← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

حضانته (١)؛ فتزول نفسه عن الاستشراف، ويَفْرُغُ قلبُه عن تعب الانتظار، وإذا جرت المقادير عليه سَكَنَ. وقد قالوا: "إذا وَثِقَ القلبُ بمجاري القِسْمَةِ لم يضرَّه الكَسْبُ، ولا قَدَحَ في تَوَكُّلِهِ" (٢). وقد قالوا: "إنَّ المتوكلين العوام إذا أُعْطُوا شكروا، وإذا مُنِعُوا صبروا" (٣)، وقد تقدَّم ذَمُّ (٤) ذلك (٥)، "والخواص الذين إذا أُعْطُوا أثَرُوا، وإذا مُنِعُوا شكروا" (٦)، وقد تقدَّم مَدْحُه (٧). ومن فَضْلِ الله أنه يَجُودُ على العبد تارةً بتيسير الأسباب من حيث لا يحتسب ولا يكتسب، ويَجُودُ على الأولياء من غير طَلَبٍ (٨). التَّوَكُّلُ في الأسباب الأخروية: ومن حكمة الله أنه جعل التوكل في الأسباب الدنيوية إلى حَدٍّ (٩)، فأمَّا التوكل على الله في إصلاح أمور الآخرة فهو غامض على الأكثر، خَفِيٌّ على الأعظم.

стр. 1402

فمن "فوائد أبي سَعْدٍ (١) الشهيد (٢) "في شأن التوكل: "أمَّا الأسباب الدنيوية فالواجبُ أن يكون السُّكُونُ عند طلبها غالبًا، والحركة ضرورية، وأمَّا في أمر الآخرة وما يتعلَّق بالطاعات فالواجبُ البِدَار والجِد، والانكماش والخروج عن أوطان الكسل، وترك الجُنوح إلى الفشل، والذي يتصف بالتَّوَانِي في العبادات، ويتباكى في تلافي ما ضيَّعه من إرضاء الخصوم، والقيام بحق الواجبات، ثم يعتقد في نفسه أنه يَتَوَكَّلُ على الله في أن يعفو عنه فهو مُتَمَنٍّ (٣) معلول الحال، مَمْكُورٌ مُستدرَج، بل الواجب أن يبذل جهده ويستفرغ وُسْعَه، ثم لا يعتمد على طاعته، بل يبرأ لله من حوله وقوَّته، ويُعَوِّلُ بعد الاجتهاد في العمل على رحمته، ولا يخلو لحظة عن (٤) مخافته، وهم الذين وصفهم الله بقوله: ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٨ - ٥٩]. يعني: صبروا على العمل، ودأبوا في الطاعة، وتوكَّلوا بعد ذلك كله (٥) على الله في القبول" (٦). نَعَم؛

стр. 1403

المُتَمَنِّي: وهو الاسمُ الخامس والثلاثون قد يُحْمَدُ (١) في تعلق البال بصالح الأعمال، وأَكْرَمُ (٢) الأسباب في نَيْلِ الآمال، وقد حصرتُ منها وُجُوهًا أُصُولًا لغيرها، وهي أحد عشر: [ما يُحْمَدُ من التمني]: الأوَّل: تَمَنِّي الشهادة في سبيل الله؛ ما لم يعارضها تَفْوِيتُ فَضْلٍ آخر بها (٣)، لقول عمر: "اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، ووفاة ببلد رسولك" (٤)، فكان يخاف من فوات الموت بدار (٥) الهجرة؛ لقول النبي ﷺ : "ولكن البائس سعد بن خولة، يَرْثِي له رسولُ الله أن مات بمكَّة" (٦).

стр. 1404

قال النبيُّ ﷺ : "وددت أني أُقتَل في سبيل الله ثم أُحيى، ثم أُقتَل ثم أُحيى، ثم أُقتَل ثم أُحيى، ثم أُقتَل (١)؛ ثلاثًا، يقول أبو هريرة: أشهد لله، ثلاثًا (٢) " (٣). الثاني: تَمَنِّي الموت لفساد الدين. الثالث: تَمَنِّي الاستدراك لما فات، كقول النبي: "لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما سُقْتُ الهَدْيَ، ولجعلتها عُمْرَةً" (٤)؛ لما رأى في أصحابه من مَشَقَّتِهم في خروجه عنهم بأن يكون وحده في حَجَّتِه قارنًا بين الحجة (٥) والعمرة، وقد أمرهم بفَسْخ الحج، وأن يكون كلهم متمتعًا إلا آحَادًا، منهم: علي (٦)، وأبو موسى؛ لعِلَل بيَّنَّاها في "شرح الحديث". الرابع (٧): تَمَنِّي الخير المستقبل، منه قَوْلُ النبي: "لا حسد إلَّا في اثنتين؛ رجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل والنهار، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويُعَلِّمُها" (٨).

стр. 1405

ونَحْوٌ منه قَوْلُه: "لو كان عندي أُحُدٌ ذَهَبًا لأحببتُ أن لا يَمُرَّ (١) عليَّ ثالث (٢) وعندي منه درهم، ليس شيء أرصده في دَيْنٍ عليَّ أجدُ من يَقْبَلُه" (٣)، وفيه تَمَنِّي زوال الدنيا إذا خاف مُنتزعًا. الخامس: تَمَنِّي العصمة من الآفات الدنيوية بالأسباب، قالت عائشة: "أَرِقَ النبيُّ ليلة فقال: ليت رجلًا صالحًا (٤) من أصحابي يحرسني الليلة، إذ سمعنا صَوْتَ السلاح، قال النبي: من هذا؟ قال: سعد، جئت لأحرسك، فنام النبي حتى سمعتُ غَطِيطَه" (٥). السَّادس: تَمَنِّي الاستكثار من الأعمال الصالحة والصبر عليها، قال النبي: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ووضوء" (٦)، وقال: "لولا أن أشق على أمتي لأخَّرت العشاء إلى نصف الليل" (٧).

стр. 1406

السَّابع: تَمَنِّي العمل الحسن إذا حالت دونه تَقِيَّةٌ، كقول النبي: "لولا حِدْثَانُ عهد قومك بالكُفْرِ (١) لهدمتُ البيت، ورَدَدْنُه على قواعد إبراهيم" (٢). الثامن: أنه يجوز للمرء أن يتمنَّى من الخير في العمل الصالح (٣) أكثر ممَّا هو فيه، لقول النبي ﷺ : "لولا الهجرة لكنتُ امرَأً من الأنصار" (٤). التاسع: تَمَنِّي الانتقام ممَّن يتعمَّق في الدين، ويزيد على الهَدْي العام المستقيم؛ لأن النبي ﷺ وَاصَلَ آخِرَ الشهر وواصل نَاسٌ، فبلغ النبيَّ فقال: "لو مُدَّ الشهر لواصلت وِصَالًا يدع المتعمقون تعمقهم، إني لست مثلكم، إني أَبِيتُ يُطعمني ربي ويسقيني (٥) " (٦). العاشر: تَمَنِّي الزيادة في العلم، قال النبي ﷺ : "يرحم الله موسى، وَدِدْنا لو صَبَرَ حتى يَقُصَّ الله علينا من أمرهما" (٧). الحادي عشر: تَمَنِّي الموت قبل الهَرَمِ، كان النبي يستعيذُ أن يُرَدَّ إلى أرذل العُمُر (٨).

стр. 1407

قال الإمام الحافظ (١) ﵁: فهذه أصول التَّمَنِّي، وعليه تتركَّب فُرُوعُه، وهي كثيرة؛ ولكن اللبيب يحمل على كل أُمٍّ منها بِنْتَها، ويَرُدُّ إلى كل أصل منها فَرْعَه. بيانُ مسايرة التوكل مع الأسباب: وإذ قد تبيَّن أن التوكل لا ينافي مباشرة الأسباب؛ إذا تَحَقَّقَ العبدُ أنه مدفوع إليها بنوع من المقدار، وأنها مُسَخَّرَةٌ له بحِكْمَةٍ من التقدير، وأنَّ مُياسرَتها ومباشرتها لا ينافي (٢) حقيقة التوكل ولا حقَّه، فإنها خمسة أنواع: النَّوع الأوَّل: ألَّا يَتَكَلَّفَ عَمَلَ طعام ولا كَسْبَه، وإنما يثق بالفُتُوح، فقد بيَّنَّا فيما تقدَّم (٣) أن هذا يَعْسُرُ في هذه البلاد (٤)، وأنَّ (٥) أهلها على درجة عظيمة من دناءة الهمة، ووفور الخسة، وأمَّا تلك البلاد التي شاهدنا؛ فإن عُلِمَ ذلك من العبد تقاطرت عليه الأرزاقُ حتَّى لا يَعْلَمَ من أين يأخذُها. النوع الثاني (٦): أن يخرج بغير زاد؛ إمَّا للسباحة، وإمَّا في الإرادة، وإمَّا لعبادة؛ من حج، أو صلة رَحِمٍ، أو صديق، أو عَدُوٍّ، ونحو ذلك، وقد قال الله: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقد قدَّمنا الكلام عليه في اسم "الحاج" (٧)، وهو أَمْرٌ بالعموم للعموم والمصلحة (٨).

стр. 1408

[خروجُ الخضر مع موسى ﵉ بغير زاد]: وعلى هذا ينبني خروج الخَضِرِ مع موسى بغير زَادٍ (١)، حتى ﴿أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ [الكهف: ٧٧]. وقد قيل: "إنَّما استطعما لأن الطعام كان فَرْضًا عليهم في شَرْعِهم" (٢). وقيل: "لأن السؤال عند الحاجة جائز". وقيل: "لأنه فَنِيَ الزاد". وقيل: "لأنهما (٣) لم يَجِدَا ما يبتاعان، فبَاتَا جائعيْن، فلمَّا قام الخَضِرُ لإقامة الجدار قال له (٤): ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾، إن كُنْتَ لا تبتغيه لأجلك فَابْغِهِ لأجلنا" (٥). ومن الفوائد: "أن موسى في هذا السَّفَرِ كان سَفَرَ تأديب، فرُدَّ إلى تحمل المشقة، وحين آوى إلى ظل الصخرة وقال: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] ولم يطلب شيئًا كان محمولًا في تلك السَّفْرَةِ، وفي هذه (٦) مُتَحَمِّلًا" (٧).

стр. 1409

قال أهلُ الباطن في القرآن: "لمَّا كان موسى في المخاطبة مع الخضر في أمر السفينة وأمر الغلام مُحْتَسِبًا لغيره لم يفارقه الخضر، ولمَّا تكلم في حَظِّ نفسه في الثالثة فَارَقَهُ" (١). قال الإمام الحافظ (٢) ﵁: هذا تَكَلُّفٌ، بل قال النبي ﷺ : "كانت الأولى من موسى نسيانًا" (٣)، وكانت الثانية شَرْطًا، وأمَّا الثالثة فهي وفاءٌ بالشرط. "وكان موسى يُحِبُّ صُحْبَةَ الخضر للاستزادة في العلم، وكان الخَضِرُ يريد مفارقته للانفراد بالله" (٤). وقد قال النبي ﷺ : "يرحم الله موسى، وددنا لو صبر حتى يقصَّ الله علينا من شأنهما" (٥). وقد خرج النبيُّ إلى الطائف فرارًا (٦) عن (٧) مكة من قريش بغير زاد، وهاجر إلى المدينة بسُفْرَةٍ (٨)، وكان يخرج قبل المبعث إلى حِرَاء للخَلْوَة والتعبد بزَادِهِ.

стр. 1410

[تتمة الحديث عن أنواع التوكل]: النوع الثالث: أن يخرج بأسباب المحاولة للكسب والرزق؛ كالقِرْبَة والفأس والدَّلْوِ (١). وقد كنتُ أسافر مع الأتراك في القِفَار فلا يحملون إلَّا القوس والقدَّاحة والسَّطيحة (٢)، فإذا أرادوا غذاءً رَمَوا طيرًا أو حيوانًا فلا يخطئونه، ثم قَدَحُوا نارًا وأجَّجُوا حطبًا، واشتووا وأكلوا حلالًا طِلْقًا. ويجوزُ أن يخرج الرجل مُعَوِّلًا على الثمار الصحراوية، والحشائش المُغَذِّيَةِ، وقد يجوزُ له الخروج مُعَوِّلًا على صنعته، فهذا سَبَبٌ قَوِيٌّ. النوع الرابع: طَلَبُ الرزق؛ وقد تقدَّم في المقام الأوَّل (٣) كَيْفِيَتُه ووُجُوهُ كَسْبِه بما يُغْنِي عن إعادته، فإنَّ قَصْدَنا الاختصار. وأحوجُ الخلق إلى الكسب المُعِيلُ، وهو: النوع الخامس (٤): وقد قال الصِّدِّيقُ: "إن حِرْفَتِي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي، وسيأكل آلُ أبي بكر من هذا المال" (٥). يعني: باشتغاله بأمور المسلمين.

стр. 1411

وقد قال الله في حال المُعِيلِ أعظم بيان: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢]، فجعل الصلاة مفتاح باب الرزق، بل مفتاح كل خير. وقد قيل: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾: أي: لا نسألك أن تَرْزُقَ أحدًا (١). يعني: أهلك فمن (٢) سواهم، بل (٣) نحن نرزقك وإيَّاهم، فعليك أَمْرَهم بالعبادة، وعلينا رِزْقُهم. وقوله: ﴿وَاصْطَبِرْ﴾، معناه: تَكَلَّفِ الصبرَ وصَابِرْه، ولَازِمْه حتى تَغْلِبَه، ويصير عادةً سهلة. ويُستحب للمُعِيلِ إذا عَدِمَ الرزق أن يجمع أهله فيصلي بهم ويدعو؛ فإنه يُفتَح له على كل حال بفضل الله. قد (٤) قال وُهَيْبُ بن الورد: "لو كانت السماء نحاسًا، والأرض رصاصًا، واهتممتُ برزقي لظننتُ أني مُشْرِكٌ" (٥). وقال الحسن بن أبي الحسن البصري: "وَدِدْتُ أن أهل البصرة في عِيَالِي، وأن حبَّة بدينار" (٦).

стр. 1412

وهذا ممَّا لم أفهمه لقُصُورِ عِلْمِي عن عِلْمِه، فإن صحَّ فإنه إشارة إلى عُلُوِّ درجته في التوكل، والثقة بالله في وفائه بوعده وسَعَةِ خزائنه، ولكن بَقِيَّ عليَّ الغلاء (١)، ولا صبر للعامَّة معه. [أَسْوِلَةٌ في التوكل وأجوبتها]: فإن قال: "أَرْحَلُ لطَلَبِ رِزْقي"، كان الجواب على قَدْرِ حاله؛ فإن كان من أهل العلم قلتَ له: الرزق في السماء، فأَنْزِلْهُ بمجاديحه (٢). وإن كان من أهل العمل قلتَ له: اطلبه بمحاسن الأسباب وجائزاتها. فإن قيل: فقد بيَّنتم أن التعلق بالأسباب الجالبة للنفع المقتضية للكسب المفيدة للرزق جائز، وأن ذلك لا ينافي التوكل، فماذا تقولون في الأسباب الرافعة للضر، هل يُناقِضُ مباشرتها حال التوكل؟ فإن قلتم: يناقض التعلق بها حق التوكل وحقيقته. قلنا لكم: فما الفرق بينها وبين الأسباب الجالبة؟ وإن قلتم: لا يناقضها؟ قلنا لكم: فما معنى قول النبي: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب؛ هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيَّرون، وعلى ربهم يتوكلون"، وقد تقدَّم من قول الله: ﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ٩ - ١٠].

стр. 1413

ويَعْسُر (١) مقام التوكل؛ قال أبو سليمان الدَّارَانِي لأحمد بن أبي الحَوَارَى (٢): "كل مقام وجدتُ لي فيه نصيبًا إلَّا مقام التوكل" (٣). قال علماؤنا: "الأسباب المتوقعة على قسمين: مقطوع بها، ومظنون" (٤). وزاد بعضُهم (٥) قِسْمًا ثالثًا، وهو الموهوم. قال: "فتَرْكُ الموهوم من شرط التوكل، وهي التي نِسْبَتُها إلى دَفْع الضرر نِسْبَةَ الكي والرقية؛ فإن الكي والرقية قد تُقْدِمُ [به] على المحذور دَفْعًا لما يُتَوَقعُّ، وقد يُستعمَل بعد نزول المحذور للإزالة" (٦). وقد وصف النبيُّ المتوكلين بتَرْكِ الكي والرقية والتطير، ولم يصفهم بأنهم إذا وصلوا إلى موضع بارد لم يَتَدَثَّرُوا (٧). وأكلُ الثُّومِ في السَّفَرِ البارد هو من قَبِيل التعمق في الأسباب (٨). والذي عندي في الباب أن التوكل بترك الأسباب جائز، واستعمالُها جائز، والأفضل تركها لمن قدر عليه.

стр. 1414

والمدفوعُ ضَرَرُه (١) على ثلاثة أقسام: ضرر آدَمِي؛ وضرر حيوان؛ وضرر جماد؛ وهنالك قسم رابع؛ وهو المرض. فأمَّا ضررُ الآدمي فمشروعٌ دَفْعُه، ومشروعٌ طَلَبُ الأسباب له، وبعضُها يجب، وبعضها لا يجب. فأمَّا الذي يجبُ؛ فدَفْعُ ضرر الكفَّار، فقد أمر الله بأخذ الأسلحة، واستعداد ما يمكن من قوَّة، وقد حرز النبي ﷺ (٢) نفسه، وقد خرج ليلًا فارًّا (٣)، وقد قال الله لموسى (٤): ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا﴾ (٥) [الدخان: ٢٣]. وأمَّا الذي لا يجبُ؛ فإذا قَصَدَكَ الظالم للقتل فاحترس منه، واخْفِ نفسك عنه، واهرب ما أمكنك، فإن هجم عليك وافتتن (٦) وفتن، ودخل عليك بيتك؛ فلا تبهش (٧) إليه بقصبة، وكن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل، وتوكَّل على الله فيه.

стр. 1415

وقد كان النبيُّ يأمر بدفع ضرر العين بالرُّقْيَةِ والاستعاذة، وبعد وقوعه باغتسال العائن وصَبِّ المغسول به (١) عليه (٢). وقد قال يعقوب: ﴿يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ [يوسف: ٦٧]. قال قتادةُ ومجاهدٌ وابنُ إسحاق: "كانوا قد أُوتوا صورة وجمالًا، فخشي عليهم أَنْفُسَ الناس" (٣). خَشِيَ نَبِيُّ الله العَيْنَ على بَنِيهِ، وهذا من التوقِّي وترك التعرض والخروج عن الأسباب المتوقعة من ضرر الغير، ولكنه حذر عليهم، وأمرهم بالتحرز، وأخبرهم أن الحُكْمَ لله، وأنه بعد أَمْرِه لهم بالتحرز هو على الله في حِفْظِهم مُتَوَكِّلٌ، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٤) [التوبة: ٥١]. وأمَّا سائرُ الحيوان فادْفَعْهُم بالقتل والاحتراس؛ كالسَّبُع، والحيَّة، والعقرب، والفأر، والكلب العقور، وكل ما آذى (٥) من صغير أو كبير. وأمَّا الجماد؛ فلا تَمُرَّ بجدار مائل، ولا تجلس إليه. وقد قيل: "إن الجدار المائل كان الخَضِرُ يخاف من إذايته، فأراد هدمه؛ فخاف افتضاح الكنز فأقامه".

стр. 1416

وهذه دعوى. أمَّا إنه في غريب الحديث: "أن النبي كان إذا مَرَّ بطِرْبَالٍ (١) مائل أسرع المشي" (٢)، يقال: بالباء المعجمة بواحدة، والياء المعجمة باثنتين من تحتها. وكذلك يدفع عن ماله في الأحوال كلها، ولكن الأفضل ألا يفدي ماله بنفسه، وإن كان قد أَذِنَ الله له (٣) في الدفع عن ماله بنفسه رخصة (٤)؛ لما علم من علاقة الأموال بالنفوس، وللصَّالحين في ذلك سيرة نذكرها إن شاء الله. وأمَّا قِسْمُ المرض فتارةً يخافه، وتارةً يتوهَّمه؛ فإن توهَّمه فلا يجوز له (٥) أن ينظر له، وإن خافه بأن يُخَلِّطَ في طعامه وفي رياضته فذلك جائز له (٦)، والأفضلُ تركه، وأكثرُ ما تحدث الأمراض في الأطعمة والأشربة والرياضة من طريقين: أحدهما: أن يأكل ويشرب ولا يذكر الله، أو يُسْرِف، أو يكون من غير وجهه. [ثانيهما]: وفي الرياضة بأن يتصرَّف في غير طاعة، أو يتكلَّف ما لا يطيق منها، فذلك مكروه.

стр. 1417

قال النبيُّ ﷺ : "عليكم من الأعمال بما تُطِيقون، فإن الله لا يمل حتى تَمَلُّوا" (١). وأمَّا إذا نَزَلَ المرضُ فالتَّطَبُّبُ أفضلُ لاستبقاء الصحة التي أَسْأَرَ (٢) المرض، وإعادة ما أذهب منها، فإن الطاعة لا تتم إلَّا بها، وقد بيَّنَّا أنواع الطب وأقسامه والأدوية وأنواعها، فلا وجه لإعادته. ويجوزُ الابتداءُ بالرُّقْيَةِ من غير مرض للاحتراس من إذاية المؤذين، ومن حدوث الأمراض، كقوله: "من تصبَّح بسبع تمرات من عَجْوَةٍ لم يضرَّه ذلك اليوم سُمٌّ ولا سِحْرٌ" (٣)، وكقوله (٤): "من نَزَلَ منزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التامَّات من شَرِّ ما خَلَقَ لم يضرَّه شيء حتى يرتحل" (٥)، وكقوله: "من قال حين يصبح: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم - ثلاث مرات - لم يضرَّه شيء" (٦)، يرويه أبانُ بن عثمان عن عثمان عن النبي، قال: "وكان (٧) أبانُ

стр. 1418

أصابه طرف فالج، فكان (١) قد حدَّث بهذا الحديث، فنظر إليه رجل فقال: نسيتُ أن أقولها ذلك اليوم، ليُنْفِذَ الله فيَّ قَدَرَه" (٢)، وذلك كثير جِدًّا، متنوع عَدًّا. وقد تقدَّم رُقْيَةُ النبي لغيره ولنفسه (٣)، وأنه كان يمسح بدنه كل ليلة قبل أن يرقد، وتَرَقُّى في مرض موته (٤)، وكَوَى من (٥) المرض الحاصل، وقد نَهَى عن الدخول بأرض (٦) الوباء والتعرض لبلاء الله. فإن قيل: فهل يجوز تَرْكُ التداوي للمريض؟ قلنا: ذلك جائز بأسباب: أحدها: أن يكون المرض زَمَانَةً لا يرجو بُرْأَه. الثاني: أن يترك التداوي رغبةً في ثواب المرض (٧) إذا وجد من نفسه قُوَّةً على الصبر على ذلك، وذلك عندي ما لم تبطل له طاعة. الثالثة: يرجو الكفارة لذنوبه، كما ورد في الحديث (٨). الرابع: أن يكون المرضُ يمنعه من معصية، أو يمنع منه ظالمًا، فيُؤْثِرُ تماديه ليكتفي بذلك ضُرًّا (٩) غيره.

стр. 1419

الخامس: أن يستشعر بالمرض ذِكْرَ الله له، وأنه من الأولياء، فدوام الصحة مكروه، وفي ذلك آثار كثيرة. فإن قيل: لأي شيء لم يترك النبيُّ التداوي وهو أفضل؟ قلنا: النبي لا تضره الأسباب؛ لعظيم منزلته في التوكل، وعَلَّمَ الخَلْقَ بفعله الآداب. فإن قيل: فقد صحَّ عن النبي (١) أنه قال: "من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل" (٢). قلنا: فيه وجهان (٣): أحدهما: أن ذلك منسوخ. الثاني: أن يسكن إليها، وهو أحد التأويلات في قوله: "هم الذين لا يكتوون، ولا يسترقون" (٤)، أي: لا يسكنون إلى ذلك، ألا ترى إلى قوله: "ولا يتطيَّرون"، فإنه يشهد له. كتمانُ المرض (٥): فإن قيل: أيُّ الحالين أفضل؛ كتمان المرض أو إظهاره؟ قلنا: الإخفاء أفضل لأنه أسلم، ويجوزُ إظهاره لوجوه:

стр. 1420

الأوَّل: أن يتداوى. الثاني: أن يستدعي الدعاء. وفي الحديث الصحيح: "أن النبي قال لعائشة - إذ قالت: وارأساه -: بل أنا وارأساه، لقد هممت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه فأعهد؛ أن يقول قائل أو يتمنَّى مُتَمَنٍّ" (١). وهذا كلُّه من الرضا بالقضاء والاستسلام لأمر الله تعالى كما بيَّناه؛ إذا عَلِمَ أن الأمر كله لله، وأنه لا حول ولا قوة إلا لالله، وتحقَّق أن كلَّ ما يحاوله من فِعْلٍ خَلْقُ الله، أو كل ما يتعلق به من سبب فهو صُنْعُ الله، أو كل ما يتأتَّى به من قدرة فهي لله، وأنه ما يتعاطى من ذلك فهو بأمر الله، فإن استفاد شيئًا فلم يستفده فإنه منه، إنَّما استفاده (٢) بأنه من خالقه ومُقَدِّرِه، ومُدَبِّرِه ومُيَسِّرِه، فإذن لا حول ولا قوة إلَّا بالله حقًّا، ولا إله إلَّا الله صِدْقًا، أي: لا خالق غيره، سبحان الله عن أن يكون معه خالق، ولا إله إلا الله، أي: هو المنفرد (٣) بالإيجاد، والله أكبر من كل موجود يُتحقَّق أو يُتوهَّم، ولا حول ولا قوة على تدبير أمر (٤) إلا بالله، وهي الباقيات الصالحات، وترتيبُها على حسب قولها، والعالمُ بها الواقفُ عندها هو "الرَّاضِي".

стр. 1421

الحكايات في التوكل: ذُكِرَ في "الطبقات" عن حُذَيفة المَرْعَشِي أنه خدم إبراهيم بن أدهم، ورأى منه عجبًا، قال: "بَقِينَا في طريق مكة أيَّامًا لم نجد طعامًا، ثم دخلنا الكوفة فآوَيْنَا إلى مسجد خراب، فنظر إليَّ إبراهيم وقال: يا حذيفة، أرى بك الجوع، فقلت: هو ما رأى الشيخ، فقال: عليَّ بدواة وقرطاس، فجئته فكتب فيه (١): بسم الله الرحمن الرحيم، أنت المقصود إليه بكل حال، والمشار إليه بكل معنى: أنا حامد أنا ذاكر أنا شاكر … أنا جائع أنا ظامئ (٢) أنا عَارِ هي ستة وأنا الضمين لنصفها (٣) … فكن الضمين لنصفها (٤) يا باري مدحي لغيرك لَهْبُ نار خضتُها … فأَجِرْ عُبَيْدك من دخول النارِ (٥) ثم دفع إليَّ الرقعة (٦) وقال: اخرج، ولا تُعَلِّقْ قلبك بغير الله، وادفع لأوَّل من تلقى، فأوَّلُ من لقيتُ رجلًا راكبًا بَغْلَةً، فناولته الرقعة فأخذها (٧) وبكى، وقال: ما فعل صاحب هذه الرقعة؟ فقلت: في المسجد الفلاني، فدفع إليَّ صُرَّةً فيها ست مائة دينار، ثم لقيتُ رجلًا آخر فقال: هذا

стр. 1422

نصراني، فجئتُ إبراهيم فأخبرته القصة، فقال لا تمسها فإنه يجيئ السَّاعة، فجاء النصراني وقبَّل رأس إبراهيم وأَسْلَمَ" (١). قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي (٢) ﵁: فهذه آدَابُ أهل تلك الأقطار مع المُرِيدين والواصلين (٣)، وأمَّا أهل هذه البلاد - رَاجَعَ الله بهم - فلو وقعت الرقعة في يد فقيه لبَصَقَ عليها وطَرَحَها، ولو وقعت في يد ظالم - دع نصرانيًّا - لم يلتفت إليها؛ لدناءتهم. حكاية: كان مالكُ بن دينار لا يربط بابه إلَّا بحَبْلٍ، ويقول: "لولا الكلاب ما سددته". وكما كان يتَّكل في صَرْفِ اللص عنه؛ أَلَا كان (٤) يتَّكل في صرف الكلب؟ ويُحتمل أن يكون وَثِقَ من ربه أن يمنعه من المعصية، ودخول الكلب ليس من هذا الباب. حكاية: رُوي أن الربيع بن خُثَيم كانت له فرس ابتاعها بعشرين ألفًا، فسُرِقَتْ وهو يصلي، فلم يقم إلى اللص حين رآه يَحُلُّ عِقَالها، وقال لأصحابه: "هي صدقة عليه" (٥).

стр. 1423

وفي غريب الحديث: "أن عائشة دعت على لص فقال: لا تُسَبِّخِي (١) عنه (٢) " (٣). وقيل لبعض الصالحين: "ادع على من سرق متاعك وظلمك، فقال: ما ظلم إلَّا نفسه، أما يكفيه المسكينُ ظُلْمَه لنفسه حتى أزيده شرًّا" (٤). حكاية (٥): أخبرنا ابن يوسف (٦) عن أبي ذَرٍّ عن الدارقطني قال: نا أبو محمد بن صاعد: نا (٧) الحُسَين بن الحسن المروزي: نا عبد الله بن المبارك: نا سفيان بن عُيَينة عن أبي سِنَانٍ قال: سمعتُ سعيد بن جُبَير يقول: "لُدِغْتُ فأمرتني أُمِّي أن أسترقي، فكرهتُ أن أعصيها، فناولتُ الرَّقاءَ يَدِي التي لم

стр. 1424

تُلْدَغْ" (١) - وأبو سنان ضِرَارُ بن مُرَّةَ الشيباني كوفي، روى عنه الثوري وشعبة، ولم نعلم أنه روى عنه ابن عُيَينة (٢) -، وهذه حَالَةٌ لا تُمْكِنُ إلَّا لصَابِرٍ (٣). * * *

стр. 1425

الصَّابِرُ (١): وهو الاسمُ السَّادس والثلاثون وهو وَصْفٌ كريم، وحَظٌّ لمن وُهِبَ له عظيم، وقد كَثُرَ ذِكْرُه في الشريعة قرآنًا وسنة، وجُعِلَ أَجْرُه موازيًا لأجر جميع العمل، فإن الله قال: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠]. وقال في الصبر: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]). يريد: غير معدود، وإنما هو جُزَافٌ، وبه يتمُّ للعبد بلوغُ الأمل في الدنيا، وهلاك العدو. قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧]. وأخبر أن الله مع الصَّابرين، وماذا يرغبُ من كان الله معه في شيء بعده؟! وأحاديثُ الصبر قليلة، أَمَا إنَّ الناس قد أكثروا منها؛ في الصحيح - واللفظ للموطأ -: "من يستعفف يُعِفه الله، ومن يستغن يُغنه الله، ومن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّره الله، وما أُعطي أحدٌ عطاءً (٢) هو خَيْرٌ وأَوْسَعُ من الصبر" (٣).

стр. 1426

ومَرَّ النبي ﷺ على امرأة تبكي على قبر، فقال لها النبي: "اتق الله واصبري، قالت له: إنك لم تصَبْ بمصيبتي، فلمَّا مرَّ قيل لها: إنه النبي، فجاءت بابه فلم تجد عليه بوَّابين، فقالت له: لم أعرفك يا رسول الله، فقال: إنَّ الصبر عند الصدمة الأولى" (١). فرأى صلى الله عليه أنها لو صبرت في حين المصيبة لحازت أجر الصابرين، وإذْ فاتها ذلك فلو صبرت حين موعظته لها لكان لها أجرٌ أقل من ذلك، فلما رَدَّت الوعظ وأرادت بعد ذلك استدراك ما فاتها قال لها: "قد فاتتك الخصلة الكبرى؛ وهي الصبر عند الصدمة الأولى في أوَّل المصيبة". وقد أخبرنا محمد بن الأسعد الصوفي (٢): أخبرنا محمد بن فَتُّوح قال: [أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، قال:] (٣) قرأتُ في كتاب أبي الفتح بن مسرور البلخي (٤): حدَّثنا أبو القاسم بن شِبْلُونَ (٥) الحافظ: أخبرنا أحمد بن يحيى بن الشامة: حدَّثني أبي قال: حدثنا خالي إبراهيم بن قاسم بن هلال: حدَّثني فُطَيس السَّبَائِي قال: سمعت مالك بن أنس ﵁ (٦) في قول الله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، قال: "يُثْبَتُ (٧) عليه حتى الأنين في مرضه" (٨).

стр. 1427

قال الإمام الحافظ (١): وكأنه رأى هذا مُعَارِضًا للصبر، وهي درجة عظيمة؛ لأنه لا يمكن تَرْكُ الأنين لكل قلب، وقد قال النبي: "وارأساه" (٢)، والكلام أقوى من الأنين، فالله أعلم (٣). وحديثُ "الصبر نصف الإيمان" (٤) ضعيف جدًّا، فلا تشغلوا به بالًا، بل الإيمان هو الصبر كله؛ لأن الشريعة على قسمين: مأمور، ومزجور، ولا يطاقُ الامتثال ولا الانكفاف إلا بالصبر، فإن حقيقته (٥): فِعْلُ ما تكرهه النفس من اعتقاد أو عمل، بدلًا ممَّا تؤثره وتهواه (٦). والنَّفْسُ مائلة إلى الراحة، حريصة على ارتكاب الشهوة، وأوامرُ الشرع ونواهيه مخالفة لهواها، فلم يَصِلْ عبد إلى ذلك إلَّا بالصبر، والشَّهَوَاتُ والرَّاحَاتُ تكثرُ؛ فإذا كسر شهوته صبر، وإذا آثَرَ التعب على راحته صبر، وإذا كانت الشهوة في الفَرْجِ فقضاها كما أَذِنَ له الشرع أُجِرَ، وإن تعلَّقت بما لم يأذن فيه الشرع فتركها كان على جُزْء من الصبر، يقال له:

стр. 1428

عفة، وهو (١) أَخَصُّه، وكذلك يقال: عفيف الفم واليد واللسان؛ إذا لم يُقَابِلْ به شَهْوَةً عَرَضَتْ له، صَدَمَها أمرٌ أو نهيٌ، كما يقال في احتمال مَكْرُوهِ الحوادث النازلة بالعبد: شجاعة، فهي في العُرْفِ مخصوصة بالحرب، وهي في الحقيقة عبارة عن ثُبُوتِ القلب عند حلول النوائب، وإن تعلَّقت الشهوةُ بالتَّشَفِّي والانتقام فعارضها كان "حليمًا". * * *

стр. 1429

الحَلِيمُ (١): وهو الاسمُ السَّابع والثلاثون إذا تَرَكَه مع القدرة عليه، وذلك بالحقيقة ليس إلَّا لله (٢)، فالله وحده هو الحليمُ حقًّا؛ لأنه يؤخر العقوبة مع القدرة على الاستعجال. وبهذا دخل الصَّبْرُ في جميع خصال الإيمان، فكل من مشى على طريقه فهم: ﴿الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [الأحقاف: ١٣]، وكل من مال إلى الشهوات هم: ﴿الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٨٦]، وهنالك من تُنازعه شهوته وتَرُدُّه عقيدته، فهو أبدًا في حرب ونزاع، وهي حالة محمودة، والأوَّلُ أشرف منزلة. [درجاتُ الصبر]: ودرجاتُ الصبر أعظمُها تَرْكُ التَّشَفِّي والانتقام عند الغضب (٣)؛ ألا ترى إلى ثناء الله على إبراهيم به حين قال: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا (٤)﴾ [هود: ٧٤]، يعني: طَفِقَ يجادلنا في قوم لُوطٍ، وذلك قَوْلُه: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣٢]، فغَلَّبَ إبراهيمُ تَرْكَ الانتقام لما (٥)

стр. 1430

يَحِقِّ (١) لِلُوطٍ (٢) من الإكرام، إلى أن قيل له: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢]. قال علماؤنا: "وهذا يدل على أن للباري أَنْ يعذب البريء؛ ألا ترى إلى إبراهيم مع وفارة علمه كيف (٣) جعل يدفع عنه مخافة أن يفعل الباري به (٤) ما له أن يفعل، فطلب من الله فضله لا عدله، وكرمه لا حقه" (٥). وقيل له: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا (٦)﴾ [هود: ٧٦]، إنَّ العذاب قد نزل، والحُكْمَ قد نفذ، والقَوْلَ قد وجب، والكلمة قد حقَّت (٧). ويليها: تَرْكُ المناهي (٨). ويليها: تَرْكُ الشهوات (٩)، والاقتصار على الحاجة؛ وهو الزهد. حالةُ العَبْدِ: وكُلُّ ما يكون فيه الآدمي في الدنيا لا يخلو من أن يُوَافِقَ هواه أو يخالفه، أو يكون في طاعة أو في (١٠) غير طاعة؛ من مباح أو معصية، وكلُّ

стр. 1431

ما يرتبط به الصبر؛ فإنه يصبر على فعل الطاعة كما تقدَّم، ويصبر على ألَّا يراها ويعتد بها، ويصبر على ألَّا يذكرها، ويصبر عن المعاصي، ويصبر على ألَّا يعتد بوَرَعِه، ويصبر عن (١) المباحات؛ وهو الزهد، ويصبر عن الشبهات (٢) وهو "الوَرَعُ" (٣). * * *

стр. 1432

الوَرَعُ (١): وهو الاسمُ الثامن والثلاثون ويَدْخُلُ في الأقوال والأفعال، فكلُّ فِعْل يتردد بين النهي والأمر ويتعارضان فيه فليتركه، وكلُّ قَوْلٍ يتردد بين النفع لغيره والضرر فليسكت عنه. الدرجة الخامسة: أن يصبر على الأذى، وقد أمر اللهُ رسولَه بذلك في مواضع كثيرة من كتابه، وأمر المسلمين بذلك في قوله: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦]، وأخبر عن الأمم الماضية بمِثْلِه في قولهم (٢): ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ [إبراهيم: ١٢]، وقال النبي ﵇ حين انتُهك عِرْضُه الكريم السَّلِيم: "يرحم الله موسى؛ لقد أُوذِيَ بأكثر من هذا فصبر" (٣). ولمَا جُبِلت عليه القلوبُ من حب الانتقام أُذِنَ في الاقتصاص، فقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦].

стр. 1433

وقد جمعه بعضهم في ثلاثة أنواع، فقال: "صبر على فرائض الله، وصبر عن (١) محارم الله، وصبر على المصائب في ذات الله" (٢). قال النبي في دعائه: "اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تَحُولُ به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تُهَوِّنُ به علينا مصائب الدنيا" (٣)، وهذا بيان أن العلم بالمصيبة وطريقها يُهَوِّنُها. ولا يخرج عن (٤) الصبر (٥) بحُزْنِ القلب ولا بدَمْع العين، قال النبي ﷺ : "إن الله لا يُعَذِّبُ بحُزْنِ القلب ولا بدمع العين، ولكنه يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم" (٦)، يريد (٧) بالقول الذي يصدر منه، فلا يكون إلَّا خيرًا. قال النبي ﷺ : "ليس منَّا من ضرب الخدود، وشَقَّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية" (٨).

стр. 1434

وقال: "ليس منَّا من سلقَ وخرقَ وحلقَ" (١). وممَّا يُفعل ببغداد وبالأندلس إذا مات الميت أن يُغَيِّرُوا هيأتهم بلباس البياض؛ إذ من زيهم ببغداد وبالأندلس لباس السواد. وقد قال النبي ﷺ في موت الزوج لأم سلمة: "قل: اللهم أَجِرْنِي في مصيبتي، وأعقبني منها عقْبَى حسنة" (٢). ومرَّ - كما تقدَّم - بامرأة تبكي على قبر، فقال لها: "اتق الله واصبري، فقالت له: إنك لم تُصب بمصيبتي، ثم قيل لها: هو رسول الله، فجاءت إليه فلم تجد عنده بوَّابين، فقالت له: إني لم أعلم بك يا رسول الله، فقال: إنَّما الصبر عند الصدمة الأولى" (٣). وفي الصحيح: "أن أم سُلَيم توفي ابنها، وكان زوجها غائبًا، فجاء فقال: كيف الصبي؟ قالت: هَدَأَ (٤) نَفَسُه، فأكل ووطئ بعد أن تصنَّعت له، ثم أعلمته، فغدا إلى رسول الله فأعلمه، فقال: اللهم بارك لهم في ليلتهم" (٥)، انتهى الحديث الصحيح.

стр. 1435

ولمَّا مات إبراهيمُ ابنُه ومات ابنُ ابنته فاضت عيناه، فقيل له: "وما هذا؟ فقال: هي رحمة، وإنَّما يرحم الله من عباده الرحماء" (١). وقال الله تعالى - مُخْبِرًا عن يعقوب -: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨]. ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "الصبر الجميل؛ الذي لا شكوى معه (٢) " (٣). وقال الله تعالى لعباده المؤمنين: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. فالصبرُ فيما تنفرد به، والمصابرةُ فيما ينازعك العدو عليه، والرِّبَاطُ التزامُ ما عقدت عليه من الصبر (٤). وقد قيل: "الصَّبْرُ أوَّلًا، ثم التَّصَبُّرُ، ثم المُصَابَرَةُ، ثم الاصطبار" (٥). والذي عندي أنه كله واحد، له أوَّل وآخِر. وقيل: "اصبروا على الطاعات وعن المخالفات، وصابروا عن (٦) الهوى والشهوات، واقطعوا المُنَى والعلاقات، ورابطوا بالاستقامة في جميع الحالات" (٧).

стр. 1436

وقيل: "اصبروا بنفوسكم، وصابروا بقلوبكم، ورابطوا بجوارحكم". ويقال: "اصبروا عن ملاحظة الثواب، وصابروا على الدنو والزُّلْفَةِ من الله، ورابطوا على باب العدو (١)، واتقوا الله في مغازيه (٢) حتى تفلحوا". المعنى: تظفروا. وقال علماؤنا: "إن قوله: ﴿وَصَابِرُوا﴾، أي: خُذُوا الصبر شيئًا بعد شيء". قال النبي ﷺ : "إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفْقٍ، فإن المُنْبَتَّ لا أرضًا قطع، ولا ظَهْرًا أبقى، ولن يشادَّ أَحَدٌ هذا الدين إلَّا غلبه" (٣). المعنى في ذلك: أنك لا تقدر أن تأخذ من الطاعات إلَّا الأقل، أَمَا إن الذي يلزمك ألَّا تترك شيئًا من المعاصي إلَّا تَجْتَنِبه. قال النبي ﷺ مُبيِّنًا لهذا المعنى: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" (٤). وما من حيوان إلَّا رَكَّبَ الله فيه الصبر، حتى إنَّ صَبْرَ البهائم ممَّا خلقه الله فيهم (٥) حكمة وآية.

стр. 1437

وقد أنكر بعضُ (١) أشياخنا صَبْرَ البهائم واستبعده؛ لمَّا رآه ينبني على غير (٢) معارف. وهذا ضَعِيفٌ من قوله مع قوته في العلم؛ فإن العلم المتعلق بمنفعة المعاش ومضرته (٣) موجود عند البهائم، بل عندها من المعاني (٤) في تدبير المعاش ما لا يُدْرِكُه الآدَمِي، والذي يدلُّك على ما عندها من ذلك أمران عظيمان: أحدهما: المشاهدة؛ لتصرفها في فجورها وتقواها. الثاني: أن النبي ﷺ قد أخبر عنها بأنها ذات رحمة وحنان، قال النبي ﷺ : "إن الله خلق مائة رحمة، وأعطى الخلق منها واحدة، فبها تَرْفَعُ البهيمة حافرها عن ولدها" (٥)، هذا في الصحيح. وفي الحَسَنِ: "أن طائرًا أَخَذَتْ أَفْرُخَه (٦) الصحابةُ في بعض الأسفار، فجاءت الأم فلم تجدهم، ورأتهم بأيدي الآخذين لهم، فجَعَلَتْ تُرَفْرِفُ عليهم، حتى أمر النبيُّ بصرفهم إليها، ثم قال: أترون رُحْمَ هذه بأولادها؟ فالله أرحمُ بعباده منها" (٧).

стр. 1438

وإذا كان فيها الرحمة والرقة ففيها الصَّبْرُ، وقد ذكرنا من ذلك جُزْءًا غريبًا في (١) كتاب (٢) "ترتيب الرحلة"، حصَّلناه بنواحي كربلاء. استطراد: غلا بعضُ الناس فقال: "إن الصبر حظُّ القاصرين، والدرجة العليا الشكر؛ فإن المصيبة إذا نزلت فهي في التحقيق (٣) نِعْمَةٌ من الله تُوجِبُ الشكر". قال الإمام الحافظ ﵁: وهذا لازم في نفسه، لكن ليس بملزم للخلق، وإنَّما هي درجة إلى الحق، فإذا رأى أن الباري قد أخذ منه ما أعطاه شكره على ما أبقاه، نعم؛ وعلى ما أخذ، فإنه ما أخذه إلَّا ليعطيه أفضل منه، فهو موضع الشكر العظيم، وهو: * * *

стр. 1439

الاسمُ التاسع والثلاثون: الشَّاكِرُ (١) أَمَا إنه قد ينفردُ الصَّبْرُ عن الشكر في فوات الطاعة للعبد، فهو مَوْضِعُ صَبْرٍ وليس بموضع شُكْرٍ، ولعظيم هذه الرتبة أخبر الله عنها بالقلة فقال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]؛ ولذلك صار الصبر والشكر قَرِينَيْنِ، بل أخوين، وهو سبب المزيد؛ قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]. ولبعض البلغاء حكمة (٢) بديعة؛ قال في خطبة: "معلوم أن الله قضى للنعم إذا حُصِّنَتْ بالشكر أن يستدنى منها القصي، ويستأنس النافر الوحشي، وإذا قُرِنَتْ بالكفر أن يرحل منهما القاطن، وتستوحش المعاطن" (٣). يقول الله في القرآن المجيد: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. ومن "فوائد أبي سَعْدٍ الشهيد": "إن الله أَعْلَمَ أنَّكم إن شكرتم إنعامه زادكم إكرامه، وإن كفرتم أَحَلَّ بكم امتحانه، وأنزل بكم فراقه وهجرانه" (٤).

стр. 1440

وقيل: المعنى: "إن عرفتم قَدْرَ أفضالي لأزيدنكم من نوالي، وأُشهدكم جمالي، وأُعَرِّفكم جلالي" (١). وقيل: "لئن شكرتم بإدامة العبادة لأزيدنكم فوق الإرادة" (٢). وقيل: "لئن شكرتم مِنْحَتِي للُطْفِي لأزيدنكم العلم بوَصْفِي (٣) " (٤). وقيل: "لئن شكرتم حاضر نِعَمِي لأزيدنكم غائب كَرَمِي" (٥). وقيل: "لئن شكرتم ما خولتكم من عطائي لأزيدنكم ما وعدتكم من لقائي" (٦). وقيل: "لئن كفرتم ما منحتكم من السرائر لأَسْلُبَنَّكم ما ألبستكم من الظواهر" (٧). وقيل: "لئن كفرتم بدعوتى (٨) استحقاقها لأسلبنَّكم حلاوة مذاقها، ولئن كفرتم أنتم ومن في الأرض جميعًا فإن الله لغني حميد" (٩).
следующие страницы →