماء بالذِّكْرِ والعبادة، فذلك هو آخِرُ التفويض، وعليه كانت مريم - رضوانُ الله عليها وصلاتُه -. وقد كان بعضُ الصالحين قيل له: "أرأيت لو أغلقتَ على نفسك باب بيتك؛ أكان الرزقُ يأتيك؟ قال: نعم، ولا بدَّ، ويدخل عليَّ (٢) من كُوَّةٍ في أعلاه، قيل له: فجَرِّبْ، قال: قد جرَّبته تسعة أشهر" (٣). والتجربةُ بإجماع العلماء تَثْبُتُ بثلاث مرَّات. الدرجة الخامسة: إن (٤) فَعَلَ ذلك فحُرِمَ؛ أن يستوي عنده المَنْعُ والعَطَاءُ (٥)، وصاحبُ هذه الدرجة يُسَمَّى "الراضي" (٦). * * *

стр. 1400

الرَّاضِي (١): وهو الاسمُ الرابع والثلاثون وإذا وَجَدَ العبدُ بَرْدَ الرِّضَى فقد تعجَّل رضى الله في الدنيا، وذلك الذي أيَّده الله برُوح منه، يُؤَيَّدُ (٢) بعَقْدٍ خالص وحالة حسنة، وليس بعد هذا مَنْزِلٌ يرتقي إليه في الدنيا، إلَّا أن علماء الصوفية (٣) يزعمون أن هنالك درجة سادسة، وهي: "استيلاءُ سلطان الحقيقة بما يأخذُ العبدَ عن جملته بالكُلِّيَّةِ، فتكون العبارة عن هذه الحالة الخمود والاستهلاك والفناء" (٤). [نَقْدُ القُشَيري في قوله باستيلاء سلطان الحقيقة على العبد وذهوله بها]: قال الإمام الحافظ ﵁: وهذا لا يُتصوَّر عندنا في الآدَمِيَّةِ، ولا في الحياة الدنيوية، وإنَّما العبارات المعتادة المألوفة الممكنة هي أن يكون العبدُ كالطفل في المَهْدِ، لا شيء (٥) من قِبَله إلَّا (٦) أن يُرْضِعَه من هو في

стр. 1401

حضانته (١)؛ فتزول نفسه عن الاستشراف، ويَفْرُغُ قلبُه عن تعب الانتظار، وإذا جرت المقادير عليه سَكَنَ. وقد قالوا: "إذا وَثِقَ القلبُ بمجاري القِسْمَةِ لم يضرَّه الكَسْبُ، ولا قَدَحَ في تَوَكُّلِهِ" (٢). وقد قالوا: "إنَّ المتوكلين العوام إذا أُعْطُوا شكروا، وإذا مُنِعُوا صبروا" (٣)، وقد تقدَّم ذَمُّ (٤) ذلك (٥)، "والخواص الذين إذا أُعْطُوا أثَرُوا، وإذا مُنِعُوا شكروا" (٦)، وقد تقدَّم مَدْحُه (٧). ومن فَضْلِ الله أنه يَجُودُ على العبد تارةً بتيسير الأسباب من حيث لا يحتسب ولا يكتسب، ويَجُودُ على الأولياء من غير طَلَبٍ (٨). التَّوَكُّلُ في الأسباب الأخروية: ومن حكمة الله أنه جعل التوكل في الأسباب الدنيوية إلى حَدٍّ (٩)، فأمَّا التوكل على الله في إصلاح أمور الآخرة فهو غامض على الأكثر، خَفِيٌّ على الأعظم.

стр. 1402

فمن "فوائد أبي سَعْدٍ (١) الشهيد (٢) "في شأن التوكل: "أمَّا الأسباب الدنيوية فالواجبُ أن يكون السُّكُونُ عند طلبها غالبًا، والحركة ضرورية، وأمَّا في أمر الآخرة وما يتعلَّق بالطاعات فالواجبُ البِدَار والجِد، والانكماش والخروج عن أوطان الكسل، وترك الجُنوح إلى الفشل، والذي يتصف بالتَّوَانِي في العبادات، ويتباكى في تلافي ما ضيَّعه من إرضاء الخصوم، والقيام بحق الواجبات، ثم يعتقد في نفسه أنه يَتَوَكَّلُ على الله في أن يعفو عنه فهو مُتَمَنٍّ (٣) معلول الحال، مَمْكُورٌ مُستدرَج، بل الواجب أن يبذل جهده ويستفرغ وُسْعَه، ثم لا يعتمد على طاعته، بل يبرأ لله من حوله وقوَّته، ويُعَوِّلُ بعد الاجتهاد في العمل على رحمته، ولا يخلو لحظة عن (٤) مخافته، وهم الذين وصفهم الله بقوله: ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٨ - ٥٩]. يعني: صبروا على العمل، ودأبوا في الطاعة، وتوكَّلوا بعد ذلك كله (٥) على الله في القبول" (٦). نَعَم؛

стр. 1403

المُتَمَنِّي: وهو الاسمُ الخامس والثلاثون قد يُحْمَدُ (١) في تعلق البال بصالح الأعمال، وأَكْرَمُ (٢) الأسباب في نَيْلِ الآمال، وقد حصرتُ منها وُجُوهًا أُصُولًا لغيرها، وهي أحد عشر: [ما يُحْمَدُ من التمني]: الأوَّل: تَمَنِّي الشهادة في سبيل الله؛ ما لم يعارضها تَفْوِيتُ فَضْلٍ آخر بها (٣)، لقول عمر: "اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، ووفاة ببلد رسولك" (٤)، فكان يخاف من فوات الموت بدار (٥) الهجرة؛ لقول النبي ﷺ : "ولكن البائس سعد بن خولة، يَرْثِي له رسولُ الله أن مات بمكَّة" (٦).

стр. 1404

قال النبيُّ ﷺ : "وددت أني أُقتَل في سبيل الله ثم أُحيى، ثم أُقتَل ثم أُحيى، ثم أُقتَل ثم أُحيى، ثم أُقتَل (١)؛ ثلاثًا، يقول أبو هريرة: أشهد لله، ثلاثًا (٢) " (٣). الثاني: تَمَنِّي الموت لفساد الدين. الثالث: تَمَنِّي الاستدراك لما فات، كقول النبي: "لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما سُقْتُ الهَدْيَ، ولجعلتها عُمْرَةً" (٤)؛ لما رأى في أصحابه من مَشَقَّتِهم في خروجه عنهم بأن يكون وحده في حَجَّتِه قارنًا بين الحجة (٥) والعمرة، وقد أمرهم بفَسْخ الحج، وأن يكون كلهم متمتعًا إلا آحَادًا، منهم: علي (٦)، وأبو موسى؛ لعِلَل بيَّنَّاها في "شرح الحديث". الرابع (٧): تَمَنِّي الخير المستقبل، منه قَوْلُ النبي: "لا حسد إلَّا في اثنتين؛ رجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل والنهار، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويُعَلِّمُها" (٨).

стр. 1405

ونَحْوٌ منه قَوْلُه: "لو كان عندي أُحُدٌ ذَهَبًا لأحببتُ أن لا يَمُرَّ (١) عليَّ ثالث (٢) وعندي منه درهم، ليس شيء أرصده في دَيْنٍ عليَّ أجدُ من يَقْبَلُه" (٣)، وفيه تَمَنِّي زوال الدنيا إذا خاف مُنتزعًا. الخامس: تَمَنِّي العصمة من الآفات الدنيوية بالأسباب، قالت عائشة: "أَرِقَ النبيُّ ليلة فقال: ليت رجلًا صالحًا (٤) من أصحابي يحرسني الليلة، إذ سمعنا صَوْتَ السلاح، قال النبي: من هذا؟ قال: سعد، جئت لأحرسك، فنام النبي حتى سمعتُ غَطِيطَه" (٥). السَّادس: تَمَنِّي الاستكثار من الأعمال الصالحة والصبر عليها، قال النبي: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ووضوء" (٦)، وقال: "لولا أن أشق على أمتي لأخَّرت العشاء إلى نصف الليل" (٧).
следующие страницы →